Полный текст (512 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: قدمت سفن إفريقيّة سنة ثمان وتسعين عليهم ابن أبى بردة، فغزوا هم «١» وأهل مصر عليهم شريح بن ميمون فشتوهم والسفن الأولى عمر «٢» بن هبيرة وأبو عبيدة على أهل المدينة بالبنطس.
وكانت منازل مهرة قبلىّ «٣» الراية مما يلى منازل ابن سعد بن أبى سرح حوزا حازوه، وكانوا إذا أتوا لجمعة ربطوا خيولهم، ثم نقلهم عمرو بن العاص بعد ذلك وضمّهم إليه، وعطلوا منازلهم هنالك، فذهبت مهرة بخطّتها حتى لقيت غافقا فى السوق ولقوا الصدف ولقوا غنثا مما يلى الغرب.
واختطّت لخم. فاختطّت قبلىّ ثقيف مما يلى السرّاجين فالدار التى صارت لعيّاش بن عقبة لهم ودار الزّلابية، ومضوا بخطّتهم إلى عقبة مهرة إلى زقاق أبى حكيم، ومعهم نفر من جذام، ثم انحدروا فى زقاق وردان مولى ابن أبى سرح.
وثمّ خطّة أبى رقيّة اللخمىّ، ومنزله هنالك قائم بحاله لم يغيّر، يقابل المسجد الذي عند دور بنى وردان.
ثم انحدروا إلى مسجد عبد الله فما كان عن يمينك وأنت تريد المسجد الجامع فى الطريق إلى دور الوردانيّين من مسجد عبد الله فهو للخم، وما كان عن يسارك فلغافق. ثم جازت لخم بخطّتها إلى دور مطر التى بسوق بربر فإنّ الأزد تلقّاهم بدور أبى مريم وباقى خطّتها فإن ذلك لحجر وحاء. ومسجد حاء المسجد الذي عند دار إسحاق بن متوكل ذو المنارة، والمسجد الذي على الطريق وأنت تريد إلى محرس أبى حبيب مجلس كان لهم يجلسون فيه، فإذا أقيمت الصلاة خرجوا من خوخات لهم ثلاث شوارع إلى الطريق فإذا صلّوا رجعوا إلى مجلسهم.
ثم يلقون خثيما ومازنا من الأزد مما يلى دار ابن فليح. ثم يلقون تنوخا مما يلى دار البراء بن عثمان بن حنيف. ثم يلقون غنثا من الأزد مما يلى دار ابن برمك، التى كانت الوكلاء تنزلها، فذلك الزقاق والرحبة وما شرع فى مسجد عبد الله من دار ابن الهيثم
стр. 142
الأيلى وما بينهما فلغنث من الأزد إلى منزل أشهب، وإذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك وأنت تريد الموقف فهو لغافق، وما كان عن يسارك فهو للأزد حتى تنتهى إلى الموقف.
والموقف كان لابنة مسلمة بن مخلّد فتصدّقت به على المسلمين. ودار أبى قدامة أيضا مما كانت تصدّقت به، ودار إبراهيم بن صالح، وهى دار بنى عبد الجبّار من غافق.
ثم مضت الأزد حتى أخذت ما شرع فى السويقة قبالة دار سعيد بن عفير، وزقاق الروّاسين حتى تنتهى إلى دار حوىّ ودار عبد الرحمن بن هاشم.
ثم تلقى مما يلى السويقة العتقاء، وهم قليل، ومسجد العتقاء هنالك مشهور، وللعتقاء من دار زياد الحاجب حتى تهبط إلى بيطار بلال إلى السوق.
وكان زبيد بن الحارث الحجرىّ حجر حمير كان عداده فى العتقاء، وكان عريفهم. وكان سعيد بن الجهم يقول لعبد الرحمن بن القاسم: أنت منا، فيضيق لذلك، يعنى أن زبيد بن الحارث من حجر، وأنه مولى لهم.
وكان عبد الرحمن بن القاسم يتولّى العتقاء.
فإذا جئت من السويقة وأنت تريد المسجد الجامع، فما كان عن يمينك فللأزد، وما كان عن يسارك مما يلى محرس أبى حبيب فلهم.
ثم تلقاهم شجاعة بسقيفة الغزل، وتلقاهم فهم عند كتّاب إسماعيل، وتلقاهم بنو شبابة الأزد عند دار حوىّ. فما كان على الخطّ الأعظم إذا انتهيت إلى درب دار حوىّ وتركته وأممت العسكر فهو لفهم حتى تبلغ العسكر، وتلك خطّة بنى شبابة من فهم.
ولبنى شبابة أيضا المسجد الذي له المنارة التى تخرجك إلى سقيفة تركيّ، ولهم أيضا المسجد الذي فى رحبة السّوسىّ.
وإذا هبطت من درب حوىّ البحرىّ وقعت فى هذيل. فما كان عن يمينك وأنت تريد الخندق فلهذيل، وما كان عن يسارك فلدهنة من الأزد حتى تلقى يشكر من لخم فى جبل يشكر.
ثم اختطّت غافق بين مهرة ولخم، ثم مضوا بخطّتهم حتى برزوا إلى الصحراء مما
стр. 143
يلى الموقف، ولقوا من وجه مهبّ الشمال لخما وغنثا، ولقوا مما يلى القبلة الصدف ومهرة.
واختطّت فاتّسعت خطّتها لكثرتهم. وكانت غافق كما حدّثنا عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب ثلث الناس مدخل عمرو بن العاص مصر.
ولغافق من درب السرّاجين إلى دور بنى وردان. فما كان عن يمينك فلغافق حتى تنتهى إلى مسجد فهم الجمرات، ثم جرى إلى الصّفا الى مسجدى حذران، وحذران بطن من غافق إلى مسجد أحدب وإلى مسجد الزمام.
وفى موضع مسجد الزمام دفن محمد بن أبى بكر الصدّيق فيما يزعمون.
ثم ارجع إلى حمّام سهل. فما كان عن يسارك وأنت تريد مهرة فلغافق، وثم زقاق حمد من غافق الذي قبالة حمّام سهل الذي للنساء، وفيه مسجد أبى موسى الغافقى ليس فى الزقاق مسجد غيره.
ولأبى موسى صحبة برسول الله ﷺ ، واسم أبى موسى عبد الله بن مالك. ولهم عنه عن رسول الله ﷺ حديثان.
حدثنا محمد بن يحيى الصدفى، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث أن يحيى بن ميمون الحضرمى حدثه عن وداعة الحمدىّ، حدثه أنه سمع أبا موسى الغافقى يقول قال رسول الله ﷺ : من افترى علىّ كذبا فليتبوّأ بيتا أو مقعدا من النار «١» .
حدثنا أسد بن موسى، وسعيد بن عفير، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة أبى الكنود، عن عبد الله بن مالك، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلّى ولا أقرأ حتى أغتسل.
ثم جرى إلى زقاق الموزة فإذا جاوزت زقاق الموزة إلى مسجد سيبان وهو المسجد ذو القبّة الذي عند دار خالد بن عبد السلام الصدفى، وسيبان من مهرة فما كان عن يسارك وأنت تريد إلى سقيفة جواد فلغافق، وما كان عن يمينك فللصدف إلى مسجد أحدب
стр. 144
إلى ما فوق ذلك إلى الدرب الذي يخرجك إلى الصحراء، غير أن دار ابن سابور وهى الدار التى صارت لإسماعيل بن أسباط خطّة رجل من حمير.
وللربّانيّين أيضا من غافق من دار مطر، ما كان عن يمينك وأنت تريد إلى مسجد عبد الله. وعبد الله الذي ينسب إليه المسجد هو عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وكان عبد الملك ولّاه مصر بعد موت عبد العزيز بن مروان. وكانت ولايته فى جمادى سنة ستّ وثمانين، كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، وكان حدثا. وكان أهل مصر يسمّونه مكيّسا «١» ، وهو أول من نقل الدواوين إلى العربيّة، وإنما كانت بالعجميّة، وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس.
ثم إلى دار ابن هجالة الغافقى، فإذا بلغت دار ابن هجالة فلغافق ما كان عن يمينك وعن شمالك. وفى دار ابن هجالة الغافقى كان تغيّب محمد بن أبى بكر حين دخل عمرو بن العاص مصر عام المسنّاة. وكانت المسنّاة كما حدثنّا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، فى صفر سنة ثمان وثلاثين.
وكانت للغافقى أخت ضعيفة، فلما أقبل معاوية بن حديج ومن معه فى طلب قتلة عثمان، قالت أخت الغافقى: من تطلبون؟ محمد بن أبى بكر؟ أنا أدلّكم عليه ولا تقتلوا أخى، فدلّتهم عليه، فلما أخذ قال: احفظوا فىّ أبا بكر. فقال معاوية بن حديج:
قتلت سبعين من قومى بعثمان وأتركك وأنت قاتله! فقتله.
وهى الدار الملاصقة بمسجد «٢» الزنج تعمل على بابها النعال السنديّة وفى داخلها الأرحاء.
