Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
[فَصْلٌ الذَّبْحِ فِي مَوَاسِمِ النَّصَارَى]
فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الذَّبِيحَةُ قَلِيلَةَ الشَّحْمِ يَجْعَلُ مَعَهَا شَحْمَ غَيْرِهَا لِكَيْ يُرْغَبَ فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ لِكَثْرَةِ دُهْنِهِ وَهَذَا غِشٌّ «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الذَّبْحِ فِي مَوَاسِمِ النَّصَارَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ تَعْظِيمٌ لِمَوَاسِمِهِمْ وَالْمُسْلِمُونَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ
[فَصْلٌ الذَّبْح لِغَيْرِ الْقِبْلَة]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ فِي مَوْضِعٍ مُسْتَدِيرٍ فَلَا يُصَادِفُ الْقِبْلَةَ إلَّا بَعْضُهُمْ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهَا سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ وَفِيمَنْ تَرَكَهَا خِلَافٌ هَلْ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَمْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى تَأْتِيَ نَوْبَتُهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَحِينَئِذٍ يَذْبَحُ إلَيْهَا.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِاعْتِنَاءُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ قَوِيٌّ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ هَلْ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَمْ لَا. لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّسْمِيَةِ أَقْوَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الذَّبِيحَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى تَحْلِيلَهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ لَهُ فِي الذَّبِيحَةِ شَيْءٌ مِنْ الْفُرُوضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ غِشٌّ وَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الذَّبْحَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَفِّظًا عَلَى صَلَوَاتِهِ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الذَّبْحَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَفِّظًا عَلَى صَلَوَاتِهِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مُخْتَلَفٌ فِي ذَبِيحَتِهِ هَلْ تُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ وَقَدْ مَرَّ فَإِنْ ذَبَحَ وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّ وَتَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الشَّرَائِحِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
قَدْ مَرَّ فِي نِيَّةِ الْجَزَّارِ مَا مَرَّ، فَالشَّرَائِحِيُّ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ.
أَعْنِي فِي التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا مُحَاوَلَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنْفُسِهِمْ لِمَا وَرَدَ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ
стр. 1122
مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» لَكِنَّ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ تُشْتَرَطُ فِيهِ مِنْهَا أَنْ لَا يَخْلِطَ لَحْمًا لِشَخْصٍ بِلَحْمٍ لِغَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يُبَدِّلَهُ.
وَكَذَلِكَ لَا يَخْلِطُ شَيْئًا مِمَّا يَطْبُخُهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ خَلْطِ الشَّيْرَجِ وَغَيْرِهِ وَخَلْطِ الْأَفَاوِيهِ وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا وَمُوَافِقًا وَالِاحْتِرَازُ فِي هَذَا أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَاطِ الطَّحِينَيْنِ وَإِنْ كَانَا مَعًا وَاجِبَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي كَسْبِهِمْ وَفِيمَا يَشْتَرُونَ بِهِ آلَاتِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الشَّرَائِحِيَّ يَطْبُخُ لِمَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي كَسْبِهِ، وَلَوْ كَانَ حَالُهُ مَرْضِيًّا لَمْ يَجُزْ وَأَكْثَرُ مَنْ يَتَعَاطَى هَذَا السَّبَبَ يَتَسَاهَلُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَغْسِلُونَ الْقِدْرَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَقْذَرِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلًا سَالِمًا بَلْ يَغْسِلُ كُلَّ وِعَاءٍ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ نَظِيفٌ يُبَاشِرُ بِهِ الْغَسْلَ وَالتَّنْظِيفَ كَاللِّيفَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فِي الْخُشُونَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ رَآهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ غِشًّا.
وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْخِرَقِ الَّتِي يَغْسِلُونَ بِهَا آنِيَتَهُمْ وَيَمْسَحُونَهَا بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا خِرَقُ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ إذْ إنَّ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِتَطْهِيرِهَا وَقَدْ يَبْقَى فِيهَا بَقِيَّةٌ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَهَا، وَلَوْ غَسَلَهَا بَعْدَ شِرَائِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمَا شَاكَلَهَا فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَإِذَا أَعْلَمَهُ وَلَمْ يَرْضَ بِأَخْذِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ لَهُ.
وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ لَا يَطْبُخَ عِنْدَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَإِنْ فَعَلَ مَعَ عِلْمِهِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الطَّعَامِ إنْ شَارَكَهُ أَحَدٌ فِيهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا أَنْفَقَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَالْغِشُّ مُحَرَّمٌ
[فَصْلٌ تَرْكُ الْقُدُورِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْشُوفَةً بِأَثَرِ الطَّعَامِ]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَرْكِ الْقُدُورِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْشُوفَةً بِأَثَرِ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُسْرِعُ إلَيْهَا وَقَدْ يُلْقِي فِيهَا شَيْئًا مِنْ سُمِّهِ ثُمَّ
стр. 1123
يَغْسِلُهَا مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِمَا جَرَى فِيهَا فَقَدْ لَا يُبَالِغُ فِي غَسْلِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى إتْلَافِ النُّفُوسِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي أَمْرَاضٍ خَطِرَةٍ فَإِنْ تَرَكَ غَسْلَهَا نَاسِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ الَّذِي طُبِخَ لَهُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَقَدْ غَشَّ «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى طَعَامِ النَّاسِ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ فِي الدُّكَّانِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ فَإِنْ عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُ صَاحِبِهِ لِيَتَحَلَّلَ مِنْهُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ نَظَافَةِ أَيْدِيهِمْ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا غَسَلَ الْقُدُورَ مِمَّا كَانَ فِيهَا أَنْ يُغَطِّيَهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ غَسَلَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ رَائِحَةِ مَا كَانَ فِيهَا تَعَلَّقَ بِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَجِيءِ الْحَيَوَانِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ وَيَنْبَغِي إذَا طَبَخَ فِي قُدُورٍ وَأَفْرَغَ مَا فِيهَا لِصَاحِبِهِ وَغَطَّاهَا وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ بَاتَتْ وَأَرَادَ أَنْ يَطْبُخَ فِيهَا أَنْ يَغْسِلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ إذَا بَقِيَ أَثَرُهَا يُخَافُ مِنْ ضَرَرِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ تَعَافُهُ نَفْسُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا طَبَخَ فِيهَا ثُمَّ أَفْرَغَهُ مِنْهَا ثُمَّ طَبَخَ فِيهَا الْآخَرَ فَلَا بَأْسَ إذَنْ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الطَّعَامِ الثَّانِي لِلْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فِي طَحِينِ شَخْصٍ بَعْدَ طَحِينِ شَخْصٍ آخَرَ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَطْبُخَ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ فَلْيَفْعَلْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَمُرُّونَ عَلَى دُكَّانِهِ وَيَشُمُّونَ تِلْكَ الرَّوَائِحَ وَفِيهِمْ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَالصَّغِيرُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْحَامِلُ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِ الطَّعَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَطْلُبُ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَمَنْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ أُعْطِيَ فَالنَّزْرُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَرُدُّ شَهْوَتَهُ وَهَذَا إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ حَاضِرًا وَالْغَالِبُ عَدَمُ حُضُورِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ أَذِيَّةِ الْجَارِ بِرَائِحَةِ الْقِدْرِ هَذَا وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ جِدَارٌ
стр. 1124
فَمَا بَالُك بِمَا يُطْبَخُ فِي السُّوقِ وَالنَّاسُ يَرَوْنَهُ وَيَشُمُّونَ رَائِحَتَهُ فَالْغَالِبُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْخِلَ التَّشْوِيشَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» سِيَّمَا إنْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَمَعَهُمَا صَغِيرٌ أَوْ صِغَارٌ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ.
وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِأَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ الْمَرَقَةَ فِي طَعَامِهِ لِيُعْطِيَ الْجِيرَانَ مِنْهَا. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ احْتَاجَ إلَى الطَّبْخِ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الْمَرَقَةِ وَيُكْثِرَ مِنْ الْإِعْطَاءِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَهَذَا أَمْرٌ عَسِرٌ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْبُخَ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِرَائِحَةِ الْقِدْرِ فِي الْبَيْتِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي السُّوقِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُطْعِمَ الْجِيرَانَ مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ﵊ الْعِلَّةَ فِي إطْعَامِ الْجَارِ وَهِيَ أَنْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ بِرَائِحَةِ قِدْرِهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ أَوْجَدُ فِيمَا طُبِخَ فِي السُّوقِ وَالْمُكَلَّفُ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَعُمَّ كُلَّ مَنْ يَتَشَرَّفُ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْجِيرَانِ. وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
(فَصْلٌ) وَيُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ مَا اُشْتُرِطَ فِي صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ وَفِي السَّقَّاءِ وَصَبِيِّهِ.
وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّعَامِ إذَا أَتَى لَهُ بِهِ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ حَامِلَهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَنْ يُبَاشِرُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» وَيَنْبَغِي لِلشَّرَائِحِيِّ إذَا أَرْسَلَ الْقِدْرَ مَعَ صَبِيِّهِ إلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُغَطِّيَهَا؛ لِأَنَّ بِتَغْطِيَتِهَا تَقِلُّ أَذِيَّةُ النَّاسِ بِرَائِحَتِهَا وَمِنْ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ النَّظَرُ لِمَا فِيهَا فَتَكُونُ التَّغْطِيَةُ مُتَعَيِّنَةً لِمَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ هُوَ الْحَامِلُ لَهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ أَيْضًا بِتَغْطِيَتِهَا لَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ
стр. 1125
لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّبَّاخِ الَّذِي يَبِيعُ فِي السُّوقِ]
فَيَنْوِيَ بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الشَّرَائِحِيِّ.
لَكِنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ بِطَبْخِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَعْجِزُونَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ يَقْدِرُونَ عَلَى فِعْلِهِ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ فِي مُحَاوَلَتِهِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي تَصَرُّفِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرَائِحِيِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرَائِحِيَّ يَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُغَطِّيَ مَا طَبَخَهُ إذَا أَرْسَلَهُ إلَى صَاحِبِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ إذَا كَانَ مَكْشُوفًا وَالطَّبَّاخُ إذَا تَرَكَ طَعَامَهُ مَكْشُوفًا تَشَوَّفَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي حَقِّ الطَّبَّاخِ؛ لِأَنَّهُ إنْ غَطَّى طَعَامَهُ تَعَذَّرَتْ رُؤْيَةُ الْمُشْتَرِي لَهُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْ بَيْعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْوِي بِطَبْخِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فَيَنْبَغِي لَهُ إظْهَارُ طَعَامِهِ لِيَتِمَّ لَهُ قَصْدُهُ وَإِذَا كَشَفَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا وَفِيهِ عُيُونُ أُولَئِكَ فَيَحْتَاجُ مَنْ يَشْتَرِيهِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُبَالِغُ فِي الْإِطْعَامِ مِنْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ الطَّعَامِ قَلِيلًا فَيُعْطِي مِنْهُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَلَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ لِمَنْ يَرَى أَنَّ الدَّفْعَ لَهُ أَصْلَحُ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ وَالْمُحْتَاجِينَ وَإِذَا حَمَلَهُ إلَى بَيْتِهِ فَتَغْطِيَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبَّاخِ أَنْ لَا يَطْبُخَ إلَّا لَحْمًا مُنْفَرِدًا لَا يَخْلِطُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ اللُّحُومِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ مِنْ خَلْطِهِمْ اللَّحْمَ الضَّانِيَ مَعَ الْبَقَرِيِّ وَيَبِيعُونَهُ كُلَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَحْمُ ضَأْنٍ وَهَذَا كُلُّهُ غِشٌّ وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ اللَّحْمَ الْبَقَرِيَّ الصَّغِيرَ وَيَطْبُخُونَهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ لَحْمُ ضَأْنٍ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَهُمْ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ وَطَبَخُوا اللَّحْمَ الطَّرِيَّ خَلَطُوا مَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي طَبَخُوهُ بِالْأَمْسِ
стр. 1126
وَبَاعُوهُ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا طُبِخَ الْيَوْمَ وَذَلِكَ غِشٌّ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِمَا فَعَلَهُ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ إنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ فَإِنْ فَاتَ الطَّعَامُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ كُلِّ مَنْ بَاعَهُ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَذِمَّتُهُ مَشْغُولَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ رَدُّ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمَا.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا طَبَخَ اللَّحْمَ صَلَقَهُ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى النُّضْجِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا - أَنْ يَثْقُلَ فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَضِجَ خَفَّ فِي الْوَزْنِ.
وَالثَّانِي - خِيفَةَ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَدْخُلَهُ الرَّائِحَةُ لِنُضْجِهِ.
