← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11405

تلبيس ابليس - ط المنيرية

ابن الجوزي

Полный текст (403 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما فقالت المرأة كيف تأخذ من دجلة فقال لها خير هذا التفتيش فضول منك أفعلي ما أمرتك به قالت إن شاء الله فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهما فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها فقلت له رأيت كذا وكذا فقال أحب أن لا تبوح به في حياتي فأجبته إلى ذلك. قال المصنف ﵀: صحة مثل هذا تبعد ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة وفي الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله لا يكرم مخالفا لشرعه أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي إن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت قلت من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها حقها من الراحة وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع قال وعالج بعضهم حب المال بأنه باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعود نفسه الحلم قال وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا. قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن

стр. 352

يورد هذه الحكايات ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا. قلت وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا وكيف يحل رمي المال في البحر وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وهل يحل سب مسلم بلا سبب وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف. أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال كانرجل من أهل بسطام لا ينقطع عن جلس أبي يزيد لا يفارقه فقال له ذات يوم يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة فقال له أبو يزيد لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة قال ولم يا أستاذ قال لأنك محجوب بنفسك فقال له أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب قال نعم ولكنك لم تقبل قال بلى أقبل واعمل ما تقول قال أبو يزيد أذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزا وأجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك

стр. 353

يا صبيان من يصفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه فقال يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها فقال يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك قال لا أطيق هذا قال إنك لا تقبل. قال المصنف ﵀: قلت ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك والمنع منه وقد قال نبينا ﵊: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال ﷺ : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" كل هذا للإبقاء على جاه النفس ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر. وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال قلت لأبي يزيد هل سألت الله تعالى المعرفة يقال عزت عليه أن يعرفها سواه فقلت هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهله وان تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به. وحكى أبو حامد أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت وهذا فوق الجنون بدرجات. وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي قال أبو حامد فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا

стр. 354

أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب طلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول كان على بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته. قلت واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس والشرع لا ينكر عليه هذا وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه.

стр. 355

وقد جاء في الحديث الأكل في السوق دناءة فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بأمرأة فاحبلها فقيل له لم تعزل فقال بلغني أن العزل مكروه فقيل له وما بلغك أن الزنا حرام وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي مالك منا ألا الذكر الذي لسائر الناس وأخذ يبكي ويقول ترى ما يفعل بي فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا السباع تدخل القرية بالليل وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول أين أنت يا سبع فما شككنا أن الأسد قد أفترسه أو قد هلك في أصول القصب فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه فسألته أي شيء كان ذلك الحال قال لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه. قلت لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين وكيف

стр. 356

يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين وأين الهيبة والتعظيم من قوله ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول من الخلق أوحشتني ومن النفس والمال والدنيا أفقرتني ويقول ما معك إلا علم وذكر قال فقلت له إن رضيت وإلا فانطح برأسك بالحائط أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول جثتي تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا قال السراج فقال بعض الناس لو نفقها في سبيل الله كان خيرا له فقلت إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله : ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قلت لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد وجعله قواما للآدمي والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمه الواضع واعتذار السراج له أقبح من فعله لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ويظن بذلك جواز الفساد والفساد لا يجوز في شريعة وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال أبو جعفر الدراج

стр. 357

خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا فلما رجع قلت له في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع فقال أخذته رده ثم قال لي بعد ذلك خذه وأشتر به شيئا فقلت له بحق معبودك ما أمر هذه القطع فقال لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه. قال المصنف ﵀: قلت لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل ولو قدرنا جوازها فأين أنفة النفس من ذل الطلب أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن جنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم" قال أحمد وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". قلت أنفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" والمرة القوة وأصلها من شدة فتل الحبل يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب قال الشافعي ﵁ لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر بن ثابت أنبأنا أبو سعد الماليني قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول

стр. 358

قام أبي ليلة فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار فسمعته يقول لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار فما زال على تلك الحال حتى أصبح فلما أصبح قال لي يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا الله إلا ديكا يساوي دانقين. قال المصنف ﵀: هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان أحدهما مخاطرته بنفسه فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية والثاني أنه منع عينه حظها من النوم وقد قال ﷺ : "إن لجسدك عليك حقا وإن لزوجتك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا" وقال: "إذا نعس أحدكم فليرقد" ومر بحبل قد مدته زينب فإذا فترت أمسكت به فأمر بحله وقال: "ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد" وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا العباس البغدادي يقول كنا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحن أحداث فأضافنا ليلة فقلنا بشرط أن لا تدخل علينا أباك فقال لا يدخل فدخلنا داره فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة ثمان شموع فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه فقال يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع ثم قال أين غلامي أبو العباس فتقدم إليه فقال غنني الصوت الذي كنت تغني: ولما بلغ الحيرة حادى … جملي حارا فقلت احطط بها رحلي … ولا نحفل بمن سارا (١) فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج أخبرنا ابن ناصر ثنا هبة الله ابن عبد الله الواسطي نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار قال خرج الشبلي يوم عيد وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة وهو يقول: للناس فطر وعيد … اني فريد وحيد

стр. 359

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا التنوخي ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له تنح فلم يبرح فقال له الثانية تنح يا شيطان عنا فلم يبرح فقال له الثالثة تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى فقال الشبلي: طرحوا اللحم للبزا … ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ … خلعوا منهم الرسن لو أرادوا صلاحنا … ستروا وجهك الحسن قال ابن عقيل من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع لأنه يقول ما خلق الله هذا الإنسان إلا للافتتان به وليس كذلك وإنما خلقه للاعتبار والامتحان فإن الشمس خلقت لتضئ لا لتعبد وبإسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول مات للشبلي ابن ولد كان أسمه عليا فجزت أمه شعرها عليه وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها فقيل له يا أستاذ ما حملك على هذا فقال جزت هذه شعرها على مفقود ألا أحلق أنا لحيتي على موجود وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار قال وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار وقال بعضهم دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار قال السراج إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله قلت اعتذار السراج عنه أعجب من فعله قال السراج وحكى عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا وسمع قارئا يقرأ أخسئوا فيها فقال ليتني كنت واحدا منهم قلت وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى والله لا يكلمهم ثم لو كلمهم كلام إهانة فأي شيء هذا حتى يطلب قال السراج وقال الشبلي يوما في مجلسه إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لأطفؤها قلت وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاها من إناء واحد وبإسناد

стр. 360

عن أبي علي الدقاق يقول بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم. قال المصنف ﵀: وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه وهو سبب للعمى ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي فلما دخل داره فقال أنزع الصوف فنزعته فلفه وطرح القلنوسة عليه ودعى بنار فأحرقهما قلت وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة وقال ما أعزك أحد إلا أذله الله وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار فأين أثر الفقه وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال حدثني من كان جالسا أنه قال تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة في الطريق فأردت أخذها فقلت لقطة فتركتها ثم ذكرت الحديث الذي يروي لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا فأخذتها وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم فقال له واحد متى يجد العبد حقيقة الصدق فقال إذا رمى القطعة من الشدق فأخرجتها من فمي ورميتها. قال المصنف ﵀ لا تختلف الفقهاء إن رميه إياها لا يجوز والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال وقد حكى أبو حامد الغزالي أن شقيقا البلخي جاء إلى أبو القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور فقال له أي شيء معك قال لوزات دفعها إلي أخ لي وقال أحب أن تفطر عليها فقال يا شقيق وأنت تحدث نفسك أن تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا فأغلق الباب في وجهي ودخل. قال المصنف ﵀ أنظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز بل مندوب لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه واستعداد الشيء