ولغافق من مسجد بادى إلى دار إبراهيم بن صالح إلى مسجد إبراهيم القرّاط، وتلك دهنة غافق.
ولغافق من الخطّة أكثر مما ذكرنا، غير أن هذه جملها.
واختطّت الصدف قبلىّ مهرة، فمضوا بخطّتهم حتى برزوا بطرف منها، فلقوا حضر موت دون الصحراء، ولقوا مما يلى القبلة بنى سعد من تجيب، ولقوا آل أيدعان بن
стр. 145
سعد، ولقوا بطرف منها سلهما من مراد، ثم لقوا حضر موت حالوا «١» بينهم وبين الصحراء.
وكانت راية الأجدوم مدخل عمرو مع حيّان- أو حبّان- بن يوسف، فلما استقرّت الصدف عرّف عليهم عمران بن ربيعة، فأقام عريفا سنين، ثم عرّف ابنه، ولم يزل بالبلد منهم قوم لهم شرف وسخاء كان منهم ابن سليك الصدفى.
واختطّت حضر موت وبطن من يحصب فيهم فى موضعهم اليوم فى زمان عثمان ابن عفّان إلا عبد الله بن المتهلّل. ودخل مع عمرو بن العاص الفسطاط من حضرموت عبد الله بن كليب من الأشباء، خطّته فى آل أيدعان عند دار ابن الروّاغ. ومالك بن عمرو بن الأجدع من الحارث. وداره دار هبيرة بن أبيض. والملامس بن جذيمة بن سريع، وخطّته عند الصّفا عند دار الفرج بن جعفر. ونمر بن زرعة بن نمر بن شاجى البسّىّ «٢» . والأعين بن نمر بن مالك بن سريع. وأبو العالية مولى لهم وهو جدّ أبى قنان.
وكانوا مع أخوالهم فى تجيب، ثم قدمت مادّتهم فى أيام عثمان، فاختطّوا شرقىّ سلهم والصدف حتى أصحروا، فتحوّل إليهم من أراد التحوّل ممّن كان منهم بتجيب.
واختطّ بمكانهم عبد الله بن كليب من الأشباء خطّته فى بنى أيدعان عند دار ابن الروّاغ. وكان أخوه قيس بن كليب فى حجّاب عمرو بن العاص أيام معاوية، وهو فتّى شابّ جميل فرآه معاوية مع عمرو فقال: من هذا الفتى؟ فقال عمرو: أحد حجّابى.
فقال معاوية: ما يعان من حجبه مثل هذا.
ثم حجب بعد ذلك عبد العزيز بن مروان، وفى قيس بن كليب يقول أبو المصعب البلوىّ فى قصيدته التى هجا فيها أشراف أهل مصر:
وظلت أنادى اللّكعاء قيسا ... لتدخلنى «٣» وقد حضر الغداء
وليس بماجد الجدّات قيس ... ولكن حضرميّات قماء
стр. 146
وأعرض نفحة «١» ليربوع عنّى ... يزيد بعد ما رفع اللواء
أشار بكفّه اليمنى وكانت ... شمالا لا يجوز «٢» لها عطاء
أكلّم عائذا ويصدّ عنّى ... ويمنعه السّلام الكبرياء
وجرف قد تهدّم جانباه ... كريب ذاكم البرم العياء
وأمّا القحزمىّ فذاك بغل ... أضرّ به مع الدبر الحفاء
وهذاك القصيّر من تجيب ... ولو يسطيع ما نفض الخلاء
وتروى أضرّ به مع الدبر الخصاء.
قال وكان معاوية إذا قدم عليه أحد من أهل مصر سأله: هل تروى قصيد أبى المصعب؟ وهذه الأبيات فى قصيدة له، يريد بيزيد يزيد بن شرحبيل بن حسنة، وقيس قيس بن كليب الحاجب، وعائذ بن ثعلبة البلوىّ. وقتل عائذ بالبرلّس فى سنة ثلاث وخمسين مع وردان مولى عمرو بن العاص، وأبى رقيّة اللخمى «٣» ، وسأذكر حديثهم فى موضعه إن شاء الله. والقحزمىّ عمرو بن قحزم وكريب كريب بن أبرهة، والقصيّر من تجيب زياد بن حناطة التجيبى ثم الخلاوىّ وهو صاحب قصر ابن حناطة الذي بتجيب.
ولم يزل الملامس بن جذيمة عريف حضر موت يدّعون له الأشباء والحارث، حتى زمان معاوية بن أبى سفيان، فإنه وقع بين مسلمة بن مخلّد وبين الملامس كلام، فاستأذن الملامس معاوية فى النقلة إلى فلسطين بحضر موت، فأذن له، وكتب له بذلك إلى مسلمة، فكره مسلمة ذلك، فقال له رجل من حضر موت يقال له فلان بن مسلم: أنا أمشى بينهم فأكرّه إليهم الخروج ففعل، فلما تنجّز الملامس ذلك من مسلمة قال له: إن رضى قومك، ثم جمعهم فذكر لهم ما قال الملامس، فقال رجل منهم: ما نفارق بلادنا. فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن أميّة. قال: فمن قومك؟ قال: بنو عوف. ثم تتابعوا على مثل قوله فكتبهم وعرّفهم.
стр. 147
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن عتبة بن أبى حكيم، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ ، قال: حضر موت خير من بنى الحارث «١» .
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أن معاوية بن أبى سفيان كتب إلى مسلمة بن مخلّد وهو على مصر: لا تولّى عملك إلا أزدىّ أو حضرمىّ، فإنهم أهل الأمانة.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن تبيع، قال: لا يدرك أحد من حضر موت الدجّال.
قال: ثم اختطّت تجيب، فأخذت بنو عامر شرقىّ الحصن قبلىّ منزل عبد الله بن سعد بن أبى سرح، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهبّ الشمال، ولقوا سلهما عما يلى الشرق، ولقوا وعلان من مراد، وطرفا من خولان من مهبّ الجنوب، ثم لقوا بنى غطيف وقبائل من مراد، وحالت سلهم بينهم وبين الصحراء.
فخطّة كنانة بن بشر بن سلمان الأيدعىّ دار هبيرة، وثمّ مسجده. ثم صارت بعد ذلك لعثمان بن يونس أبى السمح جدّ ابن دهقان لأمّه. وكان لكنانة سيف يقال له المقلّد، صار إلى سعيد بن عبيد، فكان سعيد يقول: إنما لتجيب سيفان، عريض بنى حديج والمقلّد، فقد صار المقلّد إلىّ.
قال: واختطّت خولان الشرق قبلىّ الحصن ومهبّ الجنوب، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى وائل والفارسييّن فى السهل، ولقوا تجيب ورعينا فى الجبل، ولقوا بنى غطيف وبنى وعلان من مراد فى الشرق، وتجيب من مهبّ الشمال، فجاوزهم غطيف فتحوّل بينهم وبين خطّتهم.
وكان رائم بن ثعلبة الخولانى من الحياويّة يقال إنه رجل من كنانة معروف النسب فيهم، وفيه يقول ابن جذل الطّعان:
من مبلغ خولان عنّى رسالة ... يربّضها «٢» أبنا فراس بن مالك
стр. 148
بأنّ أخانا رائم الخير فيكم ... مقيم بلا ذنب بأزل المهالك
إلى مالك ينمى إذا عدّ أصله ... كنانة أهل المكرمات الموالك
فأجابه رجل من خولان، فقال:
من مبلغ عنّى فراسا رسالة ... فنحن لخولان بن عمرو بن مالك
إلى سبا الأملاك أصلى ومنبتى ... يحدّثنى جدّى به غير هالك
قال: واختطّت مذحج بين خولان وتجيب. واختطّت وعلان مما يلى القصر، ثم مضوا ينازلون خولان وتجيب هم وبنو غطيف.
ثم مضت مراد بخطّتها حتى لقوا قبائل نافع ورعين، وفيهم بنو عبس بن زوف، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى موهب من المعافر، ولقوا السلف وسبأ وحالوا بينهم وبين الصحراء.
وقد غلط بعض الناس فى بنى عبس بن زوف والزقاق المنسوب إلى بنى عبس، فقال: هم عبس قيس وليس كما قال.
حدثنا أبو الأسود النضر، بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة. عن عتبة بن أبى حكيم، أن رسول الله ﷺ ، قال: أكثر القبائل فى الجنّة مذحج.
واختطّت القبائل المنسوبة إلى سبإ منهم ابن ذى هجران ومعهم السلف شرقىّ جنب مما يلى مراد، ثم مضوا بخطّتهم بين المعافر وحضر موت حتى أصحروا.
واختطّت حمير قبلىّ خولان وشرقيّها وشرقى بديعة من مذحج، فكانت يحصب قبلىّ المعافر حتى قطعوا الجبال.
واختطّت يافع ورعين شرقى خولان «١» ، ثم لقوا قبائل الكلاع، ثم مضوا بين قبائل سبإ والمعافر وبين اصطبل قرّة بن شريك حتى أصحروا.
