← История

История · id 11404

فتوح مصر والمغرب

ابن عبد الحكم المؤرخ

Полный текст (512 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

جائز لمن ابتاعه منهم غير مردود إليهم إن أيسروا، وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضرّ بالجزية التى عليهم؛ فلعلّ الأرض أن تردّ عليهم إن أضرّت بجزيتهم، وإن كان فضلا بعد الجزية فإنّا نرى كراءها جائزا لمن تكاراها منهم. قال يحيى ونحن نقول: الجزية جزيتان؛ فجزية على رءوس الرجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية، ويؤخذ بها أهل القرية، فمن هلك من أهل القرية التى عليهم جزية مسمّاة على القرية ليست على رءوس الرجال، فإنّا نرى أنّ من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث أن أرضه ترجع إلى قريته فى جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممّن جزيته على رءوس الرجال ولم يدع وارثا؛ فإنّ أرضه للمسلمين. قال الليث: وقال عمر بن عبد العزيز: الجزية على الرءوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذمّة. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الملك بن جنادة، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. قال عبد الرحمن «١» : وحديث عبد الملك هذا يدلّ على أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هى على «٢» القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم، وأنّ موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا. قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقى منهم، وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم مما «٣» صالحوا عليه شيئا. والله أعلم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج أنّ رجلا أسلم على عهد عمر بن الخطّاب فقال: ضعوا الجزية عن أرضى، فقال عمر: لا، إنّ أرضك فتحت عنوة. قال عبد الملك: وقال مالك بن أنس: ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز

стр. 177

لهم، وما فتح عنوة فإنّ ذلك «١» لا يشترى منهم أحد، ولا يجوز لهم بيع شىء مما تحت أيديهم من الأرض؛ لأن أهل الصلح من أسلم منهم كان أحقّ بأرضه وماله، وأمّا أهل العنوة الذين أخذوا عنوة؛ فمن أسلم منهم أحرز إسلامه نفسه، وأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين، ولأن أهل الصلح إنما هم قوم امتنعوا ومنعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وليس عليهم إلا ما صالحوا عليه، ولا أرى أن يزاد عليهم ولا يؤخذ منهم إلا ما فرض عمر بن الخطاب؛ لأن عمر خطب الناس فقال: قد فرضت «٢» لكم الفرائض وسنّت لكم السّنن، وتركتم على الواضحة. قال: وأمّا جزية الأرض فلا علم لى ولا أدرى كيف صنع فيها عمر، غير أن قد أقرّ الأرض فلم يقسمها بين الناس الذين افتتحوها فلو نزل هذا بأحد كنت أرى أن يسأل أهل البلاد أهل المعرفة منهم والأمانة، كيف كان الأمر فى ذلك، فإن وجد من ذلك علما يشفى وإلّا اجتهد فى ذلك هو ومن حضره من المسلمين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز وضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة من أهل مصر، وألحق فى الديوان صلح من أسلم منهم فى عشائر من أسلموا على يديه. قال عبد الرحمن «٣» : وقال غير عبد الملك: وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمّة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله المرادى، الحجّاج بن يوسف. ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان، أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة، فكلّمه ابن حجيرة «٤» فى ذلك، فقال: أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أوّل من سنّ ذلك بمصر، فوالله إنّ أهل الذمّة ليتحمّلون جزية من ترهّب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟ فتركهم عند ذلك. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر

стр. 178

ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج، أن تضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة، فإن الله ﵎ قال: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وقال: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٢» وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كان لعبد الله بن سعد موالى نصارى فأعتقهم «٣» فكان عليهم الخراج قال الليث: أدركنا بعضهم وإنهم ليؤدّون الخراج. حدثنا عثمان بن صالح، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: لما ولى ابن رفاعة مصر خرج ليحصى عدّة أهلها وينظر فى تعديل الخراج عليهم، فأقام فى ذلك ستّة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتّاب يكفونه ذلك بجدّ وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها فى أصغر قرية منها أقلّ من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية. ذكر المقطّم (* حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح «٤» المقطّم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من «٥» ذلك وقال: أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهى لا تزدرع «٦» ولا يستنبط «٧» بها ماء، ولا ينتفع بها فسأله «٨»

стр. 179

فقال: إنّا لنجد صفتها فى الكتب؛ أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلا للمؤمنين «١» ، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشىء. فكان أوّل من دفن «٢» فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لعمرو، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن وهب، عن عمارة ابن عيسى، قال: ما ذالك، ولا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم. حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنّا لنجد فى كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنّة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطّاب، فقال: صدق فاجعلها مقبرة للمسلمين. وقال غير عمارة بن عيسى: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله ﷺ ، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمّن حدثه، خمسة نفر: عمرو بن العاص السّهمى، وعبد الله بن حذافة السهمى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى، وأبو بصرة الغفارىّ، وعقبة بن عامر الجهنى. وقال غير عثمان ومسلمة بن مخلّد الانصارى. قال ابن لهيعة: والمقطّم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم. وقد اختلف فى القصير. أخبرنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: ليس بقصير موسى النبي ﵇، ولكنه موسى الساحر. حدثنا سعيد بن عفير، وعبد الله بن عبّاد، قالا: حدثنا المفضّل بن فضالة، عن أبيه، قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممّن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون فى القصير؟ قال قلنا: قصير موسى، فقال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز

стр. 180

مصر، كان إذا جرى النيل يترفّع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدّس من الجبل إلى البحر «١» . قال ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس وكان على المقطّم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. والله أعلم. حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفىّ الأصبحى، عن أبيه شفىّ بن عبيد، أنه لما قدم مصر- وأهل مصر قد اتخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبى عون التى عند العسكر- فقال: ما لهم وضعوا مصلّاهم فى الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس! قال الحسن بن ثوبان: فقدّموا مصلّاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدّس ما بين القصير إلى اليحموم*) . ذكر استبطاء عمر بن الخطّاب عمرو بن العاص فى الخراج قال عبد الرحمن «٢» فلما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، كتب إليه: «٣» بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإنى فكرت «٤» فى أمرك والذي عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوّة فى برّ وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدّة

стр. 181

عتوّهم «١» وكفرهم، فعجبت من ذلك؛ وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدىّ نصف ما كانت تؤدّيه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب؛ ولقد أكثرت فى «٢» مكاتبتك فى الذي على أرضك من «٣» الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على عير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلىّ ذلك؛ فإذا أنت تأتينى بمعاريض تغتالها «٤» لا توافق الذي فى نفسى؛ ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدرى مع ذلك ما الذي أنفرك من كتابى وقبّضك! فلئن كنت مجزئا كافئا صحيحا، إن البراءة لنافعة «٥» ، وإن «٦» كنت مضيعا نطفا إنّ الأمر لعلى غير ما تحدّث به نفسك. وقد تركت أن أبتلى ذلك منك فى العام الماضى رجاء أن تفيق فترفع إلىّ ذلك؛ وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمّالك عمّال السّوء، وما توالس عليه وتلفّف؛ اتخذوك كهفا. وعندى بإذن الله دواء فيه شفاء عمّا أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحقّ وتعطاه؛ فإنّ النهز «٧» يخرج الدرّ، والحقّ أبلج، ودعنى وما عنه تلجلج، فإنه قد برح الخفاء. والسلام. قال: فكتب إليه عمرو بن العاص. بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين فى الذي استبطأنى فيه من الخراج، والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلى «٨» ، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمرى للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب فى عمارة أرضهم منّا منذ «٩» كان الإسلام. وذكرت أن النهز

