← Тараджим

Тараджим · id 11402

أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية

سعدي بن مهدي الهاشمي

Полный текст (513 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية - الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة المجلس العلمي - إحياء التراث الإسلاي - ٣ - أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية مع تحقيق كتابه: الضعفاء - وأجوبته على أسئلة البرذعي دراسة وتحقيق: الدكتور سَعْدي الهاشمي

стр. 2

هذا الكتاب في الأصل رسالة أعدها المؤلف لنيل الدكتوراة في الحديث وعلومه بإشراف الدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم (جميع الحقوق محفوظة) الطبعة: الأولى ١٦٠٢ هـ - ١٩٨٢ م

стр. 3

- أ - تقديم بقلم: فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحابته ومن تبع سنته إلى يوم الدين. وبعد؛ فإنا نقدم هذا السفر النافع الماتع (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية مع تحقيق كتابه «الضعفاء» و «أجوبته عن أسئلة البرذعي» دراسة وتحقيق فضيلة الدكتور سعدي مهدي الهاشمي .. وهو سفر جامع بين جهود الأئمة السابقين المتقدمين، وجهود الباحثين المحدثين، وجامع لأوليتين، إذ فيه أول دراسة وترجمة موسعة شاملة، تنشر عن الإمام أبي زرعة عبيد الله بن عبدالكريم الرازي رحمه الله تعالى، المتوفي سنة ٢٦٤ هـ. وفيه إخراج - لأول مرة - لكتاب (أسامي الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين) لأبي زرعة، و (أسئلة البرذعي لأبي زرعة عن الرواة الضعفاء). وجاء الكتاب بجملته في ثلاثة أبواب، يتمتع القارئ للباب الأول بحياة علمية وعملية ومنهج علمي لإمام فذ من أفذاذ القرن الثالث الهجري، الذي ظهر فيه علية أئمة السنة، عاش حوالي سبعين عامًا نذر فيها عمره ومواهبه لخدمة السنة، فوهب الله تعالى له من العلم والحافظة ما لم يهبه لغيره إلا لعدد أقل من القليل. يجد القارئ نفسه أمام رحالة يتنقل بين شرق البلاد وغربها، وشمالها

стр. 4

- ب - وجنوبها لا يفتأ راحلا وقد يرحل إلى بلد ما عدة مرات، ويطيل المكث في بلده شهورة طويلة، لوفرة من فيها من أهل العلم. وهو في هذه البلدة غريب فقير، ينفق ولا يكتسب، بل يبيع بعض مقتنياته الخاصة به جدا، لتحصيل العلم والكتب، همه الازدياد من الكتابة ولقاء الشيوخ، لا يجد فراغا للطعام إلا لما خف وسهل، حتى قال عن نفسه - وقد استغرق في إحدى رحلاته أربع سنوات ونصف السنة: «ما أعلم أني طبخت فيها قدرة بيد نفسيه» (١). وبهذه البداية المحرقة وصل إلى تلك النهاية المشرقة، نجده يقول: «إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي سطر هو» (٢)!! ومن الناحية العملية نجد رجلا قد بت هذه الدنيا وزخارفها، وأقبل بكليته على الآخرة يرجو الدخول فيها عن طريق المرابطة في سبيل الله وحراسة ثغور الاسلام. يقول معبرة عن هذه الرغبة: لو كان لي صحة بدن على ما أريد كنت أتصدق بمالي كله وأخرج إلى طرطوس أو إلى ثغر من الثغور، وآكل المباحات وألزمها (٣). ويتندم على ما فرط منه في شبابه أيام رحلاته الطويلة فإنه دخل ثغورة كثيرة: دخل قزوين والرها، وطرسوس، وبيروت. . . بنية كتابة الحديث وسماعه من الشيوخ، ولم يدخلها مرة واحدة بقصد المرابطة! ذكر هذا عن نفسه متأسفا فقال: (لا أعرف لنفسي رباطًا خلصت نيتي فيه. ثم بكي) (٤) لعله يتدارك بعض ما فاته.

стр. 5

- جـ - والدراسات الشاملة المستوعبة توقف القراء على كثير من هذه النماذج الحية في صدر الاسلام وسلف الأمة، وتبرز نوادر مذهلة كانت في حياتهم، وما أكثرها! وما أندرها في حياتنا وما أحوجنا إليها! لتستنهض هممنا وترفعنا عن حضيض الدعة والمادة. كما يجد القاريء فيها الكثير من بحوث علمية شيقة تمتاز بالاستقراء والجدة. . . فأبو زرعة - كغيره من أئمة الحديث - معروف بكثرة الشيوخ، إلا أن مصدرًا من مصادر ترجمته لم يعدد فلانًا وفلانًا منهم إلى أن يصل به العدد إلى ٥٥٦ شيخا يأخذ عنهم تلقيًا وشفاهًا، و ٢٤ شيخًا آخرين يروى عنهم بالكتابة و ١٤ شيخًا تحمل عنهم ثم ترك الرواية عنهم! فيكون مجموعهم ٥٩٤ شيخًا!! نجد إحصاء ذلك في الفصل الرابع من هذه الدراسة مجموعًا مستقصي من مصادر ترجمته المطبوع منها والمخطوط. أما بعض ما في هذه الدراسة من جديد: فقد اشتهر بين أهل الحديث الخلاف في مسألة اشتراط ثبوت اللقاء بين الرواي وشيخه، كما هو مذهب البخاري وشيخه علي بن المديني، أو الاكتفاء بإمكان اللقاء بينهما، كما هو مذهب مسلم، فأبان الاستاذ جزاه الله خيرا أن مذهب أبي زرعة في هذه المسألة كمذهب الإمام أحمد وأبي حاتم الرازي (أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنها أنه يعتبر أحد أمرين إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع» (١). وكانت خاتمة الباب الأول فصلا هو أهم فصول الدراسة علمية، إذ فيه بيان منهج الإمام أبي زرعة في علل الحديث، وفي مقدمة الفصل كلمة عن العلة وسبيل كشفها والوقوف عليها، ثم استقراء مطول لأهم الأساليب التي اتبعها أبو زرعة في تعليل الأحاديث، وذلك من خلال كتاب (علل الحديث) لابن أبي حاتم، فبلغ عدد طرق ذلك عنده ١٦ طريقا. وفي الباب الثاني يعيش القاريء مع الإمام أبي زرعة وتلميذه المدون لقسط وفير من علمه في الجرح والتعديل أبي عثمان سعيد بن عمرو البرذعي، فالتلميذ

стр. 6

- د - يسأل عن مشكلاته العلمية، وعمن تعسر عليه معرفة حاله جرحًا وتعديلًا، فيكون أبو زرعة قد عرف الرجل ورآه، وعايشه في رحلاته الطويلة، وخبر حاله خبرة تامة، فيجيبه بما استقر عليه رأيه فيه. وفيه أيضأ (أسامي الضعفاء) ذكر منهم ٣٨٤ راويًا ضعيفًا في اجتهاده ورأيه. وهذان الكتابان مصدران أصيلان ومن أقدم ما وصلنا في الرواة الضعفاء وأشباههم. والناظر في سؤالات البرذعي يجد فيها جدة من وجهين: • يجد أسماء كثيرة لرواة لهم ذكر في كتب الجرح والتعديل، إلا أنه لم يُنقل فيها قول أبي زرعة فيهم، فنجد حكمه عليهم هنا، ويجد القاريء في التعليقات كثيرًا قول المحقق: لم أجد من نقل قول أبي زرعة فيه. • كما يجد القارئ تراجم لرواة آخرين لم يذكروا في كتب الجرح والتعديل المتداولة، مثل: العلاء بن بشر الشامي الراوي عن مكحول الشامي، والحسين السدي. الراوي عن محمد بن حميد الرازي، ومعاوية بن أبي العباس جار سفيان الثوري، وغير هؤلاء ممن ينبه المحقق اليهم بقوله: لم أقف على ترجمته. فهذه إضافات إلى كتب الجرح والتعديل لا يدرك أهميتها إلا من يكثر وقوفه عند البحث عن تراجم فلا يجدها فيها بين يديه من تلك الكتب. وفي سؤالات البرذعي أيضًا ما يلفت النظر ويدعو الباحث إلى التثبت، من اختلاف النقل عن أبي زرعة، فمثلا تنقل الكتب المتداولة عن أبي زرعة قوله في عبد الرحمن بن حماد الشعيثي: «لا بأس به»، في حين أن البرذعي ينقل عنه قوله فيه: «شيخ ليس بذاك». ونقل البرذعي عنه أنه قال في عبد الله بن نافع الصائغ «منكر الحديث» والمنقول عنه في الكتب قوله فيه: «لا بأس به». فهذه مغايرات لها أهميتها لدى الباحث المحقق. وبما أن الكتاب (سؤالات) فقد تضمن من أدب المتعلم مع العالم ما ينبغي الوقوف عنده والتخلق به.

