وقد نقل الإجماع على مذهب البخاري حافظا المشرق والمغرب: الخطيب١ وابن عبد البر٢.
وبَيَّنَ الحافظ ابن حجر ﵀ في عِدَّة مناسبات رُجحانَ مذهب البخاري، فقال: "وهو المختار، تبعاً لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد"٣. وقال في مكان آخر - بعد أن بَيّن الباعث للبخاري على اشتراط ذلك -: "فتبيّن رجحان مذهبه"٤. ونقل عنه السيوطي ﵀ قوله:
"من حَكَمَ بالانقطاع مطلقاً: شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة: سَهَّل، والوسطُ - الذي ليس بعده إلا التعنت -: مذهب البخاري ومن وافقه ... "٥.
فَتَبَيّنَ من ذلك: أن ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀ من الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة: مرجوحٌ، وأنَّ الراجح هو اختيار البخاري ومن وافقه: من اشتراط ثبوت اللقاء؛ إذ إن ذلك مقتضى الاحتياط، والله تعالى أعلم.
стр. 387
المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس
وينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
أولاً: تدليس الإسناد: وهو "أن يروي المحدث عمّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه". قاله ابن القطان١.
وعَرَّفَهُ ابن حجر بقوله: "أن يروي عمن لقيه شيئاً لم يسمعه منه بصيغة مُحْتَمِلة، ويلتحق به: من رآه ولم يجالسه"٢.
وهذا النوع هو الذي غلبت تسميته بـ "تدليس الإسناد" وسماه بعضهم: "تدليس السماع"٣.
ويلحق بهذا النوع ما يسمى بـ "تدليس التسوية"، وصورته - كما قال الحافظ العراقي -: "أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد الْمُدَلِّس - الذي سمع الحديث من الثقة الأول - فَيُسْقِطُ منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل"٤.
стр. 388
ولتدليس الإسناد صور أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر١.
ثانياً: تدليس الشيوخ: وهو: "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة"٢.
قال الحافظ العلائي: " ... فهو يختلف باختلاف الأغراض:
فمنهم من يُدَلِّس شيخه لكونه ضعيفاً أو متروكاً حتى لا يُعْرَف ضعفه إذا صَرَّح باسمه.
ومنهم من يفعلُ ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيراً ... "٣.
قال ابن حجر فيمن يفعل ذلك لإخفاء ضعف شيخه: "وهو خيانةٌ ممن تعمّده"٤.
ومن المسائل التي تعرض لها ابن القَيِّم ﵀ فيما يتعلق بالتدليس:
المسألة الأولى: في حكم حديث المُدَلِّس.
اختلف أهل العلم في قبول خبر من عُرف بالتدليس - وبخاصة ما يتعلق بتدليس الإسناد - على أقوال:
стр. 389
أحدها: أن خبره مردود مطلقاً غير مقبول. عزاه الخطيبُ لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث١.
الثاني: القبول مطلقاً. عزاه الخطيب - أيضاً- إلى خلقِِ كثير من أهل العلم.
وذلك أنهم لم يروا التدليس من باب الكذب، ولا أنه ينقض عدالته٢.
الثالث: التفصيل: فمن كان لا يُدَلِّس إلا عن ثقة قُبِلَ تدليسه، وإلا فلا. عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث٣.
الرابع: يُقبل ممن كان وقوعه منه نادراً، وأما من غَلَبَ ذلك على حديثه: فلا٤.
الخامس: التفصيل أيضاً، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.
قال السخاوي: "وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني"٥. وقَرَّرَ العلائي: أنه "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول"٦. وصححه الحافظ الخطيب٧، وكذا
стр. 390
صححه ابن الصلاح١.
ونفى ابن القطان الخلاف في ذلك، فقال: "إذا صَرَّحَ المُدَلِّس الثقة بالسماع: قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن: ففيه الخلاف"٢.
وقد كان ابن القَيِّم يذهب إلى هذا التفصيل في حقِّ المدلسين، وجاءت عباراته صريحة في هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فمن ذلك:
قوله في حق محمد بن إسحاق: "إن ابن إسحاق ثقة لم يُجْرَح بما يوجب ترك الاحتجاج به ... إنما يُخَاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه"٣. قال ذلك في حديث أبي مسعود في صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة.
وقال في حديث ابن إسحاق - أيضاً-:حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طلاق ركانة بن عبد يزيد: "وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله: حدثني"٤. وقال عنه مرة:"والذي يُخاف من ابن إسحاق: التدليس، وقد قال: حدثني"٥.
стр. 391
وقال ﵀ في حديث عَنْعَنَ فيه بقية بن الوليد - وهو حديث ذمِّ القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة -: "لو قال بقيةُ: حدثنا الأوزاعي. مشى حال الحديث، ولكن عَنْعَنَهُ مع كثرة تدليسه"١. وقال عنه مرة: "وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع: فهو حجة"٢.