стр. 182

يخرج الدرّ، فحلبتها حلبا قطع ذلك درّها. وأكثرت فى كتابك، وأنبت، وعرّضت وثربت؛ وعلمت أن ذلك عن شىء تخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمرى بالمفظعات «١» المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد عملنا لرسول الله ﷺ ولمن بعده؛ فكنّا بحمد الله مؤدّين لأماناتنا، حافظين لما عظّم الله من حقّ أئمّتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيّئا، فيعرف ذلك لنا ويصدّق فيه قيلنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شرّ الشيم، والاجتراء على كل مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإن الله قد نزهنى عن تلك الطعم الدنيّة والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا، والله يا بن الخطّاب؛ لأنا حين يراد ذلك منّي أشدّ لنفسى غضبا، ولها إنزاها وإكراما. وما عملت من عمل أرى علىّ فيه متعلّقا؛ ولكنى حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت- يغفر الله لك ولنا- وسكتّ عن أشياء كنت بها عالما؛ وكان اللسان بها منى ذلولا؛ ولكن الله عظّم من حقّك ما لا يجهل. والسلام. فكتب إليه عمر بن الخطاب كما وجدت فى كتاب أعطانيه يحيى بن عبد الله بن بكير، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن أبى مرزوق التجيبى، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص: من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبى إليك فى إبطائك بالخراج وكتابك إلىّ ببنيّات الطرق «٢» ، وقد علمت أنى لست أرضى «٣» منك إلا بالحقّ البيّن؛ ولم «٤» أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك؛ ولكنى وجّهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابى هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فئ المسلمين، وعندى من قد تعلم قوم محصورون. والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يستبطئنى فى الخراج، ويزعم «٥» أنى أعند عن الحقّ،

стр. 183

وأنكب «١» عن الطريق؛ وإنى والله ما أرغب عن صالح ما تعلم؛ ولكنّ أهل الأرض استنظرونى إلى أن تدرك غلّتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم «٢» عنه. والسلام. حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أن عمرا جباها اثنى عشر ألف ألف. قال غير الليث: وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين «٣» ألف ألف، فعند ذلك كتب إليه عمر بما كتب به. قال الليث وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف، فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، درّت اللقحة بأكثر من درّها الاوّل، قال عمرو: أضررتم بولدها. وقال غير الليث: فقال له عمرو: ذلك إن لم يمت الفصيل. حدثنا هشام بن إسحاق العامرى، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتى عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتى عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها فى إبّان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم «٤» ، ويرفع خراجها فى إبّان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر فى كل سنة خلجها، وتسدّ ترعها وجسورّها، ولا يقبل محل أهلها- يريد البغى- فإذا فعل «٥» هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت. قال وفى كتاب ابن بكير الذي أعطانى «٦» عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لمّا استبطأ عمر بن الخطاب عمرو بن العاص فى الخراج، كتب إليه: أن ابعث إلىّ رجلا

стр. 184

من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شىء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له؛ كأنه لا يريدها إلا لعام واحد. فعرف عمر ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به. ذكر نهي الجند عن الزرع (* قال عبد الرحمن «١» ثم إن عمر بن الخطاب فيما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدّمون إلى الرعيّة؛ أنّ عطاءهم قائم، وأنّ رزق «٢» عيالهم سائل، فلا يزرعون ولا يزارعون. قال ابن وهب: فأخبرنى شريك بن عبد الرحمن المرادى، قال: بلغنا أن شريك بن سمىّ الغطيفى أتى إلى عمرو بن العاص، فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك من غير إذن عمرو، فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره أنّ شريك بن سمىّ الغطيفيّ حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر: أن أبعث إلىّ به، فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو أقرأه شريكا، فقال شريك لعمرو: قتلتنى يا عمرو، فقال عمرو: ما أنا قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك، قال له: إذ كان هذا من رأيك، فأذن لى بالخروج إليه من غير كتاب، ولك عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له بالخروج، فلما وقف على عمر قال: تؤمّنّى يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أىّ الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلّك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال لأجعلنّك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منّى ما قبل الله من العباد، قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إنّ شريك بن سميّ جاءنى تائبا فقبلت منه*) .

стр. 185

ذكر حفر خليج أمير المؤمنين (* حدثنا عبد الله بن صالح أو غيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد فى خلافة عمر بن الخطّاب فى سنة الرّمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص: سلام؛ أما بعد؛ فلعمرى يا عمرو ما تبالى إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معى؛ فيا غوثاء، ثم يا غوثاء! يردّد قوله «١» . فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبّيك! قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندى. والسلام عليك ورحمة الله. فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضا، فلما قدمت على عمر وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير فيأكلوا لحمه ويأتدموا شحمه ويحتذوا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف أو غيره، فوسّع الله بذلك على الناس. فلما رأى ذلك عمر حمد الله وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إنّ الله قد فتح على المسلمين مصر، وهى كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى فى روعى- لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين- أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل فى البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكّة؛ فإنّ حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ منه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا فى ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم. فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا:

стр. 186

نتخوّف أن يدخل فى هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إن هذا أمر «١» لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك عمر حين رآه، وقال: والذي نفسى بيده لكأنى أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل فى هذا ضرر «٢» على أهل مصر؛ فنرى أن تعظّم ذلك على «٣» أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال له عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة منّى حتى تجدّ فى ذلك، ولا يأتى عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله. فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي فى حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكّة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمّى خليج أمير المؤمنين. ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيّعته الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم. قال ويقال إن عمر بن الخطّاب قال لعمرو بن العاص وقدم عليه كما حدثنا أخى عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن- قال: حسبته، عن عروة: يا عمرو، إنّ العرب قد تشاءمت بى وكادت أن تهلك على رجلى وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندى أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك؛ فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله! فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلمّا

стр. 187

فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ، وتركته «١» التجار، فإن شئت أن نحفره فننشئ «٢» فيه سفنا يحمل «٣» فيه الطعام إلى الحجاز فعلته «٤» ! فقال له عمر: نعم، فأفعل*) ، فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر، فقالوا له: ماذا جئت به أصلح الله الأمير تنطلق فتخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرّب هذه! فإن استطعت فاستثقل «٥» ذلك، فلما ودّع عمر بن الخطاب قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج فلا «٦» تنسينّ حفره، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه قد انسد «٧» وتدخل فيه نفقات عظام، فقال له عمر: أما والذي نفسى بيده إنى لأظنّك حين خرجت من عندى حدّثت بذلك أهل أرضك فعظّموه عليك، وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلّا ما حفرته وجعلت «٨» فيه سفنا، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحّة الحجاز لا يخفّوا إلى الجهاد، قال: فإنى سأجعل من ذلك أمرا لا يحمل فى هذا البحر إلّا رزق «٩» أهل المدينة وأهل مكّة، فحفره عمرو وعالجه، وجعل فيه السفن. قال عبد الرحمن «١٠» ويقال: إن عمر بن الخطّاب كما ذكر عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاص بن العاص، فإنك لعمرى لا تبالى إذا سمنت أنت ومن معك «١١» أن أعجف أنا ومن قبلى، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه! فكتب إليه عمرو ابن العاص: أما بعد؛ فيا لبيك ثم يا لبّيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندى، مع أنى

стр. 188

أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك فى البحر. ثم إن عمرا ندم على كتابه فى الحمل إلى المدينة فى البحر وقل: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقله «١» إلى المدينة. فكتب إليه: إنى نظرت فى أمر البحر فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر: إلى العاص بن العاص، فقد بلغنى كتابك تعتلّ فى الذي كنت كتبت إلىّ به من أمر البحر، وأيم الله لتفعلنّ أو لأقلعنّك بأذنك أو لأبعثنّ من يفعل ذلك، فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر بن الخطاب ففعل، فبعث إليه عمر ألا تدع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلّها إلا بعثت إلينا منه. قال ويقال: إنما دلّ عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن أبيه، أن رجلا أتى إلى عمرو بن العاص من قبط مصر، فقال: أرأيت «٢» إن دللتك على مكان تجرى فيه السفن، حتى تنتهى إلى مكّة والمدينة، أتضع عنى الجزية وعن أهل بيتى؟ قال: نعم، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الجار خرج عمر حاجا أو معتمرا، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التى سيّرها الله إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فقال رجل من بنى ضمرة: فأفردنى السّير معه فى سبعة نفر فآوانا الليل إلى خيمة أعراب، فإذا «٣» ببرمة تغطّى على النار، فقال عمر: هل من طعام؟ فقالوا: لا إلا لحم ظبى أصبناه بالأمس، فقرّبوه فأكل منه وهو محرم. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا وكيع بن الجرّاح، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عمرو بن سعد الجارىّ أن عمر أتى الجار ثم دعا بمناديل ثم قال اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك. قال غير أسد: فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام، صكّ عمر للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها. قال: فحدّثنى أبى عبد الله بن عبد الحكم، اخبرنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: لقى عمر بن الخطاب العلاء بن الأسود، فقال: كم