стр. 7

- هـ - من ذلك تأدب البرذعي مع شيخه أبي زرعة أن لا يذكر أمامه أحدا لا يرتضيه، بل يكنى عنه. ذكر أبو عثمان حديث (الرويبضة: الفاسق الذي يتكلم في أمر العامة) فقال: (لم أجترأ أن أذكر له أنه من رواية هذا الرجل، لأنه لم يكن يرضاه! فقلت له: هو هذا الشامي). ولعل هذا الكتاب أقدم كتاب كشف لنا عن التحريف الذي وقع في تفسير قوله تعالى ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ وبين لنا فيه أبو زرعة ﵀ من الذي حصل له هذا التحريف. قال البرذعي ﵀: قال لي أبو زرعة: حدثنا أبو سعيد الجعفي، قال: حدثنا يحيى بن سلام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله (سأريكم دار الفاسقين) قال: مصر. وجعل أبو زرعة يعظم هذا ويستقبحه. قلت: فأيش أراد بهذا؟ قال: هو في تفسير سعيد - ابن أبي عروبة-: عن قتادة: (مصيرهم). وفي الكتاب من غرر أخبار العلم والعلماء ما يوجب إخراجه وتقديمه إلى الناس، من ذلك هذا الخبر الذي لا تقول فيه: إنه خبر مفيد، أو: لا يخلو من فائدة، بل نقول: إنه الفائدة أنى تناولتها بالدراسة والتحليل. قال أبو زرعة: (كنت بالرملة، فرأيت شيخة جالسا بحذائي إذا نظرت إليه سبح، وإذا لم أنظر إليه سكت، فقلت في نفسي: هذا شيخ يتصنع لي، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا محمد بن أيوب بن سويد. فقلت لبعض أصحابنا: اذهب إليه، فأتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبوابًا مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها، فإذا الذي بخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة ليست من حديث أيوب بن سويد. فقلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي. فقلت: هذه الزيادات خط من هو؟ قال: خطي. قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟

стр. 8

- و - قال: أخرجتها من كتب أبي. قلت: لا ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها. قال أبو زرعة: فاصفر لونه وبقي (١)، وقال: الكتب ببيت المقدس. فقلت لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إلي، فأوجه إلى بيت المقدس، وأكتب إلى من كتبك معه حتى يوجهها فبقي ولم يكن له جواب. فقلت له: ويحك أما تتقي الله! ما وجدت لأبيك ما تفقه (؟) به سوي هذا؟! أبوك عند الناس مستور وتكذب عليه! أما تتقي الله! فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولم يقدر لي على جواب). وهكذا يحفل هذا السفر بعلم جم غزير نادر، أصيل في بابه، يجمع العلم وأخبار العلم، وفيه ما يفتح للباحث آفاقا جديدة ويسهم في حل بعض ما يشكل عليه. واستيفاءً لأقوال أبي زرعة في الرجال، فقد عقد المحقق بابا ثالثا، جمع في فصوله الثلاثة الأولى أسماء الرواة الذين نقل عن أبي زرعة جرحهم، ولم يذكروا في الكتابين السابقين، ثم أسماء الرواة الذين عدلهم، ثم أسماء الذين روى عنه تعديلهم وتجريحهم. وإنصافا للحق وأهله، فقد لاحظ فضيلة الدكتور جزاه الله خيرا أن أبا زرعة ﵀ إمام مجتهد في هذا الفن، قد تختلف أنظاره مع غيره من الأئمة المجتهدين الآخرين، وقد يكون بدرت منه كلمات في الجرح خضعت العوامل زمنية أو نفسية، فختم كتابه بفصل رابع هام جدًا (انتقاد أبي زرعة لبعض الأئمة والدفاع عنهم) وقدم له بحكم كلام العلماء في بعضهم بعضا، وأتى بالكلمة الرائعة للامام ابن جرير الطبري ﵀: «ولو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به وسقطت عدالته وبطلت شهادته لذلك: للزم ترك أكثر محدثي

стр. 9

- ز - الأمصار، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن». وغير ذلك من النقول عن المتقدمين والمتأخرين. ويجد القارئ في هذا الفصل الختامي جولات للمحقق علمية موفقة، وموازنات حكيمة سديدة، جزاه الله خيرا، وبارك بجهوده ويسر له إمتاع المسلمين بمؤلفات أخرى وتحقيقات تزيد في النفع على ما قدم، إنه ولي كل خير وإنعام. وإن الجامعة الإسلامية التي تضم نخبة صالحة من أبناء العالم الاسلامي لترجو الله تعالى أن يوفقها لتخريج علماء عاملين، دعاة مخلصين، على نهج سلفنا القديم وأن يوفق القائمين عليها لكل خير، في مقدمتهم جلالة الملك خالد وسمو ولي عهده، فإنهما يبذلان لهذه الجامعة كل ما يدفع بها إلى الأمام، ويرفعها لتأدية رسالتها كما ينبغي لها. أيدهما الله ووفقها لكل خير وبر - والحمد لله رب العالمين. .

стр. 10

مقدمة في اختيار الموضوع ومنهج البحث فيه الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وبعد .. فإن الله قد بعث محمداً ﷺ خاتماً للنبيين والمرسلين، وبالرسالة الشاملة للناس أجمعين، وأنزل عليه القرآن الكريم، ومثله معه ليبين للناس ما نزل إليهم من أوامره ونواهيه، فصدع بالحق المبين واستقام بأمر الدين وجاهد ونافح حتى اكتمل التنزيل وأشهد أصحابه على ذلك بقوله في حجة الوداع: " … ألا هل بلغت" والخلق من حوله وعلى مد البصر يقولون: " … بلى قد بلغت" فيقول: "اللهم فاشهد" وانتقل إلى الرفيق الأعلى والقرآن قد اكتملت أحكامه ودونت سوره وآياته ووعته قلوب الرجال وحفظته صدورهم وذلك وعد الله بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). أما الوحي الثاني وهو البيان المتمثل - بالسنة النبوية - بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢)، فقد وعاها الصحابة رضي الله عنهم وحرصوا عليها كل الحرص فهي الواقع العملي في حياتهم كافة، وهي

стр. 11

الترجمان والبيان لمجمل القرآن، وقد أمروا بالتثبت على أتباعها. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). واشترط لمحبته اتباع نبيه الكريم ﵊ في جميع الأحكام، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). وقرن طاعة الرسول بطاعته فقال ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، فكانت السنة النبوية محفوظة مصونة من التحريف والتزوير، وقد رأى بعض الصحابة ﵃ من حرصهم على حفظها - أن يدونها لا سيما بعد أن اطمأنوا إلى أن القرآن الكريم اكتمل جمعه وتدوينه، وزال الخوف من التباسه واختلاطه بغيره، واستثنائاً بقوله ﵊ يوم فتح مكة "اكتبوا لأبي شاة" (٤) وغير ذلك. فكتبوا صحفاً ضمنوها بعض أقواله وأحكامه وأفعاله كصحيفة سعد بن عبادة الأنصاري، وصحيفة أبي هريرة، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى، وصحيفة جابر بن عبد الله، والصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص، والصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه، إضافة إلى ما كان يكتبه الخلفاء لبعض القبائل أو العمال ككتاب أبي بكر الصديق لأنس بن مالك في فرائض الصدقة التي سنها الرسول ﷺ ، وكتاب عمر بن الخطاب لعتبة بن فرقد، وصحيفة علي بن أبي طالب التي كان فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر (٥). قال الحافظ ابن رجب: "اعلم أن العلم المتلقى من النبي ﷺ من أقواله وأفعاله، كان الصحابة ﵃ في زمن نبيهم ﷺ يتداولونه بينهم حفظاً له ورواية، ومنهم من كان يكتب .. " ثم

