Полный текст (512 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم
وجه بارز في أسرة ابن عبد الحكم الذين كانوا من المؤرخين والفقهاء والمحدثين وأئمة المذهب في مصر في القرنين الثاني والثالث الهجريين وكانت لهم شهرة ونفوذ كبيرين وعلى أيديهم رئاسة المالكية في مصر.
ولد ابن عبد الحكم في الفسطاط حوالي سنة ١٨٧ هـ، وترعرع في مصر بآدابها وتقاليدها. أخذ الفقه والحديث عن أبيه وعن العديد من العلماء أمثال يونس بن يحيى، وأبي زرعة وهب الله بن راشد، وشعيب بن ليث، وليث بن سعد، وغيرهم.
لقد وثق عبد الرحمن ونقل عنه الحديث الكثير من الحفاظ والرواة أمثال أبي الحاتم الرازي، والنسائي، وإبراهيم بن يوسف الهنجاني، وعلي بن الحسن بن القديد.
وقعت أسرته في عهد المتوكل في بقعة المشاكل والصعوبات. والاضطرابات التي حدثت بعد ثورة علي بن عبد العزيز الجروي في مصر نالت من عبد الرحمن حيث زُجّ في السجن وصودرت أمواله ولاقى ألوان التعذيب وقُتل أخوه حتى أطلق سراحه بأمر أبي عثمان في سنة ٢٣٧ هـ. أما الفترة ما بعد خلاصه من السجن وحتى وفاته التي طالت عشرين سنة فلا توجد معلومات حولها.
اتصاله بالحكام وحصوله على أسناد الحكومة وأسرارها وكذا الاستماع إلى أخبار وروايات الصحابة والتابعين الذين كانوا قد جاؤوا إلى مصر، مهّدت له أرضية التوجه إلى التاريخ حتى كتب مما حصل عليه من معلومات كتاب «فتوح مصر وأخبارها» وهو أقدم كتاب مدون في تاريخ العهد الإسلامي بمصر.
стр. 2
مقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم بعتبر كتاب فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم أهم ما قدمه لمدرسة مصر. فقد استطاع أن يجمع أطراف الرواية التاريخية فى مدرسة يزيد بن أبى حبيب (ت ١٢٨ هـ) وغيرها ويسجلها جميعا فى مجموعة من الأخبار المنسقة.
ويختلف عنوان هذا الكتاب عند الكتاب القدماء اختلافا يكشف عما يحوى من موضوعات. فقد أوجز بعضهم فسماه «فتوح مصر» وأطال بعضهم فجعله «فتوح مصر وأخبارها» وأسهب فريق ثالث فقال: «فتوح مصر والمغرب والأندلس» «١» . وسماه المسعودى (ت ٣٤٥ هـ) وهو ينقل عنه «فتوح مصر والإسكندرية والمغرب والأندلس وأخبارها» «٢» .
وكل هذه العناوين صادقة كما يظهر من الوصف الآتى:
فقد قسم ابن عبد الحكم كتابه إلى سبعة أجزاء: الأول فى فضائل مصر وتاريخها قبل الإسلام. والثانى يتناول الفتح الإسلامى. والثالث يشرح الخطط ونزول العرب فى مصر. والرابع الإدارة المصرية على عهد عمرو بن العاص. والخامس فتح إفريقيا والأندلس.
هذا وقد اقتصر الأستاذ عبد المنعم عامر على هذه الأجزاء فى الجزء الذي حققه وأصدره، وسماها «القسم التاريخى» وهى تسمية لا يتفق معه فيها الدكتور حسين نصار لأنها توحى كما قال بأن الجزءين التاليين ليسا من التاريخ.
وقصر ابن عبد الحكم الجزء السادس على قضاة مصر حتى عصره. وجعل السابع عن الصحابة الذين وفدوا إلى مصر والأحاديث التى رويت عنهم.
стр. 3
والكتاب أقدم كتاب مصرى يعالج الأمور التى عالجها، ولا مثيل له فيما وصل إلينا من كتب التاريخ الإسلامى، فاضطر جميع من أتى بعده إلى الاعتماد عليه. تقول دائرة المعارف الإسلامية: «وقد استفاد المؤرخون المتقدمون إلى حد بعيد من كتاب ابن عبد الحكم، واعتمدت عليه المؤلفات المتأخرة كذلك. فأكثر كتاب حسن المحاضرة للسيوطى مأخوذ من كتاب ابن عبد الحكم، كما أخذ عنه المقريزى كثيرا من فصول كتابه. ونقل ياقوت كذلك معظم ما كتبه عن وصف مصر نقلا حرفيا عن هذا الكتاب» .
والحق أن ابن عبد الحكم رسم الطريق لمن أتى بعده من المؤرخين للتأليف فى النواحى المختلفة من التاريخ المصرى. فقد شغل كل جزء من أجزائه كتبا تاريخية مستقلة ومفصلة بعد.
فالفضل الخاص بفضائل مصر صار كتابا كاملا عند ابن الكندى وابن زولاق.
والفصل الخاص بالخطط صار كتابا مستقلا عند القضاعى والمقريزى. والفصل الخاص بالقضاة أفرد له الكندى وابن حجر كتابين. والفصل الخاص بالصحابة صار كتابا عند محمد بن الربيع الجيزى والسيوطى «١» .
وكان المنهج الذي اتبعه ابن عبد الحكم فى تأليفه هو نفس المنهج الذي كان متبعا لدى مدرسة مصر فى القرن الثالث الهجرى. وهو المعروف بطريقة الإسناد التى جرى عليها رواة الحديث «ومع ذلك ظلت نظرية نقد الرواية التاريخية نفسها أمرا لا يعرفه ابن عبد الحكم، كما لم يعرفه معاصروه من مؤرخى القرن الثالث الهجرى» مما ترتب عليه تسرب بعض الأساطير فى بعض فصول كتابه وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ مصر القديم «٢» .
أهم موارد ابن عبد الحكم فى فتوح مصر
أما مصادره فيما يتعلق بتاريخ مصر وأخبارها فقد اعتمد على مجموعة من
стр. 4
مؤرخى مصر دون أن يذكر مؤلفاتهم، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يزعم أن مؤلف ابن عبد الحكم جمع عن طرق الرواية الشفوية «١» . وهو أمر بعيد الاحتمال، فتاريخ مصر الإسلامية المبكر كتبت فيه مؤلفات لكل من: يزيد بن أبى حبيب، وعبيد الله بن أبى جعفر، وابن لهيعة والليث، وعثمان بن صالح، وابن عفير، ويحيى بن بكير.
وظلت مؤلفاتهم موجودة بعد ابن عبد الحكم لدى مؤرخى مصر يقتبسون منها.
وقد اعتمد على هذه المؤلفات الخاصة بتاريخ مصر وأخبارها المؤرخ المصرى ابن الكندى فى بداية النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى. ونقل عن نسخة منها فى كتابه عن مصر وأخبارها، المعروف بفضائل مصر «٢» .
ومهما يكن من أمر فقد أفاد ابن عبد الحكم من كتاب فى تاريخ مصر ليزيد بن أبى حبيب (ت ١٢٨ هـ) فقد أشار إلى ابن أبى حبيب فى بعض الاقتباسات الخاصة بأقباط مصر من السحرة فى عهد فرعون وإيمان جماعة كبيرة منهم فى ساعة واحدة «٣» .
وكذلك إلى بعض عادات القبط بمصر قبل دخول الإسلام إليها «٤» .
كما أشار إلى ابن أبى حبيب كذلك بمناسبة وصول كتاب الرسول الكريم إلى المقوقس، وكيف أن المقوقس ضم هذا الكتاب إلى صدره، وقال: «هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته فى كتاب الله «٥» » ... إلخ.
أما عبيد الله بن أبى جعفر (ت ١٣٥ هـ) فقد أشار إليه ابن عبد الحكم أثناء الحديث عن فتح مصر. وذلك بمناسبة ما عرضه عمرو على الخليفة عمر فى أن يأذن له بالمسير إلى مصر لفتحها لتكون قوة للمسلمين وعونا، باعتبارها أكثر الأرض أموالا، وكيف أن الخليفة تخوف فى البداية وكره ذلك. ولم يزل عمرو يعظم أمر مصر للخليفة حتى وافقه على فتحها «٦» .
стр. 5
كما أفاد ابن عبد الحكم من تاريخ ابن لهيعة (ت ١٧٤ هـ) ، فقد أشار إلى ابن لهيعة بمناسبة الحديث عن بناء الإسكندرية والإسكندر ذو القرنين «١» .
وكذلك بمناسبة الحديث عن الفتح الثانى للإسكندرية وهزيمة الروم. وكيف أن الخليفة عثمان أراد أن يكون عمرو بن العاص على الحرب، وعبد الله بن سعد على الخراج، وأن عمر ارفض ذلك «٢» .
ويأتى بعد ذلك ذكر الليث (ت ١٧٥ هـ) الذي أشار إليه ابن عبد الحكم بمناسبة ما كتبه الخليفة عمر لعمرو بن العاص حين استبطأ عمر الخراج من قبل عمرو «٣» .
