Полный текст (512 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأقام فرعون ملك مصر خمسمائة سنة حتى أغرقه الله تعالى.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خلّاد بن سليمان الحضرمىّ، قال:
سمعت أبا الأشرس يقول: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو عليه ويروح.
حدثنا أبى، حدثنا خلّاد بن سليمان، قال: سمعت إبراهيم بن مقسم، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم تصدّع «١» له رأس، وكان يملك فيما يذكر ما بين مصر إلى إفريقية.
وكان يقعد على كراسى فرعون، كما حدثنا أسد، عن خالد، عن الكلبىّ عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب.
وقد كان استعمل هامان على الناس، فقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ «٢»
يعنى أنّ من كلّ سماء إلى سماء سبب، وشغل الله فرعون بالآيات التى جاء بها موسى ﵇ ولم يبن له هامان الصرح.
ذكر حمل عظام يوسف إلى الشام
قال: وفى زمانه حملت عظام يوسف ﵇ من مصر إلى الشأم، وكان سبب حمله فيما حدثنا محمد بن أسعد التغلبىّ، عن أبى الأحوص، عن سماك بن حرب، أن رسول الله ﷺ ، أقبل وهو قافل من الشام ومعه زيد بن حارثة، فمر ببيت شعر فرد وقد أمسى فدنا من البيت، فقال: السلام عليكم فردّ ربّ البيت، فقال رسول الله ﷺ : ضيف. قال: انزل فبات فى قرّى، فلمّا أصبح وأراد الرحيل قال الشيخ: أصيبوا من بقيّة قراكم، فأصابوا ثم ارتحل رسول الله ﷺ ، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وفتح الله عليه، جاء الشيخ على راحلته حتى أناخ بباب المسجد ثم دخل فجعل يتصفّح وجوه الرجال، فقالوا له: هذاك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما حاجتك؟ قال: والله ما أدرى، إلّا أنه نزل بى رجل فأكرمت قراه، فقال له رسول الله ﷺ : «وإنك لفلان؟ قال:
نعم. قال: فكيف أمّ فلان؟ قال: بخير. قال: فكيف حالكم؟ قال: بخير، وقد كان
стр. 37
رسول الله ﷺ قال له حين ارتحل من عنده: إذا سمعت بنبىّ قد ظهر بتهامة فأته فإنك تصيب منه خيرا، فقال له رسول الله ﷺ : «تمنّ ما شئت فإنك لن تتمنّى اليوم شيئا إلّا أعطيتكه قال فإنى أسألك ضأنا ثمانين، قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: يا عبد الرحمن بن عوف، قم فأوفها إيّاه، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: ما كان أحوج هذا الشيخ إلى أن يكون مثل عجوز موسى، قال: قلنا يا رسول الله، وما عجوز موسى؟ قال: بنت يوسف عمرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلمّا أسرى موسى ببنى إسرائيل غشيتهم ضبابة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه، وقيل لموسى لن تعبر إلّا ومعك عظام يوسف، قال: ومن يدرى أين موضعها، قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها فى الديار، قال: فرجع موسى، فلمّا سمعت حسّه قالت: موسى، قال موسى قالت: ما ردّك، قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف، قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم، قال: دلّينى على عظام يوسف، قالت: لا أفعل إلّا أن «١» تعطينى ما سألتك قال: فلك ما سألت، قالت: خذ بيدى، فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطئ النيل فى أصله سكّة من حديد موتّدة فيها سلسلة، فقالت: إنا كنّا دفنّاه من ذلك الجانب فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب، فحوّلناه الى هذا الجانب فأخصب هذا الجانب وأجدب ذاك «٢» ، فلما رأينا ذلك، جمعنا عظامه فجعلناها فى صندوق من حديد وألقيناها فى وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا قال: فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر، وقال لها: سلى ما شئت، قالت: فإنى أسأل أن أكون أنا وأنت فى درجة واحدة فى الجنّة، ويردّ علىّ بصرى وشبابى حتّى أكون شابّة كما كنت، قال:
فلك ذلك.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس، قال: كان يوسف ﵇ قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، قال: فتجهّز القوم وخرجوا فتحيّروا، فقال لهم موسى: إنما تحيّركم هذا من أجل عظام يوسف، فمن يدلّنى عليها؟ فقالت عجوز يقال لها سارح ابنة آشر بن يعقوب: أنا رأيت عمّى- تعنى يوسف حين دفن- فما تجعل لى إن دللتك عليه؟ قال: حكمك،
стр. 38
قال: فدلّته عليها فأخذ عظام يوسف ثم قال: احتكمى، قالت أكون معك حيث كنت فى الجنّة.
حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنى ابن لهيعة عمن حدّثه قال: قبر يوسف ﵇ بمصر فأقام بها نحوا من ثلاثمائة سنة، ثم حمل إلى بيت المقدس.
ذكر خروج بنى إسرائيل من مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم غرّق الله فرعون وجنوده فى اليمّ حين أتبع بنى إسرائيل وغرّق معه من أشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم أكثر من ألفى ألف.
قال وكان سبب إتباع فرعون بنى إسرائيل كما حدثنا أسد بن موسى، عن خالد ابن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، أن الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇ أن أسر بعبادى، قال: وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حليا وثيابا، وقالوا: إن لنا عيدا نخرج إليه، فخرج بهم موسى ليلا وهم ستّمائة ألف وثلاثة آلاف ونيّف ليس فيهم ابن ستّين ولا ابن عشرين سنة، فذلك قول فرعون إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ «١» .
حدثنا أسد، حدثنا المسعودىّ، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، قال: خرجوا من مصر وهم ستّمائة ألف وسبعون ألفا، فقال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون.
قال: ثم رجع إلى حديث أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وخرج فرعون ومعه خمسمائة ألف سوى المجنّبتين والقلب.
قال خالد: وحدثنا أبو سعيد، عن عكرمة قال: لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين ولا دون العشرين، فذلك قول الله : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ «٢»
يعنى استخف قومه فى طلب موسى.
стр. 39
قال: وكان بنو إسرائيل كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علىّ، عن أبيه، إنّ بنى إسرائيل كانوا الربع من آل فرعون.
حدثنا أسد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: خرج موسى ﷺ ببنى إسرائيل فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، وكان أصحاب موسى ﵇ ستّمائة ألف وسبعين الفا.
قال فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا فى البحر فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون. اضطرم عليهم البحر فما رئى سواد أكثر «١» من يومئذ، وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى ينظروا اليه.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء وأقحم غيره خيولهم فرسبوا فى الماء، وخرج فرعون فى طلبهم حين أصبح وبعد ما طلعت الشمس، فذلك قوله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
«٢» فدعا موسى ﵇ ربّه ، فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
ففعل فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
«٣» يعنى الجبل، فانفلق فيه اثنا عشر طريقا، فقالوا: إنّا نخاف أن توحّل فيه الخيل، فدعا موسى ربّه فهبّت عليهم الصبا فجفّ، فقالوا: إنّا نخاف أن يغرق منّا ولا نشعر، فقال بعصاه فثقب الماء، فجعل بينهم كوّى حتى يرى بعضهم بعضا ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها، فقال له أدلاؤه: إنّ موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى، وهو قوله وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً «٤»
يعنى كما هو.
стр. 40
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عبّاس فى قوله: رهوا قال: سمتا.
(١ حدثنا حفص بن عمر العدنىّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال:
طريقا ١) .
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى صخر عن محمد بن كعب القرظىّ، قال: طريقا مفتوحا.
حدثنا أبو سهل أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا إسرائيل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: مفتوحا.
وحدّثنا عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: سهلا دمثا.
قال وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرهو، السهل.
ثم رجع إلى حديث أسد، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، فخذ هاهنا حتى نلحقهم «٢» ، وهو مسيرة ثلاثة أيام فى البرّ وكان فرعون يومئذ على حصان، وأقبل جبريل ﵇ على فرس أنثى فى ثلاثة وثلاثين من الملائكة فتفرقّوا فى الناس، وتقدّم جبريل ﵇ فسار بين يدى فرعون وتبعه فرعون وصاحت الملائكة فى الناس، الحقوا الملك، حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أوّلهم التقى البحر عليهم فغرقوا، فسمع بنو إسرائيل وجبة حين التقى فقالوا: ما هذا؟ قال موسى:
غرق فرعون وأصحابه، فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا الحسن بن بلال، عن حمّاد بن سلمة، عن علىّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، أن رسول الله ﷺ قال: لما أغرق «٣» الله آل فرعون، قال فرعون: آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل، قال جبريل: يا محمد، لو رأيتنى وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه فى فى فرعون مخافة أن تدركه الرحمة.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو علىّ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن
стр. 41
السائب، عن مجاهد، قال: كان جبريل بين بنى إسرائيل وبين آل فرعون، فجعل يقول لبنى إسرائيل: ليلحق آخركم بأوّلكم، ويستقبل آل فرعون فيقول: رويدكم ليلحقكم آخركم، فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا سائقا «١» أحسن سياقا «٢» من هذا. وقال آل فرعون:
ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا، فلما انتهى موسى وبنو إسرائيل إلى البحر، قال مؤمن آل فرعون: يا نبىّ الله، أين أمرت، هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون، فقال: أمرت بالبحر، فأقحم مؤمن آل فرعون فرسه فردّه التيّار فقال: يا نبىّ الله، أين أمرت؟ فقال:
بالبحر، قال: فأقحم أيضا فرسه فردّه التيّار، فجعل موسى ﵇ لا يدرى كيف يصنع، وكان الله قد أوحى إلى البحر أن أطع موسى، وآية «٣» ذاك إذا ضربك بعصاه.
