Полный текст (1 246 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَفِي الثَّانِيَةِ بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَإِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ السُّوَرِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا خَلَفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ سَلَامِهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ؛ فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﵃.
وَالْقُرْآنُ بَرَكَةٌ وَخَيْرٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ لَكِنْ يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَيَتَيَمَّمَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
فَإِذَا خَرَجَ قَالَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا أَهْتَمُّ لَهُ اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي» وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَجِيرَانَهُ وَأَصْحَابَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ وَمَعَارِفَهُ وَأَنْ يُوَدِّعُوهُ وَيَمْشِي عَلَيْهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا فَهِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ.
وَأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَك وَيَسَّرَ لَك الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْت.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَإِنَّ إخْوَانَهُ وَمَعَارِفَهُ يَأْتُونَ إلَيْهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ وَيَدْعُونَ لَهُ وَيَدْعُو لَهُمْ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ مَعَارِفِ الْجُنَيْدِ ﵀ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ أَنَا ذَهَبْت إلَى بَيْتِي جَاءَنِي الْجُنَيْدُ لِيُسَلِّمَ عَلَيَّ فَالْأَوْلَى أَنْ أَبْدَأَ بِهِ قَبْلَ دُخُولِي بَيْتِي فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُ تَكْلِيفُ الْإِتْيَانِ إلَيَّ فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ اسْتَقَرَّ فِيهِ، وَإِذَا بِالْجُنَيْدِ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَا حَمَلَنِي عَلَى أَنْ آتِيك قَبْلَ أَنْ آتِيَ إلَى بَيْتِي إلَّا خَشْيَةَ تَكَلُّفِك الْمَجِيءَ إلَيَّ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ ﵀: ذَاكَ فَضْلُك وَهَذَا حَقُّك
[فَصْلٌ التَّعَوُّذِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّعَوُّذِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ» إلَخْ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت
стр. 982
عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» لِمَا وَرَدَ «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لَهُ: هُدِيت وَكُفِيت وَوُقِيت» .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَقُولُ ذَلِكَ فَعِنْدَ السَّفَرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يَتَصَدَّقَ حِينَ خُرُوجِهِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ حِينَ خُرُوجِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وِجْهَةٍ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا أَوْ حَاجَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَهَا أَوْ خَوْفٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْمَنَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمَآرِبِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَمِنْهُ «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» وَلِأَنَّ الْمَسَاكِينَ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفٌ بِالْأَغْنِيَاءِ حَتَّى تَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لِلْجَمِيعِ.
فَالْمَسَاكِينُ لِقَضَاءِ ضَرُورَاتِهِمْ وَالْأَغْنِيَاءُ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِمْ وَدَفْعِ مَضَارِّهِمْ
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يُكْثِرَ السَّيْرَ فِي اللَّيْل]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ السَّيْرَ فِي اللَّيْل لِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرِيحَ دَابَّتَهُ بِالنُّزُولِ عَنْهَا غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَعِنْدَ كُلِّ عَقَبَةٍ وَيَجْتَنِبَ النَّوْمَ عَلَى ظَهْرِهَا فَإِنْ حَمَّلَ الْمُكَارِي الدَّابَّةَ فَوْقَ طَاقَتِهَا لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ الِامْتِنَاعُ مِنْ رُكُوبِهَا لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا - مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ.
وَالثَّانِي - تَحْمِيلُهَا مَا تَعْجَزُ عَنْهُ غَالِبًا وَهُوَ حَرَامٌ.
وَالثَّالِثُ - مَا يُؤَدِّي الْأَمْرُ إلَيْهِ مِنْ وُقُوفِ الدَّابَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ حَرَامٌ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْدُفَ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مِلْكَهُ وَأَطَاقَتْ ذَلِكَ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْكُثَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَهِيَ وَاقِفَةٌ زَمَانًا طَوِيلًا، وَإِنْ كَانَ لِشُغْلٍ بَلْ يَنْزِلُ عَنْهَا إلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا يُرِيدُ، ثَمَّ إذْ أَرَادَ السَّيْرَ إنْ شَاءَ رَكِبَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرِيحَهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَاحَةَ الدَّابَّةِ وَأَمْنًا مِنْ وُقُوفِهَا فِي الْغَالِبِ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى صَاحِبِهَا إنْ كَانَتْ بِكِرَاءٍ.
وَقَدْ وَرَدَ «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْرٌ» وَأَمَّا الثَّوَابُ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَمَشْهُورٌ بَرَكَتُهُ وَخَيْرُهُ فَتَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْخَيْرَاتُ وَمَعَ وُجُودِ رَاحَةِ بَدَنِهِ بِالْمَشْيِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ يُقَوِّي
стр. 983
الْبَدَنَ وَيُنَشِّطُهُ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ أَمْنًا مِنْ وَجَعِ الْمَفَاصِلِ وَكَفَى بِهَا وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ وَمَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ فَلَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ]
(فَصْلٌ) فَإِذَا رَكِبَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْت عَلِيًّا أُتِيَ لَهُ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي خُرُوجِ الْعَالِمِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ.
ثُمَّ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْحَابِ اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْحَابِ»
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لتاجر البز أَنْ لَا يَسْلُكَ بُنَبَّاتِ الطُّرُقِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْلُكَ بُنَبَّاتِ الطُّرُقِ لِمَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْآفَاتِ فِيهَا.
وَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوِحْدَةَ فِي السَّفَرِ وَقَالَ «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنْفَرِدَ وَحْدَهُ بِطَرِيقٍ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ الْآفَاتِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَيَنْبَغِي إذَا سَافَرَ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَيُشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا وَصَلَاحًا وَعَقْلًا وَرَأْيًا فَإِنْ جَمَعَهَا كُلَّهَا فَهُوَ الْكَمَالُ، وَإِنْ عَدِمَ بَعْضَهَا فَصَاحِبُ الرَّأْيِ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَوْلَى بِالتَّقْدِمَةِ وَيَلْزَمُهُ نُصْحُهُمْ وَتَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ إذَا أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا مِنْ رَعِيَّتِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ»
[فَصْلٌ لَا يَسْتَصْحِبَ التاجر الْمُسَافِر جَرَسًا وَلَا كَلْبًا]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَصْحِبَ مَعَهُ جَرَسًا وَلَا كَلْبًا، وَكَذَلِكَ
стр. 984
يَجْتَنِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ لِمَا وَرَدَ «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الْجَرَسَ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ» وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْكُنَ إلَى تَعْلِيلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ حِسَّ الْجَرَسِ يُذْهِبُ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَمِعَتْ حِسَّهُ ذَهَبَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ تَعْطَبُ الْمُشَاةُ أَوْ الدَّوَابُّ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّعِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوقِعَ النَّاسَ فِي الْمُخَالَفَةِ يُوَجِّهُ ذَلِكَ وَيُلْقِي لَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَقْبَلَهُ نَفْسُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ أَوْ مَنْ اسْتَحْكَمَتْ عَلَيْهِ الْعَوَائِدُ الرَّدِيئَةُ بَلْ الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّفْقَةَ إذَا كَانَتْ مُمْتَثِلَةً لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ سَلِمَتْ مِنْ الْعَطَبِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَشَرَاتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِصُحْبَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَعَجَزَ عَنْ تَغْيِيرِهِ لَزِمَهُ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ لِيَقُلْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ إذَا عَجَزَ عَنْ تَغْيِيرِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ " ثَلَاثًا "
[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى التاجر الْمُسَافِر أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَكْتَرُونَ مِنْ صَاحِبِ الْجِمَالِ وَيَتَّفِقُونَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ أَلْفِ رِطْلٍ مِنْ الْأُجْرَةِ كَذَا كَذَا وَيُخْبِرُونَ الْكَرِيَّ بِأَنَّ مَا حَمَلُوهُ ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ أَوْ نَحْوَهَا وَهَذَا ظُلْمٌ وَغَصْبٌ لِلْجِمَالِ وَلِلْجَمَلِ.
أَمَّا الظُّلْمُ لِلْجَمَّالِ فَلِأَنَّهُ يُصَدِّقُهُمْ فَلَا يَزِنُ عَلَيْهِمْ فَيَحْمِلُ الزَّائِدَ الَّذِي كَذَّبُوهُ فِيهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ.
وَأَمَّا ظُلْمُهُمْ لِلْجَمَلِ فَلِأَنَّ الْكَرِيَّ يُصَدِّقُهُمْ فِي الْوَزْنِ وَعَادَتُهُ مَثَلًا أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْجَمَلِ ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ فَحَمَلَ التَّاجِرُ عَلَيْهِ أَلْفًا وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهَا ثَمَانِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا يَضُرُّ بِالدَّابَّةِ وَبِالْجِمَالِ وَبِالتَّاجِرِ إذْ الْغَالِبُ أَنَّهَا تَقِفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ
[فَصْلٌ إذَا دَخَلَ التاجر الْمُسَافِر بَلَدًا أَوْ قَابَلَهَا أَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا دَخَلَ بَلَدًا أَوْ قَابَلَهَا أَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» بَعْدَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَخْتِمُ بِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَنْزِلُهُ «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» ثَلَاثًا لِمَا
стр. 985
وَرَدَ «مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
[فَصْلٌ جَاءَ التاجر الْمُسَافِر إلَى حَلِّ الرَّحْلِ أَوْ إلَى شَدِّهِ عَلَى الراحلة]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَاءَ إلَى حَلِّ الرَّحْلِ أَوْ إلَى شَدِّهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهِ لِتَحْصُلَ لَهُ الْبَرَكَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي - امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي أَحْيَانِهِ كُلِّهَا.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَرِّسَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ
[فَصْلٌ إذَا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَى التاجر الْمُسَافِر]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَنْ يَقُولَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ «يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك وَشَرِّ مَا فِيك وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيك وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْك وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأُسُودٍ وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَافَ قَوْمًا أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُك فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِك مِنْ شُرُورِهِمْ» وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ وَهُوَ مَا كَانَ يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْكَرْبِ «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ»
[فَصْلٌ إذَا اسْتَصْعَبَتْ دَابَّةُ التاجر الْمُسَافِر عَلَيْهِ]
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي أُذُنِهَا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ نَادَى (يَا عِبَادَ اللَّهِ احْبِسُوا) يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
[فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ الْحِدَاءُ فِي السَّفَرِ]
وَيُسْتَحَبُّ الْحِدَاءُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنُّفُوسِ وَتَنْشِيطًا لِلدَّوَابِّ وَاشْتِغَالًا عَنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ
стр. 986
﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] ثُمَّ يَقُولُ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] الْآيَةَ بِكَمَالِهَا.
فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ مَنْ قَالَهَا حِينَ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ أَمِنَ مِنْ الْغَرَقِ» .
[فَصْلٌ الْإِكْثَار مِنْ الدُّعَاءِ فِي السَّفَرِ]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ فِي سَفَرِهِ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِوَلَدِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَعَارِفِهِ وَلِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ بِمَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ فِي طَرِيقِهِ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا صَادَفَ مَعْرُوفُهُ حَاجَةَ أَخِيهِ» وَالسَّفَرُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ بَلْ الِاضْطِرَارِ غَالِبًا فَيَسْقِي الْمَاءَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إذَا أَمْكَنَ وَيَحْمِلُ الْمُنْقَطِعَ إذَا تَيَسَّرَ لَهُ.
وَفِيهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الشُّحُّ فِي السَّفَرِ مَخَافَةَ احْتِيَاجِهَا لِمَا هُوَ يَبْذُلُهُ
[صَلَاة النَّافِلَة عَلَى الراحلة فِي السَّفَر]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ الْأَوْرَادِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ فِي الْحَضَرِ وَلَا يُسَامِحَ نَفْسَهُ بِتَرْكِهَا وَلَا يَتْرُكَ بَعْضَهَا فِي السَّفَرِ بَلْ يَفْعَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ التَّوَابِعِ لِلْفَرَائِضِ أَوْ غَيْرِهَا لَكِنْ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِأَنَّ لَهُ فِي السَّفَرِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّوَافِلَ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْوِتْرَ إلَّا الْفَرَائِضَ الْخَمْسَ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا بِالْأَرْضِ أَوْ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ إلَى صَلَاتِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ مَخُوفًا أَوْ يَكُونَ مَرِيضًا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِالْأَرْضِ صَلَّى جَالِسًا بِالْإِيمَاءِ فَلْيُصَلِّ رَاكِبًا وَلَا يَنْزِلُ لَكِنْ يُومِئُ إلَى الْأَرْضِ بِالسُّجُودِ لَا إلَى كَوْرِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ أَوْمَأَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ.
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَهُوَ رَاكِبٌ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ وَتُوقَفُ لَهُ
стр. 987
الدَّابَّةُ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ إنْ كَانَ طَرِيقَ سَفَرِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
ثُمَّ مَعَ مَا ذُكِرَ يَكُونُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي نِيَّتِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِقْلِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا أَوْ الْأَقَالِيمِ فَيُيَسِّرُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ.
وَكَذَلِكَ عَلَى الْآخَرِينَ، وَيَجْعَلُ طَلَبَ الرِّزْقِ تَبَعًا لِذَلِكَ مَعَ تَوَكُّلِهِ عَلَى رَبِّهِ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يُجْلَبُ بِالْحِيَلِ وَلَا بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ حَاضِرَةٌ جَمِيلَةٌ حَتَّى يَكُونَ سَفَرُهُ وَحَرَكَتُهُ وَخُطَاهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ لَا فِي غَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْن أَخِيهِ» ثُمَّ يَصْحَبُ ذَلِكَ نِيَّةُ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ عَلَى مَا وُصِفَ كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ وَمَنْ كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَإِيقَاعِهَا فِي جَمَاعَةٍ فِي أَوْقَاتِهَا الْمُخْتَارَةِ لَهَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ فِي الْبَلَدِ غَيْرَهُ يَقُومُ عَنْهُ بِذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ السَّفَرِ فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِالْأَوْقَاتِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِصَلَاةِ السَّفَرِ وَمَا يَفْعَلُ فِيهَا وَالْمَسَافَةُ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا وَالْمَسَافَةُ الَّتِي لَا تُقْصَرُ فِيهَا وَالْحَدُّ الَّذِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِيهِ وَمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنْ قَصْرٍ وَإِتْمَامٍ، وَأَمْرُ الْقَصْرِ وَمَعْرِفَتُهُ وَشُرُوطُهُ وَفَرَائِضُهُ وَسُنَّتُهُ وَفَضَائِلُهُ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَجِبُ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَحْرُمُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَوْفَى فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْأَذَانَ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ فَإِمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ حَتَّى تَظْهَرَ شَعِيرَةُ الْإِسْلَامِ وَتَبْقَى قَائِمَةً بَيْنَهُمْ وَفِيهِمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَنْ كَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ وَإِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ وَأَقَامَ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَتْرُكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ سَيْرٍ وَغَيْرِهِ
стр. 988
حَتَّى يُصَلِّيَ لِأَنَّهُ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ وَأَفْضَلُ وَأَبْرَكُ؛ لِأَنَّ الْأَسْفَارَ الْغَالِبَ فِيهَا وُقُوعُ الضَّرُورَاتِ فَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْجَأَهُ عُذْرٌ فَتَخْرُجُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِهِ عَنْ وَقْتِهَا فَيَحْتَاطُ بِأَنْ يُوقِعَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ، وَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ لِلضَّرُورَةِ لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ إلَى بَلَدٍ يَكُونُ الطَّرِيقُ فِيهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ أَوْ بَعْضُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَرِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
[فَصْلٌ لَا يَرْكَبَ الْبَحْرَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ]
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ الْبَحْرَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ فِي ارْتِجَاجِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الذِّمَّةِ» بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَكُونَ الْفَصْلُ مُعْتَدِلًا فَحِينَئِذٍ يُسَافِرُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ الْبَحْرَ مَعَ النَّوَاتِيَّةِ الَّذِينَ اعْتَادُوا كَشْفَ عَوْرَاتِهِمْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ كَشْفُهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَتِرُوا السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ مَعَ أَحَدٍ مِمَّنْ يُبَاشِرُهُ وَهُوَ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِي وِزْرِهِ بَلْ هُوَ مُشَارِكٌ لِلنُّوتِيِّ وَالْجَمَّالِ إذَا اتَّصَفَ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ لِمُبَاشَرَتِهِ وَتَرْكِ الْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ بِالِاشْتِرَاطِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ إذْ إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ اشْتَرَطَهُ وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ هُنَا إلَى اشْتِرَاطِهِ لِأَجْلِ مَا اجْتَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ تَرْكِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا ذُكِرَ قَلَّ أَنْ تَقَعَ لَهُ الْبَرَكَةُ فِي سَبَبٍ يَضْطَرُّ فِيهِ إلَى مُبَاشَرَةِ مَنْ هَذَا حَالُهُ.
[فَصْلٌ لَا يُسَافِرَ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ]
(فَصْلٌ)
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» إذْ إنَّهُ إذَا سَافَرَ إلَى بِلَادِهِمْ كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَتُهُ خَامِدَةٌ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَفَرَهُ يَكُونُ بِنِيَّةِ التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَيْسِيرًا عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ الْكُفَّارِ وَأَعْدَائِهِ بِمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِسَبَبِ مَا يَبِيعُهُ لَهُمْ
стр. 989
أَوْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُمْ فَيَنْفَعُهُمْ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا.
[فَصْلٌ زِيَارَةَ التاجر لِلْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ]
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ زِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِمَّنْ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الَّتِي هُوَ مُتَو مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَوْجُودًا فِي طَرِيقِهِ لِاغْتِنَامِ فَضِيلَةِ رُؤْيَتِهِمْ وَالتَّبَرُّكِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُوجَدُونَ فِي إقْلِيمٍ دُونَ إقْلِيمٍ وَيَكْثُرُونَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ وَوَجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ مَعًا وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ. وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ خَرَجَ يَزُورُ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ مَلَكًا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ» فَتَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ فِيهَا بِغَيْرِ تَعَبٍ، وَلَا نَصَبٍ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ زِيَارَةَ قُبُورِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَرَّ بِهِ أَوْ دَخَلَهُ إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُقَدِّمُ زِيَارَةَ الْأَحْيَاءِ عَلَى زِيَارَةِ الْأَمْوَاتِ إذْ إنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَيَّنٌ فِي وَقْتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَوْ مَرَّ بِالْقُبُورِ أَوَّلًا بَدَأَ بِزِيَارَةِ أَهْلِهَا وَيَمْتَثِلُ السُّنَّةَ فِيمَا يَفْعَلُهُ هُنَاكَ مِنْ السَّلَامِ وَالتَّرَحُّمِ وَالدُّعَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَإِنْ كَانَ فِي الْقُبُورِ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا بَدَأَ بِهِ إذْ إنَّهُ رَحِمٌ. لِمَا نُقِلَ فِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا رَحِمٌ وَصَلَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَهُ وَقَطَعَ مَنْ قَطَعَهُ.
[فَصْلٌ التاجر إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَنْ يَنْوِيَ السِّيَاحَةَ فِي أَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى]
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَنْ يَنْوِيَ السِّيَاحَةَ فِي أَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَنْظُرَ وَيَعْتَبِرَ فِي اخْتِلَافِ الْأَرْضِ وَبِقَاعِهَا وَسَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَتَفَجُّرِ الْأَنْهَارِ مِنْهَا وَجَرْيِهَا وَآثَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَمَا جَرَى لَهُمْ وَكَيْفَ صَارُوا خَبَرًا وَأَثَرًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا رُؤْيَةً وَنَظَرًا.
وَكَذَلِكَ يَعْتَبِرُ بِالنَّظَرِ إلَى اخْتِلَافِ سَاكِنِيهَا فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَاتِ وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْعَوَائِدِ وَالْعَجَائِبِ.
[فَصْلٌ أَنْ يَنْوِيَ فِي سَفَرِهِ الْخَلْوَةَ عَنْ النَّاسِ]
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ فِي سَفَرِهِ الْخَلْوَةَ عَنْ النَّاسِ وَفِي الْخَلْوَةِ مِنْ الْفَوَائِدِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إذْ إنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْخَلْوَةِ غَالِبًا إذْ إنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَخْلُو حَالُهُ
стр. 990
مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا فَالْمَاشِي الْخَلْوَةُ حَاصِلَةٌ لَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَهُمَا يَتَكَلَّمَانِ فِي الْعُلُومِ أَوْ الْأَعْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَلْوَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي فَإِنْ تَوَقَّعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْخَلْوَةُ أَوْجَبُ وَلْيَأْخُذْ طَرِيقًا غَيْرَ تِلْكَ أَعْنِي أَنَّهُ يَبْعُدُ عَمَّنْ هَذَا حَالُهُ وَلَكِنْ يَخْلُو بِنَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ رَاكِبًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحْمَلٍ وَمَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ هُوَ رَاكِبٌ وَحْدَهُ أَوْ هُوَ رَاكِبٌ فِي الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَ رَاكِبًا وَحْدَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاشِي سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا فِي مَحْمَلٍ مَعَ رَفِيقٍ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمَاشِي مَعَ رَفِيقٍ فَإِنْ تَوَقَّعَ ضِدَّ مَا ذُكِرَ فَالِاشْتِغَالُ عَنْهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ مُتَعَيَّنٌ، وَلَوْ جَهَرًا بَلْ الْجَهْرُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ يَنْقَطِعُ كَلَامُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَدْ يَقْتَدِي بِهِ فَيُؤْجَرُ هَذَا إنْ كَانَ الرَّفِيقُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَوْرَادِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْآخَرُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَمَلِ فَالْإِسْرَارُ فِي حَقِّهِ مُتَعَيَّنٌ لِئَلَّا يُشَوِّشَ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ لِلزَّمَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَفَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَهَذَا يُنَافِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَطَالَةِ الْوَقْتِ وَالْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي غَالِبًا.
، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ الْمَاشِي وَالرَّاكِبُ مِنْ رَمْيِ الطُّيُورِ بِالْبُنْدُقِ وَالْمَقَالِيعِ وَالْحَذْفِ بِالْحَجَرِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهَا، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهَا بِهِ مَا لَمْ تُدْرَكُ ذَكَاتُهَا مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِيهَا وَهُوَ نَادِرٌ قَلَّ أَنْ يَقَعَ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّمْيَ بِالسِّهَامِ فَذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ عَلَى مَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا انْتَفَعَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا آثَرَ بِهَا مَنْ يَحْتَاجُهَا فَلَهُ الثَّوَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ وَسَفَرُهُ إنَّمَا
стр. 991
نَوَاهُ لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَشُوبُهُ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ رَاكِبًا فِي الْبَحْرِ فَيَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالطَّاعَةِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ إذْ إنَّهُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِأَجْلِ مَا يُتَوَقَّعُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْأَهْوَالِ وَالْأَخْطَارِ مِمَّا جَرَى فِيهِ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِيَحْجِزَهُ عَنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَيَحُثَّهُ عَلَى دَوَامِ الْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَذِكْرِهِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى صِحَّةِ نِيَّتِهِ وَعَلَى الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَلَا يُدَنِّسُهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُنَاسِبُهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ فِي أَوَانِ الْخَوْفِ مِنْهُ غَالِبًا فَلَوْ رَكِبَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ رُكُوبُهُ فِيهِ ثُمَّ هَاجَ عَلَيْهِ فَتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْمَرْكَبِ وَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ بِالضَّرَاعَةِ وَالِاسْتِكَانَةِ إذْ لَعَلَّ مَا أَصَابَهُمْ يَكُونُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ وَاقَعَهُ بَعْضُهُمْ عُوقِبَ الْجَمِيعُ بِهِ فَإِذَا حَصَلَتْ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ وَالِاضْطِرَارُ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَمْتَثِلُونَ السُّنَّةَ فِي إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ بِنِيَّةِ رَفْعِ هَذِهِ الشِّدَّةِ عَنْهُمْ فَيُعْطُونَهَا لِفُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَوِيَ الرَّجَاءُ فِي خَلَاصِهِمْ وَإِغَاثَتِهِمْ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكْتُبُ الصَّدَقَةَ الَّتِي تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِهَا دُونَ أَنْ يُعْطُوهَا لِأَحَدٍ إذْ ذَاكَ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ بَلْ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الْبَلَدِ فَإِذَا وَصَلُوا إلَيْهَا اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُمْ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْطِئُ بِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ بَعْضَهَا وَيُمْسِكُ بَعْضَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُخْرِجُ هَذَا وَلَا هَذَا، وَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ تَعَمَّرَتْ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ فَمَنْ لَمْ يُخْرِجْ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مِنْهُ بَرِيئَةً فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ أَخْرَجُوا مَا ذَكَرُوهُ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلَى الْبَلَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ النَّذْرِ. وَقَدْ قَالَ ﵊ «وَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ فَمَا كُشِفَ عَنْهُمْ فِي الْمَرْكَبِ إنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ لَا بِسَبَبِ صَدَقَتِهِمْ.
وَقَدْ وَقَعَ بِنَا بَعْضُ هَذَا فِي الْمَرْكَبِ الَّذِي جِئْنَا فِيهِ
стр. 992
مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَكَتَبَ النَّاسُ الصَّدَقَةَ عَلَى عَادَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى حَالِهِ مِنْ الشِّدَّةِ فَشَكَا أَهْلُ الْمَرْكَبِ ذَلِكَ لِسَيِّدِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ ﵀ وَكُنَّا فِي السَّفَرِ مَعَهُ وَفِي خَفَارَتِهِ وَحَصَلَتْ لَنَا النَّجَاةُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ شَكَا النَّاسُ إلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ أَمَرَهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ وَالصَّدَقَةِ فَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا؛ فَقَالَ: وَأَيْنَ هِيَ الصَّدَقَةُ؟ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا جَرَى؛ فَقَالَ: لَا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا عَلَيْهِمْ الطَّلَبَ ثَانِيَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا إلَّا وَيُعْطِيهِ الْآنَ فَجُمِعَتْ الصَّدَقَةُ وَجُعِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَفَرَّقَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَرْكَبِ فَطَابَ الْوَقْتُ وَهَدَأَ الْبَحْرُ وَجَاءَتْ الرِّيحُ الْمُوَافِقَةُ فَلَمْ تَزَلْ مُسْتَمِرَّةً حَتَّى وَصَلْنَا إلَى الْمَقْصِدِ سَالِمِينَ وَسَبَبُ ذَلِكَ بَرَكَةُ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَالِاهْتِدَاءُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَشَايِخِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ رَحْمَةً عَامَّةً لِلْعَامِلِينَ، وَالْكُلُّ مُتَوَسِّلُونَ بِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ وَرَأْيِهِمْ وَنَظَرِهِمْ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي أَرَادَهَا أَوْ طَلَعَ إلَى بَلْدَةٍ يُرِيدُ الْبَيْعَ فِيهَا أَوْ الشِّرَاءَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُقِيمُ بِهَا فَيَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَبْدَأَ بِبَيْتِ رَبِّهِ فَيُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ وَبِهَا قِوَامُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَصَلَتْ لَهُ خِصَالٌ حَمِيدَةٌ: مِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ إلَى بَلَدٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وَمِنْهَا مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ زِيَارَةِ بَيْتِ رَبِّهِ.
وَمِنْهَا الصَّلَاةُ فِيهِ.
وَمِنْهَا عَدَمُ الِاسْتِشْرَافِ لِلْأَسْوَاقِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ فِي نُصْحِهِ لِنَفْسِهِ وَسَلَامَتِهَا وَنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَبِيعُهُ لَهُمْ وَيَشْتَرِيهِ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ الَّتِي يَبِيعُهَا لَهُمْ فِيهَا عَيْبٌ مَا فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّنَهُ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ التَّفْصِيلَةُ قَصِيرَةً أَوْ فِيهَا أَرْشٌ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ وَتَرْكُهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ، وَقَدْ قَالَ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
стр. 993
فَإِنْ هُوَ غَشَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَقَدْ دَخَلَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي تَبَرَّأَ مِنْهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْ الْغِشِّ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقُمَاشُ عِنْدَهُ مُخْتَلِفَ الْحَالِ فَبَعْضُهُ جَيِّدٌ وَبَعْضُهُ رَدِيءٌ فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْجَيِّدَ فَيَعْرِضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا تَعَاقَدَا عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ خِرْقَةٍ مِنْهَا أَخْرَجَ الْبَائِعُ الْجَيِّدَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِخْرَاجِ الرَّدِيءِ لِيَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الرَّدِيءَ بِمِثْلِ ثَمَنِ الْجَيِّدِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالْحُسْنِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ غِشٌّ وَإِذْ كَانَ غِشًّا؛ فَتَمْتَحِقُ الْبَرَكَةُ مِنْ الْمَالِ بِسَبَبِهِ، وَالتَّاجِرُ قَدْ تَعِبَ فِي السَّفَرِ وَخَاطَرَ وَفَارَقَ أَهْلَهُ لِلْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِتَنْمِيَةِ الْمَالِ وَإِصْلَاحِهِ فَيَقَعُ لَهُ الْعَكْسُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْلِطُ الطَّيِّبَ بِالرَّدِيءِ فَإِذَا جَاءَ الْمُشْتَرِي وَكَرِهَ مَا دَفَعَهُ لَهُ مِنْ الرَّدِيءِ يُكَابِرُهُ فِيهِ وَيَقُولُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: هُوَ مِثْلُ الْجَيِّدِ أَوْ يُقَارِبُهُ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ بَلْ النَّصِيحَةُ تُوجِبُ أَنْ يَبِيعَ الْجَيِّدَ وَحْدَهُ وَالرَّدِيءَ وَحْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا رَدِيءٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَكَتَ عَلَيْهِ ظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْ الْعَالِ أَوْ الْوَسَطِ، وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْلِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ وَذَلِكَ طَرِيقُ السَّلَامَةِ لِمَنْ أَرَادَهَا.
أَمَّا لَوْ خَلَطَ الْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ وَبَاعَهُ بِسِعْرِ الرَّدِيءِ فَهَذَا جَائِزٌ إذَا كَانَ الْمَالُ لَهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْهِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِ وَكِيلًا أَوْ كَانَ الْمَالُ لِيَتِيمٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَصْلًا وَمَا التَّوْفِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ.
[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ أَنْ لَا يُنْقِصَ الْبَائِعَ مِنْهُ شَيْئًا]
(فَصْلٌ)
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ أَنْ لَا يُنْقِصَ الْبَائِعَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ نَقَصَهُ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ تَعَمَّرَتْ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ وَغَالِبُ أَحْوَالِ النَّاسِ الْمُشَاحَّةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِذَا نَقَصَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْبَائِعِ الرِّضَا فَالْغَالِبُ عَدَمُ رِضَاهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ
стр. 994
الْعَوَائِدِ وَمِنْ رَغْبَةِ النُّفُوسِ فِي أَخْذِهَا جَمِيعَ حَقِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا ذُلُّ السُّؤَالِ فِي أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ كَافِيًا فِي الذَّمِّ فَكَيْفَ وَقَدْ جَمَعَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِشْرَافَ النَّفْسِ وَالشَّرَهَ سِيَّمَا إنْ كَانَ غَنِيًّا وَالْبَائِعُ فَقِيرًا فَذَلِكَ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ وَكِيلًا لِلْغَيْرِ أَوْ وَلِيًّا أَوْ وَصِيًّا لِيَتِيمٍ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا الذَّمُّ إنَّمَا هُوَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ وَعَقْدِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا حَرَجَ فِي الْمُسَاوَمَةِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَاكِسُوا الْبَاعَةَ فَإِنَّ فِيهِمْ الْأَرْذَلِينَ» وَسَوَاءٌ كَانَا غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ غَالِبًا (فَصْلٌ)
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْأَلُ الْبَائِعَ أَنْ يُنْقِصَ عَنْهُ وَلَكِنْ يَسْأَلُهُ التَّأْخِيرَ مَعَ كَوْنِ الْبَيْعِ وَقَعَ عَلَى الْحُلُولِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَعْنِي فِي نُقْصَانِ الثَّمَنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْأَلُهُ نُقْصَانَ الثَّمَنِ، وَلَا التَّأْخِيرَ وَلَكِنْ يُمَاطِلُهُ بِقَوْلِهِ: غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ وَغُدْوَةً وَعَشِيَّةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِمْ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ ﵊ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إعْطَاءِ الثَّمَنِ كُلِّهِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ إنَّهُ يَقْطَعُهُ عَلَى صَاحِبِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً وَهَذَا مُلْتَحِقٌ بِمَا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَطْلِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَأْخِيرِ بَعْضِهِ كَمَا يَتَضَرَّرُ بِتَأْخِيرِ كُلِّهِ غَالِبًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ الثَّمَنَ عَلَى مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْجَرَ الْبَائِعُ مِنْ كَثْرَةِ التَّرَدُّدِ إلَيْهِ سِيَّمَا إنْ كَانَ غَرِيبًا يَقْصِدُ السَّفَرَ فَيَفْعَلُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ مَعَهُ حَتَّى يُضْطَرَّ إلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْهُ وَيَذْهَبَ لِشَأْنِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّأْجِيلِ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ الْمُعَيَّنُ بَيْنَهُمَا صَارَ الْحُكْمُ فِي
стр. 995
ذَلِكَ حُكْمَ الْحَالِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[فَصْلٌ صِفَةِ السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْبَزُّ]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مِثْلَ الْحَرِيرِ وَالْبَزِّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يُقَلِّبُهُ عَلَى مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْبَزُّ مِنْ كَوْنِهِمْ يَشْتَرُونَهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ وَقْتُ الْغَلَسِ لِتَحْسُنَ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لِتِلْكَ السِّلْعَةِ يُقَلِّبُهَا فِي الشَّمْسِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا لَوَقَفَ بِذَلِكَ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّمِّ.
[فَصْلٌ كَثْرَةِ الْأَيْمَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَيْمَانِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» هَذَا إذَا كَانَ حَلِفُهُ عَلَى حَقٍّ وَهُوَ مَذْمُومٌ كَمَا تَرَى فَكَيْفَ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَحْلِفُونَ عَلَى تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ وَقَدْ تَكُونُ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفُوا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ إذْ إنَّهَا لِأَجْلِ تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ وَتَزْيِينِهَا فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي وَتَغْبِيطِهِ بِهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَذْمُومٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَغِّبُ الْمُشْتَرِيَ فِي سِلْعَتِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهَا الَّذِي أَتَيْت بِهَا مِنْهُ كَذَا وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِيهِ أَوْ قَلِيلَةٌ وَأَنَّهَا تُسَاوِي مِنْ الثَّمَنِ الْعَالِي فِي مَوْضِعِهَا كَذَا وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِالْجَهْدِ وَالْمُحَابَاةِ حَتَّى بَاعَهَا لِي. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الَّتِي لَا يَنْحَصِرُ تَفْصِيلُهَا.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ لِوُقُوعِهِ فِي النَّهْيِ الصَّرِيحِ.
لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ، وَلَا بِالْعَتَاقِ فَإِنَّهَا أَيْمَانُ الْفُسَّاقِ» فَيَدْخُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْتَ عُمُومِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَمْتَحِقُ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ امْتَحَقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ غَالِبًا؛ وَلِأَجْلِ هَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ
стр. 996
كَأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ وَأُمَنَاءُ فِي أَمْوَالِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ السَّبِيلَ إلَى الصَّرْفِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِطَاعَةِ رَبِّهِمْ فِي الْغَالِبِ بَلْ هُمْ خَزَنَةٌ لِغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧] قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: خَزَائِنُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ أَيْدِي خَلْقِهِ. فَإِذَا كَانَ خِزَانَةً لِغَيْرِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ مِثْلَ الصَّانِعِ وَالْأَجِيرِ وَالْوَارِثِ أَعْنِي فِي أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ وَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لِهَؤُلَاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ طَوْعًا أَمْ كَرْهًا وَعَلَامَةُ كَوْنِ الْمَالِ لِلشَّخْصِ تَسْلِيطُهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ وَقَعَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ فَانْتَفَعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَانْتَفَعَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مَعَ الذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالْبَرَكَةِ فِيمَا بَقِيَ.
[فَصْلٌ فِي التاجر تَكُونَ السِّلَعُ فِي الْخَيْشِ فَيَشْتَرِيَهَا بِخَيْشِهَا]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ السِّلَعُ فِي الْخَيْشِ فَيَشْتَرِيَهَا بِخَيْشِهَا وَيَحْسُبُ عَلَى الْخَيْشَةِ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً يَذْكُرُهَا لِلْبَائِعِ وَالْخَيْشَةُ دُونَ ذَلِكَ الْوَزْنِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ الْبَائِعِ إنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ فَيُضْطَرَّ الْبَائِعُ إلَى مُوَافَقَتِهِ لِئَلَّا تَبُورَ سِلْعَتُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَوَاطُئِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ التُّجَّارِ مِمَّنْ يُرِيدُ شِرَاءَ تِلْكَ السِّلَعِ.
مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُ الْخَيْشَةِ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: إنَّمَا أَحْسُبُهَا عِشْرِينَ رِطْلًا، فَإِذَا بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ مِنْ الْفُلْفُلِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لِزِيَادَتِهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ زَائِدًا عَلَى وَزْنِ الْخَيْشَةِ.
[فَصْلٌ التاجر إذَا أَعْجَبَتْهُ السِّلْعَةُ أَوْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ]
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَعْجَبَتْهُ السِّلْعَةُ أَوْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ يُقَبِّحُهَا فِي عَيْنِ الْبَائِعِ وَيَذْكُرُ لَهُ عُيُوبًا لِيَبْخَسَهَا عِنْدَهُ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَعَ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يُنَفِّرَ الْمُشْتَرِيَ عَنْهَا فَيَجِدَ السَّبِيلَ إلَى شِرَائِهَا مِنْ الْبَائِعِ بِمَا يَخْتَارُ مِنْ الثَّمَنِ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّحَيُّلِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 997
فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ سِلْعَةٌ يُشِيعُ بِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَأَنَّهَا عِنْدَهُ وَقَدْ طُلِبَتْ مِنْهُ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَيَشْكُرُهَا وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ أَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ بَلْ بَعْضُهَا مُحَرَّمٌ أَمَّا الْمُحَرَّمُ فَقَوْلُهُ: إنَّهَا مَعْدُومَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
وَالثَّانِي - الْكَذِبُ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ طُلِبَتْ مِنْهُ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهَا بِهِ وَهَذَا كَذِبٌ ثَانٍ إذْ أَخْبَرَ بِخِلَافِ مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ - شُكْرُهُ لَهَا إنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ فَهُوَ كَذِبٌ ثَالِثٌ وَإِنْ كَانَتْ كَمَا ذَكَرَ عَنْهَا فَهُوَ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ اسْتِشْرَافِ النَّفْسِ بِالرَّغْبَةِ فِيهَا وَالتَّغْبِيطِ بِشَأْنِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ﵃.
وَالرَّابِعُ - حَلِفُهُ أَنَّهَا عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْحُسْنِ وَالْجَوْدَةِ وَهَذَا يَدُورُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْكَرَاهَةُ. وَالْآخَرُ: التَّحْرِيمُ.
أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ.
[فَصْلٌ قُعُود التاجر فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَيُقَلِّبُ السِّلَعَ عَلَى مَنْ يُرِيد شرائها]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَيُقَلِّبُ السِّلَعَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُظْهِرَ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ وَكَانَتْ عَلَى خِلَافِهِ بِسَبَبِ ظَلَامِ الْمَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَفْتَحُ الْمَوْضِعَ إلَّا آخِرَ النَّهَارِ لِيَقِلَّ الضَّوْءُ فَيَحْسُنَ الْقُمَاشُ فِي عَيْنِ مُشْتَرِيهِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ سِلْعَةً وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَهَا مَنَعَهُ غِلْمَانُ الْبَائِعِ مِنْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ بِهِبَهِتِمْ وَبَائِعُ السِّلَعِ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَذْمُومٌ فِي الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ تَوْقِيعًا مِمَّنْ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ يُسَامِحُ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَظَالِمِ الَّتِي
стр. 998
فِيهَا عَلَى الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي أَخْذِهِمْ مِنْ التُّجَّارِ عَلَى كُلِّ حِمْلٍ مِنْ كَذَا، وَكَذَا كَذَا، وَكَذَا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ بِيَدِهِ ذَلِكَ التَّوْقِيعُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ السَّفَرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَبِيعُ ذَلِكَ التَّوْقِيعَ لِغَيْرِهِ مِنْ التُّجَّارِ بِدُونِ مَا يُلْزِمُونَ التَّاجِرَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ التِّجَارَةِ.
وَهَذَا الْفِعْلُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا مَعًا أَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ بَاعَ التَّوْقِيعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ وَالظَّلَمَةُ سَوَاءً.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَلِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الظُّلْمِ مُحَرَّمَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِمَنْ يُرِيدُ أَخْذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ إلَّا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْإِكْرَاهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَالْإِكْرَاهُ هُنَا مَعْدُومٌ أَلْبَتَّةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ظُلْمًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ التَّوْقِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهَذَا مَعْرُوفٌ صَنَعَهُ مَعَهُ وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَوَّضَ عَنْ فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ هَدِيَّةً، وَلَا يُرْسِلُ مَعَهُ مَالًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَيْئًا أَوْ يُرْسِلُ مَعَهُ مَا يَبِيعُهُ لَهُ أَوْ يُقْتَرَضُ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَابَاةِ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلَا يَبْعُدُ فِي حَقِّ مَنْ بِيَدِهِ التَّوْقِيعُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ لِمَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّفْقِ مِنْ التُّجَّارِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ الظُّلْمَ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْخَذُ فِيهَا الظُّلْمُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا زَكَاةٌ]
(فَصْلٌ)
وَمِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّوْقِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْخَذُ فِيهَا الظُّلْمُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا زَكَاةٌ وَيَكْتُبُونَ لَهُ وُصُولًا بِتَارِيخِ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ فِيهِ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا لِمُدَّةٍ تَقْرُبُ مِنْ السَّنَةِ الْآتِيَةِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى بَعْضِ مَنْ بِيَدِهِ الْوُصُولُ الْحَرَكَةُ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَيْعِ التَّوْقِيعِ مِنْ غَيْرِهِ فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ يُعْطَى عَلَيْهِ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ الظُّلْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي عِنْدَهُمْ اسْمٌ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنْعِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَلْيَحْذَرْ
стр. 999
مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ جَعَلَ الْفُلْفُلَ الَّذِي يُرِيدُونَ بَيْعَهُ فِي مَوْضِعٍ نَدِيٍّ]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْفُلْفُلَ الَّذِي يُرِيدُونَ بَيْعَهُ فِي مَوْضِعٍ نَدِيٍّ لِيَثْقُلَ بِذَلِكَ فِي الْوَزْنِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْبَضَائِعِ الَّتِي تَقْبَلُ النَّدَاوَةَ لِتَزِيدَ فِي الْوَزْنِ وَهَذَا مِنْ الْغِشِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ بَلْ لَوْ نَدَّى وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عِنْدَ بَيْعِهِ وَإِنْ خَفَّ وَرَجَعَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْيُبْسِ فَمَا بَالُك بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ هُوَ بِهِ، وَهَذَا وَمَا شَابَهَهُ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ مُمْحِقٌ لِلْمَالِ مُدْخِلٌ لِصَاحِبِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ابْتَلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا لَهُ صَمْغٌ كَالْعِلْكِ وَاللِّبَانِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَيَبْقَى كَالْحِجَارَةِ لِتَصَمُّغِهِ بِالْبَلَلِ فَيَكْسِرُونَهَا وَيَخْلِطُونَ مَعَهَا السَّالِمَ مِنْ الْبَلَلِ وَيَبِيعُونَ ذَلِكَ، وَلَا يُبَيِّنُونَ مَا أَصَابَهُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا إذْ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَشْتَرِهِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَتَرْكُهُ غِشٌّ وَهُوَ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا يَبِسَ عِنْدَهُ التَّمْرُ الْهِنْدِيُّ عَجَنَهُ بِالْقُطَارَةِ حَتَّى يَبْقَى كَأَنَّهُ طَرِيٌّ وَهَذَا غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
[فَصْلٌ جَمَعَ مَعَ الْكِرَاءِ مَا يُلْزِمُونَهُ مِنْ الْبَاطِلِ]
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى عَلَى حَمْلِ مَتَاعِهِ فِي الْمَرْكَبِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَفْعَلُ مَعَ ذَلِكَ فِعْلًا لَا يَسُوغُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجْمَعُ مَعَ الْكِرَاءِ مَا يُلْزِمُونَهُ مِنْ الْبَاطِلِ فِي طَرِيقِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ وَالْجَهَالَةُ هَاهُنَا مَقْطُوعٌ بِهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ فِي شِرَاءِ التَّوْقِيعِ الَّذِي بِيَدِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
стр. 1000
فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ التُّجَّارِ الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي الْقُمَاشِ الإسكندراني وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ الْمُقَطَّعَ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ بِالدَّرَاهِمِ الْوَرَقِ ثُمَّ يُعْطُونَهُ الدَّرَاهِمَ النَّقْرَةَ عِوَضًا عَنْهَا فَيَحْسُبُهَا عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ دِرْهَمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا غَصْبٌ ثُمَّ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنْقِصُونَ الْقُمَاشَ حِينَ يَقِيسُونَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِصًا فَيَقُولُونَ: نَقَصَ كَذَا وَكَذَا؛ فَيُنْقِصُونَ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهَذَا غَصْبٌ ثَانٍ. ثُمَّ يَضُمُّونَ إلَيْهِمَا وَجْهًا ثَالِثًا مِنْ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُقَطَّعٍ خَامٍ اشْتَرَوْهُ دِرْهَمَيْنِ عَلَى اسْمِ الْغِلْمَانِ وَهَذَا غَصْبٌ ثَالِثٌ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ.
، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الْقُمَاشَ الْخَامَ الْأَبْيَضَ مِنْ بِلَادٍ مُخْتَلِفَةٍ بِمَا يُشْبِهُ قُمَاشَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة ثُمَّ يُقَصِّرُونَهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ إسْكَنْدَرَانِيٌّ وَهَذَا غِشٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَمْ يُعْطِ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا دُونَ مَا أَعْطَاهُ أَوَّلًا.
، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ الزَّبَادَ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّدْلِيسِ فِي الْمِسْكِ، وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ حَتَّى لَقَدْ اشْتَرَى بَعْضُ النَّاسِ مِسْكًا بِمِئِينَ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ سَاوَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا وَهَذَا لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ خَلْطِهِمْ الْمِسْكَ الْبُدَاوِيَّ بِالْعِرَاقِيِّ الطِّيبِ وَمَا شَابَهَهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الطِّيبِ وَذَلِكَ غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْبُدَاوِيُّ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ كُفَّارِ الْهِنْدِ مِنْ نَثْرِهِمْ الْمِسْكَ عَلَى أَصْنَامِهِمْ وَيُسَمُّونَهُ بِالْبُدَاوِيِّ فَيَأْخُذُونَ مَا نَثَرُوا عَلَيْهَا مِنْ الْمِسْكِ وَيَخْلِطُونَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ طِيبٌ كُلُّهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1001
فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَعَامَلُونَ بِالْفِضَّةِ فِي بَلَدٍ فَيَبْقَى لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ شَيْءٌ فَيَقْبِضُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَالسِّكَّةُ مُخْتَلِفَةٌ وَذَلِكَ رِبًا؛ لِأَنَّ الْأَقَالِيمَ وَالْبِلَادَ تَخْتَلِفُ فِي ضَرْبِ السِّكَّةِ وَفِي الْغِشِّ بِالنُّحَاسِ وَعَدَمِ الْغِشِّ بِهِ فَتُوجَدُ هَذِهِ السِّكَّةُ فِي بَلَدٍ دُونَ أُخْرَى وَإِنْ وُجِدَتْ فَتُؤْخَذُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ دَرَاهِمَ الْمَغْرِبِ لَيْسَتْ كَدَرَاهِمِ إفْرِيقِيَّةَ وَلَيْسَتْ دَرَاهِمُ إفْرِيقِيَّةَ كَدَرَاهِمِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَلَيْسَتْ دَرَاهِمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة كَدَرَاهِم الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ وَسِكَكِهَا فَإِذَا بَقِيَ لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ شَيْءٌ فَيَقْبِضُهُ فِي مَوْضِعٍ وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْفِضَّةُ بِعَيْنِهَا بَلْ غَيْرُهَا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّفَاضُلُ وَالْجَهَالَةُ وَالْوُقُوعُ فِي الرِّبَا الْمَنْصُوصُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا» . وَلَا يَدْخُلُ هَاهُنَا مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ جَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ صَرْفَ مَا فِي الذِّمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ مِثْلَ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا صَرْفُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ حُضُورِهِمَا أَعْنِي الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ بِشَرْطِ اتِّفَاقِ السِّكَّتَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُعْطَى مَنْ بَقِيَتْ لَهُ دَرَاهِمُ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ بِأَنْ يَأْخُذَ عَنْهَا ذَهَبًا بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي الذَّهَبَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْفِضَّةَ فِيهِ ثُمَّ يَصْرِفُ الذَّهَبَ لِنَفْسِهِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ إنْ شَاءَ فَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُخَلِّصُ مِنْ الرِّبَا وَغَيْرِهِ بِمَا لَا شَكَّ فِيهِ إذْ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إذْ الْمُمَاثَلَةُ لَا تُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُخَالَفَاتِ أَعْظَمُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الرِّبَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ فَاعِلَهُ بِالْحَرْبِ مِنْهُ وَمِنْ رَسُولِهِ ﷺ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ
стр. 1002
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ الظُّلْمِ يَحْسُبُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ غَصْبٌ لَهُمْ وَالْغَصْبُ فِيهِ مَا فِيهِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَنِيًّا فَكَيْفَ بِهِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ الْمُضْطَرِّ الْمُحْتَاجِ إلَى ذَلِكَ؟ ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَبَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الدِّينِ مِنْهُمْ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا وَلَكِنْ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى تَسْمِيَةِ أَنَّهُ زَكَاةٌ يَحْسُبُهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا وَهُوَ غَصْبٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا مِثْلُ مَجِيءِ السَّاعِي وَتَمَامِ الْحَوْلِ وَإِسْقَاطِ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ عَنْهُ وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى تَسْمِيَةِ أَنَّهُ زَكَاةٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ إذْ إنَّهُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ فِي بَلَدِ قُوصَ مَثَلًا ثُمَّ فِي بَلَدِ أَخْمِيمَ ثُمَّ فِي مِصْرَ ثُمَّ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَوْلٍ وَبِغَيْرِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا تُجْزِيهِ وَإِنْ سُمِّيَتْ زَكَاةً قَالَ مَالِكٌ ﵀: بِالْمَعَانِي اُسْتُعْبِدْنَا لَا بِالْأَلْفَاظِ؛ فَكَوْنُهُمْ يُسَمُّونَهَا زَكَاةً لَا عِبْرَةَ بِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا شَرْعًا فَهَذِهِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا هَلْ تُجْزِيهِ إنْ أَعْطَاهَا لَهُمْ أَوْ لَا تُجْزِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصْرِفُوهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ إعْطَاءَهَا لِأَرْبَابِهَا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ ﵃ عَلَى الضِّدِّ مِنْ هَذَا الْحَالِ كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ جُزْءًا يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُمْ يُخْرِجُونَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُونَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ مَعَ وُجُودِ الْوَرَعِ مِنْ أَكْثَرِهِمْ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ بِالْعِرَاقِ وَكَانَ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ
стр. 1003
وَالْمُنْقَطِعِينَ قُوتُهُمْ مِنْ تَسَبُّبِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَكِيلُهُ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْحَرِيرَ قَدْ طُلِبَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ عِنْدَك شَيْءٌ فَابْعَثْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك شَيْءٌ فَاشْتَرِ وَابْعَثْ فَلَمَّا أَنْ بَلَغَهُ الْكِتَابُ اشْتَرَى حَرِيرًا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: ابْتَعْت الْحَرِيرَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَمْ أُعَرِّفْهُ أَنَّهُ قَدْ طُلِبَ بِبِلَادِ السُّوسِ وَلَعَلَّهُ لَوْ عَرَفَ مَا بَاعَ لِي فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّوْمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لِصَاحِبِ الْحَرِيرِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ مَضَى إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ الْحَرِيرَ قَدْ طُلِبَ بِبِلَادِ السُّوسِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: بَلَى قَدْ كَتَبَ إلَيَّ وَكِيلِي بِذَلِكَ أَفَتَرَى الْآنَ تَبِيعُهُ لِي؟ قَالَ: لَا؛ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَبَاعَهُ بِضِعْفِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا الْحَالِ كَانَ تَسَبُّبُهُ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي مَالِي دِرْهَمًا وَاحِدًا حَلَالًا.
هَذَا حَالُ الْقَوْمِ عَكْسُ مَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَغْمُوسًا فِي الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْلِفُ أَنَّ مَا فِي مَالِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا حَرَامًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى انْعِكَاسِ الْحَقَائِقِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَزَهْوِهَا بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَمْحَقُ الْبَرَكَاتِ وَيَأْتِي بِالسَّيِّئَاتِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي يَقْعُدُ فِيهَا فِي الْبِلَادِ لِأَجْلِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ مُجَالَسَةَ عُلَمَاءِ الْوَقْتِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ الْمُنْقَطِعِينَ إلَى رَبِّهِمْ ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِهَؤُلَاءِ هِيَ التِّجَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لَا يَفْنَى رِبْحُهَا بَلْ يَبْقَى ذَلِكَ مُتَجَدِّدًا طُولَ عُمْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ مِثْلُهُ مَعْدُومٌ فِي أُفُقِهِ أَوْ بَلَدِهِ إذْ إنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَرَكَتَهَا عَامٌّ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ لَكِنْ قَدْ يُوجَدُونَ فِي إقْلِيمٍ دُونَ آخَرَ وَقَدْ يَقِلُّونَ فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا أَنْ يَغْتَنِمَ التَّبَرُّكَ بِهِمْ فِي كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهَا لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَكَتُهُمْ عَلَى يَقِينٍ وَيَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِغْضَاءِ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ فِي التَّأْوِيلِ لَهُمْ فَهُوَ الْمُخْلِصُ لِاعْتِقَادِهِ حَتَّى لَا يَشُوبَهُ شَيْءٌ غَيْرُ مَا هُوَ قَاصِدُهُ لَكِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ وَهُوَ أَنْ
стр. 1004
لَا يُخَالِفَ السُّنَّةَ فَإِنْ خَالَفَهَا فَالْفِرَارُ الْفِرَارُ وَتَرْكُ رُؤْيَةِ مَنْ يَقَعُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ مُتَعَيِّنٌ
[فَصَلِّ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ]
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ قَدَرَ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّقْدِ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا يَبِيعُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِهِ يَئُولُ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ فِي الْغَالِبِ وَالْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَاجِزًا مَنِيعًا وَلَيْسَ ثَمَّ أَمْنَعُ مِنْ تَرْكِ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ تَحَقَّقَ صَلَاحُ الشَّخْصِ وَحَاجَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذْ إنَّ فِيهِ إعَانَةً لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَتَفْرِيجًا عَنْهُ وَمَنْ كَانَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ.
(فَصْلٌ)
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا أَنْ لَا يُعْطِيَ فِي الثَّمَنِ دَرَاهِمَ زَائِفَةً، وَلَا نَاقِصَةً بَلْ جَيِّدَةً وَيُرَجِّحَ لَهُ فِي الْوَزْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ وَهُوَ عَدَمُ التَّوْفِيَةِ بِحَقِّهِ وَإِذَا بَاعَ وَوَزَنَ لِنَفْسِهِ يَأْخُذُ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَلَوْ بِحَبَّةٍ لِلْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَتْ لَهُ مُطَالَبَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ أَنْ لَا يُبَكِّرَ لَهُ مِنْ غُدْوَةِ النَّهَارِ يُطَالِبُهُ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى آخِرِ النَّهَارِ فَهُوَ أَنْجَحُ إذْ إنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ وَاشْتَرَى وَحَصَلَ لَهُ شَيْءٌ فِي دُكَّانِهِ فَيُعْطِيهِ وَهَذَا عَوْنٌ مِنْهُ لِأَخِيهِ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.
[فَصْلٌ لَا يُكْثِرَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي السُّوقِ]
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي السُّوقِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّوقَ مَحَلُّ عَامَّةِ النَّاسِ غَالِبًا مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَمَحَلُّ الشَّيَاطِينِ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ ذَلِكَ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرْجُوعًا إلَيْهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ فَجُلُوسُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ رَحْمَةٌ بِأَهْلِ السُّوقِ سِيَّمَا فِي حَقِّ مَعَارِفِهِ وَإِخْوَانِهِ إذْ بِسَبَبِ جُلُوسِهِ فِي السُّوقِ تَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَقَدْ يَكُونُ أَهْلُ السُّوقِ أَوْ بَعْضُهُمْ غَافِلِينَ عَنْهَا فَيَنْتَبِهُونَ إلَيْهَا بِسَبَبِهِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي بَلَدٍ فَلْيُخْرِجْهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ سِلْعَةٌ فِي بِلَادٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي هِيَ فِيهَا
стр. 1005
حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَغَلَاءٍ يَقَعُ فِي مَوْضِعٍ فَتَزِيدُ حَاجَتُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ النَّقْلُ إلَيْهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيُمْنَعُ مِنْ نَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَصْبٌ لِمَا اسْتَحَقَّهُ فُقَرَاءُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَهُمْ شُرَكَاءُ لَهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي وَجَبَ لَهُمْ فِيهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ فِي بَلَدِهِ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى إخْوَانِهِ وَمَعَارِفِهِ وَيُوَدِّعُهُمْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إذَا عَزَمَ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلْيَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ إذَا رجع الْمُسَافِر إلَى بَلَدِهِ]
(فَصْلٌ)
فَإِذَا وَصَلَ إلَى بَلَدِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يُخْبِرُ أَهْلَهُ بِقُدُومِهِ لِيَأْخُذُوا الْأُهْبَةَ لِلِقَائِهِ. لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا وَالطُّرُوقُ هُوَ الْإِتْيَانُ لَيْلًا.
وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ مَنْ يَأْتِي عَلَى غَفْلَةٍ وَعَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ.
ثُمَّ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إذَا دَخَلَ إلَى بَلَدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ زِيَارَةَ بَيْتِ رَبِّهِ فَيُحَيِّيهِ بِرَكْعَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ مِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وَكَفَى بِهَا بَرَكَةً وَمِنْهَا أَنَّ أَصْحَابَهُ وَمَعَارِفَهُ مُخَاطَبُونَ بِأَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَلِلتَّهْنِئَةِ بِالسَّلَامَةِ فَإِذَا وَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ تَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، وَلَا وُقُوفٍ وَانْتِظَارٍ بِخِلَافِ الْبَيْتِ. وَمِنْهَا أَنَّ فِي بُطْئِهِ عَنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةً أُخْرَى لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَدْهُنَ. وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَهُ يُرِيدُونَ حِينَ لِقَائِهِ التَّمَتُّعَ بِرُؤْيَتِهِ وَالْجُلُوسَ مَعَهُ وَالْحَدِيثَ فَإِنْ هُوَ بَدَأَ بِأَهْلِهِ قَبْلَ الْمَسْجِدِ جَاءَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَطَعُوا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِمَا هُوَ مُتَمَحِّضٌ لِلَّهِ آكَدُ عَلَى الْمَرْءِ مِمَّا هُوَ مَشُوبٌ غَالِبًا بِحَظِّ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِلَّهِ .
وَمِنْهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تُرِيدُ إسْرَاعَ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ
стр. 1006
فَيُخَالِفُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ بِالْإِبْطَاءِ عَمَّا تُحِبُّهُ وَتَشْتَهِيهِ وَلَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِأَمْرِهِ ﵊ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ الْحُكْمَ بِفِعْلِهِ وَبِقَوْلِهِ وَهُوَ أَنَّ سُرْعَةَ الْأَوْبَةِ تَكُونُ بَعْدَ زِيَارَةِ الْمَرْءِ بَيْتَ رَبِّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَطَّارُ مِنْ تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالْآدَابِ]
قَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ تَاجِرِ الْبَزِّ مَا تَقَدَّمَ فَفِي الْعَطَّارِ مِثْلُهُ أَعْنِي فِي بَيْعِهِ السِّلَعَ الَّتِي فِي دُكَّانِهِ فَيَجْتَنِبُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ بِبَيَانِهَا لِلْمُشْتَرِي حِينَ شِرَائِهَا مِنْهُ.
ثُمَّ إنَّ الْعَطَّارَ لَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ أَحَدِ قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْكَارِمِ. أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَا غَيْرَهُ إذْ إنَّ أَكْثَرَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُحَاوَلَةِ مَا هُوَ يُحَاوِلُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْعَطَّارِينَ الضُّعَفَاءِ إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّبَادِ أُوقِيَّةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ مِنْ الْمِسْكِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِحَسَبِ حَالِ تِلْكَ السِّلْعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى شِرَائِهَا مِنْ الْكَارِمِ فِي الْغَالِبِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
مِثَالُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمِسْكِ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مِنْ الزَّبَادِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ السِّلَعِ فَيَبِيعُهُ هُوَ فِي دُكَّانِهِ بِالْخَمْسَةِ دَرَاهِمِ وَالْعَشَرَةِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ فَهَذَا الْفِعْلُ يَكُونُ مُعِينًا فِيهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِ هَذَا الْعَبْدِ بِسَبَبِ إعَانَتِهِ الْوَاحِدَ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ عَلَى قَدْرِ قِلَّتِهَا أَوْ كَثْرَتِهَا، وَبِذَلِكَ تَكْثُرُ الْحَسَنَاتُ وَيَزِيدُ الثَّوَابُ فَمَا بَالُك بِإِعَانَتِهِ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَنِمَ مَا سِيقَ لَهُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ
стр. 1007
فَيُصَحِّحَ نِيَّتَهُ وَيُجَرِّدَهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَيُخَلِّصَهَا مِنْ دَنَسِ مَا تَتَعَلَّلُ بِهِ النُّفُوسُ مِنْ تَحْصِيلِ الدُّنْيَا وَكَثْرَتِهَا وَطَلَبِ الرِّزْقِ وَالزِّيَادَةِ مِنْهُ إذْ إنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ وَقَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ.
لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْبَاحَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالرِّزْقُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ. وَيَعْمَلُ عَلَى التَّخْلِيصِ مِنْ هَذِهِ الدَّنَاءَةِ وَيَرْجِعُ إلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ رَبِّهِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُتَطَوِّعِ بِهِمَا وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ إذْ إنَّهَا كُلَّهَا أَعْمَالٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّهِ وَيَزِيدُ بِسَبَبِهَا فَضِيلَةً فَإِنَّهُ خَيْرٌ مُتَعَدٍّ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي أَرْجَحُ مِمَّا هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى هَذَا يَنْجَحُ سَعْيُهُ وَيَظْفَرُ بِمُرَادِهِ سِيَّمَا عِنْدَ انْكِشَافِ غُبَارِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى لَمَّا أَنْ عَدَّ ﵊ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ عَدَّ مِنْهَا تَقَارُبَ الزَّمَانِ وَقَدْ وَجَدْنَا الزَّمَانَ وَاحِدًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ سَلَفِنَا ﵃ لَمْ يَزِدْ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَنْقُصْ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ تَسَبُّبُهُمْ وَحَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ لِرَبِّهِمْ رَبِحُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ أَعْمَارَهُمْ إذْ إنَّ الْعُمْرَ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ إلَّا وُقُوعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِيهِ فَكَانُوا ﵃ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمَّا أَنْ كَانَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ كُلُّهَا لِرَبِّهِمْ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ، وَلَا لِلَّهْوِ فِيهَا مَطْمَعٌ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ وَآخَرُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ وَاتِّصَافًا بِرَسْمِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَرْفَعُهَا بِخِلَافِ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ إذْ إنَّ.
الْغَالِبَ عِنْدَنَا فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى تَصَرُّفِنَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا لِرَاحَةِ النُّفُوسِ أَوْ لِحُظُوظِهَا أَوْ لِاكْتِسَابِ الدُّنْيَا أَوْ الزِّيَادَةِ مِنْهَا.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هَيِّنًا لَيِّنًا فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ.
مَعَ وُجُودِ
стр. 1008
التَّحَفُّظِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْإِجْحَافِ بِهَا فِيمَا يُخِلُّ بِحَالِهَا فَإِذَا بَاعَ سَامَحَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِحَالِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى يُسَامِحُ الْبَائِعَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِهِ لِيَغْتَنِمَ بِذَلِكَ الدُّخُولَ فِي بَرَكَةِ دُعَائِهِ ﵊ حَيْثُ يَقُولُ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذَا بَاعَ سَمْحًا إذَا اشْتَرَى» وَلْيَحْذَرْ مِنْ اسْتِشْرَافِ النَّفْسِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ فَإِذَا أَتَى الْمُشْتَرِي إلَى دُكَّانِهِ فَحِينَئِذٍ يَبِيعُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَارًّا أَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ فَلْيَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إلَى جِهَتِهِ بَلْ حَتَّى يَقْصِدَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ فَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ حَرَامًا وَامْتَحَقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْلِطَ مَعَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ عَلَى مَا يُحَاوِلُونَهُ فِي بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَهُوَ مَذْمُومٌ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ﵃؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ لِتَعْظِيمِهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَانُوا يُحَافِظُونَ عَلَى امْتِثَالِ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﵊ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّ أَيْمَانَهُمْ إنَّمَا هِيَ لِلرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِجْلَابِهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ كَانَ ﵊ يَحْلِفُ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «وَاَللَّهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ عَنْهُ ﵊.
فَالْجَوَابُ أَنَّ يَمِينَهُ ﵊ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بَلْ هِيَ كُلُّهَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ وَالنَّدْبِ لِمَا شَرَعَهُ ﵊ وَإِذَا تَتَبَّعْت ذَلِكَ وَجَدْته كَذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ فَلْيَفْعَلْ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَسُدُّ بِذَلِكَ بَابَ النِّزَاعِ وَالْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ يُزِيلُ بِذَلِكَ
стр. 1009
عَنْ نَفْسِهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ الذُّلِّ بِسَبَبِ الدَّيْنِ الَّذِي يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَانَ فِي الْغَالِبِ تَجِدُ عَلَيْهِ أَثَرَ الذُّلِّ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْهُ ﵊ «الْمُؤْمِنُ لَا يُذِلُّ نَفْسَهُ» وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الدَّيْنَ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الدَّيْنِ وَيَكُونَ مِنْ يُدَايِنُهُ مُتَّصِفًا بِالسَّمَاحَةِ وَالدِّينِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ، وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ مِنْ قَدِيمِ الصُّحْبَةِ وَحُسْنِ الْمَوَدَّةِ فَإِنَّ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ دُنْيَاهُمْ وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الْمُسَامَحَةِ بِهَا فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِذَا دَفَعَ لِغَيْرِهِ أَرْجَحَ لَهُ وَإِذَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ فَلْيَأْخُذْ شَحِيحًا لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ. فَكَذَلِكَ فِي وَزْنِ السِّلَعِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ السِّلَعُ عِنْدَهُ مَحْفُوظَةً لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا تَسْتَقْذِرُهُ النُّفُوسُ.
مِثَالُهُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ مَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ الْيَابِسَةِ مَكْشُوفًا فَتَبُولُ فِيهِ الْفَأْرَةُ فَيَتَنَجَّسُ بَعْضُهُ بِذَلِكَ وَيُسْتَقْذَرُ بَاقِيهِ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُبَيِّنْ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ دَخَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْغِشِّ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَ الْعَطَّارُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ فِيمَا يُحَاوِلُهُ فَيَجْعَلُهَا لِرَبِّهِ . وَكَيْفِيَّتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ قَبْلَهُ وَهُوَ أَنْ يُيَسِّرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا فَيُيَسِّرُهَا لَهُمْ قَرِيبَةً مِنْ مَوَاضِعِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِ بَعْضِهِمْ إلَى مَوْضِعِ الْعَطَّارِينَ الْكِبَارِ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي الْأُوقِيَّةَ وَنِصْفَ الْأُوقِيَّةِ وَالرُّبْعَ وَالثُّمُنَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْعَطَّارُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا بِشِرَائِهِ مِنْهُ مُيَسِّرًا عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ دُكَّانُهُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْ الْعَطَّارِينَ الْكِبَارِ فَإِنَّهُ يَعْظُمُ ثَوَابُهُ
стр. 1010
بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُضْطَرُّ الْمَرْأَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ أَنْ يَخْرُجُوا لِشِرَاءِ ذَلِكَ فَإِذَا وَجَدُوا مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِهِمْ زَالَ عَنْهُمْ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ فِي مَشْيِهِمْ لِمَوْضِعِ الْعَطَّارِ الْكَبِيرِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ بِلَا ثَمَنٍ إذْ إنَّ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ أَكْثَرُ مَشَقَّةً. ثُمَّ كَذَلِكَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ فِي تَيْسِيرِ كُلِّ مَا يُحَاوِلُهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إخْوَانُهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ثُمَّ يَصْحَبُ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَمَضَى إلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ فَلْيُبَادِرْ إلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَعْلَى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى دُكَّانِهِ وَذَلِكَ أَبْرَكُ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَنْجَحُ لَهُ فِي سَعْيِهِ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي الْوَزْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْزُونُ قَدْ شَحَّ قَلِيلًا فَيُخْرِجَهُ وَيَدْفَعَهُ لِلْمُشْتَرِي وَيَزِيدَ عَلَيْهِ شَيْئًا بِغَيْرِ وَزْنٍ فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَخَذَ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ نَاقِصَةً عَنْ حَقِّهِ أَوْ زَائِدَةً عَلَيْهِ فَتَقَعَ الْجَهَالَةُ فِي الْوَزْنِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ الْحَاصِلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَإِنْ قِيلَ: الْغَرَرُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ فِي الْبِيَاعَاتِ. فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الصَّقَلِّيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهَا قَدْرُ حَقِّهِ لَكَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ حِينَ أَخَذَهُ أَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هِبَةُ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ وَالْمُشْتَرِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدْ وَهَبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ لِبَائِعِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَحَقُّقِ زِنَةِ
стр. 1011
مَا اشْتَرَاهُ وَهَذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ بِالْوَزْنِ الَّذِي دَخَلَا عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ دُونَ وَزْنٍ]
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسَامِحَ نَفْسَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ دُونَ وَزْنٍ فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ بَعْدَ أَنْ يَقِفَ الْمُشْتَرِي عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ لَهُ وَحِرْزِهِ، إذْ إنَّ الْوَزْنَ أَحْصَرُ وَأَضْبَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ الْغَبْنِ وَالْكَثِيرُ قَدْ لَا يُحْسِنُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حِرْزَهُ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ.
وَالْبَيْعُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ وَجُزَافٌ، فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا بِغَيْرِ كَيْلٍ، وَلَا وَزْنٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُزَافًا وَالْجُزَافُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا مَحْرُوزًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْمُشْتَرِي لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْقِسْمِ الْمَمْنُوعِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
[فَصْلٌ الْمَفَاسِدُ الَّتِي تَعْتَوِرُ الْعَطَّارَ]
(فَصْلٌ)
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ السِّلَعِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ حِينَ الْكَلَامِ عَلَى التَّاجِرِ الْمُسَافِرِ لَكِنَّ الْمَفَاسِدَ الَّتِي تَعْتَوِرُ الْعَطَّارَ تَرْبُو عَلَى تِلْكَ فَيُحْتَاجُ أَنْ نَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا لِيَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْعُودَ الرَّدِيءَ وَبُرَادَتَهُ وَبُرَادَةَ الطِّيبِ مِنْهُ وَيَعْجِنُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَنْبَرِ الْخَامِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلُّهُ طِيبٌ وَأَجْزَاؤُهُ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ بَيَّنَهُ لَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الزَّعْفَرَانَ الْجَنَوِيَّ والبرشنوني وَالْهَمْدَانِيَّ وَيَخْلِطُونَ الْجَمِيعَ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ جَنَوِيٌّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَنَوِيَّ يُرْغَبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ مَاءَ الْوَرْدِ الْعَتِيقَ بِالْجَدِيدِ مِنْهُ وَيَبِيعُونَهُ كُلَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَدِيدٌ وَذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي لَمَا أَخَذَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ
стр. 1012
يَشْتَرُونَ الْوَرْدَ فَيُزِيلُونَ عَنْهُ بَعْضَ الْوَرَقِ الَّذِي فَوْقَهُ فَيَصْغُرُ الزِّرُّ بِذَلِكَ وَيَبِيعُونَ مَا أَخْرَجُوهُ مِنْهُ مِنْ الْوَرَقِ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ لِلْمُتَسَبِّبِينَ فِي النَّاطِفِ وَغَيْرِهِ وَيَبِيعُونَ مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الزِّرِّ بِسِعْرِهِ صَحِيحًا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ لَمَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ لَهُ بِهِ حَتَّى يُنْقِصَ مِنْهُ أَوْ يَتْرُكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَسْتَجِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُهُ فِي حَقِّ تُجَّارِ الْكَارِمِ لَكِنَّ الْعَطَّارَ أَكْثَرُ تَخْلِيطًا مِنْهُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ وَلَيْسَ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ عِنْدَهُمْ فِي الْغَالِبِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ السِّلَعِ فَإِنَّهُمْ يَخْلِطُونَ الرَّدِيءَ بِالطَّيِّبِ ثُمَّ يَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي اعْتَادُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِثْلُ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ مَعْدُومَةٌ فِي الْوَقْتِ وَمَا جَاءَ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَلَّ الْوَاصِلُ بِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُرَغِّبُونَ بِسَبَبِهَا الْمُشْتَرِيَ فِيهَا وَذَلِكَ غِشٌّ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ فِيهَا حَقًّا فَلَا بَأْسَ إذَنْ وَتَرْكُهُ أَوْلَى سِيَّمَا وَبَعْضُهُمْ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ الْأَيْمَانَ فَهُوَ أَحْرَى بِالْمَنْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ حَالًّا وَيَكْذِبُ وَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ خَلْطِ الْمِسْكِ الرَّدِيءِ بِالطَّيِّبِ وَيَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ طَيِّبٌ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزَّبَادِ فَيَخْلِطُونَ طَيِّبَهَا بِرَدِيئِهَا وَيَبِيعُونَهَا عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا طَيِّبَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ السِّلْعَةَ تَكُونُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ طَيِّبٍ وَرَدِيءٍ فَيَعْرِضُ الْبَائِعُ الْعَيْنَ مِنْ الطَّيِّبِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى مَا رَآهُ مِنْهَا أَعْطَاهُ أَوَّلًا الطَّيِّبَ مِنْ الْعَيْنِ ثُمَّ أَدْمَجَ لَهُ الرَّدِيءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ وَذَلِكَ غِشٌّ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ
стр. 1013
إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُخْبِرُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ الْأَجَلَ وَذَلِكَ غِشٌّ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعَطَّارِ وَفِيمَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ سَيَأْتِي بَعْدُ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُمَاكِسُهُ أَوْ يَسْأَلُهُ التَّأْخِيرَ عَنْ الْأَجَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَطْرَحُ عَلَى وَزْنِ الْخَيْشَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي التَّاجِرِ الْمُسَافِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ إنَّهُ يُعْطِي الْبَائِعَ عَمَّا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ عَنْ بَعْضِهَا فُلُوسًا فِيهَا زَيْفٌ يَكْرَهُهَا الْبَائِعُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْبَائِعُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْغَصْبِ مِثْلَ السَّرِقَةِ وَالْخِلْسَةِ وَالْمُصَادَرَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي ثَمَنِهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَدِ ظَالِمٍ زَادُوهُ فِي ثَمَنِهَا لِيَتَّخِذُوا عِنْدَهُ يَدًا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ السَّارِقِ وَالْمُخْتَلِسِ نَقَصُوهُ مِنْ ثَمَنِهَا النَّقْصَ الْكُلِّيَّ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَمْرَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ كَفَاعِلِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَلَّى بَيْعَ السِّلَعِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا الْغَاصِبُ فَيَخْدِمُهُ فِي بَيْعِهَا لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ أَيْضًا مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِهِ لَهُ وَشِرَائِهِ مِنْهُ، وَلَوْ سَلِمَ النَّاسُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا وَمِمَّنْ يُعِينُ الظَّلَمَةَ لَقَلَّ الْغَصْبُ وَقَلَّتْ الْمَفَاسِدُ وَلَكِنْ بِإِعَانَةِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ كَثُرَ الظُّلْمُ وَفَشَا؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
[فَصْلٌ السَّمَاسِرَةُ]
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا السَّمَاسِرَةُ فَبَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ غِشًّا بِالْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِ السِّلَعِ وَقَدْ يَسْلَمُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا فِي السِّلْعَةِ مِنْ الْغِشِّ فَيَبِيعُونَهَا لِلْمُشْتَرِي وَيُزَيِّنُونَهَا فِي عَيْنِهِ، وَلَا يُبَيِّنُونَ لَهُ مَا فِيهَا مِنْ
стр. 1014
الْغِشِّ ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ الْحَلِفَ بِالْأَيْمَانِ الْكَثِيرَةِ لِيُؤَكِّدُوا بِهَا مَا حَسَّنُوهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ السِّلْعَةَ تَكُونُ طَيِّبَةً خَالِصَةً سَالِمَةً مِنْ الدَّنَسِ وَالْغِشِّ فَيُزَيِّنُونَ لِصَاحِبِهَا خَلْطَهَا بِبَعْضِ الرَّدِيءِ مِنْهَا لِيُرَغِّبُوهُ بِذَلِكَ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَذَلِكَ غِشٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي لَكَرِهَهُ وَإِنْ قَلَّ وَلَمْ يَأْخُذْ مَا خُلِطَ مَعَهُ إلَّا بِثَمَنِهِ دُونَ ثَمَنِ الطَّيِّبِ.
[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْوَرَّاقِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَتَحْسِينِهَا]
اعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ هَذَا السَّبَبَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى الْمَوْلَى إذَا حَسُنَتْ النِّيَّةُ فِيهِ إذْ إنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُكْتَبُ فِي الْوَرَقِ وَتَفْسِيرَهُ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعُلُومِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ وَشَرْحُهُ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ الَّتِي لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ وَكُتُبُ الْفِقْهِ وَبَاقِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الصَّدَقَاتِ وَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْوَكَالَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهَذِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي الدِّينِ فَإِذَا كَانَ الْمُتَسَبِّبُ فِيهَا يَنْوِي بِذَلِكَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ لَكَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا فَيَحْصُلَ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ عَنْهُ عِوَضًا فَيَكُونُ بِسَبَبِ نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعِبَادَاتِ وَيُعَوِّلُ فِي رِزْقِهِ عَلَى رَبِّهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ وَخَلَقَهُ قَبْلَ خَلْقِ جُثَّتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا.
ثُمَّ يُضِيفُ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْسِينِ النِّيَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ.
ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ لَكِنْ قَدْ يَعْتَوِرُهُ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا جَلَسَ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْوَرَقَ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَوْ مَا لَا يَنْبَغِي فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ فَمِثْلُ الظُّلْمِ
стр. 1015
وَمَا شَاكَلَهُ وَمِثْلُ الْكَذِبِ كَقِصَّةِ الْبَطَّالِ وَعَنْتَرَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَأَمَّا الَّذِي لَا يَنْبَغِي فَمِثْلُ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُحَذَّرَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَ بِذَلِكَ فِي ضِمْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَاعَ الْوَرَقَ لِمَنْ يَكْتُبُ فِيهِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَمْ يَقُلْهُ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ بِقَلْبِهِ فَيَدْخُلُ بِذَلِكَ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَيَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا: إنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْغَالِبِ حَالَ الْمُشْتَرِي فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي فِي حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالسَّلَامَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ غَيْرُهُمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ قَلَّ أَنْ لَا يُعْرَفَ حَالُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ بَلْ بَعْضُهُمْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ حَتَّى إنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ ذَلِكَ أَوْ نَدْبَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ إذْ إنَّهُ لَا يَسْتَخْفِي أَحَدٌ إلَّا بِالشَّيْءِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ مَعْصِيَةٌ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لَيْسُوا فِي مَعْصِيَةٍ بَلْ بَعْضُهُمْ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فِي الْمُشْتَرِي أَنْ يُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهَةَ بَلْ يَذْكُرَ أَعْذَارًا مَانِعَةً لَهُ مِنْ بَيْعِهِ إذْ إنَّهُ إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَهُ أَوْ عَرَضَ لَهُ بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَرَتَّبَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ قَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا وَالْأَعْذَارُ كَثِيرَةٌ فَلْيَحْذَرْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ، وَلَا يَكْشِفُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ.
فَإِنْ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بَاعَ لِمَنْ لَا يُرْتَضَى حَالُهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ بِذَلِكَ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْوَرَعِ فِي تَسَبُّبِهِ وَتَصَرُّفِهِ فَذَلِكَ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ وَاَلَّذِي يَخُصُّهُ هُوَ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَشْتَرِيَ مِمَّنْ يَحُوكُ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مَا مِمَّا يَكْرَهُهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَتَحَيَّلْ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّ الثَّمَنِ عَلَى
стр. 1016
صَاحِبِهِ إنْ تَعَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَإِلَّا فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، وَلَا يُدْخِلْهُ فِي مَالِهِ، وَلَا يَنْتَفِعْ بِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَفِي الْوَرَّاقِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ تَأَخَّرَ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْغِشِّ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ.
مِثَالُهُ أَنْ يُعْطِيَ الدَّسْتَ الَّذِي يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الدَّسْتِ الَّذِي يُسَاوِي أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الْوَرَقَ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِسَبَبِ صِفَتِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَرَقًا زَائِدًا فِي الْبَيَاضِ وَفِي الصِّقَالِ وَيَكُونُ مِمَّا عُمِلَ فِي الصَّيْفِ وَآخَرُ عَكْسُهُ أَعْنِي فِيهِ سُمْرَةً وَنَقْصًا فِي الصِّقَالِ أَوْ الْبَيَاضَةِ وَعُمِلَ فِي الشِّتَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حَتَّى يَخْرُجَ بِبَيَانِهِ مِنْ الْغِشِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ دَخَلَ بِكِتْمَانِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ثُمَّ لَا يَخْلُو بَيْعُهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوَمَةً أَوْ مُرَابَحَةً. فَإِنْ كَانَ مُسَاوَمَةً فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَخْلَصُ لِلذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مُرَابَحَةً فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْبَزَّازِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّشَوُّفِ لِلْمُشْتَرِي وَالنَّظَرِ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ أَوْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُشْتَرَطٌ فِي حَقِّ هَذَا وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ عِنْدَ شِرَائِهِ الْوَرَقَ مِنْ الْوَرَّاقَةِ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُكْشَفُ فِيهِ عَلَى عَوْرَاتِ مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا مِنْ الصُّنَّاعِ إذْ إنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْعَلُونَ فِي أَوْسَاطِهِمْ خِرْقَةً تَصِفُ الْعَوْرَةَ لِصِغَرِهَا وَانْحِصَارِهَا عَلَى الْعَوْرَةِ وَابْتِلَالِهَا بِالْمَاءِ وَالْفَخِذُ عَنْ آخِرِهِ مَكْشُوفٌ فَإِنْ دَخَلَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ مِنْ أَنَّهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَيَحْتَاجُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَتَحَرَّى وَقْتًا يَكُونُونَ فِيهِ سَالِمِينَ مِمَّا ذُكِرَ.
وَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنْ يَخْلِطَ الْوَرَقَ الْخَفِيفَ بِالْوَرَقِ الْجَيِّدِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ؛ لِأَنَّ
стр. 1017
ذَلِكَ تَدْلِيسٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخَفِيفَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَشْطَ لِخِفَّتِهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْزِلٍ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِمَّنْ يَنْسَخُ فِيهِ أَعْطَاهُ مِمَّا يُوَافِقُهُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَكْتُبُ فِيهِ الرَّسَائِلَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَجُوزُ أَعْطَاهُ مِنْ الْوَرَقِ الْخَفِيفِ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَرَّاقِ الَّذِي فِي الْوَرَّاقَةِ أَنْ لَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَهُ حُرْمَةٌ شَرْعِيَّةٌ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ.
فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ عَرَفَ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ اسْمِ مَلَكٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيَجْتَنِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ يَدُوسُونَ ذَلِكَ بِأَرْجُلِهِمْ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ الِامْتِهَانِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ الصُّنَّاعِ يَفْعَلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَتَى بِغَيْرِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ سَتْرَ عَوْرَتِهِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي التَّحَفُّظِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَحَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَالْبَرَكَةُ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ وَعُرِفَتْ عَادَتُهُ فَلَا يَأْتِي إلَيْهِ إلَّا مَنْ يُجَانِسُهُ فِيمَا هُوَ يَطْلُبُهُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالتَّحَفُّظِ عَلَى الدِّينِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ ﵃ كَانَتْ أَسْبَابُهُمْ تَابِعَةً لِأَدْيَانِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ.
فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَادَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ فَإِنَّهُمْ عَلَى عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ إنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْأَسْبَابُ وَأَدْيَانُهُمْ تَابِعَةٌ لَهَا كَمَا قَالَ ﵊ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صِفَةِ السَّلَفِ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ وَذُكِرَ فِي صِفَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَشَبَّهْ بِهِمْ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ. فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْوَرَّاقَةِ مَثَلًا: إنْ فَعَلْت مَا ذَكَرْتُمُوهُ قَلَّ أَنْ أَجِدَ
стр. 1018
صَانِعًا يَعْمَلُ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيَّ السَّبَبُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَيْرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - لَمْ يُعْدَمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ بَلْ نَجِدُ الْأَمْرَ عَلَى عَكْسِ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الصُّنَّاعَ إذَا عَلِمُوا مِنْ الشَّخْصِ أَنَّهُ يُوَسِّعُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيَتَحَذَّرُ عَلَى دِينِهِ وَدِينِهِمْ وَيُسَامِحُهُمْ وَيَتَغَاضَى لَهُمْ فِي شَيْءٍ مَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَتِهِمْ بِمَا لَا يَضُرُّهُ كَثُرَ خُطَّابُهُ وَعَزَّ أَمْرُهُ وَحَصَلَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ فِي كُلِّ مَا يُحَاوِلُهُ.
[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ النَّاسِخِ وَكَيْفِيَّتِهَا]
اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّاسِخَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ يَرْبُو عَلَى الْوَرَّاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ إذْ إنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ نَسْخُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي الْفِقْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَهِيَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ سِيَّمَا إنْ تَدَبَّرَ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ. وَإِنْ كَانَ يَكْتُبُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْفَضِيلَةِ إلَّا مَا وَرَدَ (مَنْ كَتَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كِتَابٍ بَقِيَتْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَكْتُوبَةً فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ) وَكَفَى بِهَا نِعْمَةً.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ النَّسْخِ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ نِيَّتَهُ الَّتِي جَلَسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَاوِلُ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِنِيَّةِ إعَانَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَعِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ الرِّزْقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى سَبَبِهِ ذَلِكَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا حِينَ خُرُوجِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَيَحْتَسِبُ خُطَاهُ وَتَعَبَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَفِي هَذَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى إذْ إنَّهُ مَحْضُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْكَذِبِ
стр. 1019
كَقِصَّةِ الْبَطَّالِ وَعَنْتَرَةَ وَشَبَهِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ أَوْ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَشِبْهِهَا فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْسَخُ لِظَالِمٍ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الظُّلْمِ أَوْ مَنْ فِي كَسْبِهِ شُبْهَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُرُوفَ فِي كِتَابَتِهِ، وَلَا يُعَلِّقُ خَطَّهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ إلَّا مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ قَوِيَّةٌ بَلْ تَكُونُ الْحُرُوفُ بَيِّنَةً جَلِيَّةً فَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى النُّقَطِ دُونَ أَنْ يَنْقُطَهَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَخْتَلِفُ مَعَ التَّاءِ وَالثَّاءِ، وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالنُّقَطِ، وَكَذَلِكَ الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالْخَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِفِعْلِهِ تَعُمُّ الْمَنْفَعَةُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْقُطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَثَائِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ بَلْ بَعْضُهُمْ لَا يَعْرِفُ أَنْ يَقْرَأَ خَطَّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اصْطِلَاحًا يَخُصُّهُ فِي ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ «يَا مُعَاوِيَةُ أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفْ الْقَلَمَ وَانْصِبْ الْبَاءَ وَفَرِّقْ السِّينَ، وَلَا تُعْوِرْ الْمِيمَ وَحَسِّنْ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدْ الرَّحِيمَ وَضَعْ قَلَمَك خَلْفَ أُذُنِك فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي» وَفِي كُتُبِهِمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إضَاعَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِ أَنْكِحَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ الْكَاتِبُ أَوْ يَتَعَذَّرَ وُجُودُهُ، وَلَا يَعْرِفُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ فَإِذَا تَحَفَّظَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ عَمَّتْ مَنْفَعَةُ كِتَابَتِهِ لِأَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَقِّطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ بِالْحِبْرِ الَّذِي يَخْرِقُ الْوَرَقَ فَإِنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ وَإِضَاعَةَ الْعِلْمِ الْمَكْتُوبِ بِهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ مَعْدُومَةً أَوْ عَزِيزًا وُجُودُهَا وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ النَّسْخُ بِالْحِبْرِ الَّذِي يُمْحَى مِنْ الْوَرَقِ سَرِيعًا وَأَمَّا النَّسْخُ بِالْمِدَادِ الَّذِي تَسْوَدُّ بِهِ الْوَرَقَةُ وَتَخْتَلِطُ الْحُرُوفُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ
стр. 1020
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَنَعَمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَكِتَابِ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَسْخِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَيْرَ الْخَطِّ مَا قُرِئَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ لِلنَّسْخِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَنْسَخُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ حِينَ يُبَاشِرُهُ فِي كُلِّ حِينٍ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ الْحَدَثِ فَيَتَوَضَّأُ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ وَيُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَجْتَنِبْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُمَاطَلَةِ بِالشُّغْلِ وَهَذَا أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يُوفِيَ بِمَا يَقُولُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحْضِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَشُوبُهَا بِمَا يُنَاقِضُهَا بِوُقُوعِهِ فِي خُلْفِ الْوَعْدِ بِقَوْلِهِ: غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، ثُمَّ لَا يُوفِي بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ وُقُوعِ الْأَيْمَانِ مِنْهُ فِيمَا يُحَاوِلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ)
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ النَّسْخَ مِنْ جَمَاعَةٍ فَيَنْسَخُ لِهَذَا وَلِهَذَا، وَلَا يُعْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَنْسَخُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ النُّصْحَ لِمَنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِشْرَافِ وَالْحِرْصِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّمِّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ فِي سَبَبٍ وَالْأَسْبَابُ كُلُّهَا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا هَذَا إذَا لَمْ يُلَوِّثْهُ فَإِنْ تُوُقِّعَ ذَلِكَ مُنِعَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا.
(فَصْلٌ)
وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالتَّهَيُّؤِ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ وَهُوَ يَكْتُبُ فِي أَثْنَاءِ الْوَرَقَةِ فَلَا يَتْرُكُ الْكِتَابَةَ حَتَّى يُكْمِلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ خَطُّ الْوَرَقَةِ بِسَبَبِ قِيَامِهِ عَنْهَا فَيُمْهَلُ حَتَّى يُتِمَّهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ
следующие страницы →