وكذلك أفاد من ابن هشام (ت ٢١٣ هـ) فقد أشار إليه بمناسبة الحديث عن وصية رسول الله بالقبط «٤» . وكذلك بمناسبة الحديث عن ظفر العمالقة بمصر «٥» .
والحديث عن بناء الإسكندرية «٦» . وكتاب رسول الله إلى المقوقس «٧» . ومن شهد فتح مصر من الأنصار «٨» . وغير ذلك.
أما عثمان بن صالح (ت ٢١٩ هـ) فقد أشار إليه ابن عبد الحكم كثيرا، ويبدو أن أغلب الروايات فى كتاب ابن عبد الحكم كانت فى كتاب لعثمان فى الفتوح أيضا.
كما أفاد ابن عبد الحكم من تاريخ ابن عفير (ت ٢٢٦ هـ) ، وقد أشار إلى ابن عفير أثناء الحديث عن فتح مصر، وذلك بمناسبة وجود عبد الله بن سعد على ميمنة جيش عمرو بن العاص منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه «٩» .
كذلك أفاد ابن عبد الحكم من كتاب فى تاريخ مصر ليحيى بن بكير (ت ٢٣١ هـ) .
стр. 6
وعلى الرغم من أن ابن الكندى لم يذكر كتاب يحيى فى تاريخ مصر بين مصادره فى كتاب فضائل مصر، فإنه يبدو أن كتاب يحيى كان معروفا لدى مؤرخى مصر فى هذه الفترة. وعلى رأسهم ابن عبد الحكم الذي يصرح باستخدامه كتابا ليحيى فى التاريخ، قال: إنه أعطاه إياه «١» .
وكيفما كان الأمر فقد استطاع ابن عبد الحكم أن يجمع أطراف الرواية التاريخية لدى المؤرخين السابقين ويسجلها فى مجموعة من الأخبار المنسقة.
ويعد صنيعه هذا أهم ما قدمه لمدرسة مصر وقتئذ ولمن بعده من المؤرخين حتى السيوطى.
هذا وقد كان العلامة تورى قام بتحقيق كتاب فتوح مصر سنة ١٩٢٢ م واعتمد على المخطوطات الآتية:
١- نسخة المتحف البريطانى بلندن رقم ٥٢٠ (شرقيات ٦) وتاريخ نسخها يعود إلى القرن السادس الهجرى. وقد رمز إليها بالحرف A.
٢- نسخة المكتبة الأهلية بباريس رقم ١٦٨٦. وتاريخ نسخها يعود إلى سنة ٥٨٥ هـ.
وقد رمز إليها بالحرف B.
٣- نسخة المكتبة الأهلية بباريس رقم ١٦٨٧، نسخت سنة ٧٧٦ هـ. وقد رمز إليها بالحرف C.
٤- نسخة ليدن رقم ٧٠٥، نسخت سنة ٩٧٣ هـ. وقد رمز إليها بالحرف D.
وقد بذل العلامة تورى جهدا عظيما فى صبر وأناة، مع دأب ومثابرة، ووشى حواشى الكتاب بمقابلات للنسخ دقيقة وتعليقات مستفيضة مفيدة. وستظل هذه النشرة من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.
وفى سنة ١٩٦١، أصدر الأستاذ عبد المنعم عامر المجلد الأول من هذا الكتاب.
وهى طبعة يشيع فى معظمها التصحيف والتحريف كما لا تخلو من سقط فى كثير من صفحاتها- أشرت إليه فى موضعه من طبعتنا هذه.
стр. 7
وسوف أترك الحديث عن طبعة الأستاذ عبد المنعم- للدكتور حسين نصار وهو من العلماء الأفاضل مؤلف وباحث ومحقق. فقد قارن بين طبعتى تورى وعامر مشيدا بالكتاب الذي أصدره تورى بأنه يمتاز بجمال الطبع ودقته. على حين خلا كتاب الأستاذ عبد المنعم عامر من ذلك خلوا تاما «١» .
ثم يستطرد الدكتور حسين نصار قائلا ويبرز التناقض جليا حين ينسى المحقق أن يلبس رداء النقد حيث يجب أن يلبسه. فقد أكثر ابن عبد الحكم من الاقتباس عن السيرة النبوية لابن هشام. والمنهج العلمى للتحقيق يلزمه عندئذ أن يرجع إلى السيرة ويقارن بين النصوص فيها وفى فتوح مصر.
وجميع ما ذكره ابن عبد الحكم موجود فعلا فيها. ولو كان المحقق فعل ذلك، لبرأ من سقطة وقع فيها. فقد جاء فى ص ٢٤٠ من الفتوح: «حدثنا عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: عتبة بن غزوان بن جابر ابن وهب.. حليف بنى وائل بن مناف» ، والذي فى السيرة ١: ٣٤٧، ٢: ٤، ٣٣٦ حليف بنى نوفل بن عبد مناف. وليس لعبد مناف ابن اسمه وائل.
ولو رجع للسيرة لما سقط من العبارة التالية من ص ٥ ص ١٣ من الفتوح وأتممته من السيرة ١: ٧ ووضعته بين قوسين: «صهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم، ونسبهم أن أم إسماعيل (النبي ﷺ منهم. قال ابن وهب فأخبرنى ابن لهيعة أن أم إسماعيل) هاجر من أم العرب، قرية كانت أمام الفرما من مصر» .
ولو تمسك برداء النقد التاريخى فى الكتاب كله لما وقع فى الخطأ الظاهر التالى.
جاء فى ص ٦٥ س ٢ وهو يذكر من بعثهم رسول الله ﷺ إلى الملوك: «فبعث حاطب ابن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى إلى كسرى.
وبعد «!» دحية بن خليفة إلى قيصر» .
والعبارة غير صحيحة، إذ حدث بها سقط شوهها، وصوابها: «فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى (إلى الحارث بن
стр. 8
أبى شمر الغسانى، وعبد الله بن أبى حذافة السهمى) إلى كسرى. وبعث دحية..» (سيرة ابن هشام ٤: ٢٥٤، جوامع السيرة لابن حزم ٢٩) «١» .
ويستطرد الدكتور حسين نصار فيقول: «وطبيعى أن يبرأ متن الكتاب من العيوب، بعد أن لقى من عناية المستشرقين. ولكن رداءة الطبع أخلت بمواضع منه وأدخلت عليها ما برئت منه النسخة الأوربية. فقد أشرت سابقا إلى سقوط عبارات من المتن، وسقطت منه كلمات أيضا. مثال ذلك ما ورد فى ص ٥٧ س ١٧: «فلما دفعوا رسول الله ﷺ ..» ، وصوابه: «فلما دفعوا إلى رسول الله ﷺ ..» وما ورد فى ص ٦٤ س ٧: «لما كانت سنة مهاجرة رسول الله ﷺ ، ورجع رسول الله ﷺ من الحديبية..» . والصواب: «لما كانت سنة ست من مهاجرة..» .
وما ورد فى ص ١١٨ س ٩: «ومضى عمرو ومن معه فى طلب من هرب من الروم فى البحر إلى الإسكندرية» . «والصواب: «ومضى عمرو ومن معه فى طلب من هرب من الروم فى البر، فرجع من كان هرب من الروم فى البحر إلى الإسكندرية» .
وما ورد فى ص ٢١٢ س ٩: «وعلى ذلك لمقدس من الجبل إلى البحر» .
والصواب: «وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر» «٢» .
وكل هذه العبارات وغيرها برئت من السقط فى الطبعة الأوربية.
ووقع تصحيف فى كثير من أسماء الأعلام، وأرجح أن كثيرا منه ربما كان من المطبعة، ولذلك لن ألح عليه، ولكنى سأعطى بعض الأمثلة. جاء فى صفحة ط من المقدمة. السطر الأخير: على بن عبد العزيز الجداوى. والصواب: الجروى، نسبة إلى بنى جرى.
وفى ص س ١٨: بجير بن ذاخر المعافرى، بالجيم. والصواب بالحاء، كما جاء فى المشتبه للذهبى ٤٧.
وفى ص ٧٤ س ٦: البراء بن عازب، بفتح الزاى. والصواب كسرها.
وفى ص ٨٣ س ٣ من أسفل: سعيد بن عفير بفتح العين. والصواب ضمها.
стр. 9
وفى ص ٩٤ س ٤: شبيم بن بيتان، بضم الشين وبالباء، وتكرر وروده بهذه الصورة فى ١٥٨، ١٦١ والصواب كسر الشين وبالياء كما فى تهذيب التهذيب لابن حجر.
وفى ص ١٢٦ س ٨: أبو بصرة الغفارى واسمه جميل بن بصرة، بالجيم.
والصواب بالحاء، كما فى كتب الصحابة.
كذلك وقع تصحيف فى المتن فى مواضع متعددة، أشير إلى مجموعة منها. جاء فى ص ٤ س ٥ فى الوصية بالقبط: «لا تأكلوهم أكل الحضر» وفسر المحقق الحضر بأنه الذي يتحين طعام الناس حتى يحضره» وأرجح أن الصواب «لا تأكلوهم أكل الخضر» أى النبات الغض.
