خبثهم، ومن هؤلاء داهر بن يحيى الرازي الذي قال عنه الذهبي: "رافضي بغيض لايتابع على بلاياه"، وقال العقيلي: "كان يغلو في الرفض وذكروا من أباطيله ما رواه عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: يا أم سلمة، إن علياً لحمه من لحمي … " الخ الحديث (١).
وكذلك ولده عبد الله بن داهر بن يحيى أبو سليمان المعروف بالأحمري، قال عنه العقيلي: "رافضي خبيث"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه في فضائل علي، وهو متهم في ذلك" (٢). والحسن بن عباس بن جرير العامري الحريشي الرازي الذي روى عن أبي جعفر الباقر، وذكره النجاشي في مصنفي الإمامية وقال: "هو ضعيف جداً"، وقال علي بن الحكم ضعيف: "لايوثق بحديثه" وقيل: أنه كان يضع الحديث (٣)، وغير هؤلاء.
رابعاً- أهل السنة والجماعة:
ذكرتهم في هذا الموضع لأنهم يمثلون السواد الأعظم ولهم الكلمة النافذة المسموعة وكانت لهم المنابر والمدارس والمجالس ومعتقدهم المعتقد الصحيح.
قال ياقوت: "وكان أهل الري أهل سنة وجماعة إلى أن تغلب أحمد ابن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع وأكرم أهله وقربهم فتقرب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك فصنف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتاباً في
стр. 37
فضائل أهل البيت وغيره وكان ذلك في أيام المعتمد وتغلبه عليها في سنة (٢٧٥) هـ … " (١).
أما المذاهب الفقهية في الري فكان المشهور المعروف بها مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث. وأهل الرأي فهم كما وصفهم الأستاذ الخضري بقوله: "أما أهل الرأي والقياس فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى، رأوا أصولاً عامة نطق بها القرآن الكريم وأيدتها السنة، ورأوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولاً أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين- أي أهل الحديث متى وثقوا من صحتها" (٢).
وأما فقهاء الحديث فقد وصفهم ابن رجب بقوله: "وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها، ثم الفقه فيها وتفهيمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد والرقائق، وغير ذلك" (٣).
ولقد كانت تقع بينهم المناظرات ومجالس الجدل حتى خرج بهم ذلك إلى النفرة والمقاطعة. بل تعدى الأمر إلى الاستعانة بأمير البلد، ولقد ورثوا هذه
стр. 38
الخصومات أبناءهم حتى جاءهم عدوهم فاستباح بيضتهم بعد أن وجد الحالقة حلت بهم. ولقد لعب أبو زرعة دوراً بارزاً متميزاً عن غيره في هذه المناظرات ومجالس الجدل وكان نشيطاً في نشر السنة وحث الناس على الالتزام بها، ومما زاده حماساً لذلك صلته السابقة بأهل الرأي أيام كان حدثاً صغيراً يطلب العلم، فيصف حاله بقوله: "كان أهل الري قد افتتنوا بأبي حنيفة وكنا أحداثاً نجري معهم، ولقد سألت أبا نعيم عن هذا وأنا أرى أني في عمل، ولقد كان الحميدي يقرأ كتاب الرد ويذكر أبا حنيفة وأنا أهم بالوثوب عليه حتى منَّ الله علينا … " (١).
ويبدو أن السبب في تحوله عن مذهب أهل الرأي اتصاله بالأئمة المحدثين، واقتناعه برجحان مذهبهم، وخاصة اتصاله وصلته بالإمام أحمد ابن حنبل، إضافة إلى ذلك نفرته من بعض الآراء والأقوال في المعتقد التي كان أهل الرأي يوافقون بعض الفرق الكلامية فيها كالقول في مسألة خلق القرآن والتي أصبحت الحدَّ الفاصل بين الناس لاسيما إبان محنة الإمام أحمد (٢)، وكذلك اتهام الإمام أبي حنيفة وأتباعه باعتناق مذهب الجهمية وكذا القول بالإرجاء، قال ابن عبد البر: (كثير من أهل الحجاز استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً، وكان مع ذلك يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيماناً، وكل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل ينكرون قوله ويبدّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسوداً لفهمه وفطنته" (٣)، لذا أصبح إمامنا يحمل راية أهل الحديث وكان يصدر الأوامر بمقاطعة الذين يلتحقون بجماعة أهل الرأي، والامتناع عن كتابة الحديث عنهم، فمثلاً يحيى بن محمد بن يحيى أبو بشر البصري نزيل الريّ قال عنه أبو حاتم: "قدم الري وكان صحيح الحديث، ولحق بابن مقاتل فنهى أبو
стр. 39
زرعة أن يكتب عنه" (١). ولقد كان شديدأ مع محمد بن مقاتل الرازي (٢) إمام أهل الرأي في الري، ولقد صرح بذلك بقوله: "قال محمد بن مقاتل لما قدم الري: رأيت أسباب أبي حنيفة قد ضعفت بالعراق فلأنصرنَّه بغاية النصر قال أبو زرعة فسلط عليه منا ما قد علمت" (٣)، وكان أهل الرأي يظنون أن الحجج التي كان يجابه بها محمد بن مقاتل ليست من حفظه واستنباطه بل يلقن بها تلقيناً.
يقول ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول - وقلت له إنهم كانوا يقولون إن رجلاً بصرياً يحمل إليك الكلام الذي ترويه في ابن مقاتل- فقال: يفرغ ابن مقاتل من مجلسه يوم الجمعة إلى قرب المغرب وأرد عليه من الغد بكرة، من وضع لي؟ وددت أني كنت أرى في ذلك الوقت الذي دفع إلى ما روى في مجلسه رجلا" (٤) ولقد كان يفتخر الأئمة الحفاظ بموقف أبي زرعة هذا، فكان يقول له أبو جعفر الجمال: ما لهم- يعني أصحاب الرأي- سواك (٥). ولقد كان غاية أبي زرعة من حملته هذه إظهار سنة رسول الله ﷺ وحث الناس على الالتزام بها وأنها تغني عن آراء الرجال لشمولها وإحاطتها بما يحتاجه المؤمن فيقول: "ما رغبت قط في سكنى الري وما كاشفت القوم وأنا لا أريد مزاحمتهم في دنيا ولا مال ولا في ضيعة وقلت في نفسي أنا لست براغب في شيء من هذا فأقاسي إظهار السنن فإن كان كون خرجت وهربت إلى طرسوس" (٦)
стр. 40
وظل ملتزماً بمنهجه هذا ثابتا عليه مما جعل أهل الرأي يستعينون بأمير البلد ليمنعه من التحديث ونشر السنة.