واختطّت المعافر وفيهم الأشعريّون والسّكاسك شرقى الكلاع، فوليهم من ذلك الأكنوع وهم من الأشعريّين. وبنو موهب ثم السكاسك ثم المعافر وهم مختلطون. ثم
стр. 149
مضوا بخطّتهم حتى أصحروا ينازلون حمير وطائفة من خولان. وحمير والمعافر على الجبل موفون على قبائل مضر، وليس فى هذا الجبل إلا هذه القبائل، غير أن جهينة قد كانت نزلت بجرف ينّة «١» .
وكانت المعافر قد نزلت إلى جنب عمرو بن العاص فأذاهم البعوض وكان جرى النيل. فشكوا «١» ذلك إلى عمرو وسأوه أن ينقلهم، فقال: لا أجد قوما أحمل «٢» لى من أصحابى، فنقل قريشا إلى موضعهم، ونقل المعافر إلى موضعها التى هى به اليوم، وقال عمرو لأصحابه: اغتنموا، فكأنى أنظر إلى المسجد وما حوله قد صار فيه الناس ورغبوا فيه وإلى موضعهم قد خرب، فكان كما قال.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبى قبيل، عن شفىّ بن ماتع، قال: كان الناس إذا كان فزع خرجوا براياتهم، وكان لكل قوم موقف، فكان موقف المعافر تحت الكوم يريد بالإسكندرية.
وقصر فهد الذي بالمعافر ومسجد لسبإ خطّه هو فهد بن «٣» كثير بن فهد، وكان ولى برقة أيام أسامة بن زيد الأولى، وكان قد ولى جزيرة الصناعة، وهو «٤» القصر الذي عند مسجد الزينة، وفى الأشعريّين والسكاسك جاء الحديث.
حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك، حدثنا الركن بن عبد الله بن سعد، عن مكحول، عن معاذ، أن النبي ﷺ يوم بعثه إلى اليمن حمله على ناقة، وقال: يا معاذ انطلق حتى تأتى الجند، فحيث «٥» بركت بك هذه الناقة فأذّن وصلّ وابن فيه مسجدا، فانطلق معاذ حتى إذا انتهى إلى الجند، دارت به ناقته، وأبت أن تبرك. فقال: هل من جند غير هذا؟ قالوا: نعم. جند رخامة، فلما أتاه دارت وبركت، فنزل معاذ فنادى بالصلاة ثم قام فصلّى، فخرج إليه ابن يخامر السّكسكىّ، فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول رسول ربّ العالمين. فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقاتل من خالف رسول الله ﷺ . فلما
стр. 150
قصّ عليه معاذ ما أوصاه به رسول الله ﷺ ، قال له ابن يخامر: مرحبا بمن جئت من عنده، ومرحبا بك. ابسط يدك، فبايعه ووثب إليه ثلّة من الأشعريّين، ووثب إليه الأملوك أملوك ردمان، فقال ابن يخامر: إن العرصة «١» التى بنيت فيها المسجد لى، فقال معاذ:
خذ ثمنها، فقال: لا، بل هى لله والرسول. فقاتل معاذ من خالف رسول الله ﷺ بالثلّة من الأشعريّين والأملوك أملوك ردمان حتى أجابوه، فكتب إلى رسول الله ﷺ : إنى قاتلت حتى أجابنى أهل اليمن بثلّة من الأشعريّين والسكاسك والأملوك أملوك ردمان. فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ اغفر للسكاسك والأملوك أملوك ردمان وثلّة من الأشعريّين.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بخير قبائل؟ قالوا بلى. قال الأملوك أملوك ردمان وفرق من «٢» الأشعريّين وفرق من خولان والسكاسك والسّكون.
قال: واختطّت بنو وائل فى مهبّ الشمال، ثم مضوا بخطّتهم شارعين على النيل حتى لقيت راشدة من لخم مما يلى الاصطبل. وبين طائفة منهم وبين يحصب وهم فى الجبل الفارسيّون وهم قليل.
ثم انحطّت «٣» طائفة من لخم خلف بنى وائل وشرعوا فى النيل، ثم مضوا ينازعون يحصب وهم فى جبل حتى برزوا إلى أرض الحرث والزرع، وكان بين القبائل فضاء من القبيل إلى القبيل، فلما مدّت الأمداد فى زمان عثمان بن عفّان وما بعد ذلك وكثر الناس، وسّع كلّ قوم لبنى أبيهم حتى كثر البنيان والتأم.
خطط الجيزة
(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة يزيد أحدهما على صاحبه، قال: فاستحبّت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن
стр. 151
العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين. وما فتح عليهم «١» ، وما فعلوا فى خططهم؛ وما استحبّت همدان ومن والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر، يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرقّ عنكّ أصحابك، لم يكن ينبغى لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينهم وبينك بحر، لا تدرى ما يفجؤهم فلعلّك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم. فابن عليهم من فىء المسلمين حصنا.
فعرض عمرو ذلك عليهم فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم؛ يافع وغيرها، واحبّوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة فى سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه فى سنة اثنتين وعشرين.
قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إن عمرو بن العاص لّما سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط، قالوا: متقدّما «٢» قدّمناه فى سبيل الله ما كنّا لنرحل «٣» منه إلى غيره، فنزلت يافع الجيزة، فيها مبرّح بن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بنى مالك بن الحجر*) .
وكانت منهم طائفة قد اختطّوا بالفسطاط أسفل من عقبة تنوخ، قد بيّنت ذلك فى صدر كتابى.
قال: وقد كان دخل مع عمرو بن العاص قوم من العجم يقال لهم الحمراء والفارسيّون. فأمّا الحمراء فقوم من الروم فيهم بنو ينّة وبنو الأزرق وبنو روبيل. والفارسيّون قوم من الفرس وفيهم «٤» زعموا قوم من الفرس الذين كانوا بصنعاء، وكان حامل لوائهم ابن ينّة، وإليه تنسب سقيفة ابن ينّة التى بفسطاط مصر بالحمراء.
فقالت الروم والفارسيّون: إنّهم العرب، وإنّا لا نأمنهم ونخاف الغدر من قبلهم، قالوا: فما الرأى؟ قالوا: ننزل نحن فى طرف وأنتم فى طرف، فإن يكن منهم غدر كانوا
стр. 152
بيننا، فقال بعضهم: فإن يكن منهم غدر كانوا بين لحيى الأسد، وكنّا قد أخذنا بالوثقى.
فنزلت الروم الحمراء التى بالقنطرة، ونزلت الفرس بناحية بنى وائل فمسجد الفارسيّين هنالك مشهور معروف.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن شيخ من موالى فهم، عن علىّ بن رباح، قال: قدم عمرو بن العاص بالحمراء والفارسيّين من الشام. قال ابن لهيعة: سمّاهم الحمراء لأنهم من العجم.
ذكر أخائذ الإسكندرية
قال وأما الإسكندرية فلم يكن بها خطط، غير أن أبا الأسود النضر بن عبد الجبّار حدثنا، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن الزبير بن العوّام اختطّ بالإسكندرية.
وإنما كانت أخائذ من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. وأن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية أقبل هو وعبادة بن الصامت حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن حديج: ننزل، فنزل عمرو بن العاص القصر الذي صار لعبد الله ابن سعد بن أبى سرح، ويقال إن عمرا وهبه له لمّا ولى البلد.
ونزل أبو ذرّ الغفارى منزلا كان غربىّ المصلّى الذي عند مسجد عمرو مما يلى البحر وقد انهدم، ونزل معاوية بن حديج موضع داره التى فوق هذا التلّ، وضرب عبادة ابن الصامت بناء فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية. ويقال إن أبا الدرداء كان معه والله أعلم.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة فى حديثهما، قال: فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربع فى السواحل والنصف مقيمون معه «١» ، وكان يصيّر بالإسكندرية خاصّة الربع فى الصيف بقدر ستّة أشهر، ويعقب بعدهم شاتية ستّة أشهر، وكان لكل عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه واتّخذوا فيه أخائذ.
стр. 153
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، أن المسلمين لما سكنوها فى رباطهم ثم قفلوا ثم غزوا، ابتدروا، فكان الرجل يأتى المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك فيبتدره فيسكنه، فلما غزوا قال عمرو: إنى أخاف أن تخربوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها، فلما كان عند الكريون قال لهم: سيروا على بركة الله، فمن ركز منكم رمحه فى دار فهى له ولبنى أبيه، فكان الرجل يدخل الدار فيركز رمحه فى منزل منها، ثم يأتى الآخر فيركز رمحه فى بعض بيوت الدار، فكانت الدار تكون لقبيلتين، ثلاث، وكانوا يسكنونها، حتى إذا قفلوا سكنها الروم وعليهم مرمّتها.
فكان يزيد بن أبى حبيب، يقول: لا يحلّ من كرائها شىء ولا بيعها. ولا يورّث ولا يورث منها شىء، إنما كانت لهم يسكنونها فى رباطهم.
