← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11405

تلبيس ابليس - ط المنيرية

ابن الجوزي

Полный текст (403 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله في محبة الله إنما هو وهم اعترض وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام. فصل: قال المصنف ﵀: وقد كان جماعة من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدئ السماع لعلمهم بما يثير من قلبه أخبرنا عمر بن ظفر المقري نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا بن جهضم ثني أبو عبد الله المقري ثنا عبد الله بن صالح قال قال لي جنيد إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقايا من اللعب أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد البردعي يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره. قال المصنف ﵀: هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا والثاني أنهم جرأوا العوام على اللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول فلان يفعل كذا ويفعل كذا. فصل: قال المصنف ﵀: وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبه طبع وهم يظنون غير هذا أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا عبد الكريم بن هوزان وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي وقال سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني قال سمعت أبا نصر السراج يقول حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من أساله عنه يقول إيش تفعل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه

стр. 247

حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ فدنوت فسلمت فرد السلام وقال من أين قلت من بغداد قصدت زيارة الشيخ فقال تحسن أن تقول شيئا فقلت نعم وقلت: رأيتك تبني دائما في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم قال لي يا بني تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة هوذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت علي القيامة بهذا البيت وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن نا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهيل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرعاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال فقال لي يوما أي شيء تقول الناس فقلت يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القوال فقال من قال لأستاذه لم لم يفلح. قال المصنف ﵀: هذه دعاة الصوفية يقولون الشيخ يسلم له حاله وما لنا أحد يسلم إليه حاله فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط. فصل: وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا علي الدقاق يقول السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم مباح الزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم. قال المصنف ﵀ قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه أحدها أنا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال فإذا جاء ما يحرك الطباع واندفع الذي كان يكفها عنه

стр. 248

عادت العادة والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال والرابع أن الإجماع انعقد على انه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الإجماع والخامس انه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى فإذا أمن ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري. فصل: قال المصنف ﵀: وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله قال أبو طالب المكي حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد أنه قال تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم يتجاوزون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا. قال المصنف ﵀ قلت: وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فإنها توجب الرقة والبكاء فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطباع ويدل على ما حملنا الأمر عليه أنه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال كان أبو الوفا الفيروزبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي فكان يقول لي والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة والقول قال فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب ويقول أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت إجاية إن هذا لعظيم وقال ابن عقيل قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى قال وهذا كفر لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا قال والناس بين تحريمه وكراهيته أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال

стр. 249

أخبرني علي بن أيوب قال أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا الحسين بن فهم قال حدثني أبو همام قال حدثني إبراهيم بن أعين قال قال صالح المري أبطأ الصرعي نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة وأثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا بكر النهاوندي يقول سمعت عليا السائح يقول سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف فقال لطائفة منهم قولوا وغنوا فاستغرقني طيبة حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح ثم قال أرقصوا فرقصوا أطيب ما يكون ثم قال لي يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد. قال المصنف ﵀: هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت وصفقت وصاحت ومزقت الثياب وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ وقد احتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب قال أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي قال وقد قيل له أنه لما نزلت: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست قال أخبرنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال وأخبرنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال خرجنا مع عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع إليها فمال ليسقط ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على

стр. 250

أنون على شاطئ الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ إلى قوله ﴿ثُبُوراً كَثِيراً﴾ فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه عبد الله حتى يصلي الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله قالوا وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت ومنهم من يصعق ويغشى عليه ومنهم من يصيح وهذا كثير في كتب الزهد والجواب أما ما ذكره عن سلمان فمحال وكذب ثم ليس له إسناد والآية نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا وأما حكاية الربيع بن خثيم فإن راويها عيسى بن سليم وفيه معمر أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو بكر محمد المظفر الشامي قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي قال قال أحمد بن حنبل عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه قال العقيلي وحدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني بن آدم قال سمعت حمزة الزيات قال لسفيان إنهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق قال ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص يعني عيسى بن سليم فلقيته فقلت عمن تروي أنت ذا منكرا عليه. قال المصنف ﵀: قلت فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع ابن خثيم جرى له هذا لأن الرجل كان على السمت الأول وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين ثم نقول على تقدير الصحة أن الإنسان قد يخشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به. وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول كان للشبلي يوم الجمعة نظرة ومن بعدها صيحة

стр. 251

فصاح يوما صيحة تشوش من حوله من الخلق وكان بجنب حلقته حلقة أبي عمران الأشيب فحرد أبو عمران وأهل حلقته. قال المصنف ﵀: واعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه فبالغ رسول الله ﷺ في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ وأنبأنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي قال حدثنا عبد المتعال بن طالب قال حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس قال وعظ رسول الله ﷺ يوما فإذا رجل قد صعق فقال النبي ﷺ : "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله" قال ابن شاهين وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعت قال حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيري قال حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمون عن أبيه عن أنس بن مالك قال ذكر عنده هؤلاء الذين يصعقون عند القراءة فقال أنس لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله ﷺ ذات يوم حتى سمعنا للقوم حنينا حين أخذتم الموعظة وما سقط منهم أحد. قال المصنف ﵀: وهذا حديث العرياض بن سارية وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب قال أبو بكر الآجري ولم يقل صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجار قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري قال حدثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الضرير قال أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي قال حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال قلت لأسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ وآله عند قراءة القرآن قالت كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم فقلت لها إن

стр. 252

ههنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن محمد السراج نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن شجاع ثنا إسحاق الحلبي ثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة قال سألت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف قالت لا ولكنهم كانوا يبكون. أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي وأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قالا أخبرنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا سريح بن يونس ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبي حازم قال مر ابن عمر ﵁ برجل ساقط من العراق فقال ما شأنه فقالوا إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا قال إنا لنخشى الله وما نسقط. أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي نا أبو الحسين بن بشران ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان ابن عيينه عن عبد الله بن أبي بردة عن ابن عباس أنه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن فقال إنهم ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم مضلون. أنبأنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق نا إبراهيم بن فهد عن إبراهيم بن الحجاج الشامي ثنا شبيب بن مهران عن قتادة قال قيل لأنس بن مالك إن ناسا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون فقال ذاك فعل الخوارج. أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا عمر بن علي بن الفتح نا أحمد بن محمد الكاتب ثنا عبد الله بن المغيرة ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال بلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامرا صحب قوما يتصعقون عند قراءة القرآن فقال له يا عامر لأعرفن ما صحبت الذين يصعقون عند القرآن لأوسعك جلدا.

