بأخذ العدة قبل السفر فأخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال سمعنا أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت الفرغاني يقول كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت من كل شيء فقال مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا اقدموا من السفر.
قال المصنف ﵀: من مذهب القوم أن المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة لم يسلم عليهم حتى يدخل الميضة فإذا توضأ جاء وصلى ركعتين ثم سلم على الشيخ ثم سلم على الجماعة وهذا ما أبتدعه متأخرهم على خلاف الشريعة لأن فقهاء الإسلام أجمعوا على أن من دخل على قوم سن له أن يسلم عليهم سواء كان على طهارة أو لم يكن إلا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال فإنه إذا قيل للطفل لم لا تسلم علينا قال ما غسلت وجهي بعد أو لعل الأطفال علموه من هؤلاء المبتدعين أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" أخرجاه في الصحيحين ومن مذهب القوم تغميز القادم من السفر مساء أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد عن أبيه قال باب السنة في تغميزهم القادم من السفر أول ليلة لتعبه واحتج بحديث عمر ﵁ دخلت على النبي ﷺ وغلام له حبشي يغمز ظهره فقلت ما شأنك يا رسول الله قال: "إن الناقة قد اقتحمتني".
قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني إلى فقه هذا المحتج فإنه كان ينبغي أن يقول باب السنة في تغميز من رمت به ناقته وتكون السنة تغميز الظهر لا القدم
стр. 317
ومن أين له أنه كان في سفر وأنه غمز أول ليلة ثم يجعل تغميز النبي ﷺ كما اتفق لأجل ألم ظهره سنة لقد كان ترك استخراج
هذا الفقه الدقيق أحسن من ذكره ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم قال ابن طاهر باب اتخاذهم العتيرة (١) للقادم واحتج بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سافر سفرا فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى رده أن تضرب في بيت عائشة ﵂ بدف فلما رجع فقال النبي ﷺ : "إن كنت نذرت فأضربي".
قال المصنف ﵀ قد بينا أن الدف مباح ولما نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي فكيف يحتج بهذا على الغناء والرقص عند قدوم المسافر.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت.
له في ذلك تلبيسان الأول أنهم يقولون لا يبكي على هالك ومن بكى على هالك خرج عن طريق أهل المعارف قال ابن عقيل وهذه دعوى تزيد على الشرع فهي حديث خرافة وتخرج عن العادات والطباع فهي انحراف عن المزاج المعتدل فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج فإن الله تعالى أخبر عن نبي كريم فقال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وبكى رسول الله ﷺ عند موت ولده وقال: "إن العين لتدمع" وقال: "واكرباه" وقالت فاطمة ﵂ وأكرب أبتاه فلم ينكر وسمع عمر بن الخطاب ﵁ متمما يندب أخاه ويقول:
وكنا كندماني جزيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فقال عمر ﵁ ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا فقال متمم لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته وكان مالك مات على الكفر وزيد قتل شهيدا فقال عمر ما عزائي أحد في أخي كمثل تعزيتك ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد
стр. 318
تحن إلى مآلفها من الأعطان والأشخاص وترغو للفصلان وحمام الطير ترجع وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع ومن لم تحركه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إلى الجماد به أقرب وقد أبان النبي عليه الصلاة السلام عن العيب في الخروج عن سمت الطبع فقال للذي قال لم أقبل أحدا من ولدي وكان له عشرة من الولد فقال أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك وجعل يلتفت
إلى مكة لما خرج فالمطالب لما يخرج عن الشرائع وينبو عن الطباع جاهل يطالب بجهل وقد قنع الشرع منا أن لا نلطم خذا ولا نشق جيبا فأما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك التلبيس الثاني أنهم يعملون عند موت الميت دعوة ويسمونها عرسا ويغنون فيها ويرقصون ويلعبون ويقولون نفرح للميت إذ وصل إلى ربه والتلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه أحدها أن المسنون أن يتخذ لأهل الميت طعاما لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم وليس من السنة أن يتخذه أهل الميت ويطعمونه إلى غيرهم والأصل في اتخاذ الطعام لأجل الميت ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قال أخبرنا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال لما جاء نعي جعفر فقال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح والثاني أنهم يفرحون للميت ويقولون وصل إلى ربه ولا وجه للفرح لأنا لا نتيقن أنه غفر له وما يؤمنا أن نفرح له وهو في المعذبين وقد قال عمر بن زر لما مات ابنه لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن عين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو اليماني نا شعيب عن الزهري ثني خارجة بن زيد الأنصاري عن أم العلاء قالت لما مات عثمان بن مظعون دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال النبي ﷺ : "وما يدريك أن الله أكرمه" والثالث أنهم يرقصون ويلعبون في تلك الدعوة فيخرجون بهذا عن الطباع السليمة التي يؤثر عندها الفراق ثم إن كان ميتهم قد غفر له فما الرقص واللعب بشكرهم وإن كان معذبا فأين أثر الحزن.
стр. 319
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم.
قال المصنف ﵀: اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم لأن العلم نور فإذا أطفا مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء وقد دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف فحسن عندهم الراحة فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا أبو حامد بن حيان ثنا أبو الحسن البغدادي ثنا ابن صاعد قال سمعت الشافعي ﵁ يقول أسس التصوف على الكسل وبيان ما قاله
الشافعي أن مقصود النفس أما الولايات وأما استجلاب الدنيا بالعلوم يطول ويتعب البدن وهل يحصل المقصود أو لا يحصل والصوفية قد تعجلوا الولايات فإنهم يرون بعين الزهد واستجلاب الدنيا فإنها اليهم سريعة.
أخبرنا عبد الحق نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الطناجيري ثنا أبو حفص بن شاهين قال ومن الصوفية من ذم العلماء ورأى أن الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا إن علومنا بلا واسطة وإنما رأوا بعد الطريق في طلب العلم فقصروا الثياب ورقعوا الجباب وحملوا الركاء وأظهروا الزهد.
