← Фикх малики

Фикх малики · id 11406

المدخل لابن الحاج

ابن الحاج

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بَعْضُ مَنْ لَا يَسْأَلُ عَمَّا يَلْزَمُهُ فِي صَنْعَتِهِ مِنْ النَّصِيحَةِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَيَانِ لَهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَأْخُذُ غَزْلَ الْحَرِيرِ فَيَغْلِيه نِصْفَ غَلْيٍ ثُمَّ يُخْرِجُهُ وَهُوَ بَعْدُ عَلَى حَالِهِ مِنْ عَدَمِ كَمَالِ التَّبْيِيضِ ثُمَّ يَصْبُغُهُ ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهُ غَزْلًا لِمَنْ يُطَرِّزُ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسِجُهُ وَيَبِيعُهُ خِرْقَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ مِنْهُ حَاشِيَةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْزِجُهُ مَعَ الْغَزْلِ كَثَوْبِ الطُّرَحِ، كُلُّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. أَمَّا تَرْكُهُمْ كَمَالَ بَيَاضِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى لِلِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ الَّذِي يُكَمِّلُ بَيَاضَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَقْوَى. وَأَمَّا بَيْعُهُ غَزْلًا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا وَالْخَدِيعَةِ إذْ إنَّهُ لَا يَمْكُثُ إلَّا قَلِيلًا وَيَتَغَيَّرُ إنْ لَمْ يُغْسَلْ فَإِذَا غُسِلَ ذَهَبَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْغَسْلِ يَتَصَوَّفُ وَيَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ شَعْرًا. وَأَمَّا نَسْجُهُ خِرْقَةً وَبَيْعُهَا فَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْغِشِّ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهَا إنَّمَا يَأْخُذُهَا عَلَى سَبِيلِ السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ بَيَّنَ لَهُ الْبَائِعُ مَا يَتَأَتَّى فِي الْخِرْقَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ بِسَبَبِ مَا جَرَى فِي غَزْلِهَا لَامْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهَا. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْبَائِعَ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَرَضِيَ بِهِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْهُ وَمَنْ ارْتَكَبَ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ آثِمٌ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ يَشْتَرِي الْخِرْقَةَ؛ لَأَنْ يَبِيعَهَا فَتَتَعَدَّى الْمَفْسَدَةُ إلَى غَيْرِهِ وَغَيْرِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ هَذَا لَا يُبَيِّنُ الْآخَرَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ إضَاعَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَهَذَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكِيمْيَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ بَيَّنَ فَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ لَا يُبَيِّنُ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فِي التَّحْرِيمِ. وَالْغَالِبُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَرْجِعُ مِلْكًا إلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْلًا مِثْلُ الصَّبِيِّ فِي الْمَهْدِ يَرِثُ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يَمُرُّ بِبَالِهِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يَحْسِمُ الْكِتَابَةَ وَلَا تُفْهَمُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ لِمَنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ فَيَجِبُ قَطْعُ هَذِهِ

стр. 947

الْمَفْسَدَةِ حَتَّى يَسْلَمَ الْمَرْءُ مِنْ آفَتِهَا. وَمَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَتَمْتَحِقُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَمِنْ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ صُنْعِ الْغَزْلِ بِالْحُرْبُثِ وَهُوَ يُحْرِقُ الْغَزْلَ وَيُذْهِبُ بِقُوَّتِهِ وَيَتْرُكُ الصُّنْعَ بِالنِّيلَةِ وَهِيَ نَافِعَةٌ لِلْغَزْلِ غَيْرُ مُضِرَّةٍ لَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الْفَسَادُ بِتَرْكِ مُلَاحَظَةِ اجْتِنَابِ مَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﵊ «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» وَلَا شَكَّ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَوْلَا مَحَبَّتُهُ لِلدُّنْيَا مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ الْعَظِيمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُرْبُثَ عِنْدَهُمْ أَرْخَصُ مِنْ النِّيلَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَهُ لَعَلَّ أَنْ يَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ ثَمَنِ الصِّبْغَيْنِ وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ بِعَكْسٍ، فَلَوْ اسْتَعْمَلُوا النِّيلَةَ مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَكَانَ أَبَرْكَ وَأَنْجَحَ وَمَعَ ذَلِكَ يَسْلَمُونَ مِنْ غِشِّ النَّاسِ وَعَدَمِ نُصْحِهِمْ وَعَدَمِ الْإِثْمِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ كُلَّ شَيْءٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُنْقِصُ قُوَّةَ الْغَزْلِ أَوْ فِيهِ تَدْلِيسٌ مَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَكَذَلِكَ لَا يَعْمَلُ عَلَى الْخِرْقَةِ شَمْعًا وَلَا يُدَلِّكُهَا بِشَيْءٍ حَتَّى تَحْسُنَ وَتَبْرُقَ أَوْ يَظْهَرَ أَنَّهَا صَفِيقَةٌ وَهِيَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَلْيُعْمِلْ جَهْدَهُ عَلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَيُعَوِّضْ عَنْهُ النَّصِيحَةَ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْخِرْقَةِ أَرْشٌ أَوْ خَلَلٌ مَا فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْخِرْقَةِ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُبَيِّنُ لَهُ الْبَيَانَ التَّامَّ، إذْ إنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ وَعُمْدَتَهَا إنَّمَا هُوَ بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَالْحَلَالُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ أَوْ أَبَى، وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ أَوْ أَبَى. ، وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ عَمَلِهِ لِلصِّنَاعَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لَهُ وَلِمَنْ يَسْتَعْمِلُ

стр. 948

تِلْكَ الْخِرْقَةَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِشُغْلِ بَالِهِ بِتَدْبِيرِ صَنْعَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ الذِّكْرِ بِقَلْبِهِ وَهَكَذَا يَفْعَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُحَاوِلُهُ مِنْ شُغْلِهِ بِأَمْرِ الصِّنَاعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَفَاعِلُهَا يَتَصَرَّفُ فِي فَرْضٍ وَاجِبٍ وَفِعْلُهُ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ، فَكَيْفَ بِهِ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ حُسْنُ النِّيَّةِ وَتَعَدُّدُهَا وَاحْتِسَابُهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ لَا يَحْصُرُهُ إلَّا مَنْ مُنَّ بِهِ فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ شُغْلِهِ فِي الصِّنَاعَةِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَرْءِ الْمُتَعَدِّيَةِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي مِنْ الْخَيْرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُبَالِي صَاحِبُ هَذَا الْحَالِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَهُ إنَّمَا يَجِدُهُ فِي الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي إذْ إنَّ أَحْوَالَهُ كُلَّهَا قَدْ صَارَتْ جَمِيعُهَا عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّهِ . لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ فِي صِنَاعَتِهِ كُلَّ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ لِنِيَّتِهِ أَوْ مُنْقِصٌ لَهَا وَكُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مُقْتَضَى عِلْمِ الصَّنْعَةِ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَرَى أَهْلُ الصَّنْعَةِ أَنَّهُ غِشٌّ أَوْ مَكْرُوهٌ فِيهَا فَيَجْتَنِبُهُ وَلَا يَقْرَبُهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ أَنْ يَمَسَّ الْخِرْقَةَ أَوْ الْغَزْلَ إذْ ذَاكَ حَتَّى يَغْسِلَ النَّجَاسَةَ. وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهَا بِقَدَمِهِ وَفِيهَا النَّجَاسَةُ. وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ أَوْ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ يَنْشُرَ الْغَزْلَ عَلَى حَائِطٍ أَوْ جَرِيدٍ أَوْ حَبْلٍ نَجِسٍ. وَكَمَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ مَنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُحَاوِلُ ذَلِكَ مَعَهُ مِنْ الصَّانِعِ وَالصَّبِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهَذِهِ الصَّنْعَةُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ مِنْ أَفْضَلِ الصَّنَائِعِ وَأَعْظَمِهَا؛ لِأَنَّ بِهَا تَقَعُ السُّتْرَةُ غَالِبًا وَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي الشَّرْعِ سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ. وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُرَاعِي حَقَّ أَهْلِهَا وَمَا زَالَ الْفُضَلَاءُ وَأَهْلُ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ يَحْتَرِفُونَ بِهَا. وَهَذَا بِضِدِّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَيُجَاسِرُ بِالنُّطْقِ بِضِدِّ مَا يُخَالِفُهُ نَصُّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكَى فِي كِتَابِهِ عَنْ كُفَّارِ قَوْمِ نُوحٍ ﵇ -

стр. 949

أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] قَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ الْقَزَّازُونَ فَهُمْ الْأَرْذَلُونَ عِنْدَ الْكُفَّارِ وَهُمْ الْخَوَاصُّ عِنْدَ الرَّبِّ ، وَهَذَا مَدْحٌ لَهُمْ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّهُمْ وَاجْتَبَاهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ خَالَفَ نُوحًا ﵇. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵊ عَنْ أَصْحَابِهِ «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ فَازَ بِالسَّبْقِ فَلَا يَقْدِرُ مَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ أَنْ يَصِلَ إلَى فَضِيلَتِهِ، وَلَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] وَانْظُرْ إلَى قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ نُوحٍ ﵊ ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وَقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] فَلَا يَخْطِرُ بِقَلْبِ مُسْلِمٍ أَنَّ مَنْ نَجَا مَعَ نُوحٍ ﵇ أَنَّهُمْ هُمْ الْأَرْذَلُونَ، وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ السُّفَهَاءِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي زَمَانِ الْحَرِّ تَعَرَّوْا مِنْ السُّتْرَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَتَبْقَى عَوْرَاتُهُمْ بَادِيَةً وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُمْ. وَقَدْ سَلِمَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ لَكِنْ قَدْ بَقِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَلْبَسُونَ سَرَاوِيلَ بِحَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ فِي الصِّغَرِ يَصِفُ الْعَوْرَةَ وَيَبْقَى بَعْضُ الْفَخِذِ مَكْشُوفًا وَلَيْسَ الثَّوْبُ الَّذِي يَصِفُ الْعَوْرَةَ مَمْنُوعًا وَإِظْهَارُ بَعْضِ الْفَخِذِ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: حَرَامٌ، وَمَنْ تَعَرَّى مِنْ السُّتْرَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْبَهَائِمِ إذْ إنَّ وَجْهَ الْبَهِيمَةِ وَفَرْجَهَا مَكْشُوفَانِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ الْبَهِيمَةِ إذْ إنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ وَهَذَا الْمِسْكِينُ مُخَاطَبٌ فَهُوَ عَاصٍ فِي فِعْلِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ وَصِيَانَةُ أَصْحَابِهِ وَمَعَارِفِهِ مِنْ هَذِهِ النَّازِلَةِ فَإِنَّهَا شَنِيعَةٌ قَبِيحَةٌ. وَقَدْ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ بَعْضُ الْمُبَارَكِينَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ يَعْمَلُ عَلَى نَوْلِهِ حَصِيرًا يَسْتُرُهُ مِنْ رُؤْيَةِ النَّاسِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ رُؤْيَةِ مَا يَكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ. وَهَذَا هُوَ لِلَّذِي يَتَعَيَّنُ

стр. 950

فِي هَذَا الزَّمَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مِنْ قَوْمٍ رَاجِعِينَ إلَيْهِ مُمْتَثِلِينَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُمْ. وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْغَزْلَ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَيَخْلِطُونَ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمَا مِثْلَ الْآخَرِ أَوْ أَرْفَعَ مِنْهُ أَوْ دُونَهُ فَيَنْسِجُونَ الْجَمِيعَ وَيُعْطُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ غَزْلِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْغَزْلَيْنِ مِثْلَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الصِّنَاعَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ. وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ لَا يَلْبَسُ إلَّا الْحَلَالَ الْبَيِّنَ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ بِالْعَكْسِ وَمَا بَيْنُهُمَا. وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْغَزْلَ الرَّفِيعَ لِنَفْسِهِ وَيُبَدِّلُهُ بِأَغْلَظَ مِنْهُ، أَوْ بِغَزْلٍ عَفِنٍ ضَعِيفِ الْقُوَّةِ مِثْلِهِ فِي الرُّفْعِ وَذَلِكَ حَرَامٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَأَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ الْبَيِّنِ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الصِّنَاعَةِ فِي شَيْءٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ مِنْ قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَانِعًا يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ. وَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ بِالْغَزْلِ يَنْسِجُهُ لَهُمْ وَهَذَا يُسَمُّونَهُ بِالْقِبَالَةِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَ الْغَزْلَ وَيَنْسِجَهُ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعَهُ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ - يَحْتَاجُ الصَّانِعُ فِيهِ إلَى النُّصْحِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ لِمُعَلِّمِهِ وَيَتَّبِعُ غَرَضَهُ وَمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَقْتَضِي التَّدْلِيسَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَا يَرْجِعُ لِمُعَلِّمِهِ فِيهِ فَإِنْ أَبَى الْمُعَلِّمُ؛ تَرَكَهُ وَمَرَّ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يُخْلِصُ ذِمَّتَهُ عِنْدَهُ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي - أَنْ يَعْمَلَ لِلنَّاسِ لِلْقِبَالَةِ فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى النُّصْحِ أَيْضًا فِي عَمَلِهِ وَيَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَرِزَ عَلَى الْخُيُوطِ الَّتِي تَفْضُلُ فَلَا يَرْمِي مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ. وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الَّذِينَ يَخَافُ مِنْهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا شَيْئًا مِنْ الْغَزْلِ أَوْ يَرْمُوهُ أَنْ يُبَاشِرُوا غَزْلَ النَّاسِ فَيَحْتَرِزُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ فَإِنْ فَضَلَ. بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْخُيُوطِ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ فِي بَاطِنِ الْخِرْقَةِ وَيَدْفَعُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَأَمَّا

стр. 951

إذَا كَانَ يَشْتَرِي الْغَزْلَ وَيَعْمَلُهُ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعُهُ فِي السُّوقِ فَهُوَ أَسْلَمُ فِي الْغَالِبِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَنْصَحَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُدَلِّسَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الشَّمَعِ أَوْ الدَّلْكِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَيَحْتَرِزُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْغَزْلِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي الْبَيَاضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُضْعِفُهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَامِحُ نَفْسَهُ إذَا كَانَ يَبِيعُ فِي السُّوقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا مُحَرَّمًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا عَجَزَتْ الْخِرْقَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا لِلْقِبَالَةِ يُكْمِلُهَا بِغَزْلٍ سُوقِيٍّ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَيَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ عِوَضَهُ أَوْ يُكَمِّلُهَا بِغَزْلٍ آخَرَ لِغَيْرِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَأْخُذُ عِوَضَهُ وَيُعْطِيه لِلْأَوَّلِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَمَا شَابَهَهَا وَمَنْ يُبَاشِرُ الْأَمْرَ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَتَلْزَمُهُ الْمَصَالِحُ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَفَاسِدُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. [فَصْلٌ فِي الْقِصَارَةِ] قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْقَزَازَةِ مَا يَنْوِيه فِيهَا مِنْ النِّيَّاتِ وَمَا يَجْتَنِبُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَكَذَلِكَ فِي الْقِصَارَةِ. فَمِمَّا يُجْتَنَبُ فِيهَا أَنْ لَا يُقَصِّرَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَلَا يَبْسُطَ الْقُمَاشَ عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ وَلَا يَمْشِي عَلَيْهِ بِأَقْدَامِهِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ لَا يَصِلُ إلَى رَشِّ الْقُمَاشِ كُلِّهِ إلَّا بِهِ فَيَجُوزُ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَرْوَاثَ الْبَقَرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْقَصَّارِينَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْخِرْقَةَ سَرِيعًا بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُشْبِهُهُ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْجِيرِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُمَا عَاجِلًا. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْصِرَهَا عَصْرًا شَدِيدًا خَارِجًا عَنْ الْحَدِّ الْمُعْتَادِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ مِنْ ضَرْبِ الْخِرَقِ عَلَى الْحِجَارَةِ حِينَ الْقَصَارَةِ وَذَلِكَ يَذْهَبُ بِقُوَّةِ الْخِرْقَةِ وَيُضْعِفُهَا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى صَاحِبِ الْخِرْقَةِ، وَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ. وَالْقِصَارَةُ الْمُبَاحَةُ إنَّمَا هِيَ بَلُّ

стр. 952

الْقُمَاشِ وَنَشْرُهُ فَإِذَا نَشَفَ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْيَضَّ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِصَارَةِ الْمُبَاحَةِ وَبَيْنَ مَا يَفْعَلُونَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا فَيَسْتَعْجِلُونَ فِي قَصْرِ الزَّمَانِ الَّذِي يُقَصَّرُ فِيهِ حَتَّى يَبْيَضَّ فِيهِ سَرِيعًا وَذَلِكَ سَبَبٌ فِي قِصَرِ عُمْرِ الثَّوْبِ حِينَ اسْتِعْمَالِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَصْبِرْ مُدَّةً تَبْيَضُّ فِيهَا الْخِرْقَةُ دُونَ مُعَالَجَةٍ لَهَا بِمَا يَضُرُّ بِهَا. ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ عَلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْخِرْقَةَ فِي بَيْتِهِ وَيَتَّخِذَهَا سُفْرَةً أَوْ سِمَاطًا. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيرَهَا لِغَيْرِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا مُدَّةً وَيَتَعَلَّلُ لِصَاحِبِهَا كُلَّمَا طَالَبَهُ بِهَا بِأَنَّهَا لَمْ تَفْرُغْ قِصَارَتُهَا وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ يَسْتَعْمِلُهَا وَيَتَمَنْدَلُ بِهَا حَتَّى إذَا أَعْيَا صَاحِبُهَا حِينَئِذٍ يَخْرُجُ بِهَا لَيُقَصِّرَهَا وَيَفْعَلُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَتَبْيَضُّ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ وَلِذَلِكَ يَكُونُ تَقْطِيعُهَا فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ بَعْدَ لُبْسِهَا لِمَا صَنَعَ فِيهَا مِنْ الْجِيرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّنْعَةَ تَقْتَضِي أَنْ يُحَاوِلَهَا بِالْجِيرِ وَالرَّوْثِ وَمَا يُشْبِهُهُ؛ لِأَنَّ الْخِرْقَةَ لَا تَبْيَضُّ إلَّا بِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَارَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هِيَ بِالْمَاءِ وَالشَّمْسِ لَا بِغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا مُشَاهَدَةٌ مَرْئِيَّةٌ مِنْهُمْ فَتَجِدُ فِي الْخِرْقَةِ بِسَبَبِ مَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أُرُوشًا كَثِيرَةً وَبَعْضُهُمْ يُرْفِيهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَيَسْتُرُ ذَلِكَ بِالصَّقْلِ مَعَ الصَّابُونِ وَيُدَلِّسُ بِذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهَا. وَبَعْضُهُمْ لَا يَنْصَحُ فِي قِصَارَتِهَا بَلْ يُحَسِّنُهَا بِأَشْيَاءَ فَإِذَا لُبِسَتْ ثُمَّ غُسِلَتْ ظَهَرَتْ سُمْرَتُهَا وَقَدْ سَرَى غِشُّهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَشْتَرِي الْخِرْقَةَ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي الذَّارِعَ مَثَلًا أَوْ أَكْثَرَ بِدِرْهَمَيْنِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ وَغُسِلَتْ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ غَسْلِهِ وَلَا خَفَاءَ فِي تَحْرِيمِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ الْقَصَّارِينَ يَسْتَحِلُّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَيَتَعَلَّلُ بِأَنَّ الْقُمَاشَ إنْ لَمْ يُلْبَسْ لَمْ تَحْسُنْ قِصَارَتُهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبه. وَبَعْضُ النَّاسِ يَسْتَعْمِلُ الْخِرْقَةَ حَتَّى إذَا تَدَنَّسَتْ دَفَعَهَا إلَى الْقَصَّارِ

стр. 953

فَتَارَةً يُسْرِعُ الْقَصَّارُ فِي قِصَارَتِهَا وَتَارَةً يَسْتَعْمِلُهَا الْآخَرُ ثُمَّ يُقَصِّرُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا فَرَغَتْ قِصَارَتُهَا خَرَجَتْ كَأَنَّهَا جَدِيدَةٌ لِمَا يَفْعَلُ فِيهَا مِمَّا يُحَسِّنُهَا ظَاهِرًا فَإِذَا أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي وَلَبِسَهَا تَقَطَّعَتْ سَرِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَسَبَبُ هَذَا الْغِشِّ عَدَمُ الْبَيَانِ الْمُعْتَبَرِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَدْ وَرَدَ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَتْرُكْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ وَنِيَّتِهِ وَآخَرُ يَدْخُلُ النَّارَ بِهِمَا كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ سُوَيْدَاءُ الْقُلُوبِ مِنْ النِّيَّاتِ الْحَسَنَةِ وَضِدِّهَا وَمِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ أَوْ ضِدِّهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ فِي عِلِّيِّينَ يَرْجِعُ إلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ بِسَبَبِ عَمَلِهِ وَنِيَّتِهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغِشِّ مِنْ الْمَهَالِكِ إلَّا أَنَّ الْبَرَكَةَ تُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَرَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَسُوءِ تَصَرُّفِهِ فِي حَقِّهِمْ وَعَدَمِ نُصْحِهِ لَهُمْ، وَمَنْ نَصَحَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ فَقَدْ فَازَ بِالرَّاحَةِ وَالْعَافِيَةِ فِي الدَّارَيْنِ جَمِيعًا، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا ذَلِكَ بِكَرَمِهِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ. [فَصْلٌ فِي صِنَاعَةِ الْخِيَاطَةِ] ِ وَهَذِهِ الصَّنْعَةُ أَيْضًا مِنْ آكَدِ الصَّنَائِعِ وَهِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهَا وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسِتْرِ الْعَوْرَةِ غَالِبًا وَذَلِكَ فَرْضٌ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا عَوْرَةٌ. وَأَمَّا الرَّجُلُ فَمِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَسَتْرُ بَاقِي بَدَنِهِ سُنَّةٌ وَكَمَالٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّجَمُّلُ الْمَطْلُوبُ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، ثُمَّ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] فَنَبَّهَ بِذِكْرِ الْحَرِّ عَلَى الْبَرْدِ إذْ أَنَّ مَا يَقِي الْحَرَّ يَقِي الْبَرْدَ

стр. 954

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْخِيَاطَةُ خَيْرُهَا مُتَعَدٍّ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَيْرَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَحْدَهُ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يُدَنِّسَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الطَّاعَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَشِينُهَا أَوْ يَذْهَبُ بِثَوَابِهَا أَوْ يُنْقِصُهَا وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا بِالتَّعْلِيمِ أَوْ بِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ. فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النُّصْحُ فِي صَنْعَتِهِ جَهْدَهُ لِتَحْصِيلِ هَذَا الثَّوَابِ، وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَفَاسِدَ فِي صَنْعَتِهِ فَإِنَّ ضَرَرَهَا مُتَعَدٍّ كَمَا أَنَّ خَيْرَهَا مُتَعَدٍّ إذْ إنَّهُ إذَا لَمْ يَنْصَحْ فِيهَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَيَاعٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ. وَمَفَاسِدُهَا عَدِيدَةٌ قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ لِكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا لَكِنْ نُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِهَا لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ إذَا كَلَّفَ الصَّانِعَ الَّذِي عِنْدَهُ أَنْ يَخِيطَ بِالْخَيْطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتِلَهُ فَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَيْطَ إذَا لَمْ يُفْتَلْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ تُقِيمُ الْخِيَاطَةَ مَعَهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشُلَّ وَيُوَسِّعَ بَيْنَ الْغُرْزَتَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ أَوْ يُكْرَهُ فَيَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَخِيطُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا لِأُجْرَتِهِ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبَ حَرِيرٍ لِلرِّجَالِ أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ سَابِلًا لِأَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَوْ يَكُونَ فِي الثَّوْبِ لِلرِّجَالِ وُسْعٌ خَارِقٌ يَصِلُ إلَى حَدِّ السَّرَفِ فَهَذَا مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالثَّوْبُ الْوَاسِعُ وَالسَّابِلُ فِي حَقِّهِنَّ سُنَّةٌ وَكَمَالٌ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تَفْصِيلِهِ ثِيَابَ النِّسَاءِ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَوَائِدِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ مِنْ لُبْسِ الضَّيِّقِ وَالْقَصِيرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَائِدِهِنَّ الذَّمِيمَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ فِي ثِيَابِ الرِّجَالِ أَنْ تَكُونَ قَصِيرَةً دُونَ وُسْعٍ خَارِقٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ سِرَاجِ الْمُلُوكِ لَهُ وَلَمَّا دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ سَيِّدُ الْعِبَادِ فِي زَمَانِهِ عَلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ ثَوْبُهُ إلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، قَالَ لَهُ بِلَالٌ: مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ يَا ابْنَ وَاسِعٍ؟

стр. 955

فَقَالَ لَهُ ابْنُ وَاسِعٍ: أَنْتُمْ شَهَرْتُمُونَا هَكَذَا كَانَ لِبَاسُ مَنْ مَضَى وَإِنَّمَا أَنْتُمْ طَوَّلْتُمْ ذُيُولَكُمْ فَصَارَتْ السُّنَّةُ بَيْنَكُمْ بِدْعَةً وَشُهْرَةً وَالْوَاسِعُ الطَّوِيلُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ هُوَ السُّنَّةُ فَعَكَسُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفَصِّلَ ثَوْبًا لِجِنْدَارٍ أَوْ ظَالِمٍ وَمَا أَشْبَهَهَا وَلَا يَخِيطُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَعَانَهُمْ عَلَى مَا يَتَعَاطَوْنَهُ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي الْإِثْمِ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ لَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَبِهِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ أَقَلَّ مَرَاتِبَ الْإِنْكَارِ وَهُوَ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ إذَا بَاشَرَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ الْهِجْرَانِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا سُحْتٌ وَهُوَ يَتْعَبُ فِي صَنْعَتِهِ لِيَأْكُلَ الْحَلَالَ فَكَيْفَ يَأْخُذُ الْحَرَامَ الْبَيِّنَ فِي أُجْرَتِهِ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ التَّعَبُ وَأَكْلُ الْحَرَامِ. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَلَالَ بِسَبَبِ صَنْعَتِهِ وَهُوَ يَعْمَلُهَا لِمَنْ هَذَا حَالُهُ فَإِنْ اضْطَرَّ إلَى الْخِيَاطَةِ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ غُصِبَ عَلَيْهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَسِّعَ الْحِيلَةَ فِي أَخْذِ أُجْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهِمْ مِثْلَ أَنْ يَتَدَايَنُوا وَيَدْفَعُوا لَهُ أُجْرَتَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُحِيلُوهُ بِهَا عَلَى مَنْ هُوَ مُسْتَتِرٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِيمَا بِيَدِهِ. وَهَذَا إذَا كَانَ مَالُ الظَّالِمِ كُلُّهُ حَرَامًا فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَيَّلَ فِي أَخْذِ أُجْرَتِهِ مِنْ الْجِهَةِ الْمَسْتُورَةِ بِالْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ أَبْرَكُ وَأَنْجَحُ لِعَمَلِهِ وَسَعْيِهِ وَمِنْ آكَدِ مَا يَجْتَنِبُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخِيطَ لِمُقَدِّمٍ وَمَنْ فَوْقَهُ وَمَنْ دُونَهُ مِمَّنْ يُشْبِهُهُمْ فِي كَثْرَةِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَمِنْ آكَدِهَا أَيْضًا أَنْ لَا يُفَصِّلَ وَلَا يَخِيطَ ثَوْبًا لِامْرَأَةٍ يَتَّهِمُهَا بِالْبِغَاءِ أَوْ مَنْ هِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهِ فَإِنَّ فِيهِ إعَانَةً لَهَا عَلَى الزِّنَا لِكَوْنِهَا تَتَجَمَّلُ بِلُبْسِ ذَلِكَ لِغَيْرِ زَوْجِهَا. أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ لِنُطْفَةٍ وَقَعَتْ فِي حَرَامٍ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ. وَكَذَلِكَ لَا يَخِيطُ لِمَنْ كَانَتْ مُتَبَرِّجَةً مِنْ النِّسَاءِ مُظْهِرَةً لِلزِّينَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهَا عَلَى الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّجَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ وَيَجُرُّ