يقول أبو زرعة: "قال لي السري بن معاذ: لو أني قبلت لأعطيت مائة ألف درهم قبل الليل فيك وفي ابن مسلم- أي محمد بن مسلم بن وارة- من غير أن أحبسكم ولا أضربكم أكثر من أن أمنعكم من التحديث" (١) ولقد كانوا يعمدون إلى بعض ألوان الاستفزاز له، وذلك أن منهم من كان يجلس في مجلسه، ويلقي عليه أحاديث موضوعة باطلة على سبيل الامتحان وإظهار إعجازه عن الجواب عنها، فقد روي عن الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري المتوفى سنة (٣٠٨) هـ أنه قال: حضرت أبا زرعة، وخراساني يلقي عليه الموضوعات وهو يقول: باطل، والرجل يضحك، ويقول: كل ما لا يحفظه يقول باطل، فقلت: يا هذا ما مذهبك؟ قال: حنفي، قلت: ما أسند أبو حنيفة عن حماد؟ فوقف، فقلت: يا أبا زرعة ما تحفظ لأبي حنيفة عن حماد فسرد أحاديث، فقلت للعلج: ألا تستحي؟ تقصد إمام المسلمين بالموضوعات وأنت لاتحفظ حديثاً لإمامك؟ فأعجب ذلك أبا زرعة وقبلني (٢).
وهكذا لقي في سبيل نشر السنة ما لقي وثبت عليها وثبت من معه، ولا يفوتني أن أذكر موقفه مع المعتدلين منهم فهؤلاء كان يعاملهم معاملة تختلف عن المتزمتين المتعصبين، فقد أثنى على المعلى بن منصور الرازي (٣) على الرغم من معرفته لرأي شيخه الإمام أحمد فيه. يقول أبو زرعة: "رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم؛ ذلك أنه كان
стр. 41
طلابة للعلم ورحل وعنى به فصبر أحمد عن تلك الأحاديث، ولم يسمع منه حرفاً، وأما علي بن المديني، وأبو خيثمة، وعامة أصحابنا سمعوا منه … " ثم قال بعد كلام: "المعلى صدوق" (١) وكذلك فقد كان يحترم آراء الحفاظ الآخرين، فلقد كان محمد بن عمير، أبو بكر الطبري (٢) جليسه والمفتي في مجلسه، كان يفتي برأي أبي ثور (٣).
مكانة الري بالنسبة للمراكز العلمية الأخرى في بلاد المشرق
عد الرامهرمزي الري من المراكز العلمية التي رحل إليها العلماء طلباً للحديث وغيره من العلوم، وكذلك ذكرها السخاوي ضمن المدن التي اهتم أهلها بالحديث، وتدوينه، وروايته، ولا بد من معرفة الأسباب التي عملت في تكوين هذا المركز المهم الذي ساهم في نشر العلوم الإسلامية، وتنشيط المراكز الأخرى في بلاد المشرق، ويمكننا أن نحصر هذه الأسباب والعوامل بالنقاط التالية:
١ - لقيت الري قبل الإسلام عناية كبيرة، وحظيت بقدسية ومهابة في نفوس المجوس من أبناء فارس باعتبارها المكان المقدس الثاني عشر عندهم ولأن زرادشت كان من أهلها.
стр. 42
٢ - أصبحت مركزاً مهما في ظل الدولة الإسلامية، وإحدى القواعد الرئيسة للفتوحات الإسلامية، ونشر الدعوة بين شعوب وأمم تلك البلاد، وكذلك لعبت دوراً مهما في إخماد بعض الثورات والفتن التي قامت في أواخر العصر الأموي والعصر العباسي الأول ودهراً من الثاني، بل كانت مسرحاً لبعض المعارك والحروب.
٣ - كانت المركز التجاري الرئيسي حيث عمل على تنسيق التجارة بين دول المغرب ودول المشرق، إضافة إلى المواد التي كانت تصدرها.
٤ - مكانها الجغرافي، حيث كانت تقع في طريق قوافل الحجاج القادمة من نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة، وغيرها من البلاد، وهذا يعني نزولهم في خانات الري ودور الضيافة فيها (١)، وعقد المجالس العلمية وروايتهم للحديث وتدوينهم لما فاتهم من سماعه وذلك حسب مدة إقامتهم فيها.
٥ - انتعاش الحالة الإقتصادية فيها، وهذا عامل مهم في دعم وتنشيط الحركة العلمية.
٦ - تشجيع بعض الخلفاء وأمرائهم لمجالس العلم وتقريب العلماء.
٧ - وجود العوائل العلمية التي كان العلماء المبرزون فيها يورثون أبناءهم علومهم، ومصنفاتهم، ومروياتهم، وهم بدورهم يحافظون عليها ويروونها لطلاب العلم من أبناء الري والقادمين إليهم من الأقاليم الأخرى.
٨ - اشتهار عدد من علمائها بالحفظ والإحاطة بالسنة النبوية ورواة الآثار والعلوم الأخرى.
٩ - نشوء بعض الفرق الكلامية فيها، ونشاط أصحابها في نشرها، مما كان يحمل العلماء الأعلام على رد وتفنيد مقالاتهم الباطلة بالحجة والبرهان وتصنيف الكتب ضدهم.
стр. 43
وبعد عرضنا لأهم الأسباب والعوامل التي جعلت من الري مركزاً مهما ظل فترة طويلة يمد التراث الإسلامي بالعلماء والمصنفات نذكر أهم العلماء الذين رحلوا إلى الري وحدثوا بها:
١ - (ع) الإمام سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد الكوفي الذي قال عنه أبو القاسم الطبري: "ثقة إمام حجة على المسلمين". قتل سنة (٩٥) هـ (١).
٢ - (٤) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخراساني، قال عنه ابن معين وأبو زرعة والعجلي والدارقطني: "ثقة". ولقي الضحاك سعيد بن جبير في الري وأخذ عنه التفسير. ت (١٠٥) هـ (٢).
٣ - (ع) عامر بن شراحيل بن عبدٍ الشعبي، الحميري، أبو عمرو الكوفي الذي قال عن نفسه: "أدركت خمسمائة من الصحابة"، قال عنه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: "ثقة"، دخل الري مع قتيبة بن مسلم الباهلي- ﵀ توفي الشعبي سنة (١٠٣) هـ وقيل غير ذلك (٣).
٤ - خباب بن نافع الضبي الكوفي الذي يروي عن نافع مولى ابن عمر (ت (١١٧) هـ) قال ابن أبي حاتم في ترجمته: "قدم الري زائراً لجرير بن عبد الحميد (ت (١٨٨) هـ)، روى عنه يحيى بن المغيرة". ولم أقف على تاريخ وفاة خباب (٤).
٥ - (بخ م ٤) الحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي أبو أرطأة الكوفي القاضي أحد الفقهاء وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، شخص إلى الرّيّ بصحبة الخليفة المهدي- ﵀ (١٦٩) هـ- قال خليفة بن خياط: "مات بالري". توفي الحجاج سنة (١٤٥) هـ (٥).
стр. 44
٦ - الإمام محمد بن الحسن الشيباني أبو عبد الله أحد الفقهاء وصاحب الإمام أبي حنيفة- ﵀ كان من بحور العلم والفقه قوياً في مالك، وتفقه على أبي حنيفة وسمع الحديث من الثوري والأوزاعي ومسعر وغيرهم.
قال الشافعي: "حملت عن محمد وقر بعير كتباً". قال ثعلب: "توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد فقال الناس: "دفن اليوم اللغة والفقه". وذلك سنة (١٨٠) هـ برنبوية من أعمال الريّ (١).