والثاني أنه قنع قوم منهم باليسير منه ففاتهم الفضل الكثير في كثرته فاقتنعوا بأطراف الأحاديث وأوهمهم أن علو الإسناد والجلوس للحديث كله رياسة ودنيا وان للنفس في ذلك لذة وكشف هذا التلبيس أنه ما من مقام عال إلا وله فضيلة وفيه مخاطرة فإن الإمارة والقضاء والفتوى كله مخاطرة وللنفس فيه لذة ولكن فضيلة عظيمة كالشوك في جوار الورد فينبغي أن تطلب الفضائل ويتقي ما في ضمنها من الآفات فأما ما في الطبع من حب الرياسة فإنه إنما وضع لتجتلب هذه الفضيلة كما وضع حب النكاح ليحصل الولد وبالعلم يتقوم قصد العلم كما قال يزيد بن هرون طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله ومعناه أنه دلنا على الإخلاص ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه والثالث أنه أوهم قوما منهم أن المقصود العمل وما
стр. 320
فهموا أن التشاغل بالعلم من أوفى الأعمال ثم أن العالم وأن قصر سير عمله فإنه على الجادة والعابد بغير علم على غير الطريق والرابع أنه أرى خلقا كثيرا منهم أن العالم ما اكتسب من البواطن حتى أن أحدهم يتخايل له وسوسة فيقول حدثني قلبي عن ربي وكان الشبلي يقول:
إذا طالبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر وسموا هواجس النفوس العلم الباطن واحتجوا له بما أخبرنا به عبد الحق بن عبد الخالق نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين ثنا علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكري ثني دارم بن قبيصة بن بهشل الصنعاني قال سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي قال سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين عن يحيى بن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الحسن بن علي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي ﷺ أنه قال: "علم الباطن سر من سر الله وحكم من أحكام الله تعالى يقذفه الله في قلوب من يشاء من أوليائه".
قال المصنف ﵀: قلت وهذا حديث لا أصل له عن النبي ﷺ وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن ثنا علي بن جعفر عن أبي موسى قال كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية فقصد أبا يزيد وقال له قد حكى لي عنك عجايب فقال أبو يزيد وما لم تسمع من عجايبي أكثر فقال له علمك هذا يا أبا يزيد عن من ومن ومن من فقال أبو يزيد علمي من عطاء الله تعالى ومن حيث قال ﷺ : "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم" ومن حيث قال ﷺ : "العلم علمان علم ظاهر وهو حجة الله تعالى على خلقه وعلم باطن وهو العلم النافع" وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التعليم وعلمي من الله إلهام من عنده فقال له الشيخ علمي عن الثقات عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه فقال
стр. 321
له أبو يزيد يا شيخ كان للنبي ﷺ علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل قال نعم ولكن أريد أن يصح لي علمك الذي تقول هو من عند الله قال نعم أبينه لك قدر ما يستقر في قلبك معرفته ثم قال يا شيخ علمت أن الله تعالى كلم موسى تكليما وكلم محمدا ﷺ ورآه كفاحا وأن حلم الأنبياء وحي قال نعم قال أما علمت أن كلام الصديقين والأولياء بالهام منه وفوائده من من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الأمة ومما يؤكد ما قلت ما ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقي موسى في التابوت فألقته وألهم الخضر في السفينة والغلام والحائط قوله موسى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وكما قال أبو بكر لعائشة ﵄ إن ابنة خارجة حاملة ببنت وألهم عمر ﵁ فنادى يا سارية الجبل أنبأنا ابن ناصر أنبأنا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت إبراهيم سبتية يقول حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير وفلان لقي فلانا فقال أبو يزيد مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
قال المصنف ﵀: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلة العلم إذ لو كان عالما لعلم أن الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه ولا ينكر أن الله يلهم الإنسان الشيء كما قال النبي ﷺ : "إن في الأمم محدثين وإن يكن في أمتي فعمر" والمراد بالتحديث إلهام الخير إلا أن الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه وأما الخضر فقد قيل أنه نبي ولا ينكر للأنبياء الإطلاع بالوحي على العواقب وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة لعلم والتقوى.
فيوفق صاحبهما للخير ويلهم الرشد فأما أن يترك العلم ويقول أنه يعتمد على الإلهام والخواطر فليس هذا بشيء إذ لولا العلم النقلي ما عرفنا ما يقع في النفس أمن الإلهام للخير أو الوسوسة من الشيطان واعلم أن العلم الإلهامي الملقى في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية فإن العقلية كالأغذية والشرعية كالأدوية ولا ينوب هذا عن هذا وأما قوله أخذوا علمهم ميتا عن ميت أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول وإلا فهذا طعن على الشريعة
стр. 322
أنبأنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو حفص بن شاهين قال من الصوفية من رأى الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا نحن علومنا بلا واسطة قال وما كان المتقدمون في التصوف إلا رؤسا في القرآن والفقه والحديث والتفسير ولكن هؤلاء أحبوا البطالة وقال أبو حامد الطوسي اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الالهيه دون التعليمية ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون بل قالوا الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم ويخلو نفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة قرآن ولا بالتأمل في نفسه ولا يكتب حديثا ولا غيره ولا يزال يقول الله الله الله إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللسان ثم يمحي عن القلب صورة اللفظ.
قال المصنف ﵀: قلت عزيز علي أن يصدر هذا الكلام من فقيه فإنه لا يخفى قبحه إنه على الحقيقة طي لبساط الشريعة التي حثت على تلاوة القرآن وطلب العلم وعلى هذا المذهب فقد رأيت الفضلاء من علماء الأمصار فإنهم ما سلكوا هذه الطريق وإنما تشاغلوا بالعلم أولا وعلى ما قد رتب أبو حامد تخلو النفس بوساوسها وخيالاتها ولا يكون عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب فيريها الوسوسة محادثة ومناجاة ولا ننكر أنه إذا طهر القلب انصبت عليه أنوار الهدى فينظر بنور الله إلا أنه ينبغي أن يكون تطهيره بمقتضى العلم لا بما ينافيه فإن الجوع الشديد والسهر وتضييع الزمان في التخيلات أمور ينهي الشرع عنها فلا يستفاد من صاحب الشرع شيء ينسب (١) إلى ما نهى عنه كما لا تستباح الرخص في سفر قد نهى عنه ثم لا تنافي بين العلم والرياضة بل العلم يعلم كيفية الرياضة ويعين على تصحيحها وإنما تلاعب
الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهي عنه العلم والعلم بعيد عنهم فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان أنبأنا ابن ناصر عن أبي علي
стр. 323
بن البنا قال كان عندنا بسوق السلاح رجل كان يقول القرآن حجاب والرسول حجاب ليس إلا عبد رب فافتتن جماعة به فأهملوا العبادات واختفى مخافة القتل أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الجبائي ثنا أحمد بن سليمان النجاد ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا هشام بن يونس ثنا المحاربي عن بكر بن حنش عن ضرار بن عمرو قال إن قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه وخالفوا السنة فهلكوا فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
فصل: وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة وهذا جهل من قائله لأن الشريعة كلها حقائق فإن كانوا يريدون بذلك الرخصة والعزيمة فكلاهما شريعة وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع وعن أبي الحسن غلام شعوانه بالبصرة يقول سمعت أبا الحسن بن سالم يقول جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وبيده محبرة وكتاب فقال لسهل جئت أن أكتب شيئا ينفعني الله به فقال اكتب إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فأفعل قال يا أبا محمد أفدني فائدة فقال الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما والعلم كله حجة إلا ما كان عملا والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتب والسنة وتقوم السنة علىالتقوى وعن سهل بن عبد الله أنه قال احفظوا السواد على البياض فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق وعن سهل بن عبد الله أنه قال ما من طريق إلى الله أفضل من العلم فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا وعن أبي بكر الدقاق قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول كل باطن يخالف ظاهرا فهو باطل وعن أبي بكر الدقاق أنه قال كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر.
