عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب لأنه ظلم للنفس وترك لحقها وكذلك قول الذي قال ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة فإنه فعل برأيه المرذول وحمل على النفس مع وجود الحلال وقول أبي يزيد القوت عندنا الله كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى إن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له وقول إبراهيم له أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا فإنه كان ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت ثني الأزهري ثنا علي بن عمر ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح ثنا بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار.
قال المصنف ﵀: قلت كل رجاله ثقات وقد أخبرنا به عاليا محمد ابن عبد الباقي نا أبو يعلى محمد بن الحسين نا علي بن عمر السكري ثنا أحمد بن محمد الأسدي ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار.
قال المصنف ﵀: وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن وما يورد هذا الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم كيف بفعل جاهل مبرسم وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحب الذارع من الشاة ودخليوما فقدم إليه طعام من طعام البيت فقال لم أر لكم برمة تفور وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم
стр. 212
لأجل الفقر وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله لما خلق بني آدم على الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة الباري يردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى إنه قال لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه.
قال المصنف ﵀ وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إداما والماء شهوة أخرى أو ليس في الصحيح أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد فهلا اقتصر على شهوة واحدة أو ليس في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان أو ما أكل عند أبي الهيتم بن التيهان خبزا وشواء وبسرا وشرب ماء باردا أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي أو ما تعلف الفرس.
الشعير والتبن والقت وتطعم الناقة الخبط والحمض وهل البدن الاناقة وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة وإنما تجتنب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الانسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات والحديث الذي احتجوا به احرموا أنفسكم طيب الطعام حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي وأما إذا أقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح
стр. 213
يابس قابض يضر الدماغ والبصر وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل.
قال المصنف ﵀: وهذا يورث القولنج الشديد واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع ﷺ أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن حمكان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني ثنا يحيى بن جابر الطائي قال سمعت المقدام بن معدي كرب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه".
قال المصنف ﵀: قلت فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله ثلث وثلث وثث لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب فهذا أعدل الأمور فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام.
فصل قال المصنف ﵀ واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت فإذا صابر الشاب الجوع وتئبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه فكان كمن يعرقب أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ
الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل.
فصل: قال المصنف ﵀: وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن
стр. 214
علي الأزجي نا إبراهيم بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له عقبة بن مكرم هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم فقال ما يعجبني سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول فعل قوم هذا فقطعهم عن الفرض قال الخلال وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة ثنا اسحق بن داود بن صبيح قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي يا أبا سعيد إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية فقال لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة ثم قال خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل قال الخلال وأخبرني المروزي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقال له رجل إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله فقال لعلك كنت تذمن الصوم أفطر وكل دسما وجالس القصاص.
قال المصنف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغذي المعدة منها مدة لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر على الطعام أياما ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة وإنما السبب مع عرفتك وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال حدثني أبي قال كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها فقالت كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال فلما كبرت زالت عني فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا قال سمعت أبا علي الدقاق يقول ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال أنها كانت منصفة.
وقال المصنف: فإن قيل كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر رضي الله
стр. 215
عنه كان يأكل كل يوم إحدى عشر لقمة وإن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل وإن إبراهيم التميمي بقي شهرين قلنا قد يجري للانسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه ولا يقصد الترقي إليه وقد كان في السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهي عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن وإذا ضعف البدن قلت العبادة فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فأقذع بالراكب وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا عبد القادر بن يوسف نا أبو إسحق البرمكي ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي ثنا جدي الحسن بن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب ثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن أنس عن إسحق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس ﵁ قال كان يطرح لعمر بن الخطاب ﵁ الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم انه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى فقيل له هذا كله تأكله فقال إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال واذا عدمنا صبرنا صبر الرجال.
فصل قال المصنف ﵀: وأما الشرب من الماء الصافي فقد تخيره رسول الله ﷺ أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه فقال إن عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا أخرجه البخاري وأخبرنا منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا محمد بن عمرو بن أبي مدعور ثنا عبد العزيز بن محمد نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا.
قال المصنف: وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة ويقوي الشهوة ويحسن اللون ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ ويحفظ الصحة واذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن وأدى إلى الاستسقاء
стр. 216
والدق فإن سخن بالشمس خيف منه البرص وقد كان بعض الزهاد يقول إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت وكذلك قال أبو
حامد الغزالي إذا أكل الانسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت واذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت.