٧ - (خت م ٤) محمد بن اسحاق بن يسار المدني، أبو بكر المطلبي مولاهم. كان الزهري يتلقف المغازي منه وقال عنه شعبة: "أمير المؤمنين لحفظه".
وقال ابن عدي: "له حديث كثير وقد روى عنه أئمة الناس ولو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ومبعثه ومبدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق إليها وقد صنفها بعده قوم فلم يبلغوا مبلغه". توفي سنة (١٥٢) أو (١٥٣) هـ (٢).
٨ - (ع) أمير المؤمنين في الحديث سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي الحافظ، الفقيه، العابد، الإمام، الحجة، حدث بالري ما لم يحدث بغيرها من الأمصار، وكان يستعين به القاضي الزبير بن عدي حيث كان يستفتى الثوري في قضايا ترد عليه، ويفتيه الثوري فيقضي بها الزبير، توفي سنة (١٦١) هـ (٣).
٩ - علي بن حمزة بن عبد الله بن قيس الأسدي مولاهم الكوفي الكسائي أحد أئمة القراءة والتجويد في بغداد. وكان نحوياً لغوياً أدب الرشيد وولده
стр. 45
الأمين.
قال الشافعي: "من أراد النحو فهو عيال على الكسائي" توفي سنة (١٨٠) هـ وكان في صحبة الرشيد ببلاد الري (١).
١٠ - (ع) الإمام القدوة الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة الثقة، الثبت، الفقيه الذي جمعت فيه خصال الخير. قال ابن أبي حاتم في ترجمة سعد بن عمرو الرازي: "كان ابن المبارك ينزل عليه إذا قدم الري". توفي سنة (١٨١) هـ (٢).
١١ - أبو الفضل سلمة بن بشير النيسابوري توفي سنة (٢١١) هـ الذي قال عن نفسه: "حدثت بالري أربعين ألف حديث فهل يتهيأ لأحد أن يعتب علي شيئاً؟ " (٣).
١٢ - (خ د ت س فق) الإمام علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، السعدي مولاهم، أبو الحسن، ابن المديني البصري، الثقة، الثبت، أعلم أهل عصره بالحديث، وعلله حتى قال البخاري: "ما استصغرت نفسي إلا عنده"، وقال النسائي: "كأن الله خلقه للحديث". توفي سنة (٢٣٤) هـ (٤).
وغير هؤلاء الأعلام، وحتى في مجال العلوم الأخرى فقد رحل إلى الري مثلاً الفزاري المنجم محمد بن إبراهيم بن حبيب الكوفي (٥).
ومما يدل على أهمية الري والرحلة إليها قول الإمام أحمد بن حنبل: "لو كان عندي خمسون درهماً، كنت قد خرجت إلى الري، إلى جرير بن عبد الحميد، فخرج بعض
стр. 46
أصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي" (١) ومن مجالس العلم المهمة، المجالس التي كان يعقدها وزير المهدي معاوية بن عبيد الله الأشعري (٢) وكان يحدث في مجلسه محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية" (٣).
стр. 47
الفصل الثاني: اسمه ونسبه، وكنيته، ومولده، وعائلته .
١ - اسمه ونسبه
هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد (١) بن فروخ بن داود (٢) مولى عياش بن مطرف بن عبيد الله بن عياش بن أبي ربيعة القرشي، المخزومي (٣)،
وروى ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي زرعة أنه (من موالي عياش بن مطرف) فكان ينسب نفسه فيقول: عبيد الله ابن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ مولى عياش بن مطرف (١)، ونسب الى مدينة الري لأنها مسقط رأسه، وفيها نشأ وطلب العلم، ودرس فيها في مسجده حتى وفاته- ﵀.
٢ - كنيته
أما كنيته (أبو زرعة) بضم الزاي فيشترك فيها معه ما ينيف على الخمسين علماً ممن سبقه، أو عاصره، أو أتى بعده (٢).
وكنيته هذه غطت من اشتهر بها، فإذا ذكرت مجردة من غير نسبة، فالمقصود بها هو، ولقد أطلق عليه هذه الكنية الرازيون الذين زاروا دمشق، والتقوا بأبي زرعة الدمشقي فكنوه بنفس الكنية تيمناً. ذكر ذلك ابن عساكر في تاريخه حيث روى بإسناده إلى أبي زرعة الدمشقي أنه قال: بكنيتى كنى أبا زرعة الرازي،
стр. 51
وذلك أن جماعة من أهل الري قدموا علينا بدمشق قديماً منهم أبو يحيى مزحويه (١) فلما انصرفوا إلى الري فيما أخبرني غير واحد، منهم أبو حاتم رأوا هذا الفتى قد كانوا يعنون أبا زرعة الرازي فقالوا له: نكنيك بكنية أبي زرعة الدمشقي ثم لقيني أبو زرعة الرازي فجالسني بدمشق، وكان يذكر لي هذا الحديث وقال لي: تكنيت بكنيتك (٢).
٣ - ولادته
لقد اختلف في تاريخ ميلاده على أقوال هي:
ا- قال خليل بن إيبك الصفدي أنه: ولد سنة تسعين ومائة فيما قيل، ويقال سنة مائتين (٣).
٢ - روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "ولدت سنة مائتين .. " (٤).
٣ - ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن "مولده بعد نيف ومائتين .. " (٥). ثم قال الذهبي: "وقد ذكر ابن أبي حاتم أن أبا زرعة سمع من عبد الله بن صالح العجلي (٦)، والحسن بن عطية بن نجيح (٧)، وهما ممن توفي سنة إحدى عشرة ومائتين فيما بلغني، فإما وقع غلط في وفاتهما، وإما في مولده،
стр. 52
وأما في لقيه لهما .. " ثم قال الذهبي في نفس الترجمة: "والظاهر أنه ولد سنة مائتين والله أعلم" (١).
٤ - قال الحاكم في كتابه (الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار): "سمعت عبد الله بن محمد بن موسى سمعت أحمد بن محمد بن سليمان الرازي الحافظ يقول: (ولد أبو زرعة سنة أربع وتسعين ومائة .. " (٢).
مناقشة الذهبي:
ذكر الذهبي احتمالات ثلاثة تتعلق بتأريخ ميلاد أبي زرعة هي:
١ - احتمال وقوع الغلط في تأريخ وفاة عبد الله بن صالح العجلي، والحسن بن عطية بن نجيح. وهذا احتمال ضعيف، وذلك لأن تاريخ وفاتهما صحيح، فقد نص الحافظ جمال الدين المزي على أن العجلي توفي سنة (٢١١) هـ (٣)، وقد نقل الذهبي نفسه عن أحمد العجلي أنه قال: "مات والدي سنة (٢١١) هـ"، وقد أيد هذا التأريخ ابن حجر (٤)،
وكذلك تاريخ وفاة الحسن بن عطية، فقد نص عليه البخاري (٥)، وأقره المزي، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم (٦).