стр. 189

ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم، وربح عليها مائة ألف، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: يا حكيم، كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء، فقال عمر: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال: نعم، قال عمر: فإن هذا بيع لا يصلح، فاردده، فقال حكيم: ما علمت أن هذا لا يصلح، وما أقدر على ردّه، فقال عمر: ما «١» بدّ، فقال حكيم: والله ما أقدر على ذلك وقد تفرّق وذهب، ولكنّ رأس مالى وربحى صدقة. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، أن حكيم ابن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر فردّه عليه، قال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه. قال مالك: وبلغنى أن صكوكا خرجت للناس فى زمان مروان بن الحكم من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها «٢» ، فدخل زيد ابن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى مروان، فقالا له: أتحلّ بيع الربا يا مروان! فقال أعوذ بالله، وما ذاك؟ قالا: هذه الصكوك يتبايعها الناس ثم يبيعونها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الحرس يتبعونها ينتزعونه «٣» من أيدى الناس ويردّونها إلى أهلها. وحدثنا أسد بن موسى، حدثنا مهدى بن ميمون، حدثنا سعيد الجريرىّ، عن أبى نضرة، عن أبى فراس، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس إنه قد أتى علىّ زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، وقد خيّل إلىّ بآخره أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويريدون به الناس، ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم، ألا إنما كنّا نعرفكم إذ ينزل الوحى وإذ رسول الله ﷺ بين أظهرنا، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي ﷺ فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن «٤» ، من رأينا منه خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربّكم، ألا إنّى إنما أبعث

стр. 190

عمّالى ليعلّموكم دينكم ويعلّموكم سننكم «١» ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا «٢» أموالكم، ألا فمن أتى إليه شىء من ذلك فليرفعه إلىّ، فوالذى نفس عمر بيده لأقصّنّه منه. فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمّالك على بعض رعيّته فأدّب رجلا من رعّيته إنك لمقصّه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه، ألا أقصّه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروا بهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعّوهم. فأتى رجل من أهل مصر كما حدّثنا عن أبى عبدة، عن ثابت البنانىّ وحميد، عن أنس إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرىّ؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرىّ: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشتفيت «٣» منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ قال يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى. حدثنى عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أن صبيغا العراقى جعل يسأل عن أشياء من القرآن فى أجناد «٤» المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، قال: أين الرجل؟ قال: فى الرحل، فقال عمر: ابصر «٥» أن يكون ذهب فتصيبك منى العقوبة

стр. 191

الموجعة، فأتاه به فقال له عمر: عمّ تسأل؟ فحدثه، فأرسل عمر إلى رطائب الجريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له ثم، تركه حتى برأ، ثم دعا به ليعود له، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب له إلى أبى موسى الأشعرى: ألا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتدّ ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: إنه قد حسنت هيئته، فكتب عمر أن ائذن للناس «١» فى مجالسته «٢» . حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن رجل أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر حتى فعل ذلك مرارا، أيقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر أن اقبل منه، اعرض عليه الإسلام، فإن قبل فاتركه، وإلّا فاضرب عنقه. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن عبد وجد جرّة من ذهب مدفونة، فكتب إليه عمر أن ارضخ له منها بشىء، فإنه أحرى أن يؤدّوا ما وجدوا. ذكر فتح الفيّوم (* حدثنا سعيد بن عفير وغيره، قالوا: فلما تمّ الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التى حولها، فأقامت الفيّوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل، فذكرها لهم؛ فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفّى؛ فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا، فهمّوا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا؛ فإن كان كذّب «٣» فما أقدركم على ما أردتم! فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال، وألقوا بأيديهم. قال ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفّى- وهو صاحب الأشقر- على فرسه

стр. 192

ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيّوم «١» ، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره ذلك. قال ويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سمّيت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه فأجاز عليه البحر- وكانت أنثى- فأتاه بالخبر. ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقيّة حتى انتهى إلى الفيوم*) وكان يقال لفرسه الأعمى. والله أعلم. قال: (* وبعث عمرو بن العاص، نافع بن عبد القيس الفهرىّ- وكان نافع أخا العاص بن وائل لأمّه- فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم، فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر، وأمّر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فصالحهم*) وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله. ذكر فتح برقة (٢ قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فلما قتله داود ﵇ خرج البربر متوجّهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية- وهما كورتان من كور مصر الغربيّة مما يشرب من السماء، ولا ينالها النيل- فتفرّقوا هنالك؛ فتقدّمت زناتة ومغلية إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدّمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس؛ وهى برقة؛ وتفرّقت فى هذا المغرب، وانتشروا فيه ٢) حتى بلغوا السّوس، ونزلت هوّارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرت، وجلا من كان بها من الروم من أجل ذلك، وأقام الأفارق- وكانوا خدما للروم- على صلح يؤدّونه إلى من غلب على بلادهم. (٣ فسار عمرو بن العاص فى الخيل حتى قدم برقة؛ فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدّونها إليه جزية، على أن يبيعوا من أحبّوا من أبنائهم فى جزيتهم ٣) . حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كتب عمرو بن العاص على لواتة من البربر فى شرطه عليهم أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية.

стр. 193

حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة أن أنطابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمّى، أن ابن ديّاس حين ولى أنطابلس أتاه بكتاب عهدهم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمى، عن أبى قنان أيّوب بن أبى العالية الحضرمى، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به. قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابى خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها. ووجّه عمرو بن العاص عقبة بن نافع؛ حتى بلغ «١» زويلة، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. ذكر أطرابلس قال ثم سار «٢» عمرو بن العاص حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين وعشرين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: غزا عمرو بن العاص طرابلس فى سنة ثلاث وعشرين. ثم رجع إلى حديث عثمان. فنزل على القبّة التى على الشرف «٣» من شرقيّها، فحاصرها شهرا، لا يقدر منهم على شىء، فخرج رجل من بنى مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيّدا فى سبعة نفر، فمضوا غربىّ المدينة حتى أمعنوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحرّ، فأخذوا على ضفّة البحر، وكان البحر «٤» لا صقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور «٥» ، وكانت سفن الروم

стр. 194

شارعة «١» فى مرساها «٢» إلى بيوتهم فنظر المدلجى وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي غاض منه البحر، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة، وكبّروا، فلم يكن للروم مفزع إلّا سفنهم؛ وأبصر عمرو وأصحابه السلّة «٣» فى جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم تفلت الرم إلا بما خفّ لهم من مراكبهم، وغنم «٤» عمرو ما كان فى المدينة وكان من بسبرت متحصّنين (واسمها نبارة وسبرت السوق القديم وإنما نقله إلى نبارة عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين) فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا، فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة أطرابلس، جرّد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبّحت خيله مدينة سبرت وقد غفلوا، وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم «٥» ، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أنه سمع أبا تميم الجيشانى يقول: غزونا مع عمرو بن العاص غزوة «٦» أطرابلس، فجمعنا المجلس ومعنا فيه هبيب بن مغفل، فذكرنا قضاء دين رمضان فقال هبيب بن مغفل: لا يفرق. وقال عمرو بن العاص: لا بأس أن يفرّق إذا أحصيت «٧» العدد. ذكر استئذان عمرو بن العاص عمر بن الخطّاب فى غزوة إفريقية وأراد عمرو أن يوجّه إلى المغرب فكتب إلى عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى: إنّ الله قد فتح علينا أطرابلس، وليس بينها وبين إفريقيّة إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها «٨»