قال المصنف ﵀ واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أو ليست مطيتنا التي عليها وصولنا:
وكيف لا نأوي لها وهي التي … بها قطعنا السهل والحزونا
وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى ولا في الثلج في الشتاء والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية وقوام النفس بالأغذية فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا من أفحش الخطأ وكذلك منعه إياها النوم قال ابن عقيل وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام وهذه النفوس ودائع الله حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة.
قال المصنف ﵀: قلت وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي ﷺ تزود طعاما وشرابا وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله وكل ذلك من الرفق بالنفس وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع برأيه الفاسد وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له من
стр. 217
أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص (١) أبدا فما وجه تقديره بأربعين صباحا ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم ثم ما الذي حسن
منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال حجج السوفية أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وأما أرباب عقل وفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة والذي للناس غيب فلهم ظهور فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج. قال المصنف ﵀ قلت من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من الخلق إلا وهو مستدل وذكر الوصال حديث فارغ فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ والله الموفق.
فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم
أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط ثنا الحسن بن الحسين بن حمكان ثنا عبدان بن يزيد العطار وأخبرنا محمد بن أبي منصور أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ثنا محمد بن أحمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البرورجردي ثنا عمير بن مرداس قالا حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال جاء عثمان بن مظعون إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك فقال رسول الله ﷺ : "وما تحدثك نفسك يا عثمان" قال تحدثني نفسي بأن أختصي فقال: "مهلا يا عثمان
стр. 218
فإن خصي أمتي الصيام" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال قال: "مهلا يا عثمان فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض قال: "مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله قال: "مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي قال: "مهلا يا عثمان فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه أو هاجر إلي في حياتي أو زار قبري بعد موتي أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا
أغشاها قال: "مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من وقعته تلك ولد كان له وصيف في الجنة فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال: "مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا قال: "مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي" قال المصنف ﵀ هذا حديث عمير بن مرداس.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسن بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا الفضل بن دكين ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن أبي بردة قال دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك قالت ما لنا منه شيء أما ليلة فقائم وأما نهاره فصائم فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له فلقيه فقال: "يا عثمان أمالك بي أسوة" فقال بأبي وأمي أنت وما ذاك قال: "تصوم النهار وتقوم الليل" قال إني لأفعل قال: "لا تفعل إن لعينك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فصل ونم وصم وأفطر" قال ابن سعد وأخبرنا عارم بن الفضل
стр. 219
ثنا حماد بن زيد ثنا معاوية بن عباس الحرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه وقال: "يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية -مرتين أو ثلاثا- وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة".
أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن سهل ثنا البخاري قال قال موسى ابن اسماعيل بن حماد بن زيد مسلم ثنا أبو معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال أسلمت وأتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي فخفض في البصر ثم صعده قلت أما تعرفني قال: "ومن" أنت قلت أنا كهمس الهلالي قال: "فما بلغ بك ما أرى" قلت ما أفطرت بعدك نهارا ولا نمت ليلا قال: "ومن أمرك أن تعذب نفسك صم شهر الصبر
ومن كل شهر يوما" قلت زدني قال: "صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين" قلت زدني قال: "صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام" أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوري نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي ثنا حميد بن الربيع ثنا عبده بن حميد عن الأعمش عن جرير بن حازم عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به ﷺ أن ناسا من أصحابه أحتموا النساء واللحم اجتمعوا فذكرنا ترك النساء واللحم فأوعدوا فيه وعيدا شديدا وقال: "لو كنت تقدمت فيه لفعلت" ثم قال: "إني لم أرسل بالرهبانية إن خير الدين الحنيفية السمحة".
قال المصنف ﵀ وقد روينا في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه" وقال بكر بن عبد الله من أعطى خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله ومن أعطى خيرا فلم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله .
فصل قال المصنف ﵀ وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت همة
стр. 220
متقدميهم في الجوع لهم الغداء والعشاء والحلوى وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة وقد تركوا كسب الدنيا وأعرضوا عن التعبد وافترشوا فراش البطالة فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب فإن أحسن محسن منهم قالوا طرح شكرا وإن أساء مسيء قالوا استغفر ويسمون ما يلزمه إياه واجبا وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي قال قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى فلما فرغ من قصصه قال من يطعمنا أرزة في الله فقام شاب من المجلس فقال أنا فقال اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك ثم قام الثانية ذلك الشاب فقال اجلس فقد عرفنا موضعك فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله قال فأتينا بقدر من باقلاء فأكلنا بلا ملح ثم قال أبو مرحوم علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك أرز وخمسة أمنان سمن وعشرة أمنان سكر وخمسة أمنان صنوبر وخمسة أمنان فستق فجيء بها كلها فقال أبو مرحوم لأصحابه يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسها أخرقوا فيها أنهارها قال فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم
أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسه مجراة فيها أنهارها فقال يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها قال فأتى بذلك الفستق والصنوبر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيض شمسها مجرى فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها قال يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها قال فأتى بذلك السكر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها فقال يا إخواني ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها قال فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس قال أبو الفضل أحمد بن سلمة ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال أمله علي فأمليته عليه فقال
стр. 221
هذا شأن الصوفية.