ومع تقرير ابن القَيِّم ﵀ لمذهب الجمهور، وعمله بمقتضاه في عدة مناسبات - كما سبق نقل أمثلة لذلك - فإنه يذهب إلى استثناء بعض المدلسين من هذه القاعدة، فيرى: أن من كان لا يدلس إلا عن ثقة، فإنه تقبل عنعنته، ولا يطالب بإظهار السماع والتحديث.
وقد مضى معنا أن هذا أحد المذاهب في المسألة، وأن ابن عبد البر حكاه عن أكثر أئمة الحديث، وجزم به الذهبي رحمه الله٣.
فكأن ابن القَيِّم ﵀ جمع بين هذين المذهبين في العمل، فيرى: أن حديث المدلس لا يقبل منه إلا ما صَرَّحَ فيه بالسماع، إلا فيمن كان لا يُدَلِّس عن الضعفاء، وكان لا يُدَلِّسُ إلا عن ثقة.
ومما قاله في هذا الصدد:
"وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفاً بالتدليس عن الضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين"٤.
стр. 392
ويؤكد ﵀ هذا المعنى في حق أبي الزبير، فيقول في مناسبة أخرى: "وأكثرُ أهلِ الحديث يَحْتَجُّونَ به إذا قال: عن، ولم يُصَرِّح بالسماع، ومسلم يُصَحِّح ذلك من حديثه ... "١.
ولكن، لعل ابن القَيِّم ﵀ أراد بعبارته الأولى أن ينفي عن أبي الزبير تدليس اسم شيخه الضعيف تغطية لحاله، وهو ما يعرف: "بتدليس الشيوخ" كما مرّ، فإن مناسبة كلام ابن القَيِّم هذا: أن أبا الزبير قال في إسناد الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم: "عن رجل صالح من أهل المدينة". فقال ابن القَيِّم ما قال دفعاً لتوهم قيام أبي الزبير بذلك في حق شيخه المذكور.
وأما قوله ﵀ عن السلف: "لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح": فلعله يشير بالسلف هنا إلى التابعين خاصة، وأبو الزبير منهم، فهل يسلم له أن التابعين لم يقع منهم التدليس عن الضعفاء؟؟
فقد ذهب إلى ذلك أيضاً: الحاكم ﵀، فرأى أن التابعين بأسرهم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقة، نقل ذلك عنه العلائي٢، ثم اعترضه بقوله:
"وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت أن من دَلَّسَ من التابعين لم يكن
стр. 393
وعلى هذا، فإنَّ إطلاق ابن القَيِّم القول بذلك في حق التابعين غير مُسَلّم، ويَرِدُ عليه ما أورده العلائي على أبي عبد الله الحاكم.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ يذهب إلى أن خبر المدلس لا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع، وقد يُستثنى من ذلك عنده: من عُرِفَ بأنه لا يدلس إلا عن ثقة.
المسألة الثانية: حكم ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين.
تَعَرَّضَ ابن القَيِّم ﵀ لهذه المسألة، فقال في حديث أطيط العرش، وما أُعِلَّ به من عنعنة ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة: " ... فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك"٢.
فظاهرُ كلام ابن القَيِّم: الحكم بالاتصال لعنعنة الْمُدَلِّس إذا كان لقي من عنعن عنه، وسمع منه. ويستدل لذلك بما وجد في "الصحيحين" من الاحتجاج بعنعنة المدلسين.
أما الحكم على عنعنة الشخص بالاتصال لكونه لقي من
стр. 394
عنعن عنه وسمع منه: فهذا في غير المدلسين باتفاق العلماء، وقد مضى معنا البحث في ذلك.
وأما المدلس إذا عنعن: فالصحيح - كما مضى قبل قليل - أنه لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، بل إن ابن القَيِّم ﵀ يذهب إلى ذلك، كما سبق نقله عنه.
أما أن يكون ثبوت اللقاء سبباً للحكم بالاتصال فيما عنعنه المدلس: فلا.
وأما ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين، وإخراجهما ذلك على سبيل الاحتجاج، واستناد ابن القَيِّم ﵀ على ذلك في الحكم لما وُجِدَ في غيرهما بالاتصال: فقد قال غير واحد من أهل العلم بأن ذلك محمول على ثبوت السماع عندهما في هذا المعنعن من جهة أخرى، "ولو لم نقف نحن على ذلك: لا في المستخرجات - التي هي مظنة لكثير منه - ولا في غيرها" كما قال السخاوي١.
وممن صَرَّح بذلك من الأئمة: ابن الصلاح٢، وتبعه النووي ﵀ فقال: "وما كان في الصحيحين وشبههما٣ عن المدلسين بـ "عن": محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"٤. ووافقهما الحافظ ابن حجر ﵀، لكنه أشار إلى تقييد ذلك بما كان عندهما على
стр. 395
سبيل الاحتجاج، أما ما أخرجاه من عنعنة المدلسين في المتابعات، فقد يحصل في مثله نوع من التساهل١.
وأما ما مَثَّل به ابن القَيِّم ﵀:
فأما أبو الزبير عن جابر: فلابد من تقييد ذلك"بصحيح مسلم"؛ لأن البخاري لم يخرج له إلا متابعة.