стр. 12

قال: "ثم بعد وفاة النبي ﷺ كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم، وبعضهم لا يرخص في ذلك. ودرج التابعون أيضاً على مثل هذا الاختلاف" (١). ولما وقعت الفتنة الظلماء، والمحنة الدهياء بمقتل صهر رسول الله ﷺ وثالث الخلفاء عثمان بن عفان شهيد الدار ﵁، ركب الناس الصعب والذلول، وهاجوا وماجو وولجوا الفتن وزين لهم إبليس - لعنه الله - المعاصي ملبّسة بثياب الطاعات، أخذ رؤوس الفتن ومشايعوهم يضعون الأحاديث لنصرة مذهبهم، ولزيادة سوادهم، وإضلال الناس عن دينهم، إضافة إلى ذلك دور الزنادقة والشعوبيين وأبناء المجوس وغيرهم ممن ادعى محبة أهل بيت النبي الكريم، وهم يضمرون للإسلام الشر الدفين، وكذا القصاص، والجهال من الصالحين (٢). فهبّ رجال شرح الله صدورهم للتقوى، وجعل في قلوبهم الحمية والغيرة على سنة نبيه الكريم ﷺ ، فأخذوا يفتشون عن الرجال ويميزون الأصيل من الدخيل، والمستقيم من الإفك المبين، ونذروا أنفسهم لله، وتركوا الأهل والأحباب والديار والأتراب، وشدوا الرحال، وأخذوا بالأسباب، وبحثوا عن آثار المصطفى ﷺ حيث نزل الأصحاب ﵃ وصبروا على تدوينها، وصابروا على حفظها، وتظافرت الجهود، والتحمت الأفكار، فوضعوا قوانين للسنة النبوية، وميزوا بين الرجال العدول الثقات، عن المجروحين والكذابين وصنفوهم حسب الأمصار أو الطبقات، وميزوا بين من تشرف بمرتبة الصحبة، عمن انتحلها أو وهم فيه، واهتموا بالإسناد، وعدوه من عدتهم، حتى إن سفيان الثوري قال: " الإسناد سلاح المؤمن" (٣)، وقال ابن مبارك: "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (٤).

стр. 13

ومن ثمرة هذه الجهود المباركة ظهور علم الجرح والتعديل (١) بشكل منسق منضبط بقواعد وأصول، واستخدام مصطلحات وألفاظ دقيقة محكمة تعارف عليها أئمة هذا الشأن. فكان علماً مستقلاً متكاملاً، ومن أتقنه، فقد أتقن نصف العلم. قال علي بن المديني: " الفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" (٢). لذلك لم يتقنه إلا نزر يسير في كل طبقة من طبقات حفاظ المحدثين. ومن هؤلاء الأئمة الذين عرفوا به شعبة بن الحجاج (ت (١٦٠) هـ)، وسفيان الثوري (ت (١٦١) هـ) و الإمام مالك (ت (١٧٩) هـ)، ثم بعدهم ابن المبارك (ت (١٨١) هـ)، ووكيع بن الجراح (ت (١٩٧) هـ) ويحيى بن سعيد القطان (ت (١٩٨) هـ) والإمام الشافعي (ت (٢٠٤) هـ). وبعدهم يحيى بن معين (ت (٢٣٣) هـ) وعلي بن المديني (ت (٢٣٤) هـ)، وزهير بن حرب أبو خيثمة (ت (٢٣٤) هـ)، وعبيد الله بن عمر القواريري (ت (٢٣٥) هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت (٢٣٨) هـ) وأحمد بن حنبل (ت (٢٤١) هـ). وبعدهم عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت (٢٥٥) هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت (٢٥٦) هـ)، ومحمد بن يحيى الدهلي النيسابوري (ت (٢٥٨) هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت (٢٦١) هـ) وأبو زرعة الرازي (ت (٢٦٤) هـ)، وأبوداود السجستاني (ت ٢٧٥) وغير هؤلاء، ولقد تميز هؤلاء المذكورون عن الكثير من الحفاظ المتقنين بالإمعان في الحفظ وكثرة الكتابة وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والمدارسة. وهكذا حفظ الله لنا المصدر الثاني في التشريع بعد كلامه

стр. 14

العزيز الوجيز بتسخير الثقات العدول لخدمة السنة النبوية وحفظها، الذين قال فيهم الرسول الكريم ﷺ "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (١). فوصلت إلينا كاملة المعالم شاملة الأغراض، متعددة الطرق مبيناً ناسخها من منسوخها، وخاصها من عامها، ولا يماري في ذلك إلا جاهل ضيق التفكير، أو حاقد مغرض، أو رافضي معاند، أو كتابي مكابر. ولقد خلد لنا سجل حفاظ الآثار النبوية الكثير منهم، ومن بين هؤلاء الذين جمعوا بين معرفة الرجال وصنفوا فيهم، وميزوا بينهم وعلى خبرة شاملة لعلل الحديث، ودراية واسعة بفقهه، محدثنا أبو زرعة عبيد الله ابن عبد الكريم الرازي، الذي حاز الرتبة المتقدمة بين أقرانه وشيوخه، فتواتر ثناؤهم عليه، ولذلك الثناء العاطر والمنزلة المرموقة بين جهابذة الحفاظ، ولما اجتمع فيه من علم غزير بالسنة النبوية بجميع فنونها وعلومها اخترته موضوعاً لنيل درجة الدكتوراه والذي شجعني على ذلك ما حازه كتابه الضعفاء من الشهرة الواسعة بين أوساط المحدثين، لما اشتمل عليه من المادة الغزيرة التي أسهمت إسهاماً واضحاً في دعم وترسيخ علم الرجال، وذلك بالكشف عن حال ودرجة الكثير من حملة السنة ورواة الآثار. وقد جعلت الرسالة في مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.

стр. 15

تكلمت في المقدمة عن السنة وأهميتها، وجهود العلماء في المحافظة عليها وحرصهم عل تدوينها وخدمتها، وعن سبب اختياري لهذا الموضوع، وعن خطتي في البحث. أما الباب الأول: فخصصته لدراسة حياة الإمام أبي زرعة الرازي، ويقع في تسعة فصول. فالفصل الأول: هو عبارة عن التعريف بالمراكز العلمية في بلاد خراسان وما جاورها، وتعريف بمدينة الري، بلد أبي زرعة. وتكلمت عن طبقات المحدثين في الري ابتداء من عصر التابعين حتى عصر أبي زرعة، وكذلك ذكرت أهم العوائل العلمية، ثم تكلمت عن الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية في البلد، وأثر ذلك على محدثنا، ودوره فيها. ثم ختمت الفصل بأهمية الريّ بالنسبة للمراكز العلمية الأخرى. وأما الفصل الثاني: فقد تناول اسمه، ونسبه، وكنيته، وهو: عبيد الله ابن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ بن داود، مولى عياش بن مطرف بن عبيد الله بن عياش بن أبي ربيعة القرش المخزومي، أبو زرعة الرازي. وذكرت سبب تكنيته بهذه الكنية، والاختلاف في تحديد السنة التي ولد فيها، ورجحت أحد التواريخ الأربعة وهو عام ١٩٤ هـ، مع سرد للمصادر التي ترجمت له. وذكرت أسرته، ومن اشتهر بها بطلب العلم. أما الفصل الثالث: فخصصته بنشأته العلمية وتحصيله لعلوم الحديث مع ذكر رحلاته إلى المراكز العلمية في ذلك العصر، وذكر أخباره وأحواله في كل بلد. أما الفصل الرابع: فهو خاص بمشيخته، حيث جمعت شيوخه من المصادر المخطوطة والمطبوعة، وأقول وبكل ثقة، أصبح هذا الفصل المصدر الرئيسي لشيوخه، حتى من تحمل عنهم الحديث بطريق المكاتبة، ثم بينت في هذا الفصل أيضاً الرواة الذين ترك الرواية عنهم. وختمته بمناقشة لقول ابن حجر حيث نص على أن كل من حدث عنه أبو زرعة يعد ثقة، وبينت بالأدلة أن هذا القول لا يؤخذ مطلقاً، بل قد يروي عن بعض الضعفاء وشأنه في هذا شأن الأئمة.