وفى السطر الأخير من ص ١٠ عن كنعان بن حام «وهو الذي حيل به فى الزجر فى الفلك» ولا معنى لها. وأظن أن الصواب ما فى الطبعة الأوربية: وهو الذي حبل به فى الرجز فى الفلك، أى فى أثناء العذاب والمحنة.
وفى ص ٦٦ س ١٠: «إلى ما يدعو محمد؟» . والصواب: إلى م، أو إلا م، لأن ما الاستفهامية يجب حذف ألفها إذا جرت، وتبقى فتحة الميم.
وفى ص ١٧٣ س ٦: بجرف تبة. ولعل الصواب ما فى الطبعة الأوربية: بجرف ينة، وينة لقب أبى عبد الرحمن الحمراوى الذي شهد فتح مصر، ونسب إليه حمام ينة (القاموس المحيط) .
وفى السطر الأخير من ص ٢٤٨: «إن هذه الصلاة احتضرت» والصواب اختضرت» أى قطعت قبل تمامها، من الاختضار وهو الموت فى سن الشباب.
وفى ص ٢٥٤ س ٦: «فزعم بعض المشايخ أن منها سبع عشرة موضعا» والصواب مرضعا «١» .
وفى ص ١٥ يعلق على كلمة «مهيم» فيقول: «كذا فى الأصل. ولم أجد لهذا اللفظ معناه، ولعله لفظ سؤال عما حدث» . واللفظ موجود فى تاج العروس الذي قال عنه: كلمة استفهام أى ما حالك وما شأنك» .
стр. 10
وفى صفحة (د) من المقدمة: «والذي تجب الإشارة إليه أن ابن قديد لم يكن تلميذا لابن عبد الحكم، ولم يثبت أنه قد نقل عنه رواية شفوية..» مع أن كتاب الفتوح نفسه يذكر سند رواته أنه يرويه عنه، ولا مانع من ذلك، فابن عبد الحكم مات سنة ٢٥٧ هـ، وابن قديد ولد سنة ٢٢٩ ومات سنة ٣١٢، وإذن فقد تعاصرا ثمانية وعشرين سنة، وعاشا فى بلد واحد: مصر، واشتغلا بعلم واحد: التاريخ «١» .
قلت: وقد استدل الأستاذ عبد المنعم عامر فيما ذهب إليه من أنّ ابن قديد لم يكن تلميذا لابن عبد الحكم بقوله فى صفحة (ش) من المقدمة: «ويدل على هذا قول منسوب إلى عبد الرحمن بن عبد الحكم عن أبى الأسود النضر بن عبد الجبار، يرجع وقته تاريخيا إلى سنة ٢٣٧ هـ عند ما كان ابن قديد فى الثامنة من عمره، مما لا يستقيم معه أن يكون ابن قديد راوية فى مثل هذا العمر» .
ولست أدرى من أين أتى الأستاذ عبد المنعم بمعلوماته فى هذا الدليل. والدليل الذي أتى به أساسا واه. لأن النضر بن عبد الجبار أستاذ ابن عبد الحكم توفى سنة ٢١٩ هـ. أى قبل ولادة ابن قديد بعشر سنوات «٢» .
ومهما يكن من أمر فقد أشرت إلى كثير من السقط والتصحيف والتحريف فى طبعة الأستاذ عبد المنعم عند موضعها فى طبعتنا هذه.
وثمة طبعة أخرى لكتاب فتوح مصر، صدرت عن مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر بالقاهرة سنة ١٩٧٤ بإشراف الأستاذ محمد صبيح، ويبدو أن هذه الطبعة منقولة عن النسخة الأوربية بعد حذف التعليقات والفهارس. ورغم أنها نقلت عن الطبعة الأوربية فقد ورد بها بعض السقط والتصحيف والتحريف الذي برئت منه الطبعة الأوربية. فقد وقع تصحيف وتحريف فى بعض الأسماء منه على سبيل المثال ما ورد ص ١٥ س ٢٦ عبد الله بن هبيرة السبلى. والصواب «السبائى» . وفى ص ٢٢ س ١٧ فأوحى إلى يوسف أن تحفر ثلاثة خليج. والصواب «خلج» . وفى ص ٦٠ س ٣٥ وحضهم على قتال عدوهم ورغبة فى الصبر. والصواب «ورغبهم فى الصبر» .
стр. 11
وربما اغتفرت هذه الأخطاء على أنها خطأ مطبعى. أما الأمر الذي لا يغتفر فى هذه الطبعة هو ما ذكره الأستاذ محمد صبيح فى صفحة المراجع عن نسخة خطية مصورة لكتاب فتوح مصر بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم ٣٦٢ تاريخ.
والحق أنى لم أعثر فى صفحات طبعته كلها على تعليق واحد أو مقارنة تنبىء عن أنه رجع إلى هذا المخطوط، ولو أنه استعان به حقيقة وقارن به لكان لطبعته شأن آخر.
ومهما يكن من أمر فسوف تظل النشرة الأوربية التى حققها العلامة تورى من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.
ومن ثم اتخذتها أصلا فى التحقيق، باعتبارها النسخة التى نشرت نشرا علميا، على أساس المخطوطات المتنوعة التى وقعت للمستشرق تورى.
وأثبت فى حواشيها فروق النسخ التى رجع إليها تورى. وخاصة الفروق التى لها دلالة خاصة. وزدت عليها فرق النسخة التى حصلت عليها، مع ما عن لى من التعليق والشرح والتوضيح.
وقد رمزت لمخطوطة المتحف البريطانى رقم ٥٢٠ بالحرف (أ) .
ولمخطوطة باريس رقم ١٦٨٦ بالحرف (ب) .
ولمخطوطة باريس رقم ١٦٨٧ بالحرف (ج) .
ولمخطوطة ليدن رقم ٧٠٥ بالحرف (د) .
أما مخطوطة الحرم المكى التى حصلت عليها فقد رمزت إليها بالحرف (ك) ورقمها ١٦٩ تاريخ، وتقع فى ٢٥٢ ورقة، ومسطرتها ١٥ سطرا، فى كل سطر ١٢ كلمة. وقد كتبت بقلم نسخى نفيس سنة ٦٧٩ هـ.
стр. 12
غلاف نسخة الحرم المكي
стр. 13
بشر كثير من اصحاب رسول الله صلّي الله عليه وسلّم من المهاجرين الأوّلين اخره والحمد لله ربّ العالمين
وصلّي الله علي محمّد خاتم النّبيين وعلي اله الطّاهرين وسلّم
فرغ منه بالاسكندريه منتصف شوال سنة تسع وسبعين وستمه وكتب علي بن احمد الحسينى الغرّافي شاهدت على الاصل المنقول منه
بلغ السماع بجميع كتاب فتوح مصر والمغرب تاليف ابي القسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ﵀ عليه بقراءة الشيخ الفقيه ابي محمّد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي علي الشيخ الامام العالم الفقيه الحافظ شيخ الاسلام ابي طاهر احمد بن محمد بن احمد بن محمد بن ابراهيم السلفي الاصبهاني رضى الله عنه صاحبه الشيخ الفقيه ابو الفضل جعفر بن ابى الحسن بن ابى البركات الهمدانى والقاضى الاجل الفقيه المفضّل
الصفحة الأخيرة من نسخة الحرم المكي
стр. 14
[مقدمة ابن عبد الحكم]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين. وصلّى الله على محمد نبيّه الكريم أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام العالم الحافظ، أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السّلفىّ الأصبهانىّ، قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية حماه الله تعالى، قال: أخبرنا الشيخ أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم بن علىّ المدينى بقراءتى عليه، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علىّ بن منير بن أحمد الخلّال فى كتابه سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج القمّاح، أخبرنا أبو القاسم علىّ بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدى «١» ، حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا محمد بن إسماعيل الكعبىّ (٢، حدثنى أبى، عن حرملة بن عمران التجيبىّ، عن أبى قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير؛ برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكّة والمدينة واليمن، والصدر الشأم ومصر، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمّة يقال لها واق وخلف واق أمة يقال لها واق واق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلّا الله ، والجناح الأيسر السند، وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة يقال لها ناسك وخلف ناسك أمّة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلّا الله ، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشرّ ما فى الطير الذنب ٢) .
ذكر وصيّة رسول الله ﷺ بالقبط
«٣» (* حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قالا: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا افتتحتم مصر
стр. 15
فاستوصوا بالقبط خيرا؛ فإن لهم ذمّة ورحما «١» » قال ابن شهاب: وكان يقال: إن أمّ إسماعيل بن إبراهيم ﵉ منهم*) .
حدثنا عبد الله بن صالح ومحمد بن رمح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن لكعب بن مالك، عن رسول الله ﷺ مثله.
(٢ قال الليث: قلت لابن شهاب: ما رحمهم؟ قال: إن أمّ إسماعيل منهم ٢) .
أخبرنا أبى عبد الله بن عبد الحكم وحامد بن يحيى، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهرىّ أظنه عن ابن لكعب بن مالك، عن رسول الله ﷺ مثله.
(٣ حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائىّ، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنى محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرىّ، أن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارىّ ثمّ السلمىّ، حدّثه عن رسول الله ﷺ مثله.