الزيادة فى المسجد الجامع
ثم إن مسلمة بن مخلّد الأنصارى زاد فى المسجد الجامع بعد بنيان عمرو له، ومسلمة الذي كان أخذ أهل مصر ببنيان المنار للمساجد، كان أخذه إيّاهم بذلك فى سنة ثلاث وخمسين، فبنيت المنار وكتب عليها اسمه.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: أخذ مسلمة بن مخلّد الناس ببناء منار المساجد ووضع ذلك عن خولان؛ لأنه كان صاهر إليهم، وأسقط ذلك عنهم.
ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد فى سنة سبع وسبعين وبناه. ثم كتب الوليد ابن عبد الملك فى خلافته إلى قرّة بن شريك العبسىّ وهو يومئذ واليه على أهل مصر.
وكانت ولاية قرّة بن شريك مصر فى سنة تسعين، قدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وعزل عبد الله بن عبد الملك، وفى ذلك يقول الشاعر «١» :
عجبا ما عجبت حين أتانا ... أن قد امّرت قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنّا ... ثمّ فيّلت فيه رأى أبيك
فهدمه كلّه وبناه هذا البناء، وزوّقه، وذهّب رءوس العمد التى فى مجالس قيس، وليس فى المسجد عمود مذهّب الرأس إلا فى مجالس قيس، وحوّل قرّة المنبر حين هدم
стр. 154
المسجد إلى قيساريّة العسل، فكان الناس يصلّون فيها الصلوات ويجمّعون فيها الجمع، حتى فرغ من بنيانه. والقبلة فى القيسارية إلى اليوم، وكانت القبّة التى فى وسط الجزيرة بين الجسرين فى المسجد «١» الجامع. ثم زاد موسى بن عيسى الهاشمى بعد ذلك فى مؤخّره فى سنة خمس وسبعين ومائة. ثم زاد عبد الله بن طاهر فى عرضه بكتاب المأمون بالإذن له فى ذلك فى سنة ثلاث عشرة ومائتين. وأدخل فيه دار الرمل كلها إلا ما بقى منها من دار الضرب، ودخلت فيه دار ابن رمّانة وغيرها من بعض الخطط التى ذكرناها.
فكان عمّال الوليد بن عبد الملك، كما حدثنا سعيد بن عفير، كتبوا إليه: إن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس، فكتب إليهم أن ابنوا المساجد.
فأوّل مسجد بنى بفسطاط مصر المسجد الذي فى أصل حصن الروم عند باب الريحان قبالة الموضع الذي يعرف بالقالوس يعرف بمسجد القلعة «٢» .
حدثنا حميد بن هشام الحميرى، قال: كل مسجد بفسطاط مصر فيه عمد رخام فليس بخطّىّ.
وأوّل كنيسة بنيت بفسطاط مصر، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن بعض شيوخ أهل مصر، الكنيسة التى خلف القنطرة أيام مسلمة بن مخلّد، فأنكر ذلك الجند على مسلمة وقالوا له: أتقّر لهم أن يبنوا الكنائس! حتى كاد أن يقع بينهم وبينه شرّ، فاحتجّ عليهم مسلمة يومئذ فقال: إنها ليست فى قيروانكم، وإنما هى خارجة فى أرضهم، فسكتوا عند ذلك، فهذه خطط أهل مصر.
ذكر القطائع
قال: وقد كان المسلمون حين اختطّوا قد تركوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتعريق دوابّهم وتأدييها، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى معاوية بن أبى سفيان فاشترى خطّة مسلمة بن مخلّد منه، وأقطعه داره التى بسوق وردان، ثم اشترى خطّة عقبة بن عامر وأقطعه داره التى فى الفضاء عند أصحاب التبن، وهى اليوم فى يدى فرج، اشترى دار أبى رافع التى صارت للسائب مولاه، وأقطع السائب الدار التى عند حيز الوزّ.
стр. 155
ثم ابتنى عبد العزيز دار الأضياف كانت لأضياف عبد العزيز. وأقطع معاوية أيضا سارية مولى عمر بن الخطّاب فى الزقاق الذي يعرف بحيز الوزّ، فباعه ولده مقطّعا.
وأقطع عبد العزيز خالد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام دار مخرمة التى فى الفضاء وكانت له، دار موسى بن عيسى النوشرىّ التى بالموقف.
قال: وكان خالد وعمر ابنا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع عبد الله بن الزبير، وكان أبو بكر بن عبد الرحمن أخا لعبد الملك بن مروان وتربا له، فلما ظهر عبد الملك بن مروان قال: لا سبيل إلى ما يكره عمر وخالد مع أبى بكر، ولكن لله علىّ ألا يسكنان الحجاز، فكتب إلى الحجّاج أن خيّرهما فى أىّ الأمصار شاءا فليلحقا بها، فلحق خالد بعبد العزيز بن مروان فأقطعه دار مخرمة فى الفضاء وكانت له دار موسى بن عيسى التى بالموقف، وأما عمر فلحق ببشر بن مروان بالعراق فله بواسط آثار كثيرة.
وأقطع عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط الدور التى تلى أصحاب التبن قبليا.
وكان أبو معيط يسمّى أبانا. حدثنى بذلك محمد بن إدريس الرازىّ، وله يقول ضرار بن الخطّاب:
عين فابكى لعقبة بن أبان ... فرع فهر وفارس الفرسان
وله يقول بعض الشعراء:
من سرّه شحم ولحم راكد ... فليأت جفنة عقبة بن أبان
قال: وكان عبد الأعلى بن أبى عمرة وهو مولى لبنى شيبان على أخت موسى بن نصير وكانت له من عبد العزيز منزلة فخطّ له داره ذات الحمّام الذي يقال له حمّام التبن، فلما قدم عبد الأعلى بن أبى عمرة من عند أليون صاحب الروم، قال لعبد العزيز:
قد أبليت المسلمين فى تأجيههم «١» إيّاى نصحا وبلاء حسنا، فمر لى بأربع سوارى «٢» من خرب الإسكندرية، فأمر له بها فهى على حوض حمّامه الأعظم.
стр. 156
وكان عبد العزيز يرسله بالبزّ «١» إلى ابن عمر.
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الأعلى بن أبى عمرة، أن عبد العزيز بن مروان أرسل معه بألف دينار إلى ابن عمر فقبلها.
قال: وأقطع عبد الملك بن مروان عمر بن علىّ الفهرىّ، ثم أحد بنى محارب داره ذات الحمّام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط. وذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد، كان عمر بن على ممن أبلى معه، وكان فى أصحابه، فدخل عليه فى خاصّته وعمرو بن سعيد مقتول، فاستشارهم فى قتله، فكلّهم هاب قتله، ولم يره، فقال عمر بن علىّ: اقتله، قتله الله. فلا يزال فى خلاف ما عاش.
قال عبد الملك: ها هو ذا قال، فألق رأسه إلى الناس وأنهبهم بيت المال يفترقون عنك، ففعل، فافترق الناس، وأرسله عبد الملك إلى منزل عمرو يفتشه فوجد فيه كتبا فيها أسماء من بايعه فأحرقها، وبلغ ذلك عبد الملك فقال له: ما حملك على ما فعلت؟
قال: لو قرأتها لما صحّ لك قلب شأمىّ ولا استقامت طاعته إذا علم أنك قد علمت بخلافه فصوّب رأيه وحمده، وأقطعه داره ذات الحمّام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط.
قال عبد الملك بن مسلمة: هى قطيعة من عبد العزيز للفهرى ولم يسمّه باسمه.
إلا أن ابن عفير سمّاه وقال: عبد الملك بن مسلمة أقطعها عبد العزيز الفهرى مولى ابن رمّانة حين قدم عليه، وبناها له يزيد بن رمّانة، وهى الدار التى تعرف اليوم بدار السلسلة.
وآل أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهرى ينكرون ذلك، وهم بذلك أعلم، ويقولون: إنها خطّة لأبى عبد الرحمن الفهرى، اختطّها عام فتح مصر ولم يكن بنى منها شيئا غير سورها، ثم خرج إلى الشام فاستشهد بها، ثم قدم ابناء العلاء وعلىّ وكان العلاء أسنّهما، وقد كان رأى رسول الله ﷺ ، فقدما إلى مصر فجعلا ذلك البناء مثل المريد العظيم، ولم يجعلا فيها إلا منزلا واحدا، وأسكنا فيه مولى لهما يقال له يحنّس، ثم خرج العلاء إلى المدينة فقتل عام الحرّة وخلّف الحارث بن العلاء، وخرج علىّ إلى الشام فتوفّى بها، وخلّف عمر بن على، فصار بمنزلة عند عبد الملك.
стр. 157
فبعث إلى ابن رمّانة وأرسل اليه بمال، وسأله أن يبنى له دار جدّه بأحكم ما يقدر عليه، ويجعل له فيها حمّاما ويجعل له خوخة فى داره إذا اراد أن يدخله دخله. وقال: إنّ ذلك ذكر لك ولشيخك، فحرّك ذلك ابن رمّانة فبناها وجعل سورها أكثر من ذراعين بذراع البناء، وجعلها تدوّر بعمد رخام، وجعل قاعدتها مستديرة، ولم يجعل فوقها بناء.