стр. 195

ويفتحها الله على يديه فعل. فكتب إليه عمر: لا إنها ليست بإفريقية، ولكنّها المفرقة غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، عن مرّة ابن ليشرح المعافرى، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إفريقية المفرقة- ثلاث مرّات- لا أوجّه إليها أحدا ما مقلت عينى الماء. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علىّ بن رباح، عن مسعود بن الأسود، صاحب رسول الله ﷺ وكان بايع تحت الشجرة؛ أنه استأذن عمر ابن الخطاب فى غزو «١» إفريقية، فقال عمر: لا، إن إفريقية غادرة مغدور بها. قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس يذكر له فيه: إن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس على ألا يكتمه أمرا يحدث، فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون. ذكر عزل عمرو عن مصر قال: حدثنا عبد الرحمن قال «٢» فتوفّى عمر رحمة الله عليه ومصر على أميرين: عمرو بن العاص بأسفل الأرض، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح على الصعيد، قال وكانت وفاة عمر كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد مصدر «٣» الحاجّ سنة ثلاث وعشرين. حدثنا سعيد بن عفير، قال: إنما كان عمر بن الخطّاب ولّى عبد الله ابن سعد من الصعيد الفيّوم. فلما استخلف عثمان بن عفّان، كما حدثنا عبد الله ابن صالح- أو غيره- عن الليث، طمع عمرو بن العاص «٤» لما رأى من عثمان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد، فوفد إليه وكلّمه فى ذلك، فقال له عثمان: ولّاه عمر

стр. 196

ابن الخطاب الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصّة، وقد علمت أنه أخى من الرضاعة، فكيف أعزله عمّا ولّاه غيرى؟!. وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير: إنك لفى غفلة عما كانت تصنع بى أمّه، وإن كانت لتخبأ لى العرق من اللحم فى ردنها حتى آتى. قال ثم رجع إلى حديث الليث بن سعد، قال: فغضب عمرو، وقال: لست راجعا إلا على ذلك، فكتب عثمان بن عفان إلى عبد الله بن سعد يؤمّره على مصر كلّها، فجاءه الكتاب بالفيّوم. قال ابن عفير: بقرية منها تدعى دموشة «١» . قال الليث فى حديثه فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبّحوا به الفسطاط فى مركبه، وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير، قال الليث: فقدموا به الفسطاط قبل الصبح فأرسل إلى المؤذّن فأقام الصلاة حين طلع الفجر، وعبد الله بن عمرو ينتظر المؤذّن يدعوه إلى الصلاة؛ لأنه خليفة أبيه، فاستنكر الإقامة. فقيل له صلّى عبد الله بن سعد بالناس. وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربىّ المسجد بين يديه شمعة، وأقبل عبد الله بن عمرو، من نحو داره بين يديه شمعة. فالتقت الشمعتان عند القبلة. قال الليث فى حديثه: فأقبل عبد الله بن عمرو حتى وقف على عبد الله ابن سعد، فقال: هذا بغيك ودسّك. فقال عبد الله بن سعد: ما فعلت وقد كنت أنت وأبوك تحسدانى على الصعيد، فتعال حتى أولّيك الصعيد وأولّى أباك أسفل الأرض ولا أحسد كما عليه، فلبث عبد الله بن سعد عليها أميرا محمودا، وغزا فيها ثلاث غزوات كلهن لها «٢» شأن: إفريقية، والأساود «٣» ، ويوم ذى الصّوارى. وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله. قال: وكان عزل عمرو بن العاص عن مصر، كما حدثنا يحيى بن عبد الله

стр. 197

ابن بكير، عن الليث بن سعد وتولية عبد الله بن سعد فى سنة خمس وعشرين. ذكر انتقاض الإسكندرية قال: عبد الرحمن «١» وقد كانت الإسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، انتقضت وجاءت الروم عليهم منويل الخصىّ فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس «٢» تحرّك ولا نكث. وقد كان عثمان بن عفّان عزل عمرو بن العاص وولّى عبد الله بن سعد، فلما نزلت الروم الإسكندرية، سأل «٣» أهل مصر عثمان أن يقرّ عمرا حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب وهيبة فى العدو ففعل، وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص لئن أظهره «٤» الله عليهم ليهدمن سورها، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان، فخرج إليهم عمرو فى البر والبحر. قال عبد الرحمن «٥» وقال غير الليث: وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط، فأما الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم «٦» ولا أمن «٧» أن تنتقض مصر كلّها، فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلىّ، فإنهم يصيبون من مرّوا به فيخزى الله بعضهم ببعض. فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها ويأكلون أطمعتها وينتهبون ما «٨» مرّوا به، فلم يعرض لهم عمرو» حتى بلغوا نقيوس، فلقوهم فى البرّ والبحر، فبدأت الروم والقبط، فرموا بالنشّاب فى الماء رميا

стр. 198

شديدا، حتى أصابت النشّاب يومئذ فرس عمرو فى لبّته وهو فى البرّ فعفر «١» فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين فى البرّ، فنضحوا المسلمين بالنشّاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولّى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمىّ فى خيله. وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهّب، فدعا إلىّ البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له حومل يكنّى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان «٢» ، ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، وجعل يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبيك، والناس على شاطىء النيل فى البرّ على تعبئتهم وصفوهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا، ويخترط حومل حنجرا كان فى منطقته أو فى ذراعه، فضرب به نحر العلج أوتر قوّته فأثبته ووقع عليه، فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيّام رحمة الله عليه، فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودى نعشه حتى دفنه بالمقطّم. ثم شدّ المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم، فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصىّ. حدثنا الهيثم بن زياد أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن فى مدينتهم، فكلّم فى ذلك فأمر برفع السيف عنهم، وبنى فى ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجد، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرحمة؛ وإنما سمّى مسجد الرحمة لرفع عمرو السيف هنالك. وهدم سورها كله. وجمع عمرو ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مرّ علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابّنا وهو قائم فى يديك. فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البيّنة، وقال بعضهم لعمرو: ما حلّ لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنّا لأنا فى ذمّتك، ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله، فندم عمرو، وقال: يا ليتنى كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.

стр. 199

(١ وكان سبب نقض الإسكندرية هذا كما حدّثنا عن حيوة بن شريح، عن الحسن ابن ثوبان، عن هشام بن أبى رقيّة، أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال: أخبرنا، ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها؟ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الركن إلى السّقف، ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا إن كثّر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفّف عنّا خفّفنا عنكم، فغضب صاحب إخنا «٢» ، فخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله، وأسر النبطىّ فأتى به عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر ١) . حدثنا سعيد بن سابق، قال: كان اسمه طلما، وأن عمرا لمّا أتى به سوّره «٣» ، وتوّجه، وكساه برنس أرجوان، وقال له: ايتنا بمثل هؤلاء؛ فرضى بأداء الجزية. فقيل لطلما؛ لو أتيت ملك الروم؟ فقال: لو أتيته لقتلنى، وقال قتلت أصحابى. ذكر خراب خربة وردان قال وكان عمرو حين توجّه إلى الإسكندرية خرب القرية التى تعرف اليوم بخربة وردان قال عبد الرحمن: واختلف علينا فى السبب الذي خربت له، فحدثنا سعيد ابن عفير، أن عمرا لما توجّه إلى نقيوس لقتال الروم عدل وردان «٤» لقضاء حاجته عند الصبح «٥» ، فاختطفه أهل الخربة فغّيبوه، ففقده عمرو، وسأل عنه وقفا أثره فوجدوه فى بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، قال: كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجّه إليهم وردان فقتلهم وخربها، فهى خراب إلى اليوم. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: كان أهل الخربة أهل توثّب وخبث،

стр. 200

فأرسل عمرو بن العاص إلى أرضهم، فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، ثم دعاهم فكلّمهم فلم يجيبوه إلى شىء فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلّاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم فكلّمهم فأجابوه إلى ما أحبّ، ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شىء حتى فعل ذلك مرارا، فلما رأى عمرو ذلك قال: هذه بلدة لا تصلح إلّا أن توطأ، فأمر بإخرابها. والله أعلم. ذكر بعض ما قيل فى فتح الإسكندرية الثانى ثم رجع إلى حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: فلما هزم الله الروم أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب، وعبد الله بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها، فأبى عمرو. حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حرملة بن عمران، عن تميم بن فرع المهرىّ، قال: شهدت فتح الإسكندرية فى المرّة الثانية فلم يسهم لى، حتى كاد أن يقع بين قومى وبين قريش منازعة، فقال بعض القوم: أرسلوا إلى أبى بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنى فإنهما من أصحاب رسول الله ﷺ فسلوهما عن هذا، فأرسلوا إليهما فسألوهما، فقالا: انظروا، فإن كان أنبت فأسهموا له، فنظر «١» إلىّ بعض القوم فوجدونى قد أنبتّ، فأسهموا لى. (* حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن موسى بن علىّ، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه فتح الاسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا، فى خلافة عثمان ابن عفان، بعد موت عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أجمعين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان فتح الإسكندرية الأوّل سنة إحدى وعشرين وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين بينهما أربع سنين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة اثنتين وعشرين. وكان فتحها الآخر سنة خمس وعشرين.