стр. 253

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس ثنا الزبير بن بكارثني عبد الله بن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال ثني أبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال جئت إلى أبي فقال لي أين كنت فقلت وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يخشى عليه من خشية الله فقعدت معهم قال لا تقعد معهم بعدها فرآني كأني لم يأخذ ذلك في فقال رأيت رسول الله ﷺ يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ولا يصيبهم هذا أفتراهم أخشع الله من أبي بكر وعمر فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم. أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ نا محمد بن أحمد في كتابه ثنا محمد بن أيوب ثنا حفص بن عمر النميري ثنا حماد بن زيد ثنا عمرو بن مالك قال بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدثنا إذا خر رجل فاضطرب فوثب أبو الجوزاء يسعى قبله فقيل له يا أبا الجوزاء انه رجل به الموتة فقال إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد إنما ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أو قال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ﴾. أخبرنا أبو محمد بن علي المقري نا أحمد بن بندار بن إبراهيم نا محمد بن عمر بن بكير النجار نا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير نا حماد بن زيدني عمر بن مالك البكري قال قرأ قارئ عند أبي الجوزاء قال فصاح رجل من أخريات القوم أو قال من القوم فقام إليه أبو الجوزاء فقيل له يا أبا الجوزاء انه رجل به شيء فقال طبيب انه من هؤلاء النفارين فلو كان منهم لوضعت رجلي على عنقه وقال أبو عمر أخبرنا جرير بن حازم انه شهد محمد بن سيرين وقيل له أن ههنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه فقال محمد بن سيرين يقعد أحدهم على جدار ثم يقرأ عليه القرآن (١) من أوله إلى آخره فإن وقع فهو صادق قال أبو عمرو وكان محمد بن سيرين يذهب إلى أن تصنع وليس بحق من قلوبهم.

стр. 254

أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو محمد بن حبان ثنا محمد بن العباس ثنا زياد عن يحيى عن عمران بن عبد العزيز قال سمعت محمد بن سيرين وسئل عن من يستمع القرآن فيصعق فقال ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن سقطوا فهم كما يقولون. أخبرنا ابن ناصر نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العشاري نا محمد بن عبد الله الدقاق نا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا محمد بن علي عن ابراهيم بن الأشعت قال سمعت أبا عصام الرمل عن رجل عن الحسن أنه وعظ يوما فتنفس رجل في مجلسه فقال الحسن إن كان لله تعالى شهرت نفسك وإن كان لغير الله فقد هلكت. أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا روح ثنا السري بن يحيى ثنا عبد الكريم بن رشيد قال كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته فقال الحسن إن الشيطان ليبكي هذا الآن. أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو غالب عمر بن الحسين الباقلاني نا أبو العلاء الواسطي نا محمد بن الحسين الأزدي ثنا إبراهيم بن رحمون ثنا اسحق بن إبراهيم البغدادي قال سمعت أبا صفوان يقول قال الفضيل بن عياض لأبنه وقد سقط يا بني إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا محمد بن أحمد النجار ثنا المرتعش قال رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ وقد تواجد إنسان بين يديه فقال له يا بني إن كنت صادقا فقد أظهرت كل مالك وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله. فصل قال المصنف ﵀: فإن قال قائل إنما يفرض الكلام في الصادقين لا في أهل الرياء فما تقول فمن أدركه الوجد ولم يقدر على دفعه فالجواب إن أول الوجد انزعاج في الباطن فإن كف الإنسان نفسه كيلا يطلع على حاله يئس الشيطان منه فبعد عنه كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه مسح أنفه

стр. 255

وقال ما أشد الزكام وان أهمل الإنسان ولم يبال بظهور وجده أو أحب إطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان فانزعج على قدر نفخه كما أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله ثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخراز عن ابن أخي زينب عن امرأة عبد الله قالت جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة فأدخلتها تحت السرير قالت فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا فقال ما هذا الخيط قلت خيط رقي لي فيه رقية فأخذه وقطعه ثم قال إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله ﷺ يقول إن في الرقى والتمائم والتولة شركا قالت فقلت له لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت قال إنما ذاك من عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تولي كما قال رسول الله ﷺ أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. قال المصنف ﵀: التولة ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف نا أبو محمد الخلال ثنا أبو عمر بن حياة ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء ثنا أبي قال ثنا سفيان عن عكرمة بن عمار عن شعيب بن أبي السني عن أبي عيسى أو عيسى قال ذهبت إلى عبد الله بن عمر فقال أبو السوار يا أبا عبد الرحمن إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله قال كذبت قال بلى ورب هذه البنية قال ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم والله ما هكذا كان أصحاب محمد ﷺ . فصل: فإن قال قائل فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾. وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله

стр. 256

ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحق الثقفي ثني حاتم بن الليث الجوهري ثنا خالد بن خداش قال قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشيا عليه فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام. قال المصنف ﵀: قلت وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم قلنا هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم فظاهره أنه متعمل والشيطان معين عليه. قال المصنف ﵀ فإن قيل فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه قيل نعم من جهتين أحدهما أنه لو قوى العلم أمسك والثاني أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا. أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا هبة الله بن عبد الرزاق السني وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي ارستمي قالا نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة قال سمعت خلف بن حوشب يقول كان خوات يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم إن كنت تملكه فلا أبالي أن لا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك وفي رواية فقد خالفت من هو خير منك. قال المصنف ﵀ قلت: إبراهيم هو النخعي الفقيه وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للأثر وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع وهذا خطاب إبراهيم له فكيف بمن لا يخفي حاله في التصنع. فصل: فإذا طرب أهل التصوف صفقوا فإذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا سليمان المغربي يقول سمعت أبا علي بن الكاتب يقول كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له. قال المصنف ﵀ قلت: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من

стр. 257

التصدية وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ فالمكاء الصفير والتصدية التصفيق أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الفضل بن حيرون نا أبو علي بن شاذان نا أحمد بن كامل ثنى محمد بن سعد ثنى أبي ثني عمى عن أبيه عن جده عن ابن عباس الإمكاء يعني التصفير وتصدية يقول التصفيق. قال المصنف ﵀ قلت وفيه أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة. فصل فإذا قوي طربهم رقصوا فإذا قوي طربهم رقصوا وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لأيوب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾. قال المصنف ﵀: قلت وهذا الاحتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء قال ابن عقيل أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرقص ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى اضرب بعصاك الحجر دلالة على ضرب الجماد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله ﷺ قال لعلي أنت مني وأنا منك فحجل وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت والنبي ﷺ ينظر اليهم فالجواب أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو من الرقص وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب. واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمداني نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذن نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن قالوا ثنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني ثنا محمد بن سعيد المروزي ثنا عباس الرقيقي ثنا عبد الله بن عمر الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور

стр. 258

ثنا أبو عتاب المصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا: تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت … به زينب في نسوة عطرات فلما رأت ركب النميري أعرضت … وهن من أن يلقينه حذرات قال فضرب برجله الأرض زمانا وقال هذا مما يلذ سماعه وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب. قال المصنف قلت: هذا إسناده مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب ولا هذا شعره كان ابن المسيب أوقر من هذا وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا وإنما نسب إلى اسم جده وهو ثقفي وزينب التي يشبب بها هي ابنة يوسف أخت الحجاج وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان فقال كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطائف فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه. قال المصنف ﵀: ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص فإن الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال وما الذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة هذه والله مكبر باردة ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب وقال أبو الوفاء بن عقيل قد نص القرآن علىالنهي عن الرقص فقال ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ وذم المختال فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ والرقص أشد المرح والبطر أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الإطراب وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان خصوصا إذا كانت أصوات نسوان ومردان

стр. 259

وهل يحسن بمن بين يديه الموت السؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين صائران يشمس بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة والله لقد رأيت مشايخ في عصري ما بان لهم سن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم كالشيخ أبي القاسم بن زيدان وعبد الملك بن بشران وأبي طاهر بن العلاف والجنيد والدينوري. فصل: فإذا تمكن الطرب من الصوفية في رحال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد فإذا قام قام الباقون تبعا له فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح وفيه إسقاط مروءة وترك أدب وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له. فصل: فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني فمنهم من يرمي بها صحاحا ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها وقد احتج لهم بعض الجهال فقال هؤلاء في غيبة فلان يلامون فإن موسى ﵇ لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع والجواب أن نقول من يصحح عن موسى بأنه رماها رمي الكاسر والذي ذكر في القرآن إلقاءها فحسب فمن أين لنا أنها تكسرت ثم لو قيل تكسرت فمن أين لنا انه قصد كسرها ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاضه ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ويحذرون من بئر إن كانت عندهم ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء ولقد رأيت شابا من الصوفية يمشي في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته فقلت إن كان وقت صياحه غائبا فقد بطل وضوءه وإن كان حاضرا فهو متصنع وكان هذا الرجل جلدا لا يعمل شيئا بل يدار له بزنبيل في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه فهذه حالة المتأكلين لا المتوكلين ثم لو قدرنا أن القوم يصيحون عن غيبة فإن تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غلبه الأذى وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق

стр. 260

ثيابهم فقال خطأ وحرام وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وعن شق الجيوب فقال له قائل فإنهم لا يعقلون ما يفعلون قال إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك كما هم منهيون عن شرب المسكر فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا فيه فسكر طبع وإن كذبوا فنبيذ ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين وتجنب مواضع الريب واجب واحتج لهم ابن طاهر في تريفهم الثياب بحديث عائشة ﵂ قالت نصبت حجلة لي فيها رقم فمدها النبي ﷺ فشقها. قال المصنف ﵀: فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال على مد ستر ليحط فانشق لا عن قصد أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه وهذا من التشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر بكسر الدنان في الخمور فإن ادعى مخرق ثيابه أنه غائب قلنا الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك فإن الحق لا يفسد. وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحاف ثنا محمد بن علي بن حشيش ثنا عبد الله بن الصقر ثنا الصلت بن مسعود ثنا جعفر بن سليمان قال سمعت أبا عمران الجوني يقول وعظ موسى بن عمران ﵇ يوما فشق رجل منهم قميصه فأوحى الله لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه أيشرح لي عن قلبه. فصل وقد تكلم مشايخ الصوفية في الخرق المرمية فقال محمد بن طاهر الدليل على أن الخرقة إذا طرحت صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير جاء قوم مجتابي النمار فحض رسول الله ﷺ على الصدقة فجاء رجل من الأنصار بصرة فتتابع الناس حتى رأيت كومتين من ثياب وطعام قال والدليل على أن الجماعة إذا

стр. 261

قدموا عند تفريق الخرقة أسهم لهم حديث أبي موسى قدم على رسول الله ﷺ بغنيمة وسلب فأسهم لنا. قال المصنف ﵀: لقد تلاعب هذا الرجل بالشريعة واستخرج بسوء فهمه ما يظنه يوافق مذهب المتأخرين من الصوفية فإذا ما عرفنا هذا في أوائلهم وبيان فساد استخراجه أن هذا الذي خرق الثوب ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه وإن كان غائبا فليس له تصرف جائز شرعا لا هبة ولا تمليكا وكذلك يزعمون بأن ثوبه كان كالشيء الذي يقع من الإنسان ولا يدري به فلا يجوز لأحد أن يتملكه وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد فلا وجه لتملكه ولو رماه على المغني لم يتملكه لأن التملك يكون إلا بعقد شرعي والرمي ليس بعقد ثم نقدر أنه ملك للمغني فما وجه تصرف الباقين فيه ثم إذا انصرفوا فيه خرقوه خرقا وذلك لا يجوز لوجهين: أحدهما انه تصرف فيما لا يملكونه والثاني أنه إضاعة للمال ثم ما وجه أسهام من لم يحضر فأما حديث أبي موسى فقال العلماء منهم الخطابي يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أجازه عن رضى ممن شهد الواقعة أو من الخمس الذي هو حقه وعلى مذهب الصوفية تعطى هذه الخرقة لمن جاء وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين وما أشبه ما وضع هؤلاء بآرائهم الفاسدة إلا بما وضعت الجاهلية من أحكام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام قال ابن طاهر أجمع مشايخنا على أن الخرقة المخرقة وما انبعث من الخرق الصحاح الموافقة لها إن ذلك كله يكون بحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ واحتجوا بقول عمر ﵁ الغنيمة لمن شهد الواقعة وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الأنصاري فجعل الخرقة على ضربين ما كان مجروحا قسم على الجميع وما كان سليما دفع إلى القوال واحتج بحديث سلمة من قتل الرجل قالوا سلمة بن الأكوع قال له سلبه أجمع فاقتل إنما وجد من جهة القوال فالسلب له. قال المصنف رحمه: الله أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة فإن مشايخ الفقهاء أجمعوا على أن الموهوب لمن وهب له سواء كان مخرقا أو سليما ولا يجوز