وَالثَّالِثُ - أَنَّ النَّاضِجَ مِنْ اللَّحْمِ إذَا بَاتَ يَظْهَرُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْغَالِبِ أَنَّهُ بَائِتٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ طَرِيًّا فَإِنَّهُ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَاتَ اللَّحْمُ عِنْدَهُمْ مَطْبُوخًا اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ شِرَاءِ اللَّحْمِ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ وَطَبَخُوا الطَّعَامَ بِالدُّهْنِ فَقَطْ وَبَاعُوا اللَّحْمَ الَّذِي بَاتَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَحْمٌ طَرِيٌّ طُبِخَ بِهِ هَذَا الطَّعَامُ الْيَوْمَ
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَطْبُخُونَ اللَّحْمَ السَّمِيطَ الَّذِي بَاتَ عِنْدَهُمْ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ لَحْمٌ طَرِيٌّ، وَلَا يُبَيِّنُونَ، وَلَوْ بَيَّنُوهُ لَمْ يَجُزْ لِمَا تَقَدَّمَ فِيهِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْلِطُ مَعَهُ لَحْمَ السَّلِيخِ وَيَطْبُخُونَهُمَا مَعًا وَهُوَ مُلْحَقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمِثْلُهُمَا فِي الْمَنْعِ الدُّهْنُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ دُهْنَ الْبُدْنِ؛ لِأَنَّهُ دُهْنُ السَّمِيطِ فِي الْغَالِبِ
[فَصْلٌ الطَّبْخُ فِي قُدُورِ الْبِرَامِ الْمَشْعُوبَةِ]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الطَّبْخِ فِي قُدُورِ الْبِرَامِ الْمَشْعُوبَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُشَعِّبُهَا يَطْلِي عَلَيْهَا بِالدَّمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَيَتَنَجَّسُ مَا طُبِخَ فِيهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ مِنْهَا وَيُغْسَلَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ
[فَصْلٌ شِرَاء مرقة الطَّعَام وزنا]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا مَرَقَةُ الطَّعَامِ فَلَا يَشْتَرِيهَا وَزْنًا إلَّا أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً مِنْ أَنْ يَخْتَلِطَ بِهَا غَيْرُهَا فَإِنْ اخْتَلَطَ بِهَا غَيْرُهَا تَعَيَّنَ شِرَاؤُهَا جُزَافًا.
مِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ
стр. 1127
الْمَرَقَةُ فِيهَا حِمَّصٌ أَوْ أَرُزٌّ أَوْ سِلْقٌ أَوْ قُلْقَاسٌ أَوْ بَاذِنْجَانٌ أَوْ دُبَّاءُ أَوْ جَزَرٌ أَوْ كُرُنْبٌ أَوْ لُفْتٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ مَرَقَتِهِ عَلَى الْوَزْنِ لِدُخُولِ الْجَهَالَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مُغَابَنَةٍ.
وَالْحَاصِلُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُرِيدُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ وَالْبَائِعُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ أَقَلَّ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَزْنًا وَيَجُوزُ جُزَافًا بَعْدَ أَنْ يُجْعَلَ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي وَيَطَّلِعَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْمَرَقَةِ وَغَيْرِهَا، وَمِثْلُ هَذَا شِرَاءُ الْعَدَسِ وَالْبِسِلَّةِ الْمَطْبُوخَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَفِيهِمَا السِّلْقُ وَالْقُلْقَاسُ فَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ذَلِكَ وَزْنًا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَجُوزُ جُزَافًا بِشَرْطِ مُعَايَنَةِ الْمُشْتَرِي لِذَلِكَ كَمَا سَبَقَ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ اللَّبَّانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ اللَّبَّانَ يَنْبَغِي لَهُ أَوَّلًا أَنْ يَنْوِيَ بِمُحَاوَلَةِ اللَّبَنِ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ هُوَ الْقُوتُ وَالطَّعَامُ نَوْعٌ مِنْ إدَامِهِ وَاللَّبَنُ أَشْرَفُ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَإِدَامٌ إذْ إنَّهُ قَدْ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَيُحْضِرُ نِيَّتَهُ عِنْدَ مُحَاوَلَتِهِ لَهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالنِّيَّةُ لَا تَحْصُلُ لَهُ إلَّا بِمُرَاعَاةِ إتْبَاعِ لِسَانِ الْعِلْمِ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ وَأَوْجَبُ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أُحْدِثَ فِيهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ اللَّبَنَ إلَّا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا بِمُعَايَنَةٍ لَهُ فَيَجُوزُ بِشُرُوطِ الْبَيْعِ، وَإِمَّا أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ فَيَجُوزُ بِشُرُوطِ السَّلَمِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ ارْتِكَابِ عَادَةٍ ذَمِيمَةٍ خَالَفُوا فِيهَا الشَّرْعَ الشَّرِيفَ وَهُوَ أَنَّ اللَّبَّانَ يَأْخُذُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ اللَّبَنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مَعَ صَاحِبِ اللَّبَنِ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَلَا مُعَاقَدَةٍ شَرْعِيَّةٍ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَقُولُ لَهُمْ كَبِيرُهُمْ مِنْ السِّعْرِ فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ فَيَئُولُ أَمْرُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ إلَى الْمُنَازَعَةِ فِي سِعْرِ اللَّبَنِ فَإِنَّ صَاحِبَ اللَّبَنِ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ وَاللَّبَّانُ يُنَازِعُهُ فِيهَا، وَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ الْمُنَازَعَةِ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا
стр. 1128
دَخَلَا عَلَى الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهَذِهِ الْعَادَةُ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ شِرَائِهِ وَهُمْ يَفْعَلُونَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَرَى ذَلِكَ إلَى مَا يُطْبَخُ بِهِ مِنْ الْأَرُزِّ وَغَيْرِهِ وَسَبَبُ وُقُوعِهِمْ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ عَدَمُ النَّظَرِ إلَى أَمْرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَنَهْيِهِ فَلَوْ سَأَلُوا أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْهُ لَبَيَّنُوا لَهُمْ الْحُكْمَ فِيهِ وَعَرَفُوهُ.
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ، وَلَا مَا عُمِلَ فِيهِ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّ مَنْعَهُ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْفَحَةَ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا الْجُبْنُ نَجِسَةٌ.
لَكِنَّ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ الَّذِي قَالَهُ ﵀ أَخَفُّ مِنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي نَجَاسَةِ الْإِنْفَحَةِ وَطَهَارَتِهَا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَبَوْلُهُ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي مَنْعِهِ
[فَصْلٌ صَبْغِ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ حَتَّى يَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ صَبْغِ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ حَتَّى يَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْنُهُ يَمِيلُ إلَى الصُّفْرَةِ وَهَذَا غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا عُذْرَ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ عَادَةٌ قَدْ عُلِمَتْ بِالْعُرْفِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمَذْمُومَةَ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ لَا تُرَاعَى، وَلَا يُرْجَعُ إلَيْهَا وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُمْ. وَهَذَا ضِدُّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ النَّصِيحَةِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِتَرْكِ الْغِشِّ لَهُمْ
[فَصْلٌ تَغْطِيَةَ أَوَانِي اللَّبَنِ]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُهْمِلُونَ تَغْطِيَةَ أَوَانِي اللَّبَنِ وَتَغْطِيَتُهَا مُتَعَيِّنَةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لَبَنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ يَتَتَبَّعُ الرَّائِحَةَ فَإِنْ كَانَ الْوِعَاءُ فِيهِ لَبَنٌ أَلْقَى سُمَّهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فَارِغًا فَكَذَلِكَ فَيُخَافُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى مَنْ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْهُ يُصِيبُهُ مَا يُكْرَهُ وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ النُّفُوسِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُ أَوَانِي اللَّبَنِ وَتَنْظِيفُهَا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ كُلَّ إنَاءٍ عَلَى حِدَتِهِ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَغْسِلُ الْأَوْعِيَةَ
стр. 1129
بِالْمَاءِ الَّذِي غَسَلَ بِهِ الْوِعَاءَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَهَكَذَا وَذَلِكَ لَا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الِاسْتِقْذَارِ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَجِدُ الْحَلِيبَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْأَوَانِي لَهُ ذَفِرَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْمَلْ فِيهَا.
وَقَدْ يَكُونُ بِظَاهِرِ الْوِعَاءِ مِنْ أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ وَهُمْ يَغْسِلُونَ ظَاهِرَ الْوِعَاءِ وَبَاطِنَهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا غَسَلَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ نَجَّسَهُ وَنَجَّسَ مَا أَصَابَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ كُلَّ إنَاءٍ وَحْدَهُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَمَا تَقَدَّمَ
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَغْطِيَتُهَا بَعْدَ غَسْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا لَبَنَ فِيهَا لِمَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَلَوْ فُرِضَتْ السَّلَامَةُ مِنْ ذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ تَغْطِيَتُهَا لِمَا يُخْشَى مِنْ وُقُوعِ الذُّبَابِ وَالْغُبَارِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ
[فَصْلٌ الصِّحَافِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا اللَّبَنُ لِلْمُشْتَرِي]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي الصِّحَافِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا اللَّبَنُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَغْسِلُونَهَا وَمَنْ يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ يَغْسِلُهَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ طَهُورًا فَقَدْ تَنَجَّسَ بِغَسْلِ الْوِعَاءِ الْأَوَّلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ يُوقِدُونَ عَلَيْهَا بِالنَّجَاسَةِ هَذَا إنْ كَانَ طِينُ الصِّحَافِ طَاهِرًا فَيَحْتَاجُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُ كُلِّ إنَاءٍ عَلَى حِدَتِهِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ تَنَجَّسَ اللَّبَنُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ ثَمَنَهُ لِمُشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضُهُمْ يَنْفُضُ مَا فِيهَا مِنْ الْغُبَارِ وَيَجْعَلُ فِيهَا اللَّبَنَ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ وَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْبَنَّاءِ]
اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ وَيَضْطَرُّونَ إلَيْهَا كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ بِهَا يَسْتَتِرُ الْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ وَالطَّائِعُ وَالْعَاصِي وَالْمُخْلِطُ وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦]
стр. 1130
أَيْ سَتْرًا لِعَوْرَاتِكُمْ فِي حَالِ حَيَاتِكُمْ وَسَتْرًا لِجِيَفِ أَجْسَادِكُمْ بِالدَّفْنِ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نِيَّةِ الْخَبَّازِ وَالْفَرَّانِ وَالسَّقَّاءِ مَا تَقَدَّمَ فَمِثْلُهُ فِي الْبَنَّاءِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْقِيَامَ بِهَذَا الْفَرْضِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ فَمَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ وَمَعَ هَذَا فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ قَائِمًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَيَرْجِعُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ كُلُّ عَمَلِهِ لِلْآخِرَةِ صَرْفًا وَالرِّزْقُ الْمَقْسُومُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بَعْدَ حُصُولِ حَظِّهِ مِنْ آخِرَتِهِ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ بَدَأَ بِحَظِّهِ مِنْ دُنْيَاهُ فَاتَهُ حَظُّهُ مِنْ آخِرَتِهِ وَلَمْ يَنَلْ مِنْ دُنْيَاهُ إلَّا مَا قُسِمَ لَهُ وَمَنْ بَدَأَ بِحَظِّهِ مِنْ آخِرَتِهِ نَالَ مِنْ آخِرَتِهِ مَا أَحَبَّ وَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ دُنْيَاهُ مَا قُسِمَ لَهُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ بِنَاءَ السَّلَفِ ﵃ لَمْ يَكُنْ عَلَى صِفَةِ الْبُنْيَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُيُوتَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا يُشْبِهُ بِنَاءَ السَّلَفِ وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ بِخَشَبِ النَّخْلِ وَجَرِيدِهِ وَبِالْقَصَبِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ بِنَاءِ السَّلَفِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَكَثِيرٌ مِنْ الْبُيُوتِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا صَغِيرَةٌ ضَيِّقَةٌ فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِبُنْيَانِ السَّلَفِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى جِهَةِ الِاتِّسَاعِ الْخَارِقِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيَنْبَغِي لِلْبَنَّاءِ أَنْ لَا يَعْمَلَ عِنْدَ صَاحِبِهِ شَيْئًا إلَّا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَغْضَبَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَدْعُوَ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَالضَّرُورَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ صَاحِبِ الْبُنْيَانِ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَى فِعْلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْتِ مِنْ الزَّخْرَفَةِ وَالطِّلَاءِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ عِنْدَهُ وَيَتَجَشَّمَ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ لِئَلَّا يَكُونَ مُعِينًا عَلَى إضَاعَةِ الْمَالِ وَالسَّرَفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ
[فَصْلٌ النَّصِيحَةِ فِي الْبُنْيَانِ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنَ عَلَى الصَّانِعِ إذَا عَمِلَ أَنْ يَنْصَحَ صَاحِبَ الْعَمَلِ فِيمَا هُوَ يَعْمَلُ لَهُ وَأَنْ يُوَفِّرَ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةَ فَمَهْمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَ مَعَ وُجُودِ النَّصِيحَةِ فِي
стр. 1131