قال ثم رجع إلى حديث أسد، عن خالد، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وخرج فرعون ومقدّمته خمسمائة ألف سوى المجنّبتين والقلب.
(* قال خالد: وحدثنا أبو سعيد، عن عكرمة قال: لم يخرج مع فرعون من زاد على أربعين سنة ومن دون العشرين، وذاك قوله ﵎: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
«٤» يعنى استخفّ قومه فى طلب موسى.
قال: وحدثنا أسد عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: خرج موسى ببنى إسرائيل، فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف فارس من القبط فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ «٥»
وكان أصحاب موسى ستّمائة ألف وسبعين ألفا. قال: فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا فى البحر، فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون اضطرم عليهم البحر، فما رئى سواد أكثر من يومئذ.
قال: وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا اليه*) .
стр. 42
ويقال أن موسى ﵇ قتل عوجا بمصر.
حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، قال زهير: أراه عن نوف، قال: كان طول سرير عوج الذي قتله موسى ثمانمائة ذراع وعرضه أربعمائة، وكانت عصا موسى ﵇ عشرة أذرع، ووثبته حين وثب إليه عشرة أذرع، وطول موسى كذا وكذا، فضربه فأصاب كعبه، فخرّ على نيل مصر، فجسّره للناس عاما يمرّون على صلبه وأضلاعه.
ذكر الملكة دلوكة
قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: فبقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها الّا العبيد والأجراء والنساء، فأعظم أشراف من بمصر من النساء أن يولّين منهم أحدا، وأجمع «١» رأيهنّ أن يولّين امرأة منهنّ يقال لها دلوكة بنت زبّاء، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت فى شرف منهنّ وموضع، وهى يومئذ بنت مائة سنة وستّين سنة، فملّكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض فجمعت نساء الأشراف، فقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السحرة الذين كنّا نقوى بهم، وقد رأيت أن أبنى حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع «٢» عليه المحارس من كلّ ناحية، فإنّا لا نأمن أن يطمع فينا الناس، فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلّها المزارع والمدائن والقرى، وجعلت دونه خليجا يجرى فيه الماء، وأقامت القناطر والترع، وجعلت فيه محارس ومسالح على كلّ ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار على كلّ ميل، وجعلت فى كلّ محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا «٣» بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس، فأتاهم الخبر من أىّ وجه كان فى ساعة واحدة، فنظروا فى ذلك فمنعت بذلك مصر ممّن أرادها.
стр. 43
قال عثمان: وفرغت من بنائه فى ستّة أشهر، وهو الجدار الذي يقال له جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصعيد منه (بقايا كثيرة «١» ) .
ذكر عمل البرابى
قال عثمان بن صالح فى حديثه: (٢ وكان ثمّ عجوز ساحرة، يقال لها تدورة وكانت السحرة تعظمها وتقدّمها فى علمهم وسحرهم، فبعثت إليها دلوكة ابنة زبّا: إنّا قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك، فاعملى لنا شيئا نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقى أقلّنا.
فعملت بربى من حجارة فى وسط مدينة منف، وجعلت له أربعة أبواب كلّ باب منها إلى جهة القبلة، والبحر والغرب والشرق، وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال، وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كلّ من أرادكم من كلّ جهة تؤتون منها برّا أو بحرا، وهذا ما يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مئونته، فمن أتاكم من أىّ جهة، فإنّهم إن كانوا فى البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو فى سفن أو رجّالة تحرّكت هذه الصور من جهتهم التى يأتون منها فما فعلتم بالصور من شىء أصابهم ذلك فى أنفسهم على ما تفعلون بهم. فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء، طمعوا فيهم، وتوجّهوا إليهم، فلما دنوا من عمل مصر، تحرّكت تلك الصور التى فى البربى فطفقوا لا يهيّجون تلك الصور بشىء ولا يفعلون بها شيئا إلّا أصاب ذلك الجيش الذي أقبل إليهم مثله، إن كانت خيلا فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة فى البربى من قطع رءوسها أو سوقها أو فقء أعينها، أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التى أرادتهم. وإن كانت سفنا أو رجّالة فكمثل ذلك، وكانوا أعلم الناس بالسحر وأقواهم عليه، وانتشر ذلك فتناذرهم الناس ٢) .
ذكر ملوك مصر بعد العجوز دلوكة
(* وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم ولم
стр. 44
يبق إلّا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه، وتتزوّج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا شيئا إلّا بإذنهنّ فأجابوهنّ إلى ذلك؛ فكان أمر النساء على الرجال.
قال عثمان: فحدّثنى ابن لهعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن القبط على ذلك إلى اليوم، اتّباعا لمن مضى منهم؛ لا يبيع أحدهم ولا يشترى إلّا قال: أستأمر امرأتى.
فملكتهم دلوكة بنت زبّا عشرين سنة تدبّر أمرهم بمصر، حتى بلغ صبىّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم يقال له دركون بن بلوطس، فملّكوه عليهم، فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة.
قال ثم مات دركون بن بلوطس، فاستخلف ابنه بودس بن دركون، ثم توفّى بودس بن دركون، فاستخلف أخاه لقاس بن تدارس، فلم يمكث إلّا ثلاث سنين حتى مات، ولم يترك ولدا فاستخلف أخاه مرينا بن مرينوس.
قال ثم توفّى مرينا بن مرينوس، فاستخلف استمارس بن مرينا، فطغى وتكبّر وسفك الدم، وأظهر الفاحشة، فأعظموا ذلك، وأجمعوا على خلعه فخلعوه، وقتلوه وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له بلوطس بن مناكيل، فملكهم أربعين سنة، ثم توفّى بلوطس بن مناكيل، فاستخلف ابنه مالوس بن بلوطس.
ثم توفّى مالوس بن بلوطس، فاستخلف أخاه مناكيل بن بلوطس بن مناكيل فملكهم زمانا ثم توفّى، فاستخلف ابنه بولة بن مناكيل، فملكهم مائة سنة وعشرين، وهو الأعرج الذي سبى ملك بيت المقدس، وقدم به إلى مصر، وكان بولة قد تمكّن فى البلاد، وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد ممّن كان قبله بعد فرعون، وطغى فقتله الله تعالى، صرعته دابّته، فدقّت عنقه فمات.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنا الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: لمّا مات سليمان بن داود ﵇ ملك بعده مرحب عمّ سليمان فسار إليه ملك مصر، فقاتله، وأصاب الأترسة الذهب التى عملها سليمان ﵇، فذهب بها*) .
وأخبرنى شيخ من أهل مصر من أهل العلم أن المخلوع الذي خلعه أهل مصر إنما
стр. 45
هو بولة، وذلك أنه دعا الوزراء ومن كانت الملوك قبله تجرى عليهم «١» الأرزاق والجوائز، فكأنّه استكثر ذلك، فقال لهم: إنى أريد أن أسألكم عن أشياء فإن أخبرتمونى بها زدت فى أرزاقكم ورفعت من أقداركم، وإن أنتم لم تخبرونى بها ضربت أعناقكم، فقالوا له:
سلنا عمّ شئت، فقال لهم: أخبرونى ما يفعل الله ﵎ فى كلّ يوم، وكم عدد نجوم السماء وكم مقدار ما تستحقّ الشمس فى كلّ يوم على ابن آدم، فاستأجلوه فأجّلهم فى ذلك شهرا، فكانوا يخرجون فى كلّ يوم إلى خارج مدينة منف فيقفون فى ظلّ قرموس يتباحثون ما هم فيه ثم يرجعون وصاحب القرموس ينظر اليهم، فأتاهم ذات يوم فسألهم عن أمرهم فأخبروه، فقال لهم: عندى علم ما تريدون إلّا أن لى قرموسا لا أستطيع أن اعطّله، فليقعد رجل منكم مكانى يعمل فيه وأعطونى دابّة كدوابّكم وألبسونى ثيابا كثيابكم ففعلوا وكان فى المدينة ابن لبعض ملوكهم قد ساءت حالته فأتاه القرموسىّ فسأله القيام بملك أبيه وطلبه فقال: ليس يخرج هذا يريد الملك من مدينة منف، فقال:
أنا أخرجه لك، وجمع له مالا، ثم أقبل القرموسىّ حتى دخل على بولة، فأخبره أن عنده علم ما سأل عنه، فقال له: أخبرنى كم عدد نجوم السماء؟ فأخرج القرموسىّ جرابا «٢» من رمل «٣» كان معه فنثره بين يديه، وقال له: مثل عدد هذا، قال: وما يدريك؟ قال: مر من يعدّه، قال: فكم مقدار ما تستحقّ الشمس كلّ يوم على ابن آدم؟ قال: قيراطا، لأنّ العامل يعمل يومه إلى الليل فيأخذ ذلك فى أجرته، قال: فما يفعل الله كلّ يوم؟ قال له: أريك ذلك غدا، فخرج معه حتى أوقفه على أحد وزرائه الذي أقعده القرموسىّ مكانه، فقال له: يفعل الله كلّ يوم أن يذلّ قوما ويعزّ قوما ويميت قوما، ومن ذلك أن هذا وزير من وزرائك قاعد يعمل على قرموس، وأنا صاحب قرموس على دابّة من دوابّ الملوك، وعلىّ لباس من لباسهم أو كما قال له، وأنّ فلان بن فلان قد أغلق عليك مدينة منف، فرجع مبادرا فإذا مدينة منف قد أغلقت، ووثبوا مع الغلام على بولة فخلعوه فوسوس فكان يقعد على باب مدينة منف يوسوس ويهذى فذلك قول القبط إذا كلّم أحدهم بما لا يريد قال: شجناك من بولة، يريد بذلك الملك لوسوسته.
