٤- العبارات القوية والفريدة التي أطلقها ابن القَيِّم على بعض الرواة، ومنها ما لم يستعمله أحد - فيما أعلم - قبله. ولاشك أن هذه العبارات تمثل إضافات جديدة - لها قيمتها - إلى قاموس ألفاظ الجرح والتعديل١.
٥- تعقبات ابن القَيِّم واستدراكاته على بعض الأئمة، والتنبيه على بعض الأوهام التي وقعت لبعضهم في الجرح والتعديل.
فمن ذلك: أن ابن حزم ﵀ حكَم على مُطَرِّف بن مصعب - في سند حديث عند ابن ماجه - بالجهالة، فَتَعَقَّبَهُ ابن القَيِّم ﵀ قائلاً:"ليس هو بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك، روى عنه البخاري، وبشر بن موسى، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث ... وكأن أبا محمد بن حزم رأى في النسخة: مطرف بن مصعب فَجَهَّلَهُ، وإنما هو: مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار"٢.
ومن ذلك أيضاً: أن الحاكم أبا عبد الله قال في عاصم بن كليب: "لم يخرج حديثه في الصحيح". فقال ابن القَيِّم ﵀: "وليس كما قال، فقد احتج به مسلم، إلا أنه ليس في الحفظ كابن شهاب وأمثاله"٣.
стр. 527
ورد على ابن حزم تضعيفه "الحارث بن أبي أسامة" بقوله: "فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي، ولا يلتفت لذلك"١. والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.
تلك أبرز الفوائد التي اشتمل عليها كلام ابن القَيِّم ﵀ في الرجال، والتي يمكن أن تعطينا تصوراً عاماً عن أهمية ما جاء عن ابن القَيِّم ﵀ من كلام في نقد الرجال وبيان مراتبهم.
وأخيراً أستطيع القول: إن ابن القَيِّم ﵀ بهذه المشاركات الفعالة في الجرح والتعديل، يُعَدُّ واحداً من نُقَّادِ هذا الفنِّ المعتبرين الذين لا ينبغي إغفال جهدهم في هذا المجال.
стр. 528
المطلب الثاني: منهج ابن القَيِّم في نقد الرجال
تقدَّم أن كلام ابن القَيِّم ﵀ في الحكم على الرواة لم يأت نتيجة عمل مخصص لهذا الغرض، بمعنى: أننا لم نجد كلام ابن القَيِّم على الرجال مجموعاً مفرداً في مُؤَلَّف، حتى نتمكن من الوقوف على منهجه وأسلوبه من خلال ذلك، وإنما وُجِدَت أقواله في الرجال منثورة في أثناء كتبه، في أماكن متفرقة ومناسبات شتى، وذلك تبعاً لظروف دراسة كل حديث والحكم عليه.
ومع ذلك، فإنه يمكننا أن نُحَدِّد المنهج العام الذي التزمه، والخصائص الْمُمَيِّزَة لعمله في هذا الباب، وذلك من خلال استعراض النقاط التالية:
أولاً: لم يلتزم ابن القَيِّم ﵀ طريقة واحدة في الحكم على الراوي. فتارة ينقل أقوال العلماء في الرجل، وتارة يحكم عليه هو بنفسه، وذلك بكلمة أو كلمتين، أو أكثر، وذلك بحسب ظروف كل راو، وما يقتضيه المقام.
ثانياً: قد يختلف حكم ابن القَيِّم ﵀ على الرجل الواحد من مكان لآخر ومن مناسبة لأخرى. وليس ذلك من التناقض، ولكن يحصل ذلك لاختلاف الظروف والمناسبات، فكل حكم من هذه الأحكام يكون خاضعاً لتلك الظروف التي صَدَرَ فيها.
ومن أمثلة ذلك: كلامه في الحجاج بن أرطاة، فبينما هو يضعفه
стр. 529
في مواطن عدة١ - وذلك حيث ينفرد أو يخالف غيره - نجده يُقَوِّي أمره في مواطن أخرى، وذلك عندما يروي ما رواه الناس، ولا ينفرد بما يُنْكَرُ عليه.
فقد قال ﵀ في حديث جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافاً واحداً": "فيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات"٢.
وقال ﵀ في الحديث نفسه في موضع آخر: "وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه: سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، والخلق عنه. قال الثوري: وما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وعيب عليه التدليس، وقلَّ من سلم منه ... وقال أبو حاتم: إذا قال: حدثنا، فهو صادق لا نرتاب في صدقه وحفظه"٣.
فهكذا نجده يقبله في الشواهد والمتابعات، ويثني عليه، ويقوِّي حاله، ويضعفه حيث ينفرد ولا يُتَابَع.
ثالثاً: قد يلجأ ابن القَيِّم ﵀ إلى الترجيح بين أقوال الأئمة عند التعارض. ويكون اختياره وترجيحه في الغالب مطابقاً لما يدعمه الدليل، وتؤيده قواعد الفن.
стр. 530
ومن أمثلة ذلك: قوله في صالح مولى التوأمة: "للحفاظ في صالح هذا ثلاثة أقوال، ثالثها أحسنها، وهو: أنه ثقةٌ في نفسه ولكنه تَغَيَّرَ بآخرته، فمن سمع منه قديماً فسماعه صحيح، ومن سمع منه أخيراً ففي سماعه شيء. فمن سمع منه قديماً: ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد، وأدركه مالك، والثوري بعد اختلاطه"١.
ورجَّحَ جانبَ التعديل في عكرمة قائلاً: "فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصَحَّحَ أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قَدْحِ من قَدَحَ فيه"٢.