стр. 956

ذَلِكَ إلَى إدْخَالِ التَّشْوِيشِ وَالْفَسَادِ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] وَمَنْ أَعَانَ عَلَى الْفِتْنَةِ فَهُوَ كَفَاعِلِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ فِتْنَةَ شَارِبِ الْخَمْرِ قَدْ تَعَدَّتْ إلَى لَعْنِ نَحْوِ الْعَشَرَةِ وَهُمْ عَاصِرُهَا وَشَارِبُهَا وَبَائِعُهَا وَمُشْتَرِيهَا وَالْمَحْمُولَةُ لَهُ وَمُقْتَنِيهَا وَحَاضِرُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ كُلُّ مُخَالَفَةٍ فِي الْغَالِبِ تَجِدُ فِتْنَتَهَا مُتَعَدِّيَةً فَيَقَعُ الْإِثْمُ عَلَى فَاعِلِهَا وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَعَانَهُ بِشَيْءٍ مَا بِحَسَبِ حَالِهِ فَلْيَحْذَرْ مَنْ يَحْذَرُ وَمَا التَّوْفِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفَصِّلَ وَلَا يَخِيطَ ثَوْبًا لِمَكَّاسٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّنْ شَابَهَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَتَرْكُ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ الْوَاسِعِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُتَلَبِّسًا بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِاتِّبَاعِ مَا يَأْمُرُ الْعِلْمُ بِهِ وَالْعِلْمُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ثَوْبِهِ مِنْ السِّجَافِ الْوَاسِعِ فِي ذَيْلِهِ وَأَكْمَامِهِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُ جَهْدَهُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ قُصَاصَةَ كُلِّ مَا خَيَّطَهُ وَمَا فَضَلَ فَيَحْفَظُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُلْقِيه فِي الثَّوْبِ حِينَ طَيِّهِ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ ذَلِكَ فَتَعْمُرُ بِهِ ذِمَّتُهُ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَتْرُكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَيَشْغَلَ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالْمُضِيِّ إلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا يَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ فَضِيلَةِ ذَلِكَ بِسَبَبِ صَنْعَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خُسْرَانٌ بَيِّنٌ وَحِرْمَانٌ ظَاهِرٌ وَمُذْهِبٌ لِلْبَرَكَاتِ وَسَائِقٌ إلَى الْمُخَالَفَاتِ؛ لِأَنَّ السَّيِّئَةَ لَهَا أُخَيَّاتٌ كَمَا أَنَّ الْحَسَنَةَ لَهَا أُخَيَّاتٌ فَيَخَافُ عَلَى تَارِكِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَئُولَ أَمْرُهُ إلَى تَرْكِ الصَّلَوَاتِ أَوْ وُقُوعِ الْخَلَلِ فِيهَا وَشُغْلُهُ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ وَالْأَخْذُ فِي شَأْنِهَا يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَيُذْهِبُ بِالتَّعَبِ وَتَقَعُ بِهِ الْبَرَكَةُ. وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]

стр. 957

الْآيَةَ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﵀ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ تَرَكُوا كُلَّ شُغْلٍ وَبَادَرُوا إلَيْهَا وَرَأَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَهْلَ السُّوقِ وَهُمْ مُقْبِلُونَ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] وَمَا يَفْعَلُهُ هُوَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يَأْمُرُ بِهِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ الصُّنَّاعِ فَإِنَّهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِ «وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْخَيَّاطِ وَحْدَهُ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ مِنْ الْخَيَّاطِينَ وَغَيْرِهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَادِرُوا إلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَنُدِبُوا إلَيْهِ لِتَحْصُلَ لَهُمْ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ لِامْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ ﵊، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ مِنْ الْغِيبَةِ وَالْمُزَاحِ بِالْكَذِبِ وَأَخْبَارِ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ وَمِنْهُ مَا يَجُرُّ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ الْبَيِّنِ سِيَّمَا إنْ كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ الشُّبَّانِ فَتَكْثُرُ الْمَفَاسِدُ وَقَدْ يَئُولُ إلَى ارْتِكَابِ أُمُورٍ كَانُوا عَنْهَا فِي غِنًى. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ: يَفْرُغُ ثَوْبُك بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَيْلٌ لِلصَّانِعِ مِنْ غَدٍ وَبَعْدَ غَدٍ وَوَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» ثُمَّ لِيَحْذَرْ أَيْضًا مِنْ الْأَيْمَانِ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَلَيْسَتْ مِنْ شِيَمِ النَّاسِ وَلَا مِنْ عَادَتِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ ﵃ كَانُوا يَحْتَرِمُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَذْكُرُوهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اتِّخَاذَ السَّجَّادَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِدْعَةٌ فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهَا بِسَبَبِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَوَقِّي نَجَاسَةٍ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حَصِيرٍ أَوْ مِنْ الْقُمَاشِ الْغَلِيظِ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا لَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مَكْرُوهَةٌ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا

стр. 958

بَالُك بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّجَّادَاتِ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْ النَّصَافِي وَشَبَهِهَا وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا وَالْإِعَانَةُ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ يَكُونُ مَكْرُوهًا فَلَا يُعِينُ بِخِيَاطَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ مَخِيطَةً عَلَى تَرْتِيبِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ جَعْلِ الْقِبْلَةِ وَتَضْرِيبِهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ تَوَاضُعٍ وَخُشُوعٍ وَذِلَّةٍ وَمَسْكَنَةٍ لَا حَالَ فَخْرٍ وَخُيَلَاءَ وَتَنَعُّمٍ، حَتَّى إنَّهُ لَيُعْطِي بَعْضُهُمْ فِي خِيَاطَةِ السَّجَّادَةِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ خِرْقَتِهَا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ خِيَاطَةَ دُلُوقِ الشُّهْرَةِ وَالْمُرَقَّعَاتِ الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْضُ النَّاسِ كَأَنَّهَا دَكَاكِينُ فَتَجِدُ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ خِرَقًا جُمْلَةً مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ وَأَحْمَرَ وَأَسْوَدَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَيُرَتِّبُونَهَا وَاحِدَةً بِجَنْبِ الْأُخْرَى وَبَعْضُهُمْ يَتَغَالَى فِي تِلْكَ الْمُرَقَّعَاتِ فَيَجْعَلُهَا مِنْ الْقُمَاشِ الرَّفِيعِ الْفَاخِرِ الَّذِي لِتَفْصِيلِهِ ثَمَنٌ كَثِيرٌ فَيَقْطَعُونَهَا خِرْقَةً خِرْقَةً لِأَجْلِ غَرَضِ الشُّهْرَةِ الْمَمْنُوعَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَانْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إلَى صِفَةِ هَذِهِ الْمُرَقَّعَةِ أَيُّ شَبَهٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُرَقَّعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الَّتِي كَانَ فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً أَحَدُهَا مِنْ أُدْمٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ وَقَدْ رَقَّعَ الْخُلَفَاءُ ثِيَابَهُمْ قَالَ: وَذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الصَّالِحِينَ وَسُنَنِ الْمُتَّقِينَ قَالَ وَأَخْطَأَتْ الصُّوفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَتْهُ فِي الْجَدِيدِ وَأَنْشَأَتْهُ مُرَقَّعَاتٍ مِنْ أَصْلِهِ وَهَذَا دَاخِلٌ فِي بَابِ الرِّيَاءِ، قَالَ: وَالْمَقْصُودُ بِالتَّرْقِيعِ اسْتِدَامَةُ الِانْتِفَاعِ بِالثَّوْبِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَوْ يَكُونُ رَافِعًا لِلْعُجْبِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى: لَيْسَ التَّصَوُّفُ لُبْسَ الصُّوفِ تُرَقِّعُهُ ... وَلَا بُكَاؤُك إنْ غَنَّى الْمُغَنُّونَا وَلَا صِيَاحٌ وَلَا رَقْصٌ وَلَا طَرَبٌ ... وَلَا ارْتِعَاشٌ كَأَنْ قَدْ صِرْت مَجْنُونًا بَلْ التَّصَوُّفُ أَنْ تَصْفُوَ بِلَا كَدَرٍ ... وَتَتْبَعَ الْحَقَّ وَالْقُرْآنَ وَالدِّينَا وَأَنْ تُرَى خَاشِعًا لِلَّهِ مُكْتَئِبًا ... عَلَى ذُنُوبِك طُولَ الدَّهْرِ مَحْزُونًا

стр. 959

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ ذُلٍّ وَصَغَارٍ ثُمَّ أَشْعَلَهُ عَلَيْهِ نَارًا» وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْمُطْرَقِ بِالْمِطْرَقَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْمُطْرَقَ بِالْمِطْرَقَةِ قَدْ عَلِمَ مَنْعَهُ وَتَحْرِيمَهُ بِالشَّرْعِ الشَّرِيفِ غَالِبًا بِخِلَافِ هَذِهِ الْمُرَقَّعَاتِ فَإِنَّهُ يَلْتَبِسُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَمْرُهَا فَيَظُنُّ جَوَازَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخِيطَ أَقْبَاعَ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ كَمَا لَا يَخِيطُ ثَوْبًا حَرِيرًا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَكَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِي الْإِثْمِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ خِيَاطَةَ الْقُبَعِ الَّذِي أُجْرَةُ خِيَاطَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ لِحُسْنِ خِيَاطَتِهِ كَمَا سَبَقَ فِي السَّجَّادَةِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْغِشِّ بِعَمَلِ الطَّوَاقِي وَالْأَقْبَاعِ مِنْ الْخِرَقِ الْمَلْبُوسَةِ الَّتِي يُدَلِّسُونَ بِهَا عَلَى النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَغْسِلُونَهَا وَيُنَشُّونَهَا وَيُصْقِلُونَهَا صَقْلًا كَثِيرًا حَتَّى تَصِيرَ كَأَنَّهَا جَدِيدَةٌ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَبِيعُهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا لَوْ كَانَتْ جَدِيدَةً أَوْ بِمَا يُقَارِبُهُ فَإِذَا غُسِلَتْ تَقَطَّعَتْ وَتَمَزَّقَتْ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الصَّنْعَةِ فِي شَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَذَلِكَ مِنْ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُهَا وَيُبَيِّنُ أَنَّهَا مِنْ الْخَلِيعِ وَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَإِنْ بَاعَهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَرَضِيَا بِذَلِكَ هَذَا إذَا صَقَلَهَا وَحَسَّنَهَا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَقْلَهَا وَتَحْسِينَهَا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ يَزِيدُهَا ضَعْفًا عَلَى ضَعْفِهَا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَعْمَلَ الذَّهَبَ فِي أَقْبَاعِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ فِي الْقُصَاصَةِ وَالْخِرَقِ الَّتِي تَفْضُلُ مِنْ الْخِيَاطَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَقْبَاعِ الْجَائِزِ لُبْسُهَا يَرُدُّ مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْإِشَارَةِ مَا يُغْنِي عَنْ الْعِبَارَةِ بِذِكْرِ تَفَاصِيلِ مَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْخِيَانَةِ وَعَدَمِ الِاحْتِرَازِ لَا جَرَمَ أَنَّ الْبَرَكَةَ قَدْ انْحَازَتْ عَنْهُمْ بِمَعْزِلٍ وَكَيْفَ لَا وَالْبَرَكَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الِامْتِثَالِ وَالنُّصْحِ لِلْعِبَادِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَأَمَّا الْجَمَاجِمُ