والله أعلم.
стр. 46
«١» قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال: ثم استخلف مرينوس بن بولة فملكهم زمانا ثم توفّى، واستخلف ابنه قرقورة بن مرينوس، فملكهم ستّين سنة ثم توفّى واستخلف أخاه لقاس بن مرينوس؛ وكان كلّما انهدم من ذلك البربى الذي فيه الصور شىء لم يقدر أحد على إصلاحه إلّا تلك العجوز وولدها وولد ولدها وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت وانهدم من البربى موضع فى زمان لقاس بن مرينوس فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه وبقى على حاله وانقطع ما كانوا يقهرون به الناس وبقوا كغيرهم إلّا أنّ الجمع كثير والمال عندهم.
ذكر دخول بخت نصّر مصر
قال ثم توفّى لقاس، واستخلف ابنه قومس «٢» بن لقاس، فملكهم دهرا. فلما قدم بخت نصّر بيت المقدس كما حدثنا وثيمة بن موسى وغيره وظهر على بنى إسرائيل وسباهم، وخرج بهم إلى أرض بابل، أقام إرميا بإيلياء وهى خراب ينوح عليها ويبكى؛ فاجتمع إلى إرميا بقايا من بنى إسرائيل كانوا متفرقين حين بلغهم مقامه بإيلياء، فقال لهم إرميا: أقيموا بنا فى أرضنا لنستغفر الله، ونتوب إليه، لعلّه يتوب علينا، فقالوا: إنّا نخاف أن يسمع بنا بخت نصّر، فيبعث إلينا، ونحن شرذمة قليلون؛ ولكنّا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، وندخل فى ذمّته، فقال لهم إرميا: ذمّة الله أوفى الذمم لكم، ولا يسعكم أمان أحد من الأرض، إن أخافكم فانطلق أولئك النفر من بنى إسرائيل إلى قومس بن لقاس واعتصموا به لما يعلمون من منعته، وشكوا إليه شأنهم، فقال: أنتم فى ذمّتى، فأرسل إليه بخت نصّر إنّ لى قبلك عبيدا أبقوا منى، فابعث بهم إلىّ. فكتب إليه قومس ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوّة والكتاب وأبناء الأحرار، اعتديت عليهم وظلمتهم «٣» ؛ فحلف بخت نصّر لئن لم يردّهم ليغزون «٤» بلاده، وألحّا جميعا، وأوحى الله إلى إرميا إنّى مظهر بخت نصّر على هذا الملك الذي اتّخذوه حرزا، وإنهم لو أطاعوا
стр. 47
أمرك ثم أطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجا، وإنى أقسم بعزّتى لأعلّمنّهم أنه ليس لهم محيص «١» ولا ملجأ إلّا طاعتى واتّباع أمرى، فلما سمع بذلك إرميا رحمهم، وبادر إليهم فقال: إن لم تطيعونى أسركم بخت نصّر وقتلكم، وآية ذلك أنى رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها. ثم عمد فدفن أربعة أحجار فى الموضع الذي يضع فيه بخت نصّر سريره، وقال: يقع كلّ قائمة من سريره على حجر منها، فلجّوا فى رأيهم، فسار بخت نصّر إلى قومس بن لقاس ملك مصر فقاتله سنة، ثم ظفر بخت نصّر، فقتل قومس وسبى جميع أهل مصر، وقتل من قتل.
فلما أراد قتل من أسر منهم وضع له سريره فى الموضع الذي وصف إرميا ووقعت كلّ قائمة من سريره على حجر من تلك الحجارة التى دفن؛ فلما أتى بالأسارى، أتى معهم إرميا. فقال له بخت نصّر: ألا أراك مع أعدائى بعد أن أمنتك وأكرمتك! فقال له إرميا:
إنّما جئتهم محذّرا، وأخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك، وأريتهم موضعه؛ قال بخت نصّر: وما مصداق ذلك قال إرميا ارفع سريرك فإنّ تحت كلّ قائمة منه حجرا دفنته، فلما رفع سريره وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن؛ يجرى نيلها، ويذهب لا ينتفع به. فأقام إرميا بمصر واتّخذ بها جنينة وزرعا «٢» يعيش به. فأوحى إليه: إنّ لك عن الزرع والمقام بمصر شغلا، فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطى على قومك، فالحق بإيليا حتى يبلغ كتابى أجله. فخرج منها أرميا حتى أتى بيت المقدس، ثم إن بخت نصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من يومئذ.
وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم وأبو الأسود، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرىّ، أنه قدم من الشأم إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له عبد الله بن عمرو، ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: أنت، قال: لماذا؟ قال:
كنت تحدّثنا أن مصر أسرع الأرضين خرابا، ثم أراك قد اتّخذت فيها الرباع وبنيت فيها
стр. 48
القصور واطمأننت فيها، فقال: إن مصر قد أوفت خرابها حطمها «١» بخت نصّر فلم يدع فيها الّا السباع والضباع، وقد مضى خرابها، فهى اليوم أطيب الأرضين ترابا وأبعده خرابا، ولن تزال فيها بركة ما دام فى شىء من الأرضين بركة.
(* وحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن أبى قبيل نحوه قال:
فزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الذي كان يعمل به بمصر على عهد ملوكها، أنهم كانوا يقرّون القرى فى أيدى أهلها، كلّ قرية بكراء معلوم، لا ينقض عليهم إلّا فى كلّ أربع سنين من أجل الظمأ وتنقّل اليسار؛ فإذا مضت أربع سنين نقض «٢» ذلك، وعدّل تعديلا جديدا، فيرفق بمن استحقّ «٣» الرفق، ويزاد على من يحتمل «٤» الزيادة، ولا يحمّل عليهم من ذلك ما يشقّ عليهم؛ فإذا جبى الخراج وجمع، كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه يصنع به «٥» ما يريد، والربع الثانى لجنده ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوّه، والربع الثالث فى مصلحة الأرض وما يحتاج إليه من جسورها وحفر خلجها، وبناء قناطرها؛ والقوّة للمزارعين على زرعهم، وعمارة أرضهم، والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كلّ قرية من خراجها فيدفن ذلك فيها لنائبة تنزل، أو جائحة بأهل القرية؛ فكانوا على ذلك. وهذا الربع الذي يدفن فى كلّ قرية من خراجها، هى كنوز فرعون التى تتحدّث الناس بها أنها ستظهر، فيطلبها الذين يتبعون الكنوز*) .
وحدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل قال:
(* خرج وردان من عند مسلمة بن مخلّد وهو أمير على مصر- فمرّ على عبد الله بن عمرو مستعجلا، فناداه: أين تريد يا أبا عبيد؟ قال: أرسلنى الأمير مسلمة أن آتى منف فأحفر له عن كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأقرئه منّى السلام وقل له: إن كنز فرعون ليس لك ولا لأصحابك، إنما هو للحبشة، إنهم يأتون فى سفنهم يريدون الفسطاط،
стр. 49
فيسيرون حتى ينزلوا منف، فيظهر لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما يشاءون، فيقولون: ما نبتغى غنيمة أفضل من هذه، فيرجعون، ويخرج المسلمون فى آثارهم فيدركونهم فيقتتلون فتهزم الحبش فيقتلهم المسلمون ويأسرونهم؛ حتى إن الحبشىّ ليباع بالكساء*) .