الْبُنْيَانِ حَتَّى لَا يَخْتَلَّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطْلُبَ مِنْ الْمُؤْنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إضْرَارٌ بِصَاحِبِ الْبِنَاءِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْبَنَّائِينَ مَنْ يَرْتَكِبُ هَذَا وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» وَمِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ» وَمِنْهُ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ كَثِيرَةٍ يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِهِ بَعْضَهَا أَوَّلًا وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ لَهُ ثُمَّ إذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ طَلَبَ زِيَادَةَ الْمُؤْنَةِ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَضْعَافَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهَذَا غِشٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَرَفَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَوَّلًا لَأَخَّرَ أَمْرَهُ إلَى أَنْ يُيَسَّرَ عَلَيْهِ فَأَوْقَعَهُ بِسَبَبِ الْكَذِبِ فِي التَّكَلُّفِ بِأَخْذِ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ إلَى تَمَامِ الْبِنَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِ إذْ إنَّهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ فِي الْغَالِبِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُسْرِعُونَ فِي الْعَمَلِ لِكَيْ يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ يَنْصَحُونَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ يُسْرِعُ الْإِخْلَالُ بِالْعَمَلِ فَتَكُونُ طُوبَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَدِّ الْجِدَارِ وَأُخْرَى دَاخِلَةٌ فِيهِ بِسَبَبِ الْإِسْرَاعِ وَذَلِكَ عَيْبٌ فِي الْعَمَلِ وَنَقْصٌ فِي الصَّنْعَةِ وَبِسَبَبِهِ يَحْتَاجُ إلَى التَّرْمِيمِ عَنْ قُرْبٍ لِضَعْفِ الْجِدَارِ بِسَبَبِ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ الطُّوبِ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَكْسِ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ الطُّوبَةَ فِي يَدِهِ وَيَنْظُرُهَا وَيُقَلِّبُهَا وَيَنْحِتُهَا، وَلَا يَضَعُهَا فِي مَوْضِعِ الْعَمَلِ إلَّا بَعْدَ بُطْءٍ وَذَلِكَ مُضِرٌّ بِصَاحِبِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ بِذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا الْقَلِيلَ وَالْمُتَعَيَّنُ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَسَطُ لَا الْإِسْرَاعُ الْمُخِلُّ بِالْعَمَلِ، وَلَا الْبُطْءُ الْمُضِرُّ بِصَاحِبِهِ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]
стр. 1132
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ مِمَّا يُعْمَلُ بِالطِّينِ وَالْجِيرِ أَنْ يَتَحَرَّى اعْتِدَالَ قَدْرِهِمَا فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَكْثَرَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَنَقَصَ مِنْ الْآخَرِ اخْتَلَّ الْعَمَلُ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَفَقَّدُ بِالسَّقْيِ عَلَى قَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْجِيرُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى السَّقْيِ بَعْدُ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا الْعَمَلُ قُرْبَ مَوْضِعٍ يَكُونُ مَكْشُوفًا لِلشَّمْسِ فَيَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ كَثِيرًا وَآخَرُ يَكُونُ فِي الظِّلِّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْأَقَلِّ مِنْ الْأَوَّلِ وَآخَرُ يَكُونُ فِي السِّبَاخِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْأَقَلِّ مِنْ الثَّانِي فَإِنْ عُكِسَ فِي السَّقْيِ أَخَلَّ بِالْعَمَلِ وَأَضَرَّ بِصَاحِبِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِقَدْرِ السَّقْيِ لِكُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَحَ فِي عَمَلِهِ فَلَا يَبْنِي بِالْجِبْسِ فِي مَوْضِعِ السِّبَاخِ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي الْعَمَلِ وَغِشٌّ لِصَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ فِي عَكْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ بِالطِّينِ وَالْجِيرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ فَيَبْنِي كُلَّ وَاحِدٍ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُ وَيَبْقَى مَعَهُ وَيَنْوِي بِذَلِكَ امْتِثَالَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بَذْلِ النَّصِيحَةِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْعَمَلِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ إلَّا مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالدِّينِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ مِنْهُ فِي الدُّورِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ تُوُقِّعَتْ الْمَفَاسِدُ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لِلْحَرِيمِ أَنْ يَخْرُجْنَ عَلَيْهِ
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ صَاحِبُ الْعَمَلِ حَاضِرًا نَصَحُوا فِي الْعَمَلِ وَلَمْ يَتَوَانَوْا وَإِذَا كَانَ غَائِبًا اشْتَغَلُوا فِي الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ وَأَبْطَئُوا فِي الْعَمَلِ
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا قَعَدُوا لِلْأَكْلِ أَبْطَئُوا كَثِيرًا وَذَلِكَ يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْعَمَلِ بَلْ يَأْكُلُونَ مُسْرِعِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ
стр. 1133
يُخِلُّوا بِالسُّنَّةِ فِي أَكْلِهِمْ مِثْلُ تَصْغِيرِ اللُّقْمَةِ وَتَطْوِيلِ الْمَضْغَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآدَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا
[فَصْلٌ عَلَى الصَّانِعِ وَمَنْ يَكُونُ مَعَهُ التَّحَفُّظُ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ]
فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الصَّانِعِ وَمَنْ يَكُونُ مَعَهُ التَّحَفُّظُ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَيُبَادِرُونَ إلَى إيقَاعِهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ بِتَوَابِعِهَا وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أُدِّبَ الْأَدَبَ الشَّرْعِيَّ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الْعَمَلِ أَوْ مَنْ يَعْمَلُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُوقَعُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَتَوَابِعُهَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِجَارَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]
[فَصْلٌ فِي الصَّائِغِ]
اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ الصَّائِغَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ حَسَنَةً وَيُشْعِرَ نَفْسَهُ بِهَا حِينَ التَّلَبُّسِ بِمَا يُحَاوِلُهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ صَنْعَتِهِ إنَّمَا هُوَ لِزَخْرَفَةِ الدُّنْيَا فَيُزِيلُ ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ الْحَسَنَةِ، وَكَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَنْوِيَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ وَالتَّفْرِيجِ عَنْهُمْ وَتَتْمِيمِ مَقَاصِدِهِمْ الْمَحْمُودَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» وَمِنْ حُسْنِ التَّبَعُّلِ الزِّينَةُ وَأَعْظَمُهَا وَأَفْخَرُهَا لُبْسُ الْحُلِيِّ فَإِذَا نَوَى إعَانَتَهُمْ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِهِمْ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَيَبْقَى فِي عِبَادَةٍ وَخَيْرٍ دَائِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي صَنْعَتِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الرِّبَا وَيُوقِعُ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنْهُ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُدَنِّسَ نِيَّتَهُ الَّتِي نَوَاهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يُفْسِدُهَا مِثْلَ أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ لِامْرَأَةٍ مُتَّهَمَةٍ بِالْبِغَاءِ أَوْ مُتَبَرِّجَةٍ وَإِنْ لَمْ تُتَّهَمْ بِذَلِكَ. فَإِنَّ فِعْلَ هَذَا مِمَّا يُفْسِدُ بِهِ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 1134
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ مَعَ امْرَأَةٍ إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا يُحَاوِلُهُ لَهَا مِنْ صَنْعَتِهِ أَوْ يَبِيعُ لَهَا أَوْ يَشْتَرِي مِنْهَا، وَلَا يَتْرُكُهَا تَكْشِفُ شَيْئًا مِنْ مِعْصَمِهَا أَوْ سَاقِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا لِأَجْلِ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِأَنْ تَقِيسَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ بِخَيْطٍ وَتَأْتِي بِهِ مَعَهَا أَوْ تَأْتِي بِسِوَارٍ يَقِيسُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ تَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَائِلٍ عَلَى يَدِهَا وَتَقِيسُهُ لِنَفْسِهَا مِنْ تَحْتِ إزَارِهَا أَوْ تَصِفُ لَهُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا فِي الْخُفِّ، وَلَا تَتَكَلَّمُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَتَجْعَلُ أُصْبُعَهَا فِي فَمِهَا حِينَ كَلَامِهَا لِتُخَشِّنَ كَلَامَهَا مَهْمَا اسْتَطَاعَتْ. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عَدِمَتْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ فَإِنْ وَجَدَتْ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا فِتْنَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا فَيُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِكُلِّهِنَّ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْمُتَجَالَّةِ الَّتِي لَا إرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فَتُرْسِلُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَجَالَّاتِ اللَّاتِي لَا يُنْظَرُ إلَيْهِنَّ، وَلَا يُعْبَأُ بِهِنَّ، وَلَا فِتْنَةَ فِي صُوَرِهِنَّ، وَلَا فِي كَلَامِهِنَّ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَلْتَسْتَغْنِ عَنْ الْحُلِيِّ فَهُوَ أَفْضَلُ لَهَا عِنْدَ رَبِّهَا وَأَكْثَرُ ثَوَابًا وَإِذَا وَجَدَتْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا مِمَّنْ ذُكِرَ فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَحْكَامِ الرِّبَا وَالصَّرْفِ وَكَيْفِيَّةِ تَخْلِيصِ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ وَمَا شَاكَلَهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَعْلَمُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهَا إرْسَالُهُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهَا إنْ تَوَلَّتْ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ فِي زَوْجِهَا وَذَوِي مَحَارِمِهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ النِّسَاءَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُنَّ فِي الْغَالِبِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا يَجِدْنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُنَّ فِيهَا غَالِبًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْمَلَ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْرِفَ أَمْرَ دِينِهَا مِثْلَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَكَذَلِكَ فِي شِرَاءِ حَوَائِجِهَا وَكَمَا تَخْرُجُ لِقَضَاءِ مَا تُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتِهَا فَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْأَلَ أَهْلَ
стр. 1135
الْعِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالسُّؤَالِ تَمْضِي فِي قَضَاءِ حَاجَتِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَهَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: مَعْنَاهُ مَا وَجَبَ عَلَيْك عَمَلُهُ وَجَبَ عَلَيْك الْعِلْمُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ الطَّاعَةَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ فَلَيْسَتْ بِطَاعَةٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الصَّائِغَ يَقْعُدُ فِي دُكَّانِهِ وَيَمْتَلِئُ عَلَيْهِ الدُّكَّانُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ بِالنِّسَاءِ مَعَ كَوْنِهِ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ فِي الْغَالِبِ وَيُبَاشِرُهُنَّ بِيَدِهِ حِينَ قِيَاسِ مَا صَاغَهُ لَهُنَّ فَيَتَعَيَّنُ الْحَذَرُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْقُلُوبَ وَيُخِلُّ بِالنِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا. أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ فِي صِيَاغَتِهِ شَيْئًا مِنْ الصُّوَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ مِمَّا يَفْسُدُ عَلَيْهِ مَا جَلَسَ إلَيْهِ مِنْ نِيَّتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا الْمُتَّفَقِ عَلَى مَنْعِهِ شَرْعًا وَهُوَ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَلْخَالَ وَالسِّوَارَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّا عُمِلَ مِنْ فِضَّةِ الْحَجَرِ الْخَالِصِ بِهَذِهِ الْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ الْيَوْمَ وَذَلِكَ عَيْنُ الرِّبَا وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ فَاعِلَهُ بِالْحَرْبِ
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ فِضَّةَ الْحَجَرِ الْخَالِصَةِ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ الْيَوْمَ وَيَأْخُذُونَ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةَ صِيَاغَتِهِمْ لَهَا مُضَافَةً إلَى ثَمَنِهَا وَحُكْمُهَا الْمَنْعُ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَيْتَهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بَلْ يَفْعَلُونَهُ جِهَارًا فَيُنَادُونَ عَلَيْهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَرَى مَا هُمْ فِيهِ وَيَسْمَعُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِ]
وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فَيَنْوِي بِسَبَبِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ
стр. 1136
مَعَهُ ذَهَبٌ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ كَثِيرًا مِنْ ضَرُورَاتِهِ سِيَّمَا الْمُحَقَّرَاتِ إلَّا بَعْدَ صَرْفِهِ فَإِذَا صَرَفَهُ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ قَضَاءُ بَاقِي حَوَائِجِهِ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ فَتَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْإِعَانَةُ الْعَظِيمَةُ بِسَبَبِ إعَانَتِهِ لِأَخِيهِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَا يُعَانِيهِ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ أَعْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ نِيَّةِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا اُشْتُرِطَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّرْفِ وَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِ الرِّبَا وَيَتَيَقَّظُ لِذَلِكَ، وَلَا يُسَامِحُ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَابَ الصَّرْفِ بَابٌ ضَيِّقٌ لَيْسَ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُسِّعَ فِي بَعْضِ أَشْيَاءَ فِي غَيْرِهِ لَمْ تُوَسَّعْ فِيهِ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ مَا مِنْ الرِّبَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوَعُّدِ بِالْحَرْبِ.