стр. 201

قال غير ابن لهيعة: وأقام عمرو بن العاص بعد فتح الإسكندرية شهرا، ثم عزله عثمان وولّى عبد الله بن سعد. قال غير ابن لهيعة فى حديثه عن يزيد بن أبى حبيب: وأقامت الخيس من البيما يقاتلون الناس سبع سنين بعد ما فتحت مصر، مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض*) . ذكر قدوم عمرو على عمر بن الخطاب حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين قدم عليه عمرو فيها قدمتين. قال ابن عفير: استخلف فى إحداهما زكريّاء بن الجهم العبدرىّ على الجند، ومجاهد بن جبر مولى بنى نوفل بن عبد مناف على الخراج وهو جدّ معاذ بن موسى النفّاط أبى اسحاق بن معاذ الشاعر فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبر، فقال له عمر: مولى ابنت غزوان؟ قال: نعم. إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم «١» ليرفع بصاحبه. وبنت غزوان هذه أخت عتبة بن غزوان، وقد شهد عتبة بدرا. (٢ حدثنا عبد الملك بن هشام. قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق، قال: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، حليف بنى نوفل بن عبد مناف ٢) قال: وخطّة مجاهد بن جبر، دار صالح صاحب السوق. قال: ثم رجع إلى حديث ابن عفير، قال: واستخلف فى القدمة الثانية عبد الله ابن عمرو. فحدثنا عبد الملك بن مسلمة. وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص دخل على عمر بن الخطاب وهو على مائدته جاثيا على ركبتيه، وأصحابه كلهم على تلك الحال وليس فى الجفنة فضل لأحد يجلس، فسلّم عمرو على عمر فردّ ﵇. قال «٣» عمرو بن العاص؟

стр. 202

قال: نعم. فأدخل عمر يده فى الثريد، فملأها ثريدا، ثم ناولها عمرو بن العاص، فقال: خذ هذا. فجلس عمرو وجعل الثريد فى يده اليسرى ويأكل باليمنى، ووفد أهل مصر ينظرون إليه، فلما خرجوا قال الوفد لعمرو: أىّ شىء صنعت؟ فقال عمرو: إنه والله لقد علم أنى بما قدمت به من مصر لغنى عن الثريد الذي ناولنى، ولكنه أراد أن يختبرنى، فلو لم أقبلها للقيت منه شرّا. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، قال: دخل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب وقد صبغ «١» رأسه ولحيته بسواد، فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص. قال «٢» عمر: عهدى بك شيخا وأنت اليوم شاب، عزمت عليك إلّا ما خرجت فغسلت هذا «٣» . حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: قدم عمرو بن العاص من مصر مرّة على عمر، فوافاه على المنبر يوم الجمعة، فقال: هذا عمرو بن العاص قد أتاكم، ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلّا أميرا «٤» . حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر، أن عمر رضى الله عنه قال: ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلّا أميرا. قال الليث، وقال عمرو بن العاص: ما كنت بشىء أتجر منّى بالحرب. ذكر وفاة عمرو بن العاص قال ثم توفّى عمرو بن العاص فى سنة ثلاث، وأربعين. حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: توفّى عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين، وفيها أمرّ عتبة بن أبى سفيان على أهل مصر، وفيها غزا شريك بن سمّى لبدة المغرب. قال: حدثنا أسد بن موسى، وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة أخبره أن عمرو بن العاص لمّا حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبا عبد الله، أجزع من الموت يحملك على هذا؟ قال:

стр. 203

لا، ولكن ممّا بعد الموت، فذكر له عبد الله مواطنه التى كانت مع رسول الله ﷺ والفتوح التى كانت بالشأم، فلما فرغ عبد الله من ذلك قال: قد كنت على أطباق ثلاثة، لو متّ على بعضهن علمت ما يقول الناس، بعث الله محمّدا ﷺ فكنت أكره الناس لما جاء به، أتمنّى لو أنى قتلته، فلو متّ على ذلك لقال الناس مات عمرو مشركا، عدوّا لله ولرسوله، من أهل النار، ثم قذف الله الإسلام فى قلبى، فأتيت رسول الله ﷺ ، فبسط إلىّ يده ليبايعنى، فقبضت يدى، ثم قلت: أبايعك على أن يغفر «١» لى ما تقدّم من ذنبى، وأنا أظنّ حينئذ أنى لا أحدث فى الإسلام ذنبا. فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو، إن الإسلام يجبّ ما قبله من خطيئة، وإن الهجرة تجبّ ما بينها وبين الإسلام، فلو متّ على هذا الطبق لقال الناس، أسلم عمرو وجاهد مع رسول الله ﷺ نرجو لعمرو عند الله خيرا كثيرا ثم أصبت إمارات وكانت فتن، فأنا مشفق من هذا الطبق. فإذا أخرجتمونى فأسرعوا بى «٢» ، ولا تتبعنى مادحة «٣» ولا نار، وشدّوا علىّ إزارى، فإنى مخاصم، وسنّوا علىّ التراب سنّا، فإن يمينى ليست بأحقّ بالتراب من يسارى، ولا تدخلنّ القبر خشبة ولا طوبة، ثم إذا قبرتمونى فامكثوا عندى قدر نحر جزور وتقطيعها، أستأنس بكم. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن سويد بن قيس، عن قيس بن سمىّ نحوه. قال وقال عمرو: فو الله إنّى إن كنت لأشدّ الناس حياء من رسول الله ﷺ ، ما ملأت عينى منه، ولا راجعته «٤» بما أريد حتى لحق بالله حياء منه. وصيّة عمرو بن العاص عند موته حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن طلحة، عن إسماعيل، أن عمرو بن العاص لمّا حضره الموت قال: ادعوا لى عبد الله، فقال: يا بنىّ إذا أنا متّ فاغسلنى وترا، واجعل فى آخر ماء تغسلنى به شيئا من كافور، فإذا فرغت فأسرع