стр. 16

أما الفصل الخامس: فهو خاص بتلاميذه والرواة عنه، وقد جمعتهم من كتب الرجال والتواريخ مطبوعة ومخطوطة. أما الفصل السادس: فهو خاص بعلومه ومؤلفاته. أما علومه فقد ذكرت نماذخ منها كمعرفته بعلم القراءات، ومعرفته وإتقانه لموطأ الإمام مالك، وكذلك بعض أقواله في مصطلح الحديث، وأما مؤلفاته فعددتها وتكلمت عنها وأقمت الأدلة على نسبتها إليه، ومصادره في بعضها كالتفسير مع ذكر بعض النماذج التي وقفت عليها من التفسير والمسند وأعلام النبوة وغيرها. أما الفصل السابع: فأفردته بحفظه- باعتباره أحد الحفاظ القلائل الذين حازوا هذه الرتبة- فذكرت طائفة من أقوال وثناء العلماء عليه، ثم تكلمت عن مكانته أيضاً بين علماء عصره، وحبهم وتقديرهم له مع ذكر أقوال طائفة منهم وبعض رسائلهم التي كانوا يرسلونها إليه متضمنة الثناء العاطر والشكر المتواصل مع الدعاء. أما الفصل الثامن: فتكلمت فيه عن مذهبه الفقهي، وإحاطته بالمذاهب الفقهية المشهورة، وذكرت عقيدته مع جملة من أقواله في المعتقد، واعتمدت في الدرجة الأولى على عقيدته التي ضمنها هبة الله اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وتكلمت فيه أيضاً عن زهده ومحبته لزهاد عصره وأدبه معهم، وختمت الفصل بذكر وفاته وبعض الأشعار التي قيلت في رثائه. أما الفصل التاسع: فهو خاص بمنهجه في تعليل الأحاديث، فقدمته بكلام عن العلة وأهمية العلم بمعرفة علل الحديث، ومعرفة أبي زرعة فيه، وثناء بعض الأئمة عليه في ذلك، مع ذكر بعض الحوادث التي تشهد لتلك المعرفة، ثم شرعت في بيان منهجه، وذلك من خلال دراستي لكتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، الذي هو عبارة عن أسئلة وجهها لأبيه وأبي زرعة في علل الحديث. أما الباب الثاني: فيتكون من تمهيد، والنص الذي حققته، ويتضمن

стр. 17

كتاب أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم لأبي زرعة المسمى بـ (كتاب الضعفاء) مع أجوبته على أسئلة البرذعي أيضاً. أما التمهيد، فيتكون من اثنتي عشرة فقرة: الأولى: في اسم الكتاب، ومؤلفه. والثانية: في أهم الأسئلة المدونة. والثالثة: في أهمية أجوبة أبي زرعة. والرابعة: المصنفات التي نقلت عن الأجوبة. والخامسة: منهج أبي زرعة في الأجوبة. السادسة: الشيوخ الذين روى عنهم واستدل بأقوالهم في الأجوبة. السابعة: الرجال الذين ذكرهم في الأجوبة. الثامنة: ألفاظ التجريح التي أطلقها في الرواة. التاسعة: ملاحظات حول كتاب أسامي الضعفاء له. العاشرة: تراجم رواة الأجوبة. الحادية عشرة: وصف المخطوطة. الثانية عشرة: منهجي في التحقيق. ثم بعد التمهيد حققت النص المذكور بالطريقة التي وصفتها في الفقرة الثانية عشرة من التمهيد. أما الباب الثالث: فيتكون من أربعة فصول: الفصل الأول: جمعت فيه أسماء الرواة الذين جرحهم أبو زرعة ولم يرد ذكرهم في أجوبته على أسئلة البرذعي، ولا في كتابه الضعفاء. وهذا الفصل يعتبر كالمستدرك للنص المحقق. أما الفصل الثاني: فقد جمعت فيه أسماء الرواة الذين عدّلهم أبو زرعة مع ألفاظ التوثيق فيهم، من كتب الجرح والتعديل والطبقات والتواريخ. أما الفصل الثالث: فذكرت فيه الرواة الذين جرحهم أبو زرعة مرة ووثقهم مرة أخرى وبينت السبب في ذلك. أما الفصل الرابع: فهو خاص بالأئمة الذي انتقدهم أبو زرعة وجرحهم مع الدفاع عنهم، وحاولت التوفيق بين الأقوال والأسباب الداعية لذلك. وأما الخاتمة، فقد ضمنتها النتائج التي توصلت إليها بعد دراستي لهذا الإمام الحافظ.

стр. 18

ولقد رأيت من إتمام الفائدة أن أضع خلاصة لهذه الرسالة باللغة الإنكليزية، كي يعلم من تهمهم الدراسات المتعلقة بالسنة النبوية وحفاظها ما احتوته الرسالة. ولقد زودت الرسالة ببعض الصور التوضيحية وخارطة موضح فيها الأماكن التي رحل إليها أبو زرعة الرازي طلباً للسنة النبوية، وكذلك بعض لوحات من المخطوط كي يطلع القارئ الكريم على صعوبة خطها ومشكلاته وبعض الأماكن المهمة منه كبداية الكتاب مع سند روايته، ونهايته، وبداية كتاب الضعفاء. ووضعت بعد هذه المقدمة الرموز المستخدمة عند المحدثين التي تدل على المصنفات التي فيها أحاديث ذلك الراوي، لأني قد وضعت أمام كل راو الرمز المتعلق به. وفي ختام هذه المقدمة أرى لزاماً علي أن أوفي صاحب الحق حقّه، وذا الفضل فضله، وأن من أولى الناس بهذا، فضيلة الأستاذ الدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم المشرف على هذه الرسالة، لما قدمه لي من جهد وتوجيه كريم- على كثرة أعماله ومسؤولياته وضيق وقته. كما أسجل شكري وتقديري لأستاذي الفاضل الدكتور القدير أكرم ضياء العمري وكذلك الأستاذ الكريم الدكتور محمود الميرة لما أبدياه من ملاحظات قيمة نافعة أسهمت في خدمة الرسالة فجزاهما الله خير الجزاء ونفع بهما طلاب العلم. وأشكر السيد الفاضل صبحي السامرائي الذي انتفعت بمكتبته العامرة، من الكتب المخطوطة والمطبوعة. وكذلك أتوجه بخالص الشكر والتقدير للجامعة الإسلامية لسعيها في نشر هذا الكتاب وغيره من كتب السلف الصالح. كما أشكر أيضاً إدارة وعمال الشركة المتحدة على جهودهم في إخراج الكتاب بهذه الصورة. وأسأل الله أن يرزقني الإخلاص، وينظمنا في موكب خدام سنة نبيه الكريم، وأن يجنبنا الزلل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 19

الرموز المستخدمة للدلالة على الكتب التي خرجت أحاديث الرواة الذين ورد ذكرهم في هذه الرسالة: (ع) للستة (٤) للأربعة (خ) للبخاري (م) لمسلم (د) لأبي داود (ت) للترمذي (س) للنسائي (ق) لابن ماجة (خت) للبخاري في التعاليق (بخ) للبخاري في الأدب المفرد (ى) للبخاري في جزء رفع اليدين (عخ) للبخاري في خلق أفعال العباد (ز) للبخاري في جزء القراءة خلف الإمام (مق) لمسلم في مقدمة كتابه (الجامع الصحيح) (مد) لأبي داود في المراسيل (قد) لأبي داود في القدر

