← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ولكنَّ الكثير الغالبَ: أنه يعزو الحديث إلى مصدره، ويذكر الكتابَ الذي خَرَّجَهُ، كما هو ظاهرٌ بَيِّنٌ لمن طَالَعَ كتبه. سادساً: تنوع طرق نقله للحديث من مصادره. - فتارة يسوقُ الحديثَ بإسناد صاحب الكتاب الذي أخرجه، وتارةً يكتفي بذكر صحابيِّ الحديث فقط. ويُلاحظ أنه ﵀ يُكْثِرُ من ذكر أسانيد الأحاديث في بعض كتبه دون بقيتها، فنجد أن ذلك يكثر - مثلا - في (حادي الأرواح) ، وفي (جلاء الأفهام) ، وغيرهما من الكتب التي أفردها لجمع أحاديث موضوع بعينه، أي: الكتب التي تَتَّسِمُ بوحدة الموضوع. ولعل السبب في ذلك: أن هذه الكتب يغلبُ عليها المادةُ الحديثية، دون الكلام والشرح والأخذ والردِّ، مِمَّا هو موجود في غيرها من كتبه، فيكونُ - لأجل ذلك - قد أولاها عنايته، واهتم بسردها مسندة. ويُلاحظ أيضاً: أنه لا يسوق - غالباً - أسانيدَ الأحاديث الْمُتَّفَقِ على صِحَّتِهَا، أو التي أخرجها أحد صَاحِبَي الصحيح. - وتارةً نجده يُسقط حَتَّى ذكر الصحابي، ويُعَلِّقُ الحديثَ إلى النبي ﷺ ، فيقول: "ثبت عنه ﷺ أنه قال"١. ويقول: "وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال ... "٢. ويقول: "قال النبي ﷺ ... "٣.

стр. 562

ولكنَّ ذلك قليل إذا قُورِنَ بِمَا صَرَّح فيه بذكرِ الصحابي. - وقد ينقل ﵀ بعضَ الأحاديث بإسناده الْمُتَّصِل إلى النبي ﷺ ، وغالباً ما يعبر عن ذلك بقوله: "روينا". قال مرة: "وقد روي لنا عنه - يعني نَبِيِّ الله إبراهيم ﵇ حديثاً وقع لنا متصل الرواية إليه، رويناه في كتاب الترمذي وغيره ... "١. فهذه بعض الملاحظات عن أسلوبه في النقل عن المصادر، والعزو إليها، والتخريج منها، وتنوع ذلك منه ﵀. سابعاً: قد يذكر الحديث عند تخريجه إياه بالمعنى، ولا يلتزم بذكر لفظه٢. وهذا - والله أعلم - يقع في بعض الأحاديث التي يذكرها من حفظه خاصة، دون التي ينقلها من مصادرها. ومع ذلك، فإن الغالب عليه ﵀ المحافظة على لفظ الحديث، ونَقْلِهِ بِنَصِّهِ، كما يظهرُ ذلك عند المقارنة بين كثيرٍ من النصوص الحديثية، ومصادرها التي نقل عنها وعزا إليها.

стр. 563

على أنه ﵀ قد يَرِدُ عنه ما يدلُّ على نقله الحديث بالمعنى، فنجده يقول مثلا: "أو كما قال ﷺ "١. وقد ينصُّ صراحةً على أن ما ذكره هو معنى الحديث دون لفظه، فمن ذلك: - قوله في حديث: "النَّظرةُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إبليس، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عن محارمِ امرأة لله، أورثَ الله قلبه حلاوةً إلى يوم يلقاه" قال: "هذا معنى الحديث"٢. - وقال مرة: "وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أن الله جعلَ طعامَ ابن آدم، وما يخرجُ منه مثلاً للدنيا ... "٣. ثامناً: الدقة في تمييز الروايات، وبيان الفرق بين ألفاظها، ونسبة كل لفظ إلى الكتاب الذي أخرجه. - فيقول مثلا: "هذا الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم"٤. - ويقول في حديث آخر: "رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أَوَّلَهُ"٥.

стр. 564

- ويقول في حديث آخر: "رواه ابنُ ماجه، والترمذي وهذا لفظه"١. - وعزا حديث أكلِ الحسنِ أو الحسينِ من تَمْرِ الصدقة للبخاري بلفظ: "فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة". ثم قال: "ورواه مسلم، وقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" ٢. وبعد، فهذه أهم الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم ﵀ في تخريجه للأحاديث وعزوها إلى مظانها من كتب السنن، والمسانيد وغيرها من المصادر، وما اتَّسَمَ به منهجه في ذلك. وفي ختام ذلك أُورِدُ بعض الملحوظات اليسيرة، وهي وإن كانت مما يؤخذ على ابن القَيِّم ﵀، إلا أنها لا تكادُ تُذْكَرُ في جانب جهده الْمُوَفَّقِ في هذا الباب، وكفى المرء نُبْلاً أن تُعَدَّ مَعَايِبُه. فمن هذه الملحوظات والمآخذ: ١- أن ابن القَيِّم ﵀ قد يطلق عزو الحديث لمؤلف من المؤلفين دون تحديد للكتاب الذي أُخْرِج فيه هذا الحديث، وقد يؤدي ذلك إلى وقوع شيء من الالتباس، وبخاصة إذا كان لهذا المؤلف أكثرُ من كتاب، فمن أمثلة ذلك:

стр. 565

- ما ذكره من دعائه ﷺ يوم عرفة، وقوله: "اللهم إِنَّكَ تَسْمَعُ كلامي، وترى مكاني، وتَعْلَم سِرِّي وعلانيتي ... ". فقد قال عقبه: "ذكره الطبراني"١. ومعلوم أن للطبراني معاجمَ ثلاثة، وله كتاب (الدعاء) الذي هو مظنة لوجود هذا الحديث، فلا شكَّ أن إطلاق العزو للطبراني - والحالة هذه - يوقع في نوع التباس، فلا يُدرى في أي كتب الطبراني هو؟ فهذا الحديثُ الذي عزاه للطبراني: مُخَرَّجٌ في معجميه: (الكبير) ٢، و (الصغير) ٣، فلزم تقييده لأجل ذلك. - ومن ذلك: عزوه حديث معاوية بن قرة في قتل من عَرَّسَ بامرأة أبيه. للنسائي دون تحديد٤، مع أن الحديثَ في (سننه الكبرى) ٥. فكان لابد من تقييده دفعاً لالتباسه بالصغرى، إذ هي المرادة عند الإطلاق. - ومثله: حديث ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك" وأن ذلك كان في صلاة الليل، فقد عزاه إلى (سنن النسائي) ٦. مع أن الحديث ليس في (الصغرى) كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو في الكبرى٧.