ثم إن الأئمة قد احتملوا عنعنة أبي الزبير عن جابر إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه؛لأنه أعلم له على الأحاديث التي سمعها من جابر٢.
وأما ما كان في "صحيح مسلم" من ذلك، وليس من رواية الليث عنه: فقد قال الحافظ العلائي ﵀: "كأن مسلماً- ﵀ اطلع على أنها مما رواه الليث عنه، وإن لم يروها من طريقه"٣.
وأما سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: فإن ابن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة، وقال ابن حبان: "وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة"٤.
وعلى كل حال، فلابد من حمل ما وقع في "الصحيحين"من ذلك على ما تقدم من كلام الأئمة، تحسيناً للظن بكتابيهما، ولإجماع الأمة على صحة ما وقع فيهما.
стр. 396
فهذا ما يجاب به عن تخريج أصحاب "الصحيحين" لعنعنة المدلس في مقام الاحتجاج، وأما إجراء هذا الحكم على ما وقع من ذلك خارج كتابيهما - كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم ﵀ قياساً عليهما: فغير مسلّم؛ لما تقدم من أن "للصحيحين" في ذلك خصيصة ليست لغيرهما، لتقدم كتابيهما على غيرهما، ولتلقي الأمة لهما بالقبول.
стр. 397
المبحث التاسع: الشَّاذ
تعريفه: اخْتُلِفَ في تعريف الحديث الشاذ على أقوال، أرجحها: أنه: مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح"١. وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، وجماعة من أهل الحجاز٢.
وعلى هذا المذهب: لابد أن يتوافر للحكم بالشذوذ شرطان:
الأول: أن يكون الْمُتَفَرِّد ثقة.
الثاني: أن يكون هذا المتفرد مخالفاً لمن هو أرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من المرجحات.
وقد حَدَّ الخليلي الشاذ: بمطلق التفرد، ولم يقيده بالمخالفة، ولا بكون المتفرد ثقة٣.
وذهب الحاكم إلى تقييد الشاذ: بتفرد الثقة، ولكنه لم يشترط فيه المخالفة٤.
والراجح هو التعريف المتقدم أولاً، كما مضى في كلام ابن حجر، ورجحه أيضاً ابن كثير٥.
стр. 398
وقد حَرَّرَ ابن الصلاح أن الشاذ المردود على قسمين:
أحدهما: الحديث الفرد الذي خالف راويه من هو أولى منه في الحفظ والضبط.
الثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يكون جابراً لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف١.
وهذا الذي حرره ابن الصلاح في حد الشاذ وصفته قال به ابن القَيِّم ﵀؛ فإنه قال - عند كلامه على صفة الراوي المقبول وشروط قبول خبره -: "أن لا يشذ عن الناس: فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه، وليس ممن يُحتمل ذلك منه: كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.
فأما مثل: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم: فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأساً. وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهناً على وهن"٢.
стр. 399
وهذا الكلام من ابن القَيِّم ﵀ يُحَدِّدُ بوضوحٍ صفة الحديث الشاذ بقسميه المتقدم بيانهما عند ابن الصلاح، فقد بيّن ﵀ أن الشاذ هو:
١- أن يروي الثقة ما يخالفه فيه من هو أوثق وأكبر.
٢- أو: ينفرد بما لا يتابع عليه، وليس هو ممن يحتمل تفرده، وذلك لقلة ضبطه، وعدم تمام حفظه. وهذا بخلاف تفرد الثقة الضابط، فإنه مقبول محتج به.
ويؤكد ابن القَيِّم ﵀ هذا المعنى ويزيده وضوحاً، فيذكر أن التفرد أنواع، وأنه ليس كل تفرد يكون الحديث بموجبه شاذاً، فيقول ﵀:
"التفرد نوعان:
١- تفرد لم يُخَالَف فيه من تفرد به؛ كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين١، وأشباه ذلك.
٢- وتفردٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٢ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلولم يرو هذا عن ابن جريج، وتفرد همام بحديثه، لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه.
стр. 400
فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله"١.
ففي هذا الكلام منه ﵀ بيان للفرق بين تَفَرُّدِ الثقة بما لم يروه غيره - مع كونه ممن يحتمل تفرده -: فهذا مقبول، وبين تفرد الثقة بما يخالفه فيه الثقات: فهذا الذي يكون شاذاً مردوداً، وهذا الفرق سبق بيانه واضحاً في كلام ابن الصلاح وغيره.
ويؤكد هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقول ﵀: "والتَّفَرُّدُ الذي يُعَلَّلُ به: هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها.
وأما الثقة العدل: إذا روى حديثاً وتفرد به، لم يكن تفرده علة، فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي ﷺ عملت بها الأمة"٢.
ويشير مرة إلى أن تفرد الثقة - إذا لم يخالف - لا يضر، فيقول في حديث السعاية، وما قيل من تفرد ابن أبي عروبة به: "ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره"٣.
فتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ قد حرر بكلامه هذا: معنى الشاذ، وصورته الصحيحة، وبيّن الفرق بين التفرد الذي يعد شذوذاً وما لا يكون كذلك.
