← Фикх малики

Фикх малики · id 11406

المدخل لابن الحاج

ابن الحاج

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قَدْ سَكَنَتْ وَوَلَدَتْ فِي ذَلِكَ الطِّينِ فَإِذَا دَاسُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ قَتَلُوا أَوْلَادَهَا فَيَخْتَلِطُونَ بِالطِّينِ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الطِّينَ قَدْ تَنَجَّسَ بِمَوْتِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ عَلَى وُجُوهِ الْجِفَانِ طَرِيًّا عِنْدَ دَفْنِهِ فَيَتَشَرَّبُ السُّكَّرَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ الْمُتَنَجِّسِ ثُمَّ يُعِيدُونَهُ إلَى بَيْتِ التَّعْلِيقِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ [فَصْلٌ الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ] فَصْلٌ وَأَمَّا الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ فَإِنَّهُمْ إذَا مَشَوْا فَوْقَهَا حُفَاةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ كَوْنِهَا مُنْغَسِلَةً وَأَرَادُوا غَسْلَهَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ مَعَهَا. وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ فَأَوْعِيَتُهَا مُفَتَّحَةٌ مَكْشُوفَةٌ مَأْوًى لِلْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَسْمِطُونَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِيَأْخُذُوا مِنْهَا مَا يَبِسَ فِيهَا لَا لِأَجْلِ تَطْهِيرِهَا فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ غُسَالَةٌ رَدِيئَةٌ لِأَجْلِ قَذَارَتِهَا بِسَبَبِ مَا يَلْحَقُهَا وَهِيَ مَكْشُوفَةٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَبَوْلُهَا غَالِبًا فِي تِلْكَ الْأَوْعِيَةِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَسِيلُ مِنْ الْأَبَالِجِ فِي بَيْتِ الْقَنْدِ الَّذِي فِي الْمَطْبَخِ إذَا مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ مَعَ مَا يُغْسَلُ مِنْهُ وَهُمْ كُلَّمَا دَخَلُوا أَوْ خَرَجُوا هُنَاكَ دَاسُوا عَلَيْهِ بِأَرْجُلِهِمْ حُفَاةً كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا أَرَادُوا طَبْخَ هَذِهِ الْغُسَالَةِ جَمَعُوا الْجَمِيعَ وَغَلَوْهُ عَلَى النَّارِ وَجَعَلُوا فِيهِ قَلِيلًا مِنْ اللَّبِنِ لِتَعْلُوَ تِلْكَ الْأَوْسَاخُ عَلَى وَجْهِ الْخَابِيَةِ فَيُزِيلُونَهَا ثُمَّ يُوقِدُونَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَثْخُنَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ فِي الْأَمْطَارِ الْمَكْشُوفَةِ وَيَتْرُكُونَهُ مَكْشُوفًا وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَمْطَارِ الْفَأْرَةُ أَوْ زِبْلُهَا أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الدَّبِيبِ، فَمِنْهُ مَا يُوجَدُ صَحِيحًا وَمِنْهُ مَا يُوجَدُ وَقَدْ تَزَلَّعْ فَيُزِيلُونَهُ وَيَشِحُّ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْغَالِبُ بِإِرَاقَتِهَا فَيَبِيعُهَا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مُتَنَجِّسَةٌ، وَلَا يُبَيِّنُ، وَلَوْ بَيَّنَ لَمْ يَجُزْ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الصُّنَّاعِ فِي الْغَالِبِ يَطْبُخُونَهَا، وَلَا يَأْخُذُونَ قِوَامَهَا لِئَلَّا تَنْقُصَ فَيَبْقَى فِيهَا مَائِيَّةٌ فَتَحْمُضُ سَرِيعًا فَمَنْ سَافَرَ بِهَا خَسِرَهَا لِسُرْعَةِ حُمُوضَتِهَا (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ الطَّيِّبَةُ عِنْدَهُمْ فَقَلَّ أَنْ يُخْرِجُوهَا عَلَى وَجْهِهَا بَلْ يَخْلِطُونَ فِي كُلِّ مَطَرٍ مِنْهَا عِنْدَ بَيْعِهِ شَيْئًا مِنْ مَصْلِ الْعُيُونِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَصًا

стр. 1087

يُحَرِّكُونَ بِهَا كُلَّ مَطَرٍ حَتَّى يَدْخُلَ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَتْ فَوْقَ الْمَطَرِ رَغْوَةٌ صَفْرَاءُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الْقَطَّارَةُ سَوْدَاءَ فَتَرِقُّ بِذَلِكَ وَيَحْسُنُ لَوْنُهَا فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَفَاءِ قَنْدِهَا وَأَنَّهَا قَطَّارَةٌ طَيِّبَةٌ عَلَى وَجْهِهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ [فَصْلٌ فِي التَّرْنِيق] فَصْلٌ وَأَمَّا التَّرْنِيقُ فَيَجْعَلُونَ رَدِيئَهُ فِي قَعْرِ الْجِفَانِ وَطَيِّبَهُ فِي أَعْلَاهَا ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى يَيْبَسَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا طَرِيٌّ رَدِيءٌ فَيَظُنُّ مُشْتَرِيهَا أَنَّهَا كُلَّهَا مِثْلُ أَعْلَاهَا يَابِسٌ نَقِيٌّ (فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ الْعَالِي فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ صِنَاعَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ مُحَاوِلَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ قُمْعَ السُّكَّرِ يُرَى ظَاهِرُهُ أَبْيَضَ فَإِذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَمَضَى بِهِ وَكَسَرَهُ وَجَدَ بَاطِنَهُ أَحْمَرَ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ إذَا أَرَادَ شِرَاءَهُ إنَّمَا يُقَلِّبُ ظَاهِرَهُ فَإِنْ تَسَلَّخَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ بَيْعِهِ أَصْلَحُوهُ بِصِنَاعَتِهِمْ الرَّدِيئَةِ فَمَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِنْ أَصْلِهِ فَإِذَا بَقِيَ قَلِيلًا خِيفَ عَلَيْهِ سِيَّمَا عِنْدَ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَطُولِ السَّفَرِ وَكَثْرَةِ الشَّيْلِ وَالْحَطِّ [فَصْلٌ قَطْرُ النَّبَاتِ] فَصْلٌ وَأَمَّا قَطْرُ النَّبَاتِ فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ أَيْضًا غِشٌّ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ هُوَ الْمَرْغُوبُ فِيهِ بِخِلَافِ قَدِيمِهِ فَإِنَّهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ فَيَأْتِي الْمُشْتَرِي فَيَجِدُهُ فِي قُدُورِهِ فَيَرْغَبُ فِي شِرَائِهِ فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ عَوَّضُوهُ عَنْهُ بِالْقَدِيمِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ فَيَجِدُهُ فِي الْقَدْرِ فَيَرْغَبُ فِيهِ فَيَشْتَرِيه مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ طَرِيٌّ وَهُوَ قَدِيمٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْقَدِيمِ وَهَذَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ بَلْ لَوْ طَالَ مُكْثُهُ فِي قُدُورِهِ خَالِصًا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا عِنْدَ بَيْعِهِ أَنَّهُ قَدْ صَارَ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ لَيْسَ كَالْقَدِيمِ (فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ظَاهِرُ أَسْفَلِ الْقِمْعِ أَحْمَرَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ السُّكَّرِ الْأَبْيَضِ فَيَحُكُّ بِهِ ظَاهِرَ السُّكَّرِ الْأَحْمَرِ بِصَنْعَةٍ لَهُمْ فِيهِ

стр. 1088

فَيَرْجِعُ كَأَنَّهُ أَبْيَضُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَاطِنَهُ مِثْلُ ظَاهِرِهِ. وَهَذِهِ نُبَذٌ مِمَّا يَغُشُّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يُغْنِي عَنْ تَتَبُّعِ الْمَسَائِلِ الْبَاقِيَةِ، وَالْأَمْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ خَلَاصَ ذِمَّتِهِ وَبَرَاءَتَهَا مِنْ التَّبِعَاتِ وَوُقُوعَ الْبَرَكَةِ لَهُ حَالًا وَمَآلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي أُجْرَةِ الصُّنَّاعِ وَالْمُؤَنِ كَشِرَاءِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُغَطِّي بِهَا وَزِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُونَ بِهِ مَا يَنُوبُهُمْ وَإِجَارَةِ مَنْ يَقُومُ بِتَغْطِيَةِ الْأَوْعِيَةِ وَصِيَانَتِهَا وَإِجَارَةِ أَمِينٍ يَلْحَظُ بِنَظَرِهِ الصُّنَّاعَ فَيَأْمُرُهُمْ بِغَسْلِ أَقْدَامِهِمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَبَّهَ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ قَلَّ أَنْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ أَهَمُّ أُمُورِهِ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا فَرْضٌ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي أُمُورِ الْوَرَّاقَةِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَهَا يَشْتَرِطُ عَلَى الصُّنَّاعِ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَكِنْ لَمَّا أَنْ اعْتَادَ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ تَرْكَهَا اُحْتِيجَ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَطَابِخِ، وَلَوْ كَانَ الصَّانِعُ يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ وَمُسْتَأْجِرُهُ يَطْلُبُ مِنْهُ دَوَامَ الْعَمَلِ وَيَشِحُّ عَلَيْهِ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَهُوَ آثِمٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَدْخُلُ إيقَاعُهَا بِشُرُوطِهَا فِي الْإِجَارَةِ، وَلَوْ شُرِطَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأُجْرَةَ كَامِلَةً وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَعْمَلُ عِنْدَ مَنْ هَذَا حَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِجْرَانِهِ فَكَيْفَ يَعْمَلُ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِ الْعَمَلِ عِنْدَهُ إعَانَةٌ لَهُ. (فَصْلٌ) وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَدَّعِي مِنْ أَصْحَابِ الْمَطَابِخِ أَنَّ مَا ذُكِرَ قَبْلُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَةِ الْأَوْعِيَةِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى ثَمَنِ الْأَغْطِيَةِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الصُّنَّاعِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ أَوْ يُنْهَوْنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ خَلَاصُ ذِمَّتِهِ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ بِسَبَبِ نُصْحِهِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَرْضَاهُمْ يَحْتَاجُونَ لِلْغِذَاءِ

стр. 1089

بِالسُّكَّرِ وَالْأَشْرِبَةِ فَكُلُّ مَرِيضٍ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ سُكَّرِهِ أَوْ مِنْ الشَّرَابِ الَّذِي عَمِلَهُ بِهِ لَهُ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا هَذَا لَوْ كَانَ فِي زَمَانِ كُلِّ مَنْ يُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ يَتَحَفَّظُ فِيهِ وَيَفْعَلُ الْأَمْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ عَزَّ وُجُودُ هَذَا فَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» فَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﵊ بِالْمَعِيَّةِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ هَذَا وَهُوَ إنَّمَا أَحْيَا سُنَّةً وَاحِدَةً فَمَا بَالُك بِمَنْ أَحْيَا فَرَائِضَ عَدِيدَةً سِيَّمَا وَنَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ وَمَنْ سَأَلَ وَفَحَصَ عَمَّنْ يَشْتَرِي مِنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مَنْ هُوَ مُتَحَفِّظٌ عَلَى دِينِهِ لَكِنْ قَدْ يُعَزُّ وُجُودُهُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكَّرَ السَّالِمَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَوْجُودٌ وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ فِي بَعْضِ بِلَادِ الصَّعِيدِ وَيُسَمَّى الْقِفْطِيَّ وَالثَّمَنُ مُتَقَارِبٌ، وَلَوْ غَلَا ثَمَنُهُ لَتَعَيَّنَ شِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُهُ، وَلَوْ فُقِدَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِمَا يُعْمَلُ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ بَعْدَ أَنْ تَبْرُدَ حَرَارَتُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْتَدِلَ وَلِأَجْلِ عَدَمِ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَعْنِي التَّحَفُّظَ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالنَّظَرُ فِي خَلَاصِ الذِّمَّةِ قَلَّ أَنْ تَرَى مَنْ يَتَسَبَّبُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إلَّا وَهُوَ يَشْكُو مِنْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ قِلَّتِهَا أَوْ الْخَسَارَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ يُعْدَمُ رَأْسُ الْمَالِ وَيُقَوَّمُ وَدُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ النَّظَرِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ وَفِكَاكِهَا بِنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ وَقَعَ النُّصْحُ وَزَادَ عَلَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ قَلِيلًا كَمَا تَقَدَّمَ لَجَاءَتْ الْبَرَكَاتُ تَتْرَى وَلَكَثُرَتْ الْخَيْرَاتُ لَدَيْهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] فَكُلُّ إنْسَانٍ يَرْجِعُ عَمَلُهُ إلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَنَا الْحَقَّ حَقًّا وَيَرْزُقَنَا اتِّبَاعَهُ وَيُرِيَنَا