стр. 262

لغيره التصرف فيه ثم إن سلب القتيل كل ما عليه فما بالهم جعلوه ما رمي به ثم ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الأنصاري لأن المجروح من الثياب ما كان بسبب الوجد فينبغي أن يكون المجروح المغني دون الصحيح وكل أقوالهم في هذا محال وهذيان وقد حكى لي أبو عبد الله التكريتي الصوفي عن أبي الفتوح الاسفرايني وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السن وقد حضر في جمع كثير في رباط وهناك المخاد والقضبان ودف بجلاجل فقام يرقص حتى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرأس قال التكريتي إنه رقص يوما في خف له ثم ذكر أن الرقص في الخف خطأ عند القوم فانفرد وخلعه ثم نزع مطرفا كان عليه فوضعه بين أيديهم كفارة لتلك الجناية فاقتسموه خرقا قال ابن طاهر والدليل على أن الذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها من الجمع حديث عمر "لا تعودن في صدقتك" قال المصنف أنظر إلي بعد هذا الرجل عن فهم معاني الأحاديث فإن الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها فلا يحتاج إلى أن يشتريها. فصل: وأما تقطيعهم الثياب المطروحة خرقا وتفريقها فقد بينا أنه إن كان صاحب الثوب رماه إلى المغني لم يملكه بنفس الرمي حتى يملكه إياه فإذا ملكه إياه فما وجه تصرف الغير فيه ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثياب ويقسمها ويقول هذه الخرق ينتفع بها وليس هذا بتفريط فقلت وهل التفريط إلا هذا ورأيت شيخا آخر منهم يقول خرقت خرقا في بلدنا فأصاب رجل منها خريقة فعملها كفنا فباعه بخمسة دنانير فقلت له إن الشرع لا يحيز هذه الرعونات لمثل هذه النوادر وأعجب من هذين الرجلين أبو حامد الطوسي فإنه قال يباح لهم تمزيق الثياب إذا خرقت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه قميص ولا يكون ذلك تضييعا ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي فنظر إلى انتفاع خاص ثم ما معنى قوله مربعة فإن المطاولة ينتفع بها أيضا ثم لو مزق الثوب قرامل (١) لانتفع بها ولو كسر السيف نصفين لانتفع بالنصف غير أن الشرع

стр. 263

يتلمح الفوائد العامة ويسمي ما نقص منه للانتفاع إتلافا ولهذ ينهي عن كسر الدرهم الصحيح لأنه يذهب منه قيمه بالإضافة إلى المكسور وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال منهم بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين. فصل: ولقد أغربوا فيما ابتدعوا وأقام لهم الأعذار من إلى هواهم مال ولقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه باب السنة في أخذ شيء من المستغفر واحتج بحديث كعب بن مالك في توبته يجزئك الثلث ثم قال باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي ﷺ أنه قال في الزكاة: "من منعها فأنا آخذها وشطر ماله". قال المصنف ﵀: قلت: فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر ومن مذهبهم الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة وتنافي الوقار ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال إن من توبتي أن انخلع من مالي فقال له رسول الله ﷺ : "يجزئك الثلث" لا على سبيل الإلزام له وإنما تبرع بذلك فأخذه منه وأين إلزام الشرع تارك الزكاة فما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه فإذا امتنع ضاعفوها وليس إليهم الإلزام إنما ينفرد بالإلزام الشرع وحده وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة فهؤلاء الخوارج عليها حقا. ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث. قال المصنف: اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن واشتغلوا بالتعبد عن النكاح واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم

стр. 264

إبليس إليهم واعلم أن الصوفية في صحبة الأحداث على سبعة أقسام القسم الأول أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ومنهم من قال هو حال في المستحسنات وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا أنهم يرون الله في الدنيا وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود القسم الثاني قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق القسم الثالث قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب باب في جوامع رخصهم فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن وذكر فيه ما روى عن النبي ﵇ أنه قال اطلبوا الخير عند حسان الوجوه وأنه قال ثلاثة تجلو البصر النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن. قال المصنف ﵀: وهذان الحديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ أما الحديث الأول فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حمويه نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد ثنا يزيد بن هرون ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" قال يحيى بن معين محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء قال المصنف قلت وقد روى هذا الحديث من طرق قال العقيلي لا يثبت عن النبي ﵇ في هذا شيء وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون نا أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن محمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي نا أبو بكر محمد بن أحمد بن هرون نا أحمد بن عمر بن عبيد الريحاني قال سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول كنت أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه فكنت أدمن النظر إليه فقال أراك تدمن النظر إلى القاسم تريد أن تجعل انقطاعه إليك قلت

стр. 265

أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في وأما إدمان النظر إليه فإن جعفرا الصادق ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ ثلاث يزدن في قوة النظر النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن. قال المصنف ﵀: هذا حديث موضوع ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع واحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما إطلاقه ففيه سوء ظن وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد. قال المصنف ﵀: قلت: والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب وإنما أبيح على الأطرق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى قال سعيد بن المسيب إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه القسم الرابع قوم يقولون نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار فلا يضرنا النظر وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع أخبرتنا شهدة بن أحمد الأبري قالت بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال قال أبو حمزة الصوفي حدثني عبد الله بن الزبير الخفي قال كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتى دنا منه فقال سألتك بالله السميع وعزة الرفيع وسلطانه المنيع ألا وقفت على أروي من النظر إليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه ثم ذهب ليمضي فقال سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت فوقف ساعة فنظر إليه طويلا ثم ذهب ليمضي فقال سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت فوقف فأقبل

стр. 266

ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال قد ذكرني هذا بنظري إليه وجها جل عن التشبيه وتقدس عن التمثيل وتعاظم عن التحديد والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي أعدائه وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض ثم غشي عليه وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري قال سمعت خيرا النساج يقول كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته فقلت له بعد أن قام إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون فقال لي تقول هذا يا شهواني القلب والطرف ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث فقلت وما هي قال سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جاثم على منكر نهاني عنه ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا. قال المصنف ﵀: قلت أنظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر وقد حدثني بعض العلماء أن صبيا أمرد حكى له قال قال لي فلان الصوفي وهو يحبني يا بني لله فيك إقبال والتفات حيث جعل حاجتي إليك وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة فلما جلسوا قال بعضهم لعلنا كدرنا فقال أي والله فتصايح الجماعة على سبيل التواجد. وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة إنك تحب غلامك التركي فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينيه وقال هذا جواب الرقعة. قال المصنف ﵀ قلت: إني لا أعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب

стр. 267

الحياء عن وجهه وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس وأخبرنا أبو القاسم الحريري أنبأنا أبو الطيب الطبري قال بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد وربما زينته بالحلى والمصبغات من الثياب والحواشي وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا إلى سماع ونظر قال أبو الطيب وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال: أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا … على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النفوس بغير راح فلم نر فيهم إلا نشاوى … سرورا والسرور هناك صاحي إذا لبى أخو اللذات فيه … منادى اللهو حي على الفلاح ولم نملك سوى المهجات شيئا … أرقناها لألحاظ ملاح قال فإذا كان السماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل فكيف يجدي السماع نفعا أو يفيد فائدة قال ابن عقيل قول من قال لا أخاف من رؤية الصور المستحسنة ليس بشيء فإن الشريعة جاءت عامة الخطاب لا تميز الأشخاص وآيات القرآن تنكر هذه الدعاوى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ فلم يحل النظر إلا على صور لا ميل للنفس إليها ولاحظ فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة ولا تعتريها لذة فأما صور الشهوات فإنها تعبر عن العبرة بالشهوة وكل صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها لأنها قد تكون سببا للفتنة

стр. 268

ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا كل ذلك لأنها محل فتنة وشهوة وربما قطعت عما قصدته الشريعة بالنظر وكل من قال أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدعوى كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين القسم الخاص قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش يعتقدون ذلك مجاهدة وما يعلمون أن نفس صحبتهم والنظر إليهم بشهوة معصية وهذه من خلال الصوفية المذمومات وقد كان قدماؤهم على غير هذا وقيل كانوا على هذا بدليل وهو ما أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنشدنا أبو علي الروزباري. أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى مالو أنه … على الجبل الصلد الأصم تهدما قال المصنف ﵀ وسيأتي حديث يوسف بن الحسين وقوله عاهدت ربي أن لا أصحب حدثا مائة مرة ففسحنا على قوام القدود وغنج العيون أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي المختار الضبي قال حدثني أبي قال قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية قال صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان وكان مجوسيا فأسلم وتصوف فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبة ثم يقوم فزعا فيصلي ما قدر له ثم يعود فينام إلى جانبه حتى فعل ذلك مرارا فإذا أسفر الصبح أو كان يسفر أوتر ثم رفع يديه وقال اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت على الحفظة فيه معصية وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت ثم يقول يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرص للآثام ثم يقول سيدي أنت تجمع بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك كل ليلة وأسمع هذا القول منه فلما هممت بالانصراف من عنده قلت إذا انقضى الليل كذا وكذا فقال وسمعتني قلت نعم قال فوالله يا أخي إني لأداري من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له فقلت وما الذي يدعوك إلى صحبة من

стр. 269

تخاف على نفسك العنت من قبله (١) وقال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصوفي قال أبو حمزة الصوفي رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة فمات الفتى وطال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنا والكمد فقلت له يوما لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال كيف أسلو عن رجل أجل الله أن يصيبه معي طرفة عين أبدا وصانني عن نجاسة الفسوق في خلول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار. قال المصنف ﵀: هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش فحسن لهم بداياتها فتعجلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة وعزموا على مقاومة النفس في ضدها عن الفاحشة فإن صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا يغيره. وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع فإن الله أمر بغض البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله تعالى من شائب تخاف منه وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضة متشاغلة عنه لا تراه فأثارها وحاربها وقاومها فيا بعد سلامته من جراحه إن لم يهلك. فصل: وفي هؤلاء من قويت مجاهدته مدة ثم ضعفت فدعته نفسه إلى الفاحشة فامتنع حينئذ من صحبة المرد أخبرتنا شهدة الكاتبة عن عمر بن يوسف الباقلاني قال قال أبو حمزة قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد الصوفية وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة ثم فارقه فقلت له لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك بعد أن كنت له مواصلا وإليه مائلا فقال والله لقد فارقته عن غير قلا ولا ملل قلت ولم فعلت ذلك قال رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني لو أتيته سقطت من عين الله فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن. فصل ومنهم من تاب وأطال البكاء عن إطلاق نظره أخبرنا

стр. 270

المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن عبيد الله قال سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول سمعت خيرا النساج يقول كنت مع أمية بن الصامت الصوفي إذ نظر إلى غلام فقرأ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم قال وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ما شبهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت ثم قال استغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي لقد خفت ألا أنجوا من معرته ولا أتخلص من أثمه ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا ثم بكى حتى كاد يقضي نحبه فسمعته يقول في بكائه يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء. فصل: ومنهم من تلاعب به المرض من شدة الحبة أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي حمزة الصوفي قال كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوههم فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلى به وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبا وكان يقف كل يوم في طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا أنصرف فطال به البلاء وأقعده عن الحركة الضنا وكان لا يقدر أن يمشي خطوة فأتيته يوما لأعوده فقلت يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: أمور أمتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة ورب ذنب يستصغره الانسان هو عند الله أعظم من كبير وحقيق بمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكى قلت ما يبكيك قال أخاف أن يطول في النار شقائي فانصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال قال أبو حمزة ونظر محمد بن عبد الله بن الأشعت الدمشقي وكان من خيار عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا فكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره وكان لا يخبرنا بقصته ولا سبب مرضه وكان الناس يتحدثون بحديث نظره فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد إلى حالته فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله فأبى أن يفعل ذلك فسألني أن أسأله أن يتحول إليه فسألته فأبى أن يفعل

стр. 271

فقلت للشيخ وما الذي تكره من ذلك فقال لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة وأخاف أن يقع علي الشيطان محنة فتجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين. فصل وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلى بحدث فلم يملك نفسه أن دعته إلى فاحشة فراقب الله ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى نفسه إلى الماء وتلى قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فغرق في البحر. قال المصنف ﵀: أنظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد وإلى إدمان النظر إليه إلى أن مكن المحبة من قلبه إلى أن حرضه على الفاحشة فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم والهمةمعفو عنها لقوله ﵇: "عفي لأمتي عما حدثت به نفوسها" ثم إنه ندم على همته والندم توبة فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ونحن نهينا عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فلقد أتى بكبيرة عظيمة وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. فصل: وفيهم من فرق بينه وبين حبيبه فقتل حبيبه بلغني عن بعض الصوفية أنه كان في رباط عندنا ببغداد ومعه صبي في البيت الذي هو فيه فشنعوا عليه وفرقوا بينهما فدخل الصوفي إلى الصبي ومعه سكين فقتله وجلس عنده يبكي فجاء أهل الرباط فرأوه فسألوه عن الحال فأقر بقتل الصبي فرفعوه إلى صاحب الشرطة فأقر فجاء والد الصبي يبكي فجلس الصوفي يبكي ويقول له بالله عليك إلا ما أقدتني به فقال الآن قد عفوت عنك فقام الصوفي إلى قبر الصبي فجعل يبكي عليه ثم لم يزل يحج عن الصبي ويهدي له الثواب.