стр. 960

الَّتِي اعْتَادَهَا بَعْضُ مَنْ يَنْسُبُ إلَى الْخِرْقَةِ فِي كَوْنِهِمْ يَعْمَلُونَ الْجُمْجُمَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا خَفَاءَ فِي تَحْرِيمِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ السَّرَفِ وَالْبِدْعَةِ وَالْخُيَلَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ مَا يُعَوِّضُ عَنْهُ بِدِرْهَمَيْنِ إلَى سَبْعَةٍ إلَى عَشْرَةٍ وَهُوَ كَثِيرٌ سِيَّمَا وَمَنْ يَفْعَلُ هَذَا مَنْسُوبٌ فِي الظَّاهِرِ إلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَتَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِهَا وَصَرْفِهَا فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَبِسَ الْجُمْجُمَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ ضِدَّ هَذَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَكُونُ ثَمَنُ قَدَمِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى لُبْسِ مَا يُنَاسِبُهُ عَلَى بَدَنِهِ ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَسْكَنِ وَالزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ غَالِبًا فَصَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ يَسْتَقِلُّ مَا يَأْتِيه مِنْ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِأَجْلِ مَا اعْتَادَهُ مِنْ هَذِهِ الْوَظَائِفِ فَالْحَاصِلُ فِي حَقِّ الصَّانِعِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَرَاتِبِ النَّاسِ وَتَحْصِيلِهَا إمَّا بِالتَّعَلُّمِ أَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ. فَمَا كَانَ مِنْهَا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَيَفْعَلُهُ بِنِيَّةِ الْإِعَانَةِ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ؛ فَيَكُونُ شَرِيكًا لِفَاعِلِهِمَا فِي الثَّوَابِ. وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَيَفْعَلُهُ بِنِيَّةِ قَضَاءِ حَوَائِجِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَصِيرُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ قُرْبَةً ثُمَّ يَصْحَبُهُ بِنِيَّةِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَيَعْمَلُ عَلَى تَرْكِهِ جَهْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ ارْتَكَبَهُ كَانَ ذَرِيعَةً إلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ. وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلَا يَقْرَبُهُ أَصْلًا بَلْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِزٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ وَهُوَ تَرْكُ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ فَالْوَاجِبُ مِنْ اللِّبَاسِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ أَبْصَارِ الْخَلْقِ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَفِي النِّسَاءِ آكَدُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ وَالْوَاجِبُ مِنْهُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ مَا يَقِي مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَيَسْتَدْفِعُ بِهِ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى فِي الْحَرْبِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ لِحَقِّ اللَّهِ فَهُوَ كَالرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْخُرُوجِ إلَى

стр. 961

الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ الرِّدَاءُ. وَقَالَتْ الصُّوفِيَّةُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] أَنَّهُ الطَّاعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَجْمَلُ وَلَا أَزْيَنُ مِنْهَا إذْ إنَّهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى يَكُونُ الْقَبُولُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لَهُ ثِيَابٌ لِلْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» وَمَا فِي مَعْنَاهُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ وَهُوَ مَا يَتَجَمَّلُونَ بِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي نَزَعَ الثَّوْبَيْنِ الْخَلَقَيْنِ وَلَبِسَ الْجَدِيدَيْنِ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَك قَالَ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَهُوَ لُبْسُ مَا كَانَ مِنْ الرَّقِيقِ لِلرِّجَالِ بِلَا خِلَافٍ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ إلَّا مَعَ زَوْجٍ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ﵊ بِقَوْلِهِ «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ» . وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَلُبْسُ ثَوْبٍ لِلشُّهْرَةِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ. فَإِنْ قَالَ الصَّانِعُ مَثَلًا: إذَا تَحَرَّزْت مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ ذَهَبَتْ الْمَعِيشَةُ أَوْ قَلَّتْ وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى الصَّنْعَةِ لِأَجْلِ الضَّرُورَاتِ وَالْعَائِلَةِ وَقَلَّ أَنْ تَتَأَتَّى الصَّنْعَةُ مَعَ مَا ذَكَرْتُمْ. فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ هُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الرِّزْقَ جَلْبًا وَيَسُوقُهُ سَوْقًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَعَ الْمُتَّقِينَ الْمُوفِينَ بِالْأَمَانَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ نَصَحَ فِي صَنْعَتِهِ فَقَدْ نَصَحَ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثُرَ الْحَلَالُ لَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ بِذَلِكَ بَادَرَ إلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَشْغَالِهِمْ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَسْبُهُمْ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ الْحَلَالِ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُكَسِّلُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِذَا امْتَثَلَ الْخَيَّاطُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَشَى عَلَى مَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ وَتَحَرَّى لِنَفْسِهِ فَلَا يُبَالِي فِي أَيِّ وَقْتٍ يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا كَانَ فِي دُكَّانِهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ كَانَ فِي صَنْعَتِهِ أَوْ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى جَاءَهُ الْمَوْتُ وَجَدَهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ

стр. 962

وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَمَنْ كَانَ عَاقِلًا فَلْيَنْتَبِهْ وَمَنْ كَانَ مُنْتَبِهًا فَلْيَحْرِصْ وَلْيَزِدْ فِي الْمُبَادَرَةِ وَالِاسْتِبَاقِ إلَى الْخَيْرَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَةُ النُّجْحِ وَالصِّدْقِ فِي الْعِبَادَةِ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا ذَلِكَ بِمَنِّك وَكَرَمِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ ﷺ . [فَصْلٌ فِي تَاجِرِ الْبَزِّ وَمَا أَشْبَهَهُ] ُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يُجْلَبُ بِالْحِيَلِ وَالتَّدْبِيرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ الْمَالُ لَدَيْهِ كَثِيرٌ وَعَكْسُهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ بِسَبَبِ حَذْقِهِ وَنَبَاهَتِهِ فَقِيرٌ لَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَ مَنْ لَا يُحْسِنُ صَنْعَةً لَدَيْهِ الرِّزْقُ كَثِيرٌ وَبَعْضُ مَنْ يُحْسِنُ صَنَائِعَ جُمْلَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَهِيَ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يَجْلِسَ بِنِيَّةِ التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِعَانَتِهِ لَهُمْ بِمَا يُحَصِّلُهُ فِي دُكَّانِهِ مِنْ السِّلَعِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ هُوَ مُضْطَرٌّ أَوْ مُحْتَاجٌ فَيَجِدَ حَاجَتَهُ مُتَيَسِّرَةً دُونَ تَعَبٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَحْتَاجُ إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ، فَلَوْ كُلِّفَ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ سوسية أَوْ مَقْطَعًا عَلَى الْكَمَالِ حَتَّى يَأْخُذَ حَاجَتَهُ مِنْهُ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَعُبَ فَإِذَنْ قَدْ تَعَيَّنَ أَنَّ مَا يُحَاوِلُهُ فِي دُكَّانِهِ مِنْ بَابِ التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ثُمَّ يُضِيفُ إلَى هَذِهِ النِّيَّةِ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ وَنُصْحَ مَنْ يُبَاشِرُهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُعَامِلُهُمْ بِهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي رِزْقِهِ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ وُجُودُ الدُّكَّانِ وَعَدَمُهُ بِالسَّوَاءِ بِسَبَبِ النَّظَرِ إلَى الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ الْمُقَدَّرِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَمِمَّنْ سَيَأْتِي فَنِيَّةُ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ مَأْمُورُونَ بِهَا لِكَيْ يَعْظُمَ ثَوَابُهُمْ وَيَكْثُرَ خَيْرُهُمْ وَتَعُمَّهُمْ الْبَرَكَةُ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ وَتَقَعَ لَهُمْ الْإِعَانَةُ بِسَبَبِ

стр. 963

مَا اسْتَصْحَبُوهُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَصَرُّفِهِمْ كُلِّهِ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا دَخَلَ الْمُشْتَرِي السُّوقَ أَوْ مَرَّ عَلَى دُكَّانِهِ أَنْ لَا يَطْلُبَهُ وَلَا يُشِيرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِشْرَافِ وَهُوَ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ بَلْ يَتَنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا رَأَى أَحَدًا يَشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَرْصُدُهُ لَعَلَّ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقٌ فَيَبِيعُهُ هُوَ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَقِفَ الْمُشْتَرِي عَلَى دُكَّانِهِ وَيَسْأَلُهُ حِينَئِذٍ فَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فِي دُكَّانِهِ أَخْرَجَهُ لَهُ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يُشِيرَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْدَحُ بِهِ سِلْعَتَهُ أَوْ يُزَيِّنُهَا لَهُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﵃ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ جَاءَ لِيَطْلُبَ مِنْهُ خِرْقَةً لِيَشْتَرِيَهَا فَأَمَرَ الْعَبْدَ بِأَنْ يُخْرِجَهَا لَهُ فَأَخْرَجَهَا الْعَبْدُ وَضَرَبَ عَلَيْهَا بِيَدِهِ؛ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: رُدَّهَا فَرَدَّهَا، وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: لَا أَبِيعُك شَيْئًا، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْعَبْدَ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا حِينَ أَخْرَجَهَا لَك وَذَلِكَ تَحْسِينٌ لَهَا فِي عَيْنِك فَلَا أَبِيعُك شَيْئًا أَوْ كَمَا قَالَ. فَهَكَذَا كَانَ فِعْلُ السَّلَفِ فِي تَصَرُّفِهِمْ فَعَلَى مِنْوَالِهِمْ فَانْسِجْ إنْ كُنْت مُحِبًّا لَهُمْ وَإِلَّا فَلَا تَدَّعِ مَا لَيْسَ فِيك فَإِذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ عَلَى الْخِرْقَةِ مِمَّا يُزَيِّنُهَا عِنْدَهُمْ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهَا وَغَيْرِهَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدُّكَّانُ فِي مَوْضِعٍ كَثِيرِ الضَّوْءِ وَحَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي أَمْرُ الْخِرْقَةِ وَمَا هِيَ عَلَيْهِ بِنَظَرِهِ لَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِضِدِّ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ مَوَاضِعَ الْبَزِّ غَالِبًا قَدْ سَتَرُوهَا حَتَّى لَا تَكَادُ السَّمَاءُ أَنْ تُرَى مِنْ كَثْرَةِ السِّتْرِ فَتَبْقَى ظُلْمَةٌ فَتَحْسُنُ الْخِرْقَةُ بِسَبَبِ الظَّلَامِ فَإِذَا خَرَجَ بِهَا إلَى الضَّوْءِ ظَهَرَتْ عُيُوبُهَا مِنْ الْغِلَظِ وَالْخِفَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ، وَذَلِكَ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ وَمِنْ مُخَالَفَةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْخِرْقَةِ أَرْشٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْعُيُوبِ أَنْ يُظْهِرَهُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ تَقْلِيبِ الْخِرْقَةِ عَلَيْهِ نَاوِيًا بِذَلِكَ النُّصْحَ لَهُ وَلِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ قَاصِدًا تَخْلِيصَ ذِمَّتِهِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ إخْوَانِهِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي أَمْرَ الْخِرْقَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ إنْ كَانَ فِيهَا أَرْشٌ أَوْ عَيْبٌ وَأَزَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ مُشْتَرِيهَا فَيُبَيِّنُهُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ كَانَ غِشًّا إذْ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَهُ لَنَفَرَ مِنْ الْخِرْقَةِ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ

стр. 964

مُحْتَرِقَةً أَوْ عَفِنَةً. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ يَقِيسُ عَرْضَ الْخِرْقَةِ مِنْ الطَّيَّةِ الْأُولَى وَهُوَ مَوْضِعُ وَجْهِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عُرْفِهِمْ أَعْرَضُ مِمَّا تَحْتَهَا بِسَبَبِ مَطِّهِمْ وَجَذْبِهِمْ لَهَا حَتَّى يَزِيدَ عَلَى بَاطِنِ الْخِرْقَةِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْخِرْقَةِ مَا هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى بَلَدٍ وَأَغْرَاضُ النَّاسِ تَمِيلُ إلَى قُمَاشِ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنْ لَا يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ قُمَاشِ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَنْسِبَهُ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قُرْبٌ يَسِيرٌ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَوْضِعَ هَذِهِ كَذَا وَمَوْضِعَ هَذِهِ كَذَا فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ كِذْبٌ وَغِشٌّ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ سَوَاءٌ زَادَ الثَّمَنُ أَوْ نَقَصَ أَوْ كَانَا بِالسَّوَاءِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا عُرِفَ صَانِعٌ يُحْسِنُ مَا يَنْسِجُهُ وَتَغَالَى النَّاسُ فِي الثَّوْبِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ فَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ وَيَنْسِبُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالْكَذِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَنَفَرَ مِنْ شِرَاءِ الْخِرْقَةِ، وَإِنْ أَعْجَبَتْهُ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ أَنَّ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَالصَّانِعِينَ تَفَاوُتًا فِي الْأَغْرَاضِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النُّصْحُ وَعَدَمُ الْكَذِبِ أَيْضًا. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَاءَهُ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ مِنْهُ خِرْقَةً أَنْ يَسْأَلَ مِنْهُ عَمَّا يُرِيدُ فَيُخْرِجُ لَهُ أَوَّلًا غَرَضَهُ الَّذِي طَلَبَهُ. وَيَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُخْرِجُ لَهُ أَوَّلًا بَلْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ خِرْقَةً دُونَ مَا طَلَبَ ثُمَّ ثَانِيًا فَوْقَهُ قَلِيلًا ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ يُخْرِجُ لَهُ آخِرًا غَرَضَهُ وَكُلَّمَا أَخْرَجَ لَهُ خِرْقَةً ذَكَرَ ثَمَنَهَا بِنَحْوٍ مِنْ ثَمَنِ الْخِرْقَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ بِذَلِكَ لِيُوَطِّنَهُ عَلَى ثَمَنِ الْخِرْقَةِ الَّتِي طَلَبَهَا مِنْهُ وَلِكَيْ يُحَسِّنَهَا فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَدْنَى مِنْهَا وَهُوَ يُقَارِبُهَا فِي الثَّمَنِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَّفِقَ مَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الثَّمَنِ بِنَفْسِ رُؤْيَةِ وَجْهِ الْخِرْقَةِ، بَلْ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا فَبَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ يَتَّفِقُ مَعَهُ عَلَى ثَمَنِهَا وَلَا يَتَّفِقُ مَعَهُ عَلَى الثَّمَنِ حِينَ رُؤْيَةِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَوْنًا كَثِيرًا فِي الْعَادَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ غِشٌّ لِمَا عُلِمَ. وَعُهِدَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّ وَجْهَ الْخِرْقَةِ يُحَسِّنُونَهُ بِالنَّسْجِ وَغَيْرِهِ