стр. 1090

الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَيَرْزُقَنَا اجْتِنَابَهُ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّاحُونِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَصْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ الْقُوتُ الَّذِي بِهِ الْقَوَامُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ الْفَصْلُ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ أَكْثُرُهُ مُخْتَصًّا بِالْمَرْضَى قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَرِيضِ آكَدُ وَضَرُورَتَهُ أَشَدُّ وَالْفَحْصُ عَمَّا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ مُتَأَكِّدٌ وَمُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَا مَعًا مُتَأَكِّدَيْنِ. فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يُحْضِرَ نِيَّتَهُ وَيُحْسِنَهَا وَيُنَمِّيَهَا مَهْمَا اسْتَطَاعَ ثُمَّ يَنْوِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ تِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْعَالِمُ مِنْ بَيْتِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ لِيَكُونَ فِي سَبَبِهِ وَهُوَ فِي عِبَادَةٍ مُقْبِلًا عَلَى مَوْلَاهُ فَيَقْصِدُ بِمَا هُوَ فِيهِ أَنْ يُيَسِّرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَقْوَاتَهُمْ لِكَوْنِهِ يَفْعَلُهَا عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَيَكْفِيهِمْ مُؤْنَةَ الْفِكْرِ فِيمَا هُمْ يَتَوَقَّعُونَهُ فِي الطَّحِينِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ. أَلَا تَرَى إلَى مَا نُقِلَ فِي الْقِدْرِ إذَا أَعَارَهَا الْإِنْسَانُ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُبِخَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ إذَا أَعْطَى مِنْهُ شَيْئًا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُيِّبَ بِذَلِكَ الْمِلْحِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَمَا بَالُك بِتَخْلِيصِ الْقُوتِ الَّذِي بِهِ قَوَامُ الْبِنْيَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّوَابَ فِي هَذَا أَعْظَمُ وَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا يُبَاشِرُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِهِمَا وَبَيْنَ سَبَبِهِ بَلْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ مَقْصُورَانِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَامٌّ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إذْ إنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِ الطَّاحُونِ فِي بَيْتِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَطْحَنَ بِيَدِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ يَطْحَنَانِ لَهُ وَصَاحِبُ الطَّاحُونِ قَدْ رَفَعَ هَذِهِ الْكُلْفَةَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَكُونُ تَطَلُّعُهُ وَتَشَوُّقُهُ لِلرِّزْقِ لِرَبِّهِ لَا إلَى السَّبَبِ فَإِنْ شَاءَ أَنْ

стр. 1091

يَرْزُقَهُ رَزَقَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَ الرِّزْقِ عِنْدَهُ لَا تَنْحَصِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الصُّنَّاعِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَأَدَاءَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ وَمَنْ لَمْ يَسْتَمِعْ مِنْهُمْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي الْإِثْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ هِجْرَانُهُ وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ تَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَ مِنْهُ كَسَدَتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتُهُ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّ تَرْكَ الشِّرَاءِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ عَدَمِ تَغْيِيرِهِ عَلَى الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ مِثْلُهُ عَلَى مَنْ كَانَ يَطْحَنُ لِلنَّاسِ وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُطْحَنُ عِنْدَهُ شَيْءٌ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَعَلَّ قَائِلًا: يَقُولُ: إنَّ الْهِجْرَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا مِنْ اثْنَيْنِ حَتَّى يَتْرُكَهُ سَائِرُ الْمُشْتَرِينَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ؛ لِأَنَّهُمْ قَامُوا بِوَظِيفَةٍ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ فِي إنْكَارِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ ﵊ حَيْثُ قَالَ «إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ الْمُنْكَرُ فَلَمْ تُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّ اللَّهُ الْكُلَّ بِعَذَابٍ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّغْيِيرَ قَدْ حَصَلَ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ السُّؤَالِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ مُوجِبِ تَرْكِ شِرَاءِ الدَّقِيقِ وَغَيْرِهِ وَتَرْكِ طَحْنِ الْقُوتِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَإِذَا سَأَلَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ أَخْبَرَا بِمُوجِبِهِ فَيَشِيعُ الْأَمْرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ فَبَعْضُ النَّاسِ يَقْتَدِي وَيَهْتَدِي وَبَعْضُهُمْ يَعْلَمُ الْحُكْمَ، وَإِنْ كَانَ مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِظُهُورِ الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ لَا يُغَيِّرَانِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ مَعَهَا عَلَى التَّغْيِيرِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا يَقُولُ كَمَقَالَتِهِمَا ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ فَيُؤَدِّي هَذَا إلَى عَدَمِ التَّغْيِيرِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ

стр. 1092

[فَصَلِّ مشى الصناع حفاة عَلَى بَوْل الخيل] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الصُّنَّاعَ يَفْعَلُونَ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ مَشْيِهِمْ حُفَاةً عَلَى بَوْلِ الْخَيْلِ وَدُخُولِهِمْ بَيْتَ الْخَلَاءِ حُفَاةً أَيْضًا، وَكَذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ ثُمَّ يَدُوسُونَ الْقَمْحَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ النَّجِسَةِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلُوهَا فَيَصِيرُ مَا أَصَابَتْهُ أَقْدَامُهُمْ مِنْ الْقَمْحِ قَبْلَ غَسْلِهَا مُتَنَجِّسًا وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ فِي ذِمَّةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَآهُمْ وَعَلِمَ بِهِمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ (فَصْلٌ) وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَنْخُلُونَ الدَّقِيقَ وَنَخْلُهُ مِنْ إحْدَى الْبِدَعِ الثَّلَاثِ الْمُحْدَثَةِ أَوَّلًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الصَّانِعِ الَّذِي يُبَاشِرُ الْقَمْحَ وَيَتَوَلَّى طَحْنَهُ وَيَقِفُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ التَّحَفُّظَ الْكُلِّيَّ عَلَى الدَّقِيقِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا فَيَتَنَجَّسُ بِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَنْخُلُهُ فَيَأْكُلُهُ وَهُوَ مُتَنَجِّسٌ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ صَاحِبَ الدَّقِيقِ حِينَ أَخَذَهُ لَهُ لِيَعْمَلَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فِيهِ [فَصْلٌ الرِّفْقَ بِالدَّابَّةِ الَّتِي يَطْحَنُ عَلَيْهَا] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِالدَّابَّةِ الَّتِي يَطْحَنُ عَلَيْهَا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا - الْإِحْسَانُ إلَيْهَا بِرَاحَتِهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْعَمَلِ قَلِيلًا. وَالثَّانِي - لِئَلَّا يَجِيءَ فِي الطَّحْنِ خُشُونَةٌ فَيَصِيرُ كَالدَّشِيشِ سِيَّمَا إذَا طَحَنَ فِي وَقْتِ الْحَرِّ. وَالثَّالِثُ - أَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَزْكُو كَثِيرًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَقِيَ فِي الْقَادُوسِ قَلِيلٌ مِمَّا يُطْحَنُ أَخَذَ طَحِينًا لِشَخْصٍ آخَرَ فَيَسْكُبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ فَتَخْتَلِطُ أَقْوَاتُ النَّاسِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهِيَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ يُحَصِّلُ قُوتَهُ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَآخَرُ يُحَصِّلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ وَمَرَاتِبُهُ مُتَفَاوِتَةٌ وَآخَرُ مَكَّاسٌ أَوْ ظَالِمٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يُرْتَضَى حَالُهُ فِي أَمْرِ دِينِهِ فَتَفْسُدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَقْوَاتُ النَّاسِ وَمَقَاصِدُهُمْ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي قَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ فِيهِ الْحَلَالُ لِكَثْرَةِ الشُّبُهَاتِ فَيَتْعَبُ الْمُكَلَّفُ فِي تَحْصِيلِهِ ثُمَّ يَفْسُدُ

стр. 1093

عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» فَأَمَّا لِسَانُ الْعِلْمِ فَاَلَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ الْمُكَلَّفُ التَّحَفُّظُ عَلَى قُوتِهِ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالْحَرَامِ الْبَيِّنِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الطَّحِينُ الَّذِي قَبْلَهُ لِمَكَّاسٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا طُحِنَ قَبْلَ طَحِينِهِ تَحْتَ الْحَجَرِ فَيَخْتَلِطَ بِطَحِينِهِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْحَرَامِ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ وَالرِّزْقِ. وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَا يَأْتِي إلَى الطَّاحُونِ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ طَرِيقَهُ مُنَافِيَةٌ لِحَالِ مَا يُفْعَلُ فِيهَا إذْ أَنَّ أَدْنَى الْوَرَعِ أَنْ يَعْرِفَ أَصْلَ اكْتِسَابِ الْقُوتِ مِنْ أَيْنَ هُوَ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الطَّاحُونِ بِسَبَبِ مَا يَبْقَى تَحْتَ الْحَجَرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا جَرَى لِلْحَجَّاجِ لَمَّا أَنْ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَكَانَ أَهْلُهُ لَا يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ إلَّا هَلَكَ سَرِيعًا بِدُعَائِهِمْ عَلَيْهِ؛ فَأَمَرَهُمْ الْحَجَّاجُ أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِبَيْضَةِ دَجَاجَةٍ وَيَضَعَهَا فِي صَحْنِ الْجَامِعِ وَأَرَاهُمْ أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ ضَرُورَةً فَاسْتَخَفُّوا ذَلِكَ مِنْهُ فَفَعَلُوا ثُمَّ أَمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنَ بَيْضَتِهِ وَأَرَاهُمْ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا أَرَادَهُ فَلَمَّا أَنْ أَخَذُوا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَيْنَ بَيْضَتِهِ فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ الْحَجَّاجُ أَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِمْ فَدَعَوْا عَلَيْهِ عَلَى عَادَتِهِمْ فَمُنِعُوا الْإِجَابَةَ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ الْمَظَالِمُ الْيَوْمَ وَكَثُرَ الدُّعَاءُ عَلَى فَاعِلِهَا وَقَلَّتْ الْإِجَابَةُ أَوْ عُدِمَتْ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ الْحَرَامَ وَيَلْبَسُ الْحَرَامَ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ «فَلَوْ سَلِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْحَالِ وَدَعَا لَاسْتُجِيبَ لَهُ عَاجِلًا» وَقَدْ وَقَعَ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ أَنَّ بَلَدًا بِبِلَادِ السُّودَانِ كَانَ السُّلْطَانُ لَا يُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدًا

стр. 1094

وَيَظْلِمُهُمْ إلَّا هَلَكَ بِدُعَائِهِمْ عَلَيْهِ فَتَحَيَّرَ السُّلْطَانُ فِي أَمْرِهِمْ فَطَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّرْطَ فَقَبِلَهُ فَوَلَّاهُ فَخَرَجَ مِنْ حِينِهِ فَغَصَبَ مِلْحًا وَبِلَادُ السُّودَانِ لَيْسَ فِيهَا مِلْحٌ وَتَرَكَهُ فِي الْبَلَدِ وَمَضَى لِسَفَرِهِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ تَرَكَ النُّزُولَ فِي مَوْضِعِ الْوِلَايَةِ وَجَلَسَ فِي الْجَامِعِ وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ وَالْخَيْرَ وَالصَّلَاحَ فَقَالُوا لَهُ: أَلَا تَطْلُعُ إلَى مَوْضِعِك؟ فَقَالَ: لَا، مَا جِئْت إلَّا عَلَى أَنِّي وَاحِدٌ مِنْكُمْ وَفِي الْجَامِعِ يُمْكِنُنِي أَنْ أُبَاشِرَكُمْ، وَلَا أَصْدُرُ إلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ أَوْ كَمَا قَالَ. فَبَقِيَ كَذَلِكَ مُدَّةً فَاعْتَقَدُوهُ وَحَسَّنُوا بِهِ الظَّنَّ فَلَمَّا أَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَمَارَضَ فَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَسَأَلُوهُ عَنْ مُوجِبِ مَرَضِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ الْمِلْحِ فَقَالُوا لَهُ: نَأْتِي لَك بِالْمِلْحِ فَقَالَ: إنِّي لَا أَعْرِفُ أَصْلَهُ وَإِنَّ لِي مِلْحًا بِالْبِلَادِ أَعْرِفُ جِهَتَهُ وَأَصْلَهُ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ أُرْسِلَ مَنْ يَأْتِي بِهِ فَعَلْت وَإِلَّا فَلَا، فَأَذَنُوا لَهُ فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِي بِهِ فَلَمَّا أَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ فَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَرَكَةِ فَجَاءَ شَخْصٌ مِنْهُمْ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلْت بِالْمِلْحِ الَّذِي أَخَذْته؟ فَقَالَ: هُوَ ذَا لَمْ أَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُمْ قَدْ أَكَلُوا الْمِلْحَ طَلَعَ إلَى مَوْضِعِ الْوِلَايَةِ وَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهِمْ فَجَاءَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَقُلْ لَك: إنَّ تَحْتَ هَذَا شَيْئًا فَقَامَا مَعًا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْحَهُ مَعَهُ وَجَاءَا إلَى الْوَالِي فَوَضَعَا الْمِلْحَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَا لَهُ: إنَّا لَمْ نَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا فَخَافَ مِنْهُمَا وَخَرَجَ هَارِبًا مِنْ حِينِهِ أَوْ كَمَا جَرَى. وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا أَكَلَ الْحَلَالَ لَمْ تُرَدَّ دَعْوَتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا الَّذِي وَقَعَ بِسَبَبِ بَيْضَةٍ وَمِلْحٍ فَمَا بَالُك بِخَلْطِ الْقُوتِ فِي كُلِّ طَحْنَةٍ. وَلَعَلَّ الصَّانِعَ يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنِي غَيْرُهُ؛ لِأَنِّي إنْ صَبَرْت حَتَّى يَفْرُغَ طَحِينُ الْأَوَّلِ بِالْكُلِّيَّةِ أَخَافُ أَنْ يَنْكَسِرَ حَجَرُ الطَّاحُونِ أَوْ يَفْسُدُ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ حَتَّى تَقِفَ الدَّابَّةُ وَيُبَدِّلَهَا