стр. 20

(خد) لأبي داود في الناسخ والمنسوخ (ف) لأبي داود في كتاب التفرد (صد) لأبي داود في فضائل الأنصار (ل) لأبي داود في المسائل (كد) لأبي داود في مسند مالك (تم) للترمذي في الشمائل (سي) للنسائي في اليوم والليلة (كن) للنسائي في مسند مالك (ص) للنسائي في خصائص علي (عس) للنسائي في مسند علي (فق) لابن ماجة في التفسير (أ) للإمام أحمد في المسند (فه) للإمام أبي حنيفة في المسند (فع) للإمام الشافعي (ك) للإمام مالك في الموطأ

стр. 21

الباب لأول ويشتمل على تسعة فصول الفصل الأول: التعريف بالمراكز العلمية في بلاد خراسان ومجاورها وخاصة بالري. الفصل الثافي: اسمه ونسبه، وكنيته، وولادته، وأسرته. الفصل الثالث: نشأته ورحلاته في طلب العلم. الفصل الرابع: شيوخه. الفصل الخامس: تلاميذه والرواة عنه. الفصل السادس: علومه ومؤلفاته. الفصل السابع: حفظه ومكانته بين العلاه. الفصل الثامن: مذهبه، وعقيدته وزهده، ووفاته. الفصل التاسع: منهجه في بيان علل الحديث.

стр. 22

الفصل الأول: أهم المراكز العلمية في بلاد خراسان وما جاورها شهد فتوحات بلاد خراسان الكثير من الصحابة والتابعين، وحبذ بعضهم الاستقرار فيها حتى وفاته. قال الحاكم: "نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بريدة بن حصيب الأسلمي، مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن خازم الأسلمي المدفون بنيسابور، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند" (١). ويعني نزول أحد الصحابة، أو أحد كبار التابعين في بلد من هذه البلاد انتشار العلم فيها، وتبليغ سنة الرسول الكريم ﷺ ، وبمرور الزمن نشطت الحياة الفكرية في هذه المدن، وأصبحت مراكز علمية تقصد من قبل طلاب الحديث، ويرحل إليها. ومن أهم هذه المراكز: ١ - الدينور: مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين وتقع أطلال مدينة الدينور على نحو خمسة وعشرين ميلاً من غربي كنكوار- مدينة إيرانية وعلى ستين ميلاً جنوب مدينة سحنة وهي القاعدة الحديثة لإقليم كردستان الفارسي أي الجهة الغربية الشمالية من إيران الحديثة. ينسب إليها خلق كثير من أهل الأدب والحديث كمحمد بن عبد العزيز، وأبي محمد بن قتيبة، وعبد الله بن وهب أبي محمد الدينوري الحافظ (٢).

стр. 23

٢ - همذان: بالتحريك، والذال معجمة، وآخره نون همذان بينها وبين الري ستون فرسخاً (١). وهي دار السنة صار بها علماء من سنة (٢٠٠) هـ، وهلم جراً (٢). ٣ - قزوين: بالفتح ثم السكون، وكسر الواو، وياء مثناة من تحت ساكنة ونون، مدينة مشهورة بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخا. وتقع قزوين في الوقت الحاضر على نحو مائة ميل شمال غربي طهران وهي في أسفل الجبال العظيمة وينسب إليها خلق لا يحصون ومنها محمد بن سعد ابن سابق الرازي القزويني، والطنافسي، وعمرو بن رافع، وخلق غيرهم (٣). ٤ - جرجان: بالضم، وآخره نون، مدينة عظيمة مشهورة بين طبرستان، وخراسان وتسمى جرجان في الوقت الحاضر (كركان) وتمتد هذه المدينة في جنوب شرقي بحر قزوين في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران. وقد خرج منها خلق من الأدباء، والعلماء، والفقهاء، والمحدثين (٤). ٥ - نيسابور: فتح أوله، مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء ومنبع العلماء وتسمى في الوقت الحاضر نيشابور وتقع إلى الجنوب من (مشهد) وعلى بعد (١٢٥) كم منها. وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يحصى، وتسمى دار السنة والعوالي، صارت بإبراهيم بن طهمان، وحفص بن عبد الله، ثم يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه (٥). ٦ - طوس: مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ وطوس في الوقت الحاضر قرية صغيرة عامرة تقع إلى الشمال الغربي من (مشهد) وعلى بعد (٢٠) كم منها على ضفة نهر هراة، ومشهد مدينة إيرانية مشهورة

стр. 24

دفن بها الإمام الثامن عند الشيعة علي الرضا ت (٢٠٢) هـ بجانب قبر الخليفة هارون الرشيد ت (١٩٣) هـ رحمهما الله. وقد خرج منها من أئمة أهل العلم، والفقه ما لا يحصى كمحمد بن أسلم الطوسي، وأصحابه (١). ٧ - هراة: بالفتح مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان وهي في الوقت الحاضر من المدن الأفغانية المشهورة تقع على مجرى نهر هاري ومن أئمتها عبد الله بن واقد، والفضل بن عبد الله الهروي (٢). ٨ - مرو: وتسمى مرو الشاهجان: وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً، وتقع مرو اليوم ضمن بلاد التركمان (تركمانستان) تحت السيطرة الشيوعية الروسية. وقد خرجت من الأعيان، وعلماء الدين، والأركان مالم تخرج مدينة مثلهم، وكان بها بريدة ابن الحصيب صاحب رسول الله ﷺ ، وطائفة من الصحابة، ثم عبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر، وعدة من التابعين ثم ابن المبارك، وسفيان، وأحمد وغيرهم (٣). ٩ - بلخ: مدينة مشهورة بخراسان وهي من أجلّ مدن خراسان، وأذكرها، وأكثرها خيراً، وأوسعها غلة وتقع على نهر يعرف باسمها. وهي إلى الغرب من مدينة مزار شريف- حيث دفن فيه على ما يقال الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ وهو كذب صريح - على مسافة مائة كيلومتر تقريباً. وينسب إليها خلق كثير منهم محمد بن علي بن طرخان ابن عبد الله أبو بكر البلخي البيكندي، وكان حافظاً للحديث حسن التصنيف توفي سنة

стр. 25

٢٧٨ هـ، والحسن بن شجاع الحافظ وغيرهما (١). وهي من المدن الأفغانية المهمة في الوقت الحاضر. ١٠ - بخارى: بالضم: من أعظم مدن ما وراء النهر، وأجلها، وينسب إليها خلق كثير من أئمة المسلمين في فنون شتى، منهم المسندي، والبخاري (٢). وتقع الآن في جمهورية أوزبكستان في الاتحاد السوفياتي. ١١ - سمرقند: بفتح أوله وثانيه، بلد معروف مشهور، قامت منذ عام (١٨٧١) مدينة روسية جديدة إلى الغرب من مدينة سمرقند ربطت بالسكة الحديدية مع الخط الحديدي الخاص ببلاد ما وراء بحر قزوين. وينسب إليها جماعة كثيرة كأبي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد ابن نصر المروزي (٣). ١٢ - الشاش: بالشين المعجمة بالريّ قرية يقال لها شاش، النسبة إليها قليلة، ولكن الشاش التي خرج منها العلماء، ونسب إليها خلق من الرواة والفصحاء فهي بما وراء النهر، وهي آخر بلاد الإسلام التي بها الحديث وتسمى في الوقت الحاضر (تاشكند) أو (طاشقند) وهي عاصمة تركستان الروسية منها الحسن بن الحاجب، والهيثم بن كليب (٤) .. ١٣ - فرياب: بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت، وآخره باء موحدة بلد من نواحي بلخ، إن خرائب مدينة فرياب (فارياب) قد تطابق ما يعرف اليوم بـ (خيراباد) حيث توجد قلعة قديمة تحيط بها تلول من الآجر وكانت من أجل مدن الجوزجان في العصور الوسطى

стр. 26

والجوزجان مدينة مشهورة في أفغانستان الحديثة. خرج منها جماعة من العلماء أقدمهم محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري، ومنهم القاضي جعفر بن محمد الفريابي صاحب التصانيف سمع بفرياب في سنة (٢٢٦) هـ (١). ١٤ - خوارزم: أوله بين الضمة والفتحة، والألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة هكذا يتلفظون به، بلد كبير وخوارزم في الوقت الحاضر في بلاد جمهورية أوزبكستان قريبة من بحيرة خوارزم التي تعرف الآن باسم بحر آرال. والذين ينسبون إليه من الأعلام والعلماء لا يحصون، منهم داود بن رشيد، أبو الفضل الخوارزمي توفي سنة (٢٣٩) هـ (٢). ١٥ - شيراز: بالكسر، وآخره زاي. بلد عظيم مشهور معروف مذكور وهو قصبة بلاد فارس. وتقع الآن جنوبي أصبهان وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن، ومن محدثيها الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان القاضي الشيرازي توفي سنة (٢٧٢) هـ (٣). ١٦ - أصبهان: منهم من يفتح الهمزة وهم الأكثر، وكسرها آخرون، مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها وهي الآن من أشهر المدن الإيرانية. وقد خرج منها من العلماء والأئمة في كل فن مالم يخرج من مدينة من المدن وعلى الخصوص علو الإسناد؛ فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفاظ خلق لا يحصون (٤).

