← Тараджим

Тараджим · id 11402

أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية

سعدي بن مهدي الهاشمي

Полный текст (513 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٧٩٠ - (ع) يزيد بن هارون بن وادي، ويقال زاذان بن ثابت السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ت (٢٠٦) هـ، قال عنه: "عن أبي بكر بن شيبة ما رأيت أتقن حفظا من يزيد" (١). قال أبو زرعة: "والاتقان أكثر من حفظ السرد" (٢). ٧٩١ - (م دت س ق) يزيد بن هرمز المدني أبو عبد الله مولى بني ليث وقيل عفان، وقيل آل أبي ذياب، ت (١٠٠) هـ، قال عنه "ثقة" (٣). ٧٩٢ - (ع) يزيد بن أبي يزيد الضبغي مولاهم أبو الأزهر البصري الذراع المعروف بالرشك، ت (١٣٠) هـ، قال عنه: "ثقة" (٤). ٧٩٣ - (دت ق) يسار المدني مولى ابن عمر، قال عنه: "مديني ثقة" (٥). ٧٩٤ - (م دت س) يسار أبو نجيح الثقفي، مولى الأخنس بن شريق المكي، ت (١٠٩) هـ، سئل أبو زرعة عنه فقال: "مكي ثقة" (٦). ٧٩٥ - (بخ س) يعقوب بن زيد بن طلحة بن عبد الله بن أبي مليكي التيمي، أبو يوسف المدني قاضي المدينة، قال عنه: "ثقة" (٧). ٧٩٦ - (م) يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري. قال عنه: "ثقة، ولم يرو عنه إلا أسامة بن زيد، ولا أعرفه إلا في هذا الحديث الواحد،

стр. 422

حديث أبي طلحة، وما دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه" (١). ٧٩٧ - (بخ م د) يعقوب بن مجاهد القرشي، أبو حزرة المدني، القاص، مولى بني مخزوم ت (١٤٩) هـ، أو بعدها، قال عنه: "لا بأس به" (٢). ٧٩٨ - (خ م دس ق) يعلي بن حكيم الثقفي مولاهم المكي، قال عنه: "مكي ثقة كان يكون بالبصرة" (٣). ٧٩٩ - (خ م دت س) يعلى بن مسلم بن هرمز البصري المكي، قال عنه: "ثقة" (٤). ٨٠٠ - (خ س) يوسف بن عدي بن زريق بن إسماعيل ويقال ابن الصلت بن بسطام التيمي مولاهم، أبو يعقوب الكوفي، ت (٢٣٢) هـ، قال عنه: "ثقة ذهب إلى مصر في التجارة ومات بها" (٥). ٨٠١ - (بخ ت) يوسف بن مهران البصري، قال عنه: "مكي ثقة" (٦). ٨٠٢ - (خت م دت ق) يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر ويقال أبو بكير الجمال الكوفي، ت (١٩٩) هـ، قال ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة عن يونس بن بكير أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما في الحديث فلا أعلمه. فقيل له فيونس وعبدة بن سليمان وسلمة بن الفضل في ابن إسحاق أيهم أحب إليك؟ فقال: ابن إدريس أحبهم

стр. 423

إلي. قيل لأبي زرعة: من هؤلاء الثلاثة من أحب إليك؟ قال: عبدة بن سليمان" (١). ٨٠٣ - (د) يونس بن راشد، الجزري، أبو إسحاق الحراني القاضي، قال عنه: "لا بأس به" (٢). ٨٠٤ - (كن) يونس بن عبيد الله العمري الليثي أبو عبد الرحمن البصري، قال عنه: "لا بأس به" (٣). ٨٠٥ - (ع) يونس بن عبيد بن دينار العبدي، مولاهم أبو عبيد البصري ت (١٣٩) هـ، قال عنه: "يونس أحب إلي في الحسن من قتادة لأن يونس من أصحاب الحسن، وقتادة ليس من أقران يونس، ويونس أحب إلي من هشام بن حسان" (٤). ٨٠٦ - (بخ ت س ق) يونس بن يحيى بن نباتة الأموي أبو نباتة المدني ت (٢٠٧) هـ، قال عنه: "لا بأس به، وكان صدوقا، وكان من أصحاب مالك" (٥). ٨٠٧ - (ع) يونس بن يزيد بن أبي النجاد، ويقال ابن مشكان بن أبي النجاد الأيلي، ت (١٥٩) هـ، قال عنه: "لا بأس به" (٦).

стр. 424

٨٠٨ - (م ق) يونس بن أبي يعفور واسمه وقدان العبدي الكوفي، قال عنه: "صد وق" (١). ٨٠٩ - (د) أبو أمامة، ويقال أبو أميمة التيمي الكوفي، قال عنه: "لا بأس به" (٢). ٨١٠ - (م دت س) أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني، ت بعد (١٣٠) هـ، قال عنه: "مدني ثقة، قليل الحديث" (٣). ٨١١ - أبو الجهم بن صخير مديني، قال عنه: "ثقة" (٤). ٨١٢ - (خت م ٤) أبو حسان الأعرج، ويقال الأجرد أيضا، بصري اسمه مسلم بن عبد الله، ت (١٣٠) هـ، قال عنه: "لا بأس به" (٥). ٨١٣ - (دس ق) أبو الحسن مولى بني نوفل، قال عنه: "مدني ثقة" (٦). ٨١٤ - (ع) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبدعوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل وقيل اسمه كنيته، ت (٩٤) أو (١٠٤) هـ، قال عنه: "ثقة إمام" (٧). ٨١٥ - (بخ ت ق) أبو صالح الخوزي، قال عنه: "لا بأس به" (٨). ٨١٦ - أبو صالح مولى الساعديين، ويقال أبو صالح السعدي، سمع أبا هريرة، قال عنه: "لا بأس به" (٩).

стр. 425

٨١٧ - (خ س) أبو صالح سليمان بن صالح الليثي مولاهم أبو صالح المروزي يلقب سلمويه، ت (٢١٠) هـ، قال عنه: "مدني معروف" (١). ٨١٨ - أبو طالح الضبعي، الحجام، روى عن ابن عباس، قال عنه: "لا أعرف اسمه وهو بصري ثقة" (٢). ٨١٩ - (ق) أبو عاصم العباداني المرائي البصري اسمه عبد الله بن عبيد الله، ويقال ابن عبد، ويقال عبيد الله بن عبد الله، قال عنه: "ثقة شيخ" (٣). ٨٢٠ - (خ م دس ق) أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري الحارثي المدني، قال ابن أبي حاتم في الكنى "سئل أبو زرعة، عن ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثي؟ فقال: أيضا ثقة" (٤). ٨٢١ - أبو مالك، روى عن ابن عباس، كوفي، قال عنه: "ثقة لا أعرف اسمه" (٥). ٨٢٢ - (د) أبو مصبح المقرئي الرؤياني الأوزاعي، الحمصي، قال عنه: "ثقة لا أعرف اسمه" (٦). ٨٢٣ - (خت) أبو نصر الأسدي بصري، قال عنه: "أبو نصر الأسدي الذي يروي عن ابن عباس، ثقة" (٧). ٨٢٤ - (ع) أبو هاشم الرماني الواسطي، اسمه يحيى بن دينار، وقيل ابن الأسود، وقيل ابن أبي الأسود، وقيل ابن نافع، ت (١٤٥) أو (١٢٢) هـ، قال عنه: "ثقة" (٨).