стр. 965

وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أَلِفَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى إلَى أَجْلِ مُحَاسَنَةٍ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بَيْعَةً مِنْ الْقُمَاشِ وَهِيَ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَبَعْضُهَا أَحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ أَوْ أَطْوَلُ فِي الْقِيَاسِ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ هُمَا مَعًا أَنْ لَا يَجْعَلَ لِكُلِّ قِطْعَةٍ مِنْهَا قِيمَةً مَعْلُومَةً لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ وَيُخْبِرُ الْمُشْتَرِيَ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي قُوِّمَتْ بِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَدْرَ ثَمَنِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا بَلْ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي كَيْفِيَّةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْبَيْعَةُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ فَيُمْنَعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا مُسَاوَمَةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَبِيعَهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُرَابَحَةِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ انْخَفَضَ سُوقُهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ بِقِيمَتِهَا إذْ ذَاكَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى خِرْقَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ قَصَّرَهَا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتهَا بِكَذَا وَقَصَّرْتهَا بِكَذَا وَقَامَتْ عَلَيَّ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فِيهَا مِثْلَ الطَّرْزِ وَغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَصْلَ الثَّمَنِ وَقِيمَةَ الْعَمَلِ إنْ عَمِلَهُ غَيْرُهُ فَإِنْ عَمِلَهُ صَاحِبُ الْخِرْقَةِ فَيُبَيِّنُ لِلْمُشْتَرِي مَا أَعْطَى فِيهِ وَقِيمَةَ صَنْعَتِهِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا غُبِنَ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى مِثْلَهَا دُونَ غَبْنٍ نَاقِصٍ عَنْ ثَمَنِ الْأُولَى أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي مَا غُبِنَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ ذَلِكَ غِشًّا وَهُوَ حَرَامٌ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: بِكَمْ بِعْت مِنْ هَذِهِ الْخِرْقَةِ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي إخْبَارِهِ بِمَا بَاعَ مِنْهَا فَإِنْ اخْتَلَفَ بَيْعُهُ فِيهَا فَيُخَيِّرُهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَوْ بِالْأَقَلِّ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الْمُسَاوَمَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ ذَلِكَ غِشًّا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الْمُقَطَّعَ مَثَلًا عَلَى قِيَاسٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ وَجَدَهُ نَاقِصًا عَنْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَ الْمُشْتَرِيَ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى الْكَمَالِ ثُمَّ وَجَدَهُ نَاقِصًا كَذَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَزِّعَ الثَّمَنَ عَلَى مَا بَقِيَ

стр. 966

بَعْدَ النَّقْصِ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ غِشٌّ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ فِي عَكْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُقَطَّعَ عَلَى أَنَّهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فَيَجِدَهُ إحْدَى وَثَلَاثِينَ فَيَأْخُذَ الزَّائِدَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُخْبِرَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ الزِّيَادَةَ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ غِشٌّ أَيْضًا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الْخِرْقَةَ قَاسَهَا قِيَاسًا وَاسِعًا وَافِيًا فَيُرْخِي الْخِرْقَةَ أَثْنَاءَ الْقِيَاسِ حَتَّى تَنْقُصَ عَلَى بَائِعِهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيَفْعَلُ عَكْسَهُ إذَا بَاعَهَا لِلْمُشْتَرِي مَطَّهَا وَشَدَّ يَدَهُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الْقِيَاسِ فَيَزِيدُ قِيَاسُهَا لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَتَنْقُصُ عَلَى مُشْتَرِيهَا مِنْهُ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَهَبُ لِلْمُشْتَرِي زِيَادَةً بَعْدَ قِيَاسِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِذَا أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي وَقَاسَهَا وَجَدَهَا مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ نَاقِصَةً عَنْ حَقِّهِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ وَالْخِلْسَةِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ مُسَاوَمَةً، وَإِنْ تَحَقَّقَ شِرَاءَهَا فَهُوَ أَحَلُّ لَهُ وَأَبْرَكُ، وَإِنْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً جَازَ ذَلِكَ لَكِنْ قَدْ يَعْتَوِرُهُ فِي الْبَيْعِ مُرَابَحَةً أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَالِبًا لَا يُعْطِي مِنْ الرِّبْحِ مَا يَخْلُصُ الْبَائِعُ فَيَخَافُ أَنْ يُكَذِّبَهُ فَيَزِيدُ فِي الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ فَإِنْ بَاعَ مُرَابَحَةً فَلْيَتَحَرَّ الصِّدْقَ وَلْيُخْبِرْ بِشِرَائِهَا دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ. وَيَنْبَغِي لَهُ مِنْ بَابِ الْكَمَالِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بَاعَهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْضَاهُ لَهُمْ. لِمَا وَرَدَ «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» فَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَا يَسْتَرْشِدُهُ لِنَفْسِهِ يَبِيعُهُ لَهُمْ وَمَا لَا يَسْتَرْشِدُهُ لَا يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ وَهَذَا حَقِيقَةُ النُّصْحِ وَعَدَمِ الْغِشِّ. قَالَ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَأَحْوَالُ السَّلَفِ ﵃ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ. لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ تَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا تَرْضَاهُ لِنَفْسِك تَرْضَاهُ لَهُمْ وَكُلَّ مَا تَسْخَطُهُ لِنَفْسِك تَسْخَطُهُ لَهُمْ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْلِسَ

стр. 967

فِي دُكَّانِهِ وَهُوَ مُطْرِقٌ بِرَأْسِهِ إلَى الْأَرْضِ مُقْبِلٌ عَلَى ذِكْرِ رَبِّهِ مُتَشَاغِلًا عَمَّا أَهْلُ السُّوقِ فِيهِ مِنْ اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ تَظْهَرُ فِيهِ عَوْرَاتٌ كَثِيرَةٌ يَجِبُ تَغْيِيرُهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» إلَخْ. فَإِنْ هُوَ الَّذِي جَلَسَ فِي السُّوقِ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ فَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ كَانَ عَنْهَا فِي غِنًى وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْ بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَالْجَالِسُ فِي الدُّكَّانِ جَالِسٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَضُّ بَصَرِهِ جَهْدَهُ. وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُلْقِيَ سَمْعَهُ لِمَا أَهْلُ السُّوقِ يَخُوضُونَ فِيهِ وَيَنْوِي بِذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ وَلِئَلَّا تَتَعَمَّرَ ذِمَّتُهُ بِمَا لَا يَعْنِيه وَإِذَا تَعَمَّرَتْ قَلَّ أَنْ تَتَخَلَّصَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُمَازِحَ أَهْلَ السُّوقِ وَلَا يُبَاسِطَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَلَسَ النَّاسُ عِنْدَهُ فِي الدُّكَّانِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِغَضِّ بَصَرِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَأْمُورٌ أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَفِي الْأَسْوَاقِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَالضَّرُورَةُ هِيَ الَّتِي دَعَتْهُ إلَى الْجُلُوسِ فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَمَاكِنِ الْحِرَفِ فَمَنْ جَلَسَ مَعَهُ لَيْسَ لَهُ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى الْجُلُوسِ فَفِي فِعْلِ ذَلِكَ مُصَادَمَةٌ لِنَهْيِ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَشْتَرِي مِنْهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهَا فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا الرَّقِيقُ مِنْ الثِّيَابِ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ تُظْهِرُ مِعْصَمَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْ زِينَتِهَا أَوْ تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ فِيهِ لُيُونَةٌ وَرِقَّةٌ فَيَعْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْبَيْعِ لَهَا مَعَ الْمُدَارَاةِ لَهَا حَتَّى تَنْصَرِفَ عَنْهُ بِسَلَامٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَتَى شَعَرْنَ بِمَنْ يَتَوَرَّعُ عَنْ مُخَالَطَتِهِنَّ تَسَلَّطْنَ عَلَيْهِ بِالْأَذِيَّةِ بِبَذَاءَةِ اللِّسَانِ وَالْكَلَامِ الْمُنْكَرِ. وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ عُظْمَى وَقَعَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ الْبَزَّازَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو دُكَّانُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ لُبْسِ الرَّقِيقِ وَالتَّحَلِّي وَالزِّينَةِ وَالتَّبَرُّجِ حَتَّى كَأَنَّ بَعْضَهُنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ ذَوِي مَحَارِمِهِنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ

стр. 968

وَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ النِّسَاءِ وَأَنْفَاسِ الرِّجَالِ» ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُنَّ اعْتَدْنَ مَعَ ذَلِكَ عَادَةً ذَمِيمَةً وَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَأْتِي بِزَوْجِهَا لِتَشْتَرِيَ مَا تَخْتَارُهُ فَإِذَا جَلَسَتْ عَلَى الدُّكَّانِ ذَهَبَ زَوْجُهَا إلَى مَكَان آخَرَ وَتَرَكَهَا وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَفِتْنَةٌ؛ لِأَنَّهَا إنْ جَلَسَتْ وَحْدَهَا عَلَى الدُّكَّانِ فَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ تَزَايَدَتْ الْفِتَنُ وَتَعَدَّدَتْ وَكَثُرَتْ الْمِحَنُ وَتَضَاعَفَتْ سِيَّمَا إنْ كَانَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ شَابًّا فَإِنَّهُنَّ يَعْمَلْنَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ وَالْمَكْرِ سِيَّمَا إنْ كَانَ لَيْسَ بِمُتَأَهِّلٍ فَتَزِيدُهُ الْفِتَنُ وَقَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ شَبَائِكِهِنَّ وَأَنْ تَخْلُصَ لَهُ سَاعَةٌ دُونَ سَيِّئَةٍ يَرْتَكِبُهَا إمَّا بِعَيْنِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُنَّ لِتَسْأَلَ صَاحِبَ الدُّكَّانِ أَلَك زَوْجَةٌ أَلَك جَارِيَةٌ فَإِنْ شَعُرْنَ مِنْهُ بِالتَّعَفُّفِ عَمِلْنَ عَلَيْهِ الْحِيلَةَ فِيمَا يَرِدْنَهُ مِنْهُ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ عَجَزْنَ عَنْهُ وَقَلَّتْ حِيلَتَهُنَّ فِيهِ يَسْخَرْنَ بِهِ وَيَجْعَلْنَهُ مُثْلَةً وَيَعِبْنَ عَلَيْهِ الْخَيْرَ وَالتَّعَفُّفَ وَيَتَّهِمْنَهُ فِي دِينِهِ وَيَنْسِبْنَهُ إلَى كَثَافَةِ الطَّبْعِ وَيَقُلْنَ إنَّ مَا هُوَ فِيهِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ بَلْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ عِنْدَ الْخَلْقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَحِيَلُهُنَّ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ حَتَّى لَقَدْ تَلِفَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِسَبَبِهِنَّ سِيَّمَا فِي مُعَامَلَتِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ فَبَعْضُ النَّاسِ أَتْلَفْنَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَبَعْضُهُمْ نَفْسَهُ وَبَعْضُهُمْ مَالَهُ وَبَعْضُهُمْ أَطْعَمْنَهُ فَتَجَذَّمَ وَبَعْضُهُمْ تَوَلَّهَ فِي عَقْلِهِ أَوْ تَجَنَّنَ وَبَعْضُهُمْ تَكَسَّحَ وَبَعْضُهُمْ سَحَرْنَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ فَهُنَّ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ وَبِسَبَبِ غِوَايَتِهِنَّ يَتَوَصَّلُ إلَى افْتِتَانِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَهُنَّ أَشَدُّ مِنْهُ كَيْدًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وَهَذَا هُوَ حَالُ الْغَالِبِ مِنْهُنَّ. وَقَدْ يُوجَدُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَنْ هِيَ مُلَازِمَةٌ لِبَيْتِهَا مُسْتَتِرَةٌ مُتَعَفِّفَةٌ مُحَافِظَةٌ عَلَى صَلَاتِهَا حَافِظَةٌ لِحَقِّ بَعْلِهَا فَمَنْ وُجِدَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ فَضْلٌ عَظِيمٌ وَخَيْرٌ