стр. 361

قبل مجيء وقته حزم ولذلك قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وقد أدخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة وجاء عمر ﵁ بنصف ماله وأدخر الباقي ولم ينكر عليه فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد وبإسناد أحمد بن إسحاق العماني قال رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه فقلت له يا صابر ما بلغ من صبرك قال إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها وقد حكى لنا عن آخر أنه فقأ احد عينيه وقال النظر إلى الدنيا بعينين إسراف قلت كان قصده أن ينظر إلى الدنيا بفرد عين ونحن نسأل الله سلامة العقول وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء وقال كنت أخدم في الخلاء فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه قالت لي نفسي أذهبت عمرك في هذا فقلت أنت تأنفين من خدمة عباد الله فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها وجعلت أدخل النجاسة في فمي فجاؤا وأخرجوني وغسلوني قلت أنظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وإدخالها في فيه وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته قال السوسي أخذنا منها قملة فوزناها فإذا فيها نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته قلت أنظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هذا من أعتقد هذا رياضته. وبإسناد عن أبي الله بن ملقح يقول كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعا شديدا فقال يا رب إما أن تطعمني إما أن ترميني بشرف المسجد فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحت رجله آجرة فجرى دمه وكان يمسح الدم ويقول أيش تبالي بقتل العالم قلت قتل الله هذا ولا أحياه في

стр. 362

مقابلته هذا الاستنباط هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية وبإسناد عن غلام خليل قال رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول أشهدكم على الله هوذا يقتلني وسقط ميتا. فصل: وفي الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع قال وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه وفعلهم هذا منأقبح الأشياء ولقد قال رسول الله ﷺ : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" وقال في حق ما عز هلا سترته بثوبك يا هذا واجتاز على رسول الله ﷺ بعض الصحابة وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له أنها صفية وقد علم الناس التجافي عن ما يوجب سوء الظن فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته فرأى الناس وهم راجعون فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به وقد قدمنا هذه وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له إني لمست امرأة وقبلتها فقال تب إلى الله ولا تحدث أحدا بذلك وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله قال: "ألم تصل معنا" قال بلى يا رسول الله قال: "ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما" وقال رجل لبعض الصحابة إني فعلت كذا وكذا من الذنوب فقال لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس. فصل: وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام القسم الأول كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله ومنهم من يقر به ولكن يجحد النبوة ويرى أن ما جاء به الأنبياء محال وهؤلاء لما أرادوا أمراح أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس كمذهب التصوف فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة وليس لهؤلاء إلا السيف لعنهم الله والقسم الثاني قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه القسم الثالث قوم عرضت لهم

стр. 363

شبهات فعملوا بمقتضاها والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرافضي اسم أبي بكر وعمر ويقولون العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم فإن أنكر عليم عالم قالوا لأتباعهم هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول فإن جد في خلافهم قالوا هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم فقد بطل إنكارهم العلم وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات: الشبهة الأولى: أنهم قالوا إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة وأقواما بالشقاوة والسعيد لا يشقى والشقي لا يسعد والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لإتعاب النفس في عمل ولا نكفها عن ملذوذ لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة. والجواب عن هذه الشبهة أن يقال لهم هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به لأنه إذا قال في القرآن أن أقيموا الصلاة قال القائل لماذا إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة وان كنت شقيا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة وكذلك إذا قال ولا تقربوا الزنا يقول القائل لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة والشقاوة مقضيتان قد فرغ منهما وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل ولهذا كان رد الرسول ﷺ على أصحابه حين قالوا ألا نتكل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره فعليه يقع الثواب والعقاب فإذا خالف تبين لنا أن الله

стр. 364

قضى في السابق بأن يخالفه وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه ولهذا يقتل القائل ولا يعتذر له بالقدر وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل لأن الأمر والنهي حال ظاهر والمقدر مكن ذلك أمر باطن وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف مالا نعلمه من المقضى وقول فكل ميسر لما خلق له إشارة إلى أسباب القدر فانه من قضى له بالعلم يسر له طلبه وحبه وفهمه ومن حكم له بالجهل نزع حب العلم من قلبه وكذلك من قضى له بولد يسر له النكاح ومن لم يقض له بولد لم ييسر له. الشبهة الثانية: أنهم قالوا إن الله مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة. وجواب هذه الشبهة أن تجيب أولا بالجواب الأول ونقول هذا رد على الشرع فيما أمر به فكأنا قلنا للرسول وللمرسل لا فائدة فيما أمرتنا به ثم نتكلم عن الشبهة فنقول من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا فما عرف الله ﷻ لأنه مقدس عن الإعراض والأغراض ومن انتفاع أو ضرر وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا كما قال : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب وكما أن للبدن مصالح من الأغذية ومضار فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح هذا مذهب من علل وأكثر العلماء قالوا أفعاله لا تعلل وجواب آخر وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته فكذلك أوجب طاعته فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره (١). الشبهة الثالثة: قالوا قد ثبت سعة رحمة الله وهي لا تعجز عنا فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها.

стр. 365

فالجواب كالجواب الأول لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك وبالغت في ذكر عقابه ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويأخذون بالزلل وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة فالخليل يقول يوم القيامة نفسي نفسي والكليم يقول نفسي نفسي وهذا عمر ﵁ يقول الويل لعمر إن لم يغفر له واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها فمن أسبابها التوبة من الزلل كما أن من رجا أن يحصد زرع وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق وأما المصرون على الذنوب وهو يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد وقد قال ﵊ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وقد قال معروف الكرخي رجاؤك لرحمة لمن لا تطيعه خذلان وحمق واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا. الشبهة الرابعة: أن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء قالوا ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر فتركوا العمل وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك وليس هذا مراد الشرع ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان ولولا شهوة النكاح انقطع النسل ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه وقد مدح الله من نهي النفس عن الهوى وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهبها وقد قال الله

стр. 366

: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغيظ﴾ وما قال والفاقدين الغيظ والكظم رد الغيظ يقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ فمن أدعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شرة شهوة النفس والغضب لا إزالة أصلها والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى. الشبهة الخامسة: أن قوما منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم قالوا وحاصل النبوة تجمع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم حتى أنهم قالوا أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع النبي فلم يقشعر جلده فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخانيث كمال الإيمان وقد ذكر ابن جرير في تاريخه إلى الريوندية كانوا يستجلون الحرمات فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة وما مثل هذا الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس والعقل مداد ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر ومن أدعى تغير طبعه كذب ومن قال أني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا فأين تأثير العقل والهوى يقودهم وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح المرأة وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن ثم يدعون السلامة وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه

стр. 367

وأين الخلاص من جولان الفكر الردئ وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالأخر يشير إلى الشيخ والعجوز وبإسناد عن ابن شاهين قال ومن الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة فيقول أحدهم للمرأة تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا قلت وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس قال روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار استتري مني زمانا ثم قال لها كوني كيف شئت قال الترمذي وكان ذلك منه حين وجد شهوته قلت أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر ثم يقدر أن جميع ذلك أرتفع عنه أليس نهى الشرع عن النظر والنظر باق وهو عام وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي نصر النصراباذي أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقد قال أبو علي الروزباري وسئل عمن يقول وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال قد وصل ولكن إلى سقر وبإسناد عن الجريري يقول سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله واليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها لأنه أوكد في معرفتي به وأقوى في حالي وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة باطنة لايدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه. الشبهة السادسة: أن أقواما بالغوا في الرياضة فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى

стр. 368

المقصود وقد وصلنا فما يضرنا شيء ومن وصل إلى الكعبة أنقطع عن السير فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق وجوابهم هو جواب الذين قبلهم. قال ابن عقيل أعلم أن الناس شردوا على الله وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن العبادة وجعلوا تلك وسائل على زعمهم. ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات وقال هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف وهذا نوع شرك لأن الله لما عرف أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها وقال لأهل المعرفة: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للانساك والاستقبال فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية. وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال أخبرني جماعة من أهل العم أن بشراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادي شيخ الصوفية هناك يجتمعون إليه ويتكلم عن الخطرات والوساوس ويحضر حلقة ألوف من الناس وأنه فاره فهم حاذق فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب قال فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ولم يختلط بمأتمهن غيرهن فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت قد تعزيت فقال لها ههنا غير فقالت لا غير قال فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار وتصفوالأرواح ويقع الإخلافات

стр. 369

وتنز البركات قال فقلن النساء إذا شئت قال فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم فلما كان سحر خرجوا قال المحسن قوله ههنا غير أي ههنا غير موافق المذهب فقالت لا غير أي ليس مخالف وقوله نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء وقوله لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا الهيا وقوله إخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن قال المحسن وهذا عندي عظيم ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون عن الكذب ما حكيته لعظمه عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام قال وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم فكفوا. فصل: ولما قل علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا ثم تشبه بهم من ليس منهم وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا وكان الصالح منهم نادرا ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشائخهم. وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي قال كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا فقلت له يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا قال ويحك ومسلمين هم قال فضحك حتى استلقى قال فقال لي بعض جلسائه يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأيناه ضاحكا قط. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق وعنه أيضا أنه قال ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا وأنشد الشافعي: ودعوا الذين إذا أتوك تنسكوا … واذا خلوا كانوا ذئاب حقاف وبإسناد عن حاتم قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال قال أبو سليمان ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق قال وأنا أرق لهم. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني قال السلمي هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول حدثنا وكيع قال

стр. 370

سمعت سفيان يقول سمعت عاصما يقول ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول قال لي وكيع لم تركت حديث هشام قلت صحبت قوما من الصوفية وكنت بهم معجبا فقالوا إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتم قال إن فيهم حمقا وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال الخوارج أحب إلي من الصوفية وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب ان الفقهاء بمصر أنركوا على ذي النون ما كان يتكلم به وببسطام عن أبي يزيد وأخرجوه وأخرجوا أبا سليمان الداراني وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكا بالسنة ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري قال جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى وقف بباب الرباط وقال يعز علي لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط قلت على هذا كان أشياخنا. فأما في زماننا هذا فقد اصطلح الذئب والغنم قال ابن عقيل نقلته من خطه وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم فعلها منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة وهي الأربطة فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء وعولوا على الترقيع المعتمد به التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون بألوان الحرير واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة على أزواجهن ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال كالعداد والأجناد وأرباب المكوس ويستصحبون المردان في السماعات يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشموع ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة ويستحلون بل يوجبون أقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه

стр. 371

ويسمون الطرب وجدا والدعوة وقتا واقتسام ثياب الناس حكما ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلا عن إلزام دعوة أخرى يقولون أنها وجبت واعتقاد ذلك كفر وفعله فسوق ويعتقدون أن الغناء بالقضبان قربة وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخذة مجاب اعتقادا منهم أنه قربة وهذا كفر أيضا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا والناس بين تحريمه وكراهيته ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم (١) فإن عولوا إلى مرتبة شيخه قيل الشيخ لا يعترض عليه فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا فإن قبل أمردا قيل رحمة وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة وإن قسم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف وأن المجانين والصبيان يضرب على أيديهم وكذلك البهائم والضرب بدل من الخطاب ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبا بكر الصديق ﵁ وقد قال إن اعوججت فقوموني ولم يقل فسلموا إلي ثم أنظر إلى الرسول صلوات الله عليه كيف اعترضوا عليه فهذا عمر يقول ما بالنا نقصر وقد أمنا وآخر يقول تنهانا عن الوصال وتواصل وآخر يقول أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ ثم إن والله تعالى تقول له الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ ويقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ ولعل هذه الكلمة من القائلين منهم بأن العبد إذا عرف لم يضره ما فعل وهذه نهاية الزندقة لأن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عليه التكليف كأحوال الأنبياء يضايقون في الصغائر فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرغ الخالين من الإثبات وإنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمال

стр. 372

مرقعات وصوف وبين أعمال الخلعاء الملحدة أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاؤا بوضع أهل الخلاعة. فأول ما وضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ربي فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغماز وأنفقت عليهم لأجلها الأموال لأن الفقهاء كالأطباء في ثمن الدواء صعبة والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات وبغضهم الفقراء أكبر الزندقة لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم والحق يثقل كما تثقل الزكاة وما أخف البذل على المغنيات وإعطاء الشعراء على المدائح وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر بشيء سموه الحشيش والمعجون والغناء المحرم سموه السماع والوجد والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام كفى الله الشريعة شر هذه الطائفة الجامعة بين دهمثة في اللبس وطيبة في العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع ولذلك خفوا على القلوب ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات. قال ابن عقيل فإن قال قائل هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق قال فقلت لهم. لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم لم يدم لهم عيش والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على المواتد ومخانيث بغداد ودماثة المغنيات لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع وهل يخدع الناس إلا بطريقة أو لسان فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم ولا طريقة فبم ذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال واعلم أن حمل التكليف صعب ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر من أوامر الشرع ونواهيه وما على