قال ابن إسحاق: فقلت لمحمد بن مسلم: ما الرحم التى ذكر رسول الله ﷺ لهم؟
فقال: كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم ٣) .
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنى رشدين بن سعد. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا عبد الله بن وهب، عن حرملة بن عمران التجيبىّ، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرىّ، قال سمعت أبا ذرّ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمّة ورحما «٤» .
حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير «٥» بن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص، عن عمر بن الخطّاب رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا؛ فإن لكم منهم صهرا وذمة» .
стр. 16
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، ويحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، أن أبا سالم الجيشانىّ سفيان «١» بن هانئ، أخبره أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «إنكم ستكونون أجنادا وإن خير أجنادكم أهل الغرب منكم، فاتّقوا الله فى القبط، لا تأكلوهم أكل الخضر «٢» » .
حدثنا أبى، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار، أن رسول الله ﷺ ، قال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوّكم «٣» .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث وابن لهيعة. قال عبد الملك: وأخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه، أن رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب وقال: الله
стр. 17
الله فى قبط مصر. فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدّة وأعوانا فى سبيل الله «١» .
قال: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن (* موسى بن أيّوب الغافقىّ، عن رجل من الزّبد «٢» أن رسول الله ﷺ مرض، فأغمى عليه ثم أفاق، فقال:
«استوصوا بالأدم الجعد» ثم أغمى عليه الثانية ثم أفاق، فقال مثل ذلك، قال: ثم أغمى عليه الثالثة فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول الله ﷺ من الأدم الجعد! فأفاق، فسألوه فقال: «قبط مصر؛ فإنهم أخوال وأصهار، وهم أعوانكم على عدوّكم، وأعوانكم على دينكم» قالوا: كيف يكونون أعواننا على «٣» ديننا يا رسول الله؟ قال: «يكفونكم أعمال الدنيا وتتفرّغون للعبادة؛ فالراضى بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم، والكاره لما «٤» يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم*) .
(٥ حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن أبى هانئ الخولانىّ، عن أبى عبد الرحمن الحبلىّ وعمرو بن حريث وغيرهما، أن رسول الله ﷺ ، قال: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رءوسهم فاستوصوا بهم خيرا، فإنهم قوّة لكم وبلاغ إلى عدوّكم باذن الله تعالى- يعنى قبط مصر ٥) .
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى هانئ، أنه سمع الحبلىّ وعمرو بن حريث يحدّثان عن رسول الله ﷺ مثله.
(٦ حدثنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، حدثنى عمر مولى غفرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: «الله الله فى أهل الذمّة، أهل المدرة السوداء، السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا ٦) .
стр. 18
(١ قال عمر مولى غفرة: صهرهم أن رسول الله ﷺ تسرّر فيهم، ونسبهم أن أمّ إسماعيل النبي ﵊ منهم ١) .
قال ابن وهب: فأخبرنى ابن لهيعة أن (٢ أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الفرما من مصر ٢) .
حدثنا عثمان بن صالح أخبرنا مروان القصّاص، قال (٣ صاهر إلى القبط من الأنبياء صلوات الله عليهم ثلاثة،: إبراهيم خليل الرحمن، ﵊ تسرّر هاجر، ويوسف ﵊ تزوّج بنت صاحب عين شمس، ورسول الله ﷺ تسرّر مارية.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب أن قرية هاجر ياق التى عند أمّ دنين ٣) .
ودفنت هاجر حين توفّيت كما حدثنا ابن هشام، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق فى الحجر «٤» .
قال ابن هشام تقول العرب هاجر وآجر، فيبدلون الألف من الهاء، كما قالوا:
هراق الماء وأراق الماء ونحوه «٥» .
ذكر بعض فضائل مصر
حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، وبكر بن عمرو
стр. 19
الخولانىّ، يرفعان الحديث إلى عبد الله بن عمرو، قال: (١ قبط مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا وأقربهم رحما بالعرب عامّة، وبقريش خاصّة، ومن أراد أن يذكر «٢» الفردوس، أو «٣» ينظر إلى مثلها فى الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين تخضرّ زروعها «٤» وتنّور ثمارها ١) .
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافرىّ، عن كعب الأحبار، قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة فلينظر إلى مصر إذا أخرفت، وقال غير أبى الأسود: إلى أرض مصر إذا أزهرت «٥» .
وقال غير ابن لهيعة: وكان منهم السحرة فآمنوا «٦» جميعا «٧» فى ساعة واحدة، ولا نعلم «٨» جماعة أسلمت فى ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط.
قال: وكانوا كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبئىّ ويزيد بن أبى حبيب المالكىّ، يزيد بعضهم على بعض فى الحديث، اثنى عشر ساحرا رؤساء وتحت يدى «٩» كلّ ساحر «١٠» منهم عشرون عريفا، تحت يدى كلّ عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتى ألف وأربعين ألفا، ومائتين واثنين وخمسين إنسانا، بالرؤساء والعرفاء. فلما عاينوا ما عاينوا، أيقنوا أن ذلك من السماء، وأن السحر لا يقوم لأمر الله، فخرّ الرؤساء الاثنى عشر عند ذلك سجّدا فاتّبعهم العرفاء، واتّبع العرفاء من «١١» بقى، وقالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ، رَبِّ مُوسى وَهارُونَ «١٢» .
стр. 20
(١ حدثنا هانئ بن المتوكّل حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، أن تبيعا قال:
فكانوا من أصحاب موسى صلوات الله عليه ١) ولم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بنى إسرائيل فى عبادة العجل.
حدثنا هانئ بن المتوكل حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب أن تبيعا كان يقول: ما آمن جماعة قطّ فى ساعة واحدة، مثل جماعة القبط.
حدثنا أبو صالح حدثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، أنه بلغه أن كعب (٢ الأحبار كان يقول: مثل قبط مصر كالغيضة، كلّما قطعت نبتت حتّى يخرّب الله بهم وبصناعتهم جزائر الروم ٢) .
(* وكانت مصر كما حدثنا عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرىّ، عن أبى رهم السماعىّ قناطر وجسورا بتقدير وتدبير، حتّى إنّ الماء ليجرى تحت منازلها وأقنيتها «٣» فيحبسونه كيف شاءوا ويرسلونه كيف شاءوا؛ فذلك قول الله فيما حكى من قول فرعون:
أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ «٤»
، ولم يكن فى الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر*) .
(* وكانت الجنّات بحافتى النيل من أوّله إلى آخره فى الجانبين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد، وسبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيّوم، وخليج المنهى، وخليج سردوس؛ جنات متّصلة لا ينقطع منها شئ عن شىء، والزرع «٥» ما بين الجبلين، من أوّل مصر إلى آخرها ممّا يبلغه الماء، وكان جميع أرض مصر كلهّا تروى من ستّة عشر ذراعا لما قدّروا ودبّروا من قناطرها وخلجها
стр. 21
وجسورها، فذلك قوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ «١» .
قال: والمقام الكريم المنابر كان بها ألف منبر*) .
قال: وأما خليج الفيّوم والمنهى فحفرهما «٢» يوسف- ﵇ وسأذكر كيف كان ذلك فى موضعه، إن شاء الله.
وأمّا خليج سردوس فإن الذي حفره هامان.
حدثنا عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن ميمون الحضرمىّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، (٣ أنّ فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس، فلما ابتدأ حفرة أتاه أهل كلّ قرية يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم، ويعطونه مالا، قال: وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق، ثم يردّه إلى قرية من نحو دبر القبلة، ثم يردّه إلى قرية فى الغرب، ثم يردّه إلى أهل قرية فى القبلة، ويأخذ من أهل كلّ قرية مالا، حتّى اجتمع له فى ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون، فسأله فرعون عن ذلك، فأخبره بما فعل فى حفره، فقال له فرعون:
ويحك، إنه ينبغى للسيّد أن يعطف على عباده «٤» ، ويفيض عليهم ولا يرغب فيما بأيديهم، ردّ على أهل كلّ قرية ما أخذت، منهم فردّه كلّه على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر «٥» عطوفا منه لما فعل هامان فى حفره ٣) .
وكان هامان كما حدثنا أسد، عن خالد بن عبد الله، عن محدّث حدّثه، نبطيّا.
وكانت بحيرة الإسكندرية- كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد- كرما كلّها لامرأة المقوقس؛ فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر عليها حتّى ضاقت به ذرعا، فقالت: لا حاجة لى فى الخمر أعطونى دنانير،
стр. 22
فقالوا: ليس عندنا، فأرسلت عليهم الماء فغرقتها «١» ، فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان حتّى استخرجها بنو العبّاس. فسدّوا جسورها وزرعوا فيها.