стр. 426

٨٢٥ - أبو يعفور الثقفي، الكوفي، مولى سعيد بن العاص، قال عنه: "ليس به بأس ولا أدري ما اسمه" (١). (آخر أسماء الثقات)

стр. 427

الفصل الثالث: الرواة الذين روي عنه تعديلهم وتجريحهم وقفت أثناء جمعي وتتبعي لألفاظ أبي زرعة في الجرح والتعديل على مجموعة من الرواة جرحهم تارة، وعدلهم مرة أخرى، أو قد يطلق فيهم عبارات يجمع فيها التوثيق والتجريح معاً سواء التي لم يترجح فيها جانب التوثيق على جانب التجريح أو العكس، فظننت أن عباراته هذه قد اضطرب فيها، وبعد دراستي لألفاظ الجرح والتعديل وجدت الأئمة الآخرين الذين يرجع إليهم في هذا الشأن، قد استخدموا نفس الأسلوب. فقد جمعوا في مجموعة كبيرة من الرواة عبارات جمعوا فيها بين لفظ التوثيق والتجريح، وإن دل هذا الأسلوب على شيء فإنما يدل على ورعهم في استخدام الألفاظ، ودقتهم في التعبير وكأنهم يزنون الرجال بميزان دقيق فلا يبخسون الرواة حقهم، ولو ترجح عندهم التجريح بقرينة وأخرى لحكموا بجرحهم وكذلك لو ترجح عندهم التوثيق على ضوء قرائن التعديل لعدولهم ولكنهم ذكروا التجريح والتوثيق معا وسأحاول جاهدا إيضاح هذا الأسلوب، أما الشق الأول منه أعني تجريحه للراوي مرة وتوثيقه مرة أخرى، فيمكن أن يكون ذلك الراوي عنده ثقة ثم يظهر منه ما يبرر له تجريحه كأن يحدث بحديث ضعيف ثبت عند أبي زرعة ضعف طرقه أو يعتمد على تجريح أحد الأئمة، ويعول على تجريحه فمثلا أيوب ابن عتبة اعتمد في تجريحه وتوثيقه على شيخه داود بن سليمان بن شعبة اليمامي، وكان عالما بأهل اليمامة (١)،

стр. 428

وكذلك الأئمة الآخرون اختلفت أقوالهم في هذا الراوي فقال عنه أحمد بن حنبل: "ضعيف" وقال أيضا: "ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي بكر" وقال في موضع آخر: "مضطرب الحديث عن يحيى، وفي غير يحيى" (١) وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء" وقال مرة أخرى: "ليس بالقوي" وقال أيضا: "لا بأس به" (٢). ولعل تجريحه للراوي مرة، وتوثيقه مرة أخرى يعود إلى أنه قد وثق الراوي قبل اختلاطه فيحمل تجريحه له بعد اختلاط ذلك الراوي، فمثلا محمد بن جابر السحيمي الذي قال عنه، ومن كتب عنه باليمامة وبمكة فهو صدوق إلا أن في حديثه تخاليط وإما أصوله فهي صحاح ثم نقل عنه قوله فيه: "ساقط الحديث عند أهل العلم" وهذه أقوال بعض الأئمة التي توضح بعضها التعليل الذي أرجحه قال أبو حاتم عنه: "ذهبت كتبه في آخر عمره وساء حفظه، وكان يلقن وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، ثم تركه بعد وكان يروي أحاديث مناكير وهو معروف بالسماع جيد اللقاء رأوا في كتبه لحقا، وحديثه عن حماد فيه اضطراب روى عنه عشرة من الثقات" (٣)، وقال عمرو الفلاس: "صدوق كثير الوهم، متروك الحديث" (٤). ونقل ابن حجر عن الإمام أحمد إنه قال عنه: "لا يحدث عنه إلا شر منه" (٥) بينما ينقل ابن أبي حاتم عن أبي الوليد الطيالسي إنه قال: "نحن نظلم ابن جابر بامتناعنا التحديث عنه" (٦).

стр. 429

أما أقواله التي جمع فيها بين التجريح والتوثيق فمن الصعب الحكم على ذلك الراوي من خلالها باعتباره من الثقات أو من المجروحين، فمثلاً عبد الله بن عبد الله بن أويس قال عنه "صالح صدوق كأنه لين" (١) فإن أردنا تحليل عبارته فنقول لعله أراد بكلمة "صالح" من حيث العبادة والصلاح وكلمة "صدوق" فتعني ما قاله ابن أبي حاتم في المرتبة الثانية من ألفاظ التعديل أي قوله: "إذا قيل إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية" (٢)، وأما كلمة "لين" فتعني ما قاله ابن أبي حاتم في المرتبة الأولى من ألفاظ الجرح أي قوله "إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً (٣) وكذلك الأئمة الآخرين اختلف في نقل أقوال بعضهم في ابن أبي أويس قال يحيى بن معين فيه الأقوال التالية "صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز"، "ليس بقوي" وقال مرة: "أبو أويس وابنه ضعيفان" وقال مرة: "صدوق وليس بحجة" وقال: "ضعيف" وقال أيضاً: "ابن أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث" (٤)، وقال ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي" (٥). وقال فيه يعقوب بن شيبة: "صدوق صالح الحديث وإلى الضعف ما هو" (٦) ولعل الذي سبر أقوالهم فيه وخرج بحكم دقيق هو ابن عبد البر حيث قال: "لا يحكى عنه أحد جرحه في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وإنه يخالف في بعض حديثه" (٧). وهكذا نرى بعض الألفاظ التي جمع فيها أبو زرعة بين التوثيق والتجريح في آن واحد التي يتعذر الحكم من خلالها على ذلك الراوي، إلا بعد سبر الأخبار والملاحظة الدقيقة للألفاظ مع القرائن

стр. 430

المرجحة للحكم وهذه بعض النماذج من الألفاظ التي استعملها الأئمة في بعض الرواة. قال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: "ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق رجل صالح" (١) وقال ابن معين عنه: "ليس به بأس وهو ضعيف" (٢) وقال ابن شيبة أيضاً في الربيع بن صبيح: "رجل صالح صدوق ثقة، ضعيف جداً" (٣) وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي: "ثقة عدل في حديثه بعض المقال لين الحديث عندهم" (٤) وقال أبو حاتم الرازي في محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي: "واهي الحديث، ضعيف الحديث، ذاهب الحديث، منكر الحديث، عنده مناكير، وليس بمتروك الحديث" (٥) وعلى هذا فلا بد من التقيد بألفاظ الأئمة في بعض الرواة وملاحظة مدلولاتها مع قرائن الترجيح وفيما يلي أسماء الرواة الذين استعمل أبو زرعة فيهم ألفاظاً جمعت التوثيق والتجريح معاً. الرواة الذين وثقهم وجرحهم أبو زرعة: ١ - (ق) أيوب بن عتبة، أبو يحيى قاضي اليمامة من بني قيس، ت (١٦٠) هـ، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: قال لي سليمان بن داود بن شعبة اليمامي وقع أيوب بن عتبة إلى البصرة وليس معه كتب فحدث من حفظه، وكان لا يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به ثمة فهو مستقيم" (٦)، وقال أيضاً: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: أضعيف" (٧)، ونقل