ذكر ظهور الروم وفارس على مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: (* ثم ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذين فى وسط الأرض، فقاتلت الروم أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم، وصابروهم القتال فى البرّ والبحر، فلما رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم، على أن يدفعوا إليهم شيئا مسمّى فى كلّ عام، على أن يمنعوهم ويكونوا فى ذمّتهم. ثم ظهرت فارس على الروم، فلما غلبوهم على الشام، رغبوا فى مصر، وطمعوا فيها، فامتنع أهل مصر، وأعانتهم الروم، وقامت دونهم، وألحّت عليهم فارس، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس، على أن يكون ما صالحوا به الروم بين الروم وفارس، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها فكان ذلك الصلح على أهل مصر. وأقامت مصر بين الروم وفارس نصفين سبع سنين، ثم استجاشت الروم، وتظاهرت على فارس، وألحّت بالقتال والمدد، حتى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم «١» أجمع، وديارهم التى بالشام ومصر، وكان ذلك فى عهد رسول الله ﷺ ، وقبل وفاته، وبعد ظهور الإسلام، فصارت الشام كلّها وصلح أهل مصر كلّه خالصا للروم، ليس لفارس فى شىء من الشام ومصر شىء*) .
وحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: كان المشركون يجادلون المسلمين بمكّة فيقولون: الروم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس وأنتم تزعمون إنكم ستغلبون بالكتاب الذي معكم الذي أنزل على نبيّكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم فأنزل الله ﵎ الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
стр. 50
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ «١»
قال ابن شهاب: وأخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال: لمّا أنزلت هاتان الآيتان ناحب أبو بكر بعض المشركين قبل أن يحرّم القمار على شىء إن لم تغلب الروم فارس فى سبع سنين فقال رسول الله ﷺ : لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشر بضع، فكان ظهور فارس على الروم فى سبع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمان الحديبية ففرح المسلمون «٢» بنصر أهل الكتاب.
قال غير عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد (٣ وكانت الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له باب اليون وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم فلما انكشفت جموع فارس عن الروم وأخرجتهم الروم من الشام، أتمّت الروم بناء ذلك الحصن وأقامت به، فلم تزل مصر فى ملك الروم حتى فتحها الله تعالى على المسلمين ٣) .
وحدثنا سعيد بن تليد، عن ابن وهب، حدثنا ابن لهيعة، قال: يقال فارس والروم قريش العجم.
ذكر انكشاف فارس عن الروم
قال: وكان سبب انكشاف فارس عن الروم كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفّى، قال: حدثنى الزهرىّ، قال: حدثنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عبّاس أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل الهرمزان عظيم الأهواز عن الذي كان سبب انكشاف فارس عنهم، فقال له الهرمزان: كان كسرى بعث شهربراز وبعث معه جنود فارس قبل الشام ومصر، وخرّب عامّة حصون الروم وطال زمانه بالشام ومصر وتلك الأرض، فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه: إنك لو أردت أن تفتح مدينة الروم فتحتها، ولكنك قد رضيت بمكانك وأردت طول الاستيطان «٤» .
стр. 51
وكتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهربراز يأمره أن يقتل شهربراز ويتولّى أمر الجنود، فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهربراز جاهد «١» ناصح، وأنه أبلى «٢» بالحرب منه.
قال: فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه، فكتب إليه أيضا يراجعه ويقول: إنه ليس لك عبد مثل شهربراز وأنك لو تعلم ما يدارى من مكايدة «٣» الروم عذرته.
فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه وليتولّى أمر الجنود، فكتب إليه أيضا يراجعه، فغضب كسرى، وكتب إلى شهربراز يعزم عليه ليقتلنّ ذلك العظيم فأرسل شهربراز إلى ذلك العظيم من فارس، فأقرأه كتاب كسرى فقال له: راجع فىّ قال: قد علمت أن كسرى لا يراجع، وقد علمت حسن صحابتى إيّاك ولكن جاءنى ما لا أستطيع تركه، فقال له ذلك الرجل: ولا آتى أهلى، فآمر فيهم بأمرى، وأعهد إليهم عهدى؟ قال: بلى، وذلك الذي أملك لك، فانطلق حتى أتى أهله، فأخذ صحائف كسرى الثلاث التى كتب إليه «٤» ، فجعلها فى كمّه، ثم جاء حتى دخل على شهربراز، فدفع إليه الصحيفة الأوّلة فقرأها شهربراز، فقال له: أنت خير منّى ثم دفع إليه الصحيفة الثانية فاقترأها فنزل عن مجلسه، وقال له: اجلس عليه، فأبى أن يفعل، فدفع إليه الصحيفة الثالثة، فقرأها، فلم يفرغ شهربراز من قراءتها حتى قال: أقسم بالله لأسوءنّ كسرى، وأجمع المكر بكسرى. وكاتب هرقل، فذكر له أن كسرى قد أفسد، وجهّز بعوثا وابتليت بطول ملكه، وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان الأمر فيه، ويتعاهدان فيه، ثم يكشف عنه جنود فارس، ويخلّى بينه وبين المسّير إلى كسرى. فلما جاء هرقل كتاب شهربراز، دعا رهطا من عظماء الروم فقال لهم: اجلسوا أنا اليوم أحزم الناس، أو أعجز الناس، قد أتانى ما لا تحسبونه وسأعرضه «٥» عليكم، فأشيروا علىّ فيه. ثم قرأ عليهم كتاب شهربراز، فاختلفوا عليه فى الرأى، فقال بعضهم: هذا مكر من قبل كسرى. وقال بعضهم: أراد هذا العبد أن يلقاك، وخاف من كسرى فيستغيث، ثم «٦» لا يبالى ما لقى.
стр. 52
قال هرقل: إنّ هذا الرأى ليس حيث ذهبتم إليه، إنه ما طابت نفس كسرى أن يشتم هذا الشتم الذي أجد فى كتاب شهربراز، وما كان شهربراز ليكتبه «١» إلىّ بهذا وهو ظاهر على عامّة ملكى إلّا من أمر حدث بينه وبين كسرى، وإنى والله لألقينّه.
فكتب إليه هرقل، قد بلغنى كتابك، وفهمت الذي ذكرت، وإنى لاقيك فموعدك بموضع كذا وكذا فاخرج معك بأربعة آلاف من أصحابى، فإنى خارج بمثلهم، فإذا بلغت موضع كذا وكذا فضع ممن معك خمسمائة، فإنى سأضع بمكان كذا وكذا، مثلهم، ثم ضع بمكان كذا وكذا مثلهم حتى نلتقى أنا وأنت فى خمسمائة خمسمائة.
وبعث هرقل الرسل من عنده إلى شهربراز، إن تمّ له يرسل إليه، وإن أبى ذلك عجلوا إليه فى كتاب، فرأى رأيه ففعل ذلك.
وسار هرقل فى أربعة آلاف التى خرج فيها، لا يضع منهم أحدا حتى التقيا بالموضع، ومع هرقل أربعة آلاف ومع شهربراز خمسمائة، فلما رآهم شهربراز أرسل إلى هرقل، أغدرت؟ فأرسل إليه هرقل، لم أغدر، ولكنى خفت الغدر من قبلك وأمر «٢» هرقل بقبّة من ديباج، فضربت له بين الصفّين، فنزل هرقل فدخلها، ودخل بترجمان معه.
وأقبل شهربراز حتى دخل عليه، فانتجى بينهما الترجمان حتى أحكما أمرهما واستوثق أحدهما من صاحبه بالعهود والمواثيق حتى فرغا من أمرهما.
فخرج هرقل وأشار إلى شهربراز بأن يقتل الترجمان لكى يخفى له السرّ فقتله شهربراز، ثم انكشف شهربراز، فجيّش الجيوش، وسار هرقل إلى كسرى حتى أغار عليه ومن بقى معه، فكان ذلك أوّل هلكة كسرى، ووفى هرقل لشهربراز بما أعطاه من ترك أرض فارس، وانكشف حين أفسد أرض فارس على كسرى، فقتلت فارس كسرى ولحق شهربراز بفارس والجنود «٣» .
стр. 53
ذكر بناء الاسكندريّة
قال فوجّه هرقل ملك الروم كما حدثنى شيخ من أهل مصر المقوقس أميرا على مصر، وجعل إليه حربها وجباية خراجها، فنزل الإسكندريّة.
وكان الذي بنى الإسكندريّة وأسّس بناءها ذو القرنين الرومىّ، واسمه الإسكندر، وبه سمّيت الإسكندريّة، وهو أوّل من عمل الوشى، وكان أبوه أوّل القياصرة.
حدثنا عبد الملك بن هشام، قال: اسمه الإسكندر «١» .
حدثنا وثيمة بن موسى، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: الإسكندر هو ذو القرنين.
حدثنا عبد الملك بن هشام، عن زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق حدثنى من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه، أنه رجل من أهل مصر اسمه مرزبّا بن مرزبة اليونانىّ، من ولد يونان بن يافث بن نوح ﵇ «٢» .