ورجَّح توثيق عمرو بن شعيب على تضعيفه، فقال: "الجمهور يحتجون به ... واحتج به الأئمة كلهم في الديات"٣. وقال مرة مؤكداً هذا الاختيار: "ونحن نحتج بعمرو بن شعيب"٤.
وكذا اختار توثيق محمد بن إسحاق، إمام المغازي، فقال: "وثناء الأئمة على ابن إسحاق، وشهادتهم له بالإمامة، والحفظ، والصدق، أضعاف أضعاف القدح فيه"٥.
رابعاً: قد يلجأ ابن القَيِّم إلى الجمع بين الأقوال التي ظاهرها التعارض في الرجل المختلف فيه. بحيث يحمل كل قول منها على وجه
стр. 531
يحتمله، فيخرج من هذه الأقوال بحكم يمثل "قولاً وسطاً" في هذا الراوي، فلا هو يضعف مطلقاً، ولا يُوَثَّقُ مطلقًا.
فمن ذلك: قوله في عبد الله بن لهيعة: "وحديثُ ابن لهيعة يُحْتَجُّ منه بما رواه عنه العبادلة: كعبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ"١.
ويقول في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقةٌ حافظٌ جليلٌ، ولم يزل الناس يحتجون بابن أبي ليلى على شيء ما في حفظه يُتَّقَى منه ما خَالَفَ فيه الأثبات، وما تفرد به عن الناس"٢.
فَبَيَّن ﵀ أنه يعتبر به إذا وافق غيره، ولم يأت بما ينكر عليه، وأنه يترك من حديثه ما خالف فيه أو انفرد عن الناس، فلا يكون حجة في ذلك.
ويقول في سفيان بن حسين: "في الزهري: ضعيف"٣.
ثم يُبَيِّن وجه الجمع بين قول من وَثقَهُ وقول من ضَعَّفَهُ، فيقول: "ولا تنافي بين قول من ضعفه وقول من وثقه؛ لأن من وثقه جمع بين توثيقه في غير الزهري وتضعيفه فيه"٤.
فهكذا يبين ﵀ أن بعض الرواة لا يعارضُ تضعيفُهُم
стр. 532
توثيقَهُم؛ إذ كل منهما له وجه ومحمل، فإذا أخذ ذلك في الاعتبار أمكن الجمع بين الأقوال المتعارضة في الرجل، وهذا يحتاج إلى إحاطة كاملة ومعرفة تامة بمقاصد العلماء فيما يطلقونه من أقوال في الرواة ووجه كل قول منها، وبخاصة عند الاختلاف في الراوي، وقد مضى كلام ابن القَيِّم في التنبيه على ذلك.
خامساً: غالباً ما يقوم ابن القَيِّم ﵀ بالدفاع عن الراوي الذي يرى أنه قد ضُعِّفَ تعنتاً، وأن من جرحه لم يأت بما يقدح فيه.
فيجتهد ﵀ في الذَّبِّ عنه، وإثبات ثقته، وله في ذلك أسلوبه المتميز، وعباراته القوية التي تتسم بوضوح الْحُجَّة وقوةِ الدليل.
فمن ذلك: قوله في الردِّ على من ضعف ابن إسحاق: "إن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله: من العلمِ والأمانة ... قال علي بن المديني: لم أجد له سوى حديثين منكرين. وهذا في غاية الثناء والمدح، إذ لم يجد له - على كثرة ما روى - إلا حديثين منكرين"١. وقال أيضاً: "ثقة لم يجرح بما يوجب ترك الاحتجاج به ... "٢.
وقال ﵀ في الدفاع عن المنهال بن عمرو - وقد حاول بعضهم جَرْحَهُ بسماع صوت طنبور من بيته -: "وليس في شيء من هذا ما يقدح فيه"٣. وقال مرة - بعد أن نقل توثيقه عن الأئمة -:
стр. 533
"وبالجملة: فلا يرد حديث الثقات بهذا وأمثاله"١.
ويقول مدافعاً عن عكرمة مولى ابن عباس: "وإن قَدَحْتُم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جَاءَكُم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به - أنتم وأئمة الحديث - من روايته، وارتضاء البخاري إدخال حديثه في صحيحه"٢. ويقول أيضاً: "وطَعَنَ - يعني: بعضهم - في عكرمة، ولم يصنع شيئاً"٣.
ويقول عن عبد الملك بن أبي سليمان - وقد ضعفوه بحديث الشفعة -: "وتلك شكاة ظاهر عنه عارها"٤.
وقال عن إبراهيم بن طهمان - وقد ضعفه ابن حزم -: "لله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم، وهو من الحفاظ الأثبات الثقات ... "٥.
وكذلك نجده ﵀ عندما يُعَارَضُ الثقة بشخص ضعيف، فإنه يرد ذلك بشدة، مؤكداً ضعف هذا المعارض، ومن أقواله في ذلك:
قوله في عَطَّاف بن خالد - وقد خالف الثقات فزاد في الإسناد
стр. 534
رجلاً -: "فأما عطاف: فلم يرض أصحاب الصحيح إخراج حديثه، ولا هو ممن يُعَارض به الثقات الأثبات ... "١.
وقال في أبي شيخ الهنائي - وقد روى عن معاوية النهي عن أن يُقْرن بين الحج والعمرة -: "وأبو شيخ: شيخ لا يحتج به، فضلاً عن أن يُقَدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام ... "٢.
سادساً: الشمول، والإحاطة، وغزارة المعلومات في عباراته التي يطلقها على الرواة. بحيث تشتمل عبارة واحدة - مثلاً - على معلومات متكاملة عن الراوي، وبذلك يكون لهذه العبارات أثر كبير في تجلية صورة الراوي وتوضيحها.