стр. 373

الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان يحبون البطالات وسماع الأصوات وما كان السلف كذلك بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم وفي الباب الآخر أرباب جد قال ونصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية والوقوف على الظواهر أحسن من توغل المنتحلة وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح. قال ابن عقيل والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارة والنبوات فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا أخذوا علمهم ميتا عن ميت فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع ومتى أزرى على طريق سقط الأخذ به ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح انه غني عن الرسول ومن صرح بذلك فقد كفر فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع وما يؤمن هذا القائل حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ وهذا هو الظاهر لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا قال والخوارج على الشريعة كثير إلا أن الله يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظها لأصلها وبالفقهاء لمعانيها وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع. قال ابن عقيل والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية قال وأنا أقول وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض. فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ومال طبع إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها فإن طابت نفس الزوج سمي بالديوث وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط

стр. 374

بمن لا يضيق الخنق ولا يحجر على الطباع ويقال تبات فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته ولم يقنعوا هذا لعب وخطأ حتى قالوا هذا من مقامات الرجال وجرت على هذه السنون وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب هذا كله من كلام ابن عقيل ﵁ فلقد كان ناقد مجيدا متلمحا فقيها أنشدنا أبو علي عبيد الله الزغواني قال أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قالا أنشدنا أبو بكر العنبري لنفسه في الصوفية: تأملت اختبر المدعين … بين الموالي وبين العبيد فألفيت أكثرهم كالسراب … يروقك منظره من بعيد فناديت يا قوم من تعبدون … فكل أشار بقدر الوجود فبعض أشار إلى نفسه … واقسم ما فوقها من مزيد وبعض إلى خرقة رقعت … وبعض إلى ركوة من جلود وآخر يعبد أهواءه … وما عابد للهوى بالرشيد ومجتهد وقته ريه … فإن فات بات بليل عنيد وذو كلف باستماع السما … ع بين البسط وبين النشيد يئن إذا أومضت رنة … ويزرأ منها زئير الأسود يخرق خلقانه عامدا … ليعتاض منها بثوب جديد ويرمي بهيكله في السعير … لقلع الثريد وبلع العصيد فيا للرجال ألا تعجبون … لشيطان إخواننا ذا المزيد يخبطهم بفنون الجنون … وما للمجانين غير القيود وأقسم ما عرفوا ذا الجلال … وما عرفوه بغير الجحود ولولا الوفاء لأهل الوفاء … سلقتهم بلسان حديد فمالي يطالبني بالوصا … ل من ليس يعلم ما في الصدود اضن بودي ويسخو به … وقد كنت اسخوا به للودود ولكن إذا لم أجد صاحبا … يسر صديقي ويشجو الحسود

стр. 375

عطفت بودي مني إليه … فغاب نحوسي وآب السعود فما بال قومي على جهلهم … بعز الفريد وأنس الوحيد إذا أبصروني بكوا رحمة … ونيران أحقادهم في وقود لأني بعدت عن المدعين … ولو صدقوا كنت غير البعيد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبا الحسين بن عبد الجبار الصيرفي نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري قال أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي قال أنشدنا الحسن بن علي بن سيار: رأيت قوما عليهم سمة الخير … بحمل الركاء مبتهلة اعتزلوا الناس في جوامعهم … سألت عنهم فقيل متكلة صوفية للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه بزله فقلت إذ ذاك هؤلاء هم ال … ناس ومن دون هؤلاء رزله فلم أزل خادما لهم زمنا … حتى تبينت أنهم سفله أن أكلوا كان أكلهم سرفا … أو لبسوا كان شهرة مثله سل شيخهم والكبير محتبرا … عن فرضه لا تخاله عقله واسأله عن وصف شادن غنج … مدلل لا تراه قد جهله علمهم بينهم إذا جلسوا … كعلم راعي الرعاع والرذلة الوقت والحال والحقيقة وال … برهان والعكس عندهم مثله قد لبسوا الصوف كي يروا صلحا … وهم أشرار الذباب والحفلة وجانبوا الكسب والمعاش لكي … يستأصلوا الناس شرها أكله وليس من عفة ولا دعة … لكن تعجيل راحة العطلة فقل لمن مال باختداعهم … اليهم تب فإنهم بطله واستغفر الله من كلامهم … ولا تعاود لعشرة الجهلة قال الصوري: وأنشدني بعض شيوخنا: أهل التصوف قد مضوا … صار التصوف مخرقة صار التصوف صيحة … وتواجدا ومطبقة

стр. 376

كذبتك نفسك ليس ذا … سنن الطريق الملحقة حتى تكون بعين من … منه العيون المحدقة تجري عليك صروفه … وهموم سرك مطرقة أنشدنا محمد بن ناصر قال أنشدنا أبو زكريا التبريزي لأبي العلاء المعري: زعموا بأنهم صفوا لملكيهم … كذبوك ما صافوا ولكن صافوا شجر الخلاف قلوبهم ويح لها … غرضي خلاف الحق لا الصفصاف أنشدنا ابن ناصر أبو بكر قال أنشدنا أبو إسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم: أرى جيل التصوف شر جيل … فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه … كلوا أكل البهائم وأرقصوا لي الباب الحادي عشر: في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات. قد بينا فيما تقدم أن إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء فإن كان رمضان قال رأيت ليلة القدر وإن كان في غيره قال قد فتحت لي أبواب السماء وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس والعاقل لا يساكن شيئا من هذا ولو كان كرامة وقد ذكرنا في باب الزهاد عن مالك بن دينار وحبيب العجمي أنهما قالا إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز ولقد استعوى بعض ضعفاء الزهاد بأن أراه ما يشبه الكرامة حتى أدعى النبوة فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا محمد بن المبارك ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن حسان قال كان الحارث الكذاب من أهل دمشق وكان مولى لأبي الجلاس وكان له أب بالغوطة تعرض له إبليس وكان متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرأيت

стр. 377

عليه زهادة وكان إذا أخذ في التحميد لم يصغ السامعون إلى كلام أحسن من كلامه قال فكتب إلى أبيه يا أبتاه أعجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف منها أن تكون من الشياطين قال فزاده أبوه غيا وكتب إليه يا بني أقبل على ما أمرت به إن الله يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ولست بأفاك ولا أثيم فأمض لما أمرت به وكان يجيء إلى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر له أمره ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى يرضى قبل وإلا كتم عليه وكان يريهم الأعاجيب كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول أخرجوا حتى أريكم الملائكة فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على خيل فتبعه بشر كثير وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة فقال له إني نبي فقال له القاسم كذبت يا عدو الله فقال له أبو إدريس بئس ما صنعت إذا لم تلن له حتى تأخذه. الآن يفر وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة (١) فاتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس واختفى وكان أصحابه يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل فقال إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر قال فانظر فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه فقال إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك وهذا هو الدين المستقيم فأمر أن لا يحجب عنه متى أراد الدخول فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به ثم قال له أئذن لي فقال إلى أين قال إلى البصرة فأكون أول داع لك بها قال فأذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك وهو بالصنيبرة