٢ - احتمال وقوع الغلط في لقيه لهما وهذا الآخر بعيد لأن من عادة المحدثين الذين صنفوا كتب الرجال إذا روى أحد الرواة عن آخر بواسطة- لعدم لقائه به مثلاً- يذكر ذلك، ولما لم يذكر أو يلمح المزي أو غيره أن أبا زرعة روى عنهما بواسطة، فإن الحجة مع من نص على الرواية المتضمنة للقيّ.
٣ - احتمال وقوع الغلط في تأريخ ميلاده، وهذا الاحتمال أراه قوياً.
стр. 53
٤ - نقل الذهبي قول أبي عبد الله الحاكم بعد أن ذكر الاحتمالات، ولم يعترض عليه أو يفند قوله، أو يعقب عليه، وهذا يشير إلى أنه قد تردد، ولم يجزم.
القول الراجح:
ترجح لي القول الرابع الذي ذكره الحاكم النيسابوري، وذلك للأسباب الآتية:
١ - أن الحاكم ذكر هذا التاريخ عن شيخه عبد الله بن محمد بن موسى سماعا وشيخه أيضاً سمعه من شيخه أحمد بن محمد بن سليمان الرازي الحافظ التي عاصر أبا زرعة وهذا يجعل مجال التردد ضيقاً لقرب المدة ما بين الحاكم، وأحمد بن محمد الرازي الحافظ، والتصريح بالسماع.
٢ - ذكر الحاكم في تاريخ نيسابور (١)، حادثة مهمة تتعلق بتحديد تاريخ ميلاد أبي زرعة، مفادها أن علياً الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد الباقر ﵃ حينما قدم إلى نيسابور في السفرة التي نال فيها فضيلة الشهادة عرض له في السوق أبو زرعة الرازي، ومحمد بن أسلم الطوسي (٢)، ومن المعلوم أن علي الرضا توفي سنة (٢٠٣) هـ في شهر صفر (٣)، وهذا الخبر الذي ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور ينسجم مع
стр. 54
تاريخ ولادته التي ذكرها في كتابه (الجامع لذكر أئمة الأمصار .. )
وعليه يكون محدثنا يوم التقى بعلي الرضا بنيسابور ابن تسع وهذا يحتمل منه لاسيما وأنه قد وصف بالفطنة والحفظ، وطلبه للحديث في سن مبكرة، وكان يستقبله بعض الأئمة (١) بعد أن يعكف على دراسة مجموعة عظيمة من الأحاديث، وحينما يسأل عن سبب اعتكافه يقول: بلغني ورود هذا الغلام، والغلام هو الذي لم يبلغ الحلم، ولم ينبت شاربه. أما التاريخ الذي ذكره الصفدي أي سنة (١٩٠) هـ- فهو ضعيف ولكن يجعل النفس تميل إلى ترجيح سنة (١٩٤) هـ والله أعلم.
أما التاريخ الذي ذكره الخطيب البغدادي، وغيره فيتعارض مع التاريخ الراجح، وإن صح اتصال سند الرواية عن الخطيب حتى أبي زرعة من غير ضعف استبعد التاريخ الذي ذكره الحاكم في كتابه (الجامع لذكر أئمة الأمصار .. ) وبهذا أيضاً تنهار الحكاية أو الحادثة التي ذكرها الحاكم نفسه في كتابه تاريخ نيسابور لاستحالة احتمال سماع أبي زرعة من علي الرضا لأن عمر أبي زرعة يكون على التاريخ الذي ذكره الخطيب سنتان.
٤ - عائلته واهتمامها بالعلم
تعتبر عائلة أبي زرعة الرازي من أهم العوائل المشهورة التي كانت تعنى بالعلوم الإسلامية لا سيما الحديث الشريف، فقد خلف يزيد بن فروخ الرازي جد أبي زرعة ثلاثة من المحدثين هم:
١ - إسماعيل بن يزيد (٢)، طلب الحديث فروى عن السندي عن عبدويه، واسحاق بن سليمان، وعبد الصمد العطار، ولعله هو نفسه
стр. 55
عبد الصمد بن النعمان البزاز (١)، وعبد الله بن هاشم الكوفي نزيل الري (٢)، وعثمان بن سعيد بن مرة القرضي المري، أبو عبد الله، كوفي قدم الري ثم رجع إلى الكوفة، وكتب عنه إسماعيل بن يزيد بالري (٣).
ولقد كان يصحب معه الفتيان من عائلته في رحلاته في طلب الحديث. نقل أبن أبي حاتم في ترجمة محمد بن حاتم الجرجرائي عن أبيه أنه قال: "قدمنا جرجرايا، وكان خالي إسماعيل معي وهو مريض، وكان بها محمد بن حاتم فاشتغلت بعلة خالي، ولم أسمع منه وكان صدوقاً" (٤).
٢ - محمد بن يزيد، أبو جعفر الأحدب، طلب الحديث أيضاً فروى عن حبويه إسحاق بن إسماعيل، والسندي عن عبدويه، وإسحاق ابن سليمان. قال ابن أبي حاتم في ترجمته: "روى عنه أبي (٥) ووثقه بالعبادة والحفظ والفقه لرأي القوم" ثم قال: "سئل أبي عنه؟ فقال: صدوق" (٦).
٣ - عبد الكريم بن يزيد والد أبي زرعة. قال ابن أبي حاتم في ترجمته بعد أن ذكر اسمه ونسبه "روى عنه أبي سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ" (٧). ولقد كان مقرباً عند العلماء حريصاً على مجالستهم، ومن حرصه على العلم وطلبه للحديث كان يربي ابنه أبا زرعة على نهج المحدثين فيأخذه إلى مجالس العلماء المحدثين كي يعتاد عليها، ويتعرف على روادها وهو لا يزال غلامًا صغيراً. فيحدثنا أبو زرعة عن نفسه حينما بدأ يدخل مجالس أهل العلم فيقول: "ذهب بي أبي إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد
стр. 56
الدشتكي (١) فلما رأيته نفرت من هيبته فتقدم أبي إليه فسلم عليه، وقعد بجنبه فلم أزل أدنو، وأنظر إليه ولا أجسر من الهيبة أن أدنو منه، فلما رآني أتقدم قال لأبي: من هذا؟ فقال: هذا ابني قال: ادعه، فدعاني فجئت حتى دنوت من أبي فقال لي عبد الرحمن ادن مني، وأنا أدنو شيئاً بعد شيء، فلم يزل يقول ادن، حتى دنوت فأظنه أقعدني على فخذه أو أقعدني بجنبه … "، ثم قال أبو زرعة: "فتفرس فيّ فقال لأبي: إن ابنك هذا سيكون له شأن ويحفظ القرآن، والعلم"، وذكر أشياء (٢).
ولقد استفاد أبو زرعة من أبيه، ونقل عنه ما يدل على معرفته بالرجال، وتمييز الأحاديث. قال ابن أبي حاتم في ترجمة العلاء بن الحصين، أبو الحصين قاضي الري: "سمعت أبا زرعة يقول: سمعت أبي يقول: كان العلاء بن الحصين قاضياً بالري نزل الأردان، وكان يقضي في حصن الأردان" (٣).