فيقول ﵀ في إبراهيم بن طهمان: "من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة الستة على إخراج حديثهم، واتفق أصحاب الصحيح - وفيهم الشيخان - على الاحتجاج بحديثه، وشهد له الأئمة بالثقة والصدق، ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش، ولا يُحْفَظُ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه، ولا تضعيفه به"٣.
فهذه الجملة - على وجازتها - قد أحاطت بأحوال الْمُتَرْجَم وبَيَّنت مرتبته، وأعطت صورة كاملة عنه، فهو:
١- من الحفاظ الأثبات الثقات المشهود لهم بالثقة والصدق.
стр. 535
٢- أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
٣- احتج به الشيخان في (صحيحيهما) .
٤- لم يُحْفظ عن أحد من الأئمة فيه خدش ولا قدح.
٥- ولا ضَعَّفَ أحد من الأئمة حَديثاً رواه، ولا أعله به.
ومثل ذلك: قوله في "بقية بن الوليد": "ثقة في نفسه، صدوقٌ حافظٌ، وإِنَّمَا نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صَرَّح بالسماع فهو حجة"١.
وقال في "حميد بن صخر": "ضَعَّفَهُ النسائي، ويحيى بن معين. ووثقه آخرون. وأنكر عليه بعض حديثه. وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد"٢.
فقد أفادت هذه العبارة أن حميداً هذا:
стр. 536
مباحث علوم الحديث، والذي يمثل الأساس المتين للحكم على المرويات ونقدها وتمحيصها.
وبعد هذا العرض العام لمنهجه ﵀ في ذلك، يمكن استخلاص أبرزِ السِّمَات والخصائص التي اتسمت بها شخصيته النقدية، وأقوالُهُ في الرجال، فمن ذلك:
١- سعَةُ اطِّلاعه على أقوال الأئمة، وإلمامه بما قيل في الراوي، فنجده - مثلاً - يقول في "حبيب بن أبي حبيب": "كَذَّاب وضَّاع باتفاق أهل الجرح والتعديل"١. وقد يكون قصده بذلك جمهورهم وأكثرهم، ولكن هذا لا ينفي ما قدمنا.
ومثله ما تقدم من قوله في "إبراهيم بن طهمان": "لم يُحْفَظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش"٢.
٢- كثرة مصادره في الرجال، فنجده ﵀ ينظرُ في الرجل الواحد عدة مصادر، فمن ذلك: أنه قال في رجل - وقد اختلف في اسمه -: "وهكذا هو في: "تاريخ البخاري"، "وكتاب ابن أبي حاتم"، "والثقات" لابن حبان، "وتهذيب الكمال" لشيخنا أبي الحجاج المزي"٣.
٣- تَمَيُّزُ شخصيته ﵀ في نقد الرواة؛ فلم يكن مجرد ناقل لأحكام غيره، بل كان له أثر بارزٌ في تمحيص هذه الأقوال ونقدها، وقد مرت أمثلة لذلك.
стр. 537
٤- مَعْرِفَتُهُ ﵀ بكثير من ضوابط الجرح والتعديل، وإعماله هذه الضوابط أثناء حكمه على الرواة، ومن هذه القواعد والضوابط:
أ - أنَّ الْجَرْحَ غير القادح لا أثر له في رد الرواية.
ب - الوَهْمُ اليسير لا يؤثر على ثقة الراوي وإتقانه؛ إذ إن ذلك لا يسلم منه أحد.
ج - عدم قبول رواية الْمُبْتَدِع إذا روى ما ينصر بدعته.
د - عدمُ قبول الجَرْحِ إلا مفسراً، وبِخَاصة في الراوي الْمُخْتَلَفِ فيه.
وقد تقدم الكلام على هذه الضوابط وذكر أمثلة لها في المبحث الماضي.
٥- معرفته ﵀ بكثير من دقائق هذا الفن وأموره التي لا غنى عنها للناقد والْمُتَكَلِّمِ في الرجال، فمن ذلك:
أ - معرفته بأوطان الرواة وبلدانهم، فيقول مثلاً: "هذا إسناد شامي"١.
ب - معرفته بطبقات الرواة، واستفادته من ذلك في أحكامه على الرجال، والأمن من الخلط بين المشتبهين، فمن ذلك: أن ابن الجوزي اشتبه عليه عبد الله بن وهب الإمام، بعبد الله بن وهب النسوي الوضاع، فَغَلَّطَهُ ابن القَيِّم ﵀ في ذلك، مستدلاً بأن الحديث من رواية:
стр. 538
أصبغ بن الفرج، ومحمد بن عبد الله بن الحكم وغيرهما من أصحاب عبد الله بن وهب الإمام. وأما النسوي: فهو متأخر، فإنه من طبقة يحيى بن صاعد١.
ج - معرفته ﵀ بمراتب الرواة، ودرجاتهم في الحفظ، وَمَنِ الْمُقَدَّم منهم عند الاختلاف، فمن ذلك: قوله في أصحاب شعبة: "وغندر أصحُّ الناس حديثاً في شعبة"٢. ويقول في أصحاب قتادة: "وهشام - يعني الدستوائي - وإن كان مقدماً في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه"٣.
стр. 539
المطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القَيِّم في الجرح والتعديل
لم يقتصر ابن القَيِّم في حكمه على الرواة على مجرد التصريح بعبارات التوثيق والتضعيف، وإنما كانت له - إلى جانب ذلك - أساليب أخرى.
ويمكن إيجاز بعض تلك الأساليب فيما يلي:
١- الاكتفاء بالإشارة إلى وجود الراوي - المراد جرحه أو تعديله - في الحديث أو الإسناد.