ثم قدم عمر بن علىّ مصر، وقد فرغ منها ابن رمّانة، فقال له عمر: لقد اتّقنت غير أنك لم تجعل لها مسجدا.
فبنى المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد القرون، بناه مثل الدكّان الكبير، ونحّاه عن الدار، وجعل بينه وبين الدار فرجة وكان يجلس فيه. ثم بناه بعده أبو عون عبد الملك ابن يزيد، ثم زاد فيه المطّلب بن عبد الله الخزاعى، ثم احترق فبناه السّرىّ بن الحكم هذا البناء، ثم مات عمر بن على فورث الحارث بن العلاء- وهو ابن أخيه- كل ما ترك، وحبس الدار على الأقعد فالأقعد بالحارث بن العلاء من الرجال دون النساء أبدا ما تناسلوا، وتقديم كلّ طبقة على من هو أسفل منها. (فإذا انقرض الرجال فهى على النساء كلّ من رجعت بنسبها إليه من الصلب) «١» فإذا انقرض النساء فهى وحمّامها وكومها المعروف بأبى قشاش يقسم ذلك أثلاثا، فثلث فى سبيل الله، وثلث فى الفقراء والمساكين، وثلث على مواليه وموالى ولده وأولادهم أبدا ما تناسلوا بعد مرمّتها، ورزق قيّم إن كان لها. فإذا انقرض الموالى فلم يبق منهم أحد فعلى الفقراء والمساكين بفسطاط مصر ومدينة الرسول ﷺ على ما يرى من وليّها «٢» من عمارتها.
واسم أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عمرو ابن شيبان بن محارب بن فهر. وعمرو بن حبيب هو آكل السّقب، وأمّه السّوداء ابنة زهرة بن كلاب، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
بنو آكل السّقب الذين كأنّهم ... نجوم بآفاق السماء تنور
وكان عند دار السلسلة فلا أدرى أهى هذه الدار أم «٣» غيرها حوض من رخام،
стр. 158
وكان يملأ فى الأعياد طلاء وتجعل عليه الآنية ويشرب الناس، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى عمر بن العزيز فقطعه.
وبالفسطاط غير دار يقال لها دار السلسلة سوى دار الفهرىّ منها دار السهمىّ التى فى الحذّائين، والدار التى كان فيها أصبغ الفقيه فى زقاق القناديل.
قال وبنى عبد العزيز بن مروان القيساريّات قيساريّات العسل، وقيسارية الحبال، وقيسارية الكباش وهى فى خطّة قوم من بلّى يقال لهم الوحاوحة، والقيسارية التى يباع فيها البزّ، «١» وهى التى تعرف بقيسارية عبد العزيز، وأدخل فيها من خطط الراية، وكان فيها منزل كعب بن عدىّ العبادى فعوّضه منها داره التى فى بنى وائل.
قال: وبنى هشام بن عبد الملك قيساريّته التى تعرف بقيسارية هشام يباع فيها البزّ الفسطاطىّ فى الفضاء بين القصر وبين البحر. وبقيت بعد ذلك من الفضاء بقيّة بين بنى وائل والبحر فأقطعها بنو العبّاس الناس.
قال: وأقطع عمرو بن العاص حين ولى وردان مولاه الأرض التى خلف القنطرة التى غربيّها أبو حميد إلى كنيسة الروم التى هناك. وما كان عن يمينك من رأس الجسر القديم إلى حمّام الكبش وهو الحمام الذي يعرف اليوم بحمام السّوق، والآخر إلى ساحل مريس، فكل ذلك كان للوليد بن عبد الملك، وكان للوليد أيضا ما كان على يسارك من الجزيرة وأنت خارج إلى الجيزة والحوانيت اللاصقة بجزيرة الصناعة.
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدّان كما حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد. ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا ابن سندر، فإنه أقطعه أرض منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات؛ فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته؛ فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل.
وكان سبب إقطاع عمر ما أقطعه من ذلك كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة (* عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنه كان لزنباع الجذامىّ غلام
стр. 159
يقال له سندر، فوجده يقبّل جارية له، فجبّه وجدع أذنيه وأنفه، فأتى سندر إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى زنباع، فقال: لا تحملوهم ما لا تطيقون «١» ، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون؛ فإن رضيتم فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذّبوا خلق الله، ومن مثل به أو أحرق بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله. فأعتق سندر، فقال: أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كلّ مسلم، فلما توفّى رسول الله ﷺ أتى سندر إلى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه، فقال: احفظ فىّ وصيّة رسول الله ﷺ ، فعاله أبو بكر حتى توفّى، ثم أتى عمر فقال له: احفظ فىّ وصيّة النبي ﷺ ، فقال: نعم، إن رضيت أن تقيم عندى أجريت عليك ما كان يجرى عليك أبو بكر، والّا فانظر أىّ المواضع أكتب لك؛ فقال سندر: مصر فإنها أرض ريف، فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظ فيه وصيّة رسول الله ﷺ ؛ فلما قدم على عمرو، قطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت فى مال الله*) .
قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهى من خير أموالهم.
وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبى، عن عبد الله بن سندر، عن أبيه إنه كان عبدا لزنباع بن سلامة الجذامى، فعتب عليه فخصاه وجدعه، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأغلظ لزنباع القول وأعتقه منه، فقال:
أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كل مسلم «٢» . قال يزيد: وكان سندر كافرا.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن غلاما لزنباع الجذامى اتّهمه فأمر بإخصائه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول الله ﷺ فأعتقه، وقال: أيّما مملوك مثل به فهو حرّ وهو مولى الله ورسوله، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ يرفق به، فلما اشتدّ مرض رسول الله ﷺ قال له ابن سندر: يا رسول الله، إنّا كما ترى، فمن لنا بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ : أوصى بك كل مؤمن.
فلما ولى أبو بكر رضى الله عنه فأقّر عليه نفقته حتى مات، فلما ولى عمر بن
стр. 160
الخطّاب أتاه ابن سندر فقال: احفظ فىّ وصيّة رسول الله ﷺ ، فقال له: انظر أىّ أجناد المسلمين شئت فالحق به آمر لك بما يصلحك. فقال ابن سندر: ألحق بمصر، فكتب له إلى عمرو بن العاص يأمره أن يأمر له بأرض تسعه، فلم يزل فيما يسعه بمصر.
ويقال سندر وابن سندر والله أعلم بالصواب.
ولأهل مصر عنه حديثان مرفوعان هذا أحدهما، والآخر حدثنا يحيى بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن ابن سندر، قال قال رسول الله ﷺ : «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وتجيب أجابت الله ورسوله» «١» .
قال ابن بكير فى حديثه فقلت يا أبا الأسود، أنت سمعت رسول الله ﷺ يذكر تجيب؟ قال: نعم. قلت وأحدّث الناس عنك بذلك؟ قال: نعم.
خروج عمرو إلى الريف
(* حدثنا عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن شريح، عن أبى قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا؛ فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس، فقال: قد حضر مرافق ريفكم؛ فانصرفوا، فإذا حمض اللبن، واشتدّ العود، وكثر الذباب، فحىّ على فسطاطكم، ولا أعلمنّ ما جاء أحدكم «٢» قد أسمن نفسه وأهزل جواده.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحبّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ ولا أعلمنّ ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم*) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمرو بن العاص كان
стр. 161
يقول للناس إذا قفلوا: اخرجوا إلى أريافكم «١» ، فإذا غنّى الذباب وحمض اللبن، ولوى العود، فحىّ على فسطاطكم.
خطبة عمرو بن العاص:
(* حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، قال: رحت أنا ووالدى إلى صلاة الجمعة تهجيرا، وذلك آخر الشتاء أظنّه بعد حميم النّصارى بأيام يسيرة. فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجّرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بنىّ هؤلاء الشرط، فأقام المؤذّنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشيّة، كأنّ به العقيان «٢» ، تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلّى على النبي ﷺ ، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصلّة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول، وكثرة العيال. وقال فى ذلك: يا معشر الناس، إيّاى وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلّة بعد العزّة، إيّاى وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، فى غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقلّ، ولا يضيع المرء فى فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلا، وعن حلال الله وحرامه غافلا.
يا معشر الناس، إنه قد تدلّت الجوزاء، وذكت «٣» الشعرى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المرعى ووضعت الحوامل، ودرّجت السخائل، وعلى الراعى بحسن رعيّته حسن النظر، فحىّ لكم على بركة الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه،
стр. 162
وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جنّتكم من عدوّكم، وبها مغانمكم وأثقالكم «١» ، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإيّاى والمشمومات والمعسولات، فإنهنّ يفسدن الدّين ويقصّرن الهمم.
حدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم «٢» صهرا وذمّة.
فعفّوا أيديكم وفروجكم، وغضّوا أبصاركم، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أنى معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه «٣» من غير علّة حططتّه من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم «٤» وتشوّق «٥» قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة» . فاحمدوا الله معشر «٦» الناس على ما أولاكم «٧» ، فتمتّعوا فى ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود، وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوّح «٨» البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحىّ على فسطاطكم، على بركة الله «٩» ، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعيه أو عسرته، أقول قولى هذا وأستحفظ الله عليكم.
قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدى بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكيت له
стр. 163
خطبته: إنه يا بنىّ يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدّعة*) .
ذكر مرتبع الجند
قال: وكان إذا جاء وقت الربيع واللبن، كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبّوا، وكانت القرى التى يأخذ فيها عظمهم «١» ، منوف، ودسبندس «٢» ، وأهناس، وطلحا.
وكان أهل الراية متفرّقين، فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد الله بن سعد، يأخذون فى منف ووسيم.
وكانت هذيل تأخذ فى بنا وبوصير. وكانت عدوان تأخذ فى بوصير. وقرى عكّ التى يأخذ فيها عظمهم بوصير ومنوف ودسبندس وأتريب. وكانت بلىّ تأخذ فى منف وطرابية، وكانت فهم تأخذ فى أتريب وعين شمس ومنوف. وكانت مهرة تأخذ فى تتا وتمىّ. وكانت الصدف تأخذ فى الفيّوم. وكانت تجيب تأخذ فى تمىّ وبسطة ووسيم.
وكانت لخم تأخذ فى الفيّوم وطرابية وقربيط. وكانت جذام تأخذ فى طرابية وقربيط.
وكانت حضر موت تأخذ فى ببا وعين شمس وأتريب. وكانت مراد تأخذ فى منف والفيّوم ومعهم عبس بن زوف. وكانت حمير تأخذ فى بوصير وقرى أهناس. وكانت خولان تأخذ فى قرى أهناس والبهنسى والقيس. وآل وعلة يأخذون فى سفط من بوصير.
وآل أبرهة يأخذون فى منف. وغفار وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد فى بسطة وقربيط وطرابية. وآل يسار بن ضنّة فى أتريب. وكانت المعافر تأخذ فى أتريب وسخا ومنوف. وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون.
وكان بعض هذه القبائل ربّما جاوز بعضا فى الربيع ولا يوقع من معرفة ذلك على أحد إلّا أن عظم «٣» القبائل. كانوا يأخذون حيث وصفنا «٤» ، وكان يكتب لهم بالربيع فيربعون وباللّبن ما أقاموا.
стр. 164
وكان لغفار وليث أيضا مرتبع بأتريب.
قال: وأقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا، وكان معهم نفر من حمير من ذبحان وغيرهم حالفوهم فيها فهى منازلهم.
ورجعت خشين وطائفة من لخم وجذام فنزلوا أكناف صان وإبليل وطرابية ولم يحفظوا.
ولم تكن قيس بالحوف الشرقىّ قديما، وإنما الذي أنزلهم به ابن الحبحاب، وذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل- أو ثلاثة آلاف رجل- شكّ عبد الرحمن «١» ، فجعل ابن الحبحاب الفريضة فى قيس وقدم بهم فأنزلهم بمصر الحوف الشرقىّ.
ذكر خيل مصر
قال عبد الرحمن «٢» فلما نزل الناس واطمأنّت بهم منازلهم كانوا يخرجون فيؤدّبون خيلهم فى المضمار.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى، عن معاوية بن حديج، أنه مرّ على رجل بالمضمار معه فرس ممسك برسنه على كثيب، فأرسل غلامه لينظر من الرجل، فإذا هو بأبى ذرّ، فأقبل ابن حديج إليه، فقال له: يا أبا ذرّ، إنى أرى هذه الفرس قد عنّاك وما أرى عنده شيئا. قال أبو ذرّ: هذا فرس قد استجيب له، قال ابن حديج: وما دعوة بهيمة من البهائم؟ فقال: أبو ذرّ: إنه ليس من فرس إلا أنه يدعو الله كلّ سحريّة، اللهمّ أنت خولتنى عبدا من عبيدك وجعلت رزقى بيده، اللهم اجعلنى أحبّ إليه من ولده وأهله وماله.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن حديج حدثه، أنه مرّ على
стр. 165
أبى ذرّ وهو قائم عند «١» فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك؟ فقال: إنى أظنّ هذا الفرس قد استجيبت دعوته، ثم ذكر مثل حديث ابن وهب.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجّاج، قال: مرّ بنا عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ونحن جلوس مع حنش بن عبد الله نحو صفا مهرة فغفل عن السّلام فناداه حنش يا بن معاوية تمرّ ولا تسلّم، والله لقد رأيتنى أشفع لك عند أبيك أن يجعل لسرجك ركابا تضع فيه رجلك.
قال: عبد الرحمن «٢» وكان ولد معاوية بن حديج ليست لسروجهم ركب، إنما يثبون على الخيل وثبا.
قال عبد الرحمن «٢» وكانت أصول خيل مصر من خيل سمّى ابن عفير بعضها، منها أشقر صدف، وكان لأبى ناعمة مالك بن ناعمة الصدفى، وبه سمّيت خوخة الأشقر التى بفسطاط مصر، وكان السبب فى ذلك أنّ الاشقر نفق فكره صاحبه أن يطرحه فى الأكوام كما تطرح جيف الدوابّ، فحفر له ودفنه هنالك فنسب الموضع اليه.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: لما افتتح المسلمون القصر كان رجل من الروم يقبل من ناحية القصير على برذون له أشهب، والمسلمون فى صلاة الصبح، فيقتل ويطعن، فتطلبه خيل المسلمين فلا تقدر عليه، وكان صاحب الأشقر غائبا، فلما قدم أخبر بذلك، فكمن له فى موضع وأقبل العلج ففعل كما كان يفعل، فطلبه صاحب الأشقر فأدركه، قال: فاشتغلت «٣» بقتل العلج، وشدّ الأشقر على الهجين فقتله.
ومنها ذو الريش فرس العوّام بن حبيب اليحصبىّ. والخطّار فرس لبيد بن عقبة السّومىّ. والذعلوق فرس حمير بن وائل السّومى، وعجلى فرس كانت لعكّ، ولها يقول الشاعر:
سبق الأقوام عجلى ... سبقتهمّ وهى حبلى
стр. 166
حدثنا عبد الواحد بن إسحاق، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبى حيّان التيمى، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ ، سمّى الأنثى من الخيل فرسا.
قال: وعجلى التى قال عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، لنمر بن أيفع العكّىّ:
ما فعلت عجلى؟ على وجه الاستهزاء به، فقال: أما إنّ لها فى أمّك سهمين.
قال: وكان للخم أيضا فرس يقال له أبلق لخم. وكان الجون لعقبة بن كليب الحضرمى.
وكان عبد العزيز بن مروان قد طلب الخطّار من لبيد بن عقبة فامتنع عليه، فأغزاه إفريقيّة فمات بها، فلما كان موسى بن نصير، أهدى إلى عبد العزيز بن مروان خيلا فيها الخطّار، قال: وقد طالت معرفته وذنبه، فلما صارت إليهم الخيل لم يجدوا من يعرف الخطّار، فقالوا: ابنة لبيد، فبعث به عبد العزيز إليها فقالت لمن أتاها: إنى امرأة فاخرجوا عنّى حتى أنظر اليه، ففعلوا، فخرجت فنظرت إليه فعرفته، فقالت: والله لا يركبك أحد بعد أبى سويّا، ثم قطعت أذنى الفرس وهلبت ذنبه ثم قالت: هو هذا خذوه لا بارك الله لكم فيه، فصار لعبد «١» العزيز بن مروان، فاتّخذه للفحلة «٢» فكان منه الذائد، ثم كان من الذائد الفرقد فهو أبو الخيل الفرقديّة، ولم يعرق الفرقد فى شىء من خيل مصر إلّا جاء سابقا.
وكان أهل مصر لمّا بلغ مروان بن الحكم القاصرة وجّهوا إليه عقبة بن شريح بن كليب المعافرى ومطير بن يزيد التجيبى، طليعة لهم، ومطير يومئذ على الخطّار فرس لبيد ابن عقبة السومىّ، فدخلا فى عسكر مروان وجوّلا فيه، ثم إنّ شيخا من أهل العسكر نذر بهما واستنكر هيئتهما، فقال: والله إنى لأنكر سحنة «٣» هذين الفرسين وما أرى على صاحبيهما شحوب السفر، فكرّا راجعين إلى الفسطاط فمرّا بناقة صرصرانيّة فى ناحية العسكر لبشر بن مروان، فطرداها، فلما لحقتهما «٤» الخيل قال مطير لعقبة: اطرد الناقة وأنا أكفيك وكرّ مطير فقاتلهم حتى ولّوا عنه، ثم لحق صاحبه، ثم لحقته الخيل أيضا ففعل
стр. 167
مثل ذلك، حتى وصلا «١» إلى الفسطاط، فسألوهما عن الخبر فقالا: حتى تنحروا الناقة وتأكلوا لحمها وهى أوّل غنيمة فنحرت الناقة وأكل لحمها ثم أخبراهم الخبر وأنّهم أقوى من الرجل.