قال المصنف ﵀: قلت وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام فربما ملأ كمية من غير إذن صاحب الدار وذلك حرام بالإجماع ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه فوثب صاحب الدار فأخذه منه.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد
قال المصنف ﵀: اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين أحدهما أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته والثاني أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا أكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث الغناء رقية الزنا وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي أتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له ثوبال اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمور.
قال المصنف ﵀ وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الأصوات المحرمة كالعود نظر إلى المغنى الحاصل بالعود فدرجه في ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه
من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنين جائزا إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة.
стр. 222
فصل: قال المصنف ﵀: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم:
بشرها دليلها وقالا … غدا ترين الطلح والجبالا
وهذا يحرك الإبل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا نا أبو جعفر بن المسلمة نا المخلص نا أحمد بن سليمان الطوسي ثنا الزبير بن بكار ثني إبراهيم بن المنذر ثنا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال إن حادينا نام (١) فسمعنا حاديكم فملت إليكم فهل تدرون أنى كان الحداء قالوا لا والله قال إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يا يداه يا يداه (٢) فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه فقال مضر لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت فاشتقت الحداء.
قال المصنف ﵀ وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق (٣) الابل.
فقال رسول الله ﷺ : "يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير"
стр. 223
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنياتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدوا بالقول يقول:
لاهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فالقين سكينة علينا … وثبت الأقدام إذ لاقينا
قال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق"؟ قالوا عامر بن الأكوع فقال: "يرحمه الله".
قال المصنف ﵀: وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به قال المصنف ﵀ ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داعى
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي ثني الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ورسول الله ﷺ مسجي عليه بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه وقال: "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد" أخرجاه في الصحيحين.
قال المصنف ﵀: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب (١) إليها الجواري فيلعبن معها وقد أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي
стр. 224
أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم قال قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل
حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين أي شيء من هذا الغناء قال غناء الركب أتيناكم أتيناكم قال الخلال وحدثنا أحمد بن فرج الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عقيل عن نهبة عن عائشة ﵂ قالت كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله ﷺ يا عائشة: "إن الأنصار أناس فيهم غزل" فما قلت قالت دعونا بالبركة قال أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الأحم … ر ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمراء … لم تسمن عذاريكم"
أخبرنا أبو الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂ أهديتم الجارية إلى بيتها قالت نعم قال: "فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل".
قال المصنف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا
стр. 225
فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها فقال مثل أي شيء؟ قلت يقولون:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
فقال أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح يثيرون بها الأحزان والبكاء فينهي عنها لما في ضمنها (١).
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر:
ذهبي اللون تحسب من … وجنتيه النار تقتدح
خوفوني من فضيحته … ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب الهوى ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم.
стр. 226
فصل: قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم في إباحته أو تحريمه أو كراهته نقول ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء فلا يحمل الكل محملا واحدا فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والاخوان فنقول.
معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فإذا ادعى الشاب السليم البدن
الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال فإن تعلل فقال إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج العينين ورقة الأنف ونقاء البياض قلنا له في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وههنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك وكذا من قال إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه فإنا نكذبه لموضع اشتراك الطباع ثم إن كان قلبه بالخوف من الله غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف وأقبح القبيح البهرجة ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته والقوم قد أباحوه على الأطلاق للشاب المبتدئ والصبي الجاهل حتى قال أبو حامد الغزالي إن التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء الصحيح أنه لا يحرم.
قال المصنف ﵀: فأما من قال إني لا أسمع الغناء للدنيا وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين أحدهما أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة والثاني إنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق ﵎ أن
стр. 227
يقال في حقه أنه يعشق ويقع الهيمان به وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء.
فصل: أما مذهب أحمد ﵀ فإنه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد فقال أكرهه هو بدعة ولا يجالسون وروى عنه أبو الحارث أنه قال التغيير (١) بدعة فقيل له أنه يرقق القلب فقال هو بدعة وروى عنه يعقوب الهاشمي التغيير بدعة محدث وروى عنه يعقوب بن غياث (٢) أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه.