وَلِأَجْلِ كَثْرَةِ مَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ مِنْ الرِّبَا كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّسَبُّبَ فِي ذَلِكَ خِيفَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ وَالصَّيْرَفِيُّ إنْ عَرِيَ عَنْ الْعِلْمِ فِي سَبَبِهِ وَقَعَ فِي الرِّبَا وَأَوْقَعَ غَيْرَهُ فِيهِ وَلِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّبَا.
كَانَ أَصْبَغُ يَكْرَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِجِدَارِ صَيْرَفِيٍّ.
وَقَدْ تَرَكَ ابْنُ الْقَاسِمِ ﵀ مِيرَاثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَكَانَ مَالًا كَثِيرًا جَزِيلًا فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ أَبِي كَانَ صَيْرَفِيًّا وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّرْفِ لَمْ يَحْكُمْهُ أَوْ كَمَا قَالَ.
وَمِنْ كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لِلْفَقِيهِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ ﵀ وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁: الدِّرْهَمُ الْحَلَالُ أَشَدُّ مِنْ لُقِيِّ الزَّحْفِ وَأَكْثَرُ أَكَلَةِ الرِّبَا أَهْلُ الصَّرْفِ. وَكَانَ يَقُولُ: إذَا اسْتَسْقَيْت مَاءً فَسُقِيت مِنْ بَيْتِ صَرَّافٍ فَلَا تَشْرَبْهُ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ إذَا مَرَّ عَلَى الصَّيَارِفَةِ قَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا، قَالُوا: بَشَّرَك اللَّهُ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا بِالنَّارِ، فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقِيلَ لَهُمْ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْنَا: إنَّمَا
стр. 1137
قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّبَا غَالِبٌ عَلَى أَهْلِ الصَّرْفِ لَا يَنْجُونَ مِنْهُ فِي تِجَارَتِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ الْحَسَنُ: إنَّ هَاهُنَا قَوْمًا أَكَلَةُ الرِّبَا لَوْ أَدْرَكَهُمْ مَنْ مَضَى لَنَصَبُوا لَهُمْ الْحَرْبَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْقَمْحِ وَالصَّرْفِ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: التِّجَارَةُ فِي الرَّقِيقِ تِجَارَةٌ مَمْحُوقَةٌ. وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ الدَّلَالَةَ. وَكَرِهَ قَتَادَةُ أُجْرَةَ الدَّلَّالِينَ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي لَا تُسَلِّمْ وَلَدَك فِي بَيْعَتَيْنِ، وَلَا فِي صَنْعَتَيْنِ. أَمَّا الْبَيْعَتَانِ فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ وَبَيْعُ الْأَكْفَانِ. وَأَمَّا الصَّنْعَتَانِ فَهُمَا الْجِزَارَةُ وَالصِّيَاغَةُ أَمَّا الْجَزَّارُ فَإِنَّهُ قَاسِي الْقَلْبِ وَأَمَّا الصَّوَّاغُ فَإِنَّهُ يُزَخْرِفُ الدُّنْيَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ مَا يَعْتَوِرُ الْحَاجَّ فِي حَجِّهِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ]
ُ اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا لَكِنْ لَمَّا أَنْ حَدَثَتْ فِيهِ أُمُورٌ مُتَشَعِّبَةٌ تَعَذَّرَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ بِسَبَبِ مَا يُخَالِطُهَا فِي الْغَالِبِ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ وَيُخْرِجُونَهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا لِأَجْلِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُكَلَّفِ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ إذَا خَرَجَ إلَى الْحَجِّ فَقَدْ سَقَطَ الْحَجُّ عَنْهُ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ فِي الَّذِي يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَى الْحَجِّ، وَلَا يَجِدُ مَوْضِعًا يَسْجُدُ فِيهِ إلَّا عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ أَيَجُوزُ لَهُ الْحَجُّ فَقَالَ ﵀: أَيَرْكَبُ حَيْثُ لَا يُصَلِّي وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْحَاجِّ يَأْتِي
стр. 1138
مُرَاهِقًا لَيْلَةَ النَّحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَذْكُرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدُ فَإِنْ هُوَ اشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَاتَهُ وَقْتُ الْوُقُوفِ وَإِنْ وَقَفَ خَرَجَ وَقْتُ الْعِشَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
قَوْلٌ: يُصَلِّي وَيَفُوتُهُ الْحَجُّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي عَكْسُهُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حِجَازِيًّا أَوْ آفَاقِيًّا فَإِنْ كَانَ حِجَازِيًّا قَدَّمَ الصَّلَاةَ وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا قَدَّمَ الْحَجَّ وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ أَنَّهُ يُصَلِّي كَصَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ فَيُصَلِّي وَهُوَ مَاشٍ أَوْ رَاكِبٌ فَيُدْرِكُهُمَا مَعًا وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْخِلَافُ عِنْدَهُمْ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الْعَظِيمَةِ فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْمُكَلَّفُ الصَّلَاةَ أَوْ يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِ فَرْضِ الْحَجِّ. هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ سِيَّمَا إنْ كَانَ مَنْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ امْرَأَةً فَيَقْوَى الْخِلَافُ فِي أَمْرِهَا إذْ لَا قُدْرَةَ لَهَا فِي الْغَالِبِ عَلَى تَأْخِيرِ الْحَجِّ إلَى سَنَةٍ أُخْرَى إنْ كَانَتْ آفَاقِيَّةً، وَلَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى الْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَرْكُوبٌ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى الْحَجِّ وَيَتْرُكْنَ الصَّلَوَاتِ وَمَنْ صَلَّتْ مِنْهُنَّ تُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ وُجُودِ الِاضْطِرَارِ وَالِاضْطِرَارُ هُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ فِي مَوْضِعِ خَوْفٍ فَيُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ أَوْ يَكُونَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ إذَا نَزَلَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ بَلْ يُومِئُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ فَإِذَا صَلَّيَا عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلْيُومِئَا بِالسُّجُودِ إلَى الْأَرْضِ لَا إلَى كُوَرِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ أَوْمَأَ إلَى كُوَرِ الرَّاحِلَةِ فَصَلَاتُهُمَا بَاطِلَةٌ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُهَا أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي حَقِّهَا.
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ نُزُولَ الْمَرْأَةِ وَرُكُوبَهَا عَوْرَةٌ مُطْلَقًا لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ كَشْفِهَا وَنَظَرِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ لَهَا وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ لَا غَيْرَةَ فِي هَذَا الزَّوْجِ، وَلَا مَحْرَمَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَغْيَرُ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ ذِي
стр. 1139
مَحَارِمِهَا.
﵊ «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ» وَقَدْ أَمَرَهُنَّ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّينَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُنَّ بِهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُنَّ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَا فِي إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا أَوْ صَلَاتِهَا عَلَى الْمَحْمَلِ لِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ إلَّا مَا ذُكِرَ قَبْلُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَنْزِلَ إلَى فِعْلِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا فَعَلَتْهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا النُّزُولُ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَتَسْتَتِرُ جَهْدَهَا وَيَحْرُمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ النَّظَرُ إلَيْهَا.
هَذَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ. وَأَمَّا السُّنَنُ فَجَائِزٌ فِعْلُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً» .
وَكَذَلِكَ صَلَاةُ اللَّيْلِ إلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ لَا يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ إلَّا بِطَاعَتِهِ وَطَاعَتُهُ فِعْلُ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكُ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ.
فَمِنْ تَقْوَاهُ تَقْدِيمُ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ وَتَقْدِيمُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى تَرْكِ الْمَكْرُوهَاتِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ الْجَاهِلُونَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ يَتَقَرَّبُونَ وَهُمْ مِنْهُ مُبْتَعِدُونَ فَيُضَيِّعُ أَحَدُهُمْ الْوَاجِبَاتِ حِفْظًا لِلْمَنْدُوبَاتِ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ صَوْنًا عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ، وَلَا يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا ذَوُو الضَّلَالَاتِ وَأَهْلُ الْجَهَالَاتِ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُقَدِّمَ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ وَيُؤَخِّرَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ . فَآكَدُ الْفَرَائِضِ وَأَعْلَاهَا وَأَعْظَمُهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إقَامَةُ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا. قَالَ ﵊ «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» وَقَالَ ﵊ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَمَنْ أَبَى فَهُوَ كَافِرٌ وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ» وَقَالَ ﵊ «مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ مَوْضِعُ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ» وَإِذَا كَانَتْ
стр. 1140
الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُسَافِرُونَ لِلْحَجِّ وَيُضَيِّعُونَ الصَّلَاةَ فِي الْغَالِبِ وَمَنْ يُضَيِّعُهَا مِنْهُمْ عَلَى أَقْسَامٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهَا أَلْبَتَّةَ حَتَّى يُقِيمَ وَحِينَئِذٍ يُصَلِّي وَمِنْهُمْ مَنْ يُوقِعُهَا فِي وَقْتِهَا بِالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ التَّيَمُّمَ إلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ. قَالَ اللَّهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يَتَيَمَّمُ وَالْقِرَبُ مَعَهُ مَلْآنَةُ بِالْمَاءِ وَيَعْتَلُّونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ عَطْشَانُ مَعَهُمْ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْقُونَ غَيْرَهُمْ وَإِنْ سَقَى بَعْضُهُمْ فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ الْمَاءَ الثَّانِي وَالْمَاءُ الْأَوَّلُ أَكْثَرُهُ بَاقٍ مَعَهُمْ وَالتَّيَمُّمُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَمْنُوعٌ شَرْعًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَلْ يَزِيدُ مَنْ انْغَمَسَ مِنْهُمْ فِي الْجَهْلِ بِأَنْ يَتَيَمَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الْمَاءِ وَيَعْتَلُّونَ لِجَهْلِهِمْ بِأَنَّ نَفْسَ وُجُودِ السَّفَرِ يُبِيحُ لَهُمْ التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِمَّنْ ارْتَكَبَهُ وَالسُّؤَالُ عَنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ مُتَعَيَّنٌ وَمَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمَحْذُورَ فِي عَدَمِ السُّؤَالِ وَفِي إيقَاعِهِ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
[فَصْلٌ شُرُوطَ وُجُوبِ الْحَجِّ]
(فَصْلٌ) وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ أَعْنِي عِبَادَةَ الْحَجِّ افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُكَلَّفِ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ ثُمَّ عَذَرَ فِي تَرْكِهَا الْأَعْذَارَ تَلْحَقُ الْمُكَلَّفَ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الْحَجِّ سِتَّةٌ: وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَإِمْكَانُ السَّيْرِ فَإِنْ عُدِمَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ، وَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ أَمْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِإِيقَاعِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ تَيَمَّمَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُيَمِّمُهُ أَوْمَأَ إلَى الْأَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَاءُ بِالسُّجُودِ إلَيْهَا، وَذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِي مِثْلِ الْمَرْبُوطِ وَالْمَصْلُوبِ فَإِنْ وَجَدَ
стр. 1141
السَّبِيلَ إلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمَسَّهَا لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ رَبْطٍ أَوْ صَلْبٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ أَنْ يُيَمِّمَهُ وَيَنْوِيَ هُوَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَنَوَاهَا مَنْ يَمَّمَهُ عَنْهُ فَلَا تُجْزِيهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ السُّورَةَ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَيَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُسْتَنِدًا إلَى جِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ مَعَ ذَلِكَ أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى رَجُلٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَيَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَيْهَا أَوْمَأَ بِالسُّجُودِ إلَى الْأَرْضِ وَيَكُونُ إيمَاؤُهُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْجُلُوسِ صَلَّى مُسْتَنِدًا عَلَى حُكْمِ مَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْقَائِمِ الْمُسْتَنِدِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى مُضْطَجِعًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِمُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ إنَّمَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ السَّمَاءَ لَكِنَّهُ لَوْ جَلَسَ لَكَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي حَقِّ هَذَا إنَّمَا هُوَ بِالْإِيمَاءِ بِعَيْنِهِ إذْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ وَذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنْ عُدِمَ شَرْطٌ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ لَمْ يَأْثَمْ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ، بَلْ هُوَ مَأْجُورٌ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِلِسَانِ الْعِلْمِ فِي فِعْلِ الْعِبَادَةِ، وَفِي تَرْكِهَا.