стр. 378

فلما دنا من سرادقه صاح النصيحة النصيحة فقال أهل العسكر وما نصيحتك قال نصيحة لأمير المؤمنين فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه فدخل وعنده أصحابه قال فصاح النصيحة قال وما نصيحتك قال أخلني لا يكن عندك أحد فأخرج من في البيت وقال له ادنني قال ادن فدنا وعبد الملك على السرير قال ما عندك قال الحارث فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض ثم قال أين هو قال يا أمير المؤمنين ببيت المقدس قد عرفت مداخله ومخارجه وقص عليه قصته وكيف صنع به فقال أنت صاحبه وأنت أمير بيت المقدس وأميرنا ههنا فمرني بما شئت قال يا أمير المؤمنين ابعث معي قوما لا يفهمون الكلام فأمر أربعين رجلا من فرغانة فقال انطلقوا مع هذا فما أمركم به من شيء فأطيعوه قال وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلانا هو الأمير عليك حتى يخرج فأطعمه فيما أمرك به فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب فقال مرني بما شئت فقال أجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس وأدفع كل شمعة إلى رجل ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياه فإذا قلت أسرجوا أسرجوا جميعا فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياها بالشمع وتقدم البصري إلى منزل الحارث فأتى الباب فقال للحاجب أستأذن لي على نبي الله قال في هذه الساعة ما يؤذن عليه حتى يصبح قال أعلمه إني ما رجعت إلا شوقا إليه قبل أن أصل فدخل عليه وأعلمه بكلامه فأمره بفتح الباب قال ثم صاح البصري أسرجوا الشموع فأسرجت حتى كانت كأنها النهار ثم قال من مر بكم فأضبطوه كائنا من كان ودخل هو إلى الموضع الذي يعرفه فطلبه فلم يجده فقال أصحاب الحارث هيهات تريدون تقتلون نبي الله قد رفع إلى السماء قال فطلبه في شق قد هيأه سربا فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه فاجتره فأخرجه إلى خارج ثم قال للفرغانيين اربطوه فربطوه فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله فقال رجل من الفرغانيين أولئك العجم هذا كرامتنا فهات كرامتك أنت وساروا به حتى أتوا به عبد الملك فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فلما صار إلى ضلع من أضلاعه فانكفأت الحربة عنه فجعل الناس يصيحون ويقولون الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح فلما رأى ذلك

стр. 379

رجل من المسلمين تناول الحربة ثم مشى إليه وأقبل يتجسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذها فقتله قال الوليد بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك بن مروان فقال لو حضرتك ما أمرتك بقتله قال ولم قال إنما كان به المذهب فلو جوعته ذهب عنه وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء قال لما حمل الحارث على البريد وجعلت في عنقه جامعة من حديد وجمعت يده إلى عنقه فأشرف على عقبة بيت المقدس تلى هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض فوثب الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه ثم ساروا به فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده على الأرض فأعادوها عليه فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوفوه الله ويعلموه أن هذا من الشيطان فأبى أن يقبل منهم فصلب وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت فتكلم الناس وقالوا ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل ثم أتاه حرسه برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه وسمعت من قال قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة لما أنثنت أذكرت الله حين طعنته قال نسيت قال فأذكر الله ثم اطعنه ذكر الله ثم طعنه فأنفذها. فصل: وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران قال قال لي فرقد يا أبا عمران قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي وهي ستة دراهم وقد أهل الهلال وليست عندي فدعوت فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم فأخذتها فوزنتها فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص فقال تصدق بها فإنها ليست لك قلت أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة فانظروا إلى كلام الفقهاء وبعد الاغترار عنهم وكيف أخبره أنها لقطة ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه قد أكرم بأخذها وأنفاقها وبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال احتجت يوما إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر وسواك

стр. 380

من فضة رأسه ألين من الخز فاستكت بالسواك وتوضأت بالماء وتركتهما وأنصرفت قلت في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز ولكن قل علمه فاستعمله وان ظن أنه كرامة والله تعالى لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعا إلا أن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال حدثني أبي قال كان السرمقاني المقرى يقرأ علي بن العلاف وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة وقد نزل إلى دجلة وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه وجعل يأكله فشق ذلك عليه وأتى إلى رئيس الرؤساء فأخبره بحاله فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأتي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحا من غير أن يعلمه ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزا سميدا ومعها دجاجة وحلوى سكرا ففعل الغلام ذلك وكان يحمله على الدوام فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحا في القبلة ورأى الباب مغلقا فتعجب وقال في نفسه هذا من الجنة ويجب كتمانه وأن لا أتحدث به فإن من شرط الكرامة كتمانها وأنشدني: من أطلعوه على سر فباح به … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا فلما استوت حالته وأخصب جسمه سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به وقصد المزاح معه فأخذ يوري ولا يصرح ويكني ولا يفصح ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامه إذ لا طريق لمخلوق عليه فقال له ابن العلاف يجب أن تدعو لابن المسلمة فإنه هو الذي فعل ذلك فنغص عيشه بأخباره وبانت عليه شواهد الإنكسار. فصل: ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه روينا بإسناد عن أبي الطيب يقول سمعت زهرون يقول كلمني الطير وذاك أني كنت في البادية فتهت فرأيت طائرا أبيض فقال لي يا زهرون أنت تائه فقلت يا شيطان غر غيري فقال لي أنت تائه فقلت يا شيطان غر غيري فوثب في الثالثة وصار على كتفي وقال ما أنا بشيطان

стр. 381

أنت تائه أرسلت إليك ثم غاب عني وبإسناد عن محمد بن عبد الله القرشي قال حدثني محمد بن يحيى بن عمرو قال حدثتني زلفي قالت قلت لرابعة العدوية يا عمة لم لا تأذنين للناس يدخلون عليك قالت وما أرجوا من الناس إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل قال القرشي وزادني غير أبي حاتم أنها قالت يبلغني أنهم يقولون إني أجد الدراهم تحت مصلاي ويطبخ لي القدر بغير نار ولو رأيت مثل هذا فزعت منه قالت فقلت لها إن الناس يكثرون فيك القول يقولون إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب فهل تجدين شيئا فيه قالت يا ابنة أخي لو وجدت في منزلي شيئا ما مسسته ولا وضعت يدي عليه قال القرشي وحدثني محمد بن إدريس قال قال محمد بن عمرو وحدثتني زلفى عن رابعة إنها أصبحت يوما صائمة في يوم بارد قالت فنازعتني نفسي إلى شيء من الطعام السخن أفطر عليه وكان عندي شحم فقلت لو كان عندي بصل أو كراث عالجته فإذا عصفور قد جاء فسقط على المثقب في منقاره بصلة فلما رأيته أضربت عما أردت وخفت أن يكون من الشيطان وبالإسناد عن محمد بن يزيد قال كانوا يرون لوهيب أنه من أهل الجنة فإذا أخبر بها أشتد بكاؤه وقال قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان وبالإسناد عن أبي عثمان النيسابوري يقول خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور فجلسنا فتكلم الشيخ علينا فطابت أنفسنا ثم بصرنا فإذا بأيل (١) قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ فأبكاه ذلك بكاء شديدا فلما سكن سألناه فقلت يا أستاذ تكلمت علينا فطابت قلوبنا فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك فقال نعم رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم فوقع في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه قلت فما يؤمنني أن يكون الله تعالى يعطيني كل حظ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي فهذا الذي أزعجني.