ذكر نزول القبط بمصر وسكناهم بها
(٢ حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهعة، عن عيّاش بن عبّاس القتبانىّ، عن حنش بن عبد الله الصنعانىّ، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان لنوح- ﵇ أربعة من الولد: سام بن نوح، وحام بن نوح، ويافث بن نوح، ويحطون بن نوح: وإن نوحا ﵇ رغب إلى الله ، وسأله أن يرزقه الاجابة فى ولده وذرّيّته حين تكاملوا بالنماء والبركة، فوعده ذلك، فنادى نوح ولده وهم نيام عند السحر، فنادى ساما فأجابه يسعى، وصاح سام فى ولده فلم يجبه أحد منهم إلّا ابنه أرفخشذ، فانطلق به معه حتّى أتياه، فوضع نوح يمينه على سام، وشماله على أرفخشذ بن سام، وسأل الله أن يبارك فى سام أفضل البركة، وأن يجعل الملك والنبوّة فى ولد أرفخشذ ٢) .
ثم نادى حاما فتلفّت يمينا وشمالا ولم يجبه، ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده، فدعا الله نوح أن يجعل ولده أذلاء، وأن يجعلهم عبيدا لولد سام.
قال: وكان مصر بن يبصر بن حام نائما إلى جنب جدّه حام، فلمّا سمع دعاء نوح على جدّه وولده، قام يسعى إلى نوح فقال: يا جدّى، قد أجبتك، إن لم يجبك أبى، ولا أحد من ولده، فاجعل لى دعوة من دعوتك «٣» . ففرح نوح ﵇، ووضع يده على رأسه، وقال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتى؛ فبارك فيه وفى ذرّيّته وأسكنه الأرض المباركة، التى هى أمّ البلاد، وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض، وذلّلها لهم، وقوّهم عليها*) .
قال ثم دعا ابنه يافث، فلم يجبه هو ولا أحد من ولده، فدعا الله عليهم أن يجعلهم شرار الخلق.
стр. 23
قال ثم دعا ابنه يحطون فأجابه، فدعا الله له أن يجعل له البركة، فلم يكن له ولد ولا نسل.
فعاش سام مباركا حتّى مات، وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتّى مات، وكان الملك الذي يحبّه الله والنّبوة والبركة فى ولد أرفخشذ بن سام.
وكان أكبر ولد حام كنعان بن حام، وهو الذي حبل «١» به فى الرجز فى الفلك فدعا عليه نوح، فخرج أسود، وكان فى ولده الجفآء والملل والجبروت، وهو أبو السودان والحبش كلّهم، وابنه الثانى كوش بن حام وهو أبو السند والهند، وابنه الثالث فوط بن حام وهو أبو البربر، وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام وهو أبو القبط كلّهم.
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا سليمان بن بلال. وحدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، قال: ولد نوح النّبيّ ﵇ ثلاثة نفر: سام وحام ويافث، فولد كلّ واحد من الثلاثة ثلاثة، فسام أبو العرب وفارس والروم، ويافث أبو الصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج، وحام أبو السودان والبربر والقبط.
ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: فولد بيصر بن حام أربعة، مصر بن بيصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح صلوات الله عليه بما دعا له، وفارق بن بيصر، وماح بن بيصر، وياح بن بيصر.
قال غير عثمان: فولد مصر أربعة: قفط بن مصر، وأشمن بن مصر، وأتريب بن مصر، وصا بن مصر.
حدثنا عثمان بن صالح ويحيى بن خالد عن ابن لهيعة، وعبد الله بن خالد، يزيد أحدهما على صاحبه، وقد كان عثمان ربّما قال: حدثنى خالد بن نجيح، عن ابن لهيعة، وعبد الله بن خالد، قالوا: فكان أوّل من سكن بمصر بعد أن غرّق «٢» الله قوم نوح بيصر ابن حام بن نوح، فسكن منف- وهى أوّل مدينة عمّرت بعد الغرق- هو وولده وهم ثلاثون نفسا، قد بلغوا وتزوّجوا، فبذلك سمّيت ماقة- وماقة بلسان القبط ثلاثون- قال:
стр. 24
وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، وكان مصر أكبر ولده، وهو الذي ساق أباه وجميع إخوته إلى مصر، فنزلوا بها، فبمصر بن بيصر سمّيت مصر مصر. فحاز له ولولده ما بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا. قال: ثم إن بيصر بن حام توفّى فدفن فى موضع أبى هرميس. قال غير عثمان: فهى أول مقبرة قبر فيها بأرض مصر.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: (* ثم إن بيصر بن حام توفّى واستخلف ابنه مصر، وحاز كلّ واحد من إخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه، سوى أرض مصر التى حاز لنفسه ولولده. فلمّا كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يجوزها لنفسه ولولده، وقسم لهم هذا النيل. قال: فقطع لابنه قفط موضع قفط، فسكنها، وبه سمّيت قفط، وما فوقها إلى أسوان وما دونها الى أشمون فى الشرق والغرب. وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف فى الشرق والغرب، فسكن أشمن أشمون فسمّيت به. وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا؛ فسكن أتريب، فسمّيت به. وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا؛ فسمّيت به، فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، وجزأين بأسفل الأرض*) .
قال: ثم توفّى مصر بن بيصر فاستخلف ابنه قفط بن مصر، (١ ثم توفّى قفط بن مصر، فاستخلف أخاه أشمن بن مصر، ثم توفّى أشمن بن مصر، فاستخلف أخاه أتريب ابن مصر، ثم توفّى أتريب بن مصر، فاستخلف أخاه صا بن مصر. ثم توفّى صا بن مصر، فاستخلف ابنه تدارس بن صا. ثم توفّى تدارس بن صا، فاستخلف ابنه «٢» ماليق بن تدارس، ثم توفّى ماليق بن تدارس فاستخلف ابنه خربتا بن ماليق، ثم توفّى خربتا بن ماليق، فاستخلف ابنه كلّكن بن خربتا؛ فملكهم نحوّا من مائة سنة ثم توفّى ولا ولد له، فاستخلف أخاه ماليا بن خربتا، ثم توفّى ماليا بن خربتا، فاستخلف ابنه طوطيس بن ماليا، وهو الذي كان وهب هاجر لسارة امرأة إبراهيم خليل الرحمن ﵊ ١) .
стр. 25
ذكر دخول إبراهيم مصر
(* وكان سبب دخول إبراهيم ﵊ مصر كما حدثنا أسد بن موسى وغيره، أنه لما أمر بالخروج عن أرض قومه، والهجرة إلى الشام، خرج ومعه لوط وسارة؛ حتى أتوا حرّان، فنزلها، فأصاب أهل حرّان جوع، فارتحل بسارة يريد مصر، فلما دخلها ذكر جمالها لملكها، ووصف له أمرها*) .
وكان حسن سارة كما حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن خالد، عن خالد ابن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: كان حسن سارة حسن حواء.
قال: ثم رجع إلى حديث أسد وغيره، قال: (١ فأمر بها، فأدخلت عليه، وسأل إبراهيم ﵇ قال له: ما هذه المرأة؟ قال: أختى؛ فهّم الملك بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فقال لإبراهيم هذا عملك فادع الله لى؛ فو الله لا أسوؤك فيها. فدعا الله له فأطلق الله يديه ورجليه، وأعطاهما «٢» غنما وبقرا. وقال: ما ينبغى لهذه أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر ١) .
وكان أبو هريرة يقول: فتلك أمّكم يا بنى ماء السماء، يريد العرب.
حدثونا عن عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيّوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: «إن ابراهيم قدم أرض جبّار ومعه «٣» سارة، وكانت أحسن الناس، فقال: لها: إنّ هذا الجبّار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام. فلما دخل الأرض رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد دخلت أرضك امرأة لا ينبغى أن تكون إلّا لك، فأرسل إليها فأتى بها، وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت «٤» عليه لم يتمالك أن بسط يده
стр. 26
إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعى الله أن يطلق يدى فلا أضرّك، ففعلت، فعاد فقبضت يده أشدّ من القبضة الأولى. قال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد فقبضت أشدّ من القبضتين الأوّلتين، قال: ادعى الله أن يطلق يدى فلك الله ألّا اضرّك، ففعلت، وأطلقت يده، فدعا الذي جاء بها فقال: إنك إنما أتيتنى بشيطان، ولم تأتنى بإنسان فأخرجها من أرضى، فأعطاها هاجر، فأقبلت تمشى، فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف فقال لها: مهيم «١» ؟ قالت: خيرا، كفّ الله يد الفاجر وأخدم خادما. قال أبو هريرة فتلك أمّكم يا بنى ماء السماء.
قال ابن وهب: وأخبرنى ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ نحوه. قال: فقام إليها فقامت توضّأ «٢» تصلّى ثم قالت: اللهمّ إنّى كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجى إلّا على زوجى، فلا تسلّط علىّ الكافر، فغطّ حتى ركض برجله. قال الأعرج قال أبو سلمة قال أبو هريرة، قالت: اللهم إن يمت يقال هى قتلته.