قال المصنف ﵀: وقد نبه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء فقال من قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب
стр. 324
منه إلى الإيمان وقال ابن عقيل جعلت الصوفية الشريعة اسما وقالوا المراد منها الحقيقة قال وهذا قبيح لأن الشريعة وضعها
الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع.
ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء.
قال المصنف ﵀: قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس وقال ما المقصود إلا العمل ودفنوا كتبهم فقد روى أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر وقال نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها وقال يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي فلما أهتديت بك أستغنيت عنك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا الحسن غلام شعوانه بالبصرة يقول سمعت أبا الحسن بن سالم عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو الحسين بن الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث وانه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب ولقد أخبرت انه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة فأول ما سمع على أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي قال سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول سمعت أبا طاهر الجنايدي يقول لقد كان موسى بن هرون يقرأ علينا فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول لقد أديته.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن جميع ذلك وأنفقها على الفقراء قال فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال أحرمت وأنا غلام حدث وخرجت إلى مكة على الوحدة حين لم يبق لي شيء أرجع أليه وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة
стр. 325
والتقطع في الأسفار والخروج عن ملكي أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا إسماعيل الحيري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق
جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ وقرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه.
قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور وأن إبليس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايده حسن له دفن الكتب وإتلافها وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها وكانوا يكتبونها فيء العسب والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صوتا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن وقال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن" فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة فروي عن أبي هريرة ﵁ أنه شكى إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال: "ابسط دراءك" فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال: "ضمه إليك" فقال أبو هريرة فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ وفي رواية أنه قال: "استعن على حفظك بيمينك" يعني بالكتابة وروى عنه ﷺ عبد الله بن عمرو أنه قال: "قيدوا العلم" فقلت يا رسول الله وما تقييده قال: "الكتابة" وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال: "اكتبوا ولا حرج".
قال المصنف ﵀: واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله ﷺ وحركاته وأفعاله واجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا وقد قال رسول الله ﷺ : "بلغو عني" وقال: "نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها"
стр. 326
وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان وقد كان أحمد بن حنبل ﵁ يحدث بالحديث فيقال له أمله علينا فيقول لا بل من الكتاب وقد قال علي بن المديني أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب فإذا كانت الصحابة قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة من ههنا وكلمة من هنا وصححوا ما صح وزيفوا ما لم يصح وجرحوا الرواة وعدلوا وهذبوا السنن وصنفوا ثم من يغسل ذلك فيضيع التعب ولا يعرف
حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الأمة وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث أنه قال لأبنه ما كتبت عن فلان فذكر له أن النبي ﵊ كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى فقال الأمام أحمد بن حنبل إنا لله سنة من سنن رسول الله ﷺ لم تبلغني وهذا قوله مع إكثاره وجمعه فكيف بمن لم يكتب واذا كتب غسل أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت على ما يعتمد في الفتاوى والحوادث على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
فصل: قال المصنف ﵀: ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده فإن قال تشغلني عن العبادة قيل له جوابك من ثلاثة أوجه أحدها أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات والثاني أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء وجلاءها النظر في كتب العلم وقد
стр. 327
كان يوسف بن أسباط دفن كتبه ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط والثالث أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب فهلا وهبتها لمبتدئ من الطلاب ممن لم يصل إلى مقامك أو وقفتها على المنتفعين بها أو بعتها وتصدقت بثمنها أما أتلافها فلا يحل بحال وقد روى المرزوي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن رجل أوصى أن تدفن كتبه فقال ما يعجبني أن يدفن العلم وأنبأنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت نا عبيد الله بن عبد العزيز البرداعي نا محمد بن عبد الله السحير ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النحاس قال سمعت المروزي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول لا أعرف لدفن الكتب معنى.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم من تشاغل بالعلم.
قال المصنف ﵀: لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم وبين ظان أن العلم
هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد وسموا ذلك العلم العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي نا علي بن أبي علي البصري ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال سمعت جعفر الخلدي يقول لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا حدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال إيش هذا معك فأريته إياه فقال ويحك تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس.
قال المصنف ﵀: وبلغني عن أبي سعيد الكندي قال كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون فسقطت الدواة يوما من كمي فقال لي بعض الصوفية أستر عورتك.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر
стр. 328
الخطيب نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد الصفار قال كان بيدي محبرة فقال لي الشبلي غيب سوادك عني يكفيني سواد قلبي.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت عبد الله العزال المذكر قال سمعت علي بن مهدي يقول وقفت ببغداد على حلقة الشبلي فنظر إلي ومعي محبرة فأنشأ يقول:
تسربلت للحرب ثوب الغرق … وجبت البلاد لوجد القلق
ففيك هتكت قناع الغوى (١) … وعنك نطقت لدى من نطق
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
قال المصنف ﵀: قلت من أكبر المعاندة لله الصد عن سبيل الله وأوضح سبيل الله العلم لأنه دليل على الله وبيان لأحكام الله وشرعه وإيضاح لما يحبه ويكرهه فالمنع منه
معاداة لله ولشرعه ولكن الناهين عن ذلك ما تفطنوا لما فعلوا أخبرنا ابن حبيب قال نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول اشتغلوا بتعلم العلم ولا يغرنكم كلام الصوفية فاني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعتي والكاغد في حزة سراويلي وكنت أذهب خفية إلى أهل العلم فإذا علموا بي خاصموني وقالوا لا تفلح ثم احتاجوا إلي بعد ذلك وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول هذه سرج الإسلام وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنه فقال له رجل إلى متى با أبا عبد الله فقال المحبرة إلى المقبرة وقال في قوله ﵊: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" فقال أحمد إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم وقال أيضا إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون وقيل له أن رجلا قال في أصحاب الحديث أنهم كانوا قوم سوء فقال أحمد هو زنديق وقد قال الإمام الشافعي ﵀ إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ وقال يوسف بن أسباط
стр. 329
بطلبة الحديث يدفع الله البلاء عن أهل الأرض.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن علي ثنا ابن جهضم ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال رأيت كأن القيامة قد قامت والخلق مجتمعون إذا نادى مناد الصلاة جامعة فاصطف الناس صفوفا فأتاني ملك فتأملته فإذا بين عينيه مكتوب جبريل أمين الله فقلت أين النبي ﷺ فقال مشغول بنصب الموائد لإخوانه الصوفية فقلت وأنا من الصوفية فقيل نعم ولكن شغلك كثرة الحديث.