стр. 27

الريّ قال ياقوت الحموي: "الري: بفتح أوله، وتشديد ثانيه، فإن كان عربياً فأصله من رويت على الراوية أروى رياً فأنا راو إذا شددت عليها الرواء" (١). قال أبو منصور: "أنشدني أعرابي، وهو يعاكمني: رياً تميمياً على المزايد" (٢). وحكى الجوهري: "رويت من الماء بالكسر. أروى رَيّاً وَرِيّاً، وروى مثل رضىً" (٣) … وهي مدينة في بلاد الجبال قد يشاهد الرائي أطلالها على مسيرة خمسة أميال تقريباً من الجنوب الشرقي من طهران- عاصمة إيران- وهي إلى الجنوب من طنف من جبال البرز يمتد إلى السهل. وتقع قرية شاه عبد العظيم وضريحه جنوبي الاطلال مباشرة (٤). فتحها المسلمون أيام عمر بن الخطاب ﵁ سنة (٢٠) للهجرة وقيل سنة (١٩) (٥). واهتموا بها لموقعها الخطير من بلاد المشرق من الناحية العسكرية والإدارية، ولشهرتها التجارية وغير ذلك من الأسباب. فجمعت لتراثها القديم وشهرتها روعة الإسلام وتعاليمه القويمة حتى أضحت مركزاً علمياً هاماً خلد عبر العصور والأجيال. وسنذكر في الصفحات القادمة من هذا الفصل لمحات عن جوانب لهذا المركز العلمي. نماذج من طبقات المحدثين في الري بعد أن دخل الإسلام إلى بلاد الري ورسخ في القلوب بدأ كثير من أبنائه يحرصون على تعلم أحكام الدين المختلفة وآدابه، فانتشرت في طول البلاد وعرضها

стр. 28

بيوت الله حيث حلق العلم والتعلم والمذاكرة، ورحل الكثير منهم إلى المراكز العلمية الأخرى للاغتراف من مناهل العلم والتزود ثم الرجوع إلى الري لتعليم وتبليغ أهله العلم. فبرز الكثير من العلماء الأعلام ابتداء من عصر التابعين حتى بلغت عصرها الذهبي في القرن الثالث، ومن هؤلاء: ١ - (ع) الزبير بن عدي الهمداني اليامي، أبو عدي الكوفي قاضي الري (ت (١٣١) هـ) (١). ٢ - (خت ت س) عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي أبو بكر الكوفي قاضي الري الّذي روى عن ابن المبارك (ت (١٨١) هـ) وطبقته (٢). ٣ - (د) شعيب بن خالد البجلي الرازي الذي روى عن الزهري (ت (١٢٤) هـ) وغيره (٣). ٤ - (ع) الحافظ الحجة جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله، الرازي، القاضي الذي رحل إليه المحدثون لثقته وحفظه وسعة علمه (ت (١٨٨) هـ) (٤). ٥ - (م ت) يحيى بن الضريس بن يسار البجلي مولاهم، أبو زكرياء، الرازي كان عنده عن حماد بن سلمة عشرة آلاف، وعن الثوري عشرة آلاف أو نحوه (ت (٢٠٣) هـ) (٥). ٦ - (ع) هشام بن عبيد الله الرازي، السبتي الفقيه قال عن نفسه: لقيت ألف وسبعمائة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمائة ألف درهم، ووصفه الذهبي بأنه كان داعية للسنة محطاً على الجهمية (ت (٢١١) هـ) (٦).

стр. 29

٧ - (ع) إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان، التميمي أبو إسحاق الرازي الفراء، كتب عنه أبو زرعة مائة ألف حديث (ت (٢٢٠) هـ) (١). العوائل العلمية في الريّ ومن مظاهر الحركة العلمية في الري وجود عوائل علمية- بيوتات- حافظت على التراث العلمي وبثه بين أبناء الري وطلبة العلم فيها. وكانت هذه الظاهرة نتيجة لوسائل وأسباب أخذ بها العلماء الأعلام من أهل الري، فقد دأبوا على تربية أولادهم والذين تحت رعايتهم من عوائلهم تربية خاصة حرصاً منهم على تخريجهم علماء عاملين يحملون العلم عنهم ويبلغونه لغيرهم. فكانوا يصطحبون أبناءهم معهم في رحلاتهم كي يعتادوا على طلب الحديث وتدوينه من العلماء الكبار في المراكز العلمية الأخرى في بلاد المشرق وكذلك فقد كانوا يأخذونهم إلى مجالس العلم في المساجد وبيوت بعض الأمراء والرؤساء وبيوت العلماء حيث يرتادها فحول المحدثين الذين يقدمون للري فيدونون الأحاديث عنهم أو يأخذون الإذن بالرواية وهكذا تسلم الأمانة إلى الأبناء ومن بعدهم إلى الأحفاد، وكان رائدهم قول النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" (٢). فيورثونهم العلم والصلاح، وكان خير ما يعتز به المؤمن علم أبيه ومصنفاته فيحافظ عليها ويرويها ويميز بين صحيحها وضعيفها وذلك من خلال معرفته لمنهج أبيه أو جده. ومن هذه العوائل التي عنيت بالحديث: ١ - عائلة يحيى بن الضريس بن يسار البجلي مولاهم أبو زكرياء الرازي (ت (٢٥٣) هـ) (٣).

стр. 30

٢ - عائلة أبي عبد الله محمد بن عاصم النصر أباذي الرازي (ت (٢٣٠) هـ) (١). ٣ - عائلة سهل بن زنجلة الصغدى، السعدي، أبو عمرو الأشتر الرازي الحافظ (قدم بغداد في (٢٣١) هـ) (٢). ٤ - عائلة عبد المؤمن بن علي الزعفراني، الأسدي الكوفي (٣). ٥ - عائلة فرات بن خالد الضبي، أبو إسحاق الرازي الحافظ (٤). ٦ - عائلة أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الهسنجاني الرازي (ت (٣٠١) هـ) (٥). ٧ - عائلة أبي زرعة وأبي حاكم (٦). المذاهب الفكرية والفقهية في الريّ امتاز القرن الثاني والثالث بصورة خاصة بنشوء وظهور الفرق المنحرفة عن الطريق المستقيم الذي ارتضاه لنا رب العالمين وأمرنا بالتزام به بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٧) ولهذه الميزة أسباب ساعدت على نشاطها لا مجال لذكرها في هذا المقام: منها: دخول شعوب كثيرة، وأمم مختلفة المعتقدات والديانات في المجتمع الإسلامي، وكان يضمر بعض رؤوس الفتن الشر المستطير، والشعوبية من أبناء المجوس الحقد الدفين، وكانوا يتحينون الفرصة بعد الأخرى ليعتموا نور الإسلام العظيم