стр. 1095

بِغَيْرِهَا لَكِنَّهُمْ شَحُّوا بِبَطَالَةِ الْوَقْتِ الَّذِي تُوقَفُ فِيهِ الدَّابَّةُ حَتَّى يَفْرُغَ مَا فِي الْقَادُوسِ. فَإِنْ قَالَ الصَّانِعُ مَثَلًا: لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَاطِ الطَّحِينَيْنِ وَإِنْ فَرَغَ مَا فِي الْقَادُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ مَا تَحْتَ الْحَجَرِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ فَاغْتُفِرَ لِيَسَارَةِ أَمْرِهِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ وَلِكَوْنِ نُفُوسِ النَّاسِ تَسْمَحُ بِهِ بِخِلَافِ مَا يَبْقَى فِي الْقَادُوسِ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ النَّاسِ عَدَمُ الْمُسَامَحَةِ بِهِ لَكِنْ يَحْتَاجُ أَنْ يُرَاعَى حَالُ الشَّخْصَيْنِ فَيُسْكَبُ طَحِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقِيبَ مَنْ يُجَانِسُهُ فِي الدِّينِ وَالتَّسَبُّبِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَأَمَّا لِسَانُ الْوَرَعِ فَلَا يُسَامِحُ صَاحِبُهُ فِي الِاخْتِلَاطِ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ عَقِيبَ مَنْ يُجَانِسُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْوَرَعِ مُتَفَاوِتَةٌ بَلْ طَرِيقُ الْوَرَعِ أَنْ يَطْحَنَ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا مِنْ تَحْتِ نَظَرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يُقْفِلُ عَلَى قُوتِهِ بِقُفْلِ حَدِيدٍ حَتَّى يُوقِنَ بِسَلَامَتِهِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَمِعْتُ سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ: إنَّ شَيْخَهُ سَيِّدِي أَبَا الْحَسَنِ الزَّيَّاتَ ﵀ كَانَ إذَا خَلَا بِهِ يَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ كَمْ قَرَأْت حِزْبًا عَلَى الطَّحِينِ الَّذِي طَحَنْته الْبَارِحَةَ؟ فَأَقُولُ: لَا فَيَقُولُ: قَرَأْت عَلَيْهِ رُبْعَ الْخِتْمَةِ وَمَرَّةً يَقُولُ أَكْثَرَ وَمَرَّةً يَقُولُ أَقَلَّ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَيْ يُنَبِّهَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ. وَالْوَرَعُ أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ فَلَيْسَ وَرَعُ الْغَرِيبِ كَوَرَعِ أَهْلِ الْبَلَدِ فَوَرَعُ الْغَرِيبِ سُوقُ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أُصُولَ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا فَيَعْرِفُونَ الْمَوَاضِعَ الْمَغْصُوبَةَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَهْلُ الْغَصْبِ وَالظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ يَعْرِفُونَ مَنْ يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ وَالْغَرِيبُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ بِذَلِكَ فَقَدْ يَتَحَفَّظُ مِنْ جِهَةٍ وَهِيَ مِمَّا يَرْغَبُ فِيهَا وَقَدْ يَقْصِدُ إلَى جِهَةٍ وَهِيَ مِمَّا يَرْغَبُ عَنْهَا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَقَدْ كَانَ بِالْمَغْرِبِ بِمَدِينَةِ سَبْتَةَ وَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ سَمَكًا وَكَانَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ قَدْ اشْتَهَى السَّمَكَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْلِهِ لِوَرَعِهِ فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَانَ

стр. 1096

مَاشِيًا عَلَى السَّاحِلِ وَإِذَا بِسَمَكَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ وَأَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي الْبَرِّ فَفَرِحَ صَاحِبُهُ إذْ ذَاكَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْيَوْمَ يَأْكُلُ سَيِّدِي الشَّيْخُ السَّمَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ النَّظَرِ فِي الشَّبَكَةِ الَّتِي يُصَادُ بِهَا أَوْ السِّنَّارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَخَذَهَا فِي مِحْفَظَتِهِ وَأَتَى بِهَا إلَى الشَّيْخِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى وَقَالَ لَهُ مَا لَك عُذْرٌ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ ﵀: كُلْهَا أَنْتَ، فَقَالَ لَهُ: أَبَقِيَ لَك بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ ﵀: تِلْكَ الْمِحْفَظَةُ الَّتِي جِئْت بِهَا فِيهَا مِنْ أَيْنَ جِهَتُهَا وَمَا كَيْفِيَّةُ دِبَاغِهَا وَمَنْ صَنَعَهَا وَعَدَّدَ لَهُ أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ تُنْبِئُك أَنَّ الْوَرَعَ لَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ مَنْ يَتَعَانَاهُ لَا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ الطَّاحُونِ فَضْلًا عَنْ الطَّحْنِ فِيهَا. وَيَخْتَلِفُ الْوَرَعُ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَزْمَانِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ حِكَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ الْخُبْزِ مُنْذُ نُهِبَتْ دَارُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: خَالَطَ أَمْوَالَ النَّاسِ الْحَرَامُ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَهُ: فَإِنْ قُلْت فَكَأَنَّ الْوَرَعَ يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَحُكْمَهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْيُسْرِ وَالسَّمَاحَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَالْوَرَعُ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالِاحْتِيَاطِ كَمَا قِيلَ: الْأَمْرُ عَلَى الْمُتَّقِي أَضْيَقُ مِنْ عُقْدَةِ التِّسْعِينَ، ثُمَّ الْوَرَعُ مِنْ الشَّرْعِ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ لَكِنْ لِلشَّرْعِ حُكْمَانِ حُكْمُ الْجَوَازِ وَحُكْمُ الْأَفْضَلِ الْأَحْوَطِ فَالْجَائِزُ نَقُولُ لَهُ: حُكْمُ الشَّرْعِ، وَالْأَفْضَلُ الْأَحْوَطُ نَقُولُ لَهُ: حُكْمُ الْوَرَعِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَانْظُرْ إلَى الْحَرَامِ الْيَوْمَ وَكَثْرَتِهِ وَكَثْرَةِ التَّسَامُحِ فِيهِ وَعَدَمِ نَظَرِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فِي التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا. فَجَاءَ مِنْ هَذَا مَا كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ: إذَا خَلَّصَ الْفَقِيرُ قُوتَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فِي وَقْتِهِ. وَكَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ ﵀: لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا كُلُّهَا حَرَامًا لَكَانَ قُوتُ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا، إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَحُوجُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ لِأَكْلِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ

стр. 1097

وَتَعَالَى أَخْرَجَ لَهُ قُوتَهُ حِينَ كَانَ فِي الْمَهْدِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ وَيَعْبُدَهُ مِنْ بَيْنِ ثَلَاثِ مُحَرَّمَاتٍ: الدَّمِ، وَالْفَرْثِ، وَالْأُمِّ، فَبَعْدَ أَنْ عَرَفَهُ وَعَبَدَهُ يُطْعِمُهُ الْحَرَامَ مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ يُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ مِنْ وَسَطِ الْمُحَرَّمَاتِ حَلَالًا طَيِّبًا كَمَا أَخْرَجَهُ لَهُ أَوَّلًا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهُوَ: إنَّ الْحَرَامَ لَمَّا أَنْ عَمَّ أَمْرُهُ اُضْطُرَّ الْمُؤْمِنُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَالْمَيْتَةِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهَا. وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَوْضَحُ وَأَظْهَرُ وَأَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صَالِحَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ يَلْهَجُ بِهِ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ هُوَ حَدِيثًا إنَّمَا هُوَ كَلَامُ هَذَا الْعَالِمِ الْفَاضِلِ [فَصْلٌ وَزَنَ طَحِينَ إنْسَانٍ فَنَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ وَزْنِهِ الْأَوَّلِ] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَزَنَ طَحِينَ إنْسَانٍ فَنَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ وَزْنِهِ الْأَوَّلِ أَنْ يُكْمِلَهُ لَهُ مِنْ دَقِيقِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَقَصَ طَحِينُ شَخْصٍ كَمَّلَهُ لَهُ مِنْ طَحِينِ شَخْصٍ آخَرَ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الطَّحِينِ الَّذِي نَقَصَ طَحِينُهُ يَرَى ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَلَا يَزْجُرُهُمْ بَلْ يَأْخُذُهُ إذَا كَمَّلُوا لَهُ مِنْهُ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْغَصْبِ وَلُحُوقِ الْإِثْمِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِحْلَالُ مِمَّنْ أَخَذُوا لَهُ مِنْ طَحِينِهِ أَوْ غَرَامَتُهُ لَهُ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا انْتَحَلَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَمْحَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَلَا يُعْطِيَهُمْ ثَمَنَهُ إلَّا دَقِيقًا مُقَسَّطًا. وَمَالِكٌ ﵀ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى مَا حَصَلَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَعْتَبِرُ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقُوتَ أَوْلَى مَا يُحْتَاطُ لَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ

стр. 1098

وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» وَالْمُتَشَابِهُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ أَكْمَلُ لَكِنْ فِي الْقُوتِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ [فَصْلٌ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى بَائِعِ الدَّقِيقِ إذَا اشْتَرَى قَمْحًا قَدِيمًا] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى بَائِعِ الدَّقِيقِ إذَا اشْتَرَى قَمْحًا قَدِيمًا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمُشْتَرِي الدَّقِيقِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ بَعْضُهُ قَدِيمًا وَبَعْضُهُ جَدِيدًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقَعَ فِي الْغِشِّ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِحْلَالُ مِمَّنْ بَايَعَهُ أَوْ شَارَاه فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إلَّا بِأَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ الدَّوَابُّ لِلرَّبِيعِ زَادُوا سِعْرَ الدَّقِيقِ إذْ ذَاكَ وَقَلَّ أَنْ يُظْهِرُوهُ لِلنَّاسِ لِيَجِدُوا بِذَلِكَ السَّبِيلَ إلَى الزِّيَادَةِ فِي السِّعْرِ وَالْقَمْحُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يُعْدَمْ وَلَمْ يَقِلَّ وَأَكْثَرُ التُّجَّارِ يُحِبُّونَ نِفَاقَ سِلَعِهِمْ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ مَنْ يَتَّجِرُ فِي الْأَقْوَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ غُلُوَّ الْأَشْيَاءِ عَلَى إخْوَانِهِمْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي حَقِّ بَائِعِ الدَّقِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ، بَلْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ التَّاجِرِ الَّذِي يَتَّجِرُ فِي الْأَقْوَاتِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ: مِنْهَا أَنْ لَا يُزَاحِمَ النَّاسَ حِينَ شِرَائِهِ بَلْ يَأْتِي إلَى الشِّرَاءِ فِي آخِرِ النَّهَارِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ اشْتَرَاهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَكُونُ نِيَّتُهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ غَلَا السِّعْرُ أَوْ رَخُصَ فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ حَتَّى يَغْلُوَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَعَ تَحْرِيمِهِ تَمْحَقُ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَنْبَغِي مِنْ بَابِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَّجِرَ فِي الْقَمْحِ، وَلَا فِي الدَّقِيقِ، وَلَا فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ غَالِبًا تُحِبُّ الزِّيَادَةَ وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ هَاهُنَا ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ ﵁: كَيْفَ بِك إذَا كُنْت بَيْنَ قَوْمٍ يُحَصِّلُونَ قُوتَ سَنَتِهِمْ هَذَا وَهُوَ الْقُوتُ وَحْدَهُ فَمَا بَالُك بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فِيهِ وَشِرَاءِ الْكَثِيرِ مِنْهُ وَخَزْنِهِ لِيَنْتَظِرَ بِهِ السِّعْرَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ إذَا بَقِيَ الْقَمْحُ عَلَى

стр. 1099

حَالِهِ وَلَمْ يَزِدْ سِعْرُهُ أَوْ زَادَ قَلِيلًا قَلَّ أَنْ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ بَلْ يُؤَخِّرَهُ وَإِنْ كَانَ إلَى السَّنَةِ الْآتِيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا مَا لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ السُّوسُ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَكَسْبِ السَّيِّئَاتِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ بِجَوَارِحِهِ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ ﵁ إذَا وَقَعَتْ لَهُمْ سَنَةُ غَلَاءٍ وَكَانَ عِنْدَهُ قَمْحٌ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ قُوتَهُ لِيُشَارِكَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الشِّدَّةِ وَهَذَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ [فَصْلٌ لَا يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ الدَّقِيقَ مِنْ طَوَاحِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ الدَّقِيقَ مِنْ طَوَاحِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يَطْحَنُ عِنْدَهُمْ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُعِينُ أَهْلَ الْكُفْرِ بِذَلِكَ. الثَّانِي - أَنَّهُ يَتْرُكُ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ - أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَسْتَعْمِلُونَ الصُّنَّاعَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي ذَلِكَ ذِلَّةٌ لِلْمُسْلِمِ وَعِزَّةٌ لِلْكَافِرِ فَيُؤْمَرُ الْمُسْلِمُ أَنْ لَا يَعْمَلَ عِنْدَهُمْ وَلَا يُعِينَهُمْ. الرَّابِعُ - أَنَّهُمْ لَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. الْخَامِسُ - أَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِغِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا. السَّادِسُ - أَنَّهُمْ إذَا شَكَرُوا سِلَعَهُمْ بِالْحُسْنِ وَالْجَوْدَةِ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى صِدْقِهِمْ بَلْ الْغَالِبُ عَكْسُهُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَازِعٌ وَلِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ مَجَالٌ. السَّابِعُ - مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الصَّلِيبِ عَلَى بَابِ الطَّاحُونِ وَفِي أَرْكَانِهَا. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُنَزِّهَ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ وَأَشْكَالِهَا وَقَدْ اسْتَحْكَمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَصَارَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ بَلْ بَعْضُهُمْ يُفَضِّلُ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُعَامَلَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَذْكُرُونَ لِذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِمْ وُجُوهًا مِنْ الْحُجَجِ لَا يَقُومُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى سَاقٍ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ لِقِيَامِ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ بِرَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ الَّذِي يَأْخُذُ الْقَمْحَ مِنْ الْبُيُوتِ وَيَأْتِي بِهِ لِلطَّحْنِ وَيَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ أَمِينًا دِينًا وَإِلَّا فَمَسْتُورُ الْحَالِ