стр. 401
ومع ذلك، فكأنه ﵀ أراد التنزل مع من يسمي تفرد الثقة غير المخالف "شاذاً"، فذهب إلى القول: بأن ذلك وإن سمي شاذاً، فإنه ليس بمردود بل هو محتج به.
وقد سبق أن هذا المعنى وقع في تعريف الحاكم ﵀ للشاذ، فهو عنده: تفرد الثقة دون متابع.
قال ابن القَيِّم ﵀: " ... فأما إذا روى الثقة حديثاً منفرداً به، لم يرو الثقات خلافه: فإن ذلك لا يُسمى شاذاً، وإن اصطلح على تسميته شاذاً بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح مُوجباً لرده، ولا مُسوِّغاً له".١
وقال مرة في حديث صيام ست شوال: "فإن قيل: مداره على عمر بن ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتجُّ به.
قيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث الأعمال بالنيات"٢.
وذلك محمول - كما تَقَدَّمَ - على التنزل منه ﵀ مع المخالفين، وإلا فقد سبق تأكيده على أن هذا ليس شاذاً، ونقلنا كلامه في ذلك، والله أعلم.
стр. 402
المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
الاعتبار: "هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد". قاله الحافظ ابن حجر١.
ذلك أن الأئمة يأتون إلى الحديث الذي يُظن كونه فرداً، فينظرون: هل وافق راويه أحد غيره على روايته أم لا؟ وذلك بالبحث والتفتيش في: الصِّحَاح، والجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والفوائد، والمشيخات وغيرها. فهذا النظر والتفتيش يسمى "اعتباراً".
فإن وُجِدَ أحد شارك هذا الراوي فرواه عن شيخه، أولم يوجد ولكن وُجد من رواه عن شيخ شيخه، وهكذا حتى الصحابي، فعند ذلك يُسمى حديث هذا المُشارك: "متابعة". وكلما بَعدت المشاركة عن ذلك الراوي الذي اعتبرت روايته، كلما كانت المتابعة أنقص وأقصر.
فإن فُقِدَت المتابعة بهذا المعنى، ولكن وُجِدَت رواية هذا الحديث أو معناه عن صحابي آخر، فهو: "الشاهد".
فعُلِمَ بذلك أن الاعتبار: هو عملية البحث والتفتيش عن متابع أو شاهد للحديث الذي يُظن أنه فردٌ، فإن فُقِدَتْ المتابعاتُ والشواهدُ فالحديث بذلك يكون فرداً٢.
стр. 403
ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب:
المسألة الأولى: هل يتقوَّى الحديث الضعيف بتعدد طرقه؟
جمهور أئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يَتَقَوَّى بمجيئه من طرق أخرى، قال الإمام الزركشى: "وَشَذَّ ابنُ حزم عن الجمهور، فقال: ولو بلغت طرق الضعيف ألفاً لايقوى ... "١.
وقال ابن دقيق العيد: "قد عُلِمَ أن تَضَافَرُ الرواةِ على شيء، ومتابعة بعضهم لبعض في حديث: مِمَّا يَشُدُّهُ ويقويه، وربما التحق بالحسن وما يحتجُّ به"٢.
ولقد كان ابن القَيِّم ﵀ موافقاً للجمهور في القول بتقوية الضعيف بتعدد طرقه.
ومن أقواله ﵀ في ذلك:
أنه قال في أحاديث الصلاة على النبي ﷺ وما جاء فيها من أمرهصلى الله عليه وسلم بما يفيد الوجوب، قال: "الدليل الرابع - يعني من أدلة الوجوب -:ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم به الحجة عند انفراده، وقد يقوي بعضها بعضاً عند الاجتماع"٣.
стр. 404
وقال ﵀ عند كلامه على مقدار زكاة الفطر: "وفيه عن النبي ﷺ آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضاً"١.
وقال في حديث اعتداد أم سلمة ﵁ وقول النبي ﷺ لها في الصَّبِر: "لا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار" قال:
"وَذَكَرَ أبو عمر في "التمهيد" له طرقاً يشدُّ بعضها بعضاً"٢.
فهذه بعض الأقوال لابن القَيِّم فيما يتعلق بتقوية الضعيف واعتضاده بتعدد الطرق.
المسألة الثانية: كتابة الحديث الضعيف للاعتبار به، دون اعتماد عليه.
كثير من الأئمة يكتبون الحديث الضعيف ويخرجونه في كتبهم في باب المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه.
قال الإمام أحمد ﵀: "ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد"٣.
وقال النووي ﵀: "وإنما يفعلون هذا - يعني إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد - لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما
стр. 405
الاعتماد على من قبْله"١.
قال السخاوي - عقب نقله كلام النووي هذا -: "ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كل من المُتابِعِ والمتابَع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوة"٢.
فالحاصل: أن الأئمة ﵏ يكتبون حديث الضعيف - ضعفاً قريباً- متابعةً واستشهاداً، ويكون اعتمادهم على الرواية الأصلية إن كانت مما يصلح لذلك، أو يكون الاعتماد على مجموع الروايتين معاً إذا كان كل منهما لا ينتهض للحجة بانفراده.
وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى جواز كتابة الحديث الضعيف وذكره في المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه وحده، فمن ذلك:
ما جاء عنه في حديث بلال بن الحارث، وقول النبي ﷺ له: "إنه من أحيا سنةً من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها ... ". وقد رُوِيَ من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وضَعَّفَهُ بعضهم،
فقال ابن القَيِّم ﵀: "لكن هذا الأصل ثابت من وجوه: كحديث: " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه" ...
стр. 406
وحديث: " من دل على خير، فله مثل أجر فاعله" وهو حديث حسن".
قال: "فهذا الأصل محفوظ عن النبي ﷺ ، فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات، فلا يَضُرُّ ذكره"١.
وقال أيضاً - عند ذكره أحاديث الفطر بالحجامة -: "إن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها ... والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده، وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه"٢.
فظهر بذلك: موافقةُ ابن القَيِّم ﵀ لأئمة هذا الشأن في جواز ذكر الضعيف في المتابعات والشواهد، دون الاعتماد عليه.
стр. 407
المبحث الحادي عشر: الموضوع
الخبر الموضوع: هو الكذب على رسول الله ﷺ المُختلق، المصنوع١. أي: أن واضعه اختلقه وصنعه٢.
والموضوع شرُّ أنواعِ الضعيف، كما قال الخطَّابي٣، وتبعه ابن الصلاح٤رحمهما الله تعالى.
ولقد كان لابن القَيِّم ﵀ اهتمام خاص بما يتعلق بالحديث الموضوع، والكشف عنه، وبيان خطره، والتحذير منه، ويتضح ذلك جليًّا في كتابه النافع (المنار المنيف) ، إذ ضمَّنه جملة من الضوابط التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً، مع التنبيه على الكثير من الأحاديث الموضوعة، وبيان حالها، وذكر المتَّهم بها، وقد مضى بيان ذلك واضحاً٥.
ومن المسائل المتعلقة بالحديث الموضوع مما تناوله ابن القَيِّم ﵀:
المسألة الأولى: حكم رواية الحديث الموضوع أو الاستشهاد به.
لا يجوز - عند أهل العلم بالحديث وغيرهم - ذكر الحديث الموضوع - برواية وغيرها - لمن عَلِمَ حاله، إلا مقروناً ببيان أمره٦.
стр. 408
قال الخطيب البغدادي ﵀: "يجب على المحدث أن لا يروي شيئاً من الأخبار المصنوعة، والأحاديث الباطلة الموضوعة، فمن فعل ذلك بَاء بالإثم المُبين، ودخل في جملة الكذّابين"١.
وأما من رواه مبيناً حاله، وذكره منبِّهاً على وضعه: فإن ذلك جائز، قال الخطيب ﵀: "ومن روى حديثاً موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه: ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه"٢.
وقد تناول ابن القَيِّم ﵀ هذه المسألة المهمة، فأكد عدم جواز ذكر الحديث الموضوع إلا مع بيان حاله.
فقال عن حديث عوج بن عنق الطويل: "وليس العجب من جُرْأَةِ مثل هذا الكَذَّاب على الله، إنما العجبُ ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم: من التفسير وغيره، ولا يبيِّن أمره"٣.
وقد أَوْرَدَ مرة حديثين موضوعين باطلين في فضل "الأرز" ومدحه، ثم قال: "ذكرناهما تنبيهاً وتحذيراً من نسبتهما إليه ﷺ "٤.
стр. 409
فَنَبَّهَ بذلك على ما يلزم العالم من واجب البيان للحديث الموضوع والتحذير منه.
المسألة الثانية: بيان عظم جناية الوضاعين على الإسلام.
لا شك أن خطر الوضاعين على شريعة الإسلام عظيم، وهل هناك جناية أعظم من الكذب على النبي ﷺ ؟
وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم ﵀ على عظم جناية هؤلاء الوضاعين، وكبير جرمهم، فقد أورد ﵀ حديث تكليم حمار النبي ﷺ يعفور له، وبيّن أنه باطل موضوع، ثم ذكر أن مثل هذه الأحاديث قد فتحت باباً عظيماً للزنادقة للطعن في الدين، فقال: "هذه الأحاديث وأمثالها هي التي جرأت الزنادقة والملاحدة على الطعن في الإسلام، والقدح في الدين.
فالجناية على الإسلام بالوضاعين والكذابين، تضاهي الجناية عليه من الزنادقة والطاعنين"١.
المسألة الثالثة: بيان الشبهة التي يتعلق بها بعض الوضاعين، والرد عليها.
والمقصود في هذا المقام خاصة: أولئك الذين حملهم التدين الناشيء عن الجهل على وضع الحديث على النبي ﷺ ، يحتسبون بذلك بزعمهم، ويتقربون إلى الله بجهلهم.