قال: وحدثنى شيخ من أهل مصر، قال: كان من أهل لوبية، كورة من كور مصر الغربيّة: قال ابن لهيعة: وأهلها روم. ويقال بل هو رجل من حمير، قال تبّع:
قد كان ذو القرنين جدّى مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المغارب والمشارق «٣» يبتغى ... أسباب علم من حكيم «٤» مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... فى عين ذى خلب وثأط حرمد
ويروى قد كان ذو القرنين قبلى مسلما.
وحدثنى عثمان بن صالح، حدثنى عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبيّ، عن شيخين من قومه، قالا: كنّا بالإسكندريّة فاستطلنا يومنا، فقلنا لو انطلقنا إلى عقبة بن عامر نتحدّث عنده، فانطلقنا إليه، فوجدناه
стр. 54
جالسا فى داره فأخبرناه أنّا استطلنا يومنا، فقال: وأنا مثل ذلك، إنما خرجت حين استطلته، ثم أقبل علينا فقال: كنت عند رسول الله ﷺ أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله ﷺ ؛ فانصرفت إليه، فأخبرته بمكانهم، فقال رسول الله ﷺ : ما لى ولهم، يسألوننى عمّا «١» لا أدرى، إنما أنا عبد لا علم لى إلّا ما علّمنى ربّى. ثم قال أبلغنى وضوءا فتوضّأ، ثم قام إلى مسجد بيته، فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور فى وجهه والبشر، ثم انصرف، فقال:
أدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابى فادخله قال فأدخلتهم «٢» ، فلما دفعوا إلى رسول الله «٣» ﷺ قال لهم: إن شئتم أخبرتكم عمّا «٤» أردتم أن تسألونى قبل أن تتكلّموا، وإن أحببتم تكلّمتم وأخبرتكم! قالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلّم، قال: جئتم تسألوننى عن ذى القرنين، وسأخبركم كما «٥» تجدونه مكتوبا عندكم؛ إن أوّل أمره أنه غلام من الروم، أعطى ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندريّة فلما فرغ من بنائه أتاه ملك، فعرج به حتى استقلّه فرفعه، فقال: انظر ما تحتك فقال: أرى مدينتى، وأرى مدائن معها، ثم عرج به، فقال: انظر، فقال: قد اختلطت مدينتى مع المدائن فلا أعرفها.
ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتى وحدها ولا أرى غيرها، قال له الملك: إنما تلك الأرض كلّها والذي ترى يحيط بها هو البحر، وإنّما أراد ربّك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها، وسوف تعلّم الجاهل وتثبّت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدّين وهما جبلان ليّنان يزلق عنهما كلّ شىء، فبنى السدّ، ثم أجاز يأجوج ومأجوج، فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد أمّة قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمّة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد
стр. 55
أمّة من الحيّات تلتقم الحيّة منها الصخرة «١» العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المدير «٢» بالأرض. فقالوا نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت، وانّا نجده هكذا فى كتابنا.
(٣ وحدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائى، عن محمد بن اسحاق، حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعىّ- وكان رجلا قد أدرك- أن رسول الله ﷺ ، سئل عن ذى القرنين، فقال: ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب.
قال خالد: وسمع عمر بن الخطّاب رضى الله عنه رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسمّوا بالأنبياء حتى تسمّيتم بالملائكة ٣) .
حدثنا وثيمة بن موسى عمّن أخبره، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة عن الحسن، قال: كان ذو القرنين ملكا وكان رجلا صالحا.
قال: وإنما سمّى ذا القرنين كما حدثنا وثيمة «٤» ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى حسين، عن أبى الطفيل، أن عليّا رضى الله عنه سئل عن ذى القرنين فقال: لم يكن ملكا ولا نبيّا، ولكن كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبّه الله، ونصح لله «٥» فنصحه الله، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله، ثم بعثه الى قومه فضربوه على قرنه فمات، فسمّى ذا القرنين.
قال عبد الرحمن «٦» : ويقال: إنما سمى ذا القرنين لأنه جاوز قرن الشمس من المغرب والمشرق «٧» ، ويقال إنما سمّى ذا القرنين، لأنه كان له غديرتان من «٨» رأسه من شعر يطأ فيهما فيما ذكر إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران عن خازم بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.
стр. 56
حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبىّ، عن عاصم بن حكيم، عن أبى سريع الطائىّ، عن عبيد بن تعلى، قال: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة.
حدثنا أحمد بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن أسيد عن ابن شهاب، قال: إنما سمّي ذا القرنين أنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرن الشمس من مطلعها.
قال: وذكر بعض مشايخ أهل مصر عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عمّن حدثه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال كان أوّل شأن الإسكندرية أن فرعون اتّخذ بها «١» مصانع ومجالس، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها، فلم تزل «٢» على بنائه ومصانعه، ثم تداولها الملوك، ملوك مصر بعده، فبنت دلوكة ابنة زبّاء منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون، فلما ظهر سليمان بن داود ﵇ على الأرض اتّخذ بها مجلسا، وبنى فيها مسجدا. ثم إنّ ذا القرنين ملكها، فهدم ما كان فيها من بناء الملوك والفراعنة وغيرهم، إلّا بناء سليمان بن داود، لم يهدمه ولم يغيّره، وأصلح ما كان رثّ منه، وأقرّ المنارة على حالها. ثم بنى الإسكندرية من أوّلها بناء يشبه بعضه بعضا، ثم تداولتها الملوك بعده من الروم وغيرهم؛ ليس من ملك إلّا يكون له بها بناء يضعه بالإسكندرية يعرف به وينسب إليه.
قال: ويقال إن الذي بنى منارة الإسكندرية قلبطرة الملكة، وهى التى ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يبلغها الماء، كان يعدل من قرية يقال لها كسّا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الاسكندرية، وهى التى بلّطت قاعته.
قال ابن لهيعة: وبلغنى أنه وجد حجر بالإسكندرية مكتوب فيه: أنا شدّاد بن عاد، وأنا الذي نصب العماد، وحيّد الأحياد وسدّ بذراعه الواد، بنيتهنّ إذ لا شيب ولا موت، وإن الحجارة فى اللين مثل الطين. قال ابن لهيعة: والأحياد كالمغار. ويقال: إن الذي بنى الإسكندرية شدّاد بن عاد والله أعلم.
حدثنا إدريس بن يحيى الخولانى، حدثنا عبد الله بن عيّاش القتبانى، عن أبيه، عن
стр. 57
تبيع، قال: خمسة مساجد بالإسكندرية: مسجد موسى النبي ﵊ عند المنارة أقربها إلى الكنيسة «١» ، ومسجد سليمان ﵇، ومسجد ذى القرنين أو الخضر ﵉، وهو الذي عند اللّبخات بالقيسارية، ومسجد الخضر أو ذى القرنين عند باب المدينة حين تخرج من الباب، ولكلّ واحد منهما مسجد، ولكن لا ندرى أين هو، ومسجد عمرو بن العاص الكبير.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، عن قيس بن الحجّاج، عن تبيع، قال: إن فى الإسكندرية مساجد خمسة مقدّسة، منها: المسجد فى القيسارية التى تباع فيها المواريث، ومسجد اللبخات ومسجد عمرو بن العاص.
وكانت الإسكندرية كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض: منّة وهى «٢» موضع المنارة وما والاها، والإسكندرية وهى موضع قصبة الإسكندرية اليوم، ونقيطة؛ وكان على كلّ واحدة منهن سور، وسور من خلف ذلك على الثلاث مدن؛ يحيط «٣» بهنّ جميعا.
حدثنا هانئ بن المتوكل، حدثنا عبد الله بن طريف الهمدانى، قال: كان على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى ابن السدّىّ، عن أبيه قال:
كان أنف الاسكندر «٤» ثلاثة اذرع.
(* قال خالد وأبو حمزة: إن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخّمها بالرخام الأبيض؛ جدرها وأرضها، وكان لباسهم فيها السواد والحمرة؛ فمن قبل ذلك ليس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام، ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام، وإذا كان
стр. 58
القمر أدخل الرجل الذي يخيط «١» بالليل فى ضوء القمر فى بياض الرخام الخيط فى حجر «٢» الإبرة «٣» .
قال ورأس الإسكندرية فيما ذكر بعض المشايخ لقد بنيت الإسكندرية ثلاثمائة سنة، وسكنت ثلاثمائة سنة، وخربت ثلاثمائة سنة، ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها أحد إلّا وعلى بصره خرقة سوداء؛ من بياض جصّها وبلاطها، ولقد مكثت سبعين سنة ما يستسرج فيها.