стр. 566

- وعزا حديث عمران بن حصين في ثواب السلام إلى النسائي، فقال: "رواه النسائي"١. وليس الحديث في السنن كما هو المتبادر، وإنما هو في (عمل اليوم والليلة) ٢ له، ولم أر من عزاه للسنن. - وذكر حديث: "كان إذا عَرَّسَ٣ بليلٍ اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عَرَّسَ قبيل الصبح نَصَبَ ذراعه ووضع رأسه على كفه" قال: "هكذا قال الترمذي"٤. وليس هذا الحديث في (جامع الترمذي) كما يُفْهَمُ من إطلاقه، وإنما أخرجه في (الشمائل) ٥. - وقريب من ذلك أيضاً: قوله عن حديث: "وفي بعض المسانيد ... "٦. هكذا بدون تحديد. ٢- قد يعزو ﵀ الحديثَ إلى المصدر الأدنى رتبةً، والأبعدِ شهرةً، مع وجوده في الكتب المتقدمة رتبة وشهرة، كالصحيحين مثلا. فمن ذلك: - أنه عزا حديث أنس ﵁: "مَا صَليت خلفَ رجلٍ أوجز صلاة

стр. 567

من رسول الله ﷺ ... " عزاه لأبي داود١. مع أن الحديث بإسناده ولفظه مخرج في (صحيح مسلم) ٢. - وعزا حديث الرَّجُلِ الذي كان يُتَّهَم بأم ولد النبي ﷺ ، وما كان من إرسال النبي ﷺ علياً لقتله، وأنه وجده مجبوب الذكر. عزاه لابن أبي خيثمة وابن السكن٣. مع أن الحديث في (صحيح مسلم) ٤، وقد نبه على ذلك محقق (الزاد) . - وعزا حديث زيد بن ثابت ﵁، وقوله لمروان بن الحكم: "ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل ... " عزاه لأصحاب السنن٥، مع أن الحديث مخرج في (صحيح البخاري) ٦. ٣- قد تقع لابن القَيِّم ﵀ أوهام في العزو والتخريج، فمن ذلك: - حديث: "قَسَمَ الله الخير، فَجَعَله عشرة، فَجَعَل تسعة أعشاره في الشام، وبقيته في سائر الأرض". عزاه للإمام أحمد في (مسنده) ٧. وليس الحديث في المسند فيما بحثت عنه، ونَبَّهَ على ذلك العلامة أحمد شاكر في تعليقه على (تهذيب السنن) .

стр. 568

- وعزا حديث أنس ﵁: "مَا زَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَقنتُ في الفجر حَتَّى فَارَقَ الدنيا". للترمذي١. وليس الحديث في الترمذي٢. - وعزا حديث إسرائه ﷺ من بيت أم هانئ إلى الصحيح٣، وليس هو في واحد منهما، وقد نَبَّهَ عليه محقق (زاد المعاد) . - وقال في حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر فبدا له الفجر قال: "سَمِعَ سَامعٌ بحمد الله ونعمته ... ". قال: "إسناد صحيح على شرط مسلم"٤. وظاهر عبارته أن مسلماً لم يخرجه، وأنه على شرط كتابه، مع أن الحديث مُخَرَّج في (صحيح مسلم) ٥. وأقول: الغالبُ أن ذلك لا يقعُ - على قِلَّته وَنُدْرَتِهِ - لابن القَيِّم إلا فيما كتبه من حفظه؛ حيث إنه كان لا يَكُفُّ عن الكتابة والتأليف حالَ السفر، وفي غياب الكتب، كما نَصَّ على ذلك في (زاد المعاد) وغيره، فهو لأجل ذلك معذور، ومن ذا الذي يسلم من الوهم والخطأ؟! وهذه الأوهام اليسيرة إنما هي قطرة في بحر حفظه وإتقانه وقوة استحضاره، وشيء لا يكاد يذكر إذا قيس بكثرة ما كتب وسطر، رحمه الله تعالى، وأجزل له الأجر والمثوبة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

стр. 569

المبحث الثاني: فِي بَيَانِ مَنْهَجِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الحديث لا شكَّ أَنَّ الحكم على الحديث، وبيان صحته من ضَعْفِه، وصدقه من كذبه، ليس مقصوداً لذاته، وإنما وراء ذلك غاية عظيمة، ألا وهي: أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة وهدى، مُتَّبِعاً في ذلك ما صح عن النبي ﷺ ، معرضاً عما سواه. إذ لولا تسخيرُ الله لهؤلاء الأئمة الجهابذة النُّقَّاد - الذين مَيَّزُوا الصحيحَ من المعلول، والصدق من الكذب - لقال من شَاءَ فِي دِين الله مَا شاء، ولَعُبِدَاللهُ - سبحانه - بالأهواءِ والبدعِ، التي ما أنزل بها من سلطان، ولا جاء بها رسول الله ﷺ . ولكن ينبغي أن يُرْجَعَ في معرفة ذلك إلى أئمة هذا الشأن وأربابه العارفين به، المشهود لهم بالتَّقَدُّمِ ورسوخِ القدم في الكشف عن خباياه، ومعرفة خفاياه. وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم ﵀ إلى هذا المعنى، وأشار إليه، فقال - عند كلامه على حديث: "مَنْ عَشِقَ فَكَتَم ... " -: "والتحاكم في ذلك إلى أهلِ الحديث، لا إلى العارين الغرباء منه"١.

стр. 570

وقال في موضع آخر - عند كلامه على الحديث نفسه -: "وكلامُ حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجعُ في هذا الشأن، وما صَحَّحَهُ - بل ولا حَسَّنَهُ - أحدٌ ممن يُعَوَّلُ في علم الحديث عليه، ويُرجع في التصحيح إليه"١. وقد مضى ذِكْرُ كلامه ﵀ في بيان أهمية الوقوف على الإسناد في الحكم على الحديث٢؛ إذ عن طريق النظر في الإسناد يتمكن الناقدُ من كشف عِلَّةِ الحديث، ومعرفة صحته من ضعفه. وقد قام ابن القَيِّم ﵀ بهذه المهمة الجليلة - مهمة الحكم على الحديث وبيان درجته - خير قيام، فلا يكاد يخلو بحث من الأبحاث التي تَعَرَّضَ لها، ولا مناسبة من المناسبات التي تستدعي مناقشة أدلة الخصم، ولا موضوعٍ من الموضوعات التي نَذَرَ على نفسه أن يستوفي الكلام فيها، إلا وهو قائمٌ بهذه المهمة على أَتَمِّ الوجوه، فجمع بذلك: بين العلم بالحديث، والفقه فيه، ومعرفةِ عِلَلِهِ، وتمييز صحيحه من سقيمه. بيان منهجه في الحُكْمِ على الحديث: لسنا - ونحن بصدد الكلام عن ذلك - أمام كتاب واحد ينحصر فيه جهد ابن القَيِّم في هذا الباب، ولكننا أمام مقدار هائلٍ من المؤلفات في فنون مختلفة: من فقه، وحديث، وعقيدة، ولغة، وغير ذلك.