стр. 410
وقد اعتنى هؤلاء بوضع أحاديث في الفضائل، والترغيب والترهيب، وكان من الشُّبه التي تعلق بها بعضهم في ذلك قولهم: إن الكذب في الترغيب والترهيب كذب للنبي ﷺ ، لا كذب عليه!!
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم؛ فإنه ﵇ لا يحتاج - في كمال شريعته وفضلها- إلى غيره"١.
وقد ألمح ابن القَيِّم ﵀ إلى شبهتهم هذه، ورد عليها - وذلك عندما أورد بعض الأحاديث التي وضعوها في فضائل سور القرآن- فقال: "وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ ، ولا نكذب عليه.
ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه، واستحق الوعيد الشديد"٢.
المسألة الرابعة: بيان أنه من المحال وقوع الكذب والغلط في حديث رسول الله ﷺ دون كشفه.
إن من تمام حفظ الله لهذا الدين: أن هيأ جهابذةً نقاداً، وأئمة أفذاذاً، مَحَّصُوا هذه الأحاديث، وميزوا كلام النبي ﷺ من كلام غيره من الكذابين.
стр. 411
قيل لعبد الله بن المبارك ﵀: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: "يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] "١.
وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى هذا المعنى، وأن الله لابد وأن يُقِيمَ في هذه الأمة من ينافح عن دينه، ويذبُّ الكذب عن سنة نبيه ﷺ ، فقال: " ... ونحن لا نَدَّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلط، أو سها، فلا بد أن يقوم دليل على ذلك، ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه، ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها"٢.
ثم بيّن ﵀ أن لهذه الطائفة تأييداً خاصاً، وتوفيقاً من الله ، فقال: "والله يؤيد من ينافحُ عن رسوله تأييداً خاصاً، ويفتحُ له - في معرفة نقد الحق من الباطل - فتحاً مبيناً، وذلك من تمام حفظه لدينه، وأنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرة الحق إلى أن يأتي أمر الله، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه"٣.
стр. 412
المسألة الخامسة: في بيان الأغراض الحاملة للوضاعين على وضع الحديث.
تختلف الأغراض الباعِثَةُ للوضَّاعين على وضع الحديث وتتنوع، ومن ثَمَّ فهم ينقسمون إلى فرق وطوائف عديدة، وذلك بحسب الغرض الحامل لكل طائفة منهم على الكذب.
ومن الأسباب التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀ مما كان باعثاً للوضاعين على وضع الحديث:
١- قوم حملهم على ذلك: الاستخفاف بالدين والطعن فيه، والتنقص للرسول ﷺ والإضلال للناس، وهم الزنادقة: المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو: الذين لا يتدينون بدين١.
وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى هذه الطائفة - عند ذكره: أن الحديث الموضوع يشتمل على مجازفات لا يصدر مثلها عن النبي ﷺ فقال:
"وأمثال هذه المجازفات الباردة لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين:
إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقاً قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه"٢.
стр. 413
٢- وصنف آخر، كان قصدهم من وضع الحديث: شغل الناس بالخير وصرفهم عن الشر بزعمهم، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، والفضائل: كفضائل سور القرآن سورة سورة، وغير ذلك.
وقد أشار ابن القَيِّم ﵀ إلى هذه الطائفة وصنيعها، فذكر ما قاموا به من وضع أحاديث فضائل السور، ثم قال: "وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره. وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ ، ولا نكذب عليه. ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد"١. وهذه الطائفة غالباً ما ينسبون إلى الزهد والصلاح، ولذا فهم أعظم هذه الطوائف خطراً؛ لثقة الناس بهم٢.
وقد أشار بعض الأئمة ﵏ إلى حال هؤلاء القوم وسوء صنيعهم وكذبهم في الحديث النبوي، من ذلك قول يحيى بن سعيد القطان ﵀: "ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"٣.
٣- وطائفة ثالثة من أصحاب الأهواء والبدع، وضعوا الحديث نصرةً لمذاهبهم، وتعصباً لِنِحَلِهم، وتأييداً لبدعهم: كالروافض، والخوارج، وغيرهم.
стр. 414
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي: فأكثر من أن يعد". ثم نقل عن الخليلي قوله: إنهم وضعوا ثلثمائة ألف حديث، ثم قال: "ولا تستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال"١.
ومن ذلك أيضاً: ما أشار إليه ﵀ من وضع أهل البدع أحاديث في الاكتحال والتطيب يوم عاشوراء، وذكر أن ذلك كله كذب من وضع المبتدعة، تأييداً لبدعهم٢.
٤- وطائفة من هؤلاء كانوا من أصحاب المصالح الدنيوية، والأغراض الشخصية، فوضعوا أحاديث لتحقيق تلك المصالح، وتحصيل تلك الأغراض.
قال ابن القَيِّم ﵀ يصف بعض هذه الطوائف: "وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقدم الذي فيها كذب موضوع، مما عملته أيدي الْمُزَوِّرين، الذين يُرَوِّجُون لها ليكثر سواد الزائرين"٣.
ويشير بذلك إلى الأحاديث التي وُضعت في فضل الصخرة ببيت المقدس.