стр. 1100

لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَتَقِفُ لَهُ الْجَارِيَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحَرَائِرِ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ يَجِيءُ فِي وَقْتٍ لَا يَكُونُ فِي الْبَيْتِ إلَّا النِّسَاءُ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ غَضَّ بَصَرَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي الْبَيْتِ إذْ ذَاكَ إلَّا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ فَتَحْصُلُ الْخَلْوَةُ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَإِنْ غَضَّ طَرْفَهُ. بَلْ يَضَعُ الدَّقِيقَ عَلَى الْبَابِ وَيُعْلِمُ مَنْ فِي الْبَيْتِ بِذَلِكَ وَيَتَوَارَى قَلِيلًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَيَمُرُّ لِسَبِيلِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي أَخْذِهِ الْقَمْحَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ إلَّا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ الَّذِي يُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ الدِّينُ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُهُ بَلْ يَطَّلِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى سُوءِ حَالِهِ ثُمَّ يَبْعَثُهُ فَيَدْخُلُ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَالِبُ وُقُوعُ الْفِتَنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ تَوَقُّعُهَا وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَّخِذُ الصَّبِيَّ الَّذِي يُبَاشِرُ ذَلِكَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَحَّالِ الْيَهُودِيِّ وَمَا جَرَى لَهُ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا [فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ تَبْدِيدِ الْقَمْحِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ تَبْدِيدِ الْقَمْحِ حِينَ إتْيَانِ الْحَمَّالِينَ بِهِ إلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّيْلِ وَالْحَطِّ وَحِينَ إعْطَائِهِ لِلصُّنَّاعِ وَمُحَاوَلَتِهِمْ لَهُ قَبْلَ الطَّحْنِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي الْوِعَاءِ خَرْقٌ فَيَزِيدُ تَبْدِيدُ الْقَمْحِ بِسَبَبِهِ وَيَبْقَى بَيْنَ الْأَرْجُلِ يَمْشِي عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ بَابِ الطَّاحُونِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَأْتُونَ بِهِ إلَيْهَا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْقُوتَ إذَا اُمْتُهِنَ يَسْتَغِيثُ لِرَبِّهِ أَنْ يُكْرِمَهُ. وَإِذَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَفَعَ سِعْرَهُ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا جَهْدُهُ وَيَتْرُكُ مَنْ يَكْنُسُ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ وَيَلْتَقِطُ مَا يَبْقَى بَعْدَهُ، وَلَوْ بَقِيَتْ حَبَّةٌ وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ شَأْنِ النَّاسِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ وَلِأَنَّ فِعْلَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْبَرَكَةِ وَإِبْقَاءِ النِّعْمَةِ عَلَى مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ فِي مَوْضِعِ وَزْنِ الدَّقِيقِ وَشَيْلِهِ وَحَطِّهِ وَالْخُرُوجِ بِهِ. وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْوِعَاءِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَرْقٌ أَوْ قَطْعٌ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، وَلَا يَكِلُ أَمْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَى الصُّنَّاعِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ

стр. 1101

أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِهَا فِي الْعَادَةِ وَالْعَوَائِدُ يَقِلُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا إلَّا بِتَوْفِيقٍ مِنْ الْمَوْلَى وَتَأْيِيدٍ. وَالتَّحَفُّظُ عَلَى الدَّقِيقِ آكَدُ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى الْقَمْحِ وَإِنْ كَانَا مَعًا مُحْتَرَمَيْنِ لَكِنَّ الدَّقِيقَ إذَا وَقَعَ وَمَشَى عَلَيْهِ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ النَّاظِرِ إلَيْهِ غَالِبًا فَيُمْتَهَنُ بِالدَّوْسِ عَلَيْهِ وَقَلَّ أَنْ يَأْتِيَ إنْسَانٌ فَيُزِيلَهُ أَوْ يَحْتَرِمَهُ فَلَا يَدُوسَ عَلَيْهِ لِجَهَالَتِهِ بِهِ بَعْدُ بِخِلَافِ الْقَمْحِ فَإِنَّهُ يُرَى فِي الْغَالِبِ فَلَوْ تَرَكَهُ بَعْضُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَتَحَفَّظُ لَهُ آخَرُ مِمَّنْ يَعْرِفُ قَدْرَ نِعَمِ الْمَوْلَى . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعْصِيَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى سِيَّمَا فِي مَوْضِعِ السَّاحِلِ وَالْشُّوَنِ فَإِنَّ الْمَارَّ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ يُعَايِنُ الْقَمْحَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْحُبُوبِ يُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ تَأَكُّدًا كَبِيرًا أَنْ لَا يَمُرَّ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى الْمَشْيِ فِيهَا فَلَا يَمُرُّ بِهَا رَاكِبًا أَوْ مُنْتَعِلًا بَلْ يَحْتَفِي ثُمَّ يَمْشِي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَإِنْ تَنَجَّسَتْ قَدَمُهُ بِمَا هُنَاكَ غَسَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا خَيْرُهَا مُتَعَدٍّ وَضَرَرُهَا مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مَنْ يُكْرِمُ النِّعْمَةَ يُدِيمُهَا اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبِسَبَبِ مَنْ يُهِينُهَا يَعُمُّ غُلُوُّ السِّعْرِ جَمِيعَهُمْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يُحْوِجَ أَهْلَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ إلَى الْوُقُوفِ لِصَبِيِّ الطَّاحُونِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِنْ الطَّوَّافِينَ، وَلَا يُسَامِحُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَلِّيهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ مَحَارِمِ أَهْلِهِ أَوْ عَبْدِهَا أَوْ عَبْدِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ حُصُولِ الْخَلْوَةِ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ فَإِنَّ التَّهَاوُنَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ مَا لَا يَنْبَغِي. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُسَامِحَ فِي الْوَسِيلَةِ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَدْوَاءَ إذَا وَقَعَتْ يَسْهُلُ فِي ابْتِدَائِهَا مُدَاوَاتُهَا وَيَصْعُبُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِحْكَامِهَا، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الشِّفَاءَ حَصَلَ بَعْدُ فَمَا فَاتَ لَا يُسْتَدْرَكُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْقُلُوبِ مَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ الْمَيْلِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ فِي الْغَالِبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ

стр. 1102

سَبَبُهُ مُخَالَفَةُ لِسَانِ الْعِلْمِ أَوَّلًا وَهَذَا التَّنْبِيهُ كَافٍ لِمَنْ فِيهِ عُرُوبِيَّةٌ وَغَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْفَرَّانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ حُسْنِ النِّيَّاتِ فَمِثْلُهُ هُنَا. لَكِنْ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْمُونَ الْفُرْنَ بِالنَّجَاسَةِ كَأَرْوَاثِ الْحَمِيرِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَتَنَجَّسُ الْفُرْنُ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ إنَّهُ إذَا أَحْمَى الْفُرْنَ رَدَّ النَّارَ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْخُذُ الْمِمْسَحَةَ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا وَهِيَ مَبْلُولَةٌ بِالْمَاءِ الْمُعَدِّ لِبَلِّهَا فِيهِ فَيَمْسَحُ أَرْضَ الْفُرْنِ بِهَا فَيَزِيدُ الْفُرْنَ بِهَا تَنْجِيسًا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَتُنَجِّسُهُ وَهَذَا إنْ كَانَ الْمَاءُ أَوَّلًا طَهُورًا ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ أَنْ تَبَتَّلَ يَدُهُ بِمَسِّهِ لِلْمِمْسَحَةِ وَبِذَلِكَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُ الْعَجِينَ بِيَدِهِ قَبْلَ غَسْلِهَا مِمَّا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ يَغْسِلُ يَدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَيَمَسُّ بِهَا الْعَجِينَ حِينَ تَنَاوُلِهِ لِرَمْيِهِ فِي الْفُرْنِ فَيَزِيدُهُ تَنْجِيسًا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعَجِينِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهُوَ فِي دَاخِلِ الْفُرْنِ فَيُطْعِمُ النَّاسَ الْخُبْزَ الْمُتَنَجِّسَ. وَطَرِيقُ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِيَ الْفُرْنَ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ مِثْلَ الْحَلْفَاءِ وَالْقَشِّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاهِرَاتِ. وَيَجُوزُ حَمْوُهُ بِأَرْوَاثِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَيَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ فِي أَرْوَاثِ الْخَيْلِ وَأَبْوَالِهَا وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَكْلِ لُحُومِهَا وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْخَبْزُ بِأَرْوَاثِهَا، وَقَوْلٌ ثَانٍ بِالْمَنْعِ وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَأَرْوَاثُهَا نَجِسَةٌ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ فَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَيَا لَيْتَهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَإِذَا كَانَ

стр. 1103

ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا أَحْمَى الْفُرْنَ بِالطَّاهِرَاتِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ مُصَانٌ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ فَإِذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ الْعَجِينَ فَلْيَنْظُرْ أَوَّلًا إنْ كَانَتْ أَصَابَتْ يَدَهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا فَإِنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ غَسْلُ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ طَاهِرَةً وَتَعَلَّقَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْعَرَقِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُهَا أَيْضًا إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْذَارِ وَصَاحِبُ الْعَجِينِ لَوْ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَجِينَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ يَغُشُّ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْكُلُ الْحَرَامَ وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ تِلْكَ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعَ صَاحِبَ الْخُبْزِ عَلَى مَا جَرَى فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ لَهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي يَبُلُّ فِيهِ الْمِمْسَحَةَ طَاهِرًا نَظِيفًا أَوَّلًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَهُورًا ثُمَّ لَا يُبَالِي بَعْدَ ذَلِكَ بِإِضَافَتِهِ مِمَّا أَصَابَهُ مِنْ الْمِمْسَحَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْذَرًا وَيَحْذَرُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ وَمُسْتَقْذَرٌ بِالسَّوَادِ الَّذِي فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ وَغَسَلَهَا مِنْهُ لَا تَطْهُرُ بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبُلَّ الْمِمْسَحَةَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَلَى الْخُبْزِ إذَا حَصَلَ فِي الْفُرْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:: أَحَدُهَا - أَنْ يَحْتَرِقَ. الثَّانِي - أَنْ تَقْوَى عَلَيْهِ النَّارُ وَلَمْ تُحْرِقْهُ كَالْأَوَّلِ. الثَّالِثُ - أَنْ لَا يُخْرِجَهُ وَهُوَ عَجِينٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَضُرُّ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَفِيهِمَا إضَاعَةُ مَالٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ زَادَتْ فِي جَفَافِهَا عَنْ الرُّطُوبَةِ الْمُعْتَدِلَةِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالصَّبِيَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرِيضَ وَمَنْ بِهِ وَجَعٌ فِي أَسْنَانِهِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ أَكْلُهُ. وَفِيهِ ضَرَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِكُ الطَّبْعَ وَقَدْ يَحْتَاجُ بَعْضُ مَنْ يَتَنَاوَلُهُ إلَى الدَّوَاءِ وَالطَّبِيبِ بِسَبَبِ

стр. 1104

أَكْلِهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا أَخْرَجَهُ وَفِيهِ بَعْضُ عُجُونَةٌ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكَلَهُ يَتَوَلَّدُ فِي بَطْنِهِ دُودٌ لِعُفُونَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَمْرَاضٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْأَدْوِيَةِ وَالطَّبِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِ الْخُبْزِ خُبْزَهُ إذَا أَصَابَهُ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَيَرُدُّهُ إلَى الْفُرْنِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْطِي الْأُجْرَةَ لِلصَّانِعِ إلَّا أَنْ يُحْكِمَ صَنْعَتَهُ. وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْخُبْزِ إذَا وَقَعَ لَهُ فِي خُبْزِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَ ذَلِكَ نَادِرًا أَنْ يُسَامِحَ الصَّانِعَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُغَرِّمَهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُ فَلَهُ اتِّسَاعٌ فِي تَغْرِيمِهِ وَتَرْكِهِ فَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَئِذٍ إنْ لَوْ كَانَ سَالِمًا مِنْ حَرْقِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَلَوْ أَرَادَ الْفَرَّانُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْخُبْزِ وَيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي تَحْصِيلِ أَقْوَاتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْتَلِطَ خُبْزُ النَّاسِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يَخْبِزَ إلَّا فِي فُرْنِ خُبْزِ الْعَلَّامَةِ فَلْيَفْعَلْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يُحْمُونَ الْفُرْنَ إلَّا بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ بِخِلَافِ الْفُرْنِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ خُبْزُ الْبَيْتِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا لُبَابَ الرَّغِيفِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي يَدِ الْفَرَّانِ حِينَ يَرْمِيهِ فِي الْفُرْنِ إذْ إنَّ الْغَالِبَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَدَمُ الِاحْتِرَازِ. وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَخْبِزُونَ بِالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ وَهِيَ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا، وَلَا بَيْعُهَا وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهَا إلَّا بِالْعِوَضِ لِأَجْلِ أَنَّ عِوَضَهَا عِنْدَهُمْ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِثَمَنِ الطَّاهِرَاتِ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بَعْضُهُمْ حُبُّ الدُّنْيَا، إذْ إنَّهُمْ بِحُبِّهَا شَحُّوا بِثَمَنِ مَا يُوقِدُونَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا نَحَا نَحْوَهُ قَالَ ﵊ «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يَرَى مَا يَفْعَلُونَهُ أَوْ يَسْمَعُ بِهِ مَنْ هُوَ ثِقَةٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَفْعَلْ

стр. 1105

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَلِسُ مِنْ خُبْزِ بَعْضِ النَّاسِ الرَّغِيفَ وَالرَّغِيفَيْنِ. فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ لِذَلِكَ لِجِدَّتِهِ وَيَسْتَقْبِحُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ضَعِيفَ الْحَالِ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ مِنْ الطَّلَبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ أَوْ بُخْلِهِ فَمَرَّةً يُعْطِيهِ الْفَرَّانُ ذَلِكَ وَيَعْتَلُّ لَهُ بِالْغَلَطِ أَوْ النِّسْيَانِ وَمَرَّةً يُكَابِرُهُ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي أُجْرَةِ الْخُبْزِ فَمَرَّةً يَرُدُّهَا عَلَيْهِ وَمَرَّةً يَرُدُّ بَعْضَهَا وَمَرَّةً لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْئًا [فَصْلٌ الدَّقِيقَ الَّذِي يَتَبَدَّدُ عَلَى الْمَسْطَبَةِ] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الدَّقِيقَ الَّذِي يَتَبَدَّدُ عَلَى الْمَسْطَبَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْأَطْبَاقُ يَتْرُكُونَهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَكْنُسُونَهُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ بِأَقْدَامِهِمْ وَنِعَالِهِمْ وَذَلِكَ امْتِهَانٌ لِنِعَمِ الْمَوْلَى وَيُخَافُ مِنْ عَاقِبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الدَّقِيقِ الَّذِي يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِمَّا يَفْضُلُ فِي الْأَطْبَاقِ بَعْدَ رَمْيِ الْخُبْزِ فِي الْفُرْنِ عَلَى عَجِينِ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مُسْتَتِرٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاكْتِسَابِ لِتَحْصِيلِ الْأَقْوَاتِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّقِيقُ قَدْ اخْتَلَطَ بِدَقِيقِ مَكَّاسٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَعْوَانِهِمْ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْخُبْزِ فِي تَغْرِيمِ الْفَرَّانِ أَوْ تَرْكِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْفَرَّانِ أَنْ يُعْطِيَ الْخُبْزَ لِصَاحِبِهِ دُونَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا جَرَى فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَإِنْ عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ الدَّقِيقِ عَلَى خُبْزِ ظَالِمٍ أَوْ مَكَّاسٍ أَوْ أَعْوَانِهِمْ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَيَنْبَغِي لِلْفَرَّانِ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ عَلَى عَجِينِ أَحَدٍ فَلْيَفْعَلْ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ اخْتِلَاطِ أَقْوَاتِهِمْ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُسَامِحَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَهُ فِي الْفُرْنِ الْجَوَارِي وَالنِّسَاءُ وَالْبَنَاتُ الْأَبْكَارُ وَالشُّبَّانُ وَالرِّجَالُ وَالْعَبِيدُ وَيَتَحَدَّثُونَ هُنَاكَ بِأَشْيَاءَ سَقْطَةٍ رَذْلَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ اتِّفَاقًا وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْخُبْزِ أَنْ لَا يُرْسِلَ إلَى الْفَرَّانِ أَحَدًا مِمَّنْ يُخَافُ

стр. 1106

عَلَيْهِ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُطِيعُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُقُوقًا لِمَا وَرَدَ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَقَدْ تَئُولُ إلَى وُقُوعِ الْفَاحِشَة الْكُبْرَى نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَلَائِهِ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْبِزَ لِمَنْ سَبَقَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَجِينُ الْمُتَأَخِّرُ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ وَمَنْ سَبَقَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيُقَدِّمُهُ وَإِلَّا كَانَ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ، الْمَالِ هَذَا إذَا كَانَ نَادِرًا وُقُوعُهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِهِ فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ خُبْزُ مُشَاهَرَةٍ وَخُبْزُ نَقْدٍ يُقَدِّمُونَ صَاحِبَ النَّقْدِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلَفِ خُبْزِ الْمُشَاهَرَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ فَوَاتَ صَاحِبِ النَّقْدِ بِخِلَافِ الْمُشَاهَرَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ آثِمًا فَإِنْ تَلِفَ خُبْزُ الْمُشَاهَرَةِ بِسَبَبِ تَأْخِيرِهِ خُبْزَ صَاحِبِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِالْخُبْزِ وَالنَّاسُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا الْخَمْسُ فِي جَمَاعَةٍ فَقَلَّ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهَا غَالِبًا وَالدَّيِّنُ فِيهِمْ فِي الْغَالِبِ يُصَلِّيهَا قَضَاءً. فَمَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ هِجْرَانُهُمْ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِمَّنْ عِنْدَهُ مِنْ خَبْزِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لَهُمْ وَلْيَمْضِ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ وَيَخْبِزُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَازِعٌ. (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْأَلَ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُضْطَرُّ إلَى مُعَامَلَتِهِ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ إذْ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الْأَصْلِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ ضِدُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ

стр. 1107

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَدُورُ عَلَى الْبُيُوتِ لِأَخْذِ الْعَجِينِ امْرَأَةً مُتَجَالَّةً لِأَجْلِ صِيَانَةِ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِنَّ الْعَجِينَ لِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَتَّخِذْ صَبِيًّا عَاقِلًا عَفِيفًا أَمِينًا قَدْ جُرِّبَ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ فِي صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ حِينَ أَخْذِهِ لِلْقَمْحِ مِنْ الْبُيُوتِ وَرَدِّهِ إلَيْهَا دَقِيقًا [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْخَبَّازِ الَّذِي يَعْمَلُ الْخُبْزَ لِلسُّوقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ يَنْبَغِي لِلْخَبَّازِ الَّذِي يَعْمَلُ الْخُبْزَ لِلسُّوقِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَاحِبِ الطَّاحُونِ وَالْفُرْنِ لِيَكُونَ فِي عِبَادَةٍ وَخَيْرٍ وَتَقَرُّبٍ إلَى رَبِّهِ . وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالدَّقِيقِ إلَى الْفَرَّانِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَبَدَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ مَا فَإِنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيُزِلْهُ سَرِيعًا بِيَدِهِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلْيَسْتَنِبْ عَنْهُ غَيْرَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ صُنَّاعِ الْفُرْنِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ عَلَى حِفْظِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ تَبْدِيدِ الدَّقِيقِ آكَدُ مِنْهُ فِي الْقَمْحِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دَقِيقًا رَدِيئًا أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَعْمَلُ الْخُبْزَ مِنْ الدَّقِيقِ الرَّدِيءِ وَيَحْلِفُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْ الدَّقِيقِ الطَّيِّبِ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ خَلَطَ الطَّيِّبَ بِالرَّدِيءِ مِنْهُ وَالْمُكَلَّفُ إنَّمَا يَتْعَبُ فِي السَّبَبِ وَيَدْأَبُ فِيهِ لِيَأْكُلَ حَلَالًا وَهُوَ يَرْجِعُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إلَى الْحَرَامِ الْبَيِّنِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدِ الصُّنَّاعِ وَيَزْجُرَهُمْ عَنْ عَوَائِدِهِمْ

стр. 1108

الرَّدِيئَةِ فِي تَبْدِيدِهِمْ الدَّقِيقَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعْجِنُونَ فِيهَا وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَضَعُونَ فِيهَا الْعَجِينَ لِلتَّقْرِيصِ وَالْخَبْزِ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْعَجِينِ مِنْ مَشْيِ الْخُشَاشِ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ حِينَ يَنْتَظِرُونَ بِهِ التَّخْمِيرَ فَأَمَّا أَنْ يُغَطِّيَهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ نَظِيفٍ أَوْ يَتْرُكَ مَنْ يَحْرُسُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ عَجَزَ عَمَّا يُغَطِّيهِ بِهِ فِي الْوَقْتِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ الصُّنَّاعَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَعْجِنُونَ وَالْعَرَقُ يَسْقُطُ مِنْهُمْ وَيَقَعُ فِي الْعَجِينِ الذُّبَابُ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَنُشُّهُ فَيَخْتَلِطَ بِالْعَجِينِ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَتَّقِي بِهِ الْعَرَقَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْعَجِينِ وَيَتْرُكَ مَنْ يَنُشُّ الذُّبَابَ وَمَا أَشْبَهَهُ حِينَئِذٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْغِشِّ وَلِأَجْلِ عَدَمِ احْتِرَازِهِمْ تَجِدُ فِي الْخُبْزِ أَشْيَاءَ مُسْتَقْذَرَةً كَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّبِيبِ وَالْقَشِّ وَالْحَلْفَاءِ وَالشَّعْرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ [فَصْلٌ لَا يَعْجِنُونَ الْعَجِينَ بِمَاءِ الْآبَارِ الْمَالِحَةِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ يَعْجِنُونَ الْعَجِينَ بِمَاءِ الْآبَارِ الْمَالِحَةِ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْمِلْحَ فَيَصِيرُ طَعْمُ الْخُبْزِ مُرًّا مَالِحًا فَالْمَرَارَةُ مِنْ مَاءِ الْآبَارِ وَالْمُلُوحَةُ مِنْ زِيَادَةِ الْمِلْحِ الْمُضَافِ إلَى مَاءِ تِلْكَ الْآبَارِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلِطَ مَعَ الدَّقِيقِ غَيْرَهُ مِمَّا يُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الْكُرْكُمِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ يُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِ مُشْتَرِيهِ إنْ كَانَ دَقِيقُهُ رَدِيئًا كُلَّهُ أَوْ مَخْلُوطًا بِرَدِيءٍ وَيَزِيدُهُ حُسْنًا فِي عَيْنِهِ إنْ كَانَ دَقِيقُهُ طَيِّبًا كُلَّهُ وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْغِشِّ. الثَّانِي - أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا لِآكِلِهِ دُونَ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ شَرْعًا. الثَّالِثُ - أَنَّهُ إذَا بَاتَ أَوْ بَرَدَ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَفَرَتْ نُفُوسُ بَعْضِ النَّاسِ مِنْهُ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِمَا يَجْعَلُونَهُ فِيهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّيِّبَةِ، وَلَا تَضُرُّ بِآكِلِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَجْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الزَّعْفَرَانِ عَلَى وَجْهِ الكماج وَمَا أَشْبَهَهُ

стр. 1109

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْمَاءِ الْعَذْبِ الَّذِي يَعْجِنُ بِهِ الدَّقِيقَ مِنْ الذُّبَابِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَجِينِ بَلْ هَذَا آكَدُ إذْ إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَسْتَتِرُ فِي الْمَاءِ بِخِلَافِ الْعَجِينِ لِظُهُورِهَا فِيهِ غَالِبًا. وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يَعْجِنُ مِنْهُ وَعَلَى الْعَجِينِ وَالْخُبْزِ وَآنِيَتِهِ وَمَا يُفْرَشُ تَحْتَهُ وَمَا يُغَطَّى بِهِ مِنْ أَيْدِي الصُّنَّاعِ وَالْفَرَّانِ. فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَرِزُونَ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. فَمِنْهَا أَنْ يُبَاشِرَ أَحَدُهُمْ النَّجَاسَةَ بِيَدِهِ ثُمَّ يُبَاشِرَ بِهَا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَغْسِلَهَا بِمَاءٍ مُضَافٍ لِطَاهِرٍ وَذَلِكَ لَا يُطَهِّرُهَا. وَمِنْهَا أَنْ يَمَسَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَقْذَرَةَ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْأَعْرَاقِ وَحَكِّ بَدَنِهِ وَمُرُورِ يَدِهِ فِي الْمَغَابِنِ وَمَسِّ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ أَوْ النَّجِسَةِ كَجِدَارِ مِرْحَاضٍ وَمَا أَشْبَهَهُ ثُمَّ يَمَسَّ بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْسِلَهَا [فَصْلٌ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ فِيهِ أَيْدِيَهُمْ] (فَصْلٌ) وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَنْهَى الصُّنَّاعَ عَمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ أَخَذُوا مِنْ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلْعَجِينِ فَيَتَوَضَّئُونَ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِأَثَرِ الْعَجِينِ أَوْ الدَّقِيقِ أَوْ لِمَا يَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَا يَجْعَلُهُ تَحْتَ الْأَرْغِفَةِ وَهِيَ عَجِينٌ طَاهِرًا غَيْرَ مُسْتَقْذَرٍ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ دَوْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدَمُهُ طَاهِرَةً؛ لِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً بِسَبَبِ مَا يَعْلَقُ بِهَا مِنْ أَثَرِ الدَّقِيقِ أَوْ الْعَجِينِ بَلْ تَكُونُ مُصَانَةً عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وَعَمَّا يُصِيبُهَا مِنْ زُرْقِ طَائِرٍ أَوْ زِبْلِ فَأْرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهَا بَسَطَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُبْسَطُ عَلَيْهِ طَاهِرًا ثُمَّ يَجْعَلُ عَلَيْهَا أَرْغِفَةَ الْعَجِينِ ثُمَّ يُغَطِّيهَا بِمِثْلِ مَا بَسَطَهُ تَحْتَهَا أَعْنِي فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْذَارِ [فَصْلٌ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ فِيهِ أَيْدِيَهُمْ مِنْ أَثَرِ الْعَجِينِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ

стр. 1110

فِيهِ أَيْدِيَهُمْ مِنْ أَثَرِ الْعَجِينِ، وَكَذَلِكَ غَسَّالَةُ الْأَوَانِي الَّتِي يُعْجَنُ فِيهَا فَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ يُمْشَى عَلَيْهِ بِالْأَقْدَامِ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ مُسْتَقْذَرٍ بَلْ يُطْعِمُونَهُ لِلدَّجَاجِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلِغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ حُفِرَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُسْتَقْذَرٍ سَالِمٍ مِنْ الْمَشْيِ عَلَيْهِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ الْفَرَّانَ أَنْ يُخْرِجَ الْخُبْزَ لَهُ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْضَجْ؛ لِأَنَّهُ يَثْقُلُ فِي الْمِيزَانِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ غِشٌّ وَفِيهِ ضَرَرٌ لِآكِلِهِ كَمَا سَبَقَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَرَّانِ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ صَاحِبِ الْخُبْزِ إذَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْإِثْمِ مَعًا (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَرَّانِ أَنْ لَا يُحْرِقَهُ، وَلَا يُقَمِّرَهُ زِيَادَةً عَلَى نُضْجِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْخُبْزِ فِي الثَّمَنِ وَيَضُرُّ بِآكِلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَبِالْجُمْلَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ مُرَاعَاةُ النُّضْجِ التَّامِّ فِي الصَّنْعَةِ كُلِّهَا وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ السَّقَّاءِ] قَدْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّاتُ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا صَاحِبُ الطَّاحُونِ وَيَرْجِعُ بِهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ فَفِي السَّقَّاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَوْجَبِ إذْ إنَّ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ الْقُوتُ وَالْمَاءُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ مَعَانٍ جُمْلَةً. مِنْهَا الشُّرْبُ وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْأَكْلِ. وَمِنْهَا إزَالَةُ النَّجَاسَاتِ. وَمِنْهَا رَفْعُ الْحَدَثِ. وَمِنْهَا إحْيَاءُ النَّفْسِ إذَا غَصَّ صَاحِبُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ فَلِلسَّقَّاءِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ وَالْخَيْرُ الْعَمِيمُ فِي تَيْسِيرِ الْمَاءِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نِيَّتِهِ وَيُنَمِّيَهَا لِيَحُوزَ بِهَا ثَوَابَ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا بَعْضَهُ وَيَكُونُ تَطَلُّعُهُ فِي الرِّزْقِ إلَى رَبِّهِ لَا إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ كَمَا مَضَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَكِنَّ آكَدَ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا فِيهَا