قال في شعبة: "ولكنه حديث فيه شعبة"١. يريد بذلك مدحه وتوثيقه.
وقال ﵀ في تضعيف الحجاج بن أرطأة: "ولكن في إسناد حديث الترمذي: الحجاج بن أرطاة"٢.
وقال في حديث: "رواه الترمذي، ولكن دَرَّاجاً أبا السمح بالطريق"٣.
وفي مثل ذلك يُعرف مراده ﵀ من جرح أو تعديل - بالقرائن المحيطة بذلك الراوي.
وهذه الطريقة استعملها ابنُ القَيِّم ﵀ في الجرح
стр. 540
والتعديل على السواء، ولكن هناك بعض الأساليب ورد استعمال ابن القَيِّم لها في التعديل خاصة، فمن ذلك:
٢- تكرار اسم الشخص، إشارة إلى ثقته وإمامته وإتقانه. فقد قال في شعبة: "وشعبة هو شعبة"١. وقال في حديث: "فإذا رجحنا بالحفظ والإتقان، فشعبة شعبة"٢. وقال عن الإمام مالك ﵀: "ومالك مالك"٣.
٣- التعبير عن ثقة الراوي بإخراج الشيخين أو أحدهما له. وقد استعمل ﵀ هذا الأسلوب في مناسبات عدة، فمن ذلك قوله في عمرو بن أبي سلمة التنِّيسي: "محتجٌّ به في الصحيحين"٤. وقال في سليمان بن كثير: "اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه"٥.
٤- التعبير عن ثقة الراوي برواية الأئمة المشهورين - أو أحدهم - عنه. فقد قال ﵀ في مَغْرَاء العبدي: "روى عنه أبو إسحاق السبيعي على جلالته"٦. وقال مرة في تقوية شأن حجاج بن أرطاة: "وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أطارة، فقد روى عنه: سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، والخلق"٧.
стр. 541
فهذه بعض الأساليب التي اعتمدها ابن القَيِّم ﵀ في التعبير عن جرح الرواة أو تعديلهم، وذلك إلى جانب من صرح فيهم بلفظ التوثيق أو التجريح.
التنبيه على بعض العبارات الخاصة بابن القَيِّم ﵀.
ويحسنُ في هذا المقام التنبيه على بعض العبارات التي استعملها ابن القَيِّم، مما يغلب على الظن أنها مما تميز ﵀ بها، وأنه لم يُسبق إليها.
ولاشك أن ذلك يُلْقِي المزيدَ من الضوء على أهمية كلام ابن القَيِّم ﵀ في الرجال، ومدى ما له من جهد وإسهام بارز في هذا الفن المهم، فمن هذه العبارات:
١- قوله: "فلانٌ من الحُفَّاظ الثقاتِ الذين لم تُغْمَزْ قَنَاتُهُم".
وأصل الغمز: العصر باليد. والقناة: هي قناة الرمح، أي خشبته. ورمح غير مغموز القناة: إشارة إلى استقامته، ونفيٌ لاعوجاجه ولينه١.
فقول ابن القَيِّم ﵀ عن الرواة "لم تغمز قناتهم": نفي لضعفهم ولينهم، وإثبات لثقتهم وقوتهم.
فهي من عبارات التعديل عنده، فقد قالها ﵀ في رجل حاول البعض إعلال حديث بتفرده به، وهو: جعفر بن إياس٢، فقصد
стр. 542
ابن القَيِّم بعبارته: أن هذا الراوي على درجة من الثقة والتثبت لا يضر معها تفرده، وإنما يضر تفرد من كان مجروحاً، وليس هذا كذلك.
٢- قوله: "ما سَوَّى اللهُ ولا حُفَّاظُ دينه بين فلانٍ وفلانٍ".
قال ذلك في المقارنة بين راويين لبيان أن أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، فلا يمكن مقارنته بهذا الضعيف وتشبيهه به.
فقد قال ابن حبان في شأن داود بن الحصين، وزيد بن جبير - وقد وقعا في حديث -: "يجب تجنب رواية زيد وداود جميعاً". فَرَدَّ ابن القَيِّم ﵀ ذلك بقوله: "ما سَوَّى الله ولا حفاظُ دينه بين زيد ابن جبير وداود بن الحصين". ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في توثيق داود ابن الحصين، ثم قال بعد ذلك: "وأما زيد بن جبير: فقال البخاري وغيره: متروك ... " وسرد أقوال الأئمة في تضعيفه١.
٣- قوله: "ارْتَقَى مِنْ حَدِّ الضَّعْفِ إلى حَدِّ التَّرْكِ".
وَصَفَ بذلك الجارودَ بن يزيد٢، وقد كَذَّبَه جماعة، وحكم آخرون بأنه متروك٣، وكانت كلمات بعضهم توحي بمجرد ضَعْفِه.
وقد قال فيه ابن القَيِّم هذه الكلمة بمناسبة روايته حديثاً في عدم وقوع الطلاق إذا استثنى الْمُطَلِّق، فكأن ابن القَيِّم ﵀ أراد أن يؤكد بكلمته هذه: أن مجيئه بمثل هذه الطامات مما يعزز الحكم بكونه
стр. 543
"متروكاً" لا يحل الاحتجاج به، وأن كلمة "ضعيف" قليلة في حقه.
كما أن هذه العبارة من ابن القَيِّم ﵀ تحملُ نوعاً من السخرية والتهكم؛ إذ إن التَّرقي عادة يكون إلى الأحسن والأعلى.
٤- قوله: "لم يُسْفِرْ١ صباحُ صِدْقِهِ في الرواية".