стр. 382

فصل: وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال نا محمد بن محمد الحافظ قال نا عبيد الله بن محمد الفقية قال أحمد بن عبد الله بن الحسن الآدمي قال حدثني أبي قال قال سهل بن عبد الله قال عمرو بن واصل كذا في الرواية والصواب قال عمرو بن واصل قال سهل بن عبد الله صحبت رجلا من الأولياء في طريق مكة فنالته فاقة ثلاثة أيام فعدل إلى مسجد في أصل جبل وإذا فيه بئر عليه بكرة وحبل ودلو ومطهرة وعند البئر شجرة رمان ليس فيها حمل فأقام في المسجد إلى المغرب فلما دخل الوقت إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح وفي أرجلهم نعال الخوص قد دخلوا المسجد فسلموا وأذن أحدهم وأقام الصلاة وتقدم فصلى بهم فلما فرغ من صلاته تقدم إلى الشجرة فإذا فيها أربعون رمانة غضة طريفة فأخذ كل واحد منهم رمانة وأنصرف قال وبت على فاقتي فلما كان في الوقت الذي أخذوا فيه الرمان أقبلوا أجمعين فلما صلوا وأخذوا الرمان قلت يا قوم أنا أخوكم في الإسلام وبي فاقة شديدة فلا كلمتموني ولا واسيتموني فقال رئيسهم إنا لا نكلم محجوبا بما معه فأمض واطرح ما معك وراء هذا الجبل في الوادي وأرجع إلينا حتى تنال ما ننال قال فرقيت الجبل فلم تسمح نفسي برمي ما معي فدفنته ورجعت فقال لي رميت ما معك قلت نعم قال فرأيت شيئا قلت لا قال ما رميت شيئا إذن فارجع فأرم به في الوادي فرجعت ففعلت فإذا قد غشيني مثل الدرع نور الولاية فرجعت فإذا في الشجرة رمانه فأكلتها واستقللت بها من الجوع والعطش ولم ألبث دون المضي إلى مكة فإذا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام فأقبلوا إلي بأجمعهم يسألوني عن حالي ويسلمون علي فقلت قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا كما أغناكم الله عن كلامي أولا فما في لغير الله موضع. قال المصنف ﵀: عمرو بن واصل ضعفه ابن أبي حاتم والآدمي وأبوه مجهولان ويدلعلى أنها حكاية موضوعة قولهم أطرح ما معك لأن الأولياء لا يخالفون الشرع والشرع قد نهى عن إضاعة المال وقوله غشيني نور الولاية فهذه حكاية

стр. 383

مصنوعة وحديث فارغ ومثل هذه الحكاية لا يغتر بها من شم رائحة العلم إنما يغتر بها الجهال الذين لا بصيرة لهم أخبرنا محمد بن ناصر قال نا السهلكي قال سمعت محمد بن علي الواعظ قال وفيما أفادني بعض الصوفية حاكيا عن الجنيد قال قال أبو موسى الديبلي دخلت على أبي يزيد فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب فقال لي تعالى ثم قال إن رجلا سألني عن الحياء فتكلمت عليه بشيء من علم الحياء فدار دورانا حتى صار كذا كما ترى وذاب قال الجنيد وقال أحمد بن حضرويه بقي معه قطعة كقطعة جوهر فاتخذت منه فصا فكلما تكلمت بكلام القوم أو سمعت من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق منه شيء قلت وهذه من النحالة القبيحة التي وضعوها الجهال ولولا أن الجهالة يروونها مسندة فيظنونها شيئا لكان الأضراب عن ذكرها أولى أنبأنا أبو بكر بن حبيب قال نا ابن أبي صادق قال ثنا ابن باكويه قال ثنا أبو حنيفة البغدادي قال ثنا عبد العزيز البغدادي قال كنت أنظر في حكايات الصوفية فصعدت يوما السطح فسمعت قائلا يقول وهو يتولى الصالحين فالتفت فلم أر شيئا فطرحت نفسي من السطح فوقفت في الهواء. قال المصنف ﵀ هذا كذب محال لا يشك فيه عاقل فلو قدرنا صحته فإن طرح نفسه من السطح حرام وظنه أن الله يتولى من فعل المنهى عنه فقد قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكيف يكون صالحا وهو يخالف ربه وعلى تقدير ذلك فمن أخبره أنه منهم وقد تقدم قول عيسى صلوات الله عليه للشيطان لما قال له ألق نفسك قال إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه. فصل وقد اندس في الصوفية أقوام وتشبهوا بهم وشطحوا في الكرامات وادعائها وأظهروا للعوام مخاريق صادوا بها قلوبهم وقد روينا عن الحلاج أنه كان يدفن شيئا من الخبز والشواء والحلوى في موضع من البرية ويطلع بعض أصحابه على ذلك فإذا أصبح قال لأصحابه إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة فيقوم ويمشي والناس معه فإذا جاءوا إلى ذلك المكان قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك نشتهي الآن كذا وكذا فيتركهم الحلاج وينزوي عنهم إلى ذلك المكان فيصلي ركعتين ويأتيهم بذلك وكان يمد يده إلى الهواء ويطرح الذهب في أيدي الناس ويمخرق

стр. 384

وقد قال له بعض الحاضرين يوما هذه الدراهم معروفة ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك وما زال يمخرق إلى وقت صلبه. حدثنا أبو منصور القزاز قال نا أبو بكر بن ثابت نا عبد الله بن أحمد ابن عمار الصيرفي ثنا أبو عمرو بن حيوة قال لما أخرج حسين الحلاج للقتل مضيت في جملة الناس فلم أزل أزاحم حتى رأيته فقال لأصحابه لا يهولنكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما وكان اعتقاد الحلاج اعتقادا قبيحا وقد بينا في أول هذا الكتاب شيئا من اعتقاده وتخليطه وبينا أنه قتل بفتوى فقهاء عصره وقد كان من المتأخرين من يطلي بدهن الطلق ويقعد في التنور ويظهر أن هذا كرامة قال ابن عقيل وكان ابن الشباس وأبوه قبله لهم طيور سوابق وأصدقاء في جميع البلاد فينزل بهم قوم فيرفع طائرا في الحال إلى قريتهم يخبر بخبر من له هناك بنزولهم ويستعمله من أحوالهم وما تجدد هناك بعدهم قبل أن يجتمع عليهم ويستعلم حالهم فيكتب ذلك إليه الجواب ثم يجتمع بهم فيخبرهم بتلك الحوادث ويحدثهم بأحوالهم حديث من هو معهم ومعاشرهم في بلادهم ثم يحدثهم بما تجدد بعدهم وفي يومه ذلك فيقول الساعة تجدد كذا وكذا فيدهشون ويرجعون إلى رستاقهم فيجدون الأمر على ما قال ويتكرر هذا منه فيصير عندهم كالقطعي على أنه يعلم الغيب قال وما كان يفعله أنه يأخذ طير عصفور ويشد في رجله تلفكا ويجعل في التلفك بطاقة صغيرة ويشد في رجل حمامة تلفكا ويشد في طرف التلفك كتابا أكبر من ذلك ويجعله بين يديه ويجعل العصفور بيد ويأخذ غلاما له في السطح (١) والحمامة بيد آخر فيه ما في تلك البطاقة الصغيرة ويطلق الطائر العصفور فينظر الناس الكتاب وهو طائر في الهواء فيروح الحمام إلى تلك القرية فيأخذه صديقه الذي هناك ثم يخبره بجميع أمور القرية وأصحابها فلما يتكامل مجلسه بالناس يشير وينادي يا بارش كأنه يخاطب شيطانا