ثم كتب عمر بن الخطّاب كما حدثنا شعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب إلى عمرو بن العاص: انظر من «٢» قبلك ممّن بايع «٣» تحت الشجرة فأتمّ لهم «٤» العطاء مائتين، وأتمّها لنفسك لأمرتك، وأتمّها لخارجة بن حذافة لشجاعته، ولعثمان بن أبى العاص لضيافته.
ذكر مقاسمة عمر بن الخطاب العمّال
قال عبد الرحمن «٥» ثم بعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، كما حدثنا معاوية بن صالح، عن محمد بن سماعة الرّملىّ، قال: حدثنى عبد الله بن عبد العزيز شيخ ثقة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه: أمّا بعد، فإنكم معشر العمّال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصارى ليقاسمك مالك فأحضره مالك، والسلام.
فلما قدم محمد بن مسلمة مصر أهدى له عمرو بن العاص هديّة فردّها عليه، فغضب عمرو وقال: يا محمد، لم رددت إلى «٦» هديّتى وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ مقدمى من غزوة ذات السّلاسل فقبل؟ فقال له محمد: إنّ رسول الله ﷺ كان يقبل بالوحى ما شاء ويمتنع مما شاء، ولو كانت هديّة الأخ إلى أخيه قبلتها «٧» ؛ ولكنّها هديّة إمام شر خلفها، فقال عمرو: قبح الله يوما صرت فيه لعمر بن الخطاب واليا، فلقد رأيت
стр. 168
العاص بن وائل يلبس الديباج المزرّر بالذهب، وإنّ الخطّاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكّة، فقال له محمد بن مسلمة: أبوك وأبوه فى النار، وعمر خير منك، ولولا اليوم الذي أصبحت تذمّ لألفيت «١» معتقلا عنزا يسرّك غزرها ويسوءك بكؤها: فقال عمرو: هى فلتة المغضب وهى عندك بأمانة، ثم أحضره ماله فقاسمه إيّاه ثم رجع.
قال: وكان سبب مقاسمة عمر بن الخطاب العمّال كما حدثنا أبو الأسود النضر ابن عبد الجبّار، وعبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عن خالد بن الصعق «٢» قال شعرا كتب به إلى عمر بن الخطّاب:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت ولىّ الله فى المال والأمر
فلا تدعن أهل الرّساتيق والجزى ... يسيغون «٣» مال الله فى الأدم الوفر «٤»
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه ... وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تنسينّ النّافعين «٥» كليهما ... وصهر بنى غزوان عندك ذا وفر
ولا تدعونّى للشّهادة «٦» إنّنى ... أغيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
من الخيل كالغزلان والبيض كالدّمى ... وما ليس ينسى من قرام ومن ستر «٧»
ومن ريطة مطويّة فى صيانها ... ومن طىّ أستار «٨» معصفرة حمر
إذا التاجر الهندىّ جاء بفارة ... من المسك راحت فى «٩» مفارقهم تجرى
стр. 169
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا ... فأنّى لهم مال ولسنا بذى وفر
فقاسمهم نفسى فداؤك إنّهم ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
فقاسمهم عمر نصف أموالهم. والنعمان: النعمان بن بشير، وكان على حمص وصهر بنى غزوان، أبو هريرة، وكان على البحرين.
قال عبد الرحمن «١» : ويقال إن قائل هذه الأبيات كما حدثنا معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الزبير بن الخرّيت أبو المختار النميرىّ قال:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين «٢» الله فى البرّ والبحر
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه ... وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تدعنّ النافعين كليهما ... وذاك الّذى فى السّوق مولى بنى بدر
وما عاصم منها بصفر عيابه «٣» ... ولا ابن غلاب من سراة بنى نصر
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا ... فأنّى لهم مال ولسنا بذى وفر
ترى الجرد كالخزّان والبيض كالدّمى ... وما لا يعدّ من قرام ومن ستر
ومن ريطة مطويّة فى صوانها ... ومن طىّ أستار محدرجة حمر
إذا التاجر الهندىّ جاء بفارة ... من المسك راحت فى مفارقهم تجرى
فدونك مال الله لا تتركنّه ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
ولا تدعونّى للشّهادة إنّنى ... أغيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
قال عمر: فإنا قد أعفيناه من الشهادة ونأخذ منهم نصف أموالهم، فأخذ النصف وكان عمر قد استعمل هؤلاء الرهط.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبيه،
стр. 170
أن «١» جدّه أوصى أن يدفع إلى عمر بن الخطاب نصف ماله، وكان عمر استعمله على بعض أعماله.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا سليمان بن أبى سليمان، عن محمد بن سيرين قال قال: أبو هريرة لمّا قدمت من البحرين قال لى عمر: يا عدو الله، وعدو الإسلام، خنت مال الله. قال قلت: لست بعدوّ الله ولا عدوّ الإسلام، ولكنى عدوّ من عاداهما، ولم أخن مال الله ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت «٢» قال يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام خنت مال الله، قال قلت: لست بعدوّ الله ولا عدوّ الإسلام، ولكنى عدوّ من عاداهما ولم أخن مال الله، ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت، قال ذلك ثلاث مرّات، يقول ذلك عمر ويردّ عليه أبو هريرة هذا القول. قال: فغرّمنى اثنى عشر ألفا، فقمت فى صلاة الغداة فقلت: اللهمّ اغفر لأمير المؤمنين، فأرادنى على العمل بعد فقلت: لا. قال:
أوليس يوسف خيرا منك وقد سأل العمل؟ قلت: إنّ يوسف نبىّ ابن نبىّ، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف ثلاثا واثنتين، قال: ألا تقول خمسا؟ قلت: لا، قال: مه، قلت: أخاف أن أقول بغير حلم وأقضى بغير علم، وأن يضرب ظهرى، ويشتم عرضى، ويؤخذ مالى.
ذكر النيل
(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله المعافرى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: نيل مصر سيّد الأنهار، سخر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر أمر كل نهر أن يمدّه فأمدّته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن معاوية بن أبى سفيان سأل كعب الأحبار، هل تجد لهذا النيل فى كتاب الله خبرا؟ قال: أى والذي
стр. 171
فلق البحر لموسى، إنى لأجده فى كتاب الله أن الله يوحى إليه فى كل عام مرّتين يوحى إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجرى فيجرى ما كتب الله له، ثم يوحى إليه بعد ذلك:
يا نيل غر «١» حميدا.
حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن عمر، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنّة.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن كعب الأحبار، أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنّة وضعها الله فى الدنيا، فالنيل نهر العسل فى الجنّة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللّبن فى الجنة*) .
حدثنا سعيد بن أبى مريم، حدثنا الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، قالا: حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن أبى جنادة الكنانى، أنه سمع كعبا يقول: النيل فى الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التى سمّاها الله، ودجلة فى الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التى سمّى الله، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله.
(* قال فلما فتح عمرو بن العاص مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن قيس بن الحجّاج، عمّن حدّثه، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا له: أيّها الأمير إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلىّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجرى قليلا ولا كثيرا حتى همّوا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك. فكتب إليه عمر: قد أصبت، إن
стр. 172
الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى داخل النيل إذا أتاك كتابى «١» ، فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أمّا بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهّار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك.
فألقى عمرو البطاقة فى النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا فى ليلة، وقطع تلك السنّة السّوء عن أهل مصر.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن موسى ﵇ دعا على آل فرعون، فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء حتى طلبوا إلى موسى أن يدعو الله فدعا الله رجاء أن يؤمنوا، فأصبحوا وقد أجراه الله فى تلك الليلة ستّة عشر ذراعا، فاستجاب الله بتطوّله «٢» لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيّه موسى ﵇*) .
ذكر الجزية
قال عبد الرحمن «٣» : وكان عمرو يبعث إلى عمر بن الخطّاب بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه، وكانت فريضة مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب لحفر خلجها «٤» ، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا «٥» ، معهم الطّور والمساحى والأداة؛ يعتقبون ذلك، لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفا.
ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن يختم فى رقاب أهل الذمّة
стр. 173
بالرّصاص، ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى «١» ، ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان «٢» ، ولا يدعوهم يتشبّهون بالمسلمين فى لبوسهم.
حدثنا شعيب بن الليث، حدثنا أبى، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج «٣» ، أن نافعا حدثهم. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، حدثنى عبد الله بن عمر، وعمر بن محمد، أن نافعا حدثهم عن أسلم مولى عمر، أنه حدثه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد ألّا يضربوا «٤» الجزية إلا على من جرت عليه المواسى.
وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق منهم، وأربعة دنانير على أهل الذهب، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مديان «٥» من حنطة، وثلاثة أقساط من زيت فى كل شهر لكل إنسان كان من أهل الشام والجزيرة، وودك وعسل لا أدرى كم هو.
ومن كان من أهل مصر فإردب كلّ «٦» شهر لكل إنسان، لا «٧» أدرى كم من الودك والعسل، وعليهم من البزّ والكسوة «٨» التى يكسوها أمير المؤمنين الناس، ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاث ليال «٩» .