قال المصنف ﵀: معاذ الله أن ينكر جبريل التشاغل بالعلم وفي إسناد هذه الحكاية ابن جهضم وكان كذابا ولعلها عمله وأما ابن مسروق فأخبرني القزاز نا أبو بكر الخطيب حدثني علي بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف قال سمعت الدارقطني يقول أبو العباس بن مسروق ليس بالقوي يأتي بالمعضلات.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم.
قال المصنف ﵀: اعلم أن هؤلاء القوم لما تركوا العلم وانفردوا بالرياضيات على مقتضى آرائهم لم يصبروا عن الكلام في العلوم فتكلموا بواقعاتهم فوقعت الأغاليط القبيحة منهم فتارة يتكلمون في تفسير القرآن وتارة في الحديث وتارة في الفقه وغير ذلك ويسوقون العلوم إلى
مقتضى علمهم الذي انفردوا به والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه يردون على المتخرصين ويبينون غلط الغالطين.
ذكر نبذة من كلامهم في القرآن.
أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان البجلي قال سمعت جعفر بن محمد الخلدي قال
стр. 330
حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله كيسان عن قوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ فقال الجنيد لا تنسى العمل به وسأله عن قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ فقال له الجنيد تركوا العملبه فقال لا يفضض الله فاك قلت أما قوله لا تنس العمل به فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك إنما هو خبلا لا نهي وتقديره فما تنس إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء وكذلك قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله : ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد ثنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب فقال لمن كان لله قلبه وأخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن الجهم جهضم ثنا محمد بن جرير قال سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال نجيناك من الغم بقومك وفتناك بنا عن من سونا.
قال المصنف ﵀: وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه وجعل محبته تفتن غاية في القباحة أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي الحافظ نا أبو حازم عمر بن إبراهيم العبدري قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فقال الروح النظر إلى وجه الله والريحان الاستماع لكلامه وجنة نعيم هو أن لا يحجب فيها عن الله قلت هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فقال في فاتحة الكتاب عنهم انهم قالوا إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد.
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست
стр. 331
من أول ما نزل وقال في قول الإنسان آمين أي قاصدون نحوك.
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من أم لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة وقال في قوله وإن يأتوكم أسارى قال قال أبو عثمان غرقى في الذنوب وقال الواسطي غرقى في رؤية أفعالهم وقال الجنيد أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق قلت وإنما الآية على وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قلبتموهم وهؤلاء قد فسروها على ما يوجب المدح وقال محمد بن علي ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من توبتهم وقال النووي: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقبضك بإياه ويبسطك لإياه وقال في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الحبر ومعناه الأمر وتقديرها من دخل الحرم فأمنوه وهؤلاء قد فسروها على الخبر ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس وذكر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال أبو تراب هي الدعاوي الفاسدة: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال سهل هو القلب ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ النفس ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الجوارح وقال في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال أبو بكر الوراق الهمان لها ويوسف ما هم بها قلت هذا خلاف لصريح القرآن وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ قال محمد بن علي ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة وقال الزنجاني الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ قال الحسين لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال أو للحدث اقتران مع القدم. قال المصنف ﵀ ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذلك وقال في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا قلت وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب
стр. 332
وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال للصوفية استنباط منها قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال الواسطي معناه لا أرى نفسي وقال الشبلي لو اطلعت على الكل مما سوانا
لوليت منهم فرارا إلينا قلت هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله عزوجل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال إنما عنى الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام وإنما عنى بعبادته حبه والاغترار به.
قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين وقد قال شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ ومعلوم أن العرب أولاده وقد عبد أكثرهم الأصنام.
أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين قال وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز فقالت في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فقال هم لآيات لي فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهذا تبديل للقرآن وقالوا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قالوا ولي سليمان. وأخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال قال أبو حمزة الخراساني قد يقطع بأقوام في الجنة فيقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه.
قال المصنف ﵀: أنظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المغنم به مكرا وإضافة المكر بهذا إلى الله وعلى مقتضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله فما أجرأ هذا القائل على مثل هذه الألفاظ القباح وهل يجوز أن يوصف الله بالمكر على
стр. 333
ما نعقله من معنى المكر وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين وإني لأتعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا حدثنا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الحربي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا بشر بن الوليد ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" أخبرنا هبة الله بن محمد
نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".
قال المصنف ﵀: وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر إني لأقشعر من ذكرها لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله ابن باكويه قال أخبرنا أبو عبد الله بن خفيف قال سمعت رويما يقول اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ فقالوا ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا فقالوا نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم فتكلم كل واحد من حيث هو وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته فقام وخرج إلى صحن الدار فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق مكتوب فأخذه وحمله اليهم وقال يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم أنظروا ما في هذه الرسالة فإذا فيها مكتوب مكار مكار وكلكم تدعون حبه وأحرم البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم.
قال المصنف ﵀: قلت هذه بعيدة الصحة وابن خفيف لا يوثق به وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر فأما أن يقال عنه مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة.
وقد أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت رويما يقول إن الله غيب أشياء في أشياء
стр. 334
مكره في علمه وغيب خداعه في لطفه وغيب عقوباته في باب كراماته قلت وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت خالي يقول قال الحسن بن علويه خرج أبو يزيد لزيارة أخ له فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر فقال سيدي إيش هذا المكر الخفي وعزتك ما عبدتك لهذا ثم رجع ولم يعبر قال السهلكي وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكر أن أبا يزيد قال من عرف الله صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا.
قلت وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم وكل هذا منبعه من قلة العلم وسوء الفهم أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو الفرج الورياني ثنا
أحمد بن الحسن بن محمد ثني محمد بن جعفر الوراق ثنا أحمد بن العباس المهلبي قال سمعت طيفور وهو أبو يزيد يقول العارفون في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا فقيل له كيف ذلك قال إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا قال وقال أبو يزيد في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق فأنت أبدا عبد السوق.