стр. 1111

مِمَّا يُضَادُّ نِيَّتَهُ أَوْ يُنْقِصُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ وَالْعَمَلُ لَهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً خَالِصَةً مِنْ الشَّوَائِبِ وَالْمَفَاسِدِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْمَاءَ مِنْ الْمَوْرِدَةِ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ فَضَلَاتِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ، وَلَا يُرَاعِي حَقَّ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَكُونُ جَاهِلًا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَيَبُولُ قَرِيبًا مِنْ مَوْرِدَةِ الْبَحْرِ أَوْ فِيهَا وَهَذِهِ هِيَ إحْدَى الْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» ثُمَّ يَأْتِي السَّقَّاءُ فَيَمْلَأُ فَيَطْلُعُ مَا عَمِلَ هُنَاكَ فِي الْوِعَاءِ الَّذِي يَمْلَأُ بِهِ فِي الرَّاوِيَةِ أَوْ الْقِرْبَةِ فَيَتَنَجَّسُ كُلُّ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْكُبُهُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَتَتَنَجَّسُ بِهِ ثِيَابُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ وَقُوتُهُمْ الَّذِي يَعْجِنُونَهُ مِنْهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ تَطْهُرُ بِهِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى كُلْفَةٍ فِي غَسْلِ ثِيَابِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ وَإِعَادَةِ صَلَاتِهِمْ وَتَبْدِيدِ قُوتِهِمْ وَغَسْلِ الْأَوَانِي وَغَيْرِهَا مِمَّا أَصَابَهَا. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ كَثِيرًا وَأَخْبَرَ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ احْتَاجُوا إلَى كُلْفَةٍ فِي تَطْهِيرِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ. ثُمَّ مَعَ مَا ذُكِرَ فَالْمَاءُ الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْبَرِّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَكِرٌ بِالتُّرَابِ وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَتَارَةً تَكُونُ نَجِسَةً وَتَارَةً تَكُونُ مُسْتَقْذَرَةً وَتَارَةً تَكُونُ طَاهِرَةً وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُمْلَأُ مِنْهُ سَرَابُ حَمَّامٍ أَوْ وَرَّاقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ الْمُسَلَّطَةِ عَلَى الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ؛ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حِينَئِذٍ يَغْرِفُ الْمَاءَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ فَإِنَّ الْكُلْفَةَ هَاهُنَا وَاجِبَةٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكَلَ الْحَرَامَ لِإِهْمَالِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَ فِعْلُهُ تِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُصَدِّقُ النِّيَّةَ أَوْ تُكَذِّبُهَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَكُونُ عَيْنُهُ نَاظِرَةً إلَى مَا يَحْصُلُ فِي الْوِعَاءِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ فَإِنْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ أَزَالَهُ وَطَهَّرَ الْوِعَاءَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ

стр. 1112

صَبَّهُ وَأَخَذَ غَيْرَهُ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْلَأَ بِاللَّيْلِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِي الِاحْتِيَاطِ فَيَدْخُلُ فِي الْبَحْرِ بِحَيْثُ يَأْمَنُ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَوْ الْفَضَلَاتِ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مَعَ وُجُودِ التَّحَفُّظِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَيَغْرَمُ لِمُشْتَرِيهَا مَا أَخَذَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ يَرْضَى مِنْهُ بِمِثْلِهَا (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْلَأَ الرَّاوِيَةَ أَوْ الْقِرْبَةَ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَهَا نَاقِصَةً وَذَلِكَ غِشٌّ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ الرَّاوِيَةُ أَوْ الْقِرْبَةُ سَالِمَةً مِنْ الْخَرْقِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْقُصُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ غِشٌّ أَيْضًا سِيَّمَا إنْ كَانَ الطَّرِيقُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُبُ فِيهِ الْمَاءَ بَعِيدًا وَالْخَرْقُ مُتَّسِعٌ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ لِنَدَاوَتِهَا بِمَا يَنْصَبُّ فِيهَا فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى مِنْ الطَّرِيقِ وَهَذَا ضِدُّهُ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الرِّوَايَةُ أَوْ الْقِرْبَةُ جَدِيدَةً أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمُشْتَرِي الْمَاءِ الَّذِي عَمِلَ فِيهَا لِكَيْ يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، إذْ إنَّهُ مُضَافٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ طَاهِرٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَأَفْسَدَ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَطَهَّرَ مِنْهُ أَوْ أَزَالَ بِهِ نَجَاسَةً، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الرَّاوِيَةُ قَدِيمَةً وَدَهَنَهَا، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ إنْ كَانَ فِيهَا قَطِرَانٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّاوِيَةِ غِطَاءً طَاهِرًا كَثِيفًا سَاتِرًا لِجَمِيعِهَا لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ تَلْوِيثِ ثِيَابِهِمْ بِهَا، إذْ إنَّ ذَلِكَ أَذًى لِلْمُسْلِمِينَ وَأَذَاهُمْ مُحَرَّمٌ. وَيَنْبَغِي لِمُشْتَرِي الرَّاوِيَةِ أَوْ الْقِرْبَةِ أَنْ يَرْغَبَ عَمَّا مُلِئَ بِاللَّيْلِ خَشْيَةً مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ قَدْ مُلِئَتْ بِالنَّهَارِ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ بِالنَّظَرِ فِي أَوْصَافِ الْمَاءِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ لِيَسْلَمَ مِنْ الْمُنَازَعَةِ فَإِذَا احْتَاطَ كَمَا وُصِفَ وَوَجَدَهُ سَالِمًا دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِنَجَاسَةٍ لَزِمَهُ إرَاقَتُهُ إنْ اسْتَطَاعَ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِلرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَا تَلْزَمُهُ

стр. 1113

الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ لَا قِيمَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا بِطَاهِرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ إذَا بَاعَهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ وَاسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ لَكَانَ قَدْ فَعَلَ مَعَهُ مَعْرُوفًا لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَقَعَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَيَبِيعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، فَإِنْ أَبَى السَّقَّاءُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا وَجَدَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكِهَا وَأَخْذِ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهَا. وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا وَمُحْتَاجًا إلَيْهَا أَنْ لَا يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّغْيِيرُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِعُذْرٍ فَأَقَلَّ مَا يُمْكِنُ فِي الْهِجْرَانِ أَنْ يَتْرُكَ الشِّرَاءَ مِنْهُ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِالْجَمَلِ مَشْيًا مُتَوَسِّطًا لَا يُسْرِعُ فِيهِ فَيَضُرُّ بِالْجَمَلِ، وَلَا يُبْطِئُ فَيَضْرِبُهُ أَيْضًا لِطُولِ مُكْثِ الثِّقَلِ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَى الْبَحْرِ لِأَخْذِ الْمَاءِ فَيُسْرِعُونَ بِالْجَمَلِ الْإِسْرَاعَ الْكَثِيرَ؛ فَيَرْتَكِبُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مَذْمُومَةً مِنْهَا أَنَّهُمْ يُتْعِبُونَ الْجَمَلَ لِسُرْعَتِهِمْ بِهِ إذْ إنَّ الْجَمَلَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الْجَرْيُ مَعَ الْحِمْلِ وَمِنْهَا إخَافَتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِصَدْمِهِمْ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَمِنْهَا تَلْوِيثُ ثِيَابِهِمْ بِالرَّاوِيَةِ الَّتِي يَتْرُكُونَهَا مَكْشُوفَةً مُتَدَلِّيَةً مِنْ جَانِبَيْ الْجَمَلِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ مِنْ بَيْعِهِمْ الْقِرْبَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يَهَبُ ذَلِكَ ثُمَّ يَبِيعُهَا بَعْدُ عَلَى أَنَّهَا كَامِلَةٌ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ يَبِيعُ الرَّاوِيَةَ ثُمَّ يَبِيعُ مِنْهَا شَيْئًا يَخْتَلِسُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا مَلَأَ الْقِرْبَةَ مِنْ الرَّاوِيَةِ رَبَطَ فَمَ الرَّاوِيَةِ رَبْطًا خَفِيفًا فَيَقْطُرُ مِنْهَا مَاءٌ كَثِيرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ سَكْبِ الرَّاوِيَةِ إلَّا وَقَدْ نَقَصَ مِنْهَا مَا لَا يَرْضَى بِهِ بَعْضُ الْمُشْتَرِينَ. وَإِذَا

стр. 1114

كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِحِسَابِهِ أَوْ يَتْرُكَ وَيُنْهَى السَّقَّاءُ عَنْ وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا مِنْهُ إذْ إنَّهُ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ أَذًى لِلْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ كَمَا مَرَّ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَتَحَفَّظُونَ عَلَى الْقِرْبَةِ الَّتِي يَمْلَئُونَهَا مِنْ الرَّاوِيَةِ إذْ إنَّهُمْ يَمْلَئُونَ بِهَا وَفِيهَا خَرْقٌ فَيُلَوِّثُونَ بِهَا الْجُدْرَانَ وَالْأَرْضَ وَالسُّلَّمَ وَيَنْقُصُ الْمَاءُ بِسَبَبِهَا وَالْغَالِبُ الْمُرُورُ عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فِي الْوَقْتِ فَيَتَلَوَّثُ بِهَا ثِيَابُ الْمَارِّينَ وَأَطْرَافُهُمْ فَيَحْتَاجُونَ إلَى كُلْفَةٍ فِي غَسْلِهَا وَيَدْخُلُ لِبَعْضِهِمْ الشَّكُّ فِي صَلَاتِهِ إذَا أَصَابَ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ شَيْءٌ مِنْهَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْجِدَارُ جِدَارَ مِرْحَاضٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ذَلِكَ [فَصْلٌ السَّقَّاءِ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ لِسَكْبِ الْمَاءِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى السَّقَّاءِ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ لِسَكْبِ الْمَاءِ أَنْ يَطْرُقَ بِرَأْسِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَنْظُرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا فِي مَوْضِعِ قَدَمِهِ وَفِي مَوْضِعِ سَكْبِ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ حَاضِرًا فَإِنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِغَضِّ الطَّرْفِ فِي الطُّرُقَاتِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً فَمَا بَالُك بِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي هِيَ مَحْجُورَةٌ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ فِي الطُّرُقَاتِ مُسْتَتِرَاتٌ بِخِلَافِ حَالِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْحَرِّ وَإِذَا لَمْ يَغُضَّ طَرْفَهُ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى السَّقَّاءِ أَنْ يَتَوَلَّى دُخُولَ الْبَيْتِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكِلُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ أَمَانَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَةُ صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ مِنْ كَوْنِهِ أَمِينًا عَفِيفًا دَيِّنًا فَفِي السَّقَّاءِ مِثْلُهُ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَدَمُ الِاطْمِئْنَانِ لِغَيْرِهِ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَا يَغُضُّ طَرْفَهُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَشِدَّةٍ فِي الْغَالِبِ فَيُخَافُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَفْعَلُ كَفِعْلِهِ فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ [فَصْلٌ لَا يَسْكُبَ السقاء فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْكُبَ فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ إذْ إنَّ ذَلِكَ خَلْوَةٌ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَالْخَلْوَةُ بِهَا مُحَرَّمَةٌ

стр. 1115

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْكُبَ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَنْ يَتَبَرَّجُ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى فَسَادِ الْقُلُوبِ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ كُنَّ يَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ لَا يُخْشَى عَلَيْهِنَّ لِصِيَانَتِهِنَّ إذْ إنَّ خُرُوجَهُنَّ عَلَى غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ يَحْرُمُ وَيُذْهِبُ عَنْهُنَّ مَا يَزْعُمْنَهُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّعَفُّفِ إذْ لَوْ كُنَّ كَذَلِكَ لَمَا ظَهَرْنَ عَلَى غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ [فَصْلٌ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْوُقُوفَ] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْوُقُوفَ مَعَ السَّقَّاءِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَشْبَهَهُ أَوْ يَكِلُ ذَلِكَ إلَى ذِي رَحِمٍ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ عَبِيدِهِ أَوْ عَبِيدِ أَهْلِهِ الْمَأْمُونِينَ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ وُقُوعِ الْخَلْوَةِ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا مَضَى فِي صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ مِنْ أَنَّهُ يَضَعُ الطَّحِينَ عَلَى الْبَابِ وَيَتَوَارَى حَتَّى تَأْخُذَهُ الْمَرْأَةُ إذْ إنَّ ذَلِكَ لَا خَلْوَةَ فِيهِ بِخِلَافِ السَّقَّاءِ (فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّقَّاءَ يَتَوَلَّى مَا ذُكِرَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَكَانَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ فَلْيَتَّخِذْ صَبِيًّا مُتَّصِفًا بِمَا اتَّصَفَ هُوَ بِهِ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ الصَّبِيُّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُ الْقِرْبَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يَهَبُ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْجَمَلِ، ثُمَّ يَبِيعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا كَامِلَةٌ وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ يَبِيعُهَا ثُمَّ بَعْدَ بَيْعِهَا يَهَبُ أَوْ يَبِيعُ مِنْهَا وَذَلِكَ خِلْسَةٌ وَخِيَانَةٌ لِصَاحِبِ الْجَمَلِ وَلِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْجَمَلِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ فَفِي حَقِّ الصَّبِيِّ مِنْ بَابٍ أَحْرَى (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْإِدْلَالِ عَلَى بَعْضِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَذَلِكَ يُمْنَعُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَذَوِي الْمَحَارِمِ لِأَمْرِ الشَّارِعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فَمَا بَالُك بِدُخُولِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَجِبُ أَدَبُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَبِهِ فَلْيَهْجُرْهُ وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي الْهِجْرَانِ تَرْكُ مُعَامَلَتِهِ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ ثَمَنَ عِدَّةٍ رَاوِيًا