وأخبرنا ابن أبى مريم، عن العطّاف بن خالد، قال: كانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار، وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته ومن خرج اختطف، وكان منهم راع يرعى على شاطئ البحر، فكان يخرج من البحر شىء فيأخذ من غنمه، فكمن له الراعى فى موضع حتى خرج؛ فإذا جارية. فتشبّث بشعرها، ومانعته نفسها، فقوى عليها، فذهب بها إلى منزله فأنست بهم فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس، فسألتهم، فقالوا: من خرج منا اختطف فهيّأت لهم الطلسمات، فكانت أوّل من وضع الطلسمات بمصر فى الإسكندرية.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن هشام بن سعد المدينى قال: وجد حجر «٤» بالإسكندرية مكتوب فيه ثم ذكر مثل حديث ابن لهيعة سواء؛ وزاد فيه وكنزت فى البحر «٥» كنزا على اثنى عشر ذراعا لن يخرجه أحد حتى تخرجه أمة محمد ﷺ .
حدثنا محمد بن عبد الله البغدادى، عن داود، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: كان الرخام قد سخّر لهم حتى يكون من بكرة إلى نصف «٦» النهار بمنزلة العجين، فإذا انتصف النهار اشتدّ*) .
стр. 59
قال عبد الرحمن «١» وفى زمان شدّاد بن عاد، بنيت الأهرام كما ذكر عن بعض المحدّثين، ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة من أهل مصر فى الأهرام خبرا يثبت، وفى ذلك يقول الشاعر «٢» :
حسرت عقول أولى النهى الأهرام ... واستصغرت لعظيمها الأحلام
ملس مبنّقة البناء شواهق ... قصرت لغال «٣» دونهنّ سهام
لم أدر حين كبا التفكّر دونها ... واستوهمت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم ... طلّسم رمل كنّ أم اعلام؟
حدثنا «٤» أسد بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن نوف، نحوه. ولم يذكر السرير.
(* فلما أن أغرق الله فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، عن تبيع، استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى فى الرجوع إلى أهلهم ومالهم «٥» بمصر فأذن لهم، ودعا لهم، فترهّبوا فى رءوس الجبال، وكانوا أوّل من ترهّب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه
стр. 60
السلام حتّى توفّاه الله ، ثم انقطعت الرهبانيّة بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح ﵇*) .
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة عن ابن عبّاس فى قوله الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ «١»
قال: غلبتهم فارس، ثم غلبت الروم فارس فى أدنى الأرض، يقول فى طرف الأرض الشام.
وقد اختلف فى البضع (٢ فحدثنا الحارث بن مسكين، حدثنا ابن القاسم، عن مالك بن أنس، قال: البضع ٢) ما بين الثلاث إلى سبع.
حدثنا أسد، حدثنا عبد الله بن خالد، عن الكبى، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس قال: بضع سنين، ما بين خمس إلى سبع.
حدثنا أسد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبى الحويرث، أن رسول الله صلّى الله عليه واله قال:
البضع سنين ما بين خمس إلى سبع. ويقال البضع ما لم يبلغ العدد ما بين الواحد إلى أربع، ويقال إلى سبع وتسع وعشر، ويقال البضع ما بين العشرة إلى العشرين، وكذلك كلّ عقد إلى المائة، فإذا زاد على المائة انقطع البضع وصار نيّفا.
ذكر كتاب رسول الله صلّى الله عليه واله إلى المقوقس
(* حدثنا «٣» هشام بن إسحاق وغيره، قال: لما كانت سنة ستّ من مهاجرة «٤» رسول الله صلّى الله عليه واله، ورجع رسول الله صلّى الله عليه واله من الحديبية بعث إلى الملوك.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنى يونس بن يزيد، عن ابن
стр. 61
شهاب، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد القارىّ، أن رسول الله صلّى الله عليه واله قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال: أمّا بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم فلا تختلفوا علىّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم، وذلك أن الله ﵎ أوحى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريّين، فأما القريب مكانا فرضى، وأما البعيد مكانا فكره، وقال: لا أحسن كلام من تبعثنى إليه، فقال عيسى: اللهمّ أمرت الحواريّين بالذى أمرتنى فاختلفوا علىّ؛ فأوحى الله إليه إنى سأكفيك، فأصبح كل إنسان منهم يتكلّم بلسان الذي وجه إليهم «١» .
فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا نختلف عليك أبدا فى شىء، فمرنا وابعثنا، فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى [إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى، وعبد الله بن أبى حذافة السهمى «٢» ] إلى كسرى، وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر، وبعث عمرو بن العاص إلى ابنى الجلندى أميرى عمان، ثم ذكر الحديث.
ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق وغيره، قال: فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس فى مجلس مشرف على البحر، فركب البحر؛ فلما حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، بين إصبعيه فلما رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو علىّ فيسلّط علىّ! فقال له، حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل! فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت، فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الربّ الأعلى فانتقم الله به ثمّ انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك. وإنّ لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافى الله به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب:
بسم الله الرّحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام
стр. 62
على من اتّبع الهدى، أما بعد فانى أدعوك بدعاية «١» الإسلام، فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٢» .
فلما قرأه أخذه، فجعله فى حقّ من عاج، وختم عليه*) .
حدثنا عبد الله بن سعيد المذحجى، عن ربيعة بن عثمان، عن أبان بن صالح، قال: (٣ أرسل المقوقوس إلى حاطب ليلة «٤» ، وليس عنده أحد إلا ترجمان له فقال: ألا تخبرنى عن أمور أسألك عنها، فإنى أعلم أن صاحبك قد تخيّرك حين بعثك! قال: لا تسألنى عن شىء إلا صدقتك، قال إلام يدعو محمد؟ قال: إلى أن تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلّون؟ قال: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحجّ البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدّم.
قال: من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل قومه؟ قال: نعم، قال:
صفه لى، قال: فوصفه بصفة من صفته «٥» ، لم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء، لم أرك ذكرتها؛ فى عينيه حمرة قلّما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوّة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات «٦» والكسر، لا يبالى من لاقى من عمّ ولا ابن عمّ، قلت: هذه صفته قال: قد كنت أعلم أن نبيّا قد بقى، وقد كنت أظنّ أن مخرجه الشام «٧» ، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج فى العرب، فى أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعنى فى اتّباعه، ولا أحبّ أن يعلم بمحاورتى إيّاك، وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا «٨» ، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك ٣) .
стр. 63
ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: ثم دعا كاتبا يكتب بالعربية فكتب لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام (١ أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيّا قد بقى؛ وقد كنت أظنّ أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها. والسلام ١) .
(٢ حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد القارىّ، قال: لمّا مضى حاطب بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، قبل المقوقس الكتاب، وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، ثم سرّحه إلى رسول الله صلّى الله عليه واله، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين، إحداهما أمّ إبراهيم، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدرىّ، فهى أمّ زكرياء بن جهم، الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر ويقال: بل وهبها لحسان بن ثابت، فهى أمّ عبد الرحمن بن حسان؛ ويقال:
بل وهبها رسول الله صلّى الله عليه واله لمحمد بن مسلمة الأنصارى، ويقال: بل لدحية بن خليفة الكلبى ٢) .
حدثنا النضر بن سلمة السامىّ، عن حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد الليثى، عن المنذر بن عبيد، عن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت، عن أمّه سيرين «٣» ، قالت:
حضرت موت إبراهيم، فرأيت رسول الله صلّى الله عليه واله كلّما صحت أنا وأختى ما ينهانا؛ فلما مات نهانا عن الصياح.
(* حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائى، عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أن صفوان بن المعطّل ضرب حسان بن ثابت بالسيف قال ابن إسحاق فحدثنى محمد بن إبراهيم التيمى أن ثابت بن قيس بن شمّاس وثب على صفوان بن المعطّل حين ضرب حسان فجمع يديه إلى عنقه بحبل [ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج] فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسان
стр. 64
بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله، قال: هل علم رسول الله صلّى الله عليه واله بشىء ممّا صنعت؟ قال:
لا، قال: لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله صلّى الله عليه واله فذكروا ذلك له فدعا حسّان وصفوان بن المعطّل فقال آذانى يا رسول الله وهجانى فاحتملنى الغضب فضربته فقال رسول الله صلّى الله عليه واله: أحسن يا حسّان فى الذي قد أصابك، قال: هى لك فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه واله عوضا منها بيرحا وهى قصر بنى حديلة اليوم [بالمدينة] كانت مالا لأبي طلحة تصدّق بها إلى رسول الله صلّى الله عليه واله فأعطاها حسّان فى ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطيّة فولدت له عبد الرحمن بن حسان*) .