стр. 204

بى، فإذا أدخلتنى قبرى فسنّ علىّ التراب سنّا، واعلم أنك تتركنى وحيدا خائفا، اللهمّ لا أعتذر، ولكنى أستغفر، اللهمّ إنك أمرت بأمور فتركنا، ونهيت فركبنا، فلا برىء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا اله إلا أنت لا إله إلا أنت،- ثلاث مرّات- ثم قبض. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن عمرو ابن العاص لما حضرته الوفاة ذرفت «١» عيناه فبكى، فقال له عبد الله: يا أبت، ما كنت أخشى «٢» أن ينزل بك أمر الله إلا صبرت عليه، قال له: يا بنىّ إنه نزل بأبيك خلال ثلاث: أما أولاهن فانقطاع عمله، وأما الثانية فهول المطّلع، وأما الثالثة ففراق الأحبّة وهى أيسرهن. اللهمّ أمرت فتوانيت، ونهيت فعصيت، اللهم ومن شيمك «٣» العفو والتجاوز. حدثنا وهب الله بن راشد، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، أن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة قال: أى بنىّ، إذا متّ فكفّنّى فى ثلاثة أثواب، ثم أزّرنى فى أحدهنّ، ثم شقّوا لى الأرض شقّا، وسنّوا علىّ التراب سنّا، فإنى مخاصم، ثم قال: اللهمّ إنك أمرت بأمور ونهيت عن أمور، فتركنا كثيرا مما أمرت به، ووقعنا فى كثير مما نهيت عنه، اللهمّ لا إله إلا أنت، فلم يزل يردّدها حتى فاظ. حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد، حدثنا حرملة بن عمران التجيبى، حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن أبى فراس مولى عمرو بن العاص، أن عمرا لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا متّ فاغسلنى وكفّنّى، وشدّ علىّ إزارى فإنى مخاصم، فإذا أنت حملتنى فأسرع بى المشى، فإذا أنت وضعتنى فى المصلّى وذلك فى يوم عيد فانظر إلى أفواه الطرق فإذا لم يبق أحد، واجتمع الناس، فابدأ فصلّ علىّ، ثم صلّ العيد، فإذا وضعتنى فى لحدى فأهيلوا علىّ التراب، فإن شقّى الأيمن ليس بأحقّ بالتراب من شقّى الأيسر، فإذا سوّيتم علىّ فاجلسوا عند قبرى قدر نحر جزور وتقيطعها، أستأنس بكم. فلما تقدّم عبد الله بن عمرو ليصلّى على أبيه كما حدثنا عبد الغفّار ابن داود. وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن ربيعة بن لقيط، قال: والله ما

стр. 205

أحبّ أن لى بأبى أبا رجل من العرب، وما أحبّ أن الله يعلم أنّ عينى دمعت عليه جزعا، وأن لى حمر النعم، ثم كبّر. حدثنا سعيد بن عفير، قال: ودفن بالمقطّم من ناحية الفجّ، وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز «١» ، فأحبّ أن يدعو له من مرّ به، وفى ذلك يقول عبد الله بن الزبير: ألم تر أنّ الدهر أخنت ريوبه «٢» ... على عمرو السهمىّ تجبى له مصر فأضحى نبيذا بالعراء وضلّلت ... مكائده عنه وأمواله الدثر ولم يغن عنه جمعه واحتياله ... ولا كيده حتّى أتيح له الدهر ذكر فتح إفريقية ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال: فلما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وأمّر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، كان يبعث المسلمين فى جرائد الخيل كما كانوا يفعلون «٣» فى أيام عمرو، فيصيبون من أطراف إفريقيّة ويغنمون، فكتب فى ذلك عبد الله بن سعد إلى عثمان، وأخبره بقربهم من حرز المسلمين، ويستأذنه فى غزوها. فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه فى ذلك، فلما اجتمع الناس أمرّ عليهم عثمان الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا على عبد الله بن سعد مصر فيكون إليه الأمر. فخرج عبد الله بن سعد إليها، وكان مستقرّ سلطان إفريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنّة، وكان عليها ملك يقال له جرجير، كان هرقل قد استخلفه، فخلع هرقل وضرب الدنانير على وجهه، وكان سلطانه ما بين أطرابلس إلى طنجة. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان هرقل استخلف جرجير فخلعه. قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال: فلقيه جرجير فقاتله فقتله

стр. 206

الله، وكان الذي ولى قتله فيما يزعمون عبد الله بن الزبير، وهرب جيش «١» جرجير، فبثّ عبد الله بن سعد السرايا وفرّقها، فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية، طلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر، ولم يولّ عليهم أحدا، ولم يتّخذ بها قيروانا. فكانت غنائم المسلمين يومئذ كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن أبى أويس، قال أبو الأسود مولّى لنا قال: غزونا مع عبد الله بن سعد إفريقية، فقسم بيننا الغنائم بعد إخراج الخمس، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف دينار، وللراجل ألف دينار. فقسم لرجل من الجيش توفّى بذات الحمام فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار. حدثنا يوسف بن عدىّ، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عبد الرحمن ابن أبى هلال، عن أبى الأسود، أن أبا أوس مولّى لهم قديما حدّثه، أن رجلا خرج فى غزوة إفريقية فمات بذات الحمام، فقسم له، فكان سهمه يومئذ ألف دينار. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، عن غير واحد، أن عبد الله ابن سعد غزا إفريقية وقتل جرجير، فأصاب الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار. قال غير الليث من مشايخ أهل مصر: فى كل دينار دينار وربع. قال: ثم رجع الى حديث عثمان بن صالح وغيره قال: فكان جيش عبد الله ابن سعد ذلك عشرين ألفا. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، قال: كانت مهرة فى غزوة عبد الله ابن سعد وحدهم ستّمائة رجل. وغنث من الأزد سبعمائة رجل. وميدعان سبعمائة، وميدعان من الأزد. وكان على مقاسمها كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أزهر بن يزيد الغطيفى، شريك بن سمىّ، فباع ابن زرارة المدينىّ تبرا بذهب، بعضه أفضل من بعض، ثم لقيه المقداد بن الأسود فذكر ذلك له، فقال

стр. 207

المقداد: إن هذا لا يصلح. فقال له ابن زرارة: فضلها لك هبة. قال شريك: ما أحبّ أن لى ما تحوز «١» وإنى أرجع به. وكانت ابنة جرجير كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، وسعيد بن عفير، قد صارت لرجل من الأنصار فى سهمه، فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له، فجعل يرتجز: يا بنة جرجير تمشّى عقبتك ... إنّ عليك بالحجاز ربتك لتحملنّ من قباء قربتك قالت: ما يقول هذا الكلب؟ فأخبرت بذلك فألقت نفسها عن البعير الذي كانت عليه، فدقّت عنقها فماتت. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، أن عبد الله بن سعد هو الذي فتح إفريقية، ونقل «٢» هو الذي افترع إفريقية، وأنه كان يوضع بين يديه الكوم من الورق فيقال للأفارقة من أين لكم هذا؟ قال: فجعل إنسان منهم يدور كالذى يلتمس الشيء حتى وجد زيتونة فجاء بها إليه، فقال: من هذا نصيب الورق. قال: وكيف؟ قال: إن الروم ليس عندهم زيتون، فكانوا يأتونا فيشترون منا الزيت فنأخذ هذا الورق منهم. وإنما سمّوا الأفارقة فيما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة وغيره، أنهم من ولد فارق بن بيصر، وكان فارق قد حاز لنفسه من الأرض ما بين برقة إلى إفريقية، فبالأفارقة سميت إفريقيّة. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا بكر بن مضر، عن يزيد بن أبى حبيب، عن قيس بن أبى يزيد، عن الجلاس بن عامر، عن عبد الله بن أبى ربيعة، قال: صلّى عبد الله بن سعد للناس بإفريقية المغرب، فلما صلّى ركعتين سمع جلبة فى المسجد فراعهم ذلك، وظنّوا أنهم العدوّ، فقطع الصلاة، فلما لم ير شيئا خطب الناس ثم قال: إن هذه الصلاة اختضرت «٣» ، ثم أمر مؤذّنه فأقام الصلاة ثم أعادها.

стр. 208

قال: وبعث عبد الله بن سعد، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة بالفتح عقبة بن نافع. ويقال بل عبد الله بن الزبير، وذلك أصحّ. وسار- زعموا عبد الله بن الزبير- على راحلته إلى المدينة من إفريقية عشرين ليلة. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنى المنذر بن عبد الله الحزامى، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن سعد بعث عبد الله بن الزبير بفتح إفريقية، فدخل على عثمان فجعل يخبره بلقائهم العدوّ وما كان فى تلك الغزوة، فأعجب عثمان فقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا؟ قال: نعم. فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم قال له: اقصص عليهم ما «١» أخبرتنى. فتلكأ عبد الله بدئا، فأخذ الزبير قبضة حصباء وهمّ أن يحصبه بها؛ ثم تكلّم كلاما أعجبهم، فكان الزبير يقول: إذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة، فلينظر إلى أبيها وأخيها، فلن يلبث أن يرى ربيطة منها ببابه، لما كان يرى من شبه عبد الله بن الزبير بأبى بكر. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: بعث عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وكان فى الجيش بالفتح، فقدم على عثمان بن عفان، فبدأ به قبل أن يأتى أباه الزبير بن العوّام، فخرج عثمان إلى المسجد ومعه ابن الزبير، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الذي» أبلى الله المسلمين على يدى عبد الله ابن سعد، ثم قال: قم يا عبد الله بن الزبير فحدّث الناس بالذى شهدت. قال الزبير: فوجدت فى نفسى على عثمان، وقلت: يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذي يحقّ عليه، والذي يجمل به، فقام فتكلّم فأبلغ وأصاب، فما فرغ حتى ملأهم عجبا. ثم نزل عثمان وقام عبد الله بن الزبير إلى أبيه، فأخذ أبوه بيده، وقال: إذا أردت أن تتزوّج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها قبل أن تتزوّجها، كأنه يشبّهه ببلاغة أبى بكر الصدّيق جدّه. قال وحدّثنيه ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وقد قيل إن عبد الله بن سعد قد كان وجّه مروان بن الحكم إلى عثمان من إفريقية، فلا أدرى أفى الفتح أم بعده «٣» ، والله أعلم.