وَلِأَجْلِ تَرْكِ النَّظَرِ إلَى مَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَفَهِمُوهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَبِالدُّخُولِ فِيهَا مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فَيَظُنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ، وَهُوَ بَرِيءُ الذِّمَّةِ مِنْ فَرْضِهِ عَلَيْهِ فَيُكَلِّفُ نَفْسَهُ مَا لَا يَفِي بِهِ وَلَا تَتَخَلَّصُ الذِّمَّةُ بِإِيقَاعِهِ لِتَعَذُّرِ فِعْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ لِكَثْرَةِ الشَّوَائِبِ الَّتِي تَعْتَوِرُ الْعَمَلَ سِيَّمَا الْحَجُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ لِظُهُورِهِ وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ لِفَاعِلِهِ وَتَعْظِيمِهِمْ لَهُ لِأَجْلِهِ
стр. 1142
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَوْ نُهِيَ النَّاسُ عَنْ جَاحِمِ الْجَمْرِ لَقَالَ قَائِلٌ لَوْ ذُقْته.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ إلَيْهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا أَهْلُ الدِّينِ وَالْعَقْلِ وَالْمُرُوءَةِ.
وَمِنْ كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ ﵀ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ الْحَاجُّ بِالْبَيْتِ يَهُونُ عَلَيْهِمْ السَّفَرُ وَيُبْسَطُ عَلَيْهِمْ الرِّزْقُ وَيَرْجِعُونَ مَحْرُومِينَ مَسْلُوبِينَ يَهْوِي بِأَحَدِهِمْ بَعِيرُهُ بَيْنَ الْقِفَارِ وَالرِّمَالِ وَجَارُهُ مَأْسُورٌ إلَى جَنْبِهِ لَا يُوَاسِيهِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يُوَدِّعُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَقَالَ قَدْ عَزَمْت عَلَى الْحَجِّ أَفَتَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: كَمْ أَعْدَدْت لِلنَّفَقَةِ؟ فَقَالَ: أَلْفَيْ دِرْهَمٍ قَالَ بِشْرٌ فَأَيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي بِحَجِّك نُزْهَةً أَوْ اشْتِيَاقًا إلَى الْبَيْتِ أَوْ ابْتِغَاءَ مَرِضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ابْتِغَاءَ مَرِضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَإِنْ أَصَبْت رِضَا اللَّهِ وَأَنْتَ فِي مَنْزِلِك وَتُنْفِقُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَتَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَرِضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى تَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَأَعْطِهَا عَشْرَةَ أَنْفُسٍ. مَدِينٌ تَقْضِي دَيْنَهُ وَفَقِيرٌ تَرُمُّ شَعَثَهُ وَمُعِيلٌ تُحْيِي عِيَالَهُ وَمُرَبًّى يَتِيمٌ تُفَرِّحُهُ وَتُغِيثُ لَهْفَانَ وَتَكْشِفُ ضُرَّ مُحْتَاجٍ وَتُعِينُ رَجُلًا ضَعِيفَ الْيَقِينِ، وَإِنْ قَوِيَ قَلْبُك أَنْ تُعْطِيَهَا لِوَاحِدٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّ إدْخَالَك السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةٍ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قُمْ فَأَخْرِجْهَا كَمَا أَمَرْنَاك، وَإِلَّا قُلْ لَنَا مَا فِي قَلْبِك فَقَالَ يَا أَبَا نَصْرٍ سَفَرِي أَقْوَى فِي قَلْبِي فَتَبَسَّمَ بِشْرٌ وَقَالَ لَهُ الْمَالُ إذَا جُمِعَ مِنْ وَسَخِ التِّجَارَاتِ وَالشُّبُهَاتِ اقْتَضَتْ النَّفْسُ أَنْ تَقْضِيَ بِهِ وَطَرًا تُسْرِعُ إلَيْهِ تَظَاهُرًا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَقَدْ آلَى اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ إلَّا عَمَلَ الْمُتَّقِينَ.
وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا إذَا نَظَرُوا إلَى الْمُتْرَفِينَ قَدْ خَرَجُوا إلَى مَكَّةَ يَقُولُونَ لَا تَقُولُوا خَرَجَ فُلَانٌ حَاجًّا وَلَكِنْ قُولُوا خَرَجَ مُسَافِرًا. سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْكِي أَنَّ شَابًّا مِنْ الْمَغَارِبَةِ جَاءَ إلَى الْحَجِّ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْبِلَادِ فَرَغَ مَا بِيَدِهِ وَكَانَ يُحْسِنُ الْخِيَاطَةَ فَجَاءَ إلَى خَيَّاطٍ وَجَلَسَ يَخِيطُ عِنْدَهُ بِالْأُجْرَةِ وَكَانَ عَلَى دِينٍ وَخَيْرٍ وَكَانَ جُنْدِيٌّ يَأْتِي
стр. 1143
إلَى الدُّكَّانِ فَيَقْعُدُ عِنْدَهُ فَيَتَكَلَّمُونَ وَالشَّابُّ لَا يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ، بَلْ مُقْبِلٌ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ فَحَصَلَ لِلْجُنْدِيِّ فِيهِ حُسْنُ ظَنٍّ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ أَوَانُ خُرُوجِ. الرَّكْبِ إلَى الْحَجِّ سَأَلَهُ الْجُنْدِيُّ لِمَ لَا تَحُجُّ فَقَالَ لَيْسَ لِي شَيْءٌ أَحُجُّ بِهِ فَجَاءَ الْجُنْدِيُّ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ خُذْ هَذِهِ فَحُجَّ بِهَا فَرَفَعَ الشَّابُّ رَأْسَهُ إلَيْهِ وَقَالَ لَهُ كُنْت أَظُنُّك مِنْ الْعُقَلَاءِ فَقَالَ: وَمَا رَأَيْت مِنْ عَدَمِ عَقْلِي؟ ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَقُولُ لَك كُنْت فِي بَلَدِي بَيْنَ أَهْلِي وَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ الْحَجَّ فَلَمَّا أَنْ وَصَلْت إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَسْقَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِّي لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِي جِئْت أَنْتَ بِدَرَاهِمِك تُرِيدُ أَنْ تُوجِبَ عَلَيَّ شَيْئًا أَسْقَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِّي، وَذَلِكَ لَا أَفْعَلُهُ أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ أَيْضًا جَاءَ إلَى هَذِهِ الْبِلَادِ فَفَرَغَ مَا بِيَدِهِ فَبَقِيَ يَعْمَلُ بِالْقِرْبَةِ عَلَى ظَهْرِهِ وَكَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ فَيَأْكُلُ مِنْهَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي وَكَانَ لَهُ مَالٌ بِبَلَدِهِ فَجَاءَ بَعْضُ مَعَارِفِهِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَمْضِيَ مَعَهُمْ إلَى الْحِجَازِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيَّ الْحَجَّ الْآنَ لِعَدَمِ قُدْرَتِي عَلَى الزَّادِ وَمَا أَحْتَاجُهُ فِي الْحَجِّ فَقَالُوا: خُذْ مِنَّا مَا تَخْتَارُ فَقَالَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ ذَلِكَ وَلَمْ أُنْدَبْ إلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ نَحْنُ نُقْرِضُك إلَى أَنْ تَرْجِعَ إلَى بَلَدِك فَقَالَ وَمَنْ يَضْمَنُ لِي الْحَيَاةَ حَتَّى تَأْخُذُوا قَرْضَكُمْ فَقَالُوا لَهُ نَجْعَلُك فِي حِلٍّ مِنْهُ فَقَالَ لَهُمْ لَا يَجِبُ عَلَيَّ ذَلِكَ وَلَا أُنْدَبُ إلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ فَوَفِّرْ مِمَّا تُحَصِّلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا تَحُجُّ بِهِ وَتَرْجِعُ إلَى بَلَدِك وَمَالِك فَقَالَ لَهُمْ تَفُوتُنِي حَسَنَاتٌ مُعَجَّلَةٌ لِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ الْآنَ وَلَا أَدْرِي هَلْ أَعِيشُ لِذَلِكَ الزَّمَانِ أَمْ لَا أَوْ كَمَا قَالَ.
وَقَدْ مَنَعَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ بَعْضَ مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ مِنْ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ قَرْضًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ بَلَدِهِ مَعَ رَغْبَةِ صَاحِبِ الْمَالِ فِي ذَلِكَ وَتَلَهُّفِهِ عَلَيْهِ وَصَبْرِهِ إلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِ الْمُقْتَرِضِ فِي بَلَدِهِمْ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا رَاغِبٌ فِي أَنْ لَا يَأْخُذَ عَرْضَهُ لَوْ رَضِيَ الْمُقْتَرِضُ. وَعَلَّلَ الشَّيْخُ ﵀ ذَلِكَ
стр. 1144
بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عِمَارَةُ الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ لَا يَدْرِي هَلْ يَفِي بِهِ أَمْ لَا؟ إنْ كَانَ قَرْضًا.
وَالثَّانِي: الْمِنَّةُ فِيهِ فَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى جِهَةِ الْهِبَةِ فَفِيهِ الْمِنَّةُ أَكْثَرُ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ سَيِّدِي الشَّيْخِ: لَهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ لَا يَمُنُّ، بَلْ يُمَنُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَالَ ﵀ إنْ لَمْ يَمُنَّ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ فِي بَلَدِهِ فَقَالَ لَهُ قَدْ لَا يَرْجِعُ هُوَ لِلْبَلَدِ يَعْنِي الْمُقْتَرِضَ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀: تَقَعُ الْمِنَّةُ عَلَى أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَدْ يَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أَحْجَجَ فُلَانًا، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمِنَّةِ مَا فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْدَبْ إلَيْهِ أَوْ كَمَا قَالَ.