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكل إنسان، لا أدرى كم لهم من الودك.
وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان، وكان يختم فى أعناق رجال أهل الجزية.
стр. 174
قال: وكانت ويبة عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك «١» ، عن الليث بن سعد فى ولاية عمرو بن العاص، ستّة أمداد.
حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى «٢» إسحاق، عن حارثة ابن مضرّب، أن عمر قال: جعلت على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حبسه مطر فلينفق من ماله.
(* قال: وكان عمرو بن العاص لما استوسق له الأمر أقرّ قبطها على جباية «٣» الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن «٤» قلّ أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرفاء كلّ قرية وماروتها ورؤساء أهلها، فيتناظرون فى العمارة والخراب؛ حتى إذا أقرّوا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزّعوا ذلك على احتمال القرى وسعة «٥» المزارع، ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كلّ قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبدرون «٦» فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحمّاماتهم ومعدياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان، فإذا فرغوا نظروا إلى ما فى كل قرية من الصنّاع والأجراء، فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فإن كانت فيها جالية قسّموا عليها بقدر احتمالهم، وقلّ ما كانت تكون إلا الرجل المنتاب أو المتزوّج، ثم ينظرون ما بقى من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم؛ فإن عجز أحد وشكا ضعفا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف؛ فإن تشاحّوا قسموا «٧» ذلك على عدّتهم. وكانت قسمتهم على قراريط: الدينار أربعة
стр. 175
وعشرين قيراطا، يقسمون الأرض على ذلك. وكذلك روى عن النبي ﷺ : «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا» «١» . وجعل عليهم لكل فدّان نصف اردبّ قمح وويبتين من شعير إلا القراط، فلم يكن عليه ضريبة، والويبة يومئذ ستّة أمداد*) .
وكان عمر بن الخطاب، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، يأخذ ممن صالحه من المعاهدين ما سمّى «٢» على نفسه، لا يضع «٣» من ذلك شيئا ولا يزيد عليه، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسمّ شيئا يؤدّيه نظر عمر فى أمره؛ فإذا احتاجوا خفّف عنهم، وإن «٤» استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.
قال: وروى حيوة بن شريح، حدثنى الحسن بن ثوبان، أن هشام بن أبى رقيّة اللخمى، حدثه أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص، فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها، فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الأرض إلى السّقف ما أخبرتك ما عليك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفف عنّا خفّفنا عنكم، ومن ذهب إلى هذا الحديث ذهب إلى أن مصر فتحت عنوة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: أيّما ذمّي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنها من فىء الله على المسلمين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز قال:
أيّما قوم صالحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم كان أرضه وداره لبقيّتهم.
قال الليث: وكتب إلىّ يحيى بن سعيد أن ما باع القبط فى جزيتهم وما يؤخذون به من الحقّ الذي عليهم من عبد أو وليدة أو بعير أو بقرة أو دابّة، فإن ذلك جائز عليهم
стр. 176
جائز لمن ابتاعه منهم غير مردود إليهم إن أيسروا، وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضرّ بالجزية التى عليهم؛ فلعلّ الأرض أن تردّ عليهم إن أضرّت بجزيتهم، وإن كان فضلا بعد الجزية فإنّا نرى كراءها جائزا لمن تكاراها منهم.
قال يحيى ونحن نقول: الجزية جزيتان؛ فجزية على رءوس الرجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية، ويؤخذ بها أهل القرية، فمن هلك من أهل القرية التى عليهم جزية مسمّاة على القرية ليست على رءوس الرجال، فإنّا نرى أنّ من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث أن أرضه ترجع إلى قريته فى جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممّن جزيته على رءوس الرجال ولم يدع وارثا؛ فإنّ أرضه للمسلمين.
قال الليث: وقال عمر بن عبد العزيز: الجزية على الرءوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذمّة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الملك بن جنادة، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم.
قال عبد الرحمن «١» : وحديث عبد الملك هذا يدلّ على أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هى على «٢» القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم، وأنّ موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا.
قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقى منهم، وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم مما «٣» صالحوا عليه شيئا. والله أعلم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج أنّ رجلا أسلم على عهد عمر بن الخطّاب فقال: ضعوا الجزية عن أرضى، فقال عمر: لا، إنّ أرضك فتحت عنوة.
قال عبد الملك: وقال مالك بن أنس: ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز
стр. 177
لهم، وما فتح عنوة فإنّ ذلك «١» لا يشترى منهم أحد، ولا يجوز لهم بيع شىء مما تحت أيديهم من الأرض؛ لأن أهل الصلح من أسلم منهم كان أحقّ بأرضه وماله، وأمّا أهل العنوة الذين أخذوا عنوة؛ فمن أسلم منهم أحرز إسلامه نفسه، وأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين، ولأن أهل الصلح إنما هم قوم امتنعوا ومنعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وليس عليهم إلا ما صالحوا عليه، ولا أرى أن يزاد عليهم ولا يؤخذ منهم إلا ما فرض عمر بن الخطاب؛ لأن عمر خطب الناس فقال:
قد فرضت «٢» لكم الفرائض وسنّت لكم السّنن، وتركتم على الواضحة.
قال: وأمّا جزية الأرض فلا علم لى ولا أدرى كيف صنع فيها عمر، غير أن قد أقرّ الأرض فلم يقسمها بين الناس الذين افتتحوها فلو نزل هذا بأحد كنت أرى أن يسأل أهل البلاد أهل المعرفة منهم والأمانة، كيف كان الأمر فى ذلك، فإن وجد من ذلك علما يشفى وإلّا اجتهد فى ذلك هو ومن حضره من المسلمين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز وضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة من أهل مصر، وألحق فى الديوان صلح من أسلم منهم فى عشائر من أسلموا على يديه.
قال عبد الرحمن «٣» : وقال غير عبد الملك: وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمّة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله المرادى، الحجّاج بن يوسف. ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان، أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة، فكلّمه ابن حجيرة «٤» فى ذلك، فقال: أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أوّل من سنّ ذلك بمصر، فوالله إنّ أهل الذمّة ليتحمّلون جزية من ترهّب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟ فتركهم عند ذلك.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر
стр. 178
ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج، أن تضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة، فإن الله ﵎ قال: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١»
وقال: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٢»
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كان لعبد الله بن سعد موالى نصارى فأعتقهم «٣» فكان عليهم الخراج قال الليث: أدركنا بعضهم وإنهم ليؤدّون الخراج.
حدثنا عثمان بن صالح، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال:
لما ولى ابن رفاعة مصر خرج ليحصى عدّة أهلها وينظر فى تعديل الخراج عليهم، فأقام فى ذلك ستّة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتّاب يكفونه ذلك بجدّ وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها فى أصغر قرية منها أقلّ من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية.
ذكر المقطّم
(* حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح «٤» المقطّم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من «٥» ذلك وقال:
أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهى لا تزدرع «٦» ولا يستنبط «٧» بها ماء، ولا ينتفع بها فسأله «٨»
стр. 179
فقال: إنّا لنجد صفتها فى الكتب؛ أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلا للمؤمنين «١» ، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشىء. فكان أوّل من دفن «٢» فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت.
فقال المقوقس لعمرو، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن وهب، عن عمارة ابن عيسى، قال: ما ذالك، ولا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنّا لنجد فى كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنّة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطّاب، فقال: صدق فاجعلها مقبرة للمسلمين.
وقال غير عمارة بن عيسى: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله ﷺ ، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمّن حدثه، خمسة نفر: عمرو بن العاص السّهمى، وعبد الله بن حذافة السهمى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى، وأبو بصرة الغفارىّ، وعقبة بن عامر الجهنى.
وقال غير عثمان ومسلمة بن مخلّد الانصارى. قال ابن لهيعة: والمقطّم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم.
وقد اختلف فى القصير. أخبرنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: ليس بقصير موسى النبي ﵇، ولكنه موسى الساحر.
حدثنا سعيد بن عفير، وعبد الله بن عبّاد، قالا: حدثنا المفضّل بن فضالة، عن أبيه، قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممّن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون فى القصير؟ قال قلنا: قصير موسى، فقال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز
стр. 180
مصر، كان إذا جرى النيل يترفّع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدّس من الجبل إلى البحر «١» .
قال ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس وكان على المقطّم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. والله أعلم.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفىّ الأصبحى، عن أبيه شفىّ بن عبيد، أنه لما قدم مصر- وأهل مصر قد اتخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبى عون التى عند العسكر- فقال: ما لهم وضعوا مصلّاهم فى الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس! قال الحسن بن ثوبان: فقدّموا مصلّاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدّس ما بين القصير إلى اليحموم*) .
ذكر استبطاء عمر بن الخطّاب عمرو بن العاص فى الخراج
قال عبد الرحمن «٢» فلما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، كتب إليه: «٣» بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإنى فكرت «٤» فى أمرك والذي عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوّة فى برّ وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدّة
следующие страницы →