стр. 969

عَمِيمٌ وَلَيْسَ فِي أَصْحَابِ الدَّكَاكِينِ كُلِّهِمْ مَنْ هُوَ مُبْتَلَى بِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرُ مِنْ الْبَزَّازِ وَالصَّائِغِ وَالْأَخْفَافِيِّ فَيَتَعَيَّنُ التَّحَفُّظُ عَلَى مَنْ هُوَ مُتَسَبِّبٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا التَّحَفُّظُ الْكُلِّيُّ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إلَّا أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِتْنَتِهِنَّ فَتَرْكُ الدُّكَّانِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ وَيَتَسَبَّبُ فِي غَيْرِهَا إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ سَالِمًا مِنْ جَمِيعِ الْمَفَاسِدِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى الرَّزَّاقِ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْئًا وَلَا يُمَكِّنَهَا أَنْ تَجْلِسَ عَلَى دُكَّانِهِ اللَّهُمَّ إلَّا مَنْ سَلِمَتْ مِنْهُنَّ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ، فَلَا بَأْسَ بِمُعَامَلَتِهَا فَإِنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ عُدِمَ مِنْ قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْبَيْعَ لِكُلِّ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ مَالُهُ حَرَامًا فِي الْغَالِبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلَالًا وَالْحَرَامُ يَجُرُّ إلَى النَّارِ. وَيَحْذَرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي بِسَبَبِهِ وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ الْأَيْمَانَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ «وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقِلَّ الْكَلَامَ وَاللَّغَطَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ سِيَّمَا فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ كَشَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْعِظَامِ وَأَيَّامِ الْجُمَعِ الزُّهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يَجُرُّ إلَى الْمَكْرُوهِ وَالْمَكْرُوهُ يَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمِ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِيهِ دِينٌ وَفَضْلٌ أَنْ يَتْرُكَهُ يَقِيسُ لِنَفْسِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ عَيْنُهُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَحِيفَ الْمُشْتَرِي عَلَى نَفْسِهِ فَيَأْخُذُ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْلَمُ دِينُهُ وَخَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَقِيسُ لَهُ بِالْعَدْلِ وَيُبَيِّنُ لَهُ بِالرُّؤْيَةِ وَالْقَوْلِ. وَيَنْبَغِي لَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ مَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقَاسَ لَهُ الْخِرْقَةَ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِقَطْعِهَا حَتَّى يَأْخُذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَيُحَصِّلَهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَشْتَرُونَ الْخِرْقَةَ عَلَى النَّقْدِ فَإِذَا قَطَعُوا الْخِرْقَةَ أَعْطَوْا بَعْضَ الثَّمَنِ وَبَقِيَ الْبَاقِي فَتَارَةً يَتَكَلَّفُ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ

стр. 970

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهَا وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ تَكْثُرُ الرُّهُونُ عِنْدَهُمْ وَتَمْكُثُ السِّنِينَ الطَّوِيلَةَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِذَهَابِ مَا هُوَ يَتَسَبَّبُ فِيهِ وَيَبْقَى مَالُهُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ لَا يَجِدُ إلَى قَبْضِهِ سَبِيلًا وَالْغَالِبُ الْيَوْمَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ إذَا تَيَسَّرَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا لَا يُفَكِّرُونَ فِي الدُّيُونِ وَإِنَّمَا يُفَكِّرُونَ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ فِي وَقْتِهِمْ ذَلِكَ وَمَآرِبُهُمْ قَلَّ أَنْ تَفْرُغَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ الْخِرْقَةَ حَتَّى يَنْقُدَ الْفِضَّةَ إمَّا بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ عَارِفًا أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ضَرَرِهِ أَوْ إلَى الْمُنَازَعَةِ فِي الصَّبْرِ إنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ فِيهِ زَيْفٌ لِكَثْرَةِ الْغِشِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا وَزَنَ الْفِضَّةَ إنْ اشْتَرَى مِنْ قَزَّازٍ أَوْ تَاجِرٍ أَنْ يَجْعَلَ فِي كِفَّةِ الصَّنْجَةِ حَبَّةَ خَرُّوبٍ أَوْ نَحْوَهَا وَإِذَا بَاعَ وَوَزَنَ الْفِضَّةَ لِيَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ أَنْ يَجْعَلَ فِي كِفَّةِ الْفِضَّةِ حَبَّةَ خَرُّوبٍ أَوْ نَحْوَهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ. وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْبَزَّازِ وَحْدَهُ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ يَتَعَاطَى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَمَنْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ كَانَ وَكِيلًا أَوْ وَصِيًّا فَيُمْنَعُ وَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ جَهْدَهُ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَامِحَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْخَيْرِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا فَيَتْرُكُ لَهُ بَعْضَ الرِّبْحِ أَوْ كُلَّهُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِحَالِهِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ لِمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي اعْتَادُوا فِيهِ زِينَةَ الْأَسْوَاقِ عَلَى مَا عَهِدَ فِي الزَّمَانِ أَنْ يَتْرُكَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ حَتَّى تَنْقَضِيَ وَيَلْزَمُ بَيْتَهُ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ السَّالِمَةِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فَإِنْ جُبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَعَاطَاهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يُعْطِي مَا يُلْزِمُونَهُ بِهِ مِنْ الْغَرَامَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا. وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ الْقُمَاشِ فِيهِ صُورَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْسُوجَةً أَوْ مُطَرَّزَةً أَوْ مَرْسُومَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ

стр. 971

شَرِيكًا لِمَنْ يَتَعَاطَى التَّصْوِيرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ السُّوقَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ فِي عَكْسِهِ لَا يَمْكُثُ فِي الدُّكَّانِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ بَلْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ اصْفِرَارِهَا لِمَا قَدْ قِيلَ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ الشَّيَاطِينُ ثُمَّ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ، وَعَكْسُهُ الِانْصِرَافُ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ غَالِبًا حَالُهُ الْحِرْصُ وَالِاسْتِشْرَافُ وَهُمَا مُذْهِبَانِ لِلْبَرَكَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ اشْتَغَلَ بِحِكَايَتِهِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالْمُضِيِّ إلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ. فَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ مِنْ سِمْسَارٍ وَشَرِيكٍ وَرَقِيقٍ وَمُبْتَاعٍ فَيَقْطَعُ كُلَّ ذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ مِنْهُ عَادَةً مَعْرُوفَةً لَا يَقْصِدُهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَا عَلِمَ مِنْ عَادَتِهِ فَتُحْفَظُ بِذَلِكَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَتَنْضَبِطُ وَقَلَّ أَنْ تَفُوتَهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا الْفِعْلُ حَاجِزٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ خُرُوجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُبَادَرَةُ إلَى الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا حَاجِزٌ عَنْ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي فَإِنْ قَالَ الْبَزَّازُ مَثَلًا: إذَا تَحَرَّزْت مِمَّا ذَكَرْتُمْ قَلَّ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَقَلَّ الرِّزْقُ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ [فَصْلٌ فِي نِيَّةِ التَّاجِرِ الَّذِي يَتَّجِرُ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ] ٍ وَمِنْ بَلَدٍ إلَى أُخْرَى يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مِمَّنْ يَتَسَبَّبُ فِي الْأَسْفَارِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ تَعَبُهُ وَمُخَاطَرَتُهُ فِيهَا بِسَبَبِ الْمُحَاوَلَةِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَالزِّيَادَةِ مِنْهَا وَالِاسْتِشْرَافِ إلَيْهَا بَلْ يَكُونُ أَصْلُ أَمْرِهِ الَّذِي يُعَوِّلُ عَلَيْهِ وَيَعْتَمِدُهُ التَّقْوَى وَلَا يُسَافِرُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ لِذَوِي الْعُقُولِ الْغَزِيرَةِ الْعَارِفِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَالتَّجَارِبِ. وَصِفَةُ الِاسْتِخَارَةِ

стр. 972

الشَّرْعِيَّةِ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» . وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي أَلْفَاظِهِ الْجَامِعَةِ لِلْأَسْرَارِ الْعَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَخْتَارُونَ؛ لِأَنْفُسِهِمْ اسْتِخَارَة غَيْرَ الِاسْتِخَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِيَارِ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ غَيْرَ مَا اخْتَارَهُ لَهُ مَنْ هُوَ أَرْحَمُ بِهِ وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ الْعَالِمُ بِمَصَالِحِ الْأُمُورِ الْمُرْشِدُ لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ وَالنَّجَاحُ وَالْفَلَاحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. وَبَعْضُهُمْ يَسْتَخِيرُ الِاسْتِخَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَيَتَوَقَّفُ بَعْدَهَا حَتَّى يَرَى مَنَامًا يَفْهَمُ مِنْهُ فِعْلَ مَا اسْتَخَارَ فِيهِ أَوْ تَرْكَهُ أَوْ يَرَاهُ غَيْرُهُ لَهُ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِصْمَةِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ لَا بِمَا يُرَى فِي الْمَنَامِ وَلَا يُضِيفُ إلَى الِاسْتِخَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَيَخْشَى مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ إذَا دَخَلَتْ فِي شَيْءٍ لَا يَنْجَحُ أَوْ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِالِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ فَقَطْ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَيْهِمَا وَلَا يُعَرِّجَ عَلَى غَيْرِهِمَا فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - اخْتَارَ لَنَا أَلْفَاظًا مُنْقَاةً جَامِعَةً لِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى قَالَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ فِي صِفَتِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالْحَضِّ

стр. 973

عَلَى التَّمَسُّكِ بِأَلْفَاظِهَا وَعَدَمِ الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَالْقُرْآنُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُغَيَّرَ وَلَا يُزَادَ فِيهِ وَلَا يَنْقُصَ مِنْهُ وَإِذَا نَصَّ فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَا يَرْجِعُ لِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ﵊ فِي الِاسْتِخَارَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَخْتَارُهَا الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ مَنَامٍ يَرَاهُ هُوَ أَوْ يَرَاهُ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ انْتِظَارِ فَأْلٍ أَوْ نَظَرٍ فِي اسْمِ الْأَيَّامِ. قَالَ مَالِكٌ: ﵀ الْأَيَّامُ كُلُّهَا أَيَّامُ اللَّهِ. أَوْ انْتِظَارُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُ فِي اسْمِهِ فَيَشْتَقُّ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عِنْدَهُ الْفِعْلَ أَوْ التَّرْكَ. وَمِنْ النَّاسِ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ هَذَا وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَالنَّظَرِ فِي النُّجُومِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُهُمْ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ أَوْ غَيْرَهُ وَتَرَكَ الِاسْتِخَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ فَلَا شَكَّ فِي فَسَادِ رَأْيِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ ﵊ اخْتَارَ لِلْمُكَلَّفِ مَا جَمَعَ لَهُ فِيهِ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَفْظٍ يَسِيرٍ وَجِيزٍ وَاخْتَارَ هُوَ لِنَفْسِهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْمُخْتَارُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْمُخْتَارُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. عَلَى هَذَا فَلَا يَشُكُّ وَلَا يَرْتَابُ فِي أَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَارَكَةِ إلَى غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ التَّأْدِيبِ أَنْ يَقَعَ بِهِ وَأَنْوَاعُهُ مُخْتَلِفَةٌ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا فِي نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ أَمْرِهِ ﵊ الْمُكَلَّفَ بِأَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الِاسْتِخَارَةِ يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَضَاءَ حَاجَتِهِ. وَقَدْ مَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنَّ مِنْ الْأَدَبِ قَرْعَ بَابِ مَنْ تُرِيدُ حَاجَتَكَ مِنْهُ، وَقَرْعُ بَابِ الْمَوْلَى إنَّمَا هُوَ بِالصَّلَاةِ. لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» وَلِأَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ آدَابٍ جُمْلَةٍ. فَمِنْهَا خُرُوجُهُ عَنْ الدُّنْيَا كُلِّهَا وَأَحْوَالِهَا

стр. 974

بِإِحْرَامِهِ بِالصَّلَاةِ أَلَا تَرَى إلَى الْإِشَارَةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ إلَى أَنَّهُ خَلَفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى مَوْلَاهُ يُنَاجِيهِ. ثُمَّ مَا فِيهَا مِنْ الْخُضُوعِ وَالنَّدَمِ وَالتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي الْجَلِيلَةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا. فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ حِينَئِذٍ أَمَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﵊ بِالدُّعَاءِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فَإِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ السُّوَرِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي شَرَعَهَا ﵊ لِأُمَّتِهِ لِيُرْشِدهُمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ. فَأَوَّلُهَا «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ» فَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَاهُ: أَسْأَلُكَ بِجَمِيعِ مَا سُئِلْت بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ. وَقَوْلُهُ «إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ» أَيْ بِعِلْمِكَ الْقَدِيمِ الْكَامِلِ لَا بِعِلْمِي أَنَا الْمَخْلُوقُ الْقَاصِرُ فَمَنْ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَبِّهِ اخْتَارَ لَهُ مَا يَصْلُحُ وَقَوْلُهُ «وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» أَيْ بِقُدْرَتِكَ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ لَا بِقُدْرَتِي أَنَا الْمَخْلُوقَةِ الْمُحْدَثَةِ الْقَاصِرَةِ. فَمَنْ تَعَرَّى عَنْ قُدْرَةِ نَفْسِهِ وَكَانَتْ قُدْرَتُهُ مَنُوطَةً بِقُدْرَةِ رَبِّهِ مَعَ السُّكُونِ وَالضَّرَاعَةِ إلَيْهِ فَلَا شَكَّ فِي وُجُودِ الرَّاحَةِ لَهُ إمَّا عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ هُمَا مَعًا. وَأَيُّ رَاحَةٍ أَعْظَمُ مِنْ الِانْسِلَاخِ مِنْ عَنَاءِ التَّدْبِيرِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْخَوْضِ بِفِكْرَةِ عَقْلِهِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ عَاقِبَتَهُ. وَقَوْلُهُ «وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ» فَمَنْ تَوَجَّهَ بِالسُّؤَالِ إلَى مَوْلَاهُ دُونَ مَخْلُوقٍ وَاسْتَحْضَرَ سَعَةَ فَضْلِ رَبِّهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَنَزَلَ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ فَلَا شَكَّ فِي نَجْحِ سَعْيِ مَنْ هَذَا حَالُهُ إذْ فَضْلُ الْمَوْلَى أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْلُومٍ وَتَقْدِيرٍ. وَقَوْلُهُ «فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» فَمَنْ تَبَرَّأَ وَانْخَلَعَ مِنْ تَدْبِيرِ نَفْسِهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَجَعَ بِالِافْتِقَارِ إلَى مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ

стр. 975

شَيْءٌ فَلَا شَكَّ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَبُلُوغِهِ مَا يُؤَمِّلُهُ وَوُقُوعِ الرَّاحَةِ لَهُ. وَقَوْلُهُ «اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: وَفِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ» الشَّكُّ هُنَا مِنْ الرَّاوِي فِي أَيِّهِمَا قَالَ ﵊. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ فِي تَحْصِيلِ بَرَكَةِ لَفْظِهِ ﵊ عَلَى الْقَطْعِ فَيَأْتِي بِهِمَا مَعًا. وَقَوْلُهُ «فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ» فَمَنْ رَضِيَ بِمَا اخْتَارَهُ لَهُ سَيِّدُهُ الْعَالِمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ كُلِّهَا وَبِمَصَالِحِ الْأَشْيَاءِ جَمِيعِهَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَحَوَّلُ فَقَدْ سَعِدَ السَّعَادَةَ الْعُظْمَى. وَقَوْلُهُ «، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ» الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ «فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» فَمَنْ سَكَنَ إلَى رَبِّهِ وَتَضَرَّعَ إلَيْهِ وَلَجَأَ فِي دَفْعِ جَمِيعِ الشَّرِّ عَنْهُ فَلَا شَكَّ فِي سَلَامَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْ الْمَخَاوِفِ فَأَيُّ دُعَاءٍ يَجْمَعُ هَذِهِ الْفَوَائِدَ وَيُحَصِّلُهَا مِمَّا اخْتَارَهُ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ مِمَّا يَخْطِرُ بِبَالِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَى مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ إلَّا أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا كَانَ مُمْتَثِلًا لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مُحَصِّلًا لِبَرَكَتِهَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ النُّطْقِ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَرْبُو عَلَى كُلِّ خَيْرٍ يَطْلُبُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَيَخْتَارُهُ لَهَا. فَيَا سَعَادَةُ مَنْ رُزِقَ هَذَا الْحَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا ذَلِكَ بِمَنِّهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَهَا الْمُكَلَّفُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَمْتَثِلَ مَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ فِي أَمْرِ الدُّعَاءِ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ثُمَّ يَخْتِمُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ مِنْ كَمَالِ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ. فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاقْتِصَارِ فَعَلَى الِاسْتِخَارَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي كَانَ

стр. 976

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ. وَالِاسْتِخَارَةُ وَالِاسْتِشَارَةُ بَرَكَتُهُمَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْهَوَاجِسِ وَالْوَسَاوِسِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ أَدَبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمِنْ الْحَزْمِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنْ لَا يُبْرِمَ أَمْرًا وَلَا يُمْضِيَ عَزْمًا إلَّا بِمَشُورَةِ ذِي الرَّأْيِ النَّاصِحِ وَمُطَالَعَةِ ذِي الْعَقْلِ الرَّاجِحِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَشُورَةِ نَبِيَّهُ ﷺ مَعَ مَا تَكَفَّلَ بِهِ مِنْ إرْشَادِهِ وَعَوْنِهِ وَتَأْيِيدِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَالَ قَتَادَةُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَأَلُّفًا لَهُمْ وَتَطَيُّبًا لِأَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ فِيهَا مِنْ الْفَضْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَمَرَهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَيَتْبَعَهُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانَ عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ غَنِيًّا. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمُشَاوَرَةُ حِصْنٌ مِنْ النَّدَامَةِ وَأَمَانٌ مِنْ الْمَلَامَةِ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ تَرِدُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَيُصَدِّرُهَا بِرَأْيِهِ وَرَجُلٌ يُشَاوِرُ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ حَيْثُ يَأْمُرُهُ أَهْلُ الرَّأْيِ وَرَجُلٌ حَائِرٌ بَائِرٌ لَا يَأْتَمِرُ رُشْدًا وَلَا يُطِيعُ مُرْشِدًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ نِعْمَ الْمُوَازَرَةُ الْمُشَاوَرَةُ وَبِئْسَ الِاسْتِعْدَادُ الِاسْتِبْدَادُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: إنَّ الْمُشَاوَرَةَ وَالْمُنَاظَرَةَ بَابَا رَحْمَةٍ وَمِفْتَاحَا بَرَكَةٍ لَا يَضِلُّ مَعَهُمَا رَأْيٌ وَلَا يُفْقَدُ مَعَهُمَا حَزْمٌ. وَقَالَ ﵊ «مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ وَلَا نَدِمَ مِنْ اسْتَشَارَ» وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِنْ حَقِّ الْعَاقِلِ أَنْ يُضِيفَ إلَى رَأْيِهِ آرَاءَ الْعُلَمَاءِ وَيَجْمَعَ إلَى عَقْلِهِ عُقُولَ الْحُكَمَاءِ فَالرَّأْيُ الْفَذُّ رُبَّمَا زَلَّ وَالْعَقْلُ الْفَرْدُ رُبَّمَا ضَلَّ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الِاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ وَقَدْ خَاطَرَ مَنْ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ شَاوِرْ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ فَإِنَّهُ يُعْطِيكَ مِنْ رَأْيِهِ مَا قَامَ عَلَيْهِ بِالْغَلَاءِ وَأَنْتَ تَأْخُذُهُ

стр. 977

مِنْهُ بِالرَّخَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ الْخَطَأُ مَعَ الِاسْتِرْشَادِ أَحْمَدُ مِنْ الصَّوَابِ مَعَ الِاسْتِبْدَادِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «نَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْمُشَاوَرَةِ» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا اسْتَنْصَحَهُ أَنْ يَنْصَحَهُ» وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «الْمُسْتَشِيرُ مُعَانٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ إذَا اُسْتُعِنْت فَأَعْنِ وَإِذَا اُسْتُشِرْت فَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تَنْظُرَ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اسْتَرْشِدُوا الْعَاقِلَ تَرْشُدُوا وَلَا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا» فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ ارْتَادَ لَهَا مِنْ أَهْلِهَا مَنْ اسْتَكْمَلَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: إحْدَاهُنَّ عَقْلٌ كَامِلٌ مَعَ تَجْرِبَةٍ سَابِقَةٍ فَإِنَّهُ بِكَثْرَةِ التَّجَارِبِ تَصِحُّ الرَّوِيَّةُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ احْذَرْ مَشُورَةَ الْجَاهِلِ، وَإِنْ كَانَ نَاصِحًا كَمَا تَحْذَرُ عَدَاوَةَ الْعَاقِلِ إذَا كَانَ عَدُوًّا فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُوَرِّطَك بِمَشُورَتِهِ فَيَسْبِقُ إلَيْكَ مَكْرُ الْعَاقِلِ وَتَوْرِيطُ الْجَاهِلِ. وَكَانَ يُقَالُ: إيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ رَجُلَيْنِ شَابٌّ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ قَلِيلُ التَّجَارِبِ فِي غِرَّةٍ. وَكَبِيرٌ قَدْ أَخَذَ الدَّهْرَ مِنْ عَقْلِهِ كَمَا أَخَذَ مِنْ جِسْمِهِ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ مُحْتَاجٌ إلَى التَّجَارِبِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعَقْلَ زَيْنٌ لِأَهْلِهِ ... وَلَكِنَّ تَمَامَ الْعَقْلِ طُولُ التَّجَارِبِ وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ ذَا دِينٍ وَتُقَى فَإِنَّ ذَلِكَ عِمَادُ كُلِّ صَلَاحٍ وَبَابُ كُلِّ نَجَاحٍ وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدِّينُ فَهُوَ مَأْمُونُ السَّرِيرَةِ مُوَفَّقُ الْعَزِيمَةِ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَرَادَ أَمْرًا فَشَاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وَفَّقَهُ اللَّهُ لِأَرْشَدِ أُمُورِهِ» . وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا وَدُودًا فَإِنَّ النُّصْحَ وَالْمَوَدَّةَ يَصْرِفَانِ الْفِكْرَةَ وَيُمَحِّصَانِ الرَّأْيَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَا تُشَاوِرْ

стр. 978

إلَّا الْحَازِمَ غَيْرَ الْحَسُودِ وَاللَّبِيبَ غَيْرَ الْحَقُودِ وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إلَى الْأَفَنِ وَعَزْمَهُنَّ إلَى الْوَهَنِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ مَشُورَةُ الْمُشْفِقِ الْحَازِمِ ظَفَرٌ وَمَشُورَةُ غَيْرِ الْحَازِمِ خَطَرٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ اُصْفُ ضَمِيرًا لِمَنْ تُعَاشِرُهُ ... وَاسْكُنْ إلَى نَاصِحٍ تُشَاوِرُهُ وَارْضَ مِنْ الْمَرْءِ فِي مَوَدَّتِهِ ... بِمَا يُؤَدِّي إلَيْكَ ظَاهِرُهُ وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْفِكْرِ مِنْ هَمٍّ قَاطِعٍ وَغَمٍّ شَاغِلٍ. فَإِنَّ مَنْ عَارَضَتْ فِكْرَتَهُ شَوَائِبُ الْهُمُومِ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ رَأْيٌ وَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ خَاطِرٌ. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ بِتَرْدَادِ الْفِكْرِ يَنْجَابُ لَكَ الْعِكْرُ. وَالْخَصْلَةُ الْخَامِسَةُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَشَارِ فِيهِ غَرَضٌ يُتَابِعُهُ وَلَا هَوًى يُسَاعِدُهُ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ جَاذِبَةٌ وَالْهَوَى صَادٌّ وَالرَّأْيُ إذَا عَارَضَهُ الْهَوَى وَجَاذَبَتْهُ الْأَغْرَاضُ فَسَدَ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَقَدْ تَحْكُمُ الْأَيَّامُ مَنْ كَانَ جَاهِلًا ... وَيُرْدِي الْهَوَى ذَا الرَّأْيِ وَهُوَ لَبِيبٌ وَيُحْمَدُ فِي الْأَمْرِ الْفَتَى وَهُوَ مُخْطِئٌ ... وَيُعْذَلُ فِي الْإِحْسَانِ وَهُوَ مُصِيبٌ فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ الْخَمْسُ فِي رَجُلٍ كَانَ أَهْلًا لِلْمَشُورَةِ وَمَعْدِنًا لِلرَّأْيِ فَلَا تَعْدِلْ عَنْ اسْتِشَارَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ فَضْلِ رَأْيِكَ وَثِقَةً بِمَا تَسْتَشْعِرُهُ مِنْ صِحَّةِ رَوِيَّتِكَ فَإِنَّ رَأْيَ غَيْرِ ذِي الْحَاجَةِ أَسْلَمُ وَهُوَ مِنْ الصَّوَابِ أَقْرَبُ لِخُلُوصِ الْفِكْرِ وَخُلُوِّ الْخَاطِرِ مَعَ عَدَمِ الْهَوَى وَارْتِفَاعِ الشَّهْوَةِ. فَعَلَى هَذَا فَمَنْ تَرَكَ الِاسْتِخَارَةَ وَالِاسْتِشَارَةَ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَشْيَاءِ بِنَفْسِهِ دُونَ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَمَا أَحْكَمْته فِي ذَلِكَ إذْ إنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ إلَّا عَمَّتْهُ الْبَرَكَاتُ وَلَا تُتْرَكُ مِنْ شَيْءٍ إلَّا حَصَلَ فِيهِ ضِدُّ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ ﷺ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْتَخِيرُ إلَى مَا يَنْشَرِحُ إلَيْهِ صَدْرَهُ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَزْمُهُ عَلَى السَّفَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَثِلَ

стр. 979

السُّنَّةَ فِي الْوَصِيَّةِ. لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» هَذَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ فَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِمَا يَتَوَقَّعُهُ فِي سَفَرِهِ وَفِي الْبِلَادِ الَّتِي يَتَّجِرُ فِيهَا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى تَخْلِيصِ ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَا يُعَانِيه مِنْ الْأَسْفَارِ ثُمَّ يَتُوبُ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا. وَهِيَ النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَرَدُّ التَّبَعَاتِ لِمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ شَرْطٌ رَابِعٌ فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مُتَيَسِّرَةٌ عَلَى الْمَرْءِ؛ لِأَنَّهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَمَا كَانَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فَالْغَالِبُ الرَّجَاءُ فِي الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ وَأَمَّا رَدُّ التَّبَعَاتِ فَمُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ وَقَلَّ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْهَا إلَّا بِتَوْفِيقٍ وَتَأْيِيدٍ مِنْ الْمَوْلَى فَيُبَادِرُ إلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ وَيَرُدُّ الْوَدَائِعَ وَيَتَحَلَّلُ مِنْ كُلِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ فِي شَيْءٍ أَوْ مُصَاحَبَةٌ، وَيَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ بِهَا وَيُوَكِّلُ مَنْ يَقْضِي عَنْهُ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ بِنَفْسِهِ وَيَتْرُكُ لِأَهْلِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ نَفَقَتَهُمْ إلَى حِينِ رُجُوعِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَالِدَانِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي إرْضَائِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَنْ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ بِرُّهُ وَطَاعَتُهُ مِنْ عَالِمٍ وَصَالِحٍ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَيَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِمَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِزَادِهِ أَطْيَبَ جِهَةٍ تَكُونُ فِي مَالِهِ. [فَصْلٌ تاجر البز يُوَسِّع عَلَى نَفْسِهِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ لِيَجِدَ السَّبِيلَ إلَى الِاتِّصَافِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْمَأْمُورِ بِالْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ يَحْضُرُهُ فِي وَقْتِ أَكْلِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ غَيْرُهُمْ فَيُشَارِكُهُمْ فِي غِذَائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ الْبُخْلِ وَأَخْلَاقِ اللِّئَامِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ» ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى مُوَاسَاةِ الْمَسَاكِينِ وَالْمُضْطَرِّينَ؛ لِأَنَّ مَنْ يَأْكُلُ وَحْدَهُ فِيهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَا فِيهِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ سَعَةٌ وَبَذْلٌ مِنْهُ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْمَكْرُوهِ وَدَخَلَ فِي بَابِ الْمَعْرُوفِ وَحُصُولِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ. [تاجر البز لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمَرْكُوبِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمَرْكُوبِ لِأَنَّهُ