حدثنا أسد بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن على بن أبى طالب ﵇، أن سارة كانت بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسنا، فتزوّجها إبراهيم ﵇، فمرّ بها على ملك من الملوك فأعجبته، فقال لإبراهيم: ما هذه؟ فقال له ما شاء الله أن يقول، فلمّا خاف إبراهيم وخافت سارة أن يدنو منها، دعوا الله عليه، فأيبس الله يديه ورجليه» فقال: لإبراهيم: قد علمت أن هذا عملك، فادع الله لى، فو الله لا أسوؤك فيها، فدعا له، فأطلق الله يديه ورجليه، ثم قال الملك: إنّ هذه لامرأة لا ينبغى أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر فخدمتها ما شاء الله، ثم إنها غضبت «٣» عليها ذات يوم، فحلفت لتغيرنّ منها ثلاثة أشياء، فقال تخفضينها «٤»
стр. 27
وتثقبين أذنيها، ثم وهبتها لإبراهيم على ألا يسوءها فيها، فوقع عليها، فعلقت «١» ، فولدت إسماعيل بن ابراهيم ﵉.
قال: وكانت سارة كما حدثنا وثيمة بن موسى، عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الأزهر، أو أحدهما، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن أبى هريرة حين رأت أنها لا تلد أحبّت أن تعرض هاجر على إبراهيم، فكانت تمنعها الغيرة.
وكانت هاجر كما حدثنا وثيمة بن موسى، عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الأزهر، أو أحدهما أو كلاهما، عن ابن إسحاق، أوّل من جرّت ذيلها لتخفى أثرها على سارة، وكانت سارة قد حلفت لتقطعنّ منها عضوا، فبلغ ذلك هاجر فلبست درعا لها وجرّت ذيلها لتخفى أثرها، وطلبتها سارة فلم تقدر عليها، فقال إبراهيم: هل لك أن تعفى عنها؟ قالت: فكيف بما حلفت؟ قال: تخفضينها فيكون ذلك سنّة للنساء، فتبرءين يمينك ففعلت، فمضت «٢» السنّة بالخفض.
ذكر ظفر العمالقة بمصر وأمر يوسف
(٣ قال: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم توفّى طوطيس بن ماليا فاستخلف ابنته خروبا ابنة طوطيس؛ ولم يكن له ولد غيرها وهى أوّل امرأة ملكت. قال:
ثم توفّيت خروبا ابنة طوطيس. فاستخلفت ابنة عمّها زالفا ابنة ماموم بن ماليا فعمرت دهرا طويلا، وكثروا ونموا وملأوا أرض مصر كلّها فطمعت فيهم العمالقة فغزاهم الوليد ابن دومع فقاتلهم قتالا شديدا ثم رضوا أن يملّكوه عليهم؛ فملكهم نحوا من مائة سنة، فطغى وتكبّر، وأظهر الفاحشة، فسلّط الله عليه سبعا فافترسه فأكل لحمه. ٣)
قال: والعماليق كما حدثنا عبد الملك بن هشام، من ولد عملاق، ويقال عمليق ابن لاوذ بن سام «٤» .
حدثنا أبو الأسود، وأسد بن موسى، ويحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة،
стр. 28
عن يزيد بن عمرو المعافرى، عن ابن حجيرة، قال: استظلّ سبعون رجلا من قوم موسى فى قحف رجل من العماليق.
قال: (١ فملكهم من بعده ابنه الريّان بن الوليد بن دومغ- وهو صاحب يوسف النّبيّ- ﵊ أرسل إليه الملك فأخرجه من السجن ١) .
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عباس قال: فأتاه الرسول، فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك؛ فدعا له أهل السجن، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلمّا أتاه رأى غلاما حدثا، فقال: أيعلم هذا رؤياى، ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ وأقعده قدامه، وقال له: لا تخف.
قال عثمان وغيره فى حديثهما: فلما استنطقه وساءله عظم فى عينه، وجلّ أمره فى قلبه، فدفع إليه خاتمه وولّاه ما خلف بابه.
(٢ حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابّة الملك، وضرب بالطبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك ٢) .
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو سعيد، عن عكرمة، أن فرعون قال ليوسف: قد سلّطتك على مصر، غير أنى أريد أن أجعل كرسيّى أطول من كرسيك بأربع أصابع، قال يوسف: نعم.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: وأجلسه على السرير، ودخل الملك بيته مع نسائه، ففوّض أمر مصر كلّها إليه، فبسبب عبارة رؤيا الملك ملك يوسف مصر.
(* حدثنا أسد بن موسى، حدثنى الليث بن سعد قال: حدثنى مشيخة لنا، قال:
اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطعام بالذهب حتّى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتى لم يجدوا فضّة، فاشتروا بأغنامهم حتى لم يجدوا غنما، فلم يزل يبيعهم الطعام حتى لم يبق لهم فضّة ولا ذهب ولا شاة ولا بقرة فى تلك السنتين فأتوه فى
стр. 29
الثالثة فقالوا له: لم يبق لنا إلّا أنفسنا وأهلونا وأرضونا. فاشترى يوسف أرضهم كلّها لفرعون، ثم أعطاهم يوسف طعاما يزرعونه «١» على أن لفرعون الخمس*) .
ذكر استنباط الفيّوم
(٢ قال: وفى ذلك الزمان استنبطت الفيّوم، وكان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أن يوسف ﵊ لمّا ملك مصر، وعظمت منزلته من فرعون، وجاوزت سنّه مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قد ذهب علمه، وتغيّر عقله، ونفدت حكمته، فعنّفهم فرعون، وردّ عليهم مقالتهم، وأساء اللفظ لهم، فكفّوا ثم عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلمّوا ما شئتم من أىّ شىء أختبره به.
وكانت الفيوم يومئذ تدعى الجوبة؛ وإنما كانت لمصالة ماء الصعيد وفضله- فاجتمع رأيهم على أن تكون هى المحنة التى يمتحنون بها يوسف ﵊ فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها، ويخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك، وخراجا إلى خراجك. فدعا يوسف فقال: قد تعلم مكان ابنتى فلانة منّى، وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا، وإنى لم أصب لها إلّا الجوبة؛ وذلك أنه بلد بعيد قريب، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلّا من غابة وصحراء.
قال غير هشام: فالفيوم وسط مصر كمثل مصر فى وسط البلاد، لأن مصر لا تؤتى من ناحية من النواحى إلا من [صحراء أو مفازة ٢) وكذلك هى ليست تؤتى من ناحية من النواحى من مصر إلّا من] «٣» مفازة وصحراء.
قال هشام فى حديثه: (* وقد أقطعتها إيّاها فلا تتركنّ وجها ولا نظرا إلا بلّغته فقال يوسف: نعم أيّها الملك، متى أردت ذلك فابعث إلىّ؛ فإنى إن شاء الله فاعل قال: إنّ أحبّه إلىّ وأوفقه أعجله. فأوحى إلى يوسف أن تحفر «٤» ثلاثة خلج: خليجا من أعلى
стр. 30
الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا شرقيّا من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا غربيّا من موضع كذا إلى موضع كذا؛ فوضع يوسف العمّال، فحفر خليج المنهى (من أعلى أشمون «١» ) إلى اللاهون، وأمر البنّائين أن يحفروا اللاهون، وحفر خليج الفيّوم وهو الخليج الشرقى، وحفر خليجا بقرية يقال لها تنهمت من قرى الفيوم، وهو الخليج الغربىّ. فخرج ماؤها من الخليج الشرقىّ فصبّ فى النيل، وخرج من الخليج الغربىّ فصبّ فى صحراء تنهمت إلى الغرب فلم يبق فى الجوبة ماء. ثم أدخلها الفعلة، فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء وأخرجه منها، وكان ذلك ابتداء جرى النيل، وقد صارت الجوبة أرضا ريفيّة بّريّة «٢» وارتفع ماء النيل، فدخل فى رأس المنهى، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون فقطعه إلى الفيوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجّة من النيل. فخرج إليها الملك ووزراءه، وكان هذا كلّه فى سبعين يوما. فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه أولئك: هذا عمل ألف يوم فسمّيت الفيوم، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر*) .
قال: (* وقد سمعت فى استخراج الفيوم وجها غير هذا. حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ، عن ابن لهعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن يوسف النّبيّ- ﵇ ملك مصر وهو ابن ثلاثين سنة، فأقام يدبّر أمرها أربعين سنة، فقال أهل مصر: قد كبر يوسف واختلف رأيه، فعزلوه وقالوا: اختر لنفسك من الموات أرضا نقطعكها لنفسك وتصلحها، ونعلم رأيك فيها. فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك فى زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك، فاعترض البرّيّة فى نواحى مصر فاختار موضع الفيوم فأعطيها، فشقّ إليها خليج المنهى من النيل حتى أدخله الفيوم كلّها، وفرغ من حفر ذلك كلّه فى سنة*) .
وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحى، وقوى على ذلك بكثره الفعلة والأعوان فنظروا فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلّها مثلا ولا نظيرا، فقالوا: ما كان يوسف قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم، فردّوا إليه الملك، فأقام ستّين
стр. 31
سنة أخرى، تمام مائة سنة، حتى مات يوم مات وهو ابن ثلاثين ومائة سنة «١» والله أعلم.