قال المصنف: فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء قال أبو بكر الخلال كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها قال المرزوي سألت أبا عبيد الله عن القصائد فقال بدعة فقلت له إنهم يهجرون فقال لا يبلغ بهم هذا كله.
قال المصنف: وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فم ينكر عليه فقال له صالح يا أبت أليس كنت تنكر هذا فقال إنما قيل لي انهم يستعملون المنكر فكرهته فأما هذا فأني لا أكرهه قال المصنف ﵀ قلت وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال لا تباع على أنها مغنية فقيل له أنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال لا تباع إلا على أنها ساذجة.
قال المصنف: وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل
стр. 228
بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي ﷺ عندي خمر لأيتام فقال أرقها فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى وروى المرزوي عن أحمد بن حنبل أنه قال كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغنى بالغزل والنوح فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات.
فصل: قال المصنف: وأما مذهب مالك بن أنس ﵀ فأخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق نا محمد بن السري بن عثمان التمار قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع (١) قال سألت مالك بن مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله الفساق أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال أما مالك بن
أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه قد حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا.
стр. 229
فصل: وأما مذهب أبي حنيفة ﵁ أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري قال كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب قال وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة إبراهيم والشعبي وحماد وسفيان الثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك قال ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا.
فصل وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال حدثنا إسماعيل بن أحمد نا أحمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن محمد بن الحارث ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد ثنا الحسن بن عبد العزيز الحروي قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يشغلون به الناس عن القرآن.
قال المصنف ﵀: وقد ذكر أبو منصور الأزهري المغيرة قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله تغييرا كأنهم إذا شاهدوها بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى وقال الزجاج سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال قال الشافعي الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه شهادته قال وكان الشافعي يكره التعبير قال الطبري فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد (١) وعبيد الله العنبري وقد قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار" وقال: "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية".
قال المصنف: قلت وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلال وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري ومنهم القاضي أبو
بكر محمد بن مظفر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الانماطي عنه قال لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا الضرب بالقضيب قال ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه وقد نص الشافعي في كتاب أدب القضاء على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته.
قال المصنف ﵀: قلت فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما
стр. 230
رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه وقال الفقهاء من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق.
فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما.
قال المصنف: وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى فأما الاستدلال من القرآن فثلاث آيات الآية الأولى قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان ثنا عبد الله بن منيع ثنا عبد الله بن عمر ثنا صفوان بن عيسى قال قال حميد الخياط أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال سألت ابن مسعود عن قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال هو والله الغناء أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا نا طراد بن محمد نا أبي بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال هو الغناء وأشباهه أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدبر قالا نا أبو الحسين بن النقور نا ابن حياة ثنا البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الغناء أخبرنا ابن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا أحمد بن جعفر بن مسلم نا أحمد بن محمد الخالق ثنا أبو بكر المرزوي ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبده ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار قال سألت عكرمة عن لهو الحديث قال الغناء وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي.
الآية الثانية قوله : ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ أخبرنا عبد الله بن علي نا طراد بن محمد نا ابن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا يحيى بن سعد عن سفيان
عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾
стр. 231
قال هو الغناء بالحميرية سمد لنا غنى لنا وقال مجاهد هو الغناء يقول أهل اليمن سمد فلان إذا غنى.
الآية الثالثة قوله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ أخبرنا موهوب بن أحمد نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ثنا الحسين بن الكميت ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال هو الغناء والمزامير.
أما السنة: أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله ابن أحمد ثنى أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فأقول نعم فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال رأيت رسول الله ﷺ سمع زمارة راع فصنع مثل هذا.
قال المصنف ﵀: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك ابن عبد الجبار نا الحسين بن محمد النصيبي ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد ثنا أبو بكر بن الأنباري ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن وقال ثمنهن حرام وقرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا أبو منصور محمد بن محمد المقرى نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي الملهب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن
стр. 232
تعليمهن الغناء وقال: "ثمنهن حرام" وقال في هذا أو نحوه أو وقال شبهه نزلت علي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء إلا بعث الله له شيطانين يرتد فإنه أعنى هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو
الذي يسكت وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها" ثم قرأ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة".
أخبرنا ظفر بن علي نا أبو علي الحسن بن أحمد المقتدي نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن كليب ثنا خلف بن خليفة عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن بن عمر قال دخلت مع رسول الله ﷺ فإذا ابنه إبراهيم يجود نفسه فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقلت يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء فقال: "لست أنهى عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان".
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن محمد بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا محمد بن سويد الطحان ثنا عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نحام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بعثت بهدم المزمار والطبل".