قال هذه العبارة في عمر بن صبح٢ كناية عن كذبه، والتصاق هذا الوصف به، وإقامته على ذلك.
وهذا من الأساليب البلاغية التي استعملها ﵀ في نقد الرواة، حيث لجأ إلى الطِّباق والتورية للتعبير عن جرح هذا الرجل.
٥- قوله: "كُسَيْرٌ عن عُوَيْرٍ"٣.
قالها في "العرزمي عن الكلبي"٤، وفي "سليمان بن عيسى السجزي عن عبد الرحيم العمي"٥.
وهاتان الكلمتان مأخوذتان من مَثَلٍ عربيٍّ قديم، وهو قولهم: "عُوَيْرٌ وكُسَيْرٌ، وكلٌّ غَيْرُ خَيْر". وهو من الأمثال التي تُعَبِّرُ عن الخلة غير المحمودة، كما قال أبو عبيد البكري٦، ثم ذكر قصة هذا المثل ومناسبته.
стр. 544
وقال الجوهري: "يقال في الخصلتين المكروهتين: كُسَير وعوير، وكل غير خير"١.
وقد تَبَيَّن من صنيع ابن القَيِّم ﵀ استعمال هاتين الكلمتين للجرح الشديد، ولاسيما في حق من كان متهماً بالكذب.
وبعد، فهذا ما أمكنَ التنبيه عليه من ألفاظ الجرح والتعديل التي يغلب على الظن: أن ابن القَيِّم ﵀ قد انفرد بها، والله أعلم.
стр. 545
المطلب الرابع: في ذكر بعض الفوائد الْمُتَفَرِّقَةِ في الكلام على الرواة
وقد رأيت أن أختمَ هذا الفصل ببعض الفوائد المتفرقة، مما يتعلق بكلامه ﵀ في ضبط بعض الأسماء الْمُشْكِلَة، أو تقييد بعض ما جاء من ذلك مُهْمَلاً، إلى غير ذلك من الفوائد الْمُهِمَّات في هذا الباب، فمن ذلك:
الفائدة الأولى: في ذكر جماعة من الرواة ينسبون إلى أمهاتهم.
وهذه الفائدة - وما سيأتي بعدها - ذكرها في كتابه "بدائع الفوائد"١ في بحث عارض.
أما الذين نسبوا إلى أمهاتهم:
أولاً: من الصحابة:
١- بلال بن حمامة٢، وأبوه: رباح.
٢- ابن أم مكتوم٣، وأبوه: عمرو.
стр. 546
٣- بشير بن الخصاصية١، وأبوه: معبد.
٤- الحارث بن البرصاء٢، وأبوه: مالك.
٥- خفاف بن ندية٣، وأبوه: عمير.
٦- شرحبيل بن حسنة٤، وأبوه: عبد الله.
٧- مالك بن نميلة٥، وأبوه: ثابت.
٨ - معاذ ومعوذ ابنا عفراء٦، وأبوهما: الحارث.
٩ - يعلى بن مُنَيَّة٧، وأبوه: أمية.
стр. 547
١٠ - عبد الله بن بحينة١، وأبوه: مالك.
ثانياً: من غير الصحابة، وهم:
١١- إسماعيل بن علية٢، وأبوه: إبراهيم.
١٢- منصور بن صفية٣، وأبوه: عبد الرحمن.
١٣- محمد بن عائشة٤، وأبوه: حفص.
١٤- إبراهيم بن هراسة٥، وأبوه: سلمة.
١٥- محمد بن عثمة٦، وأبوه: خالد.
стр. 548
الفائدة الثانية: في تقييد بعض الأسماء المهملة، ممن يشتركون في الاسم.
وفائدة معرفة ذلك: الأمن من الوقوع في الاشتباه، خاصة إذا كانوا ممن يروون عن شيخ واحد.
وممن ذكرهم ابن القَيِّم ﵀ من هذا الصنف١:
١- جماعة يروون عن أبي هريرة ممن يسمون بـ"عطاء":
* عطاء، عن أبي هريرة: "في كل صلاة قراءة".
* وعطاء، عنه مرفوعاً: "لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن". فذكر الخلفاء الأربعة.
* وعطاء، عنه مرفوعاً: "إذا أُقِيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
* وعطاء، عنه: " أن النبي ﷺ سجد في: اقرأ باسم ربك".
* وعطاء، عنه مرفوعاً: "إذا مضى ثلث الليل، يقول الله تعالى: ألا داع ... ".
قال ﵀:
فالأول: ابن أبي رباح٢.
والثاني: الخراساني٣.
стр. 549
والثالث: ابن يسار١.
والرابع: ابن ميناء٢.
والخامس: مولى أم صبية٣.
٢- عدة نساء يروين عن عائشة ممن يسمين: "عَمْرَة"٤:
عمرة: أنها دخلت مع أمها على عائشة، فسألتها: ما سمعتِ رسول الله ﷺ يقول في الفرار من الطاعون؟ قالت: سمعته يقول: "كالفرار من الزحف".
وعمرة قالت: خرجتُ مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره، فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] . قالت عمرة: فما مات منهم رجل سَوِيًّا.
стр. 550
وعمرة عن عائشة: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الوصال".
قال ﵀: الأولى: بنت عبد الرحمن١.
الثانية: بنت قيس العدوية٢.
الثالثة: بنت أرطأة٣.
الرابعة: يقال لها: الصحاحية٤.
٣- ذكر جماعة رووا عن ثابت، عن أنس ممن يسمون بـ"حماد"٥.
حماد، عن ثابت، عن أنس: "سمع النبي ﷺ في النخل صوتاً ... " الحديث.
حماد، عن ثابت، عن أنس: "رأى رسول الله ﷺ على عبد الرحمن صفرة ... " الحديث.