قال المصنف ﵀: تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله قبيح وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة ومن أين له أن من أختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله ﵎ ولا يراه أبدا نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي فمن اين له علمها وكيف يكون كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب جمعني الله وأياك في سوق الجنة أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط وليعلم أن
стр. 335
الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لأنها ثمرات علمه ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه ورأيت بخط ابن عقيل جاز أبو يزيد على مقابر اليهود فقال ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام جرت عليهم القضايا أعف عنهم.
قال المصنف ﵀: وهذا قلة علم وهو أن قوله كف عظام احتقار للآدمي فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام وقوله جرت عليهم القضايا فكذلك جرى على فرعون وقوله أعف عنهم جهل بالشريعة لأن الله أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا فلوا قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه ومحمد ﷺ في أمه فنعوذ بالله من قلة العلم. أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قورى الحوبياني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج قال كان ابن سالم يقول عبر أبو يزيد على مقبرة اليهود فقال معذورين ومر بقبر المسلمين فقال مغرورين.
قال المصنف ﵀: وفسره السراج فقال كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة من غير فعل كان موجودا في الأزل وأن الله جعل نصيبهم السخط فذلك عذر.
قال المصنف ﵀: وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره ومن كلامهم في الحديث وغيره أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن جنبل قال جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول فلان ضعيف وفلان ثقة فقال أبو تراب يا شيخ لا تغتب العلماء فالتفت أبي إليه وقال له ويحك هذه نصيحة ليست هذه غيبة أنبأنا يحيى بن علي المدبر نا أحمد بن علي بن ثابت نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل فقال أظهر
стр. 336
أحوال العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة فقال له يوسف بن الحسين استحييت إليك يا أبا محمد كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض فبكى عبد الرحمن وقال يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه قلت عفا الله عن أبي حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم وتسمية ذلك غيبة حديث سوء ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه قال سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله قلت هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم.
أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون نا أحمد بن الحسن الشاهد قال قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع أبا بكر الديف الصوفي وقال سمعت الشبلي وقد سأله شاب يا أبا بكر لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال الشبلي استحي أن أوجه إثباتا بعد نفي فقال الشاب أريد حجة أقوى من هذه فقال أخشى أني أؤخذ في كلمة الوجود ولا أصل إلى كلمة الإقرار.
قال المصنف ﵀: أنظروا إلى هذا العلم الدقيق فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وكان يقول إذا قام لصلاة الليل لا إله إلا أنت وذكر الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله فأنظروا إلى هذا التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله ﷺ .
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل نا سهل بن
стр. 337
على الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن فقال طعنه سم الموت وسمع نباح كلب فقال لبيك وسعديك فقيل له في ذلك فقال إن المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجرة ولولاها ما أذن فلذلك قلت طعنة سم الموت والكلب يذكر الله بلا رياء فإنه قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو يعقوب الخراط نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه قال فقلت له نح يدك عن لحية الله فرفع ذلك إلى الخليفة فطلبت وأخذت فلما دخلت عليه قال بلغني أنه نبح كلب فقلت لبيك ونادى المؤذن فقلت طعنه قال نعم قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فقلت لبيك لأنه ذكر الله فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى قال وقولك للرجل نح يدك عن لحية الله قلت نعم أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له قلت عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات.
أخبرنا ابن حبيب قال ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة فقال ويحك ما عرف الله من قال الله والله لو عرفوه ما قالوه قال ابن باكويه وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البراداني يقول سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله ما اسمك قال آدم قال ويلك أتدري ما صنع آدم باع ربه بلقمة ثم كان يقول سبحان من عذرني بالسوداء قال ابن باكويه وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة فقال بع مالك واقض دينك وطلق امرأتك ففعل فقال أيتم أولادك بأن تؤيسهم من التعلق بك فقال قد فعلت فجاء بكسر قد جمعها فقال اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم.
стр. 338
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت بعض الفقراء يقول سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال أخبرنا أحمد بن محمد الحلفاي قال رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر فقال له يا غلام ألا تغطي عورتك فقال له اسكت يا بطال إن كنت على
الحق فلا تشهد إلا الحق وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل لأن الحق مشتغل بالحق والباطل مشتغل بالباطل.
أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه قال حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية قال وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال أن عددهم ألوف فاستعدت الصوفية على زوجها إلى القاضي فلما حضرا قالت له أيها القاضي إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك فإن رأيت أن تمنعه قال فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب وحنق على مذاهب الصوفية ثم قال لها وكيف ليس له ذلك قالتلأنه تزوج بي ومعناه قائم بي والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه مني فقال لي أبو سعيد كيف ترى هذا الفقه ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الأحياء أن بعضهم قال للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام.
قلت فاظهروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة أن ظاهرها يخالف باطنها قال أبو حامد ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له لو سألت الله أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما يقضي أشد على من ذهاب ولدي.
قلت طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض وقال أحمد
стр. 339
الغزالي دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي فقال له أريد أن أسلم على يديك فقال لا ترد فاجتمع الناس وقالوا يا شيخ تمنعه من الإسلام فقال له تريد بلا بد قال نعم قال له برئت من نفسك ومالك قال نعم قال هذا الإسلام عندي احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد يعلم لالا المنافقين يعني لا إله إلا الله قلت وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح.
ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام ما أخبرنا به أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسر خسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسر خس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده فقال لهما حفص أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الحج وإذا اسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب فانصرفا فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك فلما قدم أسلم الحسن قلت وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن ولا يجوز تأخير ذلك لحظة وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع لمع المتصوفة قال كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له إذا أردت أن تشتكي فقل أوه فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن ولا تقل افرج فإنه اسم من أسماء الشيطان فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول سمعت علي بن محمد المصري يقول سمعت أيوب بن سليمان يقول سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول سمعت أبي يقول صحبت الصوفية
стр. 340
عشر سنين ما استفدت منه إلا هذين الحرفين الوقت سيف وأفضل العصمة أن لا تقدر.
ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى.
قال المصنف ﵀: اعلم أن السلم يورث الخوف واحتقار النفس وطول الصمت وإذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم والدعاوى بعيدة عنهم كما قال أبو بكر ليتني كنت شعره في صدر مؤمن وقال عمر عند موته الويل لعمر إن لم يغفر له وقال ابن مسعود ليتني إذا مت لا أبعث وقالت عائشة ﵂ ليتني كنت نسيا منسيا وقال سفيان الثوري لحماد بن سلمة عند الموت ترجو أن يغفر لمثلي.