أخبرنا ابن الحصين نا أبو طالب بن عيلان نا أبو بكر الشافعي ثنا عبد الله ابن محمد بن ناجية ثنا عباد بن يعوق ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال قال رسول الله ﷺ : "بعثت بكسر المزامير" أخبرنا أبو الفتح الكروجي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قالا نا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا صالح بن عبد الله ثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد
стр. 233
بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء" فذكر منها "إذا اتخذت القيان والمعازف" قال الترمذي وحدثنا علي بن حجر نا محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن رميح الجذامي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا اتخذ اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا
عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع" وقد روي عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ أنه قال: "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ" قيل يا رسول الله متى قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر" أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب السنن لابن ماجه قال نا أبو العباس أحمد بن محمد الأسدابادي نا أبو منصور المقومي نا أبو طلحة القاسم بن المنذر نا أبو الحسن بن إبراهيم القطان ثنا محمد بن يزيد بن ماجه ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني ثنا عبد الرزاق أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولا يقول أنه سمع يزيد بن عبد الله يقول أنه سمع صفوان بن أمية قال كنا مع رسول الله ﷺ فجاء عمرو بن قرة فقال يا رسول الله إن الله قد كتب على الشفوة فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء في غير فاحشة فقال له رسول الله ﷺ : "لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين كذبت يا عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت قم عني وتب إلى الله أما إنك لو قلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا وحلقت رأسك مثله ونفيتك من أهلك وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة" فقام عمرو وبه من الشر والخزي مالا يعلمه إلا الله فلما ولى قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عريانا لا يستتر بهدبة كلما قام صرع".
стр. 234
وأما الآثار فقال ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وقال إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان وقال تغنه فإن لم يحسن قال له تمنه ومر ابن عمر ﵁ بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى قال ألا لا سمع الله لكم ومر بجارية صغيرة تغني فقال لو ترك الشيطان أحد لترك هذه وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال أنهاك عنه وأكرهه لك قال أحرام هو قال أنظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء وعن الشعبي قال لعن المغني والمغنى له أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر قالا نا طراد بن محمد نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني عبد الله بن الوهاب قال أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموي قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت
الماء العشب ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه وقال فضيل بن عياض الغناء رقية الزنا وقال الضحاك الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب وقال يزيد بن الوليد يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وأنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا.
قال المصنف ﵀: قلت وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى بذم الهوى أخبرنا محمد بن ناصر نا ثابت بن بندار نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال كان سليمان بن عبد الملك في بادية له فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه فدعا بوضوء فجاءت به جارية له فبينما هي تصب عليه إذا استمدها بيده وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه
стр. 235
في ناحية العسكر فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يغني به من الشعر ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل فقال هل بقي أحد يسمع منه فقام رجل من القوم فقال يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان قال وأين منزلك من العسكر فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان فقال له ما اسمك قال سمير فسأله عن الغناء كيف هو فيه فقال حاذق محكم قال ومتى عهدك به قال في ليلتي هذه الماضية قال وفي أي نواحي العسكر كنت فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت قال فما غنيت فذكر الشعر الذي سمعه سليمان فأقبل سليمان فقال هدر الجمل فضبعت الناقة وهب التيس فشكرت الشاة وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة ثم أمر به فخصي وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون قالوا بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين.
قال المصنف ﵀: وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير
العقل وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره من تحريك رأسه وتصفيق يديه ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل فينبغي أن يقع المنع منه أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم نا يحيى بن المؤمل ثنا أبو بكر السفاف ثنا أبو سعيد الخراز قال ذكر عند محمد بن منصور أصحاب القصائد فقال هؤلاء الفرارون من الله لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العبادي قال قال أبو عبد الله بن بطة العكبري سألني سائل عن استماع الغناء
стр. 236
فنهيته عن ذلك وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية وسماهم المحققون الجبرية أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه تعالى الله عما يقوله الجاهلون علو كبيرا.
فصل في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء.
فمنها حديث عائشة ﵂ أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين وفي بعض ألفاظه دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث فقال أبو بكر أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ فقال رسول الله: "دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" وقد سبق ذكر الحديث ومنها حديث عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة ما كان معهم من اللهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو" وقد سبق ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: "الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" قال ابن طاهر وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء إذ لا يجوز أن يقاس على محرم ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" ومنها حديث حاطب عن النبي ﷺ أنه قال فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف.
والجواب: أما حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا
ينشدون الشعر وسمي بذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد وإنما ينبغي للمفتي
стр. 237
أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس وغزليات يذكر فيه الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال فهل يثبت هناك طبع هيهات بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعي أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية ومن أدعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال هذ الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمي ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفعته ولا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها.