(* قال: ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: ثم بلغ يوسف- ﵇ قول وزراء الملك، وأنه إنما كان ذلك منهم على المحنة منهم له، فقال للملك: إنّ عندى من الحكمة والتدبير غير ما رأيت؛ فقال له الملك: وما ذاك؟ قال: أنزل الفيوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت، وآمر أهل كلّ بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية- وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر- فإذا فرغوا من بناء قراهم صيّرت لكلّ قرية من الماء بقدر ما أصيّر لها من الأرض، لا يكون فى ذلك زيادة عن أرضها ولا نقصان، وأصيّر لكلّ قرية- شربا فى زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه، وأصيّر مطآطئا للمرتفع. ومرتفعا للمطأطئ بأوقات من الساعات فى الليل والنهار، وأصيّر لها قبضات فلا يقصّر بأحد دون حقّه، ولا يزاد فوق قدره. فقال له فرعون: هذا من ملكوت السماء؟ قال: نعم. فبدأ يوسف- ﵇ فأمر ببنيان القرى، وحدّ لها حدودا، وكانت أوّل قرية عمّرت بالفيوم قرية يقال لها شانة، وهى القرية التى كانت تنزلها بنت فرعون. ثم أمر بحفر الخليج وبنيان القناطر، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض ووزن الماء؛ ومن يومئذ أحدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك*) .
قال: (٢ وكان أوّل من قاس النيل بمصر يوسف- ﵇ وضع مقياسا بمنف ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زبّاء وهى صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذرع «٣» ومقياسا بإخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة بن زيد التنوخىّ فى خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة؛ وهو أكبرها. حدثنا يحيى ابن بكير قال: أدركت القيّاس يقيس فى مقياس منف ويدخل بزيادته الفسطاط ٢) .
стр. 32
ذكر دخول أهل يوسف مصر ووفاة يعقوب ودفنه
(* قال: وفى زمان الريّان بن الوليد، دخل يعقوب- ﵇ وولده مصر، كما حدثنا هشام بن إسحاق، وهم ثلاثة وتسعون «١» نفسا، بين رجل وامرأة فأنزلهم يوسف- ﵇ ما بين عين شمس إلى الفرما وهى أرض ريفيّة بّرية.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: دخل مصر يعقوب وولده وكانوا سبعين نفسا، وخرجوا وهم ستّمائة ألف.
وحدثنا أسد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن مسروق، قال: دخل أهل يوسف وهم ثلاثة وتسعون إنسانا، وخرجوا وهم ستّمائة ألف*) .
وأدخل يوسف كما حدثنا أسد، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس أباه وخمسة من إخوته على الملك فسلّموا عليه، وأمر أن يقطع لهم من الأرض، وكان يعقوب لمّا دنا من مصر أرسل يهوذا إلى يوسف فخرج إليه يوسف فلقيه فالتزمه وبكى.
قال: ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: (* فلما دخل يعقوب على فرعون، فكلّمه- وكان يعقوب ﵇ شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية، جهير الصوت- فقال له فرعون: كم أتى عليك أيّها الشيخ؟ قال: عشرون ومائة، وكان بمين ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى ﵈ فى كتبه، وأخبر أن خراب مصر وهلاك أهلها يكون على أيديهم، ووضع البربايات «٢» وصفات من تخرب مصر على يديه فلمّا رأى يعقوب قام إلى مجلسه فكان أوّل ما سأله عنه، أن قال له: من تعبد أيّها الشيخ؟ قال له يعقوب: أعبد الله إله كلّ شىء، فقال له: كيف تعبد ما لا ترى؟ قال له يعقوب: إنه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد، قال بمين: فنحن ترى آلهتنا.
стр. 33
قال يعقوب: إن آلهتكم من عمل أيدى بنى آدم، من «١» يموت ويبلى، وإنّ إلهى أعظم وأرفع، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فنظر بمين إلى فرعون، فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه، قال فرعون: أفى أيّامنا أو فى أيّام غيرنا؟ قال: ليس فى أيّامك ولا فى أيّام بنيك، أيّها الملك، قال الملك: هل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم.
قال: فكيف نقدر أن نقتل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه! فلا تعبأ بهذا الكلام*) .
(٢ حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو حفص الكلاعىّ، عن تبيع «٣» عن كعب، أن يعقوب عاش فى أرض مصر ست عشرة سنة، فلما حضرته الوفاة قال ليوسف: لا تدفنّى بمصر، وإذا متّ فاحملونى فادفنونى فى مغارة جبل حبرون.
وحبرون كما حدثنا أسد، عن خالد، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، مسجد إبراهيم ﵇ اليوم، وبينه وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا ٢) .
(* ثم رجع إلى حديث الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: فلما مات لطخوه بمرّ وصبر. قال غير أسد: وجعلوه فى تابوت من ساج. قال أسد فى حديثه: فكانوا يفعلون ذلك به أربعين يوما حتى كلّم يوسف فرعون وأعلمه أن أباه قد مات، وأنه سأله أن يقبره فى أرض كنعان، فأذن له وخرج معه أشرف «٤» أهل مصر حتى دفنه وانصرف.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عمّن حدّثه، قال: قبر يعقوب بمصر فأقام بها نحوا من ثلاث سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس؛ أوصاهم بذلك عند موته*) والله أعلم.
ذكر وفاة يوسف
(* قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح، قال: ثم مات الريّان بن الوليد
стр. 34
فملكهم من بعده ابنه دارم بن الريّان. قال غير عثمان: وفى زمانه توفّى يوسف صلوات الله عليه، فلما حضرته الوفاة قال: إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم، كما حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو حفص الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، فاحملوا عظامى معكم. فمات فجعلوه «١» فى تابوت ودفنوه*) .
حدثنا محمد بن أسعد، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، قال: (٢ دفن يوسف صلوات الله عليه فى أحد جانبى النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه، وأجدب الآخر، فحوّلوه إلى الجانب الآخر، فأخصب الجانب الذي حوّلوه إليه وأجدب الجانب الآخر؛ فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها فى صندوق من حديد، وجعلوا فيه سلسلة، وأقاموا عمودا على شاطئ النيل، وجعلوا فى أصله سكّة من حديد؛ وجعلوا السلسلة فى السكة، وألقوا الصندوق فى وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا ٢) .
وحدثنا العبّاس بن طالب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، أن يوسف ﵇ ألقى فى الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، ومكث إلى أن لقى يعقوب ﵇ وأهله ثمانين سنة ثم عاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، فمات وهو ابن مائة وعشرين سنة ويقال توفّى وهو ابن ثلاثين ومائة سنة.
ذكر ملوك مصر بعد زمان يوسف
(٣ ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: ثم إنّ دارما طغى بعد يوسف ﵇ وتكبّر، وأظهر عبادة الأصنام، فركب فى النيل فى سفينة فبعث الله عليه ريحا عاصفا فأغرقته ومن كان معه فيما بين طرا إلى موضع حلوان فملكهم من بعده كاشم بن معدان وكان جبّارا عاتيا ٣) .
وحدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد لله، عن أبى حفص الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: لما مات يوسف ﵇ استعبد أهل مصر بنى إسرائيل.
стр. 35
ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: ثم هلك كاشم بن معدان، فملكهم بعده فرعون موسى قال غير عثمان: واسمه طلما قبطىّ من قبط مصر.
(١ وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الليث بن سعد وابن لهيعة.
أو أحدهما يقول: كان قبطيّا من قبط مصر، يقال له طلما ١) .
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا عبد الله بن أبى فاطمة، عن مشايخه قال: كان من فران بن بلىّ، واسمه الوليد بن مصعب، وكان قصيرا أبرش يطأ فى لحيته.
حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا عن هانئ بن المنذر أنه كان من العماليق وكان يكنّى بأبى مرّة.
وحدثنا يزيد بن أبى سلمة، عن جرير، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النّزال بن سبرة، عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، قال: كان فرعون أثرم. ويقال بل هو رجل من لخم، والله أعلم،
فمن زعم أنّه من العماليق فقد ذكرنا السبب الذي به ملكت العماليق مصر ومن زعم أنه من فران بن بلىّ فإنّ سعيد بن عفير قد حدثنا قال: حدثنا عبد الله بن أبى فاطمة، عن مشايخه، أن ملك مصر توفّى، فتنازع الملك جماعة من أبناء الملك- ولم يكن الملك عهد- ولمّا عظم الخطب بينهم تداعوا إلى الصلح، فاصطلحوا على أن يحكم بينهم أوّل من يطّلع من الفجّ فجّ الجبل، فاطّلع فرعون بين عديلتى نطرون، قد أقبل بهما ليبيعهما، وهو رجل من فران بن بلىّ، فاستوقفوه، وقالوا: إنا قد جعلناك حكما بيننا فيما تشاجرنا فيه من الملك، وآتوه مواثيقهم على الرضا. فلما استوثق منهم، قال:
إنى قد رأيت أن أملّك نفسى عليكم؛ فهو أذهب لضغائنكم، وأجمع لأموركم، والأمر من بعد إليكم. فأمّروه عليهم لنفاسة بعضهم بعضا وأقعدوه فى دار الملك بمنف، فأرسل إلى صاحب أمر كلّ رجل منهم، فوعده ومنّاه أن يملّكه على ملك صاحبه، ووعدهم ليلة يقتل فيها كلّ رجل منهم صاحبه، ففعلوا. ودان له أولئك بالربوبيّة، ولم يكن لهم تكبّر الملوك، والله أعلم. فملكهم نحوا من خمسمائة سنة، وكان من أمره وأمر موسى ﵇ ما قصّ الله ﵎ من خبرهم فى القرآن.