стр. 571

ومع هذا، فإنه يمكن تحديدُ المنهج العام لابن القَيِّم في الحكم على الحديث فيما يلي: أولاً: أن ابن القَيِّم ﵀ مع اهتمامه بالحكم على أكثر الأحاديث التي أوردها في كتبه، وعنايته بذلك عناية فائقةً، قد تَرَكَ جملةً كبيرةً من الأحاديث فلم يحكم عليها، مع إيراده بعضها مورد الاستدلال بها١، وستأتي بعد قليل إشارةٌ إلى بعض الأحوال والظروف التي يسكت فيها عن الأحاديث أو يَقِلُّ حكمه عليها. ثانياً: قد يصرح ابن القَيِّم ﵀ بعدم مَعرفَتِهِ بحال الحديث ودرجته من الصحة أو الضعف. فيقول مثلاً: "لا أعرف حال هذا الحديث"٢. ويقول: "والله أعلم بحال هذين الحديثين"٣. ويقول: "وَرَدَ ... في حديث لا نعلم صِحَّتَهُ"٤. إلى غير ذلك من الأمثلة٥. وهذا من كمال تواضعه، وتمام نصحه، وعلو شأنه رحمه الله تعالى. ثالثاً: تفاوت أحكامه - قلة وكثرة - بحسب موضوع الكتاب؛ فبينما يكثرُ من الحكمِ على الحديث، وبيان درجته في الكتب والمباحث التي

стр. 572

تُعنى بالأحكام الفقهية، والتوحيد والعقيدة، وما شابه ذلك من المباحث التي تتعلق بالحلال والحرام، نجد أن حكمه على الحديث والكلام عليه يقلُّ في الكتب والمباحث التي تتناول: الزهد والرقائق، والترغيب والترهيب، والفوائد العامة ونحو ذلك. فبينما نجد كتباً مثل: (زاد المعاد) و (تهذيب السنن) و (الصلاة) و (جلاء الأفهام) و (اجتماع الجيوش الإسلامية) ، و (إعلام الموقعين) تمتلأُ بتلك الأحكام الحديثية، وبيانُ علل كثير من الأحاديث، وصحيحها من ضعيفها، فإن كتباً أخرى، مثل: (بدائع الفوائد) و (الجواب الكافي) و (مدارج السالكين) ، و (روضة المحبين) وأمثالها تَقِلُّ فيها هذه الأحكام بالنسبة لسابقتها. وليس هذا من باب الإهمال والإغفال، أو قِلَّةِ العناية، وإنما هذا ما تقتضيه ظروف البحث في الغالب؛ فابن القَيِّم حينما يواجه خصوماً ومخالفين فيما يتعلق بأحكام الدين، يتطلب الأمر مزيداً من الجهد في بيان ضعف أدلتهم، وفي المقابل تقرير صِحَّة ما يستند إليه، أو رَدِّ الطعن الموجه إليه. في حين أنه لا يكون محتاجاً إلى كل هذا الجهد وهو يتحدث عن: أمراض القلوب وأدوائها، وتشخيص الدواء الناجع لعلاجها، وأنواع المحبة وأقسامها، وتفسير بعض الآيات وبيان بعض أسرارها، وشرحِ بعض الألفاظ اللغوية وبيان إعرابها، إلى غير ذلك من البحوث والمؤلفات التي هذا حالها.

стр. 573

رابعاً: ثبات أحكامه الحديثية وعدم تغيرها؛ فإن ابن القيم قد يتناول الحديث الواحدَ بالكلام في أكثر من كتاب من كتبه، ومع ذلك: نجد أَنَّ حُكْمَهُ على الحديثِ، وطريقةَ معالجته له - تصحيحاً أو تضعيفاً - لا يكادُ يختلفُ من موضعٍ لآخر في الكثير الغالب، وَإِن وَقَعَ خلاف ذلك، فإنَّه يكون نادراً جداً. وهذا - بلا شك - يؤكد حقيقة مهمة، وهي: الاستقرار والثبات في أحكام ابن القَيِّم الحديثية، وعدم التناقض والتضارب، بحيث يقل - بل يندر - وقوع اضطراب في أحكامه على الحديث الواحد. ومن أمثلة ذلك: - حديث: "مَنْ عَشِقَ وَكَتَمَ وَعَفَّ وَصَبَرَ ... ". فقد تناوله ابن القَيِّم ﵀ في كتبه: (الجواب الكافي) ١، و (روضة المحبين) ٢، و (زاد المعاد) ٣. وَجَاءَ كَلامُهُ في الحكم عليه، وبيان علته، وإثباتِ بطلانه، جاء كلامه في ذلك متفقاً - إلى حَدٍّ كبير - في هذه المواضع الثلاثة. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: - حديث "لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له". فقد عالجه بالطريقة نفسها في: (إغاثة اللهفان) ٤، و (زاد المعاد) ٥، و (إعلام الموقعين) ٦.

стр. 574

- وحديث أبي مالك الأشعري "في ذَمِّ الغِنَاء والملاهِي". فقد تَكَلَّم عليه في: (إغاثة اللهفان) ١، و (تهذيب السنن) ٢ و (روضة المحبين) ٣، و (الكلام على مسألة السماع) ٤. - وحديث: "أَفْطَر الحاجمُ والمحجوم". فقد ذكره وحكم عليه وَتَوَسَّعَ فيه في: (زاد المعاد) ٥، و (تهذيب السنن) ٦. - وحديث تلقين الميت بعد دفنه. تكلم عليه في: (زاد المعاد) ٧، و (الروح) ٨، و (تحفة المودود) ٩. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تكرر فيها حكمُ ابن القَيِّم على الحديث الواحد في مواضع شَتَّى، مع اتِّسَاق كلامه وتوافقه، وعدم اختلاف حكمه. خامساً: اختلاف عبارات ابن القيم في الحكم على الحديث وتنوعها؛ فلم تكن الأحكام الحديثية التي صَدَرَتْ عن ابن القَيِّم ﵀ على شَاكِلَةٍ واحدة، وَإِنَّمَا اختلفت عباراته وأحكامه: طولاً وقصراً، وإجمالاً وتفصيلاً.