قال المصنف ﵀: وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس بصريح في الغناء فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما فإن الإنسان لو قال وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر كان كلاما صحيحا وإنما وقع التشبيه بالاصغاء في الحالتين فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه وقد قال ﵊: "أنكم لترون ربكم كما ترون القمر" فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك والفقهاء يقولون في ماء الوضوء لا ننشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة وإن افترقا في الطهارة والنجاسة واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقيه الصوفية لا علم الفقهاء وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان بن عيينة فقال معناه يستغني به وفسره الشافعي فقال معناه يتحزن به ويترنم وقال غيرهما يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما
كانت هكذا فكيف لو رأوا هذه وكان الحسن
стр. 238
البصري يقول ليس الدف من سنة المرسلين في شيء وقال أبو عبيد القاسم بن سلام من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله ﷺ وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس.
قال المصنف ﵀: قلت ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن جنبل أرجوا أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا نصر بن أحمد بن النظر نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا عمر بن مرزوق ثنا زهير عن أبي اسحق عن عامر بن سعد الجبلي قال طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له قال وإذا جوار يغنين ويضربن بالدفوف فقلت ألا تنهي عن هذا قال لا إن رسول الله ﷺ رخص لنا في هذا أخبرنا عبد الله بن علي نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا أحمد بن القاسم الطائي ثنا ابن سهم ثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال يعني الدف.
قال المصنف ﵀: وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز هذا الغناء المعروف المؤثر في الطباع وقد احتج لهن أقوام مفتونون بحب التصوف بما لا حجة فيه فمنهم أبو نعيم الأصفهاني فانه قال كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم.
قال المصنف ﵀: وإنما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء لأنه روى عنه أنه استلقى يوما فترنم فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد فإن الإنسان لا يخلو من أن يترنم فأين الترنم من السماع للغناء المطرب وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغتر لم يصلح ذكرها لأنها ليست بشيء فمنها أنه قال في كتابه باب الاقتراح على القوال والسنة فيه فجعل الاقتراح على القوال سنة واستدل بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال استنشدني رسول الله ﷺ من شعر أمية فأخذ يقول هي هي حتى أنشدته مائة قافية وقال ابن
стр. 239
طاهر باب الدليل على استماع الغزل قال العجاج سألت أبا هريرة ﵁ طاف الخيالات فهاجا سقما فقال أبو هريرة ﵁ كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله ﷺ .
قال المصنف ﵀: فانظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعجبه كيف يحتج على جواز الغناء
بإنشاد الشعر وما مثله إلا كمثل من قال يجوز أن يضرب بالكف على ظهر العود فجاز أن يضرب بأوتاره أو قال يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه فجاز أن يشرب منه بعد أيام وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال أخبرنا أبو محمد التميمي قال سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال ما أدري ما أقول فيه غير أني حضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث وأبو الحسين ابن شمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة فقال أبو علي لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة بسنة ومعهم أبو عبد الله غلام وكان يقرأ القرآن بصوت حسن فقيل له قل شيئا فقال وهم يسمعون:
خطت أناملها في بطن قرطاس … رسالة بعبير لا بأنفاس
أن زر فديتك قف لي غير محتشم … فإن حبك لي قد شاع في الناس
فكان قولي لمن أدى رسالتها … قف لي لأمشي على العينين والرأس
قال أبو علي فبعدما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.
قال المصنف ﵀: وهذه الحكاية إن صدق فيها محمد بن طاهر فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول ليس محمد بن طاهر بثقة حملت هذه الأبيات على أنه أنشدها لا أنه غنى بها بقضيب ومخدة إذ لو كان كذلك لذكره ثم فيها كلام مجمل
стр. 240
قوله لا يمكنني أن أقول فيها بحظر ولا أباحة لأنه ان كان إن كان مقلدا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة وإن كان ينظر في الدليل فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر ثم بتقدير صحتها أفلا يكون إتباع المذهب أولى من إتباع أرباب المذاهب وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين ما يكفي في هذا وشيدنا ذلك بالأدلة وقال ابن طاهر في كتابه باب إكرامهم للقوال وإفرادهم الموضع له واحتج بأن النبي ﷺ رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير لما أنشده بانت سعاد وإنما ذكرت هذا ليعرف قد رفقه هذ الرجل واستباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التخليط وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر نا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي ثنا
أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري ثنا أبي ثنا علي بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن بلال قال سمعت سعيد بن محمد قال حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يتبركون به قال حدثنا المزني قال مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيلي على دار قوم وجارية تغنيهم:
خليلي ما بال المطايا كأننا … نراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم أيطربك هذا قال لا قال فما لك حس.