стр. 272

فصل ومن هؤلاء من قارب الفتنة فوقع فيها ولم تنفعه دعوى الصبر والمجاهدة والحديث بإسناد عن إدريس بن إدريس قال حضرت بمصر قوما من الصوفية ولهم غلام أمرد يغنيهم قال فغلب على رجل منهم أمره فلم يدر ما يصنع فقال يا هذا قل لا إله إلا الله فقال الغلام لا إله إلا الله فقال أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله القسم السادس قوم لم يقصدوا صحبة المردان وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الإرادة فلبس إبليس عليهم ويقول لا تمنعوه من الخير ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد فيثير في القلب الفتنة إلى أن ينال الشيطان منهم قدر ما يمكنه وربما وثقوا بدينهم فاستفزهم الشيطان فرماهم إلى أقصى المعاصي كما فعل ببرصيصا. قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا قصته في أول الكتاب وغلطهم من جهة تعرضهم بالفتن وصحبة من لا يؤمن الفتنة في صحبته. القسم السابع قوم علموا أن صحبة المردان والنظر إليهم لا يجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك والحديث بإسناد عن الرازي يقول قال يوسف بن الحسين كل ما رأيتموني أفعله فأفعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الحدود وقوام القدود وغنج العيون وما سألني الله معهم عن معصية وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا: إن ورد الخدود والحدق النجل … وما في الثغور من أقحوان واعوجاج الأصداع في ظاهر الخد … وما في الصدور من رمان تركتني بين الغواني صريعا … فلهذا أدعى صريع الغواني قال المصنف ﵀: قلت هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه والحديث بإسناد عن محمد بن عمر أنه قال حكي لي عن أبي مسلم الخمشوعي أنه نظر إلى غلام جميل فأطال ثم قال

стр. 273

سبحان الله ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه وأدمنه على سخط سيده وأغراه بما قد نهى عنه وأبهجه بالأمر الذي قد حزر منه لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة ولقد تركني نظري هذا وأنا أستحي من الله تعالى وإن غفر لي ثم صعق وبإسناد عن أبي بكر محمد بن عبد يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه ثم أردت أن أردد النظر فقلت له تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات فقال أحسنت الحشر بالعلم. فصل: وكل من فاته العلم تخبط فإن حصل له وفاته العلم به كان أشد تخبيطا ومن استعمل أدب الشرع في قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ سلم في البداية بما صعب أمره في النهاية وقد ورد الشرع بالنهي عن مجالسة المردان وأوصى العلماء بذلك والحديث بإسناده عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفوس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق" والحديث بإسناده عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك فإن لهم فتنة أشد من فتنة العذارى". والحديث بإسناد عن الشعبي قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضأة فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره وقال: "كانت خطيئة داود ﵇ النظر" وعن أبي هرير قال نهى رسول الله ﷺ أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وقال عمر بن الخطاب ما أتى على عالم من سبع ضار أخوف عليه من غلام أمرد وبإسناد عن الحسن بن ذكوان أنه قال لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى. وبإسناد عن محمد بن حمير عن النجيب السري قال كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء وعن أبي علي الروزباري قال سمعت جنيدا يقول جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فقال له

стр. 274

من هذا قال ابني فقال أحمد لا تجئ به معك مرة أخرى فلما قام قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ وفي رواية الخطيب فقيل له أيد الله الشيخ أنه رجل مستور وأبنه أفضل منه فقال أحمد الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم وبإسناد عن أبي بكر المرزوي قال جاء حسن البزاز إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه فلما أراد أن ينصرف قال له أبو عبد الله يا أبا علي لا تمش مع هذا الغلام في طريق فقال له إنه ابن أختي قال وإن كان لا يهلك الناس فيك وبإسناد من شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول أخذروا هؤلاء الأحداث وبإسناد عن فتح الموصلي أنه قال صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عند فراقي لهم اتقي معاشرة الأحداث وبإسناد عن الحلبي أنه يقول نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له يا هذا ابق على جاهك عند الله فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما وبإسناد عن أبي منصور بن عبد القادر بن طاهر يقول من صحب الأحداث وقع في الأحداث وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال مظفر القرميسيني من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السلامة؟ فصل: وقد كان السلف يبالغون في الأعراض عن المرد وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه أجلس الشاب الحسن الوجه وراء ظهره والحديث بإسناد عن عطاء بن مسلم قال كان سفيان لا يدع أمردا يجالسه وروى إبراهيم بن هانيء عن يحيى بن معين قال ما طمع أمرد بصحبتي ولأحمد بن حنبل قال في طريق وبإسناد عن أبي يعقوب قال كنا مع أبي نصر بن الحرث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها فقالت يا شيخ أين مكان باب حرب فقال لها هذا الباب الذي يقال له باب حرب ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه فسأله فقال يا شيخ أين مكان باب حرب فأطرق الشيخ رأسه فرد عليه الغلام السؤال وغمض عينيه فقلنا للغلام تعال أيش تريد فقال باب حرب فقلنا له ها هو بين يديك فلما غاب قلن للشيخ يا أبا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها وجاءك غلام فلم تكلمه فقال نعم يروى عن سفيان

стр. 275

الثوري أنه قال مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي من شيطانيه وبإسناد عن عبد الله بن المبارك يقول دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح فقال أخرجوه أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام عشرة شياطين وبإسناد عن محمد بن أحمد بن أبي القسم قال دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين وكان يقال أنه ما رفع رأسه إلى السماء من منذ أربعين سنة وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه فقال له قم من حذائي فأجلسه من خلفه وبإسناد عن أبي إمامة قال وكنا عند شيخ يقرئ فبقي عنده غلام يقرأ عليه فردت الانصراف فأخذ بثوبي وقال أصبر حتى يفرغ هذا الغلام وكره أن يخلو مع هذا الغلام وبإسناد عن أبي الروزباري قال قال لي أبو العباس أحمد المؤدب يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث فقلت له يا سيدي أنت بهم أعرف وقد تصحبهم السلامة لي كثير من الأمور فقال هيهات قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل فر كفرارة من الزحف وإنما ذلك حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط. فصل: وصحبة الأحداث وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية أخبرنا ابن ناصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول قال يوسف بن الحسين نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد والرفاق والنسوان وبإسناد عن ابن الفرج الرستمي الصوفي يقول رأيت إبليس في النوم فقلت له كيف رأيتنا أعرضنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها فليس لك إلينا طريق فقال كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء ومعاشرة الأحداث وبإسناد عن ابن سعيد الخراز يقول رأيت إبليس في النوم يمرغني ناحية فقلت تعال فقال أيش أعمل بكم أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس قلت ما هو قال الدنيا فلما ولى التفت إلي فقال غير أن فيكم لطيفة قلت وما هي قال صحبة الأحداث قال أبو سعيد وقل من يتخلص منها من الصوفية.

