← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأولياء والأنبياء، فأخبرنا الله عنهم بذلك: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. أي: منّا ابنه عزير وعيسى. وكشف هذا التّلبيس: أنّ كلّ شخص مطالب بحقّ الله عليه، ولا يدفعه عنه ذو قرابته، ولو تعدّت المحبّة لشخص إلى غيره لموضع القرابة لتعدّي البعض، وقد قال نبيّنا ﷺ لابنته فاطمة: «لا أغني عنك من الله شيئا» (١)، وإنّما فضل المحبوب بالتّقوى، فمن عدمها عدم المحبّة، ثمّ إنّ محبّة الله للعبد ليست بشغف، كمحبّة الآدميّين بعضهم بعضا؛ إذ لو كانت كذلك لكان الأمر يحتمل. ذكر تلبيسه على الصّابئين: قال المصنّف: أصل هذه الكلمة (أعني الصّابئين) من قولهم: صبأت: إذا خرجت من شيء إلى شيء. وصبأت النّجوم: إذا ظهرت. وصبأ به: إذا خرج. والصّابئون: الخارجون من دين إلى دين. وللعلماء في مذهبهم عشرة أقوال: أحدها: أنّهم قوم بين النّصارى والمجوس. رواه سالم، عن سعيد بن جبير، وليث، عن مجاهد. والثّاني: أنّهم بين اليهود والمجوس. رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد. والثّالث: أنّهم بين اليهود والنّصارى. رواه القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد. والرّابع: أنّهم صنف من النّصارى، ألين قولا منهم، رواه أبو صالح، عن ابن عبّاس. والخامس: أنّهم قوم من المشركين، لا كتاب لهم. رواه القاسم أيضا عن مجاهد. والسّادس: أنّهم كالمجوس. قاله الحسن.

стр. 107

والسّابع: أنّهم فرقة من أهل الكتاب، يقرءون الزّبور. قاله أبو العالية. والثّامن: أنّهم قوم يصلّون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزّبور. قاله قتادة ومقاتل. والتّاسع: أنّهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السّدّيّ. والعاشر: أنّهم كانوا يقولون: لا إله إلّا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبيّ إلّا قول: لا إله إلّا الله. قاله ابن زيد. قال المصنّف: هذه أقوال المفسّرين. فأما المتكلّمون فقالوا: مذهب الصّابئين تختلف؛ فمنهم من يقول: إنّ هناك هيوليّ، كان لم يزل، ولم يزل يصنع الصانع العالم من ذلك الهيوليّ. وقال أكثرهم: العالم ليس بمحدث. وسمّوا الكواكب ملائكة، وسمّاها قوم منهم آلهة، وعبدوها، وبنوا لها بيوت عبادات، وهم يدّعون أنّ بيت الله الحرام واحد منها، وهو بيت زحل، وزعم بعضهم أنّه لا يوصف الله إلّا بالنّفي دون الإثبات. فيقال: ليس بمحدث، ولا موات، ولا جاهل، ولا عاجز. قالوا: لئلّا يقع تشبيه. ولهم تعبّدات في شرائع: منها: أنّهم زعموا أنّ عليهم ثلاث صلوات في كلّ يوم: أولها: ثمان ركعات. وثلاث سجدات في كلّ ركعة، وانقضاء وقتها عند الشّمس. والثّاني: خمس ركعات. والثّالث: كذلك.

стр. 108

وعليهم صيام شهر، أوّله الثمان ليال يمضين من آذار، وسبعة أيّام، أولها التسع يبقين من كانون الأوّل، وسبعة أيّام أوّلها الثمان ليال يمضين من شباط، ويختمون صيامهم بالصّدقة والذّبائح، وحرّموا لحم الجزور، في خرافات يضيع الزّمان بذكرها. وزعموا أنّ الأرواح الخيّرة تصعد إلى الكواكب الثّابتة، وإلى الضّياء، وأنّ الشرّيرة تنزل إلى أسفل الأرض وإلى الظّلمة. وبعضهم يقول: هذا العالم لا يفنى، وإنّ الثّواب والعقاب في التّناسخ، ومثل هذه المذاهب لا يحتاج إلى تكلّف في ردّها؛ إذ هي دعاوى بلا دليل، وقد حسّن إبليس لأقوام من الصّابئين أنّهم رأوا الكمال في تحصيل مناسبة بينهم وبين الرّوحانيّات العلويّة باستعمال الطّهارات، وقوانين ودعوات، واشتغلوا بالتّنجيم والتّبخير. وقالوا: لابدّ من متوسّط بين الله وبين خلقه من تعريف المعارف، والإرشاد للمصالح، إلّا أنّ ذلك المتوسّط ينبغي أن يكون روحانيّا لا جسمانيّا. قالوا: فنحن نحصّل لأنفسنا مناسبة قدسيّة بيننا، فيكون ذلك وسيلة لنا إليه، وهؤلاء لا ينكرون بعث الأجساد. ذكر تلبيس إبليس على المجوس: قال يحيى بن بشر بن عمير النّهاونديّ: كان أوّل ملوك المجوس كومرث، فجاءهم بدينهم، ثمّ تتابع مدّعوا النّبوّة فيهم، حتّى اشتهر بها زرادشت، وكانوا يقولون: إنّ الله - تعالى عن ذلك - شخص روحاني ظهر، فظهرت معه الأشياء روحانيّة تامّة. فقال: لا يتهيّأ لغيري أن يبتدع مثل هذه الّتي ابتدعتها. فتولّد من فكرته هذه ظلمة؛ إذ كان فيها جحود لقدرة غيره، فقامت الظّلمة تغالبه. وكان ممّا سنّ زرادشت عبادة النّار، والصّلاة إلى الشّمس، يتأوّلون فيها أنّها ملكة

стр. 109

العالم، وهي الّتي تأتي بالنّهار، وتذهب باللّيل، وتحيي النّبات والحيوانات، وتردّ الحرارات إلى أجسادها. وكانوا لا يدفنون موتاهم في الأرض تعظيما لها، ويقولون: إنّها نشوء الحيوانات، فلا نقذّرها. وكانوا لا يغتسلون بالماء تعظيما له، وقالوا: لأنّ به حياة كلّ شئ، إلّا أن يستعملوا قبله بول البقر ونحوه، ولا يبزقون فيه. ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها، وكانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبرّكا به، وإذا كان عتيقا كان أكثر بركة، ويستحلّون فروج الأمّهات، قالوا: الابن أحرى بتسكين شهوة أمّه. وإذا مات الزّوج فابنه أولى بالمرأة؛ فإن لم يكن له ابن اكتري رجل من مال الميّت، ويجيزون للرّجل أن يتزوّج بمائة وألف، وإذا أرادت الحائض أن تغتسل دفعت دينارا إلى الموبذ، ويحملها إلى بيت النّار، ويقيمها على أربع وينظّفها بسبّابته. وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ، وأباح النّساء لكلّ من شاء، ونكح نساء قباذ لتقتدي به العامّة، فيفعلون بالنّساء مثله، فلمّا بلغ إلى أمّ أنوشروان، قال لقباذ: أخرجها إليّ؛ فإنّك إن منعتني شهوتي، لم يتمّ إيمانك. فهمّ بإخراجها، فجعل أنوشروان يبكي بين يدي مزدك، ويقبّل رجله بين يدي أبيه قباذ، ويسأله أن يهب له أمّه، فقال قباذ لمزدك: ألست تزعم أنّ المؤمن لا ينبغي أن يردّ عن شهوته؟ قال: بلى. قال: فلم تردّ أنوشروان عن شهوته؟ قال: قد وهبتها له. ثمّ أطلق النّاس في أكل الميتة، فلمّا ولّي أنوشروان أفنى المزدكيّة. قال: ومن أقوال المجوس: إنّ الأرض لا نهاية لها من أسفلها، وإنّ السّماء جلد من جلود الشّياطين، والرّعد إنّما هو خرخرة العفاريت المحبوسة في الأفلاك، المأسورة في حرب، والجبال من عظامهم، والبحر من أبوالهم ومائهم ودمائهم.

стр. 110

ونبغ للمجوس رجل في زمان انتقال دولة بني أميّة إلى بني العبّاس، واستغوى خلقا، وجرت له قصص، يطول الأمر بذكرها، فهو آخر من ظهر للمجوس، وقد ذكر بعض العلماء أنّه كان للمجوس كتب يدرسونها، وأنّهم أحدثوا دينا فرفعت كتبهم. ومن أظرف تلبيس إبليس عليهم: أنّهم رأوا في الأفعال خيرا وشرّا، فسوّل لهم أنّ فاعل الخير لا يفعل الشّرّ، فأثبتوا إلهين، وقالوا: أحدهما نور حكيم، لا يفعل إلّا الخير، والآخر شيطان، هو ظلمة، لا يفعل إلّا الشّرّ، على نحو ما ذكرنا عن الثّنويّة. قال المصنّف: وقد سبق ذكر شبههم وجوابها. وقال بعضهم: الباري قديم، ولا يكون منه إلّا الخير، والشّيطان محدث، فلا يكون منه إلّا الشّرّ. فيقال لهم: إذا أقررتم بأنّ النّور خلق الشّيطان، فقد خلق رأس الشّرّ. وزعم بعضهم أنّ الخالق هو النّور، ففكّر فكرة رديئة، فقال: أخاف أن يحدث في ملكي من يضادّني، وكانت فكرة رديئة فحدث منها إبليس، فرضي إبليس أن ينسب إلى الرّداءة بعد إثبات أنّه شريك. وحكى النّوبختي أنّ بعضهم قال: إنّ الخالق شكّ في شيء، كان الشّيطان من ذلك الشّكّ. قال: وزعم بعضهم أنّ الإله والشّيطان جسمان قديمان؛ بينهما فضاء، وكانت الدّنيا سليمة من كلّ آفة، والشّيطان بمعزل عنها، فاحتال إبليس حتّى خرق السّماء بجنوده، فهرب الرّبّ عن قولهم بملائكته، فاتّبعه إبليس حتّى حاصره وحاربه ثلاثة آلاف سنة، لا هو يصل إليه، ولا الرّبّ يدفعه، ثمّ يصالحه على أن يكون إبليس وجنوده في الدّنيا سبعة آلاف سنة.

стр. 111

ورأى الرّبّ أنّ الصّلاح في احتمال مكروه إبليس إلى أن ينقضي الشّرط، فالنّاس في بلايا انقضائه، ثمّ يعودون إلى النّعيم، وشرط إبليس عليه أن يمكّنه من أشياء رديئة، فوضعها في هذا العالم، وأنّهما لما فرغا من شرطهما، أشهدا عدلين، ودفعا سيفهما إلى العدلين، وقالا: من نكث فاقتلاه. في هذيانات كثيرة يضيع الوقت بذكرها، فتنكّبناها لذلك. ونذكر ما انتهى تلبيس إبليس إليه، ما آثرنا ذكر شيء من هذا التّخليط. والعجب أنّهم يجعلون الخالق خيرا، ثمّ يزعمون أنّه حدثت له فكرة رديئة، فعلى قولهم، يجوز أن تحدث من فكرة إبليس ملك، ثمّ يقال لهم: أيجوز أن يفي الشّيطان بما ضمن؟! فإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا يليق بالحكمة استبقاؤه، وإن قالوا: نعم، فقد أقرّوا بوجود الوفاء المحمود من الشّرّير. وكيف أطاع الشّيطان العدلين، وقد عصى ربّه؟ وكيف يجوز الافتيات على الإله؟! وهذه الخرافات لولا التّفرّج فيما صنعه إبليس بالعقول، ما كان لذكرها معنى. ذكر تلبيس إبليس على المنجمين وأصحاب الفلك: قال أبو محمّد النّوبختي: ذهب قوم إلى أنّ الفلك قديم لا صانع له. وحكى جالينوس عن قوم أنّهم قالوا: زحل وحده قديم، وزعم قوم أنّ الفلك طبيعة خالصة، ليست فيها حرارة ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، وليس بخفيف ولا ثقيل. وكان بعضهم يرى أنّ الفلك جوهر ناري، وأنّه اختطف من الأرض بقوّة دورانه. وقال بعضهم: الكواكب من جسم تشابه الحجارة. وقال بعضهم: هي من غيم تطفأ كل يوم، وتستنير باللّيل مثل الفحم، يشتعل وينطفئ. وقال بعضهم: جسم القمر مركّب من نار وهواء. وقال آخرون: الفلك من الماء والرّيح والنّار، وإنّه بمنزلة الكرة، وإنّه يتحرّك حركتين

стр. 112

من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق. قالوا: وزحل يدور الفلك في نحو من ثلاثين سنة، والمشتري في نحو من اثنتي عشرة سنة، والمرّيخ في نحو من سنتين، والشّمس والزّهرة وعطارد في سنة، والقمر في ثلاثين يوما. وقال بعضهم: أفلاك الكواكب سبعة، فالّذي يلينا فلك القمر، ثمّ فلك عطارد، ثمّ فلك الزّهرة، ثمّ فلك الشّمس، ثمّ فلك المرّيخ، ثمّ فلك المشتري، ثمّ فلك زحل، ثمّ فلك الكواكب الثّابتة. واختلفوا في مقادير أجرام الكواكب، فقال أكثر الفلاسفة: أعظمها جرما الشّمس، وهو نحو من مائة وستّ وستّين مرّة، مثل الأرض، والكواكب الثّابتة، مقدار كلّ واحد منها نحو من أربع وتسعين مرّة مثل الأرض. والمشتري نحو من اثنتين وثمانين مرّة مثل الأرض، والمرّيخ نحو من مرّة ونصف مثل الأرض. قالوا: ومن كلّ موضع من أعلى الفلك إلى أن يعود إليه مائة ألف فرسخ وألف فرسخ، وأربعة وستّون فرسخا. وقال بعضهم: الفلك حيّ، والسّماء حيوان، وفي كل كوكب نفس. قال قدماء الفلاسفة: النّجوم تفعل الخير والشّرّ، وتعطي وتمنع على حسب طبائعها من السّعود والنّحوس، وتؤثّر في النّفوس والأبدان، وإنّها حيّة فعّالة. ذكر تلبيس إبليس على جاحدي البعث: قال المصنف: قد لبّس إبليس على خلق كثير، فجحدوا البعث، واستهولوا الإعادة بعد البلاء، وأقام لهم شبهتين:

стр. 113

إحداهما: أنّه أراهم ضعف المادّة. والثّانية: اختلاط الأجزاء المتفرّقة في أعماق الأرض. قالوا: وقد يأكل الحيوان الحيوان، فكيف يتهيّأ إعادته؟ وقد حكى القرآن شبهتهم، فقال تعالى في الأولى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦، ٣٥]. وقال في الثّانية: ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]. وهذا كان مذهب أكثر الجاهليّة، قال قائلهم: يخبرنا الرّسول بأن سنحيا … وكيف حياة أصداء وهام وقال آخر: حياة ثمّ موت ثمّ بعث … حديث خرافة يا أمّ عمرو والجواب عن شبهتهم الأولى: أن ضعف المادّة في الثّاني، وهو التّراب، يدفعه كون البداية من نطفة ومضغة وعلقة. ثمّ إنّ أصل الآدميّين، وهو آدم من تراب على أنّ الله لم يخلق شيئا مستحسنا إلّا من مادّة سخيفة؛ فإنّه أخرج هذا الآدميّ من نطفة، والطّاوس من البيضة المذرة، والطّاقة الخضراء من الحبّة العفنة. فالنّظر ينبغي أن يكون إلى قوّة الفاعل وقدرته، لا إلى ضعف الموادّ، وبالنّظر إلى قدرته يحصل جواب الشّبهة الثّانية، ثمّ قد أرانا كالأنموذج في جميع المتمزّق، فإنّ سحالة الذّهب المتفرّقة في التّراب الكثير، إذا ألقي عليها قليل من زئبق، اجتمع الذّهب مع تبدّده، فكيف بالقدرة الإلهيّة الّتي من تأثيرها خلق شيء لا من شيء. على أنّا لو قدرنا أن نحيل هذا التّراب غير ما استحالت إليه الأبدان لم يضر؛ لأنّ

стр. 114

الآدميّ بنفسه لا ببدنه؛ فإنّه ينحل، ويسمن، ويهزل، ويتغيّر من صغر إلى كبر، وهو هو. ومن أعجب الأدلّة على البعث أنّ الله قد أظهر على يدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث، وهو قلب العصا حيّة حيوانا، وإخراج ناقة من صخرة، وأظهر حقيقة البعث على يد عيسى - صلوات الله وسلامه عليه. قال المصنف: وقد زدنا هذا شرحا في الرّد على الفلاسفة. فصل [ذكر تلبيسه على منكري البعث] وقد لبّس إبليس على أقوام شاهدوا قدرة الخالق ، ثمّ اعترضت لهم الشّبهتان اللّتان ذكرناهما، فتردّدوا في البعث، فقال قائلهم: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٦) [الكهف: ٣٦]، وقال العاص بن وائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ (٧٧) [مريم: ٧٧]. وإنّما قالوا هذا لموضع شكّهم، وقد لبّس إبليس عليهم في ذلك، فقالوا: إن كان بعث، فنحن على خير؛ لأنّ من أنعم علينا في الدّنيا بالمال لا يمنعناه في الآخرة. قال المصنف: وهذا غلط منهم؛ لأنّه لم لا يجوز أن يكون الإعطاء استدراجا أو عقوبة؟ والإنسان قد يحمي ولده، ويطلق في الشّهوات عبده. ذكر تلبيسه على القائلين بالتّناسخ: قال المصنف: وقد لبّس إبليس على أقوام، فقالوا بالتّناسخ، وأنّ أرواح أهل الخير إذا خرجت دخلت في أبدان خيّرة فاستراحت، وأرواح أهل الشّرّ إذا خرجت تدخل في أبدان شرّيرة، فيتحمّل عليها المشاقّ، وهذا المذهب ظهر في زمن فرعون موسى. وذكر أبو القاسم البلخيّ: أنّ أرباب التّناسخ لما رأوا ألم الأطفال والسّباع والبهائم، استحال عندهم أن يكون ألمها يمتحن به غيرها، أو ليتعوض أوّلا لمعنى أكثر من أنّها مملوكة،

стр. 115

فصحّ عندهم أنّ ذلك لذنوب سلفت منها قبل تلك الحال، وذكر يحيى بن بشر بن عمير النّهاوندي أنّ الهند يقولون: الطّبائع أربع: هيولي مركّبة، ونفس، وعقل، وهيولي مرسلة. فالمركّبة هي: الرّبّ الأصغر. والنّفس هي: الهيولي الأصغر. والعقل: الربّ الأكبر. والهيولي هو أيضا: أكبر، وأنّ الأنفس إذا فارقت الدّنيا صارت إلى الرّبّ الأصغر، وهو الهيولي المركّبة، فإن كانت محسنة صافية قبلها في طبعه، فصفّاها حتّى يخرجها إلى الهيولي الأصغر، وهو النّفس، حتّى تصير إلى الرّبّ الأكبر، فيتخلصه إلى الهيولي المركب الأكبر. فإن كان محسنا تامّ الإحسان، أقام عنده في العالم البسيط، وإن كان محسنا غير تامّ، أعاده إلى الرّبّ الأكبر، ثمّ يعيده الرّبّ الأكبر إلى الهيولي الأصغر، ثمّ يعيده الهيولي الأصغر إلى الرّبّ الأصغر، فيخرجه ممازجا لشعاع الشّمس، حتّى ينتهي إلى بقلة خسيسة يأكلها الإنسان، فيتحوّل إنسانا، ويولد ثانية في العالم، وهكذا تكون حاله في كلّ موتة يموتها. وأما المسيئون، فإنّهم إذا بلغت نفوسهم إلى الهيولي الأصغر انعكست، فصارت حشائش، تأكلها البهائم، فتصير الرّوح في بهيمة، ثمّ تنسخ من بهيمة في أخرى عند موت تلك البهيمة فلا يزال منسوخا متردّدا في العالم، ويعود كلّ ألف سنة إلى صورة الإنس، فإن أحسن في صورة الإنس لحق بالمحسنين. قال المصنف: قلت: انظر إلى هذه التّرتيبات الّتي رتبها لهم إبليس على ما عنّ له لا يستند إلى شيء.

стр. 116

أنبأنا محمّد بن أبي طاهر البزّاز، قال: أنبأنا علي بن المحسن، عن أبيه، قال: حدّثني أبو الحسن علي بن نظيف المتكلّم، قال: كان يحضر معنا ببغداد شيخ للإماميّة يعرف بأبي بكر بن الفلاس، فحدّثنا أنّه دخل على بعض من كان يعرفه بالتّشيّع، ثمّ صار يقول بمذهب أهل التّناسخ. قال: فوجدته بين يديه سنّور أسود، وهو يمسحها، ويحكّ بين عينيها، ورأيتها وعينها تدمع كما جرت عادة السّنانير بذلك، وهو يبكي بكاء شديدا، فقلت له: لم تبكي؟ فقال: ويحك! أما ترى هذه السّنّور تبكي كلّما مسحتها، هذه أمّي لا شكّ، وإنّما تبكي من رؤيتها إليّ حسرة. قال: وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنّها تفهم عنه، وجعلت السّنّور تصيح قليلا قليلا، فقلت له: فهي تفهم عنك ما تخاطبها به؟ فقال: نعم، فقلت: أفتهم أنت صياحها، قال: لا. قلت: فأنت إذا المنسوخ، وهي الإنسان. ذكر تلبيس إبليس على أمّتنا في العقائد والدّيانات: قال المصنف: دخل إبليس على هذه الأمّة في عقائدها من طريقين: أحدهما: التقليد للآباء، والأسلاف. والثّاني: الخوض فيما لا يدرك غوره، أو يعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التّخبيط. فأمّا الطّريق الأوّل: فإنّ إبليس زيّن للمقلّدين أنّ الأدلّة قد تشتبه. والصّواب: قد يخفى والتّقليد سليم، وقد ضلّ في هذا الطّريق خلق كثير، وبه هلاك عامّة النّاس، فإنّ اليهود والنّصارى قلّدوا آباءهم وعلماءهم فضلّوا، وكذلك أهل الجاهليّة، واعلم أنّ العلّة الّتي بها مدحوا التّقليد بها يذمّ؛ لأنّه إذا كانت الأدلّة تشتبه، والصّواب يخفى

стр. 117

وجب هجر التّقليد لئلّا يوقع في ضلال. وقد ذمّ الله الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم، فقال : ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٤]. المعنى: أتتّبعونهم. وقال : ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٧٠) [الصافات: ٧٠، ٦٩]. قال المصنف: اعلم أنّ المقلّد على غير ثقة فيما قلّد فيه، وفي التّقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنّه إنّما خلق للتّأمّل والتّدبّر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها، ويمشي في الظّلم. واعلم أنّ عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشّخص، فيتّبعون قوله من غير تدبّر لما قال، وهذا عين الضّلال؛ لأنّ النّظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال عليّ ﵁ للحارث بن حوط، وقد قال له: أتظنّ أنّا نظنّ أنّ طلحة، والزّبير، كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث، إنّه ملبوس عليك، إنّ الحقّ لا يعرف بالرّجال، اعرف الحقّ تعرف أهله. وكان أحمد بن حنبل يقول: من ضيق علم الرّجل أن يقلّد في اعتقاده رجلا، ولهذا أخذ أحمد بن حنبل بقول زيد في الجدّ، وترك قول أبي بكر الصّدّيق ﵁. فإن قال قائل: فالعوامّ لا يعرفون الدّليل، فكيف لا يقلّدون؟ فالجواب: إنّ دليل الاعتقاد ظاهر على ما أشرنا إليه في ذكر الدّهريّة، ومثل ذلك لا يخفى على عاقل، وأمّا الفروع، فإنّها لما كثرت حوادثها واعتاص على العامّيّ عرفانها،

стр. 118

وقرب لها أمر الخطأ فيها كان أصلح ما يفعله العامّيّ التّقليد فيها لمن قد سبر ونظر، إلّا أنّ اجتهاد العامّيّ في اختيار من يقلّده. فصل [ذكر تلبيسه على أهل الكلام] قال المصنّف: وأمّا الطّريق الثّاني: فإنّ إبليس كما تمكّن من الأغبياء، فورّطهم في التّقليد، وساقهم سوق البهائم، ثمّ رأى خلقا فيهم نوع ذكاء وفطنة، فاستغواهم على قدر تمكّنه منهم. فمنهم من قبّح عنده الجمود على التّقليد، وأمره بالنّظر، ثمّ استغوى كلّا من هؤلاء بفنّ، فمنهم من أراه أنّ الوقوف مع ظواهر الشّرائع عجز، فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتّى أخرجهم عن الإسلام، وقد سبق ذكرهم في الرّدّ على الفلاسفة. ومن هؤلاء من حسّن له ألّا يعتقد إلّا ما أدركته حواسّه؛ فيقال لهؤلاء: بالحواسّ علمتم صحّة قولكم؟ فإن قالوا: نعم. كابروا؛ لأنّ حواسّنا لم تدرك ما قالوا. إذ ما يدرك بالحواسّ لا يقع فيه خلاف، وإن قالوا بغير الحواسّ تقضوا قولهم. ومنهم: من نفّره إبليس عن التّقليد وحسّن له الخوض في علم الكلام، والنّظر في أوضاع الفلاسفة؛ ليخرج بزعمه عن غمار العوامّ. وقد تنوّعت أحوال المتكلّمين، وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشّكوك وببعضهم إلى الإلحاد. ولم يسكت القدماء من فقهاء هذه الأمّة عن الكلام عجزا، ولكنّهم رأوا أنّه لا يشفي غليلا، ثمّ يردّ الصّحيح عليلا، فأمسكوا عنه، ونهوا عن الخوض فيه.

стр. 119

حتّى قال الشّافعيّ ﵀: لأن يبتلى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشّرك، خير له من أن ينظر في الكلام. قال: وإذا سمعت الرّجل يقول: الاسم هو المسمّى أو غير المسمّى، فاشهد أنّه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسّنّة وأخذ في الكلام. وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب كلام أبدا، علماء الكلام زنادقة. قال المصنّف: قلت: وكيف لا يذمّ الكلام، وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنّهم قالوا: إنّ الله يعلم جمل الأشياء، ولا يعلم تفاصيلها. وقال جهم بن صفوان: علم الله وقدرته وحياته محدثة. وقال أبو محمّد النّوبختي عن جهم أنّه قال: إنّ الله ليس بشيء. وقال أبو علي الجبّائيّ، وأبو هاشم، ومن تابعهما من البصريّين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض وصفرة وحمرة، وإنّ الباري لا يقدر على جعل الذّات ذاتا، ولا العرض عرضا، ولا الجوهر جوهرا، وإنّما هو قادر على إخراج الذّات من العدم إلى الوجود. وحكى القاضي أبو يعلى في كتاب «المقتبس» قال: قال لي العلّاف المعتزليّ: لنعيم أهل الجنّة، وعذاب أهل النّار، أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه، ولا تصحّ الرّغبة حينئذ إليه، ولا الرّهبة منه؛ لأنّه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شرّ، ولا نفع ولا ضرّ. قال: ويبقى أهل الجنّة جمودا سكوتا، لا يفضون بكلمة، ولا يتحرّكون، ولا يقدرون، هم ولا ربّهم، على فعل شيء من ذلك؛ لأنّ الحوادث كلّها لا بدّ لها من آخر تنتهي إليه لا

стр. 120

يكون بعده شيء. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. قال المصنّف: قلت: وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمّد البلخي في «كتاب المقالات»: إنّ أبا الهذيل اسمه محمّد بن الهذيل العلّاف، وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم، وانفرد بأن قال: أهل الجنّة تنقضي حركاتهم، فيصيرون إلى سكون دائم، وأنّ لما يقدر الله عليه نهاية، لو خرج إلى الفعل - ولن يخرج - استحال أن يوصف الله بالقدرة على غيره. وكان يقول: إنّ علم الله هو الله، وإنّ قدرة الله هي الله. وقال أبو هاشم: من تاب على كلّ شيء إلّا أنّه شرب جرعة من خمر، فإنّه يعذّب عذاب أهل الكفر أبدا. وقال النّظّام: إنّ الله لا يقدر على شيء من الشّرّ، وإنّ إبليس يقدر على الخير والشّرّ. وقال هشام الفوطي: إنّ الله لا يوصف بأنّه عالم لم يزل. وقال بعض المعتزلة: يجوز على الله الكذب، إلّا أنّه لم يقع منه. وقال المجبرة: لا قدرة للآدميّ، بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل. وقالت المرجئة: إنّ من أقرّ بالشّهادتين، وأتى بكلّ المعاصي لم يدخل النّار أصلا، وخالفوا الأحاديث الصّحاح في إخراج الموحّدين من النّار. قال ابن عقيل: ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقا، فإنّ صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فالمرجئة لمّا لم يمكنهم جحد الصّانع لما فيه من نفور النّاس، ومخالفة العقل، أسقطوا فائدة الإثبات، وهي الخشية والمراقبة، وهدموا سياسة الشّرع، فهم شرّ طائفة على الإسلام. قال المصنّف: قلت: وتبع أبو عبد الله بن كرّام، فاختار من المذاهب أردأها، ومن

стр. 121

الأحاديث أضعفها، ومال إلى التّشبيه، وأجاز حلول الحوادث في ذات الباري وقال: إنّ الله لا يقدر على إعادة الأجسام والجواهر، إنّما يقدر على ابتدائها. قالت السّالميّة: إنّ الله يتجلّى يوم القيامة لكلّ شيء في معناه، فيراه الآدميّ آدميّا والجنيّ جنيّا. وقالوا: الله سرّ، لو أظهره لبطل التّدبير. قال المصنف: قلت: أعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة، وقد زعم أرباب الكلام، أنّه لا يتمّ الإيمان إلّا بمعرفة ما رتّبوه، وهؤلاء على خطأ؛ لأنّ الرّسول ﷺ أمر بالإيمان، ولم يأمر ببحث المتكلّمين، ودرجة الصّحابة الّذين شهد لهم الشّارع بأنّهم خير النّاس على ذلك. وقد ورد ذمّ الكلام على ما قد أشرنا إليه، وقد نقل إلينا إقلاع منطقيي المتكلّمين عمّا كانوا عليه، لمّا رأوا من قبح غوائله. فأخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو منصور محمّد بن عيسى بن عبد العزيز البزّاز، ثنا صالح الوفاة بن أحمد بن محمّد الحافظ، ثنا أحمد بن عبيد ابن إبراهيم، ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد بن سنان قال: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة، قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام منّي؟ قالوا: لا، قال: فتتّهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإنّي رأيت الحقّ معهم. وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الّذي نهوا عنه؛ كلّ ذلك في طلب الحقّ، وهربا من التّقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ. عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحقّ بلطف برّه، فأموت على دين العجائز،

стр. 122

ويختم عاقبة أمري عند الرّحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما تشاغلت به. وقال أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أنّ الصّحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيت! قال: وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشّكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد، تشمّ روائح الإلحاد في فلتات كلام المتكلّمين. وأصل ذلك أنّهم ما قنعوا بما قنعت به الشّرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوّة العقل إدراك ما عند الله من الحكمة الّتي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور. قال: وقد بالغت في الأول طول عمري، ثمّ عدت القهقرى إلى مذهب الكتب، وإنّما قالوا: إنّ مذهب العجائز أسلم؛ لأنّهم لما انتهوا إلى غاية التّدقيق في النّظر لم يشهدوا ما يشفي العقل من التّعليلات والتّأويلات، فوقفوا مع مراسم الشّرع، وجنحوا عن القول بالتّعليل، وأذعن العقل بأنّ فوقه حكمة إلهيّة فسلّم. وبيان هذا أن نقول: أحبّ أن يعرف، أراد أن يذكر. فيقول قائل: هل شغف باتّصال النّفع؟ هل دعاه داع إلى إفاضة الإحسان؟ ومعلوم أن للدّاعي عوارض على الذّات، وتطلّبات من النّفس، وما تعقل ذلك إلّا الذّات، يدخل عليها داخل من شوق إلى تحصيل ما لم يكن لها، وهي إليه محتاجة، فإذا وجد ذلك العرض سكن الشّغف، وفتر الدّاعي، وذلك الحاصل يسمّى غنى، والقديم لم

стр. 123

يزل موصوفا بالغنى، منعوتا بالاستقلال بذاته الغنيّة عن استزادة أو عارض، ثمّ إذا نظرنا في إنعامه، رأيناه مشحونا بالنّقص والآلام، وأذى الحيوانات، فإذا رام العقل أن يعلّل بالإنعام جاء تحقيق النّظر، فرأى أنّ الفاعل قادر على الصّفاء ولا صفاء، ورآه منزّها بأدلّة العقل عن البخل الموجب لمنع ما يقدر على تحصيله، وعن العجز عن دفع ما يعرض لهذه الموجودات من الفساد، فإذا عجز عن التّعليل كان التّسليم أولى. وإنّما دخل الفساد من أنّ الخلق اقتضاؤه الفوائد، ودفع المضارّ على مقتضى قدرته، ولو مزجوا في ذلك العلم بأنّه الحكيم، لاقتضت نفوسهم له التّسليم بحسب حكمته، فعاشوا في بحبوحة التّفويض بلا اعتراض. فصل [ذكر تلبيسه على المجسمة] وقد وقف أقوام من الظّواهر فحملوها على مقتضى الحسّ، فقال بعضهم: إنّ الله جسم (١). وهذا مذهب هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، ومحمّد بن الخليل، ويونس بن عبد الرّحمن. ثمّ اختلفوا، فقال بعضهم: جسم كالأجسام، ومنهم من قال: لا كالأجسام، ثمّ اختلفوا فمنهم من قال: هو نور، ومنهم من قال: هو على هيئة السّبيكة البيضاء. هكذا كان يقول هشام بن الحكم، وكان يقول: إنّ الإله سبعة أشبار بشبر نفسه - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - وأنّه يرى ما تحت الثّرى بشعاع متّصل منه بالمرئيّ. &

стр. 124

قلت: ما أعجب إلّا من حدّه سبعة أشبار، حتّى علمت أنّه جعله كالأدميّين، والآدميّ طوله سبعة أشبار بشبر نفسه. وذكر أبو محمّد النّوبختي، عن الجاحظ، عن النّظّام، أنّ هشام بن الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل، قطع في آخرها أنّ معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار؛ وإنّ قوما قالوا: إنّه على هيئة السّبيكة، وإنّ قوما قالوا: هو على هيئة البلّورة الصّافية المستوية الاستدارة الّتي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة. وقال هشام: هو متناهي الذّات حتّى قال: إنّ الجبل أكبر