стр. 385

اسمه بارش ويقول خذ هذا الكتاب إلى قرية فلان فقد جرت بينهم خصومة فاجتهد في إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد العصفور الذي في يده فيرفع الكتاب نحو السماء بحضرة الجماعة يرونه عيانا من غير أن يرون التلفك فإذا ارتفع الكتاب جذبه الغلام المقيد بالعصفور وقطع التلفك حتى لا يرى ويرسل العصفور إلى تلك القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل بالحمامة ثم يقول لغلامه هات الكتاب فيلقيه الغلام الذي في السطح الذي قد جاءه خبر ما في القرية التي هؤلاء منها ثم يكتب كتابا إلى دهقان تلك القرية فيشد به بلفكا ويجعله في رجل عصفور كما قدمنا ويطلقه حتى يعلوا سطح المكان فيأخذه ذلك الغلام فيشدة في رجل طير حمام فيروح إلى تلك القرية بذلك الكتاب فيصلح بين الناس الذين قد أتاه خبرهم بالمشاجرة فتخرج الجماعة الذين من تلك القرية فيجدون كتاب الشيخ قد وصل لهم وقد اجتمع دهاقين القرية وأصلحوا بينهم فيجيء ذلك فيخبرهم فلا يشكون في ذلك أنه يعلم الغيب ويتحقق هذا في قلوب العوام. قال ابن عقيل: وإنما أوردت مثل هذا ليعلم أنه قد ارتفع القوم إلى التلاعب بالدين فأي بقاء للشريعة مع هذا الحال قلت وابن الشباس هذا كان يكنى أبا عبد الله والشباس هو أبوه كان يكنى أبا الحسن واسم الشباس علي بن الحسين بن محمد البغدادي توفي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مائة وكان الشباس وأبوه وعمه مستقرين بالبصرة وكانت مذاهبهم تخفى على الناس إلا أن الأغلب أنهم كانوا من الباطنية وقد ذكرت في التاريخ عن ابن الشباس أن بعض أصحابه اكتشفت له نار بخيانته وزخارفه وكانت تخفى على الناس إلى أن كشفها بعض أصحابه من الباطنية للناس فلما كشفها للناس وبينها فكان مما حدث به عنه أنه قال حضرنا يوما عنده فأخرج جديا مشويا فأمرنا بأكله وأن نكسر عظمه ولا تهشمها فلما فرغنا أمر بردها إلى التنور وترك على التنور طبقا ثم رفعه بعد ساعة فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا ولم نر للنار أثرا ولا للرماد ولا للعظام خبرا قال فتلطفت حتى عرفت ذلك وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب وبينهما طبق نحاس بلولب فإذا أراد إزالة النار عنه فركه فينزل عليه فيسده وينفتح

стр. 386

السرداب وإذ أراد أن يظهر النار أعاد الطبق إلى فم السرداب فترى للناس. قال المصنف ﵀: وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة ويقول هؤلاء ضيف مكرمون يوهم أن الملائكة قد حضرت ويقول لهم تقدموا إلى وأخذ رجل في زماننا إبريقا جديدا فترك فيه عسلا فتشرب في الخزف طعم العسل واستصحب الإبريق في سفره فكان إذا غرف به الماء من النهر وسقى أصحابه وجدوا طعم العسل وما في هؤلاء من يعرف الله ولا يخاف في الله لومة لائم نعوذ بالله من الخذلان. الباب الثاني عشر: في ذكر تلبيس إبليس على العوام. قد بينا أن إبليس إنما يقوى تلبيسه على قدر قوة الجهل وقد أفتن فيما فتن به العوام وحضر ما فتنهم ولبس عليهم فيه لا يمكن ذكره لكثرته وإنما نذكر من الأمهات ما يستدل به على جنسه والله الموفق فمن ذلك أنه يأتي إلى العامي فيحمله على التفكر في ذات الله وصفاته فيتشكك وقد أخبر رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "تسألون حتى تقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله" قال أبو هريرة فوالله إني لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق هذا الله خلقنا فمن خلق الله قال أبو هريرة فجعلت أصبعي في أذني ثم صحت صدق رسول الله الله الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وبإسناد عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك فيقول من خلق السموات والأرض فيقول الله فيقول من خلق الله فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فليقفل آمنت بالله ورسوله". قال المصنف ﵀: وإنما وقعت هذه المحنة لغلبة الحس وهو أنه ما رأى شيئا إلا مفعولا وليقل لهذا العامي ألست تعلم أنه خلق الزمان لا في الزمان والمكان لا في المكان فإذا كانت هذه الأرض وما فيها لا في مكان ولا تحتها شيء وحسك

стр. 387

ينفر من هذا لأنه ما ألف شيئا إلا في مكان فلا يطلب بالحس من لا يعرف بالحس وشاور عقلك فإنه سليم المشاورة وتارة يلبس إبليس على العوام عند سماع صفات الله فيحملونها على مقتضى الحس فيعتقدون التشبيه وتارة يلبس عليهم من جهة العصبية للمذاهب فترى العامي يلاعن ويقاتل في أمر لا يعرف حقيقته فمنهم من يخص بعصبيته أبا بكر ﵁ ومنهم من يخص عليا وكم قد جرى في هذا من الحروب وقد جرى في هذا بين أهل الكوخ وأهل باب البصرة على مر السنين من القتل وإحراق المحال ما يطول ذكره وترى كثيرا ممن يخاصم في هذا يلبس الحرير ويشرب الخمر ويقتل النفس وأبو بكر وعلي بريئان منهم وقد يحس العامي في نفسه نوع فهم فيسول له إبليس مخاصمة ربه فمنهم من يقول لربه كيف قضى وعاقب ومنهم من يقول لم ضيق رزق المتقي وأوسع على العاصي ومنهم طائفة تشكر على النعم فإذا جاء البلاء أعترض وكفر ومنهم من يقول أي حكمة في هدم هذه الأجساد يعذبها بالفناء بعد بنائها ومنهم من يستبعد البحث ومن هؤلاء من يحتل عليه مقصوده أو يبتلى ببلاء فيكفر ويقول أنا ما أريد أصلي وربما غلب فاجر نصراني مؤمنا فقتله أو ضربه فيقول العوام قد غلب الصليب ولماذا نصلي إذا كان الأمر كذلك وكل هذه الآفات تمكن بها منهم إبليس لبعدهم عن العلم والعلماء فلو أنهم استفهموا أهل العلم لأخبروهم أن الله حكيم ومالك فلا يبقى مع هذا اعتراض. فصل: ومن العوام من يرضى عن عقل نفسه فلا يبالي بمخالفة العلماء فمتى خالفت فتواهم غرضه أخذ يرد عليهم ويقدح فيهم وقد كان ابن عقيل يقول قد عشت هذه السنين فلو أدخلت يدي في صنعة صانع لقال أفسدتها علي فلو قلت أنا رجل عالم لقال بارك الله لك في علمك ليس هذا من شغلك هذا وشغله أمر حسي لو تعاطيته فهمته والذي أنا فيه من الأمور أمر عقلي فإذا أفتيته لم يقبل. فصل: ومن تلبيسه عليهم تقديمهم المتزهدين على العلماء فلو رأوا جبة صوف على أجهل الناس عظموه خصوصا إذا طأطأ رأسه وتخشع لهم ويقولون أين