стр. 575

فبينما نجده ﵀ يحكمُ على حديث بكلمةٍ واحدةٍ أو كلمتين أو أكثر، نجده في حديث آخر يُسَطِّرُ أوراقاً كثيرةً في الكلام على هذا الحديث، وبيان ما فيه، وتقرير صحته أو ضعفه. ولا شَكَّ أن هذا التفاوتَ والتباينَ خاضع للظروف والأحوال الخاصة بكل حديث: - فيطيلُ مثلاً في تقرير صحة الحديث وإثباته: إذا كان مما طُعِنَ فيه بما يرى أنه كلام لا يثبتُ مثله في ميزان النقد، فيقوم بَرَدِّ هذه العلل والجواب عنها، وإثبات صِحَّة الحديث أو حسنه. - وكذا يطيل في بيان ضعف الحديث، وسردِ علله وتفصيلها: حين يجدُ أن هذا الحديث يعارضُ ما يرى أنه أَصَحُّ منه وأثبت، فيبالغ حينئذٍ في إثباتِ الصحيح، ورد ما يعارضه مما يكون معلولاً. أما الأحاديث التي يكون الحكم عليها مُسَلَّمَاً لا نزاع فيه، فإنَّ ابن القَيِّم ﵀ يطلق حكمه عليها في إيجاز واختصار. - وأيضاً: فإنه يطيلُ النَّفَس، ويوسع الكلام على الأحاديث المتعلقة بالعقيدة والأحكام، بخلاف الأحاديث التي ليست كذلك، فإنَّ الحكم عليها غالباً ما يكون مقتضباً. - وأيضاً: فإنَّه قد يختصرُ الكلامَ على الحديث في موضع، اعتماداً على أنه قد فَصَّلَ الكلام عليه في موضع آخر من كتبه، أو من الكتاب نفسه، وقد يُنَبِّهُ - في مثل ذلك - في موضع الاختصار على موضع البسط ويشير إليه، ومن أمثلة ذلك:

стр. 576

أنه عند كلامه على حديث: "نومه ﷺ جُنُبَاً دون أن يَمَسَّ ماءً". قال في كتابه (زاد المعاد) ١: "وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد أشبعنا الكلامَ عليه في كتاب تهذيب سنن أبي داود ... "٢. سادساً: في كثير من الأحيان ينقل ابن القَيِّم أقوال الأئمة في الحكم على الحديث: تأييداً لحكمه، وتأكيداً لاختياره، فمن ذلك: - قوله في حديث "قَدْ أَفْطَرَ" - يعني: الذي قَبَّلَ وهو صائم - قال: "فلا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ... وقال الدارقطني ... : لا يثبت هذا. وقال البخاري: هذا لا أُحَدِّثُ به، هذا حديث منكر"٣. - وقال في حديث جابر ﵁ في استثناء كلب الصيد مما نُهِيَ عن ثمنه: "لا يصحُّ عن النبي ﷺ استثناء كلبِ الصيد بوجهٍ، أمَّا حديث جابر: فقال الإمام أحمد - وقد سئل عنه -: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصحُّ إسناد هذا الحديث"٤. - وقال في حديث: "مَنْ دَخَلَ السُّوق فَقَال: لا إله إلا الله ... ": "فهذا الحديث معلول أعله أئمة الحديث ... قال الترمذي: هذا حديث غريب ... وقد روي من طريق: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، لكنه

стр. 577

معلول أيضاً". ثم نقل عن أبي زرعة وأبي حاتم قولهما: "هذا حديث منكر". وعن ابن أبي حاتم قوله: "هذا الحديث خطأُُ"١. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الجانب. سابعاً: قد لا يصرح ابن القَيِّم ﵀ برأيه واختياره في الحكم على الحديث، بل يكتفي بعرض آراء المصححين والمضعفين لهذا الحديث، وأجوبة كُلِّ فريق عن الآخر، دون أن يَنُصَّ صراحة على حكمه واختياره في هذا الحديث. وفي مثل ذلك ندرك رأى ابن القَيِّم ﵀ ببعض القرائن التي تظهر من خلال كلامه، أو بحكمه على الحديث نفسه في موضع آخر. - ومن أمثلة ذلك: "حديث القلتين"٢.فقد أَخَذَ ابن القَيِّم ﵀ في عرض آراء المصححين له، معبراً عنهم بقوله: "قال المحددون"، ثم عَرَضَ أجوبة المضعفين للحديث، معبراً عنهم بقوله: "قال المانعون من التحديد بالقلتين". لكن دلت عباراته - فيما بعد - على أنه لا يرى التحديد بالقلتين، فَفُهِمَ أنه مع من يضعفون هذا الحديث. - ومن ذلك أيضاً: كلامه على حديث "الأوعال". فقد عرض رأى من رَدَّهُ وحججهم، ثم قال: "قال المثبتون ... ". ثم ساق رأى من صححه، وَرَدَّهم على مضعفيه، وقد فُهِمَ أخذه بتصحيح هذا الحديث من

стр. 578

بعض كلامه، كقوله في الردِّ على من ضعفه بالوليد بن أبي ثور: "فأيُّ ذنب للوليد في هذا؟ وأي تعلق عليه؟ وإنما ذنبه: روايته ما يخالف قول الجهمية، وهي علته المؤثرة عندهم"١. وهذا ظاهرٌ في إثباته الحديث، وذلك من رَدِّهِ على الجهمية نفاة الصفات. ثم جاء تصحيحه له صريحاً في مواضع أخرى؛ فإنه قال في (اجتماع الجيوش) ٢: "حديث حسن صحيح". وقال في موضع آخر: "رواه أبو داود بإسناد جيد"٣. فالمقصود: أن ابن القَيِّم ﵀ حين لا يُصَرِّح برأيهِ في الحكم على الحديث، ولا ينصُّ على ذلك، فإنَّ النَّاظِرَ في كلامه عليه مراعاة أمرين: - الأول: التَّنَبُّهُ لبعض القرائن الموجودةِ في كلامهِ، مما يُعِينُ على معرفةِ اختياره. - الثاني: البحثُ في كُتُبِهِ الأخرى عن كلام له حول الحديث نفسه، فقد يُحْكَمُ عليه هناك. ثامناً: قد يَكْتَفِي ابن القَيِّم بتصدير الحديث بلفظةٍ تفيدُ صِحَّتَهُ أو ضعفه، دون إصدار حكمٍ صريح عليه.

стр. 579

- فمن ذلك: استعماله كلمة: (ثَبَتَ) في التعبير عن صحة الحديث، وقد تَبَيَّنَ لي بالتتبع أنه يستعملها - في الكثير الغالب - في الحديثِ الذي خُرِّجَ في (الصحيحين) أو أحدهما١. وربَّمَا ضَمَّ إلى هذه الكلمة التصريح بكونه في (الصحيحين) ، فيقول: "وثبت عنه في الصحيحين ... "٢. - وقد تَرِدُ هذه الكلمة عنده مقرونةً ببيان صِحَّةِ الحديثِ، كقوله: "ثبت عنه ﷺ من حديث بهز بن حكيم ... أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة". ثم قال: "قال أحمد، وعلى بن المديني: هذا إسناد صحيح"٣. - ومن الألفاظِ التي استعملها في هذا الصدد أيضاً: (صِيَغُ التمريض) للتعبير عن ضَعْفِ الحديث، فقد أَكْثَرَ من استعمال كلمة: (يُذْكَر) ٤، وكلمة: (رُوِيَ) ٥ مقتصراً على ذلك في التعبير عن ضَعْفِ الحديث. - وقد ينص - مع ذلك - على ضعف الحديث، إضافة إلى تصديره بصيغة التمريض، فمن ذلك:

стр. 580

قوله: "ويُذْكَرُ عنه ﷺ أنه كان يقول عند فطره: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ... " ولا يثبت"١. وقوله: "ويُذْكَر عنه: "من خيرِ خصالِ الصَّائمِ السواك"، رواه ابن ماجه من حديث مجالد، وفيه ضَعْفٌ"٢. وقوله: "ويُذْكَر عنه: "أنه كان يُكَبِّر من صلاة الفجرِ يوم عرفة إلى العصر من أيام التشريق، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد"، وهذا وإن كان لا يصحُّ إسنادُهُ، فالعمل عليه"٣. وقال: "وقد رُوِيَ عنه ﷺ "أنه كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهه"، ولكن لم يثبت عنه ذلك من وجه صحيح"٤. وقال: "وقد رُوِيَ عنه: "أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب"، ولكن لا يصح ... "٥. وقال: "وقد رُوِيَ عنه ﷺ : "أنه كان يصوم السبت والأحد كثيراً، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى ... " وفي صحة هذا الحديث نظر"٦.