هَذَا فِعْلُهُمْ فِي الْحَجَّةِ الْأُولَى فَمَا بَالُك بِهِمْ فِي التَّطَوُّعِ هَذَا حَالُ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي خَلَاصِ ذِمَمِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ وَالْجَاهِلُ الْمِسْكِينُ يَتَدَايَنُ وَيَحْتَالُ وَيَطْلُبُ مِنْ النَّاسِ بِسَبَبِ الْحَجِّ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَيَطْلُبُ مِنْ الظَّلَمَةِ الْمُتَسَلِّطِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ هِجْرَانُهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيَادَةِ طُغْيَانِهِمْ لِكَوْنِهِمْ يَرَوْنَ بَعْضَ مَنْ يَعْتَقِدُونَهُ وَيَظُنُّونَ بِهِ خَيْرًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ وَيُعَامِلُهُمْ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَيَطْلُبُ مِنْ فَضَلَاتِ أَوْسَاخِهِمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ الْقَذِرَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ الْجَهْلُ فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ أَوْ يَغُرُّهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَلَى طَاعَةٍ وَخَيْرٍ، وَهُوَ بِالْعَكْسِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
وَبَعْضُ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِسَبَبِ الْحَجِّ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَعِدَهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الشَّرِيفَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَتْرُكُ أَهْلَهُ ضِيَاعًا وَيَمْضِي إلَى الْحَجِّ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» وَبَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ مِنْهُمْ فِي الْجَهْلِ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ اتَّخَذَ ذَلِكَ دُكَّانًا يَجْبِي بِهِ أَمْوَالَ النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْمَلُ الْمَوْلِدَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَبَعْضُهُمْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ فَيَتَشَفَّعُ عِنْدَهُمْ بِمَنْ يَرْجُو أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ أَوْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ وَيُثْنِي الشَّافِعُ عَلَى مَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُمْ إذْ ذَاكَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ لِيَتَعَطَّفُوا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ فَيَأْكُلُوا الدُّنْيَا وَالدِّينَ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَبَعْضُهُمْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ
стр. 1145
بِنَفْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ فَيَخْرُجُ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا مَرْكُوبٍ فَتَطْرَأُ عَلَيْهِ أُمُورٌ عَدِيدَةٌ كَانَ عَنْهَا فِي غِنًى. مِنْهَا عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ. وَمِنْهَا عَدَمُ الْقُوتِ وَالْوُقُوعُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ وَتَكَلُّفِ النَّاسِ الْقِيَامَ بِقَوْلِهِ وَسَقْيِهِ وَرُبَّمَا آلَ أَمْرُهُ إلَى الْمَوْتِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَتَجِدُهُمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ طَرْحَى مَيِّتِينَ بَعْدَ أَنْ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَأَوْقَعُوا إخْوَانَهُمْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ عَلِمَ بِحَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ فِي إثْمِهِمْ وَكَذَلِكَ يَأْثَمُ كُلُّ مَنْ أَعَانَهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَكْفِيهِمْ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ أَوْ سَعَى لَهُمْ فِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ غَيْرَهُ يُعِينُهُمْ بِشَيْءٍ تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ فِي الذَّهَابِ وَالْعَوْدِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِدُخُولِهِمْ فِيمَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ وَالتَّعَبِ وَالْإِفْضَاءِ إلَى الْمَوْتِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا وَقَعَ بِهِمْ وَفِيمَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمْ مِنْ السُّخْطِ وَالضَّجَرِ وَالسَّبِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا فِي الطَّرِيقِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِمْ إعَانَتُهُمْ بِمَا تَيَسَّرَ فِي الْوَقْتِ، وَلَوْ بِالشَّرْبَةِ وَالشَّرْبَتَيْنِ وَاللُّقْمَةِ وَاللُّقْمَتَيْنِ وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّ مَا ارْتَكَبُوهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَعُودُوا لِمِثْلِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ سَبَبُهُ الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ الْعِبَادَةِ وَمَا يَجِبُ فِيهَا، وَمَا يُمْنَعُ وَمَا يُنْدَبُ وَمَا يُكْرَهُ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا بِالنَّصِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَحُجُّ أَغْنِيَاؤُهُمْ لِلنُّزْهَةِ وَأَوْسَطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَفُقَرَاؤُهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ» قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقُرَّاءُ هُمْ الْمُتَعَبِّدُونَ. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا شَاكَلَهَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْجَاهِلِ شَهْوَةٌ وَطَاعَةُ الْعَارِفِ امْتِثَالٌ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُبَادِرَ إلَى فِعْلِهِ بِشَرْطِ سَلَامَتِهِ مِنْ الشَّوَائِبِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَقَعَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَتَدَايَنُونَ حَتَّى يُوجِبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَرْضَ الْحَجِّ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُوفُونَ مَا تَعَمَّرَتْ بِهِ
стр. 1146
ذِمَّتُهُمْ. ثُمَّ إنَّ الْغَالِبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ فِي عِبَادَتِهِمْ فَيَقَعُ الْخَلَلُ فِي حَجِّهِمْ وَلَرُبَّمَا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ حُكْمًا لِمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. فَلَيْسَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْتَالَ فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ غَالِبًا فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَذِمَّتُهُ الْآنَ بَرِيئَةٌ فَلَا يَشْغَلُهَا بِشَيْءٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ فِي نَفْسِهِ يُحِبُّ الْحَجَّ وَيَنْوِيهِ وَيَخْتَارُهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَارَ طَاعَةَ رَبِّهِ وَيُحِبَّهَا لَكِنْ يُقَيِّدُ مَحَبَّتَهُ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ فِيهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ الشَّرْعُ بِأَنْ يُوَفِّرَ وَيَحْتَالَ وَيَتَسَبَّبَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهُوَ عَاصٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذَلِكَ بِسَبَبِ رِضَا وَالِدَيْهِ لِئَلَّا يَعُقَّهُمَا فَيَتَرَبَّصَ عَلَيْهِمَا الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى السَّنَةِ الْآتِيَةِ.، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يُنْفِقُهُ فِيهِ وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ هُوَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ وَالْحَجُّ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَالتَّطَوُّعُ لَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْوَاجِبِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْفِيرُ وَالِاحْتِيَالُ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَحُجُّ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنْ الْأَفْعَالِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُنْدَبُ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يُبَاحُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ أَحَدًا بِالْجَهْلِ. قَالَ اللَّهُ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَقَالَ ﵊ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْك عَمَلُهُ وَجَبَ عَلَيْك الْعِلْمُ بِهِ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ الْمُكَلَّفُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي أَمْرِ الزَّادِ وَمَا يُنْفِقُهُ فِي حَجِّهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَطْيَبِ جِهَةٍ تُمْكِنُهُ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُكَسِّلُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ
стр. 1147
اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ ﵃ يَتْرُكُونَ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعُوا فِي بَابٍ مِنْ الْحَرَامِ هَذَا وَهُمْ لَمْ يَتَلَبَّسُوا بِفِعْلِ الْحَجِّ الَّذِي يُرِيدُ هَذَا أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الَّذِي يَحُجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ يَقُولُ لَهُ اللَّهُ لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْك. فَمَنْ يُجَابُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ كَيْفَ يُقْبَلُ مِنْهُ حَجُّهُ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الشُّبُهَاتِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَقْتَرِضْ مَالًا حَلَالًا لِيَحُجَّ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدُوسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] » قَالَ سَحْنُونَ الطَّيِّبُ هُوَ الْحَلَالُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدُوسٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ وَقِوَامَهُ هُوَ طَيِّبُ الْمَطْعَمِ فَمَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ زَكَا عَمَلُهُ وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ طَيِّبَ مَكْسَبِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تُقْبَلَ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَجَمِيعُ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَنَظَرَ عُمَرُ إلَى الْمُصَلِّينَ فَقَالَ: لَا يَغُرُّنِي كَثْرَةُ رَفْعِ أَحَدِكُمْ رَأْسِهِ وَخَفْضِهِ الدِّينُ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكَفُّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَالْعَمَلُ بِحَلَالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَمْسَى وَانِيًا فِي طَلَبِ الْحَلَالِ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ» وَقَالَ الْحَسَنُ الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَذِكْرٌ بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنْ الْحَلَالِ وَلَا أُحَرِّمُهَا وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ كَرَمِ الرَّجُلِ طِيبُ زَادِهِ فِي سَفَرِهِ وَكَانَ يَقُولُ أَفْضَلُ الْحُجَّاجِ أَخْلَصُهُمْ نِيَّةً وَأَزْكَاهُمْ نَفَقَةً وَأَحْسَنُهُمْ يَقِينًا وَيُرْوَى لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ
стр. 1148
إذَا حَجَجْت بِمَالٍ أَصْلُهُ سُحْتٌ ... فَمَا حَجَجْت وَلَكِنْ حَجَّتْ الْعِيرُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمُسَافِرِ لِلتِّجَارَةِ مَا تَقَدَّمَ فَفِي حَقِّ هَذَا آكَدُ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ فَيَكُونُ النَّظَرُ فِي تَخْلِيصِ مَا يُنْفِقُهُ فِي حَجِّهِ أَوْجَبَ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الدِّرْهَمُ الَّذِي يُنْفِقُهُ فِي الْحَجِّ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ. وَرَوَى يَزِيدُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا» ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِمَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ أَوَّلًا فِي الِاسْتِخَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسَافِرِ لَكِنَّ الِاسْتِخَارَةَ هُنَا لَيْسَتْ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخَارَةَ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ لَا مَحَلَّ لَهَا وَكَذَلِكَ الِاسْتِخَارَةُ فِي تَرْكِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الِاسْتِخَارَةُ هُنَا هَلْ يَفْعَلُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ السَّنَةِ الْآتِيَةِ وَهَلْ يُرَافِقُ فُلَانًا أَمْ لَا وَهَلْ يَكْتَرِي مَعَ فُلَانٍ أَمْ لَا وَهَلْ يَشْتَرِي الْمَرْكُوبَ أَوْ يَكْتَرِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
وَالشَّظَفُ فِي الْحَجِّ أَوْلَى مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ؛ لِأَنَّهَا السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَيَرْكَبَ فِي الْمَحْمَلِ، وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَأَرْبَابُ الضَّرُورَاتِ لَهُمْ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَرَكِبَ النَّاسُ سُنَّتَهُ وَكَانَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِهِ يُنْكِرُونَهَا وَيَكْرَهُونَ الرُّكُوبَ فِيهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ وَأَخَافُ أَنَّ بَعْضَ مَا يَكُونُ مِنْ تَمَاوُتِ الْإِبِلِ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَهُ لِثِقَلِ الْمَحْمَلِ وَثِقَلُهُ عَدْلُ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ وَزِيَادَةٍ مَعَ طُولِ الْمَشَقَّةِ وَقِلَّةِ الْمَطْعَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا نَظَرَ إلَى مَا أَحْدَثَ الْحَجَّاجِ مِنْ الزِّينَةِ وَالْمَحَامِلِ يَقُولُ إنَّ الْحَجَّ قَلِيلٌ وَالرَّكْبَ كَثِيرٌ.
فَإِذَا اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَاسْتَشَارَ فَانْشَرَحَ صَدْرُهُ عَقِيبَ اسْتِخَارَتِهِ لِفِعْلِ الْحَجِّ بَادَرَ إلَى الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَارَعَةَ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ أَوْجَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَتَغَيَّرُ الْأَحْوَالُ فَلَا يَجِدُ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ بَعْدُ. وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1149
«مَنْ مَلَكَ رَاحِلَةً وَزَادًا يُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبَوَانِ يَمْنَعَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيَتَرَبَّصْ عَلَيْهِمَا الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مَا لَمْ يَبْلُغْ عُمُرُهُ السِّتِّينَ فَإِنْ بَلَغَهَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِأَجْلِ الْوَالِدَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا وَلَا يَسْتَخِيرُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَخِيرُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ هَلْ يَفْعَلُهَا أَوْ لَا، بَلْ يَسْتَخِيرُ فِي فِعْلِ أَحَدِهِمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِهِمَا مَعًا. وَلَا يَسْتَخِيرُ الْإِنْسَانُ إلَّا فِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ. لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ» الْحَدِيثَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الِاسْتِخَارَةِ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ ﵀ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ ﵊ «إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ» ، وَهَذَا لَمْ يَهُمَّ بَعْدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ هَمَّ بِالْبَعْضِ فَلَا اسْتِخَارَةَ فِي مِثْلِ هَذَا وَمَا وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِشَيْءٍ فَالتَّعَدِّي بِهِ لِغَيْرِهِ بِدْعَةٌ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ صَلَاةَ الْغَائِبِ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ إنْ كُنَّا صَالِحِينَ.
فَإِذَا شَرَعَ فِي شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَجُّهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُمَاكِسَ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ. لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الدِّرْهَمَ الَّذِي يُنْفَقُ فِي الْحَجِّ مُضَاعَفٌ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِذَا مَاكَسَ فَوَّتَ نَفْسَهُ ثَوَابًا كَثِيرًا لِأَجْلِ مَا يُنْقِصُ مِنْ النَّفَقَةِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ تَرْكَ الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُحَاكَّةِ فِي تَحْصِيلِ أَسْبَابِ سَفَرِ الْحَجِّ وَقَالَ لَا يُمَاكِسُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْجِدَّةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْشَى أَنْ لَا يَقُومَ بِهِ مَا بِيَدِهِ إذَا لَمْ يُمَاكِسْ فَلَا بَأْسَ بِالْمُمَاكَسَةِ
стр. 1150
إذَنْ. وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يُمَاكِسُ عِنْدَ شِرَائِهِ الْحَاجَةَ فَلَمَّا أَنْ اشْتَرَى مَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْحَجِّ كَانَ لَا يُمَاكِسُ أَحَدًا مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنْهُ فَرُبَّمَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ ابْتَدَأَ هُوَ بِهِ فَقَالَ: إنَّ دِرْهَمَ الْحَجِّ بِسَبْعِمِائَةٍ فَلَوْ مَاكَسْت لَنَقَصَ لِي مِنْ الثَّوَابِ أَوْ كَمَا قَالَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَجِّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمُمَاكَسَةِ لِلْبَاعَةِ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مَاكِسُوا الْبَاعَةَ فَإِنَّ فِيهِمْ الْأَرْذَلِينَ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵇.
ثُمَّ يَكُونُ فِي مُبَاشَرَتِهِ لِكُلِّ مَا يَشْتَرِيهِ لِحَجِّهِ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ عَظِيمَانِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ الْخَمْسَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْخُشُوعَ فِي الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَاجِبٌ فَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَإِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى مَسْجِدِهِ فَالسَّكِينَةُ آكَدُ فِي حَقِّهِ مِمَّنْ يَخْرُجُ إلَى مَسْجِدٍ سِوَاهُمَا لَكِنَّ طَلَبَ السَّكِينَةِ فِي بَعْضِهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ فَالْخُشُوعُ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ عِنْدَ الْخُرُوجِ آكَدُ مِنْهُ فِي شِرَاءِ حَوَائِجِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ إذَا وَصَلُوا إلَى مَضِيقٍ فِي الطَّرِيقِ تَزَاحَمُوا وَتَضَارَبُوا وَتَشَاتَمُوا وَظَهَرَتْ مِنْهُمْ عَوْرَاتٌ كَثِيرَةٌ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَعِنْدَ وُرُودِ الْمِيَاهِ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ فَلْيَحْذَرْ إذْ ذَاكَ عِنْدَ الْمِيَاهِ مِنْ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُضَارَبَةِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ رَآهُمْ أَوْ سَمِعَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ النَّاسِ مَحْمُولِينَ قَدْ قُطِعَتْ بَعْضُ أَطْرَافِهِمْ لِأَجْلِ الْمُزَاحَمَةِ عِنْدَ الْمِيَاهِ وَقَدْ تُزْهَقُ نُفُوسُ بَعْضِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا يُلَاقِي، وَهَذَا مُحَرَّمٌ قَبِيحٌ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَمَا أَشْبَهَهَا ضِدُّ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالْإِغْضَاءِ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَبَعْضُ النَّاسِ عَلَى الْمِيَاهِ لَا يُبَالُونَ بِكَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ.