قال المصنف ﵀: وإنما صدر مثل هذا عن هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله وقوة العلم
به تورث الخوف والخشية قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال ﷺ : "أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية" ولما بعد عن العلم أقوام من الصوفية لاحظوا أعمالهم واتفق لبعضهم من اللطف ما يشبه الكرامات فانبسطوا بالدعاوى.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو بكر عمر بن يمن ثنا أبو عمر الرهاوي ثنا أحمد بن محمد الجزري قال سمعت أبا موسى الدئيلي يقول سمعت أبا يزيد البسطامي يقول وددت أن قد قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم فسأله رجل ولم ذاك يا أبا يزيد فقال إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه ناابراهيم بن محمد ني حسن بن علوية ني طيفور بن عيسى ني أبو موسى الشبلي قال سمعت أبا يزيد يقول إذا كان يوم القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فاسأله أن يدخلني النار فقيل له لم قال حتى تعلم الخلائق أن بره ولطفه في النار مع أوليائه.
стр. 341
قال المصنف ﵀: هذا الكلام من أقبح الأقوال لأنه يتضمن تحقير ما عظم الله أمره من النار فإنه بالغ في وصفها فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ إلى غير ذلك من الآيات وقد أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن أعين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسماعيل ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم" قالوا له الصحابة والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها" أخرجاه في الصحيحين وفي أفراد مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا أبو علي التميمي نا أبو بكر بن مالة ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي بهز بن أسد ثنا جعفر بن سليمان ثنا علي بن زيد عن مطرف عن كعب قال قال عمر بن الخطاب يا كعب خوفنا فقال يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما ترى فأطرق عمر ﵁ مليا ثم أفاق قال زدنا يا كعب قلت يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها فأطرق عمر مليا ثم أفاق فقال زدنا يا
كعب قلت يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا على ركبتيه ويقول رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم غير نفسي أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي ثنا إبراهيم بن عبد الله الجنيد ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال سمعت كعب الأحبار يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوف فيقول يا جبرائيل ائتني بجهنم فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي
стр. 342
مرسل إلا جثى على ركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول فيفزع كل أمرئ إلى عمله حتى أن إبراهيم الخليل يقول بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي وإن عيسى ليقول بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني قلت وقد روينا أن النبي ﷺ قال: "يا جبرائيل ما لي أرى ميكائيل لا يضحك" فقال ما ضحك ميكائيل مذ خلقت النار وما جفت لي عين مذ خلقت جهنم مخافة أن أعصى الله فيجعلني فيها وبكى عبد الله بن رواحة يوما فقالت امرأته ما لك تبكي قال أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر.
قال المصنف ﵀: فإذا كانت هذه حالة الملائكة والأنبياء والصحابة وهم المطهرون من الأدناس وهذا انزعاجهم لأجل النار فكيف هانت عند هذا المدعى ثم انه يقطع لنفسه بما لا يدري به من الولاية والنجاة وهل قطع بالنجاة إلا لقوم مخصوصين من الصحابة وقد قال ﷺ : "من قال إني في الجنة فهو في النار" وهذا محمد بن واسع يقول عند موته يا أخوتاه أتدرون أين يذهب بي يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني قلت وهذا إن صح عن هذا المدعى فهذا غاية من تلبيس إبليس وقد كان ابن عقيل يقول قد حكى عن أبي يزيد أنه قال وما النار والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي أو نحو هذا قال ومن قال هذا كائن من كان فهو زنديق يجب قتله فإن الأهوان للشيء ثمرة الجحد لأن من يؤمن بالجن يقشعر في الظلمة ومن لا يؤمن لا ينزعج وربما قال يا جن خذوني ومثل هذا القائل ينبغي أن يقرب إلى وجهه شمعة فإذا انزعج قيل له هذه جذوة من نار أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت طيفور الصغير يقول سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول سمعت أبا يزيد يقول
سبحاني سبحاني ما أعظم شأني ثم قال حسبي من نفسي حسبي قلت هذا إن صح عنه فربما يكون الراوي لم يفهم لأنه يحتمل أن يكون قد ذكر تمجيد الحق نفسه فقال فيه سبحاني حكاية عن الله لا عن نفسه وقد تأوله له الجنيد بشيء إن لم يرجع إلى ما قلته فليس بشيء فأنبأنا ابن ناصر نا السهلكي نا محمد بن القاسم الفارسي
стр. 343
سمعت الحسن بن علي المذكر سمعت جعفر الخلدي يقول قيل للجنيد إن أبا يزيد يقول سبحاني سبحاني أنا ربي الأعلى فقال الجنيد إن الرجل مستهلك في شهود الجلال فنطق بما استهلكه أذهله الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق فنعته قلت وهذا من الخرافات أنبأنا عبد الأول نا أحمد بن أبي نصر الكوفاني نا الحسن بن محمد بن فوزي نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أحمد بن سالم البصري بالبصرة يقول في مجلسه يوما فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد لأن فرعون قال أنا ربكم الأعلى والرب يسمى به المخلوق يقال رب الدار وقال أبو يزيد سبحاني سبحاني لا يجوز إلا الله فقلت قد صح عنك هذا عن أبي يزيد فقال قد قال ذلك فقلت يحتمل أن يكون لهذا الكلام مقدمات يحكى بأن الله يقول سبحاني لأنا لو سمعنا رجلا يقول لا إله إلا أنا علمنا أنه يقرأ وقد سألت جماعة من أهل بسطام من بيت أبي يزيد عن هذا فقالوا لا نعرف هذا أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت عامر بن أحمد قال سمعت الكتاني يقول حدثني أبو موسى الدئيلي قال سمعت أبا يزيد يقول كنت أطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي قال الشيرازي وحدثنا إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت طيفور الصغير يقول سمعت أبا يزيد يقول حججت أول حجة فرأيت البيت وحججت الثانية فرأيت صاحب البيت ولم أر البيت وحججت الثالثة فلم أر البيت ولا صاحب البيت قال الشيرازي وسمعت محمد بن داودية يقول سمعت عبد الله بن سهل يقول سمعت أبا موسى الدئيلي يقول سمعت أبا يزيد وسئل عن اللوح المحفوظ قال أنا اللوح المحفوظ قال الشيرازي وسمعت المظفر بن عيسى المراغي يقول سمعت سيرين يقول سمعت أبا موسى الدئيلي يقول لأبي يزيد بلغني أن ثلاثة قلوبهم على قلب جبريل قال أنا أولئك الثلاثة فقلت كيف قال قلبي واحد وهمي واحد وروحي واحد قلت وبلغني أن واحدا قلبه على قلب إسرافيل قال وأنا ذلك الواحد ومثلي مثل بحر مصطلم لا أول له ولا آخر قال السهلكي وقرأ رجل عند أبي يزيد: ﴿إن بطش ربك
стр. 344