стр. 581

فهذه بعضُ الأمثلة لما استعمله ابن القَيِّم ﵀ من ألفاظ للدلالة على درجة الحديث: إما مكتفياً بهذه الألفاظ وحدها، أو ضَامًّا إليها التصريح بصحة الحديث أو ضعفه. تاسعاً: قد يلجأ ابن القَيِّم ﵀ إلى بعض الأساليبِ لِتَأكيدِ الحًُكْمِ الذي أصدره على الحديث. ومن أبرز الأساليب التي استعملها في ذلك: الحلف على ثبوت الحديث أو عدمه، فيستعمل ﵀ أقوى المؤكدات في إثبات الحكم الذي توصل إليه وارتضاه في الحديث. وكان أكثرُ استعماله لهذه الطريقة في الأحاديث التي لم تثبت عن النبي ﷺ ، أو التي وقع فيها غلط ووهم، فمن ذلك: - قوله في حديث أبي هريرة: في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، فقال: "يفرق بينهما": "منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ أصلاً ... فوالله ما قال هذا رسول الله ﷺ ، ولا سمعه أبو هريرة، ولا حدث به"١. - وقال في حديث عمر ﵁، عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثاً "أن لها السكنى والنفقة": "فنحن نشهدُ بالله شهادةً نُسْأَلُ عنها إذا لقيناه: أن هذا كذبٌ على

стр. 582

عمر ﵁، وكذبٌ على رسول الله ﷺ "١. - وقال في حديث معاوية ﵁، أنه قَصَّرَ عن رأس رسول الله ﷺ في أيام العشر: "فنحن نحلف بالله: أن هذا ما كان في العشر قط"٢. فهذه بعضُ الأمثلة للأحكام الحديثية التي حَلَفَ عليها ابن القَيِّم ﵀، وهي تَدُلُّ على تَمَكُّنِه في هذا الباب، وسعةِ اطِّلاعِهِ عَلَى الْمَرْوِيَّات، والقدرة على تَمْييزِ صحيحها من سقيمها، وصَوَابها من غلطها، بحيث يُمْكِنُهُ - بكل ثقة - أن يجزم بحكمه، حالفاً بالله تعالى، ومشهداً إِيَّاه على حكمه. عاشراً: قد يحكمُ على الحديث من خلال النَّظر إلى مَتْنِه، دون دراسة إسناده والنظرِ في حالِ رواته. وقد سبق - عند الكلام على "الحديث الموضوع" - بيانُ الضوابطِ التي وضعها ﵀ لمعرفةِ كونِ الحديثِ موضوعاً دون النظر في إسناده٣، فإنَّ مَا أَودعه في كتابه (المنار المنيف) من ذلك يُمَثِّل منهجاً متكاملاً لنقد المتن والحكم عليه بِمَعْزِل عن إسناده. ولم تكن تجربةُ ابن القَيِّم في نقد المتن محصورةً في هذا الكتاب

стр. 583

وحده، بل إنه قد انتهج ذلك في سائر كتبه وأبحاثه، كما يُشَاهد ذلك كُلُّ مَنْ طَالَعَ كتاباته. من المعايير التي استعملها لنقد المتن في غير كتابه (المنار) : ١- استدلاله على بطلانِ الْمَتْنِ بكونه مما يَسْتحِيلُ وقُوعُه عَقْلاً: - ففي قصة قدوم وفد هَمْدَان على النبي ﷺ ، وما كان من إسلامهم، وأمر النبي ﷺ لهم بقتال ثقيف، قال ابن القَيِّم ﵀ منتقداً هذا المتن: "ولم تكن همدان أن تقاتلَ ثقيفاً، ولا تُغِير على سرحهم؛ فإنَّ هَمْدَان باليمن، وثقيفاً بالطائف"١. - وفي قصة قدوم النبي ﷺ من تبوك، وخروجِ النساء والصبيان لِتَلَقِّيهِ وهم ينشدون: طَلَعَ البَدْرُ عَلَينَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ قال ابن القَيِّم: "وبعض الرواة يَهِمُ في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وَهْمٌ ظاهرٌ؛لأن ثَنِيَّات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادمُ من مكة إلى المدينة، ولا يَمُرُّ بها إلا إذا تَوَجَّهَ إلى الشام"٢. فاستدلَّ ﵀ على بطلانِ وغلطِ هذين الحديثين: باستحالة حصول ما تَضَمَّنَاه عقلاً.

стр. 584

٢- استدلاله على بطلان المتن بكونه مما يستحيل وقوعه زمنياً: - ففي حديث ابن عباس ﵄: "جاءت اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: نأكلُ مما قَتَلَ الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ".، قال ابن القَيِّم ﵀ في إعلال هذا الحديث من جهة متنه: "إنَّ سورة الأنعام مَكِّيَّة باتفاق، ومجيءُ اليهود إلى النبي ﷺ ، ومجادلتهم إياه إنما كان بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فَإِنَّمَا كان جدالُهُ مع المشركين عُبَّاد الأصنام"١. - وفي حديث الترمذي: "أن رسول الله ﷺ دَخَلَ مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد ... ". قال ابن القَيِّم ﵀: "وهذا وَهْمٌ؛ فإنَّ ابن رواحة قُتِلَ في هذه الغزوة - يعني مؤتة - وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان يُنْشَدُ بين يديه شِعْرُ ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل"٢. ٣- استدلالُهُ على بطلان المتن بكونه قد وَقَعَ مِثْلُهُ ولم يأخذْ حُكْمَهُ: - فاستدل ﵀ على استحالة أن يكون كُلٌّ من: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع من أهل بدر: بأن النبي ﷺ هَجَرَهُمَا، ولو كانا من أهل بدر ما فَعَلَ ذلك معهما؛ لأنه ﷺ لم يَهْجُر حَاطِباً وقد جَسَّ عليه٣.