قال المصنف ﵀ قلت: وهذا محال على الشافعي ﵁ وفي الرواية مجهولون وابن طاهر لا يوثق به وقد كان الشافعي أجل من هذا كله ويدل على صحة ما ذكرناه ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة قال وقال الشافعي وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ثم غلظ القول فيه فقال وهو دياثة.
قال المصنف ﵀: وإنما جعل صاحبها سفيها فاسقا لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا.
قال المصنف ﵀: قلت وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد
стр. 241
التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء وكانت تقول لهم القصائد.
قال المصنف ﵀: قلت وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكانت لعطاء جاريتان تلحنان وكان إخوانه يسمعون التلحين منهما.
قال المصنف ﵀: قلت أما سعد الدمشقي فرجل جاهل والحكاية عن عطاء محال وكذب وإن صحت الحكاية عن مروان (١) فهو فاسق والدليل على ما قلنا ما ذكرنا عن الشافعي
﵁ وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الأبريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فإنها كانت من مستورات القوالات.
قال المصنف: قلت وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله لقد كفاه هذا قد حافى عدالته.
قال المصنف ﵀: فإن قيل ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عمر بن عبد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد نا حنبل بن إسحاق ثنا هرون بن معروف ثنا جرير عن مغيرة قال كان عون بن عبد الله يقص فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب قال المغيرة فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه إنك من أهل بيت صدق وأن الله لم يبعث نبيه ﷺ بالحمق وإن صنيعك هذا صنيع أحمق فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه فقال له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له فما ظنك بمن يسمعن الرجال ويرقصهن ويطربهن
стр. 242
وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء.
قال المصنف ﵀: وإنما كان يسمع إنشاد جواريه وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن جنبل رواها من طريق عبد الرحمن السلمي قال حدثنا الحسين بن أحمد قال سمعت أبا العباس الفرغاني يقول سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول كنت أحب السماع وكان أبي أحمد يكره ذلك فوعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام وأخذ يغني فسمعت حس أبي فوق السطح فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت إبطه يتبخطر على السطح كأنه يرقص.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية قد بلفتنا من طرق ففي بعض الطرق عن صالح قال كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أحمد بن علي بن الحسين النوري ثنا يوسف بن عمر القواس قال
سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن أحمد قال كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني (١) فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان من الغد قال لي يا بني إذا كان هذا نعم الكلام أو معناه.
قال المصنف ﵀: وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة ولذلك استمع إليه أحمد وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم لا يظنونه
стр. 243
المعنى (١) تصحيحا لمذهبهم في الرقص وقد ذكرنا القدح في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له وقد ذكرنا أن من ادعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس إلى لهوى فهو كاذب وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري قال قال بعضهم إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام قال وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله وإن استباح فقد فسق والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار بمنزلة الملائكة فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات وهذا لا يقوله عاقل وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة قلنا له فكيف تسمع الغناء المطرب بغير طبعك أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك؟ أخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا
القاسم الدمشقي يقول سئل أبو علي الرودباري عمن سمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأني قدوصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر.
قال المصنف ﵀: فإن قيل قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا عن المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به قلنا لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول:
كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل
стр. 244
فصاح ومات فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين وإنما قتله المعنى ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعة كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك منعناه.
قال المصنف ﵀: وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم مجموعها أنه قال ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس وجواب هذا ما قد أسلفناه وقال لا وجه لتحريم سماع صوت طيب فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا قال ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك فإن كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه وحرم التصويت به.
قال المصنف ﵀: قلت وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام فإن الوتر بمفردة أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم.
وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه ذلك وقال ابن عقيل الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزفة والرباب وما ماثلها نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك ويلحق به الجرافة (١) والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين صوت
عند نغمة وصوت عند مصيبة والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول والقول مكروه ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول (٢) نفسه والمباح الدف وقد ذكرنا عن أحمد
стр. 245
أنه قال أرجوا أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل وقد قال أبو حامد من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه.
قال المصنف ﵀: قلت وهذا قبيح أن يقال عن الله يعشق وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغنى:
ذهبي اللون تحسب من … وجنتيه النار تقتدح
قال المصنف ﵀ قلت: وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول أن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال ابن عقيل لا كرامة لهذا القائل إنما تحدى القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول ﷺ لأن الله قال وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وما قال وإذا أنشدت عليه القصائد طربت فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنه ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك فإنها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة وأنتم زنادقة في زي عباد شرهين في زي زهاد مشبهة تعتقدون أن الله يعشق ويهام فيه ويؤلف ويؤنس به وبئس التوهم لأن الله خلق الذوات مشاكلة لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتألم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة فمن ههنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل إليه
والعشق والشوق وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة وإنما هؤلاء يصورون الباري صورة تثبت في القلوب وما ذاك الله ذاك صنم شكله الطبع والشيطان وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة
стр. 246
وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله في محبة الله إنما هو وهم اعترض وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام.