стр. 209

حدثنا عبد الله بن معشر الأيلى: أن مروان بن الحكم أقبل من إفريقية، أرسله عبد الله بن سعد، ووجّه معه رجلا من العرب من لخم أو جذام- شكّ عبد الرحمن قال: فسرنا حتى إذا كنّا ببعض الطريق قرب الليل، فقال لى صاحبى: هل لك إلى صديق لى هاهنا؟ قلت: ما شئت. قال: فعدل بى عن الطريق حتى أتى إلى دير، واذا سلسلة معلّقة، فأخذ السلسلة، فحرّكها، وكان أعلم منّى، فأشرف علينا رجل، فلما رآنا فتح الباب، فدخلنا، فلم يتكلّم حتى طرح لى فراشا ولصاحبى فراشا، ثم أقبل على صاحبى يكلّمه بلسانه، فراطنه حتى سؤت ظنّا، ثم أقبل علىّ، فقال: أيّ شىء قرابتك من خليفتهم؟ قلت: ابن عمّه. قال: هل أحد «١» أقرب إليه منك؟ قلت: لا، إلا أن يكون ولده. قال: صاحب الأرض المقدّسة أنت؟ قلت: لا. قال: فإن استطعت أن تكون هو فافعل؛ ثم قال: أريد أن أخبرك بشىء وأخاف أن تضعف عنه. قال: قلت: ألى تقول هذا؟ وأنا أنا. ثم أقبل على صاحبى فراطنه «٢» ، ثم أقبل علىّ فساءلنى «٣» عن مثل ذلك، وأجبته بمثل جوابى، فقال: إن صاحبك مقتول، وإنّا نجد أنه يلى هذا الأمر من بعده صاحب الأرض المقدّسة، فإن استطعت أن تكون ذلك فافعل، فأصابتنى لذلك وجمة. فقال لى: قد قلت لك إنى أخاف ضعفك عنه. فقلت: وما لى لا يصيبنى، أو كما قال، وقد نعيت إلىّ سيّد المسلمين وأمير المؤمنين. قال: ثم قدمت المدينة فأقمت شهرا لا أذكر لعثمان من ذلك شيئا، ثم دخلت عليه وهو فى منزل له على سرير، وفى يده مروحة، فحدّثته بذلك؛ فلما انتهيت إلى ذكر القتل بكيت وأمسكت. فقال لى عثمان: تحدّث، لا تحدّثت. فحدّثته، فأخذ بطرف المروحة يعضّها أحسبه، قال عبد الرحمن: واستلقى على ظهره، وأخذ بطرف عقبه يعركه، حتى ندمت على إخبارى إياه، ثم قال لى: صدق وسأخبرك عن ذلك، لمّا غزا رسول الله ﷺ تبوك، أعطى أصحابه سهما، وأعطانى سهمين، فظننت أن رسول الله ﷺ إنما أعطانى ذلك لما كان من نفقتى فى تبوك، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنك أعطيتنى سهمين، وأعطيت أصحابى سهما سهما، فظننت أن ذلك لما كان من نفقتى، فقال رسول الله ﷺ : لا. ولكن أحببت أن يرى الناس مكانك منى أو منزلتك منى،

стр. 210

فأدبرت فلحقنى عبد الرحمن بن عوف فقال: ماذا قلت لرسول الله ﷺ ؟ ما زال يتبعك بصره. فظننت أنّ قولى قد خالف رسول الله ﷺ ، فأمهلت حتى إذا خرج إلى الصلاة أتيته فقلت: يا رسول الله، إن عبد الرحمن بن عوف أخبرنى بكذا وكذا، وأنا أتوب إلى الله، أو كما قال. فقال: لا، ولكنك مقتول، أو قاتل، فكن المقتول، والله أعلم. قال: عبد الرحمن: «١» وكان فتح إفريقية كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، سنة سبع وعشرين. وفى تلك السنة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن مالك بن أنس، توفّيت حفصة زوج النّبيّ ﷺ . ذكر النوبة قال: عبد الرحمن «٢» : غزا عبد الله بن سعد الأساود، وهم النوبة، كما حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير سنة إحدى وثلاثين. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عبد الله بن سعد بن أبى سرح عامل عثمان على مصر، فى سنة إحدى وثلاثين، فقاتله النوبة. قال ابن لهيعة: وحدثنى الحارث بن يزيد، قال: اقتتلوا قتالا شديدا، وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وأبى شمر بن أبرهة، وحيويل بن ناشرة، فيومئذ سمّوا رماة الحدق، فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم. وقال الشاعر: لم تر عينى مثل يوم دمقله ... والنخيل تعدو بالدروع «٣» مثقله قال ابن أبى حبيب فى حديثه: وإن عبد الله صالحهم على هدنة بينهم، على أنهم لا يغزونهم، ولا يغزوا النوبة المسلمين، وأن النوبة يؤدّون كلّ سنة إلى المسلمين كذا وكذا رأسا من السبى، وأن المسلمين يؤدّون إليهم من القمح كذا وكذا، ومن العدس كذا وكذا، فى كل سنة. قال ابن أبى حبيب: وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق، إنما هى هدنة أمان بعضنا من بعض.

стр. 211

قال ابن لهيعة: ولا بأس أن يشترى رقيقهم منهم ومن غيرهم. وكان أبو حبيب أبو يزيد بن أبى حبيب- واسمه سويد- منهم. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: سمعت يزيد بن أبى حبيب، يقول: أبى من سبى دمقلة مولّى لرجل «١» من بنى عامر من أهل المدينة يقال له شريك ابن طفيل. قال: وكان الذي صولح عليه النوبة كما ذكر بعض مشايخ أهل مصر، على ثلاثمائة رأس وستين رأسا فى كل سنة، ويقال بل على أربعمائة رأس فى كل سنة. منها لفىء المسلمين ثلاثمائة رأس وستون رأسا، ولوالى البلد أربعون رأسا. قال فزعم بعض المشايخ أن منها سبعة عشر مرضعا «٢» . ثم انصرف عبد الله ابن سعد عنهم. ويقال فيما ذكر بعض المشايخ المتقدّمين، أنه نظر فى بعض الدواوين بالفسطاط، وقرأه قبل أن ينخرق «٣» ، فإذا هو يحفظ منه: إنّا عاهدناكم وعاقدناكم أن توفونا فى كل سنة ثلاثمائة رأس وستّين رأسا وتدخلوا بلادنا مجتازين غير مقيمين، وكذلك ندخل بلادكم، على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة، وعلى إن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة، وعليكم ردّ أبّاق المسلمين، ومن لجأ إليكم من أهل الذمّة. قال: وزعم غيره من المشايخ أنه لا سنّة للنوبة على المسلمين، وأنهم أوّل عام بعثوا بالبقط أهدوا لعمرو بن العاص أربعين رأسا، فكره أن يقبل منهم، فردّ ذلك على عظيم من عظماء القبط يقال له نستقوس، وهو القيّم لهم فيها، فباع ذلك، واشترى لهم جهازا، فاحتجّوا بذلك أن عمرا بعث إليهم القمح والخل «٤» وذلك أنهم زجروا عن القمح والخيل، فكشفوا ذلك فى الزمان الأول فأصيبوا. هذه قصّتهم.