стр. 31

ويعكروا صفو بحره العميق، فأخذوا يدرسون الدين بعمق وشمول، ودخلوا من بعض المداخل تارة بل إن معظم وأخطر المداخل حب أهل بيت النبي الكريم ﵌، وتارة بتأويل بعض الآيات أو الأحاديث المتعلقة بالصفات أو الذات الإلهية. ومنها: ترجمة كتب بعض العلوم التي أدخلت على الفكر الإسلامي الصافي شبهات الأمم ومعضلاتها التي كانت سبباً في تناحرها، وهلاكها، تلك كتب علم الكلام والمنطق والفلسفة التي أشار أحد طواغيت الروم وكهانهم على عظيمهم بعد تمنعه في الموافقة على ترجمتها إلى اللغة العربية - لما طلب منه الخليفة المأمون ذلك- وبرر هذا الحاقد اللئيم بأن هذه العلوم ما دخلت على أمة إلا أهلكتها، وقد تأثر بهذه النقول المعتزلة ومن والاهم، والجهمية ومن جاراهم، فبثت هذه السموم في أقطار الدولة الإسلامية. ومنها: الري فأصابها ما أصاب غيرها من بعض المعتقدات وتأثر بها عدد غير قليل من الناس مما جعل المؤمنين المخلصين والأئمة العارفين ينافحون عن المعتقد الصحيح، ودعوة الناس وحملهم وترغيبهم للتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت هنالك المذاهب الفقهية واعتزاز كل فقيه بمذهبه، واعتقاده بصحة منهجه وحسن استنباطه واجتهاده، وكل هذه الآراء الفكرية والمذاهب الفقهية بلا شك تعمل على شحذ الهمم والبحث عن الحجج ودراسة الآراء والرد على المخالفين المعترضين وتفنيدها وتقعيد القواعد والأصول، ومن ثم تكوين أسس تلك المدرسة الفقهية أو الكلامية، وهذا بمجموعه عمل على تكوين تراث علمي، ونشاط فكري لمدينة الري، وسأذكر طرفاً من أخبار وأحوال أهل الري الفكرية والمذاهب الفقهية وما كان عليه الناس في عصر - إمامنا- أبي زرعة الرازي، وأختمه بدوره في ذلك.

стр. 32

المذاهب الفكرية في الريّ أولاً- المرجئة (١): يقول عبد القاهر البغدادي عند كلامه عن المرجئة والفرق التي تفرقت إليها: "وأما النجارية فإنها اليوم بالريّ أكثر من عشر فرق ومرجعها في الأصل إلى ثلاث فرق: برغوثية، وزعفرانية ومستدركة. وأما البكرية والضرارية فكل واحدة منها فرقة واحدة ليس لها تبع كثير، والجهمية أيضاً فرقة واحدة" (٢). ثم فصل القول عن فرقها هذه فقال: (أ) النجارية: هؤلاء أتباع الحسين بن محمد النجار (٣) وقد وافقوا أصحابنا في أصول ووافقوا القدرية في أصول، وانفردوا بأصول لهم، و افترقوا بعد هذا فيما بينهم في العبارة عن خلق القرآن، وفي حكم أقوال مخالفيهم فرقاً كبيرة كل فرقة منها تكفر سائرها، والمشهورون منها ثلاث فرق وهي: البرغوثية، والزعفرانية، والمستدركة من الزعفرانية (٤). وقال الشهرستاني عن النجارية: وهؤلاء مثل أغلب المعتزلة يقولون إن القرآن مخلوق (٥)، ويقول: إن أغلب معتزلة الري على مذهب النجارية (٦). ١ - البرغوثية: أتباع محمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وكان على مذهب

стр. 33

النجار في أكثر مذاهبه، وخالفه في تسمية المكتسب فاعلاً فامتنع عنه، وخالفه، في غير ذلك أيضاً (١). ٢ - الزعفرانية: أتباع الزعفراني الَّذي كان بالري وكان يتناقض بآخر كلامه أوله فيقول: إن كلام الله تعالى غيره، وكل ما هو غير الله تعالى مخلوق. ثم يقول مع ذلك الكلب خير ممن يقول كلام الله مخلوق. وذكر بعض أصحاب التواريخ أن هذا الزعفراني أراد أن يشهر نفسه في الآفاق فاكترى رجلاً على أن يخرج إلى مكة ويسبه ويلعنه في مواسم مكة ليشتهر ذكره عند حجيج الآفاق (٢). ٣ - المستدركة: هؤلاء قوم من النجارية يزعمون أنهم استدركوا ما خفي على أسلافهم لأن أسلافهم؛ منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق، وزعمت المستدركة أنه مخلوق ثم افترقوا فيما بينهم فرقتين. وذكر اختلافهم فيما بينهم في القول بخلق القرآن إلى أن قال: ومن هؤلاء المستدركة قوم بالري يزعمون أنَّ أقوال مخالفيهم كلها كذب حتى لو قال الواحد منهم في الشمس أنها شمس لكان كاذباً فيه (٣). (ب) البكرية: أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد (٤) وكان يوافق النظام (٥)

стр. 34

في دعواه أن الإنسان هو الروح دون الجسد الذي فيه الروح .. إلى أن قال عبد القاهر عنه: "وانفرد بضلالات أكفرته الأمة فيها" (١). (جـ) وأما الضرارية: فهم أتباع ضرار بن عمرو … (٢) وقال عنه: "انفرد بأشياء منكرة" (٣). ولقد كان بعض الكذابين من المحدثين يضعون الأحاديث للمرجئة من أهل الري كي يستدلوا بها على مذهبهم الباطل، نقل ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن أبان ابن عائشة القصراني الرازي، عن أبي زرعة أنه قال عنه: "أول ما قدم الري قال للناس: أي شيء يشتهي أهل الري من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء فافتعل لهم جزءً في الإرجاء" (٤) فكان يفضحه أبو زرعة وأبو حاتم ويصرفان الناس عنه، قال ابن أبي حاتم في ترجمته: "قال أبو زرعة وأبو حاتم عنه هو كذاب كان يفتعل الحديث، وكان لا يحسن أن يفتعل كان يحدث بعد هشام في مسجد حرم ويجتمع عليه الناس" (٥). ثانياً- الجهمية: أتباع جهم بن صفوان (٦) الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان (٧).

стр. 35

ويصف لنا المقدسي مذاهب أهل الري وعلاقة بعض المذاهب الفقهية بمعتقد الفرق الكلامية فيقول عند كلامه عن مذاهب إقليم الجبال: "أما بالري فالغلبة للحنفيين وهم نجارية إلا رساتيق القصبة فإنهم زعفرانية يقفون في خلق القرآن وسمعت بعض دعاة الصاحب (١) يقول: قد لان لي أهل السواد في كل شيء إلا في خلق القرآن، ورأيت أبا عبد الله بن الزعفراني قد عدل عن مذهب آبائه إلى مذهب النجار وتبرأ منه أهل الرساتيق، وبالري حنابلة كثير لهم جلبة. والعوام قد تابعوا الفقهاء في خلق القرآن" (٢). ويقول: "يقع بالري عصبيات في خلق القرآن" (٣). ثالثاً- الشيعة: لقد استغل اليهود والمجوس وغيرهم محبة أهل بيت النبي ﷺ في تضليل الناس عن الصراط المستقيم، ولقد تستر بها الكثير من أصحاب الفرق الضالة، والمبادئ الخبيثة ابتداء من السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أثار الفتنة الكبرى قي زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ ثم ظهرت الفتن المظلمة بعدها، وأصحاب هذه الفرق المنحرفة هم أخذل الناس لأهل بيت النبي الكريم، وأقل خبثهم تكفير أصحاب رسول الله ﷺ ، يقول ابن كثير: "وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيا، وسموهم فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى متبع وهو أقل من أن يرد" (٤). ولقد كان بعض هؤلاء في مدينة الري إلا أنهم كانوا مخذولين مقهورين حتى تغلب أحمد بن الحسن المارداني عليها سنة (٢٧٥) هـ (٥) فأظهروا