أشار ابن أبي حاتم في ترجمة عمرو بن حكام الأزدي، أبي عثمان إلى أخ لأبي زرعة كان معنياً بالحديث أيضاً فقال: سألت أبا زرعة عن عمرو ابن حكام؟ فقال: قدم الري وكتب عنه أخي أبو بكر … (٤).
وهكذا نجد أمثلة تدل بوضوح على اهتمام عائلة أبي زرعة في الحديث النبوي الشريف مكنت وهيأت لأبي زرعة المكانة البارزة فيهم لخدمة السنة النبوية.، وكذلك فقد استفاد من عائلة إدريس بن المنذر الحنظلي زوج عمته فقد صحب أبا حاتم ابن عمته، ورحلا إلى أماكن كثيرة في طلب الحديث، وروى عنه وبعض من أقرانه.
стр. 57
الفصل الثالث: نشأته ورحلاته في طلب العلم
١ - نشأته وتحصيله العلمي
إن نضوج الحركة العلمية في مدينة الري كان لها أثر كبير على أبي زرعة في تحصيله العلمي، وخاصة جو الأسرة التي عاش وترعرع فيها حيث توجيهات أبيه، وأعمامه، ومن ثم الجهد الذي أبداه في رحلاته إلى المراكز العلمية الأخرى والصبر على طلب الحديث، ولقائه بكبار المحدثين، والمشهورين في سعة الرواية والدراية من علماء عصره كل ذلك مكنه من بلوغه مكانة الأئمة الحفاظ، وجعله يشار إليه بالبنان، ويحتج بأقواله في الجرح والتعديل وبيان علل الحديث سنداً ومتناً، وظل من بعده من الأئمة يستشهدون بآرائه الصائبة، ويستنبطون القواعد من فوائده ﵀.
ابتدأ أبو زرعة بطلب الحديث في سن مبكرة، وقد مر آنفاً اهتمام أبيه به وحمله إلى مجالس العلماء كالدشتكي، وغيره. وكان صاحب همة، طلابة للعلم حريصاً على مجالسه يقول عن نفسه "كنا نبكر بالأسحار إلى مجلس الحديث نسمع من الشيوخ، فبينما أنا يوماً من الأيام قد بكرت، وكنت حدثاً إذ لقيني في بعض طرق الري من سماه أبي ونسيته أنا شيخ مخضوب بالحناء فيما وقع لي فسلم عليّ فرددت السلام فقال لي: يا أبا زرعة سيكون لك شأن وذكر … " (١) وكان يتتبع
стр. 58
العلماء في مجالسهم، ويأخذ عنهم سواء عن الذين يمرون بالري، أو الذين نزلوا بها، ولقد كان علماء بلده يعرفون فضله وحفظه للحديث منذ نعومة أظفاره، ويفتخرون به أمام من يقدم عليهم من الحفاظ، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي العباس محمد بن إسحاق الثقفي أنه قال "لما انصرف قتيبة بن سعيد (١) إلى الري سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجالسي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة؟ قالوا له: فإن عندنا غلاماً يسرد كل ما حدثت به مجلساً مجلساً، قم يا أبا زرعة، فقام أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة، فحدثهم قتيبة" (٢).
ومما يدل على تبكيره في طلب العلم وتقييد الحديث قوله عن نفسه "إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة ولم أطالعه منذ كتبته .. " (٣). ولم أقف على نص يحدد لنا بالضبط السنة التي ابتدأ بها أبو زرعة تلقّيه العلم، وروايته للحديث إلا أن الحاكم النيسابوري ذكر أن أبا زرعة ارتحل من الري وهو ابن ثلاث عشرة سنة (٤).
ومن المعلوم أن طالب العلم قبل أن يبتدئ بالرحلة في طلب الحديث،
стр. 59
يحفظ ويدون أحاديث شيوخ بلده (١) والقرى المجاورة لها، والقادمين إليها، ويعد من القلائل الذين رحلوا في طلب الحديث في مثل سنه، وبرحلته إلى المدن والمراكز القريبة والبعيدة عن بلده ابتدأ طوراً جديداً في حياته العلمية (٢) إذ فيها يلتقي بمن كانت تشد الرحال إليهم لغزارة علمهم، وكثرة حفظهم.
سئل أبو زرعة في أي سنة كتبتم عن أبي نعيم- الفضل بن دكين-؟ قال: "في سنة أربع عشرة ومائتين ومات في سنة ثماني عشرة ومائتين" (٣)، وأخذ التفسير عن الأئمة الكبار المعنيين به والثقات في روايته (٤) وكذلك علم القراءات أتقنه من عيسى بن ميناء، المعروف بقالون المقرئ، وحفص الدوري، وخلف البزار، وغيرهم (٥) وكان يقول: "أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة، قيل له: ما بال المزورة تحفظ؟ قال: إذا مرّ بي منها حديث عرفته" (٦)، وأخذ ولعه وحبه لطلب الحديث يزداد كلما ازداد حفظه له، وكان ﵀ يكثر من ملازمة الأئمة الأفذاذ ويستزيد منهم كتابة الحديث كأحمد بن حنبل (٧)، وابن أبي شيبة وغيرهم.
روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "كتبت عن رجلين مائتي ألف حديث، كتبت عن إبراهيم الفراء مائة ألف حديث، وعن ابن أبي شيبة عبد الله
стр. 60
مائة ألف حديث" (١)، ولازم إبراهيم بن موسى الفراء ثماني سنين من سنة أربع عشرة في آخرها إلى سنة اثنتين وعشرين (٢)، وكتب عن أبي سلمة التبوذكي عشرة آلاف حديث، وعن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث أيضاً (٣). وكان إلى جانب تلقيه العلم وروايته للحديث وتقييده ينشر السنة النبوية ويعلمها للناس، ويدافع عنها ويرد على المخالفين المعترضين، وكان تقبل عليه جموع الطلبة فيروي لهم ويسمع منهم الحديث ويصوب الصحيح، ويعلل الضعيف، وكان ابن أبي حاتم يقول عنه: "كان أبو زرعة قل يوم ألا يخرج معه إلى المسجد كتابين أو ثلاثة كتب لكل قوم كتابهم الذي سألوه فيه فيقرأ على كل قوم ما يتفق له القراءة من كتاب ثم يقرأ للآخر كتابه الذي قد سأل فيه أوراقاً ثم يقرأ للثالث كمثل ذلك فإذا رجعوا أولئك في يومهم يكون قد أخرج معه كتابهم فيجيء إلى الموضع الذي كان قرأ عليهم إلى ذلك المكان فيقرأ من غير أن يسألهم: إلى أين بلغتم؟ وما أول مجلسكم؟ فكان ذلك دأبه كل يوم لا يستفهم من أحد منهم أول مجلسه وهذا بالغداة وبالعشي كمثل، ولا أعلم أحداً من المحدثين قدر على هذا" (٤).