стр. 388

هذا من فلان العالم ذاك طالب الدنيا وهذا زاهد لا يأكل عنبة ولا رطبة ولا يتزوج قط جهلا منهم بفضل العلم على الزاهد ويثارا للمتزهدين على شريعة محمد بن عبد الله ﷺ ومن نعمة الله على هؤلاء أنهم لم يدركوا رسول الله ﷺ إذ لو رأوه يكثر التزويح ويصطفى السبايا ويأكل لحم الدجاج ويحب الحلوى والعسل لم يعظم في صدورهم. فصل: ومن تلبيسه عليهم قدحهم في العلماء بتناول المباحات وذلك من أقبح الجهل وأكثر ميلهم إلى الغرباء فهم يؤثرون الغريب على أهل بلدهم ممن قد خبروا أمره وعرفوا عقيدته فيميلون إلى الغريب ولعله من الباطنية وإنما ينبغي تسليم النفوس إلى من خبرت معرفته قال الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ومن الله سبحانه في إرسال محمد ﷺ إلى الخلق بأنهم يعرفون حاله فقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. فصل: وقد يخرج بالعوام تعظيم المتزهدين إلى قبول دعاويهم وإن خرقوا الشريعة وخرجوا عن حدودها فترى المتنمس يقول للعامي أنت فعلت بالأمس كذا وسيجري عليك كذا فيصدقه ويقول هذا يتكلم على الخاطر ولا يعلم أن ادعاء الغيب كفر ثم يرون من هؤلاء المتنمسين أمورا لا تحل كمؤاخاة النساء والخلوة بهن ولا ينكرن ذلك تسليما لهم أحوالهم. فصل: ومن تلبيسه على العوام اطلاقهم أنفسهم في المعاصي فإذا وبخوا تكلموا كلام الزنادقة فمنهم من يقول لا أترك نقدا لنسيئة ولو فهموا لعلموا أن هذا ليس بنقد لأنه محرم وإنما يخير بين النقد والنسيئة المباحين فمثلهم كمثل محموم جاهل يأكل العسل فإذا عوتب قال الشهوة نقد والعافية نسيئة ثم لو عملوا حقيقة الإيمان لعلموا أن تلك النسيئة وعد صادق لا يخلف ولو عملوا عمل التجار الذين يخاطرون بكثير من المال لما يرجونه من الربح الليل لعلموا أن ما تركوه قليل وما يرجونه كثير ولو أنهم ميزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم لرأوا تعجيل ما تعجلوا إذ فاتهم الربح الدائم وأوقعهم في العذاب الذي هو الخسران المبين الذي لا يتلافى ومنهم

стр. 389

من يقول الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدين فيسمون تمنيهم واغترارهم رجاء وهذا الذي أهلك عامة المذنبين قال أبو عمرو بن العلاء بلغني أن الفرزدق جلس إلى قوم يتذكرون رحمة الله فكان أوسعهم في الرجاء صدرا فقال له لم تقذف المحصنات فقال أحقروني لو أذنبت إلى ولدي ما أذنبته إلى ربي أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنور مملؤا جمرا قالوا لا إنما كانا يرحمانك قال فأني أوثق برحمة ربي منهما قلت وهذا هو الجهل المحض لأن رحمة الله ليست برقة طبع ولو كانت كذلك لما ذبح عصفورا ولا أميت طفل ولا أدخل أحد إلى جهنم وبإسناد عن عباد قال الأصمعي كنت مع أبي نواس بمكة فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود فقال لي أبو نواس والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر الأسود فقلت ويلك أتق الله فإنك ببلد حرام وعند بيته الحرام فقال ما منه بد ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس فوضع خده على خد الغلام فقبله وأنا أنظر فقلت ويلك أفي حرم الله فقال دع ذا عنك فإن ربي رحيم ثم أنشد يقول: وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد قلت أنظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها إلى الرحمة ونسي شدة العقاب بانتهاك تلك الحرمة وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلا زنى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له تب إلى الله فقال إياي تخوفون حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أفترى لا أكون أنا منهم". قال المصنف ﵀ وخطأ هذا الرجل من وجهين أحدهما أنه نظر إلى جانب الرحمة الله ولم ينظر إلى جانب العقاب والثاني أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب كما قال : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهذا التلبيس هو الذي هلك عامة العوام وقد كشفناه

стр. 390

في ذكر أهل الإباحة. فصل: ومن العوام من يقول هؤلاء العلماء يحافظون على الحدود فلان يفعل كذا وفلان يفعل كذا فأمري أنا قريب وكشف هذا التلبيس أن الجاهل والعالم في باب التكليف سواء فغلبة الهوى للعالم لا يكون عذرا للجاهل وبعضهم يقول ما قدر ذنبي حتى أعاقب ومن أنا حتى أواخد وذنبي لا يضرة وطاعتي لا تنفعه وعفوه أعظم من جرمي كما قال قائلهم: من أنا عند الله حتى إذا … أذنبت لا يغفر لي ذنبي وهذه حماقة عظيمة كأنهم اعتقدوا أنه لا يؤاخذ إلا ضدا أو ندا ثم ما علموا أنه بالمخالفة قد صاروا في مقام معاند وسمع ابن عقيل ﵀ رجلا يقول من أنا حتى يعاقبني الله فقال له أنت الذي لو أمات الله جميع الخلائق وبقيت أنت لكان قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابا لك ومنهم من يقول سأتوب وأصلح وكم من ساكن الأمل من أبله فاختطفه الموت قبله وليس من الحزم تعجيل الخطأ وانتظار الصواب وربما لم تتهيأ التوبة وربما لم تصح وربما لم تقبل ثم لو قبلت بقي الحياء من الجنابة أبدا فمرارة خاطر المعصية حتى تذهب أسهل من معاناة التوبة حتى تقبل ومنهم من يتوب ثم ينقض فيلج عليه إبليس بالمكائد لعلمه بضعف عزمه وبإسناد عن الحسن أنه قال إذا نظر إليك الشيطان ورآك على غير طاعة الله تعالى فنعاك وإذا رآك مداوما على طاعة الله ملك ورفضك وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك. فصل: ومن تلبيسه عليهم أن يكون لأحدهم نسب معروف فيغتر بنسبه فيقول أنا من أولاد أبو بكر وهذا يقول أنا من أولاد علي وهذا يقول أنا شريف من أولاد الحسن أو الحسين أو يقول أنا قريب النسب من فلان العالم أو من فلان الزاهد وهؤلاء يبنون أمرهم على أمرين أحدهما أن يقولون من أحب إنسانا أحب أولاده وأهله والثاني أن هؤلاء لهم شفاعة وأحق من شفعوا فيه أهلهم وأولادهم وكلا الأمرين غلط أما المحبة فليس محبة الله كمحبة الآدمين وإنما يحب من أطاعه فإن أهل الكتاب من أولاد يعقوب ولم ينتفعوا بآبائهم ولو
следующие страницы →