وَقَدْ وَرَدَ «النَّاظِرُ وَالْمَنْظُورُ مَلْعُونَانِ» أَوْ كَمَا قَالَ
стр. 1151
- ﵊ فَلْيَتَحَفَّظْ جَهْدَهُ مِنْ كُلِّ الْقَبَائِحِ الَّتِي تَفْجَؤُهُ فَيَتَلَقَّاهَا بِالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا يَسْأَلُ الْعُلَمَاءَ عَمَّا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ يَقَعَ لَهُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُزَيِّنُونَ الْجَمَلَ بِالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَسَاوِرِ وَالْقَلَائِدِ وَيُلْبِسُونَهُ الْحَرِيرَ يَفْعَلُونَ بِهِ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْبَلَدِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الْعَقَبَةِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلَى الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الرُّجُوعِ مِثْلَهُ وَهُمْ آثِمُونَ فِي ذَلِكَ وَيُشَارِكُهُمْ فِي الْإِثْمِ مَنْ تَطَاوَلَ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ وَهُمْ كَثِيرٌ وَمَنْ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ فَإِثْمُهُ أَكْثَرُ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ إذَا كَانَ لَهُنَّ قَرِيبٌ أَوْ مَعَارِفُ يَخْرُجُونَ إلَى الْحَجِّ يَخْرُجْنَ لَيْلًا يَمْشِينَ فِي الطُّرُقِ وَفِي بَعْضِ الْأَسْوَاقِ وَيَرْفَعْنَ عَقِيرَتَهُنَّ بِمَا يَقُلْنَهُ مِنْ التَّحْنِينِ وَالرِّجَالُ يَسْمَعُونَ وَيَنْظُرُونَ إلَى فِعْلِهِنَّ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِنَّ، وَهَذَا قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ مُحَرَّمٌ سِيَّمَا فِي ابْتِدَاءِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ، وَهِيَ الْحَجُّ. وَمِثْلُ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنْ الْحَجِّ إذَا وَصَلُوا إلَى بُيُوتِهِمْ وَيُضْرَبُ إذْ ذَاكَ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ بِالطَّبْلِ وَالْأَبْوَاقِ وَالْمَزَامِيرِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِتَهْنِئَةِ الْحَاجِّ وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَانَ آثِمًا وَكَذَلِكَ مَنْ شَارَكَهُمْ بِالْإِعْطَاءِ لَهُمْ أَوْ بِالْوُقُوفِ وَالنَّظَرِ أَوْ صَغَى إلَيْهِمْ أَوْ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَغْيِيرُهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ وَمَنْ صَغَى أَوْ نَظَرَ لَمْ يُغَيِّرْ بِقَلْبِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ فَمَاذَا يَبْقَى بَعْدَ الضَّعِيفِ إنْ ذَهَبَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
فَإِذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ فَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُحْرِمُونَ مِنْ رَابِغٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَبْلَ الْجُحْفَةِ فَيَبْدَءُونَ الْحَجَّ بِفِعْلٍ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ وَالْحَجُّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْعُمُرِ وَيَعْتَلُّونَ بِأَنَّ الْجُحْفَةَ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُمْ مِيقَاتًا لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ
стр. 1152
يَغْتَسِلُونَ بِهِ لِلْإِحْرَامِ وَالْمَاءُ مَوْجُودٌ فِي رَابِغٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَيَتْرُكُونَ السُّنَّةَ لِأَجْلِ مُسْتَحَبٍّ. وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ، بَلْ لَوْ اغْتَسَلَ فِي رَابِغٍ عِنْدَ إرَادَتِهِمْ الرَّحِيلَ ثُمَّ سَارَ إلَى الْجُحْفَةِ وَأَحْرَمَ مِنْهَا لَكَانَ قَدْ حَصَّلَ السُّنَّةَ وَالْمُسْتَحَبَّ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَمَّنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ مِنْهَا فَقَالَ: إنَّ غُسْلَهُ صَحِيحٌ أَوْ كَمَا قَالَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ مَسَافَةٌ أَكْثَرُ مِنْ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ رَابِغٍ وَالْجُحْفَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْجُحْفَةَ لَا يَدْخُلُهَا الرَّكْبُ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا فَهُوَ يَمُرُّ بِهَا، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِحْرَامِ أَنْ لَا يُحْرِمَ حَتَّى يَدْخُلَهَا، بَلْ إذَا حَاذَاهَا أَحْرَمَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَغْتَسِلُ فِي رَابِغٍ عِنْدَ إرَادَةِ النَّاسِ الرَّحِيلَ ثُمَّ يَسِيرُ مَعَهُمْ إلَى أَنْ يُحَاذِيَ الْجُحْفَةَ فَإِذَا حَاذَاهَا نَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ ثُمَّ تَعَرَّى مِنْ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ ثِيَابَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَ الْإِحْرَامِ مِنْ رَابِغٍ ثُمَّ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ حَتَّى يُحَاذِيَ الْجُحْفَةَ فَلَهُ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْجُحْفَةِ بِمَا يُرِيدُهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مَعًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَحْرَمَ مِنْ وَسَطِهَا أَوْ مِنْ آخِرِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ الْأَوْلَى، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَهَا فَمَكْرُوهٌ وَعَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً إذْ أَنَّ الدَّمَ جَبْرٌ لِمَا فَاتَهُ مِنْ فَضِيلَةِ فِعْلِ السُّنَّةِ كَمَا أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ جَبْرٌ لِلْخَلَلِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا. ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ لُبْسِ ثِيَابِ الْأَحْيَاءِ إلَى لُبْسِ ثِيَابِ الْأَمْوَاتِ؛ لِأَنَّ تَجَرُّدَهُ مِنْ الْمَخِيطِ وَلُبْسَهُ ثِيَابَ الْإِحْرَامِ شَبِيهٌ بِالْمَيِّتِ حِينَ يُدْرَجُ فِي أَكْفَانِهِ وَقَوْلُ الْحَاجِّ لَبَّيْكَ شَبِيهٌ بِقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ مُهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُوهُمْ إلَى الْمَحْشَرِ وَالْغُسْلُ
стр. 1153
لِلْإِحْرَامِ شَبِيهٌ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُقُوفُهُمْ بِعَرَفَةَ شَبِيهٌ بِوُقُوفِهِمْ فِي الْمَحْشَرِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَغَيْرُهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ شَبِيهٌ بِالْمَوَاقِفِ الَّتِي لَهُمْ فِي الْمَحْشَرِ وَالسُّؤَالُ عِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ وَكَوْنُ بَرَكَةِ بَعْضِهِمْ تَعُمُّ عَلَى بَعْضٍ شَبِيهٌ بِالْمَحْشَرِ أَيْضًا فَإِنَّ بَرَكَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - تَعُودُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَمِهِمْ، وَالصَّالِحُ مِنْ الْأُمَمِ تَعُودُ بَرَكَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ بِحَسْبِ حَالِهِ وَحَالِهِمْ. ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ أَيْضًا فِي أَمْرِهِ بِالِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا وَرَدَ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ» فَأُمِرَ بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ. وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَنْ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ فَأُمِرَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِيَحْصُلَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ مَنْ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ فَيُغْفَرُ لِلْجَمِيعِ بِسَبَبِهِ. وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ مَنْ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَأُمِرَ بِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ لِيَأْتِيَهَا أَهْلُ الْبَلَدِ وَمَنْ هُوَ حَوَالَيْهَا فَيَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَيُغْفَرُ لِلْجَمِيعِ بِسَبَبِ مَنْ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي الْبَلَدِ وَلَا حَوَالَيْهَا مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأُمِرَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ مُعْظَمُهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَيُغْفَرُ لِلْجَمِيعِ بِسَبَبِ الْمُتَّصِفِ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ وَالرِّضَا عَنْهُ، وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ فَيَتَعَيَّنُ التَّحَفُّظُ عَلَى حُضُورِ تِلْكَ الْجَمَاعَاتِ وَتِلْكَ الشَّعَائِرِ كُلِّهَا لِيَفُوزَ مَنْ حَضَرَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ. مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بِمَنِّهِ
[فَصْلٌ مَعْرِفَةُ مَا يَلْزَمُهُ فِي حَجِّهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ]
﴿فَصْلٌ﴾
وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا يَلْزَمُهُ فِي حَجِّهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ مَعْرِفَةُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَمَا يَجْتَنِبُهُ فِي إحْرَامِهِ وَمَا يُفْسِدُهُ وَمَا يَجْبُرُهُ. فَفَرَائِضُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ، وَهِيَ النِّيَّةُ وَالْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. زَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ
стр. 1154
وَالْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ
[فَصْلٌ سُنَن الْحَجّ الْمُوجِبَاتُ لِلدَّمِ]
﴿فَصْلٌ﴾
وَسُنَنُهُ الْمُوجِبَاتُ لِلدَّمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ إفْرَادُ الْحَجِّ وَالْإِحْرَامُ مِنْ مَكَانِ الْمِيقَاتِ وَتَرْكُ التَّمَتُّعِ وَالتَّلْبِيَةِ وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ وَأَنْ لَا يَقِفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ مُخْتَارًا لِذَلِكَ وَالْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَأَنْ لَا يَرْمِيَ الْجِمَارَ بِلَيْلٍ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ الْجِمَارِ وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَوُقُوعُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ فِي ذَلِكَ
[فَصْلٌ فَضَائِلُ الْحَجُّ]
﴿فَصْلٌ﴾
وَفَضَائِلُهُ عِشْرُونَ، وَهِيَ أَنْ يُحْرِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلُبْسُ الْبَيَاضِ فِي الْإِحْرَامِ وَاغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ كُلُّهَا وَالْإِكْثَارُ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالرَّمَلِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثِ مِنْ أَوَّلِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيُ فِي بَاقِيهِ وَالرَّمَلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فِي السَّعْيِ. وَالْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى. وَأَنْ يَمُرَّ فِي طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ فِي الذَّهَابِ وَالْعَوْدِ " وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ " وَالتَّطَوُّعُ بِالْهَدْيِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ. وَالْوُقُوفُ بِأَرْضِ عَرَفَةَ دُونَ جَبَلِهَا. وَأَنْ يَبْدَأَ يَوْمَ النَّحْرِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ يَنْحَرَ ثُمَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ. وَتَأْخِيرُ النَّفْرِ الثَّانِي إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَالصَّلَاةُ فِي الْمُحَصَّبِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ. وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِي. وَدُخُولُ الْبَيْتِ وَالرُّكُوعُ فِي الْمَقَامِ
[فَصْلٌ خصائص الحرم]
﴿فَصْلٌ﴾ يَخْتَصُّ الْحَرَمُ بِخَمْسَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُحَارَبَ أَهْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْغُوا فَفِيهِ خِلَافٌ.
الثَّانِي: تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُحِلُّ مِنْ أَهْلِهِ وَمِمَّنْ طَرَأَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: تَحْرِيمُ قَطْعِ شَجَرِهِ الَّذِي أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَدْخُلَهُ حَلَالٌ حَتَّى يُهِلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَتَحَلَّلُ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَكْثُرُ التَّرَدُّدُ إلَيْهِ كَالْحَطَّابِينَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَدْخُلَهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ لَا مَارًّا وَلَا مُقِيمًا
[فَصْلٌ الحرمات خَمْس]
﴿فَصْلٌ﴾ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ الْحُرُمَاتُ خَمْسٌ الْكَعْبَةُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ
стр. 1155
الْحَرَامُ وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَالْمُحْرِمُ حَتَّى يَحِلَّ وَالشَّعَائِرُ سَبْعٌ الرُّكْنُ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَالْبُدْنُ وَالْجِمَارُ وَعَرَفَةُ
[فَصْلٌ اغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ]
﴿فَصْلٌ﴾ اغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثٌ: الْأَوَّلُ: لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ آكَدُهَا. الثَّانِي: لِدُخُولِ مَكَّةَ. الثَّالِثُ: لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْإِحْرَامَ إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَإِنَّهُمَا لَا يَغْتَسِلَانِ لِدُخُولِ مَكَّةَ إذْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الطَّوَافُ وَيَغْتَسِلَانِ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَمَنْ اغْتَسَلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِلْوُقُوفِ فَلَا يَتَدَلَّكُ إلَّا تَدْلِيكًا خَفِيفًا بِحَيْثُ يَسْلَمُ مِنْ قَتْلِ دَوَابِّ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ
[فَصْلٌ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَمْنَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَيْئًا]
﴿فَصْلٌ﴾ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَمْنَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَيْئًا لُبْسَ الْمَخِيطِ كُلِّهِ وَتَغْطِيَةَ الرَّأْسِ وَلُبْسَ الْخُفَّيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَحَلْقَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَإِزَالَةَ الشَّعْرِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَقَصَّ الْأَظْفَارِ وَالطِّيبَ وَقَتْلَ الْقَمْلِ وَالِاصْطِيَادَ وَقَتْلَ الصَّيْدِ وَإِمْسَاكَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْخِطْبَةَ وَعَقْدَ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَمَغِيبَ الْحَشَفَةِ، وَإِنْزَالَ الْمَاءِ الدَّافِقِ فِي الْيَقِظَةِ. وَالْمَرْأَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَاشَا ثَلَاثٍ: لُبْسُ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَلُبْسُ الْخُفَّيْنِ
[فَصْلٌ الطَّوَافُ فِي الْحَجِّ]
﴿فَصْلٌ﴾ وَالطَّوَافُ فِي الْحَجِّ ثَلَاثٌ. طَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ فَرْضٌ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ
[فَصْلٌ رَمَى الْجِمَارُ]
﴿فَصْلٌ﴾ الْجِمَارُ ثَلَاثٌ الْجَمْرَةُ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ.