стр. 1116

مُعَجَّلًا مِنْ شَخْصٍ وَيَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ الْفَرَّانُ فِي خَبْزِ طَبَقِ الْمُشَاهَرَةِ مَعَ خَبْزِ طَبَقِ النَّقْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ السَّقَّاءُ بِأَنَّهُ يَخْتَارُ لَهُ الْوَقْتَ الَّذِي يَكْسُدُ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَاءُ فَيَسْكُبُهُ لَهُ فِيهِ أَوْ يَأْتِي لَهُ بِهِ فِي وَقْتٍ يَرْغَبُ النَّاسُ عَنْ سَكْبِ الْمَاءِ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ الْحَرِّ فَيَسْكُبُ لَهُ فِي الْقَائِلَةِ أَوْ فِي آخِرِ النَّهَارِ فَقَلَّ أَنْ يَبْرُدَ وَيَبِيعَ أَوَّلَ النَّهَارِ بِالنَّقْدِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ وَغِشٌّ فِي حَقِّ مَنْ عَجَّلَ لَهُ ثَمَنَ الْمَاءِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْمَاءِ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ سَالِمَتَيْنِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرَّانِ إذْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِأَمْرِ النَّجَاسَاتِ وَالْمُسْتَقْذِرَات فَيُبَاشِرُونَهَا ثُمَّ لَا يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْهَا (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ مِنْ الرَّاوِيَةِ بَعْضَهَا أَوْ وَهَبَهُ كَمَا سَبَقَ فَإِذَا سَكَبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي جَعَلَ فِي كُلِّ قِرْبَةٍ يَمْلَؤُهَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا أَوْ نَحْوًا مِنْهُ وَيُمْسِكُهَا بِصَنْعَةٍ لَهُ فِيهَا حَتَّى يُظْهِرَ لِلْغَيْرِ أَنَّهَا مَلْآنَةُ، وَذَلِكَ لَا يُظْهِرُ لِمُشْتَرِيهَا عَدَدَ قِرَبِ الرَّاوِيَةِ فِي الْعَادَةِ حَتَّى لَا يَتَّهِمَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الرَّاوِيَةُ كَامِلَةً فَإِنَّهُ يَمْلَأُ الْقِرْبَةَ بِكَمَالِهَا لِيَفْرُغَ مِنْ سَكْبِ الرَّاوِيَةِ سَرِيعًا (فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللَّيَالِي الَّتِي يَعْمَلُونَهَا فِي السَّنَةِ فِي الْقَرَافَةِ مِثْلَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كُلُّ مَنْ أَعَانَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعِينُهُمْ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ فِي تَيْسِيرِ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ إعَانَةٌ لَهُمْ فَيَكُونُ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي لُحُوقِ الْإِثْمِ فِيمَا ارْتَكَبُوهُ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُقُوعِ الْمُشَاتَمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ وَذِكْرِ الْأَلْفَاظِ الْخَبِيثَةِ. وَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي إذَا عَرَفَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْهَاهُ وَيَزْجُرَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَجَرَهُ، وَمِنْ الْهِجْرَانِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهِمْ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلُ مِنْ الصُّنَّاعِ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدُ

стр. 1117

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ أَصْلًا وَبَعْضُهُمْ يُخْرِجُونَهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا ثُمَّ يَقْضُونَهَا مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يُفَارِقُونَ الْمَاءَ طُولَ يَوْمِهِمْ وَالْمَسَاجِدُ مِنْهُمْ قَرِيبَةٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَشْيِهِمْ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَاءِ لِيَبِيعُوهُ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ إذَا أَرَادُوا أَنْ يُفْسَحَ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: صَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ وَالتَّقَرُّبِ. وَمِنْ النَّوَادِرِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ قَالَ سَحْنُونَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنْ الشَّيْءِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِسَابِ وَرَجَاءِ الثَّوَابِ. قَالَهُ فِي كِتَابِ الْمُحَارَبِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْقَصَّابِ] ِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْجَزَّارِ " قَدْ تَقَدَّمَ فِي صَاحِبِ الطَّاحُونِ وَغَيْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ فِي التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَالْجَزَّارُ مِثْلُهُ بَلْ أَمْرُهُ أَعَزُّ لِإِحْلَالِهِ الذَّبِيحَةَ وَهِيَ أَمَانَةٌ وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ صَحِيحُهُمْ وَضَعِيفُهُمْ فَيُحْسِنُ نِيَّتَهُ مَا أَمْكَنَهُ فَيَكُونُ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالرِّزْقُ عَلَى الْخَالِقِ لَا عَلَى الْمَخْلُوقِ كَمَا سَبَقَ فِي غَيْرِهِ فَيَبْقَى بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَةِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَيْرَ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ وَشَغْلُهُ بِصَنْعَتِهِ خَيْرٌ مُتَعَدٍّ فَهُوَ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ إذَا حَسُنَتْ النِّيَّةُ فِيهَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي مَوْسِمٍ مِثْلِ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدَايَا فِي الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعَقِيقَةِ فَيَحْصُلُ لَهُ

стр. 1118

مِنْ الْأَجْرِ فِي إعَانَتِهِمْ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ إذْ إنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يُحْسِنُونَ الذَّبْحَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُحْسِنُهُ لَكِنْ قَدْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِضَرُورَاتٍ تَقَعُ لَهُ وَكُلُّ مَنْ أَعَانَ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ فَاعِلِهِ. ثُمَّ اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ الِاهْتِمَامُ بِذِكْرِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مُهِمَّاتِهَا؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ أَمَانَةٌ فَلَا يَتَوَلَّى أَمْرَهَا إلَّا أَمِينٌ لَا يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ إذْ إنَّ لَهَا أَحْكَامًا تَخُصُّهَا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَشُرُوطِ الْفَسَادِ وَمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَذْبَحُهَا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا ثِقَةً أَمِينًا خِيفَةَ أَنْ يُطْعِمَ الْمُسْلِمِينَ الْحَرَامَ وَيَأْخُذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا قِيمَةَ لَهُ شَرْعًا. [فَرَائِضُ الذَّكَاة] فَفَرَائِضُهَا خَمْسٌ: وَهِيَ النِّيَّةُ: وَمَعْنَاهَا أَنْ يَقْصِدَ بِذَبْحِهِ لَهَا تَحْلِيلَهَا لِمَنْ يَأْكُلُهَا. وَالْفَوْرُ: وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا مُهْلَةَ فِيهِ. وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ. فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْفَرَائِضِ لَمْ تُؤْكَلْ. وَاخْتُلِفَ فِي أَرْبَعٍ إذَا لَمْ يَقْطَعْ الْمَرِيءَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَإِذَا قَطَعَ النِّصْفَ فَأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَتْ الْجَوْزَةُ إلَى الْبَدَنِ وَإِذَا بَعَّضَ الذَّبْحَ فَرَفَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الْفَوْرِ. [سُنَنُ الذَّكَاة] وَسُنَنُهَا أَرْبَعٌ: إحْدَادُ الْآلَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالتَّسْمِيَةُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَبْرُدَ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا كُرِهَ أَكْلُهَا إلَّا التَّسْمِيَةُ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ. [فَضَائِلُ الذَّكَاة] وَفَضَائِلُهَا أَرْبَعٌ: سَوْقُهَا إلَى مَوْضِعِ الذَّبْحِ بِرِفْقٍ وَإِضْجَاعُهَا عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ بِرِفْقٍ وَأَنْ يَجْعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى عَلَى صَفْحَةِ خَدِّهَا الْأَيْمَنِ وَأَنْ لَا يَذْبَحَ بَهِيمَةً وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَصِحُّ ذَكَاةُ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا عَارِفًا بِالذَّبْحِ قَاصِدًا لِلتَّذْكِيَةِ. ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ خَمْسٍ: صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ الْعِبَادَاتِ وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ لَا يُمَيِّزُ مَا يَفْعَلُ وَمَجُوسِيٌّ وَمُرْتَدٌّ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَكَاةِ أَرْبَعٍ: الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ وَالْمَرْأَةُ وَالْكِتَابِيُّ إذَا وَكَّلَهُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَذْبَحَ لَهُ وَالْمُضَيِّعُ لِصَلَوَاتِهِ هَلْ تُؤْكَلُ

стр. 1119

ذَبِيحَتُهُمْ أَمْ لَا. وَتَصِحُّ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا - أَنْ تَكُونَ التَّذْكِيَةُ لَهُمْ. وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُمْ أَكْلُهُ. وَالثَّالِثُ - إذَا لَمْ يُهِلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَامَةُ الْحَيَاةِ خَمْسٌ: سَيَلَانُ الدَّمِ وَطَرْفُ الْعَيْنِ وَرَكْضُ الرِّجْلِ وَتَحْرِيكُ الذَّنَبِ وَإِفَاضَةُ النَّفْسِ فِي الْحَلْقِ. وَالْمَقَاتِلُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا خَمْسَةٌ: وَهِيَ قَطْعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبِ، وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَكَسْرُ أَعْلَى الظَّهْرِ وَانْتِثَارُ الْحَشْوَةِ وَانْتِثَارُ الدِّمَاغِ. وَاخْتُلِفَ فِي انْشِقَاقِ الْكَرِشِ وَالْأَوْدَاجِ. وَاخْتُلِفَ فِي الذَّكَاةِ بِثَلَاثَةٍ: الْعَظْمُ وَالسِّنُّ وَالظُّفْرُ. فَإِنْ اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ الْفُرُوضِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا لَكِنْ يُنْتَفَعُ مِنْهَا بِخَمْسٍ: وَهِيَ الْجِلْدُ إذَا دُبِغَ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالشَّعْرُ وَالرِّيشُ إذَا غُسِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَيُكْرَهُ مِنْهَا أَرْبَعٌ: الْقَرْنُ وَالْعَظْمُ وَالسِّنُّ وَالظِّلْفُ. فَإِذَا كَانَ الْجَزَّارُ مِمَّنْ يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا أَمِنَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَكْلِ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ عَلَيْهِمْ أَوْ كَرِهَهُ لَهُمْ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَيِّنَ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْ يَرْضَاهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ لِمُبَاشَرَةِ ذَبَائِحِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكِلُ ذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ فِي الْغَالِبِ لَا تَطْمَئِنُّ لِصَاحِبِ الْبَهِيمَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهَا شَيْءٌ لَا تُؤْكَلُ مَعَهُ فَيَكْتُمُ صَاحِبُهَا مَا طَرَأَ عَلَيْهَا لِلْأَسْبَابِ الطَّارِئَةِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِثْلُ الشُّحِّ عَلَى ذَهَابِ ثَمَنِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الذَّابِحُ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ مِمَّنْ قَدْ ارْتَضَاهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ أُمِنَ عَلَى ذَبَائِحِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ لَا يَقُومُ بِهِمْ عَيَّنَ لَهُمْ مَنْ يَقُومُ بِهِمْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كُنْت أَعْهَدُ الْأَمْرَ بِمَدِينَةِ فَاسَ لَا يَذْبَحُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ بَلْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ أَهْلُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَأَعْنِي بِالتَّقَدُّمَةِ فِي نَفْسِ التَّذْكِيَةِ لَيْسَ إلَّا. وَأَمَّا السَّلْخُ وَغَيْرُهُ فَصَاحِبُ الْبَهِيمَةِ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لَا يُنَجِّسَ اللَّحْمَ عِنْدَ سَلْخِهَا بِالدَّمِ