стр. 585

فهذه بعض الأساليب التي اعتمدها ابن القَيِّم في نقد المتن والاستدلال على غلطه، دون النظر إلى إسناده. حادي عشر: رُبَّمَا استعمل ابن القَيِّم ﵀ في حكمه على الأحاديث بعض العبارات التي تفيدُ التصحيح النسبي، كقوله في حديث: "هذا أصحُّ من كذا". أو: "أَمْثَل منه"، ونحو ذلك. وقد مضى معنا في مبحث الحديث الصحيح نقل ضوابط مهمة عن ابن القَيِّم في ذلك، وأن هذا لا يلزم منه أن يكون هذا الْمُقَدَّمُ على غيره صحيحاً، بل يكون ضعيفاً ويقال له: "أصحُّ من غيره"، وذلك بالنسبة لهذا الغير١. وَتَقَدَّمَ - أيضاً - عند الكلام على منهجه في (المنار المنيف) نقل بعض أمثلة من ذلك، وأن أحاديث البابِ قد تكونُ كُلها ضعيفة أو باطلة، ومع ذلك فإنه يذكر أمثلها أو أحسنها ولا يعني ذلك – أبداً- صحة هذا المقدم٢. ومن أمثلة ذلك أيضاً: أنه ذَكَرَ حديثين في الوتر، وَحَكَمَ ببطلانهما، وهما: حديث "نَهَى عن البُتَيْرَاء"، وحديث: "وترُ الليل ثلاثٌ كوتر النهار صلاة المغرب". ثُمَّ قال في الثاني منهما: "وهذا الحديث ... أصحُّ من الأول"٣. هذا مع حكمه ببطلانهما.

стр. 586

وبعدُ، فهذا مَا تَيَسَّرَ التَنْبِيه عليه حول منهج ابن القَيِّم ﵀ في الحكم على الحديث وبيان درجته، ويمكنُ مراجعة المزيد من أحكامه الحديثية وأمثلة لها فيما تَقَدَّمَ ذكره عند الكلام على آرائه في علوم الحديث وقواعده، وكذا فيما يأتي في باب دراسة الأحاديث التي حَكَمَ عليها إن شاء الله.

стр. 587

الفصل الربع: منهج ابن القيم في شرح الحديث، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه المبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه . ... الفصل الرابع: مَنْهَج ابن القَيِّم في شَرْحِ الحديث، وبيانِ معانيهِ، واسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِهِ، وَطُرُقِ اسْتِدْلالِهِ بِهِ، وَمَا يَلْحَقُ بِذلِك لقد اتَّسَمَتْ مؤلفات ابن القَيِّم ﵀ وأبحاثُهُ باشتمالها على معالجة النصوص الحديثية، والكلامِ عليها، وذلك من خلال: بيان معانيها، وشرح غريبها، واستخراج أحكامها وفوائدها، واستنباط الفقه منها، والكَشْفِ عن وجه دلالة تلك النصوص على الحكم الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور الْمُهِمَّاتِ التي لا غِنَى عنها للَّناظرِ في الأحاديث النبوية والمطالع لها. ويمكننا أن نُمَيِّزَ المنهجَ الذي سار عليه ابن القَيِّم في ذلك كُلِّهِ من خلال المباحث التالية: المبحث الأول: منهجه في شرحِ الحديثِ، وبيان معانيه. المبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث. المبحث الثالث: منهجه في التعريف بالأماكن والبقاع. المبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه. المبحث الخامس: منهجه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.

стр. 588

المبحث الأول: مَنْهَجُهُ فِي شَرْحِ الحديثِ وبَيَانِ مَعَانِيه إن النَّاظِر في كتب ابن القَيِّم ﵀ والمطالع لها يلاحظُ أنَّ الشَّرْحَ الكُلِّي الْمُتَكَامِل، وعلى وجه التفصيل، لم يحتل رقعةً واسعةً ضمن أبحاثه، وذلك أَنَّ ابن القَيِّم ﵀ في الكثير الغالب - يُوردُ النصوص الحديثية: - مستدلاً بها على رأي يراه، أو مبدأٍ يقرره. - أو رَادًّا بها على الرأي المخالف، فيبرهنُ على أَنَّ النصوص على خلاف هذا الرأي. - أو مُبَيِّنَاً وجه دلالة النَّصِّ على مذهبٍ ما. - أو مُوَضِّحِاً بها حديثاً آخر ومؤكداً إياه، فيسرد الأحاديثَ الموافقةَ له في الباب. إلى غير ذلك من المقاصد التي اشتملت عليها مؤلفاته ﵀. ولذلك فَإِنَّ إفراد النصوص الحديثية بالشرحِ والبيانِ على وجه التفصيل، لم يكن شُغل ابن القَيِّم الأول، وأنه وإنِ اشتملت أبحاثه - في الغالب - على مقاصد الشرح وعناصرِه الأساسية - كما سيأتي ضمن موضوعات هذا المبحث - إلا أن تلك العناصر لم تكن تجتمعُ وتتكاملُ في الحديث الواحد إلا في القليل؛ إذ كان ﵀ يتناول كل حديث بما يناسب حاله، وبما يقتضيه المقام: من بيان فائدة، أو تنبيه على حكم، أو تعقب لرأي.

стр. 589

نماذج من شروح ابن القَيِّم للأحاديث النبوية: ويمكننا أن نستعرضَ في هذا المقام بعض الأمثلة من شرحِ ابنِ القَيِّم لبعض الأحاديث التي تَكَامَلَ فيها شرحه، وذلك للوقوفِ على العناصر الأساسية التي تُمَيِّزُ منهجه في ذلك، فمن ذلك: - حديث: "مِفْتَاحُ الصَّلاة الطُّهور، وتَحْرِيْمُهَا التكبيرُ، وَتَحْلِيلُهُا التَّسْلِيم". قال ابن القَيِّم ﵀: " اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: الحكم الأول: أن مِفْتَاحَ الصلاة الطهور. والمفتاح: ما يُفْتَحُ به الشيء المغلق، فيكونُ فاتحاً له، ومنه: "مِفْتَاح الجنة: لا إله إلا الله". وقوله: "مِفْتَاح الصَّلاة الطُّهور" يفيد الحَصْرَ، وأنه لا مفتاحَ لها سواهُ، من طريقين: - أحدهما: حصرُ المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين، فَإِنَّ الخَبَرَ لابُدَّ أن يكون مساوياً للمبتدأ أو أَعَمَّ منه... فإذا كان المبتدأُ مُعَرَّفًا بما يقتضي عمومه -كاللام، وكل ونحوهما - ثم أخبر عنه بخبر، اقتضى صحةُ الإخبار أن يكونَ إخباراً عن جميع أفراد المبتدأ؛ فإنه لا فردَ من أفراده إلا والخبرُ حاصل له. وإذا عُرِفَ هذا، لَزِمَ الحصرُ، وأنه لا فردَ من أفراد ما يُفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور...