لشديد﴾ فقال أبو يزيد وحياته أن بطشي أشد من بطشه وقيل لأبي يزيد بلغنا أنك من السبعة قال أنا كل السبعة وقيل له إن الخلق كلها تحت لواء سيدنا محمد ﷺ فقال والله إن لوائي أعظم من لواء محمد لوائي من نور تحته الجن والإنس كلهم مع النبيين وقال أبو يزيد سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني ليس مثلي في السماء يوجد ولا مثلي صفة في الأرض تعرف أنا هو وهو أنا وهو هو أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا منصور بن عبد الله قال سمعت أبي يقول قيل لأبي يزيد إنك من الأبدال السبعة الذي هم أوتاد الأرض فقال أنا كل السبعة أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا الحسين محمد بن القاسم الفارسي قال سمعت أبا نصر بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول سمعت أبا الحسين علي بن محمد الجرجاني يقول سمعت الحسن بن علي بن سلام يقول دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير فالتفت اليهم فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ فقالوا جن أبو يزيد فتركوه قال الفارسي وسمعت أبا بكر أحمد بن محمد النيسابوري قال سمعت أبا بكر أحمد بن إسرائيل قال سمعت خالي علي بن الحسين يقول سمعت الحسن بن علي بن حياة يقول سمعت عمي وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد قال سمعت أبي يقول قال أبو زيد رفع بي مرة حتى قمت بين يديه فقال لي يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك قلت يا عزيزي وأنا أحب أن يروني فقال يا أبا يزيد إني أريد أريكهم فقلت يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك قربني بوحدانيتك وألبسني ربانيتك وأرفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا رأيناك فيكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك ففعل بي ذلك وأقامني وزيني ورفعني ثم قال أخرج إلى خلقي فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة أنبأنا ابن ناصر نا السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ يقول سمعت محمد بن محمد الفقيه يقول سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت أبا موسى يقول حكي عن أبي يزيد أنه قال أراد موسى عليه
стр. 345
الصلاة والسلام أن يرى الله تعالى وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى هو أراد أن يراني أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق الحيري ثنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا أبو الطيب بن الفرغاني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول دخل علي أمس رجل من أهل بسطام فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري.
قال المصنف ﵀: أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه أحدها أنه قال إن كان في سابق علمك وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار وقد سمى الله منهم خلقا كفرعون وأبي لهب فكيف يجوز أن يقال بعد القطع اليقين إن كان والثاني قوله تعظم خلقي فلو قال لا دفع عن المؤمنين ولكنه قال حتى لا تسع غيري فاشفق على الكفار أيضا وهذا تعاط على رحمة الله والثالث أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا من نفسه بالصبر وكلا الأمرين معدوم عنده قلت ثم قال والله ولقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة وكانت الملائكة يستحسنون قولي والله يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب علي لأخرسني قلت لولا أن هذا الرجل قد نسب إلى التغير لكان ينبغي أن يرد عليه وأين الخضر ومن أين له أن الملائكة تستحسن قوله وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة وقد بلغني عن ميمون عبده قال بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:
وليس لي في شواك حظ … فكيفما ما شئت فامتحني
فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله ويقول للصبيان ادعوا لعمكم الكذاب.
قال المصنف ﵀: إنه ليقشعر جلدي من هذه أتراه على ما يتقاوى وإنما هذه ثمرة الجهل بالله ولو عرفه لم يسأله إلا العافية وقد قال من عرف الله كل لسانه أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول كنت أرد هذه الكرامات حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال كذا
стр. 346
كان قال كنا في سميرية في دجلة فقالوا لأبي الحسين أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي فحرك شفتيه فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية فقيل لأبي الحسين سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت فقال قلت وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاث أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت قال أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب ثنا الحسن بن الحسين الهمداني قال سمعت جعفرا الخلدي سمعت الجنيد يقول سمعت النوري يقول كنت بالرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها وقالوا نخرج
ونصطاد السمك فقالوا لي يا أبا الحسين هات من عبادتك واجتهادك وما أنت عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص فقلت لمولاي إن لم تخرج إلى الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة ولا نقصان قال الجنيد فقلت له يا أبا الحسين لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك قال نعم أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه نا أبو يعقوب الخراط قال قال لي أبو الحسين النوري كان في نفسي من هذه الكرامات شيء وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت وعزتك لئن لم تخرج لي سكمة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا قال فبلغ ذلك الجنيد فقال كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الرقي يقول سمعت علي بن محمد بن أبان قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه.
قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصا وإلا فهو قبيح أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثني أحمد الحلفاي قال سمعت الشبلي يقول أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب وأخبرنا أبو الوقت نا أحمد بن أبي
стр. 347
نصر نا الحسن بن محمد بن فوري قالا نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني يقول دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معى إلى أن خرجنا من الدار مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي نا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه فقالوا كيف تجدك يا أبا بكر فأنشأ يقول:
إن سلطان حبه … قال لا أقبل الرشا
فسلوه فديته … ما لقتلي تحرشا
قال ابن عقيل وقد حكي عن الشبلي أنه قال أن الله قال ولسوف يعطيك ربك فترضى والله لا رضي محمد ﷺ وفي النار من أمته أحد ثم قال إن محمدا يشفع في أمته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد قال ابن عقيل والدعوى الأولى على النبي ﷺ
كاذبة فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجار كيف وقد لعن في الخمر عشرة فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد ﷺ كفر لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل لجنة كان من أهل النار فكيف وهو يشيد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى قال ابن عقيل والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا جعفر بن أحمد ثنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف سمعت أبا الحسين بن سمعون سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبا العباس بن عطاء سمعت أبا العباس بن عطاء يقول قرأت القرآن فلما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتى أبتلاه فسألت الله تعالى أن يبتليني فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد قال وذهب ماله وذهب عقله وذهب ولده وأهله فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو
стр. 348
نحوها وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته:
حقا أقول لقد كلفتني شططا … حملي هواك وصبري إن ذا عجب
قلت قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء وفي سؤال البلاء معنى التقاوى وذاك منأقبح القبيح والشطط الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغيير أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا محمد بن الحسين السلمي سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري يقول دعوني وبلائي ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأمره بأمره فخالفه إذا كان أول الدن دردى كيف يكون آخره قال وقال الحصري كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول الشيطان حتى يحضر كلام الحق.