﴿فَصْلٌ﴾ وَالرَّمْيُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ. يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ
[فَصْلٌ الْهَدْيُ فِي الْحَجّ]
﴿فَصْلٌ﴾ الْهَدْيُ ثَلَاثٌ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ وَعَلَامَاتُهُ ثَلَاثٌ تَقْلِيدٌ وَإِشْعَارٌ وَتَجْلِيلٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْإِبِلِ، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَتُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ وَلَا يُفْعَلُ فِي الْغَنَمِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
﴿فَصْلٌ﴾ يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ وَاجِبِهِ وَتَطَوُّعِهِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ جَزَاءَ
стр. 1156
الصَّيْدِ وَفِدْيَةَ الْأَذَى وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحَلِّهِ
[فَصْلٌ جَزَاءُ الْمُحْرِمِ إذَا قَتْلَ صَيْدًا]
﴿فَصْلٌ﴾ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا كَانَ سَبَبًا لِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: إذَا نَصَبَ فُسْطَاطًا فَتَعَلَّقَ بِأَطْنَابِهِ صَيْدٌ فَعَطِبَ.
الثَّانِيَةُ: إذَا فَرَّ الصَّيْدُ لِرُؤْيَتِهِ فَعَطِبَ.
الثَّالِثَةُ: إذَا نَصَبَ شِرَاكًا لِسَبُعٍ فَعَطِبَ فِيهِ صَيْدٌ.
الرَّابِعَةُ: إذَا دَلَّ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا عَلَى صَيْدِهِ فَقَتَلَهُ.
الْخَامِسَةُ: إذَا أَعْطَى سَوْطَهُ أَوْ رُمْحَهُ لِمَنْ يَقْتُلُ بِهِ صَيْدًا.
السَّادِسَةُ: إذَا أَمَرَ غُلَامَهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ بِإِرْسَالِ صَيْدٍ فَظَنَّ الْغُلَامُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ.
السَّابِعَةُ: إذَا قَتَلَ صَيْدًا حَلَالًا، وَهُوَ فِي يَدِهِ.
[فَصْلٌ التَّمَتُّعُ بالعمرة إلَى الْحَجِّ يُوجِبُ الْهَدْيَ بِأَرْبَعَةِ]
﴿فَصْلٌ﴾ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ يُوجِبُ الْهَدْيَ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
الثَّانِي: أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ إلَى مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْحَجِّ.
[فَصَلِّ رفع الصوت بالتلبية]
﴿فَصْلٌ﴾ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يَعْقِرُوا حُلُوقَهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ حَتَّى يَكَادَ أَنْ لَا يُسْمَعَ وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ التَّوَسُّطُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يَتَأَذَّى وَلَا يَخْفِضُهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ إذْ أَنَّ شَعِيرَةَ الْحَجِّ لَا تَظْهَرُ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ الْجَهْرُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَيُلَبِّي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَعِنْدَ لِقَاءِ الرِّفَاقِ وَعِنْدَ صُعُودِ جَبَلٍ أَوْ نُزُولٍ مِنْهُ وَيُلَبِّي سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ صَوْتًا وَاحِدًا إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ، بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ يُلَبِّي لِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَكُونُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ مُسْتَصْحَبَةً مَعَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِإِهْلَالِهِ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْحُضُورِ وَالْأَدَبِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ
стр. 1157
وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي
[فَصْلٌ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَتَرَك الْمُحَامِل والجحف مسورة عَلَى حالها]
﴿فَصْلٌ﴾ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ وَيَتْرُكُونَ الْمَحَامِلَ وَالْحُجُفَ مُسَوَّرَةً عَلَى حَالِهَا وَمَالِكٌ ﵀ يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْهَا حَتَّى يَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْحَجِّ. لِقَوْلِهِ ﵊ «الْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ فَإِذَا كَانَ فِي الظِّلِّ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ. وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ اسْتَظَلَّ رَاكِبًا وَقَالَ: أُضْحِ لِمَنْ أَحْرَمْت لَهُ. ثُمَّ نَقَلَا عَنْ الرِّيَاشِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ الْمُعَدَّلِ الْفَقِيهَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، وَهُوَ ضَاحٍ لِلشَّمْسِ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ هَذَا أَمْرٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَوْ أَخَذْت بِالتَّوْسِعَةِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
ضَحَّيْت لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذَا الظِّلُّ أَمْسَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصَا
فَيَا أَسَفَا إنْ كَانَ سَعْيِ بَاطِلًا ... وَيَا حَسْرَتَا إنْ كَانَ حَجِّي نَاقِصًا
نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْفُسْطَاطِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ تَحْتَهُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ بِخِلَافِ الْمَحَامِلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّ الْحِمْلِ، وَهُوَ مَاشٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدُومُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّ الشَّجَرَةِ وَالْحَائِطِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَدُومُ.
[فَصْلٌ مَا يَفْعَلهُ الْحَاجّ إذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ]
﴿فَصْلٌ﴾ فَإِذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ وَأَشْرَفَ عَلَى الْبَيْتِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِزِيَادَةِ الْأَدَبِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالْخُشُوعِ وَالْحُضُورِ وَالِاحْتِرَامِ لِبَيْتِ رَبِّهِ وَالِابْتِهَالِ بِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ
стр. 1158
بِالدُّعَاءِ وَطَلَبِ مَا يَحْتَاجُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضِيقٌ وَزَحْمَةٌ فَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهَا إذْ أَنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ أَوْجَبُ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الثَّنِيَّةِ فَتَقَعُ الزَّحْمَةُ وَيَمُوتُ بَعْضُ النَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَشَيْءٌ يَئُولُ إلَى مِثْلِ هَذَا فَتَرْكُهُ مُتَعَيِّنٌ وَالْمُسْتَحَبُّ إذَا تُرِكَ فَلَا عَتْبَ عَلَى تَارِكِهِ وَلَا ذَمَّ فِي حَقِّهِ. فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَلْيَقْصِدْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَيَدْخُلُهُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ يَأْتِي إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُقَبِّلُهُ وَتَقْبِيلُهُ أَنْ يَضَعَ فَمَه عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ وَالتَّصْوِيتُ بِهِ بِدْعَةٌ وَلْيُزَاحِمْ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ مَا لَمْ يَكُنْ أَذًى فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ كَبَّرَ حِينَ يُقَابِلُهُ وَمَضَى. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يَتَزَاحَمُونَ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَقَعُ الِانْضِغَاطُ بَيْنَهُمْ فَقَدْ يَأْتِي فَمُ الرَّجُلِ عَلَى فَمِ الْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ فَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ الْتَذَّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَذَّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَالْغَالِبُ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ إلَّا بِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ أَوْ بِبُعْدِ الطَّائِفِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَسَافَةَ وَإِلَّا فَيُخِلُّ بِطَوَافِهِ غَالِبًا. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَالنَّاسُ يَصُبُّونَ عَلَى الْحَجَرِ مَاءَ الْوَرْدِ وَفِيهِ الْمِسْكُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ بِمَنِّهِ
[فَصْلٌ تقبيل الْحَجَر الْأَسْوَد]
﴿فَصْلٌ﴾ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِي لِلْحَجَرِ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ وَبَعْضُ الْحَجَرِ خَلْفَهُ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَكْمِلْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، بَلْ سِتَّةً فَإِنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَطَلَ طَوَافُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ فِي كُلِّ مَا يَقَعُ لَهُ مِمَّا يُخَالِفُ إحْرَامَهُ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَذَا
стр. 1159
إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّدَارُكُ. وَكَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ حَتَّى يَسْلَمَ مِمَّا ذُكِرَ هُوَ أَنْ يَمْشِيَ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي ثُمَّ يَرِدُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ فَيَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إكْمَالِ الطَّوَافِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُفْعَلُ فِي الشَّوْطِ الْأَخِيرِ يَمْشِي فِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْحَجَرَ خَلْفَهُ بِخُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لِكَيْ يَثِقَ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. ثُمَّ إذَا أَخَذَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فَلْيَرْمُلْ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَوَّلِهِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ مَعَ ذَلِكَ لَا يُفَارِقَانِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ أَتَى بِبَاقِي الطَّوَافِ مَاشِيًا الْهُوَيْنَا وَالْخُشُوعُ فِي ذَلِكَ مَطْلُوبٌ لَكِنَّهُ أُجِيزَ لِلطَّائِفِ الْكَلَامُ فِيهِ وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَقَعُ. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَهُمْ يَجْرُونَ فِي السَّبْعَةِ الْأَشْوَاطِ كُلِّهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمَارَاتِ الْخُشُوعِ شَيْءٌ، بَلْ ضِدُّهُ فَيُخَالِفُونَ السُّنَّةَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الشَّرِيفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ فِي كَوْنِهِمْ يَزِيدُونَ عَلَى الرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْرُونَ فِيهَا جَرْيًا وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي أَنَّهُمْ يُوقِعُونَ الطَّوَافَ كُلَّهُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الْجَرْيِ وَالِاسْتِبَاقِ وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ عَدَمُ الْخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ فِي طَوَافِهِمْ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ
[فَصْلٌ الطَّوَاف مِنْ داخل الْحَجَر]
﴿فَصْلٌ﴾ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَطُوفَ مِنْ دَاخِلِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْبَيْتِ وَلَا يَتِمُّ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ هُنَاكَ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمْهُمَا.
فَإِذَا أَتَى الرُّكْنَ الْيَمَانِي وَقَفَ عِنْدَهُ وَلَمَسَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُقَبِّلُونَ الرُّكْنَ الْيَمَانِي كَمَا يُقَبِّلُونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالسُّنَّةُ اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِ بِالْيَدِ لَا بِالْفَمِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَحْتَرِزُ فِي طَوَافِهِ مِنْ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا وَالثَّانِي مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ الطَّوَافِ فِي دَاخِلِ
стр. 1160
الْحِجْرِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ الشَّاذَرْوَانِ أَنْ يَمِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ فِي دَاخِلِهِ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ وَالشَّاذَرْوَانُ هُوَ الَّذِي بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِي.
الْخَامِسُ: أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
السَّادِسُ: أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ لَمْسِ النِّسَاءِ. ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ بِمَا أَحَبَّ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ أَحَبَّ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سِرًّا فِي نَفْسِهِ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لِئَلَّا يَشْغَلَ غَيْرَهُ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ قَوْلِ الطَّائِفِ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك فَقَالَ: هَذِهِ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا مِنْ قَوْلٍ مَخْصُوصٍ أَوْ دُعَاءٍ، بَلْ يَدْعُو بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّهُمْ يَسْتَصْحِبُونَ مَعَهُمْ مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَشْتَغِلُ إلَّا بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ كَذَا وَعِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ كَذَا وَعِنْدَ الطَّوَافِ كَذَا وَعِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ كَذَا وَعِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ كَذَا وَعِنْدَ الْمُلْتَزَمِ كَذَا وَعِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي كَذَا، وَإِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ يَقُولُ كَذَا وَفِي الْمَقَامِ كَذَا وَفِي الصَّفَا كَذَا وَفِي الْمَرْوَةِ كَذَا وَفِي السَّعْيِ كَذَا وَفِي مِنًى كَذَا وَفِي عَرَفَاتٍ كَذَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَشْتَغِلُونَ فِي طَرِيقِهِمْ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَيَتْرُكُونَ مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَجِّهِمْ مِنْ مُفْسِدَاتِهِ وَمُصَحِّحَاتِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْكَعَهُمَا فِي الْمَقَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مُزَاحَمَةٌ فَإِذَا كَانَتْ رَكَعَ فِي غَيْرِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ عَادَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَقَبَّلَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَأْتِي إلَيْهَا فَيَصْعَدُ فِي أَعْلَاهَا حَتَّى يَنْظُرَ إلَى الْبَيْتِ فَيُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِأَقَارِبِهِ وَلِإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَنْزِلَ مِنْهَا، وَيَأْخُذَ فِي السَّعْيِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِيلِ الْأَوَّلِ فَيَرْمُلَ إذْ ذَاكَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِيلِ الثَّانِي ثُمَّ يَمْشِيَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَرْوَةِ فَيَفْعَلَ فِيهَا مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَبْدَأُ
следующие страницы →