стр. 551
حماد، عن ثابت، عن أنس يرفعه: "مثل أمتي كالمطر".
قال ابن القَيِّم ﵀:
الأول: ابن سلمة١.
الثاني: ابن زيد٢.
الثالث: الأبح٣.
الفائدة الثالثة: من روى عن شيخين متفقي الاسم: أحدهما ثقة، والآخر ضعيف٤.
فمن هؤلاء:
١- قتادة٥:
يروي عن عكرمة مولى ابن عباس٦.
стр. 552
وعن عكرمة بن خالد١: ضعيف٢.
٢- وكيع٣:
يروى عن النضر بن عربي٤: ثقة.
وعن النضر بن عبد الرحمن٥: ضعيف.
٣- حفص بن غياث:
يروى عن أشعث بن عبد الرحمن٦: ثقة.
وعن أشعث بن سوار٧: ضعيف.
وبعد، فهذه بعض الفوائد المتعلقة بالرجال مما وجد في كلام ابن القَيِّم رحمه الله تعالى.
стр. 553
المجلد الثاني
الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه
الفصل الثالث: منهج ابن القيم في تخريج الحديث والحكم عليه
المبحث الأول: منهج ابن القيم في تخريج الحديث وعزوه .
...
الفصل الثالث: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث والحكم عليه
والمقصود في هذا الفصل: بيان المنهج الذي سلكه ابن القَيِّم في الحكم على الأحاديث، وبيان درجتها: من الصحة، أو الضعف، أو غيرهما، وما يلتحق بذلك من الكلام على منهجه في بيان العلل.
وذلك كله من خلال ما وقفت عليه من كلامه على الأحاديث في كتبه المختلفة.
ويسبق ذلك: الكلام على منهجه في تخريج الأحاديث وعزوها.
وقد جعلت هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث وعزوه.
المبحث الثاني: منهجه في الحكم على الحديث.
стр. 554
المبحث الأول: منهجه في تخريج الحديث وعزوه
لما كانت العلاقة وثيقة بين التخريج وبين التوصل إلى الحكم على الحديث، رأيت أن يكون الكلام على التخريج، ومنهج ابن القَيِّم في ذلك أول مباحث هذا الفصل، وذلك كالتمهيد للكلام على الحكم على الحديث إن شاء الله.
والمراد بالتخريج هنا: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية - التي جمعها أصحابها بأسانيدها - والدلالة على موضعه فيها، مع بيان درجته عند الحاجة١.
فيكون المقصود من التخريج بهذا المعنى: التوصل إلى الحكم على الحديث، وبيان درجته من الصحة أو الضعف؛ إذ عن طريق التخريج يمكن للباحث الوقوف على طرق الحديث وجمع أسانيده، ومن ثَمَّ دراسة هذه الطرق والحكم من خلالها على الحديث وبيان حاله، مع ما في ذلك من فائدة الوقوف على شواهد الحديث ومتابعاته، فقد يرتقي بها الحديث من حال الضعف إلى حال القوة والاحتجاج.
ولقد قام ابن القَيِّم ﵀ بمهمة التخريج للأحاديث التي أوردها في كتبه، وخلال أبحاثه المختلفة على خير وجه، واعتنى بذلك عناية فائقة، وتنوع أسلوبه في ذلك تبعاً لظروف كل بحث.
وفيما يلي ذكر منهجه في التخريج على وجه الإجمال:
стр. 555
أولاً: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، فإن ابن القَيِّم - في الغالب - يكتفي بالعزو إليهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما إلا في القليل النادر، كأن يحتاج إلى التنبيه على فائدة زائدة وليست عندهما.
- ففي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلا الله ... " قال: "رواه البخاري ومسلم"١. والحديث مخرج في: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي٢.
- وقال في حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم، يَشْهَدُ ألا إله إلا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله إلا بِإِحدى ثلاث ... ": "أخرجاه في الصحيحين"٣. والحديث مَخَرَّجٌ أيضاً: عند النسائي وابن ماجه٤، وغيرهما.
- وَخَرَّجَ حديث علي ﵁ في "النهي عن لباس المعصفر" من (صحيح مسلم) وحده٥. والحديث أخرجه أيضاً: أبو داود والنسائي٦.
- وعزا حديث أم سلمة ﵂ "في القسم للبكر والثيب" لمسلم وحده٧.
стр. 556
والحديث أخرجه: مالك، وأبو داود١.
- وقال: "وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" ٢. والحديث مُخَرَّج: عند أبي داود، وأحمد٣ وغيرهما.
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحْصَى.
وأما حين يحتاج ابن القَيِّم ﵀ إلى التنبيه على لفظة زائدةٍ، أو جملة مغايرةٍ، وليس ذلك في الصحيحين، فإنه يضيف إليهما غيرهما من المصادر التي فيها تلك الزيادة، فمن ذلك:
- أنه ساقَ حديث أبي هريرة مرفوعاً: "يقول الله: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِين مَا لا عَينٌ رَأَتْ ... ". ساقه بطوله، ثم قال: "رواه بهذا اللفظ والسياق: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصدره في الصحيحين"٤.
- وقال ﵀: " ... ما رواه مسلم في صحيحه: "أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ... " وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم ... وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود: عن عمرو بن أم مكتوم قال ... "٥.
стр. 557
فقد عزا الحديث إلى أحمد وأبي داود بعد عزوه إلى مسلم، وذلك لما اشتملت عليه روايتهما من زيادة وبيان؛ حيث جاء عندهما التصريح باسم الرجل.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ يكتفي بالتخريج من الصحيحين ويَسْتَغْنِي بهما عن غيرهما، إلا إذا دَعَتْ الضرورةُ إلى الزيادة عليهما، فإنه يفعل ذلك.