стр. 36
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأقام فرعون ملك مصر خمسمائة سنة حتى أغرقه الله تعالى.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خلّاد بن سليمان الحضرمىّ، قال:
سمعت أبا الأشرس يقول: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو عليه ويروح.
حدثنا أبى، حدثنا خلّاد بن سليمان، قال: سمعت إبراهيم بن مقسم، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم تصدّع «١» له رأس، وكان يملك فيما يذكر ما بين مصر إلى إفريقية.
وكان يقعد على كراسى فرعون، كما حدثنا أسد، عن خالد، عن الكلبىّ عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب.
وقد كان استعمل هامان على الناس، فقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ «٢»
يعنى أنّ من كلّ سماء إلى سماء سبب، وشغل الله فرعون بالآيات التى جاء بها موسى ﵇ ولم يبن له هامان الصرح.
ذكر حمل عظام يوسف إلى الشام
قال: وفى زمانه حملت عظام يوسف ﵇ من مصر إلى الشأم، وكان سبب حمله فيما حدثنا محمد بن أسعد التغلبىّ، عن أبى الأحوص، عن سماك بن حرب، أن رسول الله ﷺ ، أقبل وهو قافل من الشام ومعه زيد بن حارثة، فمر ببيت شعر فرد وقد أمسى فدنا من البيت، فقال: السلام عليكم فردّ ربّ البيت، فقال رسول الله ﷺ : ضيف. قال: انزل فبات فى قرّى، فلمّا أصبح وأراد الرحيل قال الشيخ: أصيبوا من بقيّة قراكم، فأصابوا ثم ارتحل رسول الله ﷺ ، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وفتح الله عليه، جاء الشيخ على راحلته حتى أناخ بباب المسجد ثم دخل فجعل يتصفّح وجوه الرجال، فقالوا له: هذاك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما حاجتك؟ قال: والله ما أدرى، إلّا أنه نزل بى رجل فأكرمت قراه، فقال له رسول الله ﷺ : «وإنك لفلان؟ قال:
نعم. قال: فكيف أمّ فلان؟ قال: بخير. قال: فكيف حالكم؟ قال: بخير، وقد كان
стр. 37
رسول الله ﷺ قال له حين ارتحل من عنده: إذا سمعت بنبىّ قد ظهر بتهامة فأته فإنك تصيب منه خيرا، فقال له رسول الله ﷺ : «تمنّ ما شئت فإنك لن تتمنّى اليوم شيئا إلّا أعطيتكه قال فإنى أسألك ضأنا ثمانين، قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: يا عبد الرحمن بن عوف، قم فأوفها إيّاه، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: ما كان أحوج هذا الشيخ إلى أن يكون مثل عجوز موسى، قال: قلنا يا رسول الله، وما عجوز موسى؟ قال: بنت يوسف عمرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلمّا أسرى موسى ببنى إسرائيل غشيتهم ضبابة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه، وقيل لموسى لن تعبر إلّا ومعك عظام يوسف، قال: ومن يدرى أين موضعها، قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها فى الديار، قال: فرجع موسى، فلمّا سمعت حسّه قالت: موسى، قال موسى قالت: ما ردّك، قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف، قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم، قال: دلّينى على عظام يوسف، قالت: لا أفعل إلّا أن «١» تعطينى ما سألتك قال: فلك ما سألت، قالت: خذ بيدى، فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطئ النيل فى أصله سكّة من حديد موتّدة فيها سلسلة، فقالت: إنا كنّا دفنّاه من ذلك الجانب فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب، فحوّلناه الى هذا الجانب فأخصب هذا الجانب وأجدب ذاك «٢» ، فلما رأينا ذلك، جمعنا عظامه فجعلناها فى صندوق من حديد وألقيناها فى وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا قال: فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر، وقال لها: سلى ما شئت، قالت: فإنى أسأل أن أكون أنا وأنت فى درجة واحدة فى الجنّة، ويردّ علىّ بصرى وشبابى حتّى أكون شابّة كما كنت، قال:
فلك ذلك.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس، قال: كان يوسف ﵇ قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، قال: فتجهّز القوم وخرجوا فتحيّروا، فقال لهم موسى: إنما تحيّركم هذا من أجل عظام يوسف، فمن يدلّنى عليها؟ فقالت عجوز يقال لها سارح ابنة آشر بن يعقوب: أنا رأيت عمّى- تعنى يوسف حين دفن- فما تجعل لى إن دللتك عليه؟ قال: حكمك،
стр. 38
قال: فدلّته عليها فأخذ عظام يوسف ثم قال: احتكمى، قالت أكون معك حيث كنت فى الجنّة.
حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنى ابن لهيعة عمن حدّثه قال: قبر يوسف ﵇ بمصر فأقام بها نحوا من ثلاثمائة سنة، ثم حمل إلى بيت المقدس.
ذكر خروج بنى إسرائيل من مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم غرّق الله فرعون وجنوده فى اليمّ حين أتبع بنى إسرائيل وغرّق معه من أشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم أكثر من ألفى ألف.
قال وكان سبب إتباع فرعون بنى إسرائيل كما حدثنا أسد بن موسى، عن خالد ابن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، أن الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇ أن أسر بعبادى، قال: وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حليا وثيابا، وقالوا: إن لنا عيدا نخرج إليه، فخرج بهم موسى ليلا وهم ستّمائة ألف وثلاثة آلاف ونيّف ليس فيهم ابن ستّين ولا ابن عشرين سنة، فذلك قول فرعون إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ «١» .
حدثنا أسد، حدثنا المسعودىّ، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، قال: خرجوا من مصر وهم ستّمائة ألف وسبعون ألفا، فقال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون.
قال: ثم رجع إلى حديث أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وخرج فرعون ومعه خمسمائة ألف سوى المجنّبتين والقلب.
قال خالد: وحدثنا أبو سعيد، عن عكرمة قال: لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين ولا دون العشرين، فذلك قول الله : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ «٢»
يعنى استخف قومه فى طلب موسى.
стр. 39
قال: وكان بنو إسرائيل كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علىّ، عن أبيه، إنّ بنى إسرائيل كانوا الربع من آل فرعون.
حدثنا أسد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: خرج موسى ﷺ ببنى إسرائيل فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، وكان أصحاب موسى ﵇ ستّمائة ألف وسبعين الفا.
قال فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا فى البحر فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون. اضطرم عليهم البحر فما رئى سواد أكثر «١» من يومئذ، وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى ينظروا اليه.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء وأقحم غيره خيولهم فرسبوا فى الماء، وخرج فرعون فى طلبهم حين أصبح وبعد ما طلعت الشمس، فذلك قوله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
«٢» فدعا موسى ﵇ ربّه ، فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
ففعل فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
«٣» يعنى الجبل، فانفلق فيه اثنا عشر طريقا، فقالوا: إنّا نخاف أن توحّل فيه الخيل، فدعا موسى ربّه فهبّت عليهم الصبا فجفّ، فقالوا: إنّا نخاف أن يغرق منّا ولا نشعر، فقال بعصاه فثقب الماء، فجعل بينهم كوّى حتى يرى بعضهم بعضا ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها، فقال له أدلاؤه: إنّ موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى، وهو قوله وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً «٤»
يعنى كما هو.
стр. 40
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عبّاس فى قوله: رهوا قال: سمتا.
(١ حدثنا حفص بن عمر العدنىّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال:
طريقا ١) .
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى صخر عن محمد بن كعب القرظىّ، قال: طريقا مفتوحا.
حدثنا أبو سهل أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا إسرائيل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: مفتوحا.
وحدّثنا عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: سهلا دمثا.
قال وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرهو، السهل.
ثم رجع إلى حديث أسد، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، فخذ هاهنا حتى نلحقهم «٢» ، وهو مسيرة ثلاثة أيام فى البرّ وكان فرعون يومئذ على حصان، وأقبل جبريل ﵇ على فرس أنثى فى ثلاثة وثلاثين من الملائكة فتفرقّوا فى الناس، وتقدّم جبريل ﵇ فسار بين يدى فرعون وتبعه فرعون وصاحت الملائكة فى الناس، الحقوا الملك، حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أوّلهم التقى البحر عليهم فغرقوا، فسمع بنو إسرائيل وجبة حين التقى فقالوا: ما هذا؟ قال موسى:
غرق فرعون وأصحابه، فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا الحسن بن بلال، عن حمّاد بن سلمة، عن علىّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، أن رسول الله ﷺ قال: لما أغرق «٣» الله آل فرعون، قال فرعون: آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل، قال جبريل: يا محمد، لو رأيتنى وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه فى فى فرعون مخافة أن تدركه الرحمة.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو علىّ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن
следующие страницы →