стр. 1120

الْمَسْفُوحِ بَلْ يَتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُطْعِمَ الْمُسْلِمِينَ اللَّحْمَ الْمُتَنَجِّسَ إنْ تَرَكُوا غَسْلَهُ وَأَمَّا لَوْ غَسَلُوهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّمِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُفِيضُونَ الْمَاءَ عَلَى الذَّبِيحَةِ بَعْدَ سَلْخِهَا مَعَ وُجُودِ سَلَامَةِ لَحْمِهَا مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَيُثْقِلُونَ بِهِ اللَّحْمَ فِي الْمِيزَانِ [فَصْلٌ لَا يَطْبُخَ اللَّحْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ السُّوقِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ لَا يَطْبُخَ اللَّحْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ السُّوقِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ لِوُصُولِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ إلَيْهِ فِي الْغَالِبِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ السَّمِيطِ وَالْحُكْمُ فِيمَنْ يَبِيعُ السَّمِيطَ وَالسَّلِيخَ مَعًا فِي دُكَّانٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السَّلِيخَ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَبِيعُ السَّمِيطَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُ السَّلِيخِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ يَدَ الْجَزَّارِ وَسِكِّينَهُ مُتَنَجِّسَتَانِ بِمَا نَالَهُمَا مِنْ السَّمِيطِ [فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ اشْتَرَى الْبُطُونُ أَنْ يَغْسِلَهَا قَبْلَ طَبْخِهَا] (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْبُطُونُ فَمَنْ اشْتَرَاهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهَا قَبْلَ طَبْخِهَا إذْ إنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ غَالِبًا وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْهَا فِي الْمَاءِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ عَلَى الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَدْخُلُهُ لِكَوْنِهِمْ يَجْعَلُونَهَا فِي الْمَاءِ فَتَثْقُلُ فِي الْوَزْنِ فَمَا يُعْرَفُ كَمْ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، وَلَا كَمْ وَزْنُهَا فِي نَفْسِهَا، وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَجْعَلُونَهَا فِيهِ مُتَغَيِّرٌ بِالدَّمِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَهَا وَزْنًا بَلْ جُزَافًا ثُمَّ يُطَهِّرَهَا فِي بَيْتِهِ [فَصْلٌ خلط الجزار لحما طريا بلحم بائت ويبيعه عَلَيَّ أَنَّهُ طريا] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَزَّارِ أَنْ لَا يَخْلِطَ لَحْمًا طَرِيًّا بِلَحْمٍ بَائِتٍ وَيَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ طَرِيٌّ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غِشٌّ وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَلَا تَتَخَلَّصُ ذِمَّتُهُ بِمَا يَتَأَوَّلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ اللَّحْمَ إذَا بَاتَ نَقَصَ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَرْضَ بِهِ فِي الْغَالِبِ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ إذَا بَاتَ؛ لِأَنَّ قُوَّتَهُ قَدْ نَقَصَتْ وَلِأَنَّ الْعِلَلَ وَالْأَمْرَاضَ تَحْدُثُ بِسَبَبِ أَكْلِهِ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ

стр. 1121

[فَصْلٌ الذَّبْحِ فِي مَوَاسِمِ النَّصَارَى] فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الذَّبِيحَةُ قَلِيلَةَ الشَّحْمِ يَجْعَلُ مَعَهَا شَحْمَ غَيْرِهَا لِكَيْ يُرْغَبَ فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ لِكَثْرَةِ دُهْنِهِ وَهَذَا غِشٌّ «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الذَّبْحِ فِي مَوَاسِمِ النَّصَارَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ تَعْظِيمٌ لِمَوَاسِمِهِمْ وَالْمُسْلِمُونَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ [فَصْلٌ الذَّبْح لِغَيْرِ الْقِبْلَة] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ فِي مَوْضِعٍ مُسْتَدِيرٍ فَلَا يُصَادِفُ الْقِبْلَةَ إلَّا بَعْضُهُمْ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهَا سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ وَفِيمَنْ تَرَكَهَا خِلَافٌ هَلْ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَمْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى تَأْتِيَ نَوْبَتُهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَحِينَئِذٍ يَذْبَحُ إلَيْهَا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِاعْتِنَاءُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ قَوِيٌّ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ هَلْ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَمْ لَا. لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّسْمِيَةِ أَقْوَى. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الذَّبِيحَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى تَحْلِيلَهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ لَهُ فِي الذَّبِيحَةِ شَيْءٌ مِنْ الْفُرُوضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ غِشٌّ وَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الذَّبْحَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَفِّظًا عَلَى صَلَوَاتِهِ] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الذَّبْحَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَفِّظًا عَلَى صَلَوَاتِهِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مُخْتَلَفٌ فِي ذَبِيحَتِهِ هَلْ تُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ وَقَدْ مَرَّ فَإِنْ ذَبَحَ وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّ وَتَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الشَّرَائِحِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] قَدْ مَرَّ فِي نِيَّةِ الْجَزَّارِ مَا مَرَّ، فَالشَّرَائِحِيُّ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ. أَعْنِي فِي التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا مُحَاوَلَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنْفُسِهِمْ لِمَا وَرَدَ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ

стр. 1122

مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» لَكِنَّ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ تُشْتَرَطُ فِيهِ مِنْهَا أَنْ لَا يَخْلِطَ لَحْمًا لِشَخْصٍ بِلَحْمٍ لِغَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يُبَدِّلَهُ. وَكَذَلِكَ لَا يَخْلِطُ شَيْئًا مِمَّا يَطْبُخُهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ خَلْطِ الشَّيْرَجِ وَغَيْرِهِ وَخَلْطِ الْأَفَاوِيهِ وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا وَمُوَافِقًا وَالِاحْتِرَازُ فِي هَذَا أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَاطِ الطَّحِينَيْنِ وَإِنْ كَانَا مَعًا وَاجِبَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي كَسْبِهِمْ وَفِيمَا يَشْتَرُونَ بِهِ آلَاتِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الشَّرَائِحِيَّ يَطْبُخُ لِمَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي كَسْبِهِ، وَلَوْ كَانَ حَالُهُ مَرْضِيًّا لَمْ يَجُزْ وَأَكْثَرُ مَنْ يَتَعَاطَى هَذَا السَّبَبَ يَتَسَاهَلُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَغْسِلُونَ الْقِدْرَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَقْذَرِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلًا سَالِمًا بَلْ يَغْسِلُ كُلَّ وِعَاءٍ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ نَظِيفٌ يُبَاشِرُ بِهِ الْغَسْلَ وَالتَّنْظِيفَ كَاللِّيفَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فِي الْخُشُونَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ رَآهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ غِشًّا. وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْخِرَقِ الَّتِي يَغْسِلُونَ بِهَا آنِيَتَهُمْ وَيَمْسَحُونَهَا بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا خِرَقُ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ إذْ إنَّ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِتَطْهِيرِهَا وَقَدْ يَبْقَى فِيهَا بَقِيَّةٌ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَهَا، وَلَوْ غَسَلَهَا بَعْدَ شِرَائِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمَا شَاكَلَهَا فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَإِذَا أَعْلَمَهُ وَلَمْ يَرْضَ بِأَخْذِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ لَهُ. وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ لَا يَطْبُخَ عِنْدَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَإِنْ فَعَلَ مَعَ عِلْمِهِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الطَّعَامِ إنْ شَارَكَهُ أَحَدٌ فِيهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا أَنْفَقَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَالْغِشُّ مُحَرَّمٌ [فَصْلٌ تَرْكُ الْقُدُورِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْشُوفَةً بِأَثَرِ الطَّعَامِ] (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَرْكِ الْقُدُورِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْشُوفَةً بِأَثَرِ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُسْرِعُ إلَيْهَا وَقَدْ يُلْقِي فِيهَا شَيْئًا مِنْ سُمِّهِ ثُمَّ

стр. 1123

يَغْسِلُهَا مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِمَا جَرَى فِيهَا فَقَدْ لَا يُبَالِغُ فِي غَسْلِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى إتْلَافِ النُّفُوسِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي أَمْرَاضٍ خَطِرَةٍ فَإِنْ تَرَكَ غَسْلَهَا نَاسِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ الَّذِي طُبِخَ لَهُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَقَدْ غَشَّ «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى طَعَامِ النَّاسِ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ فِي الدُّكَّانِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ فَإِنْ عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُ صَاحِبِهِ لِيَتَحَلَّلَ مِنْهُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا. وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ نَظَافَةِ أَيْدِيهِمْ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا غَسَلَ الْقُدُورَ مِمَّا كَانَ فِيهَا أَنْ يُغَطِّيَهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ غَسَلَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ رَائِحَةِ مَا كَانَ فِيهَا تَعَلَّقَ بِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَجِيءِ الْحَيَوَانِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ وَيَنْبَغِي إذَا طَبَخَ فِي قُدُورٍ وَأَفْرَغَ مَا فِيهَا لِصَاحِبِهِ وَغَطَّاهَا وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ بَاتَتْ وَأَرَادَ أَنْ يَطْبُخَ فِيهَا أَنْ يَغْسِلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ إذَا بَقِيَ أَثَرُهَا يُخَافُ مِنْ ضَرَرِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ تَعَافُهُ نَفْسُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا طَبَخَ فِيهَا ثُمَّ أَفْرَغَهُ مِنْهَا ثُمَّ طَبَخَ فِيهَا الْآخَرَ فَلَا بَأْسَ إذَنْ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الطَّعَامِ الثَّانِي لِلْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فِي طَحِينِ شَخْصٍ بَعْدَ طَحِينِ شَخْصٍ آخَرَ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَطْبُخَ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ فَلْيَفْعَلْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَمُرُّونَ عَلَى دُكَّانِهِ وَيَشُمُّونَ تِلْكَ الرَّوَائِحَ وَفِيهِمْ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَالصَّغِيرُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْحَامِلُ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِ الطَّعَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَطْلُبُ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَمَنْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ أُعْطِيَ فَالنَّزْرُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَرُدُّ شَهْوَتَهُ وَهَذَا إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ حَاضِرًا وَالْغَالِبُ عَدَمُ حُضُورِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ أَذِيَّةِ الْجَارِ بِرَائِحَةِ الْقِدْرِ هَذَا وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ جِدَارٌ

стр. 1124

فَمَا بَالُك بِمَا يُطْبَخُ فِي السُّوقِ وَالنَّاسُ يَرَوْنَهُ وَيَشُمُّونَ رَائِحَتَهُ فَالْغَالِبُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْخِلَ التَّشْوِيشَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» سِيَّمَا إنْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَمَعَهُمَا صَغِيرٌ أَوْ صِغَارٌ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ. وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِأَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ الْمَرَقَةَ فِي طَعَامِهِ لِيُعْطِيَ الْجِيرَانَ مِنْهَا. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ احْتَاجَ إلَى الطَّبْخِ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الْمَرَقَةِ وَيُكْثِرَ مِنْ الْإِعْطَاءِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَهَذَا أَمْرٌ عَسِرٌ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْبُخَ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِرَائِحَةِ الْقِدْرِ فِي الْبَيْتِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي السُّوقِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُطْعِمَ الْجِيرَانَ مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ﵊ الْعِلَّةَ فِي إطْعَامِ الْجَارِ وَهِيَ أَنْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ بِرَائِحَةِ قِدْرِهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ أَوْجَدُ فِيمَا طُبِخَ فِي السُّوقِ وَالْمُكَلَّفُ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَعُمَّ كُلَّ مَنْ يَتَشَرَّفُ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْجِيرَانِ. وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (فَصْلٌ) وَيُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ مَا اُشْتُرِطَ فِي صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ وَفِي السَّقَّاءِ وَصَبِيِّهِ. وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّعَامِ إذَا أَتَى لَهُ بِهِ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ حَامِلَهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَنْ يُبَاشِرُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» وَيَنْبَغِي لِلشَّرَائِحِيِّ إذَا أَرْسَلَ الْقِدْرَ مَعَ صَبِيِّهِ إلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُغَطِّيَهَا؛ لِأَنَّ بِتَغْطِيَتِهَا تَقِلُّ أَذِيَّةُ النَّاسِ بِرَائِحَتِهَا وَمِنْ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ النَّظَرُ لِمَا فِيهَا فَتَكُونُ التَّغْطِيَةُ مُتَعَيِّنَةً لِمَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ هُوَ الْحَامِلُ لَهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ أَيْضًا بِتَغْطِيَتِهَا لَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ

стр. 1125

لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّبَّاخِ الَّذِي يَبِيعُ فِي السُّوقِ] فَيَنْوِيَ بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الشَّرَائِحِيِّ. لَكِنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ بِطَبْخِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَعْجِزُونَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ يَقْدِرُونَ عَلَى فِعْلِهِ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ فِي مُحَاوَلَتِهِ. وَيُعْتَبَرُ فِي تَصَرُّفِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرَائِحِيِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرَائِحِيَّ يَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُغَطِّيَ مَا طَبَخَهُ إذَا أَرْسَلَهُ إلَى صَاحِبِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ إذَا كَانَ مَكْشُوفًا وَالطَّبَّاخُ إذَا تَرَكَ طَعَامَهُ مَكْشُوفًا تَشَوَّفَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي حَقِّ الطَّبَّاخِ؛ لِأَنَّهُ إنْ غَطَّى طَعَامَهُ تَعَذَّرَتْ رُؤْيَةُ الْمُشْتَرِي لَهُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْ بَيْعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْوِي بِطَبْخِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فَيَنْبَغِي لَهُ إظْهَارُ طَعَامِهِ لِيَتِمَّ لَهُ قَصْدُهُ وَإِذَا كَشَفَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا وَفِيهِ عُيُونُ أُولَئِكَ فَيَحْتَاجُ مَنْ يَشْتَرِيهِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُبَالِغُ فِي الْإِطْعَامِ مِنْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ الطَّعَامِ قَلِيلًا فَيُعْطِي مِنْهُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَلَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ لِمَنْ يَرَى أَنَّ الدَّفْعَ لَهُ أَصْلَحُ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ وَالْمُحْتَاجِينَ وَإِذَا حَمَلَهُ إلَى بَيْتِهِ فَتَغْطِيَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبَّاخِ أَنْ لَا يَطْبُخَ إلَّا لَحْمًا مُنْفَرِدًا لَا يَخْلِطُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ اللُّحُومِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ مِنْ خَلْطِهِمْ اللَّحْمَ الضَّانِيَ مَعَ الْبَقَرِيِّ وَيَبِيعُونَهُ كُلَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَحْمُ ضَأْنٍ وَهَذَا كُلُّهُ غِشٌّ وَهُوَ مُحَرَّمٌ. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ اللَّحْمَ الْبَقَرِيَّ الصَّغِيرَ وَيَطْبُخُونَهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ لَحْمُ ضَأْنٍ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَهُمْ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ وَطَبَخُوا اللَّحْمَ الطَّرِيَّ خَلَطُوا مَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي طَبَخُوهُ بِالْأَمْسِ
следующие страницы →