٢ - رحلاته في طلب العلم
يعد القرن الثالث الهجري العصر الذهبي للسنة النبوية حيث تضافرت فيه جهود المحدثين في مختلف مجالاتهم ضمن علومها الواسعة، من حيث تمييز الحديث الصحيح وإفراده بالتصنيف دون كلام الصحابة والتابعين. ووضعوا
стр. 61
قواعد للجرح والتعديل لمعرفة الرجال، وكذا الجمع والتوفيق بين المتعارض الصحيح منه، والاعتناء بشرح غريبه، وغير ذلك، ومن هذه الجهود العظيمة التي يحق للمؤمنين أن يفتخروا بها رحلات العلماء في طلب الحديث حيث نشطت في القرن الثالث أكثر من ذي قبل، فكانوا يخرجون من بلادهم تاركين الأهل والأحبة ابتغاء مرضاة الله وحرصاً على تدوين حديث رسول الله ﷺ ، لأن أصحابه قد انتشروا في البلاد وسمع البعض منهم ما لم يسمعه البعض الآخر، وحرصاً على تنسيق وتدوين أقواله وأفعاله، حركاته وسكناته، وغزواته، وشمائله، حله، وترحاله، تحملوا الصعاب وقطعوا الفيافي والقفار، وأخذوا يصيبون على من لا يرحل حتى قال يحيى بن معين: "أربعة لا تؤنس منهم رشداً، منهم رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث" (١). وقال ابن أدهم: "إن الله تعالى يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" (٢). ولم تكن رحلتهم لمجرد اللقاء بالشيوخ وتدوين أحاديثهم، بل كانوا يهدفون منها التعرف على الرواة وأحوالهم من حيث التوثيق والتجريح، واهتمامهم بالتصنيف وغير ذلك من أهل مدنهم وقراهم، وكذلك كانوا يحرصون على علو الإسناد ولقاء الحفاظ.
يقول الخطيب البغدادي: "المقصود بالرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة فالاقتصار على ما في البلد أولى" (٣)، ولقد كان لأهل الري نصيب محمود في هذا السعي المبارك، فعدها الرامهرمزي من المراكز العلمية التي كان المحدثون يشدون الرحال إليها طلباً لتدوين الحديث عن علمائها (٤)، وكذلك ذكر ضمن الراحلين الذين جمعوا بين الأقطار، أبا زرعة،
стр. 62
وأبا حاتم وعدهما من الذين جمعوا بين العراق، والحجاز، والجزيرة، والشام (١)، ولقد حسدهم على هذه المكانة بعض أهل العلم مما حمل أبا حاتم على أن يرد عليه، وعلى أمثاله، قال ابن أبي حاتم في ترجمة داود بن خلف الأصبهاني إمام أهل الظاهر: "وأما أبي ﵀ فحمل إليه كتاب له يسميه كتاب البيوع وقصد أهل الحديث وذمهم وعابهم بكثرة طلبهم للحديث ورحلتهم في ذلك فأخرج أبي كتابا في الرد عليه في نحو خمسين ورقة" (٢) ولقد عد الحافظ المزي أبا زرعة من الجوالين المكثرين (٣)، وذكر الداوودي بعض المدن التي رحل إليها أبو زرعة وهي (الحرمان، والعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، ومصر) (٤)، وهذه البلاد كان فيها أهم المراكز العلمية. بعد هذه المقدمة نريد التعرف على رحلات أبي زرعة والمدن والبلاد التي دخلها، وكيف كان بعض الأئمة يستقبله ويتهيأ للقائه مع ذكر بعض أخباره في تلك البلاد.
من المعلوم أن المحدث حينما يبتدئ بطلب الحديث وتدوينه يحرص على تحمله وروايته عن علماء بلده، وعمن كان يمرّ عليهم من العلماء ثم يبتدئ بالخروج والتجوال في القرى المحيطة بهم. وهكذا كان أبو زرعة ﵀ فقد لازم الشيوخ الكبار في مدينة الري وحرص على تدوين حديثهم، وكذلك حرص على ملازمة من يقدم إلى الري من المدن الأخرى فيستقر أو يمر بها، فيقول أبو زرعة عن نفسه: "وكتبت بالري قبل أن أخرج إلى العراق نحو ثلاثين شيخاً منهم عبد الله بن الجراح (٥) وعبد العزيز بن المغيرة (٦)، وعبد الصمد بن
стр. 63
حسان (١) وجعفر بن عيسى (٢)، وبشر بن يزيد (٣)، وسلمة بن بشير (٤)، وعبيد بن إسحاق" (٥)، وذكر شيوخاً كثيرة (٦)، وبعد اغترافه من منهل النبوة العذب الذي استقاه علماء الري، ومن نزل بها، شد الرحال على سنة الرجال، وكان قصده الكوفة التي كانت تموج بالعلماء والمحدثين، وقد اعتاد طلاب العلم السفر جماعة ومع رفقة مأمونة وذلك لمخاطر الطرق ووعورتها، والمفاوز والقفار، إضافة إلى اللصوص والأشرار.
يقول بعض الباحثين عند كلامه عن سفر العلماء وطلاب العلم: " (يندر سفر رجال بمفردهم إذ أن الطرق العامة كانت غير مأمونة، والطريقة الاعتيادية كانت أن يصاحب الفرد قافلة عند انتقاله من مكان إلى آخر والذي يقوي احتمال قيام الفرد بهذا الأمر هو كون كثير من العلماء إن لم نقل معظمهم كانوا يجمعون بين الدراسة والشغل، فكانوا يسافرون كتجار للاشتغال في تجارتهم ويشغلون أنفسهم بطلب العلم خلال بقائهم التي قد تطول أو تقصر مدته في المدن المختلفة … " (٧).
وهكذا ارتحل أبو زرعة (وهو ابن ثلاث عشرة سنة) (٨)
стр. 64
بصحبة مجموعة من أهل الري يطلبون الحديث، ولا شك أنهم قد مروا على بعض المراكز المهمة التي اشتهرت بعلمائها، ومجالس الحديث فيها قبل وصولهم إلى الكوفة، ولقد أقام أبو زرعة في رحلته الأولى هذه في الكوفة مدة عشرة أشهر (١). والظاهر أنه سمع في إقامته هذه من أبي نعيم الفضل بن دكين فقد سئل في أي سنة كتبتم عن أبي نعيم؟ قال: "في سنة أربع عشرة ومائتين، ومات في سنة ثماني عشرة ومائتين" (٢).