стр. 590

- والثاني: أن المبتدأَ مضافٌ إلى الصلاة، والإضافة تَعُمُّ، فكأنَّه قيل: جميعُ مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَحُ به، لم يكن لها مفتاح غيره .... وإذا عرف هذا، ثَبَتَ أن الصلاة لا يمكنُ الدخولُ فيها إلا بالطهور. وهذا أدل على الاشتراط من قوله: "لا يقبلُ الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَثَ حتى يتوضأ" من وجهين: - أحدهما: أن نفي القبولِ قد يكونُ لفواتِ الشرط وعدمه، وقد يكونُ لمقارنة مُحَرَّمٍ يمنعُ من القبول: كالإباق، وتصديق العَرَّاف، وشربِ الخمر ... ونحوه. - الثاني: أن عَدَمَ الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها ... وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها، وأنه لم يرتبْ عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه... فإن قيل: فهل في هذا الحديث حجةٌ لمن قال: إن عادم الطَّهورين لا يُصَلِّي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صَلاتَهُ غيرُ مفتتحة بمفاتحها، فلا تقبلُ منه؟ قيل: قد اسْتَدَلَّ به من يرى ذلك، ولا حجةَ فيه. ولابُدَّ من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث، وهي: أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الله - تعالى - ورسوله، أو جَعَلَهُ شرطاً للعبادة، أو رُكْنَاً فيها، أو وَقَفَ صِحَّتَهَا عليه: هو مُقَيَّدٌ بحال القدرة؛ لأنها الحالُ التي يُؤْمَرُ فيها به.

стр. 591

وأما في حال العجز فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ، فلا تَتَوقفُ صحةُ العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة، وسقوط ذلك بالعجز. وقد قال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". ولو تَعَذَّرَ عليها الخمارُ صَلَّتْ بدونه، وَصَحَّتْ صلاتها ... ونظائره كثيرة، فيكون "الطهور مفتاح الصلاة" هو من هذا ... وفي الحديث دليلٌ على اعتبار النِّيَّةِ في الطهارة بوجهٍ بديعٍ؛ وذلك لأنه ﷺ جَعَل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تُفْتتح ويُدْخَل فيها إلا بِهِ، وما كان مفتاحاً للشيء كان قد وُضِعَ لأجله وأُعِدَّ له. فَدَلَّ على أن كونه مفتاحاً للصلاة هو جهة كونه طهوراً، فإنه إنما شُرِعَ للصلاة، وجُعِلَ مفتاحاً لها، ومن المعلوم: أن ما شُرِع للشيء ووضع لأجله لابد أن يكون الآتي به قاصداً ما جُعِلَ مفتاحاً له ومُدْخِلاً إليه، هذا هو المعروف حِسَّاً، كما هو ثابت شرعاً. ومن المعلوم أن من سَقَطَ في ماء - وهو لا يريد التطهر - لم يأتْ بما هو مفتاح الصلاة، فلا تفتح له الصلاة، وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: لا إله إلا الله. وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحاً للجنة منه، لأنه لم يقصدها... فهكذا هذا يجب أن لا يكونَ مُتَطَهِّرَاً، وهذا بحمد الله بَيِّنٌ. فصل الحكم الثاني: قوله: "وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيرُ". وفي هذا من حصرِ التحريمِ في التَّكْبِير نظيرُ ما تَقَدَّمَ في حصرِ مفتاحِ الصلاة في الطهور من الوجهين. وهو دليل بَيِّنٌ أنه لا تحريم لها إلا

стр. 592

التكبير. وهذا قول الجمهور وعَامَّةِ أهل العلم قديماً وحديثاً. وقال أبو حنيفة: ينعقدُ بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التعظيم، فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث. ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: يتعينُ لفظ "الله أكبر" وحدها، وقال الشافعي: يتعين أحد اللفظين: "الله أكبر" و"الله الأكبر" ... والصحيح قول الأكثرين، وَأَنَّه يتعين "الله أكبر" لخمس حجج: - إحداها: قوله: "تحريمها التكبير"، واللامُ هنا للعهد، فهي كاللامِ في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" ... وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود، الذي نقلته الأمة نقلاً ضرورياً خلفاً عن سلف عن نبيها ﷺ ، أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقولُ غيره ولا مرةً واحدةً ... وهذا حُجَّة على من جوز "الله الأكبر" و "الله الكبير"؛ فإنه وإن سُمِّيَ تكبيراً، لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث". ثم ذَكَر بقية الحجج الخمس، ثم قال: "وفي افتتاحِ الصلاةِ بهذا اللفظ، المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره: سِرٌّ عظيمٌ يعرفُهُ أهل الحضور، الْمُصَلُّونَ بقلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ العَبْدَ إذا وَقَفَ بين يدي الله وقد عَلِمَ أنه لا شيء أكبر منه، وَتَحَقَّقَ قلبه ذلك، وَأُشْرِبُهُ سِرُّه، استحيى من الله، وَمَنَعَهُ وقاره وكبرياؤه أن يشغلَ قَلْبَهُ بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى واقف بين يديه بجسمه، وقلبه يهيم في أودية الوَسَاوِسَ والخَطَرَاتِ، وبالله المستعان، فلو

стр. 593

كان الله أكبرُ من كلِّ شيءٍ في قلب هذا، لما اشتغل عنه، وَصَرَفَ كُلَّيَةَ قلبه إلى غيره ... فصل الحكم الثالث: قوله: "وتحليلها التسليم". والكلام في إفادَتِهِ الحصر كالكلام في الجملتين قبله. والكلام في التسليم على قسمين: - أحدهما: أنه لا يَنْصَرِفُ من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّنُ التسليم، بل يخرجُ منها بالْمُنَافِي لَهَا، من حَدَثِ أو عملٍ مبطلٍ ونحوه". ثم ذَكَرَ حجج أبي حنيفة على قوله هذا، وجواب الجمهور عنها، ثم قال: فصل وقد دَلَّ هذا الحديث على أَنَّ كُلَّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا: الوترُ بركعة، خلافاً لبعضهم... ويدخل في الحديث أيضاً: صلاةُ الجنازة؛ لأنَّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ... وقول النبي ﷺ : "مِفْتَاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طرداً وعكساً، فكل ما كان تحريِمُهُ التكبيرُ وتحليله التسليم، فلا بُدَّ من افتتاحه بالطهارة".

стр. 594

ثم أَخَذَ ﵀ في ذكر بعض العبادات الأخرى، وبيان اندراجها تحت هذا الأصل، وعلاقتها به، فذكر من ذلك: - الطواف بالبيت. - وسجود التلاوة والشكر١. وبعد عرض هذا المثال، يمكن استخلاص المنهج العامِّ لابن القيِّم في شرح الحديث، والجوانب التي اشتمل عليها شرحه، وذلك فيما يلي: ١- شرحُ المفردات اللغوية التي تحتاج إلى بيانٍ. ٢- بيانُ بعض الأوجه النحوية التي لها علاقة بالشرح، وتوجيه بعض العبارات في هذا الباب. ٣- بيانُ الأحكام الفقهية التي يشتملُ عليها الحديث. ٤- الاستشهاد - أثناء الشرح - ببعض النصوص الحديثية التي تَدْعَمُ كَلامَهُ، وَتُوَضِّحُ مراده. ٥- بيانُ مذاهبِ الأئمة في الأحكام التي يشتملُ عليها الحديث، مع بيان الراجح منها. ٦- بيان الأدلة التي يستندُ عليها في ترجيح الرَّاجِحِ من هذه المذاهب.