ثانياً: لم يلتزم ابن القَيِّم ﵀ بتخريجِ كُلِّ حديث أورده في كتبه، بل إنه - في بعض الأحيان - يذكرُ الحديث مُسْتَدِلاً بهِ لِمَسْأَلة، دون أن يعزوه لأحدٍ ممن خرجه١.
والْمُطَالِع لكتبه ﵀ يجد اهتماماً كبيراً بتخريج الأحاديث التي أوردها في مباحثه، فيكون ما وقعَ له من ذلك: إِمَّا لِشهرةِ الحديث وصحَّتِهِ فيستغني بذلك عن تخريجه، أو لرغبته في الاختصار، أو لأنه خَرَّجَهُ في موضع آخر من كتبه، أو لغير ذلك من الأسباب الكثيرة.
ثالثاً: وكما أنه ﵀ قد يذكر الحديث ساكتاً عن تخريجه، فإنه قد يصرح بعدم وقوفه عليه ولا معرفته بمن خرجه، فمن أمثلة ذلك:
стр. 558
- قوله في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: "مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الخيل يوم الرِّهان فليس منا" قال: "ذَكَرَهُ صاحب المغني، ولا أعرف مَنْ خَرَّجَهُ"١.
- وقال في حديث أنس ﵁ مرفوعاً: في إطراق الفحل، وقوله ﷺ : "إِذَا كَانَ إِكْرَاماً فَلا بَأْسَ" قال: "ولا أعرفُ حال هذا الحديث، ولا من خَرَّجَهُ"٢.
أما إذا كان شَاكَّاً وغير متأكد من وجود الحديث في المصدر الذي يعزو إليه، فِإِنَّهُ لا يجزمُ بنسبته إليه، ومن ذلك قوله في حديث: "وأظنه في المسند"٣.
رابعاً: طولُ نَفَسِهِ ﵀ واستيعابه في التخريج، فيتوسع أحياناً في تخريجِ الحديثِ الواحد توسعاً كبيراً، حتى إنه ليكادُ يأتي على رواياته، ويستوفي جميع طرقه.
ومن أمثلة ذلك:
- حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَب". قال ﵀: "رواه عن النبي ﷺ : أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر، وصفوان بن عَسَّال،
стр. 559
وعبد الله بن يزيد الخطمي ... " فَعَدَّ تسعة عشر صَحَابياً، ثُمَّ أخذ في تخريج رواية كل صحابي، وبيان درجتها١.
- وحديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية، قال ﵀:" ... رواها عن النبي ﷺ : عليُّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن أبي أوفى ... " فعد عِشْرِين صحابياً، ثم أخذ في تخريجها حديثاً حديثاً٢.
- وحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" ساقه ﵀ من طريق: شداد بن أوس، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد، وأبي موسى، ومعقل بن سنان، وابن عباس، وبلال ﵃ أجمعين، مع ذكر من أخرجَ كلَّ رواية من هذه الروايات٣.
- وقال ﵀ مرة: " وقد روى عنه ﷺ الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم كُلُّهَا صِحَاحٌ، وهم: عائشةُ، وحفصة أَمَّا المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد، والبراء، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي ﵃"٤.
стр. 560
ثُمَّ أَخَذَ في سَرْدِ أحاديثهم حَدِيثاً حديثاً، مع تخريجها والكلام عليها.
وهكذا نجده ﵀ يتوسع في إيراد طرق الحديث في مناسبات عديدة، ويكون ذلك منه ﵀:
- إما لمحاولة استقصاء أحاديث الباب، واستيعاب المرويات في الموضوع الذي هو بصدد بحثه؛ كما فعل ذلك كثيراً في (تهذيب السنن) ١.
- وإما تأييداً ونصرةً لما يختاره في مسألة مُخْتَلَفٍ فيها، كما هو الحال في المثالين الأخيرين من الأمثلة التي سُقْتَهَا قبل قليل.
- أو لغير ذلك من الأغراض.
خامساً: قد يعزو الحديث إلى أحد الأئمة المشهورين دون تصريح باسم كتابه. فيقول مثلا: "قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ... "٢. ويقول: "قال ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان ابن الأشعث ... "٣. ويقول: "قال عبد الرحمن بن أبي حاتم ... "٤. ويقول: "قال أبو نعيم: حَدَّثَنَا محمد بن معمر ... "٥.
стр. 561
ولكنَّ الكثير الغالبَ: أنه يعزو الحديث إلى مصدره، ويذكر الكتابَ الذي خَرَّجَهُ، كما هو ظاهرٌ بَيِّنٌ لمن طَالَعَ كتبه.
سادساً: تنوع طرق نقله للحديث من مصادره.
- فتارة يسوقُ الحديثَ بإسناد صاحب الكتاب الذي أخرجه، وتارةً يكتفي بذكر صحابيِّ الحديث فقط.
ويُلاحظ أنه ﵀ يُكْثِرُ من ذكر أسانيد الأحاديث في بعض كتبه دون بقيتها، فنجد أن ذلك يكثر - مثلا - في (حادي الأرواح) ، وفي (جلاء الأفهام) ، وغيرهما من الكتب التي أفردها لجمع أحاديث موضوع بعينه، أي: الكتب التي تَتَّسِمُ بوحدة الموضوع.
ولعل السبب في ذلك: أن هذه الكتب يغلبُ عليها المادةُ الحديثية، دون الكلام والشرح والأخذ والردِّ، مِمَّا هو موجود في غيرها من كتبه، فيكونُ - لأجل ذلك - قد أولاها عنايته، واهتم بسردها مسندة.