رحلته الثانية:
تعتبر رحلته الثانية من أطول الرحلات مدة، ولعل أهمها فقد ابتدأ بها من سنة (٢٢٧) هـ إلى أول سنة (٢٣٢) هـ، فزار مراكز علمية كثيرة، ومدناً، وقرى. ولنستمع إليه حيث يحدثنا عن رحلته هذه فيقول: "خرجت من الري المرة الثانية سنة سبع وعشرين ومائتين، ورجعت سنة اثنتين وثلاثين في أولها، بدأت فحججت ثم خرجت إلى مصر فأقمت بمصر خمسة عشر شهراً، وكنت عزمت في بدو قدومي مصر أني أقل المقام بها، فلما رأيت كئرة العلم بها وكثرة الاستفادة عزمت على المقام ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي، فلما عزمت على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر بكتب الشافعي فقبلتها منه بثمانين درهماً أن يكتبها كلها وأعطيته الكاغد (٣) وكنت حملت معي ثوبين ديبقيين لأقطعهما لنفسي فلما عزمت على كتابتها أمرت ببيعها فبيعا بستين درهماً واشتريت مائة ورقة كاغد بعشرة دراهم كتبت فيها كتب الشافعي. ثم خرجت إلى الشام فأقمت بها ما أقمت، ثم خرجت إلى الجزيرة (٤) وأقمت ما أقمت، ثم رجعت إلى بغداد سنة ثلاثين في آخرها،
стр. 65
ورجعت إلى الكوفة وأقمت بها ما أقمت، وقدمت البصرة فكتبت بها عن شيبان (١) وعبد الأعلى" (٢)) (٣).
رحلته الثالثة:
ويحدثنا أبو زرعة عن رحلته الثالثة فيقول: "أقمت في خرجتي الثالثة بالشام، والعراق، ومصر أربع سنين وستة أشهر فما أعلم أني طبخت فيها قدراً بيد نفسي" (٤). فتبين من هذه النصوص أن أبا زرعة ﵀ قام برحلات ثلاث الى بلاد العراق، وبلاد الشام ومصر وغيرها من المراكز المهمة تميزت بطول المدة، وتعدد الأماكن هذا عدا الرحلات القصيرة التي قد تستغرق الأسابيع أو الأيام بين مدينة الري ومدن المشرق الأخرى، وسأجتهد في ذكر جميع الأماكن التي رحل إليها ولقي فيها الشيوخ والأئمة مع ذكر بعض أحواله وأخباره في بعض تلك الأماكن لأنه كان حريصاً على السماع في كل بلد من بلاد المسلمين حتى إنه كان يذهب إلى ثغور (٥) المسلمين فيسمع من العلماء المرابطين المجاهدين
стр. 66
فقد روى الخليلي بسنده إلى البرذعي أنه قال: "سمعت أبا زرعة الرازي يقول: لم أعرف لنفسي رباطاً خالصاً في ثغرة قصدت قزوين مرابطاً ومن همتي أن أسمع الحديث من الطنافسي (١) ومحمد بن سعيد بن سابق (٢)، ودخلت بيروت مرابطاً ومن همتي أن أسمع عن العباس ابن الوليد (٣)، ودخلت رها (٤) مرابطاً ومن نيتي أن أسمع عن أيى فروة الرهاوي (٥) فلا أعرف لنفسي رباطاً خلصت نيتي فيه، ثم بكى) (٦) وزاد الذهبي قوله: "وأما عسقلان فأردنا محمد بن أبي السري" (٧).
стр. 67
٣ - رحلة أبي زرعة إلى بعض الأماكن القريبة
قرية وهبن: قال ابن أبي حاتم في ترجمة مغيرة بن يحيى بن المغيرة السعدي الرازي "من قرية وهبن (١) من رستاق القرج، وأبوه يحيى بن المغيرة صاحب جرير الذي رحل إليه أبي وأبو زرعة رحمهما الله" (٢).
أفرندين (٣): قال ابن أبي حاتم في ترجمة إسحاق بن الحجاج الطاحوني المقرئ: "سمعت أبي يقول: كنت عزمت أنا وأبو زرعة أن نخرج إليه من وهبن بعد فراغنا من يحيى بن المغيرة، وكتب إلينا أن محمد بن مقاتل المروزي (٤) قد وافى أفرندين، فخرجنا من هناك إلى أفرندين" (٥).
стр. 68
٤ - رحلته إلى قزوين (١)
ترجم صاحب تاريخ قزوين (٢) لأبي زرعة وذكر بعض الذين روى عنهم أبو زرعة، وكذا أسماء من روى عنهم وبعض أخباره وثناء العلماء عليه، ومن المعلوم أنه قد ترجم في كتابه هذا لكل من دخل قزوين، قال الحافظ الخليلي في (الإرشاد) في ترجمة أبي زرعة: "وسمع منه من أهل قزوين، أبو عبد الله ابن ماجة، وموسى بن هارون بن حيان والحسين بن علي الطنافسي، وأحمد بن إبراهيم بن سمويه العجلي، وإسحاق بن محمد الكيساني، وأبو بكر بن هارون بن الحجاج … " (٣).
وقال أيضاً في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد الطنافسي المتوفى سنة (٢٣٣) هـ، وأخيه الحسن المتوفى سنة (٢٢٢) هـ: "إماما قزوين، وارتحل إليهما الكبار، أبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن مسلم بن وارة، ومحمد بن أيوب" (٤). وقال أيضاً في ترجمة محمد بن سعيد بن سابق المتوفى سنة (٢١٦) هـ "ارتحل إليه أبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن أيوب، وسهل بن زنجلة وابنه" (٥). ولعله قد رحل إلى قزوين قبل سنة (٢١٤) هـ، وذلك لتقدم وفاة محمد بن سعيد، وأرجح إنها كانت سنة (٢١٣) هـ، لأن الخليلي نقل عن أبي حاتم أنه قال: "دخلت قزوين سنة ثلاث عشرة ومائتين مع خالي محمد بن يزيد … " (٦) ولقد كان أبو زرعة وأبو حاتم يرحلان مع بعض في كثير من الرحلات.
стр. 69
٥ - رحلته إلى ساوَهْ (١)
قال الخليلي في ترجمة عيسى بن موسى المعروف بغنجار المتوفى سنة (١٨٧) هـ "وروى عنه أهل بخارى وروى عنه محمد بن أمية الساوي (٢) أحاديث ذوات عدد فقصده أبو زرعة وأبو حاتم لسماع ذلك" (٣).
٦ - رحلته إلى نيسابور
ذكر أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور أن أبا زرعة الرازي التقى بعلي بن موسى الرضا هو ومحمد بن أسلم الطوسي مع طلبة العلم والحديث وحدثهم بحديث من طريق آبائه ﵃، عن رسول الله ﷺ ، عن رب العزة أي حديث "كلمة لا إله إلا الله حصني. فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي" (٤).
стр. 70
وقيل لإسحاق بن راهويه (١): "إن هذا الصبي الرازي يعني أبا زرعة وارد عليك فكان يصلي يومئذ ثم يرجع إلى البيت ولا يأذن لأحد فقيل له في ذلك فقال: بلغني أن هذا الفتى وارد، وقد أعددت مائة وخمسين ألف حديث ألقيها عليه. خمسون ألفاً منها معلولات لا تصح" (٢).