فصل: قال المصنف ﵀: وقد كان جماعة من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدئ السماع لعلمهم بما يثير من قلبه أخبرنا عمر بن ظفر المقري نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا بن جهضم ثني أبو عبد الله المقري ثنا عبد الله بن صالح قال قال لي جنيد إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقايا من اللعب أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد البردعي يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره.
قال المصنف ﵀: هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا والثاني أنهم جرأوا العوام على اللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول فلان يفعل كذا ويفعل كذا.
فصل: قال المصنف ﵀: وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبه طبع وهم يظنون غير هذا أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا عبد الكريم بن هوزان وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي وقال سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني قال سمعت أبا نصر السراج يقول حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من
أساله عنه يقول إيش تفعل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه
стр. 247
حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ فدنوت فسلمت فرد السلام وقال من أين قلت من بغداد قصدت زيارة الشيخ فقال تحسن أن تقول شيئا فقلت نعم وقلت:
رأيتك تبني دائما في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم قال لي يا بني تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة هوذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت علي القيامة بهذا البيت وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن نا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهيل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرعاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال فقال لي يوما أي شيء تقول الناس فقلت يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القوال فقال من قال لأستاذه لم لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه دعاة الصوفية يقولون الشيخ يسلم له حاله وما لنا أحد يسلم إليه حاله فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط.
فصل: وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا علي الدقاق يقول السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم مباح الزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀ قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه أحدها أنا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال فإذا جاء ما
يحرك الطباع واندفع الذي كان يكفها عنه
стр. 248
عادت العادة والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال والرابع أن الإجماع انعقد على انه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الإجماع والخامس انه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى فإذا أمن ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري.
فصل: قال المصنف ﵀: وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله قال أبو طالب المكي حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد أنه قال تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم يتجاوزون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا.
قال المصنف ﵀ قلت: وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فإنها توجب الرقة والبكاء فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطباع ويدل على ما حملنا الأمر عليه أنه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال كان أبو الوفا الفيروزبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي فكان يقول لي والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة والقول قال فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب ويقول أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت إجاية إن هذا لعظيم وقال ابن عقيل قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى قال وهذا كفر لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا قال والناس بين تحريمه وكراهيته أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال
стр. 249
أخبرني علي بن أيوب قال أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا الحسين بن فهم قال حدثني أبو همام قال حدثني إبراهيم بن أعين قال قال صالح المري أبطأ الصرعي نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة وأثبت الناس
قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا بكر النهاوندي يقول سمعت عليا السائح يقول سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف فقال لطائفة منهم قولوا وغنوا فاستغرقني طيبة حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح ثم قال أرقصوا فرقصوا أطيب ما يكون ثم قال لي يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد.
قال المصنف ﵀: هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت وصفقت وصاحت ومزقت الثياب وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ وقد احتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب قال أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي قال وقد قيل له أنه لما نزلت: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست قال أخبرنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال وأخبرنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال خرجنا مع عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع إليها فمال ليسقط ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على
стр. 250
أنون على شاطئ الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ إلى قوله ﴿ثُبُوراً كَثِيراً﴾ فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه عبد الله حتى يصلي الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله قالوا وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت ومنهم من يصعق ويغشى عليه ومنهم من يصيح وهذا كثير في كتب الزهد والجواب أما ما ذكره عن سلمان فمحال وكذب ثم ليس له إسناد والآية نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة ولم ينقل
عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا وأما حكاية الربيع بن خثيم فإن راويها عيسى بن سليم وفيه معمر أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو بكر محمد المظفر الشامي قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي قال قال أحمد بن حنبل عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه قال العقيلي وحدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني بن آدم قال سمعت حمزة الزيات قال لسفيان إنهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق قال ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص يعني عيسى بن سليم فلقيته فقلت عمن تروي أنت ذا منكرا عليه.
قال المصنف ﵀: قلت فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع ابن خثيم جرى له هذا لأن الرجل كان على السمت الأول وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين ثم نقول على تقدير الصحة أن الإنسان قد يخشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت
وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به. وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول كان للشبلي يوم الجمعة نظرة ومن بعدها صيحة