стр. 276

فصل: في عقوبة النظر إلى المردان عن أبي عبد الله بن الجلاء قال كنت أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه فمر بي أبو عبد الله البلخي فقال أيش وقوفك فقلت يا عم أما ترى هذه الصورة كيف تعذب بالنار فضرب بيده بين كتفي وقال لتجدن غبها ولو بعد حين قال فوجدت غبها بعد أربعين سنة أن أنسيت القرآن وبإسناد عن أبي الأديان وقال كنت مع أستاذي وأبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال يا بني لتجدن غبة ولو بعد حين فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب فنمت ذات ليلة وأنا مفكر فيه فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله وعن أبي بكر الكتاني قال رأيت بعض أصحابنا في المنام فقلت ما فعل الله بك قال عرض علي سيئاتي وقال فعلت كذا وكذا فقلت نعم ثم قال وفعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقره فقلت إني أستحي أن أقر فقال إني غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت فقلت له ما كان ذلك الذنب فقال مر بي غلام حسن الوجه فنظرت إليه وقد روى نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد أنه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحدا فاستحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقيل له ما الذنب فقال نظرت إلى شخص جميل وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري أنه قال كان معي شاب حسن الوجه يخدمني فجاءني إنسان من بغداد صوفي فكان كثير الالتفات إلى ذلك الشاب فكنت أجد عليه لذلك فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال يا أبا يعقوب لم لم تنهه وأشار إلى البغدادي عن النظر إلى الأحداث فوعزتي أني لا أشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي قال أبو يعقوب فانتبهت وأنا أضطرب فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه واشتغل عليه قلبي فرأيته بعد شهر في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال وبخني حتى خفت أن لا أنجوا ثم عفا عني قلت إنما مددت النفس يسيرا في هذا الباب لأنه ما تعم به البلوى عند الأكثرين فمن أراد الزيادة فيه وفيما يتعلق بإطلاق البصر وجميع أسباب الهوى فلينظر في كتابنا المسمى بذم الهوى ففيه غاية المراد من جميع ذلك.

стр. 277

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني يقول لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص وبإسناد عن ذي النون المصري أنه قال سافرت سنين وما صح لي التوكل إلا وقتا واحدا ركبت البحر فكسر المركب فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة فخليت الخشبة فطفت على الماء فوقعت على الساحل. أخبرنا محمد قال سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني فأعطى التوكل حقه ثم قال استحييت أن أجيبك وعندي شيء وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه ودخل البيت فأخرج اليهم صرة فيها أربعة دوانق فقال اشتروا بهذه شيئا ثم أجاب الرجل عن سؤاله فقيل له في ذلك فقال استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي أربعة دوانق وقال سهل بن عبد الله من طعن في الاكتساب فقد طعن على السنة ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان. قال المصنف قلت: قلة العلم أوجبت هذا التخطيط ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا أدخار المال فقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ أي قواما لأبدانكم وقال ﷺ : "نعم المال الصالح مع الرجل الصالح" وقال ﷺ : "إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" واعلم أن الذي أمر بالوكل أمر بأخذ الحذر فقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وقال: ﴿فأسر

стр. 278

بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين وشاور طبيبين واختفى في الغار وقال من يحرسني الليلة وأمر بغلق الباب وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "اغلق بابك" وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عبد الله بن يحيى الموصلي ونصر بن أحمد قالا أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنى أبو جعفر الصيرفي ثنا يحيى بن سعيد ثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي قال سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول جاء رجل إلى النبي ﷺ وترك ناقته بباب المسجد فسأله رسول الله ﷺ عنها فقال أطلقتها وتوكلت على الله قال اعقلها وتوكل. أخبرنا أبن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام ثنا الحسين بن زياد المروزي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول تفسير التوكل أن يرضى بما يفعل به وقال ابن عقيل يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل وإن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فلو كان التعلق بالاحتياط قادحا في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهل المشاورة الا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم حتى نص عليه وجعله عملا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات فقال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وبين علة ذلك بقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما علم لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة قال ﵊: "اعقلها وتوكل" ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق ﷺ في خير الأحوال وهي حالة الصلاة وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى وجوب حمل السلاح حينئذ بقوله:

стр. 279

﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز فإن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ خرج ونبينا ﷺ خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر ﵁ بسد أثقاب الغار وأعطى القوم التحرز حقه ثم توكلوا وقال في باب الاحتياط: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ وهذا لأن الحركة للذب عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمة المبدأة يريد إظهار وداعه فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به لكن يجب استعمال ما عندك ثم أطلب ما عنده وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب وخلق للآدمي عقلا يقوده إلى حمل والأسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع ومن عطل نعمة الله بترك الاحتراز فقد عطل حكمته كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى لأن لا يرى إلا أن الحق لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة فمنعه عطاء في المعنى وكم زين للعجزة عجوزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور حزما ومتى وضعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له قد جعلنا لعافيتك سببا فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب وما هذا إلى بمثابة من بين قراحة وماء الساقية رفسه بمسحاة فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا. قال المصنف ﵀: فإن قال قائل كيف أحترز مع القدر قيل له وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدر فالذي قدر هو الذي أمر وقد قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أنبأنا إسماعيل بن أحمد نا عاصم بن الحسين نا ابن بشران ثنا أبو صفوان نا أبو بكر القرشي ثني شريح بن يونس نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن

стр. 280

أبي عثمان قال كان عيسى ﵇ يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر قال نعم قال فألق نفسك من الجبل وقل قدر علي فقال يا لعين الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى. فصل: وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان ومن طعن على الكسب فقد طعن على السنة. أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع أنحن مستعبدون بالكسب أم بالتوكل فقال التوكل حال رسول الله ﷺ والكسب سنة رسول الله ﷺ وإنما سن الكسب لمن ضعف عن التوكل وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله فمن أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة لا كسب اعتماد عليه ومن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله ﷺ أبيح له طلب المعاش في الكسب لئلا يسقط عن درجة سنته حين سقط عن درجة حاله. أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت محمد بن الحسين قال سمعت أبا القاسم الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين قال إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجيء منه شيء. قال المصنف ﵀: قلت هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل وظنوا أنه ترك الكسب وتعطيل الجوارح عن العمل وقد بينا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين فقد كان آدم ﵇ حراثا ونوح وزكريا نجارين وإدريس خياطا وإبراهيم ولوط زراعين وصالح تاجرا وكان سليمان يعمل الخوص وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلوات الله عليهم أجمعين. وقال نبينا ﷺ : "كنت أرعى

стр. 281

غنما لأهل مكة بالقراريط" فلما أغناه الله بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزازين وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين (١) وكذلك أبو حنيفة وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل وكان عثمان بن طلحة خياطا وما زال التابعون ومن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب. أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن ابن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا مسلم بن إبراهيم نا هشام الدستوائي قال حدثنا عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا أين تريد فقال السوق قالا تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قال ابن سعد وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة. قال المصنف ﵀: قلت لو قال رجل للصوفية من أين أطعم عيالي لقالوا قد أشركت ولو سئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا ليس بمتوكل ولا موقن وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم لكنهم بين أمرين أما الغالب من الناس فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديا ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزنبيل فيجمع له وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح كما لا تخلو الدكان من أن يقصد للبيع والشراء. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو طالب العشاري نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري ثنا

стр. 282

أبو بكر بن عبيد قال حدثت عن الهيثم بن خارجة ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم قال كان سعيد بن المسيب يقول من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت جدي إسماعيل بن نجيدي يقول كان أبو تراب يقول لأصحابه من لبس منكم مرقعة فقد سأل ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل. قال المصنف ﵀ قلت وقد كان السلف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا محمد بن علي بن الفتح نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله ابن عبد الرحمن السكري نا أبو بكر بن عبيد القرشي نا عبيد بن الجعد نا المسعودي عن خوات التيمي قال قال عمر بن الخطاب ﵁ يا معشر الفقراء ارفعوا رؤسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين. أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وأبو الخير القزويني قالوا نا أبو عمر بن حياة نا محمد بن خلف ثنا أبو جعفر اليماني نا أبو الحسن المدايني عن محمد بن عاصم قال بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل عنه هل له حرفة فإن قيل لا قال سقط من عيني. أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله النقال نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد الدقاق نا حنبل ثنى أبو عبد الله نا معاذ بن هشام ثني أبي عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في تجر الشام منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي نا أحمد بن مروان المالكي نا أبو القاسم بن الختلي سألت أحمد بن حنبل وقلت ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال لا أعمل

стр. 283

شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمعت قول رسول الله ﷺ جعل الله رزقي تحت ظل رمحي وحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصا فذكر أنها تغدو في طلب الرزق قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم ولنا القدوة بهم وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلا قال له أريد الحج على التوكل فقال له فأخرج في غير القافلة قال لا قال فعلى جراب الناس توكلت. أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر الناجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله فقال هذا قول رديء أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ثم قال إذا قال لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عمل وأكتسب لأي شيء يقبله من غيره قال الخلال وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عن قوم يقولون نتوكل على الله ولا نكتسب فقال ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب هذا قول انسان أحمق. قال الخلال وأخبرني محمد بن علي قال ثنا صالح أنه سأل أباه يعني أحمد ابن حنبل عن التوكل فقال التوكل حسن ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل قال وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال هؤلاء مبتدعون قال الخلال وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله أن ابن عيينة كان يقول هم مبتدعة فقال أبو عبد الله هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا وقال الخلال وأخبرنا المروزي قال سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال اجلس واصبر واقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحدا فقال لو خرج فاحترف كان أحب إلي فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا قلت إلى أي شيء يخرجه قال يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه قال الخلال وحدثنا أبو بكر المروزي قال سمعت

стр. 284

رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إني في كفاية قال الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك وقال لرجل آخر اعمل وتصدق بالفضل على قرابتك وقال أحمد بن حنبل قد أمرتهم يعني أولاده أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة. قال الخلال وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدثهم قال سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول ما أحسن الاستغناء عن الناس وقال الخلال وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال سمعت أبا بكر بن جناد يقول الجصاصي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول أحب الدراهم إلي درهم من تجارة وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان. قال المصنف ﵀: قلت وكان إبراهيم بن أدهم يحصد وسلمان الخواص يلقط وحذيفة المرعشي يضرب اللبن وقال ابن عقيل التسبب لا يقدح في التوكل لأن تعاطى رتبة ترقى على رتبة الأنبياء نقص في الدين ولما قيل لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين وقال الله تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ وهذا لأن الحركة استعمال بنعمة الله وهي القوى فاستعمل ما عندك ثم أطلب ما عنده وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فإذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين فقيل له لو بعت عقارك قال كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس وإنما يفعل هذه الحماقات العادات وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له فكانوا بين أمرين قبيحين إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم أنه متوكل فيحن عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة وإلا فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهرة الذي أودعه الله إيثارا للكسل أو لاسم يتزين به بين الجهال فإن الله تعالى قد يحرم الإنسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه. فصل: وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة منا أنهم قالوا لا بد من أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة

стр. 285

وقال لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار قلنا له هذا يرد الأوامر كلها ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول ما فعلت إلا ما قضى علي ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر ومنها أنهم يقولون أين الحلال حتى نطلب وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين" ومعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل ومنها أنهم قالوا إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن جهضم نا علي بن محمد السيرواني قال سمعت إبراهيم الخواص يقول طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على الماء فألقيت الشص فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة فأنا اطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا وسمعت قائلا يقول أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله قال فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري ثنا أبي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال سمعت إبراهيم الخواص يقول طلبت فقصدت الخ ما تقدم. قال المصنف ﵀: قلت وهذه القصة إن صحت فإن في الروايتين بعض من يتهم فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعال أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه وكيف يقال له تعمد إلى من يذكرنا فتقتله وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان لأنه لا يقيمها إلا اللحم فالتحري من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك قال سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول قيل لفتح الموصلي أنت صياد بالشبكة ولم تصد شيئا إلا وتطعمه
следующие страницы →