٧ - رحلته إلى بغداد
قال الخطيب البغدادي في ترجمة أبي زرعة: "قدم بغداد غير مرة، وجالس أحمد بن حنبل وذاكره وحدث، فروى عنه من البغداديين إبراهيم ابن إسحاق الحربي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وقاسم بن زكريا المطرز … " (٣) ولما كانت بغداد دار الخلافة والعلم وملتقى علماء بلاد الإسلام نشط طلاب العلم للرحلة إليها والمكث الطويل فيها وأصبحت الرحلة إليها من الواجبات بالنسبة للمحدثين لذا حرص على القدوم إليها معظم العلماء الأعلام من أهل المشرق والمغرب وكان الكثير منهم لا يكتفي بزيارة واحدة إليها
стр. 71
بل يكثر من المكوث فيها، وكان معظم علماء مدن بلاد خراسان ونيسابور وما وراء النهر يمرون بها حين ذهابهم إلى بلاد الشام ومصر والحجاز والعودة منها، فحرص أبو زرعة على ملازمة أئمتها والاغتراف من علمهم، ففي رحلاته الثلاث دخل بغداد، واستفاد من علمائها وأفاد وهذه بعض أخباره في بغداد.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "لما ورد علينا أبو زرعة نزل عندنا، فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ" (١) ولقد استفاد الإمام أحمد على غزارة علمه من تلميذه أبي زرعة وصحح له بعض الأحاديث التي توقف في تصحيحها، فقد روى الخطيب بسنده إلى محمد بن صالح البغدادي أنه قال: "رأيت أبا زرعة دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج (٢) على حديث كان حدثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة أي شيء خبر هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطاً على رسول الله ﷺ ، وذلك أن سفيان قد حدث عن منصور عن إبراهيم إنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل حدثنا رضوان البخاري قال حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: "إن رسول الله ﷺ كان إذا
стр. 72
سجد جافى بين جنبيه". وحدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني أخبرنا معمر، عن سالم، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه". - فقال أحمد: هات القلم إليَّ فكتب صح، صح، صح، ثلاث مرات" (١).
ولقد كان يجتمع عليه الحفاظ لامتحانه ومذاكرته قال أحمد بن خالد بن الحروري: "دخل أبو زرعة بغداد متوجهاً إلى الحج فاجتمع إليه الحفاظ يذاكرونه وهو يجيب ويغلبهم في المذاكرة حتى عجزوا عن مذاكرته فقام واحد منهم فقال في أذنه: "يا داماما" وشتمه بأقبح شتيمة فتبسم أبو زرعة وقال له: يا هذا اشتغل بالعلم فإن هذا بعيد مما نحن فيه" (٢).
٨ - دخوله لمدينة واسط
قال أبو يعلى الموصلي عن أبي زرعة: "كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف" (٣).
٩ - إقامته في حديثة النورة
ومن المدن التابعة للعراق والتي دخلها محدثنا، واستفاد من أهل العلم فيها مدينة حديثة (٤) فدخلها بعد رجوعه من مصر. قال أبو زرعة وهو يجيب على
стр. 73
البرذعي- حينما سأله عن سويد بن سعيد (١): "لما قدمت من مصر مررت به فأقمت عنده، فقلت: إن عندي أحاديث لابن وهب، عن ضمام ليست عندك؟ فقال: ذاكرني بها، فأخرجت الكتب، وأقبلت أذاكره فكلما كنت أذاكره كان يقول: حدثنا بها ضمام، وكان يدلس حريز بن عثمان، وحديث نيار بن مُكرم، وحديث عبد الله بن عمرو (زر غبا)؟ فقلت: أبو محمد لم يسمع هذه الثلاثة الأحاديث من هؤلاء فغضب، فقلت لأبي زرعة: - القائل البرذعي- فأيش حاله؟ قال: أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله، وأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا" (٢).
١٠ - رحلته إلى البصرة
لقد اهتم أبو زرعة بمدينة البصرة كاهتمامه بمدينة بغداد والكوفة وغيرهما من المراكز العلمية في العراق فتردد إليها أكثر من مرة وروى الكثير عن أئمتها وكانوا يكرمونه ويعرفون مكانته، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول لنا أبو الوليد الطيالسي (٣): إذا كان عندنا قوم فلا تستأذنوا فليس عليكم حجاب. وربما دخلنا عليه وهو يأكل فيشدد علينا أن كلوا" (٤)، ولقد كتب عنه أبو زرعة
стр. 74
الكثير وكان يُمَيّزُ وينتقي وينتخب من أحاديثه، ولا يدون كل حديث يسمعه قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: قعدت إلى أبي الوليد يوماً فحملت عنه ثمانية عشر حديثاً، وحدثنا مذاكرة من غير أن كتبت منه حرفا وتحفظت عنه كله) (١)، ولازم الحافظ موسى بن إسماعيل التبوذكي (٢) وكتب عنه الكثير أيضاً.
قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول- كتبت عن أبي سلمة التبوذكي عشرة آلاف حديث، أما حديث حماد بن سلمة (٣) فعشرة آلاف حديث وكنا نظن أنه يقرأ كما كان يقرأ قديماً فاستكتبنا الكثير، ومات فبقي علينا شيء نحو قوصرة (٤) فوهبت لقوم بالبصرة" (٥). ولقد كان يتجنب في رحلاته أهل البدع فلا يقربهم ولا يكتب عنهم.
قال ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي وأبو زرعة قال: "كان يحكى لنا أن هنا رجلاً من قصة هذا، فحدثني أبو زرعة قال: كان بالبصرة رجل وأنا مقيم في سنة ثلاثين ومائتين فحدثني عثمان بن عمرو بن الضحاك عنه أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحا الله ما في صدري من
стр. 75
القرآن وكان من قراء القرآن فنسى حتى كان يقال له: قل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فيقول: معروف معروف ولا يتكلم به، قال أبو زرعة: فجهدوا بي أن أراه فلم أره" (١)، ولقد كان يعقد مجالس لمناظرة بعض الحفاظ الذين يكذبون في بعض مجالسهم واكتفى بذكر أول مجلس له مع سليمان الشاذكوني (٢)، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "دخلت البصرة فصرت إلى سليمان الشاذكوني يوم الجمعة وهو يحدث، وهو أول مجلس جلست إليه فقال: حدثنا يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر عن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر، عن النبي ﷺ : "ما من رجل يموت له ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" فقلت للمستملي: ليس هذا من حديث عاصم بن عمر، إنما هذا رواه محمد بن إبراهيم، فقال له فرجع إلى محمد ابن إبراهيم. قال: وذكر في هذا المجلس أيضاً فقال: حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن أبيه أنه قال: "لاحلف في الإسلام"، قال: فقلت هذا وهم، وهم فيه إسحاق بن سليمان، وإنما هو سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير، قال من يقول هذا؟ قلت: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير، قال: فغضب ثم قال لي: ما تقول فيمن جعل الأذان مكان الإقامة؟ قلت: يعيد. قال: من قال هذا؟ قلت: الشعبي. قال: من عن الشعبي؟ قلت: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، قال: ومن غير هذا؟ قلت: إبراهيم. قال من عن إبراهيم؟ قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أخطأت. قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا جعفر الأحمر عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أخطأت، قلت حدثنا أبو نعيم حدثنا أبو كدينة عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أصبت. قال أبو زرعة: كتبت هذه الأحاديث الثلائة عن أبي نعيم فما طالعتها منذ كتبتها فاشتبه علي ثم