قال المصنف ﵀ قلت: أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب وأما الثاني فمخالف لما أمر الله به فإنه قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر نا عباد ابن إبراهيم النسفي ثنا محمد بن الحسين السلمي قال وجدت في كتاب أبي بخطة سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها سموا الطبع زيادة وسوء الأدب
إخلاصا والخروج عن الحق شطحا والتلذذ بالمذموم طيبة وسوء الخلق صولة والبخل جلادة واتباع الهوى ابتلاء والرجوع إلى الدنيا وصولا والسؤال عملا وبذأ اللسان ملامة وما هذا طريق القوم وقال ابن عقيل عبرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة أوقات وقالوا في المردان شب وفي المعشوقة أخت وفي المحبة مريدة وفي الرقص والطرب وجد وفي مناخ اللعهود والبطالة رباط وهذا التغيير للأسماء لا يباح.
بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة.
قلت قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة وإنما نذكر ههنا من
стр. 349
أمهات الأفعال وعجائبها أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال ذكر عن أبي الكريتي وكان أستاذ الجنيد أنه أصابته جنابة وكان عليه مرقعة تخينة فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص حتى خرج وقال عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي فلم تجف عليه شهرا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز ابن علي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا الخلدي ثني جنيد قال سمعت أبا جعفر ابن الكريتي يقول أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء أو تدخل حماما وإلا اعبأ على نفسك فقلت واعجبا أنا أعامل الله تعالى في طول عمري يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه وأجد الوقوف والتباطؤ والتأخر آليت لا أغتسل إلا في نهر وآليت لا أغتسلت إلا في نهر وآليت لا أغتسلت إلا في مرقعتي هذه وآليت لا أعصرنها وآليت لا جففنها في شمس أو كما قال قلت قد سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة لأبن التكريتي وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل وحكوه عنه ليبين فضله وذلك جهل محض لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب إلقاؤها في الماء
البارد وكونه في مرقعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد ولعله قد بقي من مغابنه ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة وبقاءها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم وكل هذا الفعل خطأ وأثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله.
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قال أخبرنا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أحلت زوجها
стр. 350
أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها فلما قال لها أحمد رأيت منك عجبا أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد قالت لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي وكلما نظرت إليك رجعت إلى حظوظ نفسي فلما أراد أحمد الخروح من عند أبي يزيد قال له أوصني قال تعلم الفتوة من زوجتك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا بن باكويه سمعت أبا بكر الفازي وفاز قرية بطرسوس سمعت أبا بكر السباك سمعت يوسف بن الحسين يقول كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين أبي سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يؤمره به فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس فقال إن التنور قد سجرناه فما تأمرنا فما أجابه فأعاد مرة أو مرتين فقال له الثالثة أذهب واقعد فيه ففعل ذلك فقال أبو سليمان ألحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء آمره به فقام وقاموا معه فجاؤا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية بعيدة الصحة ولو صحت كان دخوله النار معصية وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني قالوا بلى قال فاجمعوا حطبا فجمعوا ثم دعا بنار فأضرمها ثم قال عزمت عليكم لتدخلنها قال فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا فرجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال لهم رسول الله ﷺ : "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف" أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ أخبرني الحسن بن جعفر بن علي أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجزري قال قال أبو الخير الدئيلي كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت له أعطيني المنديل الذي دفعته إليك قال نعم فدفعه إليها قالت كم الأجرة قال
درهمان قالت ما معي الساعة شيء وأنا قد ترددت إليك مرارا فلم أراك وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى فقال لها خير إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمى بهما
стр. 351
في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما فقالت المرأة كيف تأخذ من دجلة فقال لها خير هذا التفتيش فضول منك أفعلي ما أمرتك به قالت إن شاء الله فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهما فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها فقلت له رأيت كذا وكذا فقال أحب أن لا تبوح به في حياتي فأجبته إلى ذلك.
قال المصنف ﵀: صحة مثل هذا تبعد ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة وفي الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله لا يكرم مخالفا لشرعه أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي إن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت قلت من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها حقها من الراحة وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع قال وعالج بعضهم حب المال بأنه باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعود نفسه الحلم قال وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا.
قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن
стр. 352
يورد هذه الحكايات ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في
الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا.
قلت وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا وكيف يحل رمي المال في البحر وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وهل يحل سب مسلم بلا سبب وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف.
أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال كانرجل من أهل بسطام لا ينقطع عن جلس أبي يزيد لا يفارقه فقال له ذات يوم يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة فقال له أبو يزيد لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة قال ولم يا أستاذ قال لأنك محجوب بنفسك فقال له أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب قال نعم ولكنك لم تقبل قال بلى أقبل واعمل ما تقول قال أبو يزيد أذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزا وأجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك
стр. 353
يا صبيان من يصفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه فقال يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها فقال يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك قال لا أطيق هذا قال إنك لا تقبل.
قال المصنف ﵀: قلت ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك والمنع منه وقد قال نبينا ﵊: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال ﷺ : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" كل هذا للإبقاء على جاه النفس ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر.
وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال قلت لأبي يزيد هل سألت الله تعالى المعرفة يقال عزت عليه أن يعرفها سواه فقلت هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهله وان تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به.
وحكى أبو حامد أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت وهذا فوق الجنون بدرجات.
وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي قال أبو حامد فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا
стр. 354
أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب طلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن
رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول كان على بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته.
قلت واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس والشرع لا ينكر عليه هذا وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه.
стр. 355
وقد جاء في الحديث الأكل في السوق دناءة فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بأمرأة فاحبلها فقيل له لم تعزل فقال بلغني أن العزل مكروه فقيل له وما بلغك أن الزنا حرام وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي مالك منا ألا الذكر الذي لسائر الناس وأخذ يبكي ويقول ترى ما يفعل بي فما زلت أرفق به حتى غسلته
من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا السباع تدخل القرية بالليل وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول أين أنت يا سبع فما شككنا أن الأسد قد أفترسه أو قد هلك في أصول القصب فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه فسألته أي شيء كان ذلك الحال قال لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه.
قلت لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين وكيف