стр. 36

خبثهم، ومن هؤلاء داهر بن يحيى الرازي الذي قال عنه الذهبي: "رافضي بغيض لايتابع على بلاياه"، وقال العقيلي: "كان يغلو في الرفض وذكروا من أباطيله ما رواه عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: يا أم سلمة، إن علياً لحمه من لحمي … " الخ الحديث (١). وكذلك ولده عبد الله بن داهر بن يحيى أبو سليمان المعروف بالأحمري، قال عنه العقيلي: "رافضي خبيث"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه في فضائل علي، وهو متهم في ذلك" (٢). والحسن بن عباس بن جرير العامري الحريشي الرازي الذي روى عن أبي جعفر الباقر، وذكره النجاشي في مصنفي الإمامية وقال: "هو ضعيف جداً"، وقال علي بن الحكم ضعيف: "لايوثق بحديثه" وقيل: أنه كان يضع الحديث (٣)، وغير هؤلاء. رابعاً- أهل السنة والجماعة: ذكرتهم في هذا الموضع لأنهم يمثلون السواد الأعظم ولهم الكلمة النافذة المسموعة وكانت لهم المنابر والمدارس والمجالس ومعتقدهم المعتقد الصحيح. قال ياقوت: "وكان أهل الري أهل سنة وجماعة إلى أن تغلب أحمد ابن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع وأكرم أهله وقربهم فتقرب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك فصنف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتاباً في

стр. 37

فضائل أهل البيت وغيره وكان ذلك في أيام المعتمد وتغلبه عليها في سنة (٢٧٥) هـ … " (١). أما المذاهب الفقهية في الري فكان المشهور المعروف بها مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث. وأهل الرأي فهم كما وصفهم الأستاذ الخضري بقوله: "أما أهل الرأي والقياس فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى، رأوا أصولاً عامة نطق بها القرآن الكريم وأيدتها السنة، ورأوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولاً أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين- أي أهل الحديث متى وثقوا من صحتها" (٢). وأما فقهاء الحديث فقد وصفهم ابن رجب بقوله: "وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها، ثم الفقه فيها وتفهيمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد والرقائق، وغير ذلك" (٣). ولقد كانت تقع بينهم المناظرات ومجالس الجدل حتى خرج بهم ذلك إلى النفرة والمقاطعة. بل تعدى الأمر إلى الاستعانة بأمير البلد، ولقد ورثوا هذه

стр. 38

الخصومات أبناءهم حتى جاءهم عدوهم فاستباح بيضتهم بعد أن وجد الحالقة حلت بهم. ولقد لعب أبو زرعة دوراً بارزاً متميزاً عن غيره في هذه المناظرات ومجالس الجدل وكان نشيطاً في نشر السنة وحث الناس على الالتزام بها، ومما زاده حماساً لذلك صلته السابقة بأهل الرأي أيام كان حدثاً صغيراً يطلب العلم، فيصف حاله بقوله: "كان أهل الري قد افتتنوا بأبي حنيفة وكنا أحداثاً نجري معهم، ولقد سألت أبا نعيم عن هذا وأنا أرى أني في عمل، ولقد كان الحميدي يقرأ كتاب الرد ويذكر أبا حنيفة وأنا أهم بالوثوب عليه حتى منَّ الله علينا … " (١). ويبدو أن السبب في تحوله عن مذهب أهل الرأي اتصاله بالأئمة المحدثين، واقتناعه برجحان مذهبهم، وخاصة اتصاله وصلته بالإمام أحمد ابن حنبل، إضافة إلى ذلك نفرته من بعض الآراء والأقوال في المعتقد التي كان أهل الرأي يوافقون بعض الفرق الكلامية فيها كالقول في مسألة خلق القرآن والتي أصبحت الحدَّ الفاصل بين الناس لاسيما إبان محنة الإمام أحمد (٢)، وكذلك اتهام الإمام أبي حنيفة وأتباعه باعتناق مذهب الجهمية وكذا القول بالإرجاء، قال ابن عبد البر: (كثير من أهل الحجاز استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً، وكان مع ذلك يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيماناً، وكل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل ينكرون قوله ويبدّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسوداً لفهمه وفطنته" (٣)، لذا أصبح إمامنا يحمل راية أهل الحديث وكان يصدر الأوامر بمقاطعة الذين يلتحقون بجماعة أهل الرأي، والامتناع عن كتابة الحديث عنهم، فمثلاً يحيى بن محمد بن يحيى أبو بشر البصري نزيل الريّ قال عنه أبو حاتم: "قدم الري وكان صحيح الحديث، ولحق بابن مقاتل فنهى أبو

стр. 39

زرعة أن يكتب عنه" (١). ولقد كان شديدأ مع محمد بن مقاتل الرازي (٢) إمام أهل الرأي في الري، ولقد صرح بذلك بقوله: "قال محمد بن مقاتل لما قدم الري: رأيت أسباب أبي حنيفة قد ضعفت بالعراق فلأنصرنَّه بغاية النصر قال أبو زرعة فسلط عليه منا ما قد علمت" (٣)، وكان أهل الرأي يظنون أن الحجج التي كان يجابه بها محمد بن مقاتل ليست من حفظه واستنباطه بل يلقن بها تلقيناً. يقول ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول - وقلت له إنهم كانوا يقولون إن رجلاً بصرياً يحمل إليك الكلام الذي ترويه في ابن مقاتل- فقال: يفرغ ابن مقاتل من مجلسه يوم الجمعة إلى قرب المغرب وأرد عليه من الغد بكرة، من وضع لي؟ وددت أني كنت أرى في ذلك الوقت الذي دفع إلى ما روى في مجلسه رجلا" (٤) ولقد كان يفتخر الأئمة الحفاظ بموقف أبي زرعة هذا، فكان يقول له أبو جعفر الجمال: ما لهم- يعني أصحاب الرأي- سواك (٥). ولقد كان غاية أبي زرعة من حملته هذه إظهار سنة رسول الله ﷺ وحث الناس على الالتزام بها وأنها تغني عن آراء الرجال لشمولها وإحاطتها بما يحتاجه المؤمن فيقول: "ما رغبت قط في سكنى الري وما كاشفت القوم وأنا لا أريد مزاحمتهم في دنيا ولا مال ولا في ضيعة وقلت في نفسي أنا لست براغب في شيء من هذا فأقاسي إظهار السنن فإن كان كون خرجت وهربت إلى طرسوس" (٦)

стр. 40

وظل ملتزماً بمنهجه هذا ثابتا عليه مما جعل أهل الرأي يستعينون بأمير البلد ليمنعه من التحديث ونشر السنة. يقول أبو زرعة: "قال لي السري بن معاذ: لو أني قبلت لأعطيت مائة ألف درهم قبل الليل فيك وفي ابن مسلم- أي محمد بن مسلم بن وارة- من غير أن أحبسكم ولا أضربكم أكثر من أن أمنعكم من التحديث" (١) ولقد كانوا يعمدون إلى بعض ألوان الاستفزاز له، وذلك أن منهم من كان يجلس في مجلسه، ويلقي عليه أحاديث موضوعة باطلة على سبيل الامتحان وإظهار إعجازه عن الجواب عنها، فقد روي عن الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري المتوفى سنة (٣٠٨) هـ أنه قال: حضرت أبا زرعة، وخراساني يلقي عليه الموضوعات وهو يقول: باطل، والرجل يضحك، ويقول: كل ما لا يحفظه يقول باطل، فقلت: يا هذا ما مذهبك؟ قال: حنفي، قلت: ما أسند أبو حنيفة عن حماد؟ فوقف، فقلت: يا أبا زرعة ما تحفظ لأبي حنيفة عن حماد فسرد أحاديث، فقلت للعلج: ألا تستحي؟ تقصد إمام المسلمين بالموضوعات وأنت لاتحفظ حديثاً لإمامك؟ فأعجب ذلك أبا زرعة وقبلني (٢). وهكذا لقي في سبيل نشر السنة ما لقي وثبت عليها وثبت من معه، ولا يفوتني أن أذكر موقفه مع المعتدلين منهم فهؤلاء كان يعاملهم معاملة تختلف عن المتزمتين المتعصبين، فقد أثنى على المعلى بن منصور الرازي (٣) على الرغم من معرفته لرأي شيخه الإمام أحمد فيه. يقول أبو زرعة: "رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم؛ ذلك أنه كان
следующие страницы →