ويُلاحظ أيضاً: أنه لا يسوق - غالباً - أسانيدَ الأحاديث الْمُتَّفَقِ على صِحَّتِهَا، أو التي أخرجها أحد صَاحِبَي الصحيح.
- وتارةً نجده يُسقط حَتَّى ذكر الصحابي، ويُعَلِّقُ الحديثَ إلى النبي ﷺ ، فيقول: "ثبت عنه ﷺ أنه قال"١. ويقول: "وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال ... "٢. ويقول: "قال النبي ﷺ ... "٣.
стр. 562
ولكنَّ ذلك قليل إذا قُورِنَ بِمَا صَرَّح فيه بذكرِ الصحابي.
- وقد ينقل ﵀ بعضَ الأحاديث بإسناده الْمُتَّصِل إلى النبي ﷺ ، وغالباً ما يعبر عن ذلك بقوله: "روينا". قال مرة: "وقد روي لنا عنه - يعني نَبِيِّ الله إبراهيم ﵇ حديثاً وقع لنا متصل الرواية إليه، رويناه في كتاب الترمذي وغيره ... "١.
فهذه بعض الملاحظات عن أسلوبه في النقل عن المصادر، والعزو إليها، والتخريج منها، وتنوع ذلك منه ﵀.
سابعاً: قد يذكر الحديث عند تخريجه إياه بالمعنى، ولا يلتزم بذكر لفظه٢.
وهذا - والله أعلم - يقع في بعض الأحاديث التي يذكرها من حفظه خاصة، دون التي ينقلها من مصادرها.
ومع ذلك، فإن الغالب عليه ﵀ المحافظة على لفظ الحديث، ونَقْلِهِ بِنَصِّهِ، كما يظهرُ ذلك عند المقارنة بين كثيرٍ من النصوص الحديثية، ومصادرها التي نقل عنها وعزا إليها.
стр. 563
على أنه ﵀ قد يَرِدُ عنه ما يدلُّ على نقله الحديث بالمعنى، فنجده يقول مثلا: "أو كما قال ﷺ "١.
وقد ينصُّ صراحةً على أن ما ذكره هو معنى الحديث دون لفظه، فمن ذلك:
- قوله في حديث: "النَّظرةُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إبليس، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عن محارمِ امرأة لله، أورثَ الله قلبه حلاوةً إلى يوم يلقاه" قال: "هذا معنى الحديث"٢.
- وقال مرة: "وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أن الله جعلَ طعامَ ابن آدم، وما يخرجُ منه مثلاً للدنيا ... "٣.
ثامناً: الدقة في تمييز الروايات، وبيان الفرق بين ألفاظها، ونسبة كل لفظ إلى الكتاب الذي أخرجه.
- فيقول مثلا: "هذا الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم"٤.
- ويقول في حديث آخر: "رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أَوَّلَهُ"٥.
стр. 564
- ويقول في حديث آخر: "رواه ابنُ ماجه، والترمذي وهذا لفظه"١.
- وعزا حديث أكلِ الحسنِ أو الحسينِ من تَمْرِ الصدقة للبخاري بلفظ: "فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة". ثم قال: "ورواه مسلم، وقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" ٢.
وبعد، فهذه أهم الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم ﵀ في تخريجه للأحاديث وعزوها إلى مظانها من كتب السنن، والمسانيد وغيرها من المصادر، وما اتَّسَمَ به منهجه في ذلك.
وفي ختام ذلك أُورِدُ بعض الملحوظات اليسيرة، وهي وإن كانت مما يؤخذ على ابن القَيِّم ﵀، إلا أنها لا تكادُ تُذْكَرُ في جانب جهده الْمُوَفَّقِ في هذا الباب، وكفى المرء نُبْلاً أن تُعَدَّ مَعَايِبُه.
فمن هذه الملحوظات والمآخذ:
١- أن ابن القَيِّم ﵀ قد يطلق عزو الحديث لمؤلف من المؤلفين دون تحديد للكتاب الذي أُخْرِج فيه هذا الحديث، وقد يؤدي ذلك إلى وقوع شيء من الالتباس، وبخاصة إذا كان لهذا المؤلف أكثرُ من كتاب، فمن أمثلة ذلك:
стр. 565
- ما ذكره من دعائه ﷺ يوم عرفة، وقوله: "اللهم إِنَّكَ تَسْمَعُ كلامي، وترى مكاني، وتَعْلَم سِرِّي وعلانيتي ... ". فقد قال عقبه: "ذكره الطبراني"١.
ومعلوم أن للطبراني معاجمَ ثلاثة، وله كتاب (الدعاء) الذي هو مظنة لوجود هذا الحديث، فلا شكَّ أن إطلاق العزو للطبراني - والحالة هذه - يوقع في نوع التباس، فلا يُدرى في أي كتب الطبراني هو؟
فهذا الحديثُ الذي عزاه للطبراني: مُخَرَّجٌ في معجميه: (الكبير) ٢، و (الصغير) ٣، فلزم تقييده لأجل ذلك.
- ومن ذلك: عزوه حديث معاوية بن قرة في قتل من عَرَّسَ بامرأة أبيه. للنسائي دون تحديد٤، مع أن الحديثَ في (سننه الكبرى) ٥. فكان لابد من تقييده دفعاً لالتباسه بالصغرى، إذ هي المرادة عند الإطلاق.
- ومثله: حديث ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك" وأن ذلك كان في صلاة الليل، فقد عزاه إلى (سنن النسائي) ٦. مع أن الحديث ليس في (الصغرى) كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو في الكبرى٧.