стр. 431

البرذعي عن أبي زرعة إنه قال عنه: "وحديث أهل العراق، عن أيوب بن عتبة ضعيف، ويقال: حديثه باليمامة صحيح" (١). ٢ - (م دت س) الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "بصري ثقة" وقال مرة أخرى: "فيه لين" (٢). ٣ - (دس) خطاب بن القاسم الحراني، أبو عمر قاضي حران. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "قاضي حران ثقة" (٣) ونقل سعيد البرذعي، عن أبي زرعة إنه قال عنه: "منكر الحديث، يقال إنه اختلط قبل موته" (٤). ٤ - (م ٤) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني، ت (١٦٧) هـ، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "صالح صدوق، كأنه لين" (٥). ٥ - (بخ دت س ق) عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي، أبو عبد الله الدمشقي الزاهد، ت (١٦٥) هـ، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "شامي لا بأس به" (٦)، وقال أيضا "لين" (٧).

стр. 432

٦ - (دق) عمر بن عطاء بن وراز (١). ويقال ورازة حجازي قال البرذعي: "قلت لأبي زرعة: عمر بن عطاء الذي يروي عن عكرمة؟ فقال: عمر بن عطاء بن وراز يحدث عن عكرمة ضعيف الحديث" (٢). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "مكي لين" (٣) وفي نسخة من الجرح والتعديل قال أبو زرعة عنه "مكي ثقة لين" (٤). ٧ - (زدت ق) كثير بن زيد الأسلمي، ثم السهمي مولاهم أبو محمد المدني، ت (١٥٨) هـ، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: "هو صدوق فيه لين" (٥). ٨ - (دق) محمد بن جابر بن سيار بن طلق السحيمي، الحنفي أبو عبد الله اليمامي أصله كوفي قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان محمد بن جابر يمامي الأصل ومن كتب عنه باليمامة وبمكة فهو صدوق إلا أن في حديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح، وقال أبو زرعة محمد بن جابر "ساقط الحديث عند أهل العلم" (٦). ٩ - (دت) محمد بن دينار الأزدي ثم الطاحي، أبو بكر بن أبي الفرات البصري قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فقال: "صدوق" (٧) ونقل البرذعي عن أيى زرعة إنه قال عنه "ضعيف الحديث جدا" (٨).

стр. 433

١٠ - (خت دت ق) مبارك بن فضالة بن أبي أمية أبو فضالة البصري، ت (١٦٥) هـ، قال ابن أبي حاتم سئل أبو زرعة عنه، فقال: "يدلس كثيرا فإذا قال حدثنا فهو ثقة" (١). ١١ - (٤) نجيح بن عبد الرحمن السندي، أبو معشر المدني، ت (١٧٠) هـ، قال ابن أبي حاتم: "سئل أبي وأبو زرعة عن أبي معشر المديني؟ فقالا: صدوق وقال أبو زرعة: "هو صدوق في الحديث وليس بالقوي" (٢).

стр. 434

الفصل الرابع: انتقاد أبي زرعة وتجريحه لبعض الأئمة والدفاع عنهم قد علمنا مما مضى في غير موضع أن أبا زرعة من النقاد المتشددين في الرواية، فهو لا يتساهل ولا يتسامح في قبول أخبار الضعفاء الذين ثبت عنده تجريحهم، ولعل تناوله بعض الأئمة والحفاظ والأفراد من أقرانه وشيوخه ومن تشدد من الزهاد في مسلكه جعل بعض النقاد والمحدثين ينظر إلى تجريحه كما ينظر إلى تجريح يحيى القطان وشعبة بن الحجاج أي وضعه في منزلتهم في التشدد وعدم التساهل والتسامح في التجريح والتعديل. ولما وقفت على رأي الحافظ الذهبي فيه حيث أنصفه بقوله: "يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والخبرة … " (١) رأيت من الواجب علي أن أفرد فصلاً أوضح فيه انتقاده وتجريحه لأولئك الرجال والحفاظ والدوافع التي دفعته إلى تجريحهم وهل تطرف أم كان من المنصفين؟ والتوفيق والجمع بين أقوال معدليهم وناقديهم فكان هذا الفصل. ولقد جرح بعض الأئمة لا لضعفهم فهو يقر ويشهد بحفظهم بل لخوضهم في فتنة خلق القرآن (٢)، وجرح بعضهم بسبب منهجهم في التصنيف (٣)، وحمل على البعض بسبب أقواله وطريقته في الزهد (٤) وتكلم في غيرهم لبعض الأسباب.

стр. 435

سأبدأه بأقوال أئمة الجرح والتعديل في قبول أقوال العلماء بعضهم في بعض، ثم أذكر فتنة خلق القرآن بإيجاز. وأحسب أني قد وفقت فيه في التوفيق والجمع بين الأقوال وانصاف كل واحد منهم، وما علينا إلا التأدب معهم والإلتزام بالعدل والنظر بعين التقدير والاحترام فهم من سادة الأمة الذين أفنوا حياتهم في الله والكلام فيهم وفي أمثالهم، ينبغي أن يطوى ولا يروى وحسبي الله ونعم الوكيل. أقوال العلماء في تجريح بعضهم لبعض: لقد اهتم الأئمة المتقدمون بعلوم الحديث اهتماماً عظيما، وعنوا به عناية فائقة لاتبقي مجالاً للشك في إتقانهم للميراث النبوي، وخاصة معرفة الرجال - علم الجرح والتعديل- لأنه الأساس العظيم الذي يقوم عليه بناء السنة النبوية، قال علي بن المديني: "معرفة الرجال نصف العلم" (١)، وكانوا على درجة عالية من الورع والضبط والاتقان، وكانوا لا يتحرجون من الكلام على أقرب المقربين لهم إن ثبت عليه التجريح فهذا علي بن المديني جرح أباه (٢)، وكذا جرح أبو داود السجستاني ابنه، إلا أن فريقاً منهم مع هذه الدقة والتشدد والورع تكلم في بعض أقرانه أو من تقدم عليه بالطبقة أو المنزلة بين المؤمنين فجرحه بسبب اعتقاد أو قلة ضبط أو غير ذلك من الأسباب، قال ابن دقيق العيد: "والوجوه التي تدخل الآفة منها خمسة: ١ - الهوى والغرض وهو شرها، وهو في تاريخ المتأخرين كثير. ٢ - المخالفة في العقائد. ٣ - الاختلاف بين المتصوفة، وأهل علم الظاهر. ٤ - الكلام بسبب الجهل بمراتب العلوم، وأكثر ذلك في المتأخرين لاشتغالهم بعلوم الأوائل، وفيها الحق والباطل.