وبعد، فهذه بعض الأغراض التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀ مما حمل بعض الناس على وضع الحديث.
стр. 415
المسألة السادسة: العلامات التي يُعرف بها كون الحديث موضوعاً.
تناول الأئمة ﵏ عند كلامهم على الحديث الموضوع - بعض العلامات التي تدل على كون الحديث موضوعاً، وذلك مما يقع في متنه دون إسناده، بحيث ترشد هذه العلامات الناظرَ فيه إلى أنه ليس من كلام النبيصلى الله عليه وسلم.
ولكن ليس ذلك بمقدور كل أحد، وإنما تميزت بذلك طائفة معينة من الأئمة، هيأهم الله لذلك، واختصهم بخصائص ليست لغيرهم، أولئك: هم جهابذةُ الحديث وأطباؤه، وصيارفته ونقاده.
قال ابن القَيِّم ﵀ في بيان صفة هذه الطائفة، والأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة:
"وإنما يعلم ذلك - يعني كون الحديث موضوعاً -: من تَضَلَّع١ في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه"٢.
стр. 416
ولقد أسهم ابن القَيِّم ﵀ في هذا الجانب إسهاماً فَعَّالاً، وشارك بجهد نافع؛ذلك أنه ﵀ قد سئل عن إمكان معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير نظر في إسناده.
فأجاب - بعد أن بين أهمية هذا السؤال وعظم قدره - بجملة من الضوابط والدلائل التي يعرف بها ذلك١فجاءت كلماته نافعة في بابها، مفيدة لمن طالعها ونظرها.
فمن هذه الضوابط والعلامات التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀:
١- اشتمال الحديث على مجازفات باردة لا يمكن أن يقول مثلها رسول الله ﷺ .
والْمُجَازَفَة: هي إرسال الكلام إرسالاً من غير قانون. ويُقَالُ لمن كان هذا شأنه: جازف في كلامه٢.
فقصد ابن القَيِّم بذلك: أن يكون الحديث مشتملاً على كلام مبالغ فيه، وتهويلات لا ضابط لها.
ويكثر هذا النوع من المجازفات الفارغة في أحاديث الترغيب والترهيب، وقد مثَّل ابن القَيِّم لذلك بأحاديث، منها:
- حديث: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبياً".
стр. 417
قال ابن القَيِّم: "وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صَلَّى عُمْرَ نوحٍ ﵇ لم يعط ثواب نبيٍّ واحد".١
- وحديث: " من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة " ٢.
إلى غير ذلك من المبالغات الكثيرة التي نسجها الكذابون على هذا المنوال٣.
٢- أن يكون الحديث مما يكذبه الحس.
كأن يكون الحديث مشتملاً على أمر يشهد الواقع المحسوس المشاهد بكذبه، ومن أمثلة ما وضع من هذا القبيل:
- حديث: " الباذنجان شفاء من كل داء " ٤.
- وحديث: " الباذنجان لما أكل له " ٥.
стр. 418
قال ابن القَيِّم ﵀: " ... ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شِدَّة، ولو أكله فقيرٌ ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهلٌ ليتعلم لم يفده العلم"١.
فهذه الأحاديث وأمثالها مما يكذبها الواقع، وتدل المشاهدة والحقائق المقررة على خلافها.
٣- سماجة الحديث، وكونه مما يُسْخَرُ منه.
والسَّمَاجُة: نقيض الملاحة، وسَمُجَ الشيء، فهو سَمْجٌ، وَسَمِجٌ: قَبُحَ٢.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن القَيِّم ﵀ على هذا الأمر:
- حديث: " لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ... " ٣.
- حديث: " لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي ... " ٤.
٤- مخالفة الحديث لصريح القرآن.
- كحديث مقدار الدنيا، " وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة" ٥.
стр. 419
فهذا الحديث يناقض نصوص القرآن الكثيرة التي فيها أن الله قد اختص بعلم الساعة، ولم يطلع على ذلك أحداً، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
٥- مناقضة الحديث لما جاءت به السُّنة الصريحة مناقضةً بَيِّنة.
قال ابن القَيِّم ﵀: "فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك: فرسول الله ﷺ منه بريء"١.
ومن أمثلة ذلك مما ساقه ابن القَيِّم ﵀: الأحاديث الواردة في مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأنه من تسمى بذلك لا يدخل النار٢.
قال ابن القَيِّم: "وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ : أن النار
стр. 420
لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة"١.
٦- أن يُدَّعى أن النبي ﷺ فَعَلَ أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه.
فإن العادة قد جرت على أن مثل ذلك ينقله العدد الكثير، أما أن يطبق الجميع على كتمان ذلك وعدم نقله، أو ينفرد واحد من دون هذا الجمع بنقل ذلك: فإنه لا يكاد يقع.
وقد مَثَّل ابن القَيِّم ﵀ لذلك بما ادَّعته الرافضة: من أن النبي ﷺ أخذ بيد علي ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: " هذا وَصِيّ وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا ". ثم اتفقوا جميعاً على كتمان ذلك ومخالفته٢.