стр. 595

٧- بيانُ بعض القواعد التي تُعِينُ على فهمِ الحديث، وَتُبَيِّن مرادَ الشارعِ منه، ومدى انطباق هذه القواعد على ما شَابَهَ ذلك من النصوص. ٨- قَد يستطردُ أثناء الشرح فيوردُ بعض القضايا التي تتعلق بالحديث، مع مناقشتها، وبيان الراجح فيها عند الخلاف. تلك أبرزُ النقاط، وأهمُ الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم ﵀ في شرحِ الحديث، وهي وإن كانت مُسْتَخْلَصَةً من خلال مثال واحدٍ، إلا أنَّ هذا المنهجَ هو الغالب عليه في كلامه على الأحاديث وشرحها. ويمكن أن تنظر مزيد من الأمثلة على هذا المنهج في كلامه على الأحاديث الآتية: - حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: "من أَسْلَفَ في شيء فلا يصرفه إلى غيره" ١. - وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيع ... " ٢الحديث. - وحديث الحارث الأشعري مرفوعاً: "إِنَّ الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها..." ٣. الحديث بطوله.

стр. 596

- وحديث: "كفى ببارقةِ السيوف على رأسه فتنة" ١. يعني: الشهيد. - وحديث قدومِ وفد بني المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم٢. هذا فيما يتعلق بشرحه الحديث على وجه التفصيلِ والشمولِ والإحاطة، وبيان المعاني التي اشتمل عليها، والأحكام التي تَضَمَّنَهَا، والفوائدِ المستخرجة منه. ويمكنُ الوقوف على قسطٍ كبير من هذا الكلام المبسوط، والشرحِ المستوفى في كتابه (تهذيب السنن) على وجه الخصوص، ولعله ﵀ قد أشار إلى ذلك في مقدمة هذا الكتاب حين قال: "وبسطت الكلام على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرةٌ بأن تُثْنَى عليها الخناصرُ، ويُعَضَّ عليها بالنواجذ"٣. أما الأحاديث التي شَرَحَهَا شَرْحَاً مجملاً مختصراً، أو بالغ في إبراز معنىً فيها بعينه وتوضيحه، فمن أمثلتها: - حديث: "أحبُّ الدين إلى الله: الحنيفية السمحة". قال ﵀: "فهي حنيفية في التوحيد وعدمِ الشرك، سَمْحَةٌ في العمل وعدم الآصارِ والأغلالِ بتحريمهم من الطيبات الحلال. فَيُعْبَدُ

стр. 597

سبحانه بما أَحَبَّهُ، ويستعانُ على عبادته بما أَحَلَّهُ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١] . وهذا هو الذي فَطَرَ الله عليه خَلْقَهُ، وهو محبوبٌ لكلِّ أحدٍ، مستقر سنته في كل فطرة؛ فإنه يتضمن التوحيد، وإخلاص القصد، والحب لله وحده، وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به ... "١. والأمثلة من هذا القبيل كثيرة٢. ومما يَحْسُنُ التنبيهُ عليه ونحن بصدد الكلام على منهجه في شرح الحديث: اهْتِمَامُهُ بذكرِ الفوائد والنُّكَتِ التي تشتمل عليها الأحاديث، فإنه في كثير من الأحيان -بعد أن يسوقَ الحديث في المسألة - يذكر ما تَضَمَّنَهُ من فوائد وأحكام، فمن ذلك: - أنه ذكر النصوصَ الواردةَ في غزوة تبوك، ثم أشارَ إلى الفوائد المستنبطة منها، فذكر من ذلك ما يزيد على أربعين فائدة٣. - وفي قوله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة" ذَكَرَ ﵀ جملةً

стр. 598

كبيرةً من الفوائد والأحكام التي يشتملُ عليها هذا القول١. - وفي قصة الْمُحْرِم الذي سَقَطَ عن راحلته فمات ... , قال: "وفي هذه القصة اثنا عشر حكماً ... "٢فَسَرَدَهَا. والأمثلة في هذا الباب كثيرة٣.

стр. 599

المبحث الثاني: مَنْهَجُهُ في بَيَانِ غَرِيبِ الحَدِيثِ لقد كان ابنُ القَيِّم في كثير من الأحيان يقفُ عند الألفاظ الغريبةِ الغامضةِ التي تَمُرُّ في النصوص الحديثية، فيكشفُ غموضها ويوضح معناها. أما عن المنهج الذي سَلَكَهُ في بيان الألفاظ الغريبة، فقد كان على النحو التالي: ١- تنوع طريقة ابن القَيِّم ﵀ من حيث البسط والاختصار؛ فتارةً يشرحُ اللفظةَ الغريبةَ بكلمةٍ أو كلمتين أو جملة قصيرة: - فيقول في حديث: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة": "أي: لا خديعة"١. - ويقول في حديث: "كلُّ خطبة ليس فيها تَشَهُّدٌ، فهي كاليد الجذماء": "اليد الجذماء: المقطوعة"٢. - وقال في حديث عائشة ﵂: "وكانَ إِذَا تَعَرَّقْتُ عَرْقَاً٣ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فمه موضع فمها": "العَرْق: العظم الذي عليه لحم"٤.

стр. 600

- وقال في حديث احتجامه ﷺ في الأخدعين والكاهل: "والكَاهِلُ: هو ما بين الكتفين"١. إلى غير ذلك من الأمثلة على بيانه الغريب بإيجازٍ واختصار٢. وتارةً أخرى يطيلُ النَّفَسَ في ذكر معنى الكلمة، وبيان وجوهها، ومن ذلك: - حديث: "الْمُهَجِّرُ إلى الجمعة كالمُهْدي بدنة" فقد أفاض-﵀ في شرح معنى التهجير، واشتقاقِ هذه الكلمة ومعانيها، وَطَوَّلَ في نقل أقوال العلماء في ذلك٣. وهو إنما يلجأ إلى ذلك لحاجة وضرورة تدعوه إلى مثل هذه الإطالة؛ فإن قوماً حملوا هذا الحديث على أن المراد به: الذهابُ في الهاجرة، وهو وقت الزَّوَال، فأرادَ أن يُثْبِتَ أن المراد بالتهجير: التبكير والمبادرة إلى كلِّ شيء. - وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ في قسمة الضحايا، وقوله: فبقي عتود، وأن النبي ﷺ قال له: "ضَحِّ به أنت". قال ابن القَيِّم ﵀: "العَتُودُ من ولدِ المَعْزِ: ما قَوِيَ وَرَعَى، وأتى عليه حولٌ، قاله الجوهري". ثم نَقَلَ أقوالاً أخرى في معنى ما قاله الجوهري، ثم قال: "فيكون هو الثَّنِيُّ
следующие страницы →