стр. 436

٥ - الأخذ بالتوهم مع عدم الورع (١). ولأجل هذا وحفاظاً على أولئك الرجال وعدم التقليل من شأنهم أو النظر إليهم بنظرة التجريح وضع الأئمة الحفاظ ومن بعدهم قواعد وضوابط لقبول كلام الأقران بعضهم في بعض أو الكلام في بعض الأئمة وفيما يلي نماذج من هذه النصوص، أوردها لأهميتها قبل أن أذكر كلام أبي زرعة الرازي في بعض الأئمة الذين جرحهم بسبب قلة الضبط والإتقان، أو الاعتقاد، أو غير ذلك. قال أحمد بن حنبل: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه" (٢) قال ابن جرير الطبري: "لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك: للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى مايرغب به عنه. ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن (٣)، وقال ابن عبد البر في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض: "هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك" والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخده جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين" (٤).

стр. 437

وقال ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح): "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار يوقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام (١) "، وقال العز بن عبد السلام "إذا بلغك أن أحداً من الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفاً على أحد أن يفهم من كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد فإن الكلام في ذلك أشد (٢) وقال الذهبي في مقدمة الميزان: "وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحدا منهم، فأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس، إذ إنما يضر الإنسان الكذب، فإنه خيانة وجناية، والمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب" (٣). ومن كلامه بعد تصنيفه لكتابه الميزان: "وقد كتبت في مصنفي الميزان عدداً كبيراً من الثقات الذين احتج البخاري أو مسلم أو غيرهما بهم. لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح. وما أوردتهم لضعف فيهم عندي، بل ليعرف ذلك … " إلى أن قال: "أو هكذا كثير من كلام الأقران بعضهم في بعض ينبغي أن يطوى ولا يروى" (٤) وقال في ترجمة عفان بن مسلم وقد جرحه سليمان بن حرب: " عفان أجل وأحفظ من سليمان أو هو نظيره، وكلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه … " (٥) وقال في ترجمة يحيى بن معين "وإنما ذكرته عبرة ليعلم أن ليس كل كلام وقع في حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه ويحيى فقد قفز القنطرة بل قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي ﵀" (٦). وقال تاج الدين السبكي: "ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين. وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن

стр. 438

فدونك، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الماضين، وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق (١) بين أبي حنيفة وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرا إلى زمان العز بن عبد السلام والتقي ابن الصلاح فإنك إذا اشتغلت بذلك خفت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل وربما لم يفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل وفيما جرى بين الصحابة ﵃" (٢). "وكان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة" يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، قال الشيخ أبو الفتح القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما" (٣) وقال ابن حجر في دفاعه عن رجال صحيح البخاري الذين طعن فيهم: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتضى لعدالته عنده وصحة ضبطه، وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من أطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين" (٤). فتنة خلق القرآن: قبل الشروع بالدفاع عن الأئمة الذين ترك أبو زرعة الرواية عنهم بسبب إجابتهم في محنة خلق القرآن حينما امتحنوا لابد من الكلام والبيان ولو بإيجاز

стр. 439

عن هذه الدهياء والمصيبة الصماء وعن شيء من أسبابها ومردودها في المجتمع المسلم وبين صفوف الرواة والفقهاء. كان القاضي أحمد بن أبي داود ممن نشأ في العلم، وتضلع بعلم الكلام، وصحب فيه هياج بن العلاء السلمي، صاحب واصل بن عطاء أحد رؤوس المعتزلة، وكان معظما عند المأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعاته، ويصغي إلى كلامه، وأخباره في هذا كثيرة. قدس ابن أبي داود (١) القول بخلق القرآن، وحسنه عنده، وصيره يعتقده حقاً مبيناً، إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، ابن عم طاهر بن الحسين، في امتحان العلماء كتاباً ضمنه بعض اعتقاده وتحريضه على جمع القضاة والمحدثين والفقهاء وامتحانهم بخلق القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق … قال الحافظ الذهبي: "وفي سنة (٢١٨) امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن، وكتب في ذلك إلى نائبه ببغداد- إذ كان هو في الرقة- وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام معتقد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة وهدد على ذلك بالقتل" (٢). وكتب المأمون إليه أيضاً في أشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولاً، ثم أجابوه تقية. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما أجاب به

стр. 440

هؤلاء السبعة. ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفا من السيف. ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأولى إلى إسحاق، وأمره باحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي القطعي، والتمار، والقواريري وسجادة، وعلي بن الجعد وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا وواروا، ولم يجيبوا ولم ينكروا ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون وقد تضمن الرد على كل واحد من هؤلاء بأسمائهم وأمره بامتحانهم وورد فيه "ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي، فأحملهم موثوقين إلى عسكر أمير المؤمنين، وليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف" فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل، وسجادة، ومحمد بن نوح، والقواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا، ثم سألهم من الغد، وهم في القيود، فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا، فأجاب القواريري ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس ثم بلغ المأمون إنهم إنما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم إليه، فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون. وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها، ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن وهكذا استمرت الفتنة وملأت نارها كل مكان ولم يصبر ويصمد فيها إلا من رحم الله، قال أبو العباس سعيد المروذي "لم يصبر في المحنة إلا أربعة كلهم من مرو: أحمد ابن حنبل، وأحمد بن نصر، ومحمد بن نوح، ونعيم بن حماد" (١). وقال أبو الحسين بن المنادي: "وممن لم يجب أبو نعيم الفضل بن دكين وعفان، والبويطي وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعب المدنيان، ويحيى الحماني" (٢). قال ابن الجوزي: "وعموم هؤلاء الذين لم يجيبوا أهمل منهم قوم، وحبس منهم قوم فلم يلتفت إليهم، وإنما كان المقصود أحمد بن حنبل لجلالة قدره وعظم موقعه" (٣). قال أحمد بن حنبل: "وما رأيت أحدا على حداثة سنه،

стр. 441

وقلة علمه، أقوم بأمر الله من محمد بن نوح وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله … " (١). وقال أبو جعفر الأنباري: ولما حمل أحمد بن حنبل إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت. فقلت: ليس هذا عناء، وقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لأن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت ولا بد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء فجعل أحمد يبكي ويقول: ماشاء الله ماشاء الله، ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر أعد عليّ ما قلت. فأعدت عليه، فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله" (٢) وقال أحمد بن حنبل "ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر الذي وقعت فيه أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد أن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، قال فقوي قلبي" (٣) قال ابن أبي حاتم قال أبي: "فكان كما قال لقد رفع الله شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتحن وعظم عند الناس وارتفع أمره جدا" (٤) وهكذا كان موقف المجتمع المسلم على مختلف طبقاته في فتنة خلق القرآن وحتى بعض اللصوص والعيارين أنكروا ما فعله المأمون ومن بعده قال عبد الله بن أحمد: كنت كثيرا أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم فقلت: يا أبة من أبو الهيثم؟ قال ألا تعرفه؟ قلت: لا، قال: أبو الهيثم الحداد اليوم الذي أخرجت فيه للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بإنسان يجذب ثوب من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت لا قال أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط

стр. 442

بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطاً بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم فقال: عفى عنه أمير المؤمنين. قال ابن الجوزي ﵀: وقد ذكر إبراهيم بن محمد بن عرفة في تاريخه أن أحمد ضرب ستة وثلاثين" (١). أقول يمكن أن يكون هذا مجموع ما ضرب من بداية الفتنة إلى نهايتها. وهكذا ظل موقف الإمام أحمد بن حنبل من فتنة خلق القرآن، ولقد دعا المعتصم أحمد مرتين في مجلسين يطول شرحهما وهو يدعوه إلى البدعة، وأحمد ﵁ يأبى عليه أشد الإباء، وذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد، لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي داود وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخت قوله فهاجه ذلك على ضربه. ولقد تركت ذكر مجالس تعذيب الإمام أحمد ﵁ خشية الإطالة (٢) ولقد ذكر الأئمة روايات كثيرة وطويلة تتعلق بمحنة الإمام وتعذيبه ثم إن المعتصم، قال: "والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه، ثم قال يا أحمد والله إني عليك لشفيق وأني لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله ، أو سنة رسوله … " (٣) وكان مكث الإمام في السجن مذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرا (٤). قال أبو زرعة: "دعي المعتصم بعم أحمد بن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم هو أحمد بن حنبل، قال: فانظروا إليه هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم ولولا إنه فعل ذلك لكنت

стр. 443

أخاف أن يقع شراً لا يقام له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكتوا" (١). قال ابن الجوزي: "ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة (٢٢٧)، وحسن له ابن أبي داود امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يعرض لأحمد إما لما علم من صبره، أو لما خاف من تأثير عقوبته لكنه أرسل إلى أحمد بن حنبل: لا تساكني بأرض فاختفى أحمد بقية حياة الواثق فما زال يتنقل في الأماكن، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر فاختفى فيه إلى أن مات الواثق (٢) ولما ولي المتوكل على الله بعد الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة (٢٣٢)، وسنة ست وعشرون سنة يومئذ أظهر الله به السنة وكشف تلك الغمة ونهى عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الآفاق، وتوفر دعاء الخلق له، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة (٣). ولقد استمرت فتنة خلق القرآن من سنة (٢١٨) إلى سنة (٢٣٤). وكان من الأسباب في رفع الفتنة أن الواثق أتى بشيخ مقيد، فقال له ابن أبي داود يا شيخ ما تقول في القرآن، أمخلوق هو؟ فقال له الشيخ: لم تنصفني المسألة! أنا أسألك قبل الجواب: هذا الذي تقوله يا ابن أبي داود من خلق القرآن، شيء علمه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، أو جهلوه؟ فقال: بل علموه. فقال: فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟ قال: بل سكتوا. قال: فهلا وسعك ما وسعهم من السكوت؟ فسكت ابن أبي داود، وأعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكى يقول: هلا وسعك

стр. 444

ما وسعهم يكرر هذه الكلمة (١). وكان ذلك من الأسباب في خمود الفتنة وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل" (٢) وهكذا ثبت الله الإمام أحمد في هذه الفتنة العظيمة وما نجاه من ذلك إلا صدقه. قال أبو زرعة: "قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وضع الصدق على جراح لبرئ" (٣) ولموقفه وصلابته أثنى عليه الأئمة والفقهاء والزهاد ويكفي في هذا ما قاله الإمام الزاهد بشر الحافي فيه. قال: "أدخل أحمد الكير فخرج ذهباً أحمر. قال علي- راوي الخبر- فبلغ ذلك أحمد فقال: الحمد لله الذي رضي بشراً ما صنعنا" (٤) وقال له أصحابه حين ضرب أحمد بن حنبل: "يا أبا نصر لو أنك خرجت فقلت إني على قول أحمد بن حنبل. فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء" (٥) وقال عن الذين أجابوا بالفتنة "وددت أن رؤوسهم خضبت بدمائهم وإنهم لم يجيبوا" (٦) من أجل هذا عاب أحمد على من امتحن فأجاب وترك الرواية عنه؛ لأنه كان يرى أن هؤلاء هم الطبقة المتقدمة الذين يقتدي بهم أفراد المجتمع؛ ولأن بعضهم كان متصدراً للإمامة في العلم أو الزهد ولقد اعترض البعض على التشدد في الانكار والتأديب لبعض هؤلاء الأئمة فتولى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي الرد على من اعترض فقال: "فإن قال قائل: إذا ثبت أن القوم أجابوا مكرهين فقد استعملوا الجائز، فلم هجرهم أحمد؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها أن القوم توعدوا ولم يضربوا فأجابوا، والتوعد ليس بإكراه وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يحيى بن معين. والثاني إنه هجرهم على وجه التأديب ليعلم عظم القول الذي أجابوا عليه فيكون ذلك حفظاً لهم من الزيغ والثالث يقال: إن معظم القوم لما أجابوا قبلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقربوا منهم ففعلوا ما لا يجوز فلهذا

стр. 445

استحقوا الذم والهجر" (١) وروى ابن الجوزي بسنده إلى أبي بكر المروذي أنه قال: أدخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق أبو عبد الله طبيخاً ولا دسما وقال: كم تمتع أولئك- يعني ابن أبي شيبة وابن المديني وعبد الأعلى - إني لأعجب من حرصهم على الدنيا فكيف يطوفون على أبوابهم" (٢) ولقد صدق زهير بن حرب حيث نقل عنه أبو زرعة أنه قال: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل أشد قلباً منه أن يكون قام ذلك المقام ويرى ما يمر به من الضرب والقتل قال وما قام أحد مثل ما قام أحمدا امتحن كذا سنة فما ثبت أحد على ماثبت عليه" (٣). الدفاع عن أبي الحسن علي بن المديني: (خ دت س فق) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبوالحسن بن المديني البصري (١٦١ - (٢٣٤) هـ) صنف في الحديث (٢٠٠) مصنف وأخرج عنه البخاري (٣٠٣) حديثا. وقال البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني" (٤) وقال أبو حاتم: "كان علي علما في الناس في معرفة الحديث والعلل وكان أحمد لا يسميه إنما يكنيه تبجيلا له وما سمعت أحمد سماه قط" (٥) وسئل الفرهياني عن يحيى وعلي وأحمد وأبي خيثمة فقال: "أما علي فأعلمهم بالحديث والعلل ويحيى أعلمهم بالرجال وأحمد أعلمهم