٧- أن يكون الحديث باطلاً في نفسه، فَيَدُلُّ بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ .
ومن أمثلة ذلك:
стр. 421
- حديث: "الحجامة على القفا تورث النسيان" ١.
- وحديث: " إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية" ٢.
- وحديث: " الْمَجَرَّةُ التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش" ٣.
٨ - أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلاً عن كلام رسول الله ﷺ ، الذي هو وحي.
وقد ساق ابن القَيِّم ﵀ أمثلة كثيرة لذلك، أغلبها من الأحاديث الواردة في حسان الوجوه، وأن النظر إليهم يجلو البصر، أو أنه عبادة، أو أنهم لا يعذبون، وغير ذلك٤.
٩- أن يكون الحديث مشتملاً على ذكر تاريخ حوادث مستقبلة.
نحو: "إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت". قال ابن القَيِّم ﵀: "وأحاديث هذا
стр. 422
الباب كلها كذب مفترى"١.
وهذا الحكم - لا شك - مبني على استقراءٍ لأحاديث الباب كلها، فإنه قد قرر أن هذه الأحاديث - مع اشتمالها على معان باطلة - لم يصح منها عن النبي ﷺ شيء.
١٠- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطُّرُقِيَّة أشبه وأليق.
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀ لذلك:
- حديث: "الهريسة تشد الظهر" ٢.
- وحديث: "أكل السمك يوهن الجسد" ٣.
- وحديث: "من أخذ لقمة من مجرى الغائط أو البول، فغسلها ثم أكلها غفر له" ٤.
١١- أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
والظاهر أن ابن القَيِّم ﵀ قصد بذلك: مخالفة الحديث للشواهد الصحيحة من الكتاب والسنة.
стр. 423
وقد مثَّل ﵀ لذلك بحديث عُوج بن عُنُق، وما جاء من: أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة ثلاثين وثلثاً، وأن نوحاً لما خَوَّفَهُ الغَرَقَ، قال له: احملني في قصعتك هذه ... إلى آخر ما جاء في الحديث.
ثم بين ابن القَيِّم ﵀ قيام شواهد عديدة من الكتاب والسنة على بطلانه١.
١٢- ركاكةُ ألفاظِ الحديثِ وسَمَاجَتُهَا، بحيث يَمُجُّهَا السَّمع، ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن٢.
١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل.
وقد مثل ابن القَيِّم لهذا الضابط بحديث: " وضع الجزية عن أهل خيبر". ثم بين أنه يشتمل على قرائن عديدة تدل على بطلانه٣.
فمن القرائن التي جاءت في هذا الخبر، وهي تدل على كذبه:
- أن فيه "شهادة سعد بن معاذ"، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.
- وفيه: "وكتب معاوية بن أبي سفيان". ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح. إلى غير ذلك من القرائن الدالة على كذبه.
стр. 424
١٤- أن يكون الحديث مما لم يوقف عليه في المصنفات الحديثية.
قال ابن القَيِّم ﵀ في حديث عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة":
" ... فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه: أن هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ ... فلو يكون هذا عند عمر ﵁، عن النبي ﷺ ... لما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام"١.
وقد ذهب الفخر الرازي ﵀ إلى أن الخبر إذا روي في زمان استقرت فيه الأخبار، فَفُتِّشَ عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرجال، عُلِمَ بطلانه، وذلك فيما بعد عصر الصحابة؛ فإنَّ الأخبار في عصرهم لم تكن استقرت٢.
ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، بحيث يَتَسَنَّى لكل شخص الحكم ببطلان الحديث لمجرد أنه لم يقف عليه في كتب السنن، بل لابد من قيد وضابط لهذه المسألة، وقد ذكر الحافظ العلائي ﵀ لذلك قيداً حسناً، فقال: "وهذا إنما يقوم به - يعني التفتيش عن الحديث - الحافظ الكبير، الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه؛ كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم: كالبخاري، وأبي
стр. 425
حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم: كالنسائي ثم الدارقطنى؛ لأن المأخذ الذي يحكم به - غالباً - على الحديث بأنه موضوع: إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق، والاطلاع على غالب المرويِّ في البلدان المتنائية، بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم.
وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يَقْضِي بعدم وُجْدَانِهِ للحديث بأنه موضوع؟! هذا ما يأباه تصرفهم، فالله أعلم"١.
فلابد من تقييد كلام ابن القَيِّم ﵀ بمثل ذلك.
وبعد، فهذه هي الأمارات والضوابط التي وضعها ابن القَيِّم ﵀ لمعرفة الحديث الموضوع بمجرد النظر في متنه، دون البحث في إسناده.
ويحسنُ في هذا المقام التنبيه على أن بعض الأئمة قد ذكر بعضاً من هذه الضوابط٢، إلا أن ابن القَيِّم قد انفرد بزيادات عنهم٣، مع حُسْنِ عرضها وتنسيقها، وجمع أمثلة وشواهد عديدة تحت كل ضابط منها، بحيث تكون مرجعاً مهماً في هذا الباب.