стр. 980

إنْ فَعَلَ ذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ فَإِنْ شَارَكَ غَيْرَهُ جَازَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى دُونِ حَقِّهِ لِيَسْلَمَ مِنْ عِمَارَةِ ذِمَّتِهِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَصِّلَ لِسَفَرِهِ مَرْكُوبًا جَيِّدًا يَأْمَنُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْقَطِعَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ. [فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى تاجر البز أَنْ يُظْهِرَ لِصَاحِبِ الدَّابَّة مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بِكِرَاءٍ أَنْ يُظْهِرَ لِصَاحِبِهَا كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا لَمْ يُظْهِرْهُ لَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ، وَالْخِيَانَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي شَيْءٍ امْتَحَقَتْ مِنْهُ الْبَرَكَاتُ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ لَهُ فَلَا يُحَمِّلُهَا أَكْثَرَ مِمَّا تُطِيقُهُ خِيفَةَ أَنْ يَضُرَّ بِدَابَّتِهِ وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى ضَرَرِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَقِفُ مِنْ ثِقَلِ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ مِنْ حُصُولِ الضَّرَرِ لِنَفْسِهِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُرَافِقَ فِي سَفَرِهِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ الصَّلَاحِ أَوْ هُمَا مَعًا أَعْنِي الْمُرَافَقَةَ الْخَاصَّةَ الَّتِي تُحْدِثُ الْمَوَدَّةَ وَالْأُلْفَةَ وَالِاسْتِشَارَةَ وَسُكُونَ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ. وَأَمَّا الْمُرَافَقَةُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهَا وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِي حَقِّهِ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا مِنْ مُرَافَقَةِ الْعَالِمِ أَوْ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّهُمَا يُذَكِّرَانِهِ إذَا نَسِيَ وَيُؤْنِسَانِهِ وَيُعِينَانِهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَعَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» وَقَدْ قِيلَ: الرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِمَنْ مَعَهُ رَأَيْتُكَ شَبَّهْتُك [فَصْلٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ غُدْوَةَ النَّهَارِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ غُدْوَةَ النَّهَارِ. لِقَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» وَكَانَ ﷺ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ [فَصْلٌ إذَا عَزَمَ تاجر البز عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يُصَلِّيَ

стр. 981

رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَفِي الثَّانِيَةِ بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَإِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ السُّوَرِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا خَلَفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ سَلَامِهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ؛ فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﵃. وَالْقُرْآنُ بَرَكَةٌ وَخَيْرٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ لَكِنْ يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَيَتَيَمَّمَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ. فَإِذَا خَرَجَ قَالَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا أَهْتَمُّ لَهُ اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي» وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَجِيرَانَهُ وَأَصْحَابَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ وَمَعَارِفَهُ وَأَنْ يُوَدِّعُوهُ وَيَمْشِي عَلَيْهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا فَهِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ. وَأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَك وَيَسَّرَ لَك الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْت. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَإِنَّ إخْوَانَهُ وَمَعَارِفَهُ يَأْتُونَ إلَيْهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ وَيَدْعُونَ لَهُ وَيَدْعُو لَهُمْ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ مَعَارِفِ الْجُنَيْدِ ﵀ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ أَنَا ذَهَبْت إلَى بَيْتِي جَاءَنِي الْجُنَيْدُ لِيُسَلِّمَ عَلَيَّ فَالْأَوْلَى أَنْ أَبْدَأَ بِهِ قَبْلَ دُخُولِي بَيْتِي فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُ تَكْلِيفُ الْإِتْيَانِ إلَيَّ فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ اسْتَقَرَّ فِيهِ، وَإِذَا بِالْجُنَيْدِ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَا حَمَلَنِي عَلَى أَنْ آتِيك قَبْلَ أَنْ آتِيَ إلَى بَيْتِي إلَّا خَشْيَةَ تَكَلُّفِك الْمَجِيءَ إلَيَّ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ ﵀: ذَاكَ فَضْلُك وَهَذَا حَقُّك [فَصْلٌ التَّعَوُّذِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّعَوُّذِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ» إلَخْ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت

стр. 982

عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» لِمَا وَرَدَ «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لَهُ: هُدِيت وَكُفِيت وَوُقِيت» . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَقُولُ ذَلِكَ فَعِنْدَ السَّفَرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى [فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يَتَصَدَّقَ حِينَ خُرُوجِهِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ حِينَ خُرُوجِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وِجْهَةٍ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا أَوْ حَاجَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَهَا أَوْ خَوْفٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْمَنَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمَآرِبِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَمِنْهُ «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» وَلِأَنَّ الْمَسَاكِينَ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفٌ بِالْأَغْنِيَاءِ حَتَّى تَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لِلْجَمِيعِ. فَالْمَسَاكِينُ لِقَضَاءِ ضَرُورَاتِهِمْ وَالْأَغْنِيَاءُ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِمْ وَدَفْعِ مَضَارِّهِمْ [فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يُكْثِرَ السَّيْرَ فِي اللَّيْل] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ السَّيْرَ فِي اللَّيْل لِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» . وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرِيحَ دَابَّتَهُ بِالنُّزُولِ عَنْهَا غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَعِنْدَ كُلِّ عَقَبَةٍ وَيَجْتَنِبَ النَّوْمَ عَلَى ظَهْرِهَا فَإِنْ حَمَّلَ الْمُكَارِي الدَّابَّةَ فَوْقَ طَاقَتِهَا لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ الِامْتِنَاعُ مِنْ رُكُوبِهَا لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. وَالثَّانِي - تَحْمِيلُهَا مَا تَعْجَزُ عَنْهُ غَالِبًا وَهُوَ حَرَامٌ. وَالثَّالِثُ - مَا يُؤَدِّي الْأَمْرُ إلَيْهِ مِنْ وُقُوفِ الدَّابَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْدُفَ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مِلْكَهُ وَأَطَاقَتْ ذَلِكَ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْكُثَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَهِيَ وَاقِفَةٌ زَمَانًا طَوِيلًا، وَإِنْ كَانَ لِشُغْلٍ بَلْ يَنْزِلُ عَنْهَا إلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا يُرِيدُ، ثَمَّ إذْ أَرَادَ السَّيْرَ إنْ شَاءَ رَكِبَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرِيحَهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَاحَةَ الدَّابَّةِ وَأَمْنًا مِنْ وُقُوفِهَا فِي الْغَالِبِ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى صَاحِبِهَا إنْ كَانَتْ بِكِرَاءٍ. وَقَدْ وَرَدَ «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْرٌ» وَأَمَّا الثَّوَابُ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَمَشْهُورٌ بَرَكَتُهُ وَخَيْرُهُ فَتَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْخَيْرَاتُ وَمَعَ وُجُودِ رَاحَةِ بَدَنِهِ بِالْمَشْيِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ يُقَوِّي

стр. 983

الْبَدَنَ وَيُنَشِّطُهُ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ أَمْنًا مِنْ وَجَعِ الْمَفَاصِلِ وَكَفَى بِهَا وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ وَمَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ فَلَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ] (فَصْلٌ) فَإِذَا رَكِبَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْت عَلِيًّا أُتِيَ لَهُ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي خُرُوجِ الْعَالِمِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ. ثُمَّ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْحَابِ اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْحَابِ» [فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ لَا يَسْلُكَ بُنَبَّاتِ الطُّرُقِ] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْلُكَ بُنَبَّاتِ الطُّرُقِ لِمَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْآفَاتِ فِيهَا. وَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوِحْدَةَ فِي السَّفَرِ وَقَالَ «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنْفَرِدَ وَحْدَهُ بِطَرِيقٍ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ الْآفَاتِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَيَنْبَغِي إذَا سَافَرَ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَيُشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا وَصَلَاحًا وَعَقْلًا وَرَأْيًا فَإِنْ جَمَعَهَا كُلَّهَا فَهُوَ الْكَمَالُ، وَإِنْ عَدِمَ بَعْضَهَا فَصَاحِبُ الرَّأْيِ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَوْلَى بِالتَّقْدِمَةِ وَيَلْزَمُهُ نُصْحُهُمْ وَتَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ إذَا أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا مِنْ رَعِيَّتِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» [فَصْلٌ لَا يَسْتَصْحِبَ التاجر الْمُسَافِر جَرَسًا وَلَا كَلْبًا] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَصْحِبَ مَعَهُ جَرَسًا وَلَا كَلْبًا، وَكَذَلِكَ

стр. 984

يَجْتَنِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ لِمَا وَرَدَ «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الْجَرَسَ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ» وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْكُنَ إلَى تَعْلِيلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ حِسَّ الْجَرَسِ يُذْهِبُ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَمِعَتْ حِسَّهُ ذَهَبَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ تَعْطَبُ الْمُشَاةُ أَوْ الدَّوَابُّ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّعِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوقِعَ النَّاسَ فِي الْمُخَالَفَةِ يُوَجِّهُ ذَلِكَ وَيُلْقِي لَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَقْبَلَهُ نَفْسُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ أَوْ مَنْ اسْتَحْكَمَتْ عَلَيْهِ الْعَوَائِدُ الرَّدِيئَةُ بَلْ الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّفْقَةَ إذَا كَانَتْ مُمْتَثِلَةً لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ سَلِمَتْ مِنْ الْعَطَبِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَشَرَاتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِصُحْبَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَعَجَزَ عَنْ تَغْيِيرِهِ لَزِمَهُ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ لِيَقُلْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ إذَا عَجَزَ عَنْ تَغْيِيرِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ " ثَلَاثًا " [فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى التاجر الْمُسَافِر أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ] (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَكْتَرُونَ مِنْ صَاحِبِ الْجِمَالِ وَيَتَّفِقُونَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ أَلْفِ رِطْلٍ مِنْ الْأُجْرَةِ كَذَا كَذَا وَيُخْبِرُونَ الْكَرِيَّ بِأَنَّ مَا حَمَلُوهُ ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ أَوْ نَحْوَهَا وَهَذَا ظُلْمٌ وَغَصْبٌ لِلْجِمَالِ وَلِلْجَمَلِ. أَمَّا الظُّلْمُ لِلْجَمَّالِ فَلِأَنَّهُ يُصَدِّقُهُمْ فَلَا يَزِنُ عَلَيْهِمْ فَيَحْمِلُ الزَّائِدَ الَّذِي كَذَّبُوهُ فِيهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ. وَأَمَّا ظُلْمُهُمْ لِلْجَمَلِ فَلِأَنَّ الْكَرِيَّ يُصَدِّقُهُمْ فِي الْوَزْنِ وَعَادَتُهُ مَثَلًا أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْجَمَلِ ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ فَحَمَلَ التَّاجِرُ عَلَيْهِ أَلْفًا وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهَا ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا يَضُرُّ بِالدَّابَّةِ وَبِالْجِمَالِ وَبِالتَّاجِرِ إذْ الْغَالِبُ أَنَّهَا تَقِفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ [فَصْلٌ إذَا دَخَلَ التاجر الْمُسَافِر بَلَدًا أَوْ قَابَلَهَا أَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا دَخَلَ بَلَدًا أَوْ قَابَلَهَا أَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» بَعْدَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَخْتِمُ بِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَنْزِلُهُ «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» ثَلَاثًا لِمَا

стр. 985

وَرَدَ «مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فَصْلٌ جَاءَ التاجر الْمُسَافِر إلَى حَلِّ الرَّحْلِ أَوْ إلَى شَدِّهِ عَلَى الراحلة] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَاءَ إلَى حَلِّ الرَّحْلِ أَوْ إلَى شَدِّهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهِ لِتَحْصُلَ لَهُ الْبَرَكَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي - امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي أَحْيَانِهِ كُلِّهَا. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَرِّسَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ [فَصْلٌ إذَا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَى التاجر الْمُسَافِر] (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَنْ يَقُولَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ «يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك وَشَرِّ مَا فِيك وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيك وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْك وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأُسُودٍ وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَافَ قَوْمًا أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُك فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِك مِنْ شُرُورِهِمْ» وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ وَهُوَ مَا كَانَ يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْكَرْبِ «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ» [فَصْلٌ إذَا اسْتَصْعَبَتْ دَابَّةُ التاجر الْمُسَافِر عَلَيْهِ] وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي أُذُنِهَا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ نَادَى (يَا عِبَادَ اللَّهِ احْبِسُوا) يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا [فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ الْحِدَاءُ فِي السَّفَرِ] وَيُسْتَحَبُّ الْحِدَاءُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنُّفُوسِ وَتَنْشِيطًا لِلدَّوَابِّ وَاشْتِغَالًا عَنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ
следующие страницы →