стр. 446

بالفقه وأبو خيثمة من النبلاء" (١) وقال النسائي: "كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن" (٢). رأي أبي زرعة في علي بن المديني: قال ابن أبي حاتم: "كتب عنه أبي وأبو زرعة وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة، ووالدي كان يروي عنه لنزوعه عما كان منه" (٣) وقال ابن أبي حاتم أيضاً: سألت أبا زرعة عنه فقال: "لا نرتاب في صدقه" (٤) فتبين أنه ما ترك الرواية عنه لسبب غير قوله وإجابته في المحنة متابعاً في ذلك شيخه أحمد بن حنبل. امتحان علي بن المديني وإجابته في المحنة: لقد ظل موقف علي بن المديني قوياً صلباً كغيره من الأئمة إلا أنه لما اشتد عليه البلاء والتهديد والوعيد وزجه في السجن اضطر وأجاب ولكنه غير مطمئن الجنان لما قال وبعدها ندم وتاب وصرح بقول أهل السنة والجماعة. ولنتابع الأخبار التي رواها الحفاظ في كتب الجرح والتعديل والطبقات والتاريخ وعتاب المحدثين وغيرهم لموقفه ودفاع علي بن المديني عن نفسه وتبريره لموقفه. روى الخطيب بسنده إلى علي بن الحسين بن الوليد، أنه قال: "حين ودعت علي بن عبد الله بن جعفر قال: بلغ أصحابنا عني أن القوم كفار ضلال، ولم أجد بداً من متابعتهم، لأني جلست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد ثمانية أقنان حتى خفت على بصري. فإن قالوا يأخذ منهم، فقد سبقت إلى

стр. 447

ذلك، فقد أخذ من هو خير مني" (١)، قال الذهبي: "قد كان ابن المديني خوافاً متاقياً في مسألة القرآن مع أنه كان حريصاً على إظهار الخير" (٢). ويبدو أن الإمام علي بن المديني- ﵀ قال بعض الشيء للسلطة التي تولت فتنة العلماء وأخذ من أموالهم ولقد أنكر عليه الإمام أحمد خطأه في لفظة حديث انتفع بها ابن أبي داود ومن معه بها في مناظرتهم وامتحانهم لأهل السنة. قال الخطيب: "والذي يحكى عن علي بن المديني أنه روى لابن أبي دواد حديثاً عن الوليد بن مسلم في القرآن، كان الوليد أخطأ في لفظه منه، فكان أحمد بن حنبل ينكر على علي روايته ذلك الحديث" (٣)، وروى الخطيب بسنده، إلى أبي بكر المروذي أنه قال: "قلت لأبي عبد الله: إن علي بن المديني حدث عن الوليد بن مسلم حديث عمر كلوه إلى خالقه؟ فقال: هذا كذب، ثم قال هذا كتبناه عن الوليد، إنما هو كلوه إلى عالمه، هذا كذاب. - قال الخطيب- وهذه اللفظة التي حكيت عن علي بن المديني قد روى عنه غيرها" (٤). وروى بسنده أيضاً إلى أبي بكر المروذي أنه قال: "قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر كلوه إلى خالقه! فقال أبو عبد الله: كذب. حدثنا الوليد بن مسلم مرتين. ما هو هكذا، إنما هو كلوه إلى عالمه، قلت لأبي عبد الله: إن عباساً العنبري، قال لما حدث به بالعسكر قلت لعلي بن المديني إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال حدثتكم به بالبصرة- وذكر أن الوليد أخطاً فيه، فغضب

стр. 448

أبو عبد الله وقال: فنعم قد علم- يعني علي بن المديني- أن الوليد أخطأ فيه، فلم أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكذبه أبو عبد الله. قال أبو بكر وسمعت رجلاً من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: علي بن المديني يقرئك السلام فسكت (١). رد خبر باطل: قال تاج الدين السبكي: "وما حكي من أنه علل حديث الرؤية بسؤال القاضي أحمد بن أبي دؤاد له، وقوله له: هذه حاجة الدهر (٢). وأن عليا قال: فيه من لا يعول عليه، قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوالا على عقبيه، وأن ابن أبي دؤاد قال لأحمد بن حنبل: تحتج علينا بحديث جرير في الرؤية، وإنما هو من رواية قيس بن أبي حازم، أعرابي بوال على عقبيه! وإن أحمد بن حنبل قال: علمت أن هذا من عمل ابن المديني "ثم قال: "فهو أثر لا يصح" (٣) وعقب ابن الجوزي بعد أن روى الخبر وهذا إن صح عن ابن المديني فهو أمر عظيم، لأنه إقدام منه على ما لا يعلم خلافه فإن قيس … " (٤)، وذكر منزلة ومكانة قيس بن أبي حازم قلت: الحمد لله لم يصح هذا الخبر عنه فقد قال الخطيب بعد أن روى الخبر بسنده إلى والد الحسين بن فهم: "أما ما حكي عن علي بن المديني

стр. 449

في هذا الخبر من أن قيس بن أبي حازم لا يعمل على ما يرويه لكونه أعرابياً بوالاً على عقبيه، فهو باطل. وقد نزه الله علياً عن قول ذلك، لأن أهل الأثر- وفيهم علي- مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم وتصحيحها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المتقدمين، وروى عنهم غير قيس. مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يحك أحد ممن ساق خبر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل، أنه نوظر في حديث الرؤية فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم محفوظاً فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث وعزا ذلك إلى علي بن المديني والله أعلم" (١). ترك بعض الأئمة والحفاظ الرواية عنه وتبريره لبعضهم: لم يكن أبو زرعة وحده ممن تابع أحمد بن حنبل في ترك الرواية عن علي بن المديني وإنما هناك عدد من المحدثين قد تابعوه وهذه بعض الأخبار المروية عن بعضهم: روى الخطيب بسنده إلى محمد بن عبد الله الشافعي أنه قال: "كان عند إبراهيم الحربي قمطر من حديث علي بن المديني وما كان يحدث به، فقيل له لم لا تحدث عنه؟ قال لقيته يوماً وبيده نعله وثيابه في فمه، فقلت إلى أين؟ فقال ألحق الصلاة خلف أبي عبد الله، فظننت أنه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ قال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد، فقلت والله لأحدث عنك بحرف" (٢)، وروى الخطيب بسنده إلى العكبري ومحمد بن أيوب بن المعافى أنهما قالا: "قيل لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: أكان علي بن المديني يتهم بشيء من الكذب؟ فقال لا، إنما كان حدث بحديث، فزاد في خبره كلمة ليرضي بها ابن أبي دؤاد. قال وسئل إبراهيم فقيل له: كان يتكلم