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ابن لهيعة قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله صلّى الله عليه واله ضمّه: إلى صدره وقال: هذا زمان يخرج فيه النّبيّ الذي نجد نعته «١» وصفته فى كتاب الله وإنّا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين «٢» فى ملك يمين ولا نكاح وأنه يقبل الهديّة ولا يقبل الصدقة وأن جلساءه المساكين وأن خاتم النّبوة بين كتفيه ثم دعا رجلا عاقلا ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها وهما من أهل حفن من كورة أنصنا فبعث بهما إلى رسول الله صلّى الله عليه واله وأهدى له بغلة شهباء وحمارا أشهب وثيابا من قباطىّ مصر وعسلا من عسل بنها وبعث إليه بمال صدقة وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة «٣» ذات شعر ففعل ذلك الرسول فلما قدم على رسول الله صلّى الله عليه واله قدّم إليه الأختين والدابّتين والعسل والثياب وأعلمه أن ذلك كله هديّة، فقبل رسول الله صلّى الله عليه واله الهديّة وكان لا يردّها من «٤» أحد من الناس. قال فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى فقال: اللهمّ اختر لنبيّك فاختار الله له مارية، وذلك أنه قال لهما: قولا نشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فبدرت مارية فتشهّدت وآمنت قبل أختها ومكثت أختها ساعة ثم تشهّدت وآمنت، فوهب رسول الله صلّى الله عليه واله أختها لمحمد بن مسلمة الأنصارى وقال بعضهم: بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبىّ.
стр. 65
(* قال فحدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى أحسبه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه واله على أمّ إبراهيم أمّ ولده القبطية «١» ، فوجد عندها نسيبا كان لها قدم معها من مصر، وكان كثيرا ما يدخل عليها فوقع فى نفسه شىء فرجع فلقيه عمر ابن الخطاب فعرف ذلك فى وجهه فسأله فأخبره فأخذ عمر السيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها، فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبا ليس بين رجليه شىء، فلما رآه عمر رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه واله فأخبره فقال رسول الله صلّى الله عليه واله: إنّ جبريل أتانى فأخبرنى أنّ الله قد برّأها وقريبها وأن فى بطنها غلاما منى وأنه أشبه الخلق بى وأمرنى أن أسميّه إبراهيم وكنّانى بأبى إبراهيم*) .
وحدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب عن الزهرىّ عن أنس قال: لما ولدت أمّ إبراهيم إبراهيم كأنه وقع فى نفس النّبيّ صلّى الله عليه واله منه شىء حتى جاءه جبريل فقال السلام عليك يا أبا إبراهيم.
ويقال إن المقوقس بعث معها بخصىّ فكان يأوى إليها.
(* حدثنا أحمد بن سعيد الفهرى «٢» حدثنا مروان بن يحيى الحاطبىّ حدثنى إبراهيم بن عبد الرحمن بن أدعج قال حدثنى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه (قال: حدثنى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه) «٣» عن جدّه حاطب بن أبى بلتعة قال بعثنى رسول الله صلّى الله عليه واله إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله فأنزلنى فى منزل وأقمت عنده ليالى ثم بعث إليّ وقد جمع بطارقته فقال إنى «٤» سأكلّمك بكلام وأحبّ أن تفهمه عنى قال قلت هلم قال أخبرنى عن صاحبك أليس هو بنبىّ؟ قال قلت: بلى هو رسول الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على
стр. 66
قومه حيث «١» أخرجوه من بلده إلى غيرها قال فقلت له فعيسى بن مريم تشهد «٢» أنه رسول الله فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه فى السماء الدنيا فقال أنت حكيم جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك مبذرقة يبذر قونك إلى مأمنك «٣» قال فأهدى لرسول الله ﷺ ثلاث جوار منهنّ أمّ إبراهيم وواحدة وهبها رسول الله ﷺ لأبى جهم بن حذيفة العبدرى وواحدة وهبها لحسان بن ثابت وأرسل إليه بثياب مع طرف من طرفهم*) فولدت مارية لرسول الله ﷺ إبراهيم فكان من أحبّ الناس إليه حتى مات فوجد به رسول الله ﷺ .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرىّ أن رسول الله ﷺ صلى على ابنه ابراهيم وكبّر عليه أربعا قال ورشّ الماء على قبره كما حدثنا ابن بكير. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا قريش ابن حيّان عن ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبى سيف قين كان بالمدينة وكان ظئر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فأتاه بإبراهيم فشمّه ثم دخلنا عليه وهو فى الموت فذرفت عيناه فقال له ابن عوف وأنت يا رسول الله قال إنها رحمة وأتبعها بالأخرى تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما لا يرضى ربّنا. وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم حدثنا مسلم بن خالد الزنجى عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء ابنة يزيد أنها حدثته قالت لما توفّى إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر أنت أحقّ من علم الله حقّه قال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق وموعد «٤» جامع وأن الآخر منّا يتبع الأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم أشدّ ممّا وجدنا وإنا بك لمحزونون.
حدثنا على بن معبد حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن أبى ليلى عن عطاء ابن أبى رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيد عبد الرحمن بن
стр. 67
عوف فانطلق به إلى النخل الذي فيه ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه فوضعه فى حجره ثم بكى فقال له عبد الرحمن تبكى! أو لم تكن نهيت عن البكاء قال: لا ولكنى نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم ولولا أنه أمر حق ووعد صدق «١» وأنها سبيل مأتيّة لحزنّا عليك حزنا هو أشدّ «٢» من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الربّ.
حدثنا النضر بن سلمة، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن السامىّ «٣» حدثنا حاتم «٤» ابن إسماعيل حدثنا أسامة بن زيد عن المنذر بن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمّه سيرين أخت مارية قالت: رأى رسول الله ﷺ فرجة فى القبر يعنى قبر إبراهيم فأمر بها فسدت فقيل يا رسول الله فقال: أما إنما لا تضرّ ولا تنفع ولكن تقرّ بعين الحىّ وإن العبد إذا عمل عملا أحبّ الله أن يتقنه.
حدثنا دحيم حدثنا مروان بن معاوية عن إسرائيل عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان «٥» لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى ينكشفا.
قال ولما ولدت أمّ إبراهيم كما حدثنا القعنبىّ عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ أعتقها ولدها وكان سنّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يوم مات كما حدثنا على بن معبد «٦» عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن رجل قد سمّاه عن البراء بن عازب ستّة عشر شهرا فقال رسول الله ﷺ : إن له ظئرا فى الجنّة يتمّ رضاعه. وحدثنا يزيد بن أبى سلمة عن
стр. 68
عبد الرحمن بن زياد حدثنا الحجاج بن أرطأة عن أبى بكر بن عمرو عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: لما توفّى إبراهيم قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعا فى الجنّة يتمّ بقيّة رضاعه.
ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبى حبيب قال وكانت البلغة والحمار أحبّ دوابّه إليه وسمّى البغلة دلدل وسمى الحمار يعفور وأعجبه العسل فدعا فى عسل بنها بالبركة وبقيت تلك الثياب حتى كفن فى بعضها ﷺ .
حدثنا محمد بن عبد الجبّار حدثنا موسى بن داود عن سلّام عن عبد لملك بن عبد الرحمن عن الحسن العرنى عن أشعث بن طليق عن مرّة بن المطلب أو الطيّب عن عبد الله بن مسعود. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا القاسم بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر عن الثقة عن ابن مسعود قال قلنا يا رسول الله فيم نكفنك؟ قال: فى ثيابى هذه أو فى ثياب مصر. قال محمد بن عبد الجبار فى حديثه أو فى ثياب مصر أو فى حلّة قال أحدهما أو فى يمنة.
قال ابن أبى مريم قال ابن لهيعة وكان اسم أخت مارية قيصرا. «١» ويقال بل كان اسمها سيرين «٢» .
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن الأعرج قال بعث المقوقس صاحب الإسكندرية بمارية وأختها حنّة فأسكنها رسول الله ﷺ فى صدقته فى بنى قريظة.
وحدثنا هانئ بن المتوكّل حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب وابن هبيرة أن الحسن بن علىّ كلّم معاوية بن أبى سفيان فى أن يضع الجزية عن جميع قرية أمّ إبراهيم لحرمتها ففعل ووضع الخراج عنهم فلم يكن على أحد منهم خراج وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا إلا بيتا واحدا قد بقى منهم أناس.
حدثنا عبد الملك بن [مسلمة حدثنا إسماعيل بن «٣» ] عيّاش عن أبى بكر بن أبى
стр. 69
مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلّا وضعت عنه الجزية وكانت وفاة مارية فى المحرّم سنة خمس عشرة ودفنت بالبقيع وصلىّ عليها عمر بن الخطاب. وكان الرسول بها من قبل المقوقس كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، ابن جبر.
ثم إن أبا بكر الصدّيق بعد وفاة رسول الله ﷺ كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علىّ بن رباح اللخمىّ بعث حاطبا إلى المقوقس بمصر فمرّ على ناحية قرى الشرقية «١» فهادنهم وأعطوه فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص فقاتلوه فانتقض ذلك العهد. قال عبد الملك وهى أوّل هدنة كانت بمصر.
(٢ قال ابن هشام: اسم أبى بلتعة عمرو وحاطب لخمى ٢) وفى ذلك يقول حسان ابن ثابت كما حدثنا وثيمة بن موسى:
قل لرسل النّبيّ صاح الى النا ... س شجاع ودحية بن خليفه
ولعمرو وحاطب وسليط ... ولعمرو وذاك رأس الصحيفه
فى أبيات ذكر فيها رسل النبي ﷺ إلى الملوك.