стр. 212

ثم رجع الحديث. فتجمّع له فى انصرافه على شاطىء النيل البجة، فسأل عنهم فأخبر بمكانهم «١» ، فهان عليه «٢» أمرهم، فنفذ وتركه، ولم يكن لهم عقد ولا صلح؛ وأوّل من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب. ويزعم بعض المشايخ أنه قرأ كتاب ابن الحبحاب فإذا فيه: ثلاثمائة بكر فى كل عام حتى ينزلوا الريف مجتازين تجارا غير مقيمين، على ألا يقتلوا مسلما ولا ذمّيّا، فإن قتلوه فلا عهد لهم ولا يؤوا عبيد المسلمين، وأن يردّوا أباقهم إذا وقعوا؛ وقد عهدت هذا فى أيامهم يؤخذون به؛ ولكل شاة أخذها بجاوىّ فعليه أربعة دنانير، والبقرة عشرة، وكان وكيلهم مقيما بالريف رهينة بيد المسلمين. ذكر ذى الصوارى قال عبد الرحمن «٣» : ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح كما حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، ذات الصّوارى فى سنة أربع وثلاثين. وكان من حديث هذه الغزوة كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصوارى أنزل نصف الناس مع بسر بن أبى أرطاة سرية فى البرّ، فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله ابن سعد، فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك هرقل فى ألف مركب فافعله الساعة. قال غير الليث: إنما هو ابن هرقل لأن هرقل مات فى سنة تسع عشرة والمسلمون محاصرون الإسكندرية. ثم رجع إلى حديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب، قال: وإنما مراكب المسلمين يومئذ مائتا مركب ونيّف فقام عبد الله بن سعد بين ظهرانى الناس فقال: قد بلغنى أن هرقل قد أقبل إليكم فى ألف مركب، فأشيروا علّى؛ فما كلّمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم قام الثانية فكلّمهم، فما كلّمه أحد، فجلس، ثم قام الثالثة، فقال: إنه لا يبق شىء، فأشيروا علىّ. فقام رجل من أهل المدينة كان متطوّعا مع عبد الله بن سعد فقال: أيها الأمير إن

стр. 213

الله جلّ ثناؤه يقول كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «١» فقال عبد الله: اركبوا باسم الله، فركبوا، وإنما فى كل مركب نصف شحنته، قد خرج النصف الآخر الى البرّ مع بسر، فلقوهم، فاقتتلوا بالنبل والنشّاب، وتأخر هرقل لئلا تصيبه الهزيمة، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار، فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد اقتتلوا بالنبل «٢» والنشّاب. فقال: غلبت الروم، ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؟ (٣ قالوا: قد نفد النبل والنشاب، فهم يرتمون بالحجارة. قال: غلبت الروم. ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؟ ٣) قالوا قد نفدت الحجارة، وربطوا المراكب بعضها ببعض، يقتتلون بالسيوف. قال: غلبت الروم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: وكانت السفن إذ ذاك «٤» تقرن بالسلاسل عند القتال. فقال: فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مركب العدوّ، فكاد مركب العدوّ يجترّ مركب عبد الله إليهم، فقام علقمة بن يزيد الغطيفى، وكان مع عبد الله بن سعد فى المركب، فضرب السلسلة بسيفه فقطعها. فسأل عبد الله امرأته بعد ذلك بسيسة ابنة حمزة بن ليشرح، وكانت مع عبد الله يومئذ، وكان الناس يغزون بنسائهم فى المراكب، من رأيت أشدّ قتالا؟ قالت: علقمة صاحب السلسلة. وكان عبد الله قد خطب بسيسة إلى أبيها، فقال له: إنّ علقمة قد خطبها وله علىّ فيها وأى، وإن يتركها أفعل «٥» ، فكلّم عبد الله علقمة فتركها، فتزوّجها عبد الله بن سعد، ثم هلك عنها عبد الله، فتزوّجها بعده علقمة بن يزيد، ثم هلك عنها علقمة، فتزوّجها بعده كريب بن أبرهة، وماتت تحته فى السنة التى قتل فيها مروان الأكدر بن حمام. قال غير ابن لهيعة قتل مروان الأكدر بن حمام فى اليوم الذي ماتت فيه بسيسة، فجاء الخبر إلى كريب بذلك، فقال: حتى أفرغ من دفن هذه الجنازة، فلم ينصرف حتى قتل، فلام الناس يومئذ كريب بن أبرهة. وللأكدر بن حمام وقتله حديث أطول من هذا.

стр. 214

(* قال غير ابن لهيعة: مشت الروم إلى قسطنطين بن هرقل فى سنة خمس وثلاثين فقالوا تترك الإسكندرية فى أيدى العرب وهى مدينتنا الكبرى! فقال: ما أصنع بكم ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب، قالوا: فاخرج على أنّا نموت. فتبايعوا على ذلك، فخرج فى ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار فى أيام غالبة «١» من الريح، فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم إلّا قسطنطين نجا بمركبه، فألقته الريح بسقلّيّة، فسألوه عن أمره، فأخبرهم «٢» ، فقالوا: شمّت «٣» النصرانيّة وأفنيت رجالها، لو دخل العرب علينا لم نجد «٤» من يردّهم. فقال خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا، فصنعوا له الحمّام، ودخلوا عليه، فقال ويلكم، تذهب رجالكم وتقتلون ملككم. قالوا: كأنه غرق معهم. ثم قتلوه، وخلّوا من كان معه فى المراكب*) . ذكر رابطة الإسكندرية (* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن بهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب وعبد الله ابن هبيرة، يزيد أحدهما على صاحبه، قال: لمّا استقامت البلاد، وفتح الله على المسلمين الإسكندرية قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس خاصّة، الربع يقيمون ستّة أشهر، ثم يعقبهم «٥» شاتية ستّة أشهر، ربع «٦» فى السواحل، والنصف الثانى مقيمون معه. قال غيرهما: وكان عمر بن الخطاب يبعث فى كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالاسكندرية، وكاتب «٧» الولاة، لا تغفلها وتكثّف رابطتها، ولا تأمن الروم عليها. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد، قد علمت كيف كان همّ أمير

стр. 215

المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرّتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم فى كل ستّة أشهر. حدثنا طلق بن السمح، حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافرى، حدثنا أبو قبيل، أن عتبة بن أبى سفيان عقد لعلقمة بن يزيد الغطيفى على الإسكندرية، وبعث معه اثنى عشر ألفا، فكتب علقمة إلى معاوية يشكو عتبة حين غرّر به وبمن معه. فكتب إليه معاوية: إنى قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام، وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان فيها سبعة وعشرون ألفا*) . حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، أن علقمة بن يزيد كان على الإسكندرية ومعه اثنا عشر ألفا، فكتب إلى معاوية: إنك خلّفتنى بالإسكندرية وليس معى إلا اثنا عشر ألفا، ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلّة، فكتب إليه معاوية: إنى قد أمددتك بعبد الله بن مطيع فى أربعة آلاف من أهل المدينة، وأمرت معن بن يزيد السلمى أن يكون بالرملة فى أربعة آلاف ممسكين بأعنّة خيولهم، متى يبلغهم عنك فزع يعبروا إليك. قال ابن لهيعة: وكان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة. ذكر من كان يخرج على غزو المغرب بعد عمرو ابن العاص وفتوحه معاوية بن حديج. قال: ثم خرج إلى المغرب بعد عبد الله بن سعد معاوية بن حديج التجيبى سنة أربع وثلاثين، وكان معه فى جيشه عامئذ عبد الملك بن مروان، فافتتح قصورا، وغنم غنائم عظيمة «١» ، واتّخذ قيروانا عند القرن، فلم يزل فيه حتى خرج إلى مصر، وكان معه فى غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة. وحدثنا يوسف بن عدىّ، حدثنا عبد الله بن المبارك، نحوه عن ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، قال: غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا من المهاجرين والأنصار بشر كثير، فنفلنا ابن حديج النصف بعد الخمس، فلم أر احدا أنكر ذلك إلّا جبلة بن عمرو الأنصارىّ. وحدثنا يوسف بن عدى، حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبى
следующие страницы →