стр. 450

علي بن المديني في أحمد بن حنبل؟ فقال: لا إنما كان إذا رأى في كتاب حديثا عن أحمد قال: اضرب ذا. ليرضي به ابن أبي دؤاد، وكان قد سمع من أحمد، وكان في كتابه سمعت أحمد، وقال أحمد، وحدثنا أحمد، وكان ابن أبي دؤاد إذا رأى في كتابه حديثاً عن الأصمعي قال: اضرب على ذا ليرضي نفسه بذلك" (١)، وقال الذهبي في ترجمة ابن المديني: "وقد تركه إبراهيم الحربي، وذلك لميله إلى أحمد بن أبي دؤاد، فقد كان محسناً إليه، وكذا امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه لهذا المعنى" (٢). وروى الخطيب بسنده إلى زكريا بن يحيى الساجي أنه قال: "قدم علي بن المديني البصرة فصار إليه بندار، فجعل علي يقول: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله فقال له بندار- على رؤوس الملأ- من أبو عبد الله؟ أحمد بن حنبل؟ قال: لا، أحمد بن أبي دؤاد. قال بندار: عند الله أحتسب خطاي، شبه علي هذا، وغضب وقام" (٣). وروى الخطيب بسنده إلى عباس العنبري أنه قال: "قال علي بن المديني وذكر رجلاً فتكلم فيه- فقلت له إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل، قال: قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى" (٤). وروى الخطيب بسنده إلى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي (٥) أنه قال "يقول لي ابن المديني ما يمنعك أن تكفرهم؟ - يعني الجهمية- قال وكنت أنا أولاً أمتنع أن أكفرهم، حتى قال ابن المديني ما قال، فلما أجاب إلى المحنة كتبت

стр. 451

إليه كتاباً أذكره بالله، وأذكره ما قال لي في تكفيرهم قال فقال ابن المديني- أو قال أخبرني رجل عنه- أنه بكى حين قرأ كتابي، قال ثم رأيته بعد فقلت له، فقال: ما في قلبي مما قلت وأجبته إليه بشيء، ولكني خفت أن أقتل، قال وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطاً واحداً لمت، أو قال شيئاً نحو هذا قال ابن عمار ورفع عني ابن أبي دؤاد امتحانه إياي من قبل ابن المديني شفع إلى ابن أبي دؤاد، ورفع عن غير واحد من أهل الموصل من أجلي. قال ابن عمار: ما أجاب إلي ما أجاب ديانة، إلا خوفاً" (١)، وهذه شهادة طيبة شهد بها ابن عمار وهو الحافظ الإمام الحجة، وأما موقف علي بن المديني فهو موقف الرجل الصالح الفطن حين أراد ابن أبي دؤاد امتحان بعض إخوانه من المحدثين وبشفاعته رفع الامتحان عنهم. ولقد أدى بالبعض التعريض به وهجاه. فقد روى الخطيب بسنده إلى علي بن المديني أنه دخل على أحمد بن أبي دؤاد بعد أن جرى من محنة أحمد بن حنبل ما جرى فناوله رقعة وقال هذه طرحت في داري، فقرأها فإذا هي فيها: يا ابن المديني الذي شرعت له … دنيا فجاد بدينه لينالها ماذا دعاك إلى اعتقاد مقالة … قد كان عندك كافر من قالها أمر بدا لك رشده فقبلته … أم زهرة الدنيا أردت نوالها فلقد عهدتك- لا أبالك- مرة … صعب المقادة للتي تدعى لها إن الحريب لمن يصاب بدينه … لا من يرزئ ناقة وفصالها فقال له أحمد: "هذا بعض شراد هذا الوثني- يعني ابن الزيات- وقد هجا خيار الناس وما هدم الهجاء حقاً. ولا بنى باطلاً، وقد قمت وقمنا من حق الله بما يصغر قدر الدنيا عند كثير ثوابه، ثم دعا له بخمسة آلاف درهم فقال: أصرف هذه في نفقاتك وصدقاتك" (٢)، وروى الخطيب بسنده إلى أبي يوسف

стр. 452

القلوس أنه قال: "قلت لعلي بن المديني مثلك في علمك يجيب إلى ما أجبت إليه؟ فقال لي: يا أبا يوسف ما أهون عليك السيف" (١)، وروى الخطيب بسنده إلى إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد أنه قال: أسمعت يحيى بن معين- وذكر عنده علي بن المديني فحملوا عليه- فقلت ليحيى: يا أبا زكريا، ما علي عند الناس إلا مرتد. فقال: ما هو بمرتد، هو على إسلامه رجل خاف فقال ما عليه" (٢). وروى الخطيب بسنده إلى محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: "سمعت عليا على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر" (٣). وروى بسنده إلى عثمان الدارمي أنه قال: "سمعت علي بن المديني يقول: هو كفر - يعني من قال القرآن مخلوق" (٤) - وروى بسنده إلى ابن أبي شيبة أنه قال: "سمعت علي بن المديني يقول- قبل أن يموت بشهرين- القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر" (٥). دفاع الحافظ الذهبي عن الإمام علي بن المديني: قال الذهبي: "ذكره العقيلي فى كتاب الضعفاء فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية. وحديثه مستقيم إن شاء الله … (٦) "، ثم ذكر أقوال الأئمة في ابن المديني وبعض أخبار المحنة، ثم ختم ترجمته بالدفاع عن

стр. 453

علي بن المديني وهو قاعدة نافعة في الدفاع عن بعض الحفاظ الذين تكلم فيهم بشيء من الجرح، ولأهميته أثبته بتمامه، قال الذهبي: وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها، وهذا أبوعبد الله البخاري- وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني (١)، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد، لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال. أفما لك عقل يا عقيلي، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله ﷺ الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، فقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا فإن هذا مقرر على ماينبغي في علم الحديث، وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحاً غريباً وإن تفرد الصدوق ومن دونه، يعد منكراً. وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظاً أو إسناداً يصيره متروك الحديث، ثم ما كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيراً من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع. وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي، مع

стр. 454

كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبخر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه" (١)، وقال في تذكرة الحفاظ "مناقب هذا الإمام جمة لولا ما كدرها بتعفنه بشيء من مسألة القرآن وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد إلا أنه تنضل وندم وكفر من يقول بخلق القرآن فالله يرحمه ويغفر له (٢) ". الدفاع عن يحيى بن معين: (ع) يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري الغطفاني مولاهم أبو زكرياء البغدادي إمام الجرح والتعديل (١٥٨ - (٢٣٣) هـ) كان يقول في دعائه "اللهم إن كنت تكلمت في رجل وليس هو كذاباً فلا تغفر لي" (٣). ولذلك قال أبو حاتم: "إذا رأيت البغدادي يحب أحمد فاعلم إنه صاحب سنة وإذا رأيته يبغض ابن معين فاعلم إنه كذاب" (٤). وقال ابن حبان في الثقات " … وكان من أهل الدين والفضل وممن رفض الدنيا في جمع السنن وكثرت عنايته بها وجمعه وحفظه إياها حتى صار علما يقتدى به في الأخبار إماماً يرجع إليه في الآثار" (٥). وقال العجلي: "ما خلق الله تعالى أحداً كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين ولقد كان يجتمع مع أحمد وابن المديني ونظرائهم فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث لا يتقدمه منهم أحد ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وتلبست فيقول هذا الحديث كذا وهذا كذا فيكون كما قال" (٦).

стр. 455

وقال فيه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: "ها هنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين يعني ابن معين" (١). وقال أيضاً: "كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث" (٢)، وقال ابن طلحة: فليس هو بثابت وقال فيه أيضاً: "السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور" (٣). ورحم الله الخطيب البغدادي حيث قال عنه "كان إماماً، ربانياً، عالماً، حافظاً، ثبتاً، متقنا" (٤)، فالإمام يحيى بن معين ما تكلم أحد من نقاد الرجال في شيء من حفظه أو إتقانه أو في ذلك وإنما ترك أحمد بن حنبل الرواية عنه لقوله بخلق القرآن وهذا مبدأ أحمد في كل من أجاب مهما عظمت منزلته وثبت عند الناس حفظه وإمامته. قال ابن الجوزي عند الكلام عن ترك أحمد لبعض الأئمة وعدم روايته عنهم: "وكذلك فعل بأبي خيثمة فإنه جاء فطرق عليه الباب فلما خرج فرآه أغلق الباب وخرج مغضبا يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو خيثمة فلم يعد إليه، وعاده يحيى بن معين في مرضه فولاه ظهره وأمسك عن كلامه حتى قام عنه وهو يتأفف ويقول: بعد الصحبة الطويلة لا أكلم" (٥). واسمع ما دار بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين حينما جاء يعوده: روى ابن الجوزي بسنده إلى أبي بكر المروزي أنه قال: "جاء يحيى بن معين فدخل على أحمد بن حنبل وهو مريض فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحداً ممن أجاب حتى يلقى الله ، فما زال يحيى يعتذر ويقول: حديث عمار ﵁، وقال الله

стр. 456

تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُ كْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ﴾ (١) فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: أف وقام وقال: لا يقبل لنا عذراً فخرجت بعده وهو جالس على الباب فقال: أي شيء قال أحمد بعدي؟ قلت: قال يحتج بحديث عمار، وحديث عمار: "مررت وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني" وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم. فسمعت يحيى يقول: مر يا أحمد غفر الله لك، فما رأيت والله تحت أديم سماء الله أفقه في دين الله منك (٢). وبهذا يتبين أن الإمام يحيى بن معين لم يكن يقر بالقول بخلق القرآن ولقد صرح بذلك وسمعه تلميذه عباس الدوري وهو يقول: "القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق" (٣) ولكن الفتنة كانت عظيمة فزلزلت القلوب وجعلت الحليم حيران إلا من عصمه الله. روى ابن أبي يعلى الفراء بسنده إلى العباس الدوري أنه قال: "سمعت يحيى بن معين يقول: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل. لا والله، لا نقدر على أحمد، ولا على طريق أحمد" (٤) ولقد أحسن الحافظ الذهبي حيث قال عن يحيى بن معين: "وإنما ذكرته عبرة ليعلم أن ليس كل كلام وقع في حافظ كبير يؤثر فيه بوجه. ويحيى فقد قفز القنطرة بل من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي. ﵀" (٥).

стр. 457

الدفاع عن أبي عبد الله البخاري: (ت س) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري (ت (٢٥٦) هـ) قدم الري سنة (٢٥٠) هـ، وسمع منه أبوحاتم وأبو زرعة الرازيان إلا أنهما تركا حديثه. يقول ابن أبي حاتم عنه "سمع منه أبي وأبو زرعة ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد ابن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق" (١). وبسبب تركهما الرواية عن البخاري وهما من كبار المحدثين لابد أن نكشف في هذا المبحث عن الأسباب والملابسات التي أدت إلى اتهام الإمام البخاري والتشهير به وتبرأه من هذه الفتنة وبالتالي رجوع كثير من الحفاظ عن ذلك واستدلال بعضهم كأبي زرعة في تجريح بعض الرجال بأقواله. قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري": "قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في "تاريخ نيسابور" قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين فأقام بها مدة يحدث على الدوام (٢)، وقال حاتم بن أحمد بن محمود: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله فإني أستقبله فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور فدخل البلد فنزل دار البخاريين فقال لنا محمد ابن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي، ورافضي، وجهمي، ومرجيء بخراسان قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا، قال فوقع بين الناس اختلاف فقال بعضهم: قال لفظي

стр. 458

بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض، قال فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم" (١). وروى الخطيب بسنده إلى الحسن بن محمد بن جابر أنه قال: "سمعت محمد بن يحيى يقول: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال: اذهبوا إلى هذا الرجل العالم الصالح فاسمعوا منه، قال: فذهب الناس إليه وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى فحسده بعد ذلك وتكلم فيه" (٢). وقال أبو أحمد بن عدي: "ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت فقال لأصحاب الحديث إن محمد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثاً فألح عليه فقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة فشغب الرجل وقال: قد قال لفظي بالقرآن مخلوق" (٣). وروى الخطيب بسنده، إلى محمد بن خشنام أنه قال: "سئل محمد ابن إسماعيل عن اللفظ بنيسابور فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد - يعني أبا قدامة. عن يحيى بن سعيد قال: أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه قال: فقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول حتى يعودوا إليك؟ قال: لا أفعل إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته" (٤). وروى بسنده إلى محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله

стр. 459

قال ثنا مروان بن معاوية قال ثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته. قال أبو عبد الله وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أن أفعال العباد مخلوقة. قال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة. فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعي في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١). وروى بسنده أيضاً إلى أبي حامد الأعمش أنه قال: "رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: "ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه ومن يقربه فلا يقربنا فأقام محمد بن إسماعيل ها هنا مدة وخرج إلى بخارى" (٢). واستمر الإمام محمد بن يحيى في أمر أصحابه وتلامذته في مقاطعة الإمام البخاري واتهامه من يحضر مجلسه، فروى الخطيب بسنده إلى أبي حامد الشرقي، أنه قال: "سمعت محمد بن يحيى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته وحيث يتصرف فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج عن الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئاً بين المسلمين ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع، لايجالس ولا يكلم ومن

стр. 460

ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه" (١). فانقطع أكثر المحدثين عن مجالس الإمام البخاري على أثر كلام محمد ابن يحيى، ونقل ابن حجر في هدي الساري عن الحاكم أنه قال: "ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة، قال الذهلي: إلا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال، فقلت: "القائل ابن حجر. وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا" (٢). ونقل ابن حجر عن الحاكم، أنه قال: "سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أحمد بن مسلمة النيسابوري يقول: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان خصوصاً في هذه المدينة، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى قال: فقبض على لحيته، ثم قال: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد: اللهم إنك تعلم إني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرياسة، وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلي، وقال الحاكم أيضاً عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قال: لما قام مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة من مجلس محمد بن يحيى بسبب البخاري، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد فخشي البخاري وسافر" (٣). ولم يترك الإمام محمد بن يحيى كلامه في الإمام البخاري بل كتب إلى أصحابه في المدن الأخرى بأن البخاري أظهر عندهم إن لفظه بالقرآن مخلوق.
следующие страницы →