ذكر سبب دخول عمرو بن العاص مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح قال فلما كانت سنة ثمانى عشرة وقدم عمر الجابية خلا به عمرو بن العاص فاستأذنه فى المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل مصر فى الجاهليّة وعرف طرقها ورأى كثرة ما فيها، وكان سبب دخول عمرو إياها كما حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب «٣» عن خالد بن يزيد أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة فى نفر من قريش فإذا هم بشمّاس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة فى بيت المقدس، فخرج فى بعض
стр. 70
جبالها يسيح «١» ، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم.
فبينا عمرو يرعى إبله إذ مرّ به ذلك الشمّاس وقد أصابه عطش شديد فى يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روى ونام الشمّاس مكانه. وكانت إلى جنب الشمّاس حيث نام حفرة فخرجت منها حيّة عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم «٢» فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حيّة عظيمة قد أنجاه الله منها. فقال: لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها. فأقبل إلى عمرو فقبل رأسه وقال: قد أحيانى «٣» الله بك مرّتين، مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه «٤» الحيّة. فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا. فقال له الشمّاس: وكم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما أشترى به بعيرا، فإنى لا أملك إلّا بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا آخر فتكون ثلاثة أبعرة.
فقال له الشمّاس: أرأيت دية أحدكم بينكم كم هى؟ قال: مائة من الإبل. قال له الشمّاس: لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير قال يكون ألف دينار فقال له الشمّاس: إنى رجل غريب فى هذه البلاد وإنما قدمت أصلّى فى كنيسة بيت المقدس وأسيح فى هذه الجبال «٥» شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسى وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادى فهل لك أن تتبعنى إلى بلادى ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله تعالى أحيانى بك مرّتين فقال له عمرو أين بلادك؟ قال: مصر فى مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو لا أعرفها ولم أدخلها قطّ فقال له الشمّاس لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قطّ مثلها فقال عمرو وتفى لى بما تقول وعليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال له الشمّاس نعم لك الله علىّ بالعهد والميثاق أن أفى لك وأن أردّك إلى أصحابك فقال عمرو وكم يكون مكثى فى ذلك؟ قال شهرا تنطلق معى ذاهبا عشرا وتقيم عندنا عشرا وترجع فى عشر ولك علىّ أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا فقال له عمرو أنظرنى حتى أشاور أصحابى فى ذلك فانطلق عمرو إلى
стр. 71
أصحابه فأخبرهم بما عاهده عليه الشمّاس وقال لهم تقيموا علىّ حتى أرجع إليكم ولكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبنى رجل منكم آنس به فقالوا نعم وبعثوا معه رجلا منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشمّاس إلى مصر حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه، وقال ما رأيت مثل مصر قطّ وكثرة ما فيها من الأموال ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال فازداد عجبا. ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم أكرة من ذهب مكلّلة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقّونها بأكمامهم. وفيما اختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم أنها من وقعت الأكرة فى كمّه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشمّاس الإكرام كلّه وكساه ثوب ديباج ألبسه إيّاه وجلس عمرو والشمّاس مع الناس. فى ذلك المجلس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقّونها بأكمامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كمّ عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلّا هذه المرّة. أترى هذا الأعرابىّ يملكنا هذا ما لا يكون أبدا! وان ذلك الشمّاس مشى فى أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمرا أحياه مرّتين وأنه قد ضمن له ألفى دينار وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا وزودّهما وأكرمهما حتى رجع وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثره مالا. فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا قال عمرو فكان أوّل مال اعتقدته وتأثّلته.
ذكر فتح مصر
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبى جعفر، وعيّاش ابن عبّاس القتبانىّ وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قال: (* فلما قدم عمر بن الخطاب
стр. 72
الجابية «١» قام إليه عمرو فخلا به وقال يا أمير المؤمنين ائذن «٢» لى أن أسير إلى مصر وحرّضه عليها وقال إنك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين وعونا لهم، وهى أكثر الأرض أموالا وأعجزها عن القتال والحرب، فتخّوف عمر بن الخطّاب على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظّم أمرها عند عمر بن الخطّاب ويخبره بحالها ويهوّن عليه فتحها حتى ركن «٣» لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكّ. ويقال بل ثلاثة آلاف وخمسمائة.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص دخل مصر بثلاثة آلاف وخمسمائة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب مثله، إلّا أنه قال: ثلثهم غافق.
قال ثم رجع إلى حديث عثمان «٤» قال: فقال له عمر: سر وأنا مستخير الله فى مسيرك، وسيأتيك كتابى سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر الله فكأنه تخوّف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوّف عمرو بن العاص إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل
стр. 73
عنها فقيل إنها من مصر «١» ، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه:
ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ «٢» أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقنى كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله «٣» .
ويقال بل كان عمرو بفلسطين، فتقدّم بأصحابه إلى مصر بغير إذن فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر وهو دون العريش، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه: من عمر بن الخطّاب إلى العاص بن العاص، أمّا بعد، فإنك سرت إلى مصر ومن «٤» معك، وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا ثكل أمّك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع. فقال عمرو: الحمد لله، أيّة أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدّم كما هو*) . حدثنا ذلك عثمان بن صالح عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب.
ويقال بل كان عمرو فى جنده على قيساريّة مع من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطّاب إذ ذاك بالجابية، فكتب سرّا، فاستأذن إلى مصر، وأمر أصحابه فتنحّوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحّوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل، ورأوا أن قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر ابن الخطّاب، فكتب إليه عمر: إلى العاص بن العاص، أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابى ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك وقد دخلت «٥» فامض واعلم أنى ممدّك. فيما حدثنا عبد الله بن مسلمة، ويحيى بن خلد، عن الليث بن سعد.
قال ويقال: إن عمر بن الخطّاب كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خفّ معك فسر به وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو، ثم إن عثمان بن عفان دخل على
стр. 74
عمر بن الخطّاب، فقال عمر: كتبت إلى «١» عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشام، فقال عثمان: يا أمير المؤمنينّ، إن عمرا لمجرّأ، وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج فى غير ثقة ولا جماعة، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى «٢» تكون أم لا، فندم عمر بن الخطاب على كتابه إلى عمرو إشفاقا ممّا قال عثمان، فكتب إليه إن أدركك كتابى قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك.
(* وكانت صفة عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير، عن الليث بن سعد، قصيرا عظيم الهامة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين، عظيم الكفّين والقدمين. قال الليث يملأ هذا المسجد.
قال فلمّا بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، توجّه إلى الفسطاط فكان يجهّز على عمرو الجيوش، وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج «٣» واليا عليه، وكان «٤» تحت يدى المقوقس، وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم، فتوجّه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر.
فحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال:
فضحّى عمرو عن أصحابه يومئذ بكبش.
وكان رجل ممّن كان خرج مع عمرو بن العاص حين خرج من الشام إلى مصر كما حدثنا هانئ بن المتوكل، عن أبى شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث أصيب بجمل له، فأتى إلى عمرو يستحمله، فقال له عمرو: تحمّل مع أصحابك حتى نبلغ «٥» أوائل العامر، فلما بلغوا العريش جاءه فأمر له بجملين «٦» ، ثم قال له: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمّتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا.
стр. 75
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح، قال: فتقدّم «١» عمرو بن العاص فكان أول موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.
وكان عبد الله بن سعد، كما حدثنا سعيد بن عفير على ميمنة عمرو بن العاص منذ توجّه من قيساريّة إلى أن فرغ من حربه.
وقال غير ابن عفير من مشايخ أهل مصر: وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو بنيامين فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى القبط يعلّمهم أنه لا تكون للروم دولة وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّى عمرو. فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا.
قال عثمان فى حديثه ثم توجّه عمرو لا يدافع الا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر*) .
فحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع شراحيل بن يزيد، يحدّث عن أبى الحسين، أنه سمع رجلا من لخم يحدث كريب بن أبرهة، قال: كنت أرعى غنما لأهلى «٢» بالقواصر، فنزل عمرو ومن معه فدنوت إلى أقرب «٣» منازلهم، فإذا بنفر من القبط كنت قريبا منهم فقال بعضهم لبعض:
ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم، وإنما هم فى قلّة من الناس، فأجابه رجل آخر منهم، فقال: إنّ هؤلاء القوم لا يتوجّهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم، قال فقمت إليه فأخذت بتلابيبه فقلت: أنت تقول هذا. انطلق معى إلى عمرو بن العاص حتى يسمع الذي قلت فطلب إلىّ أصحابه وغيرهم حتى خلّصوه، فرددت الغنم إلى منزلى، ثم جئت حتى دخلت فى القوم.
قال عثمان فى حديثه فيقدم «٤» عمرو لا يدافع إلّا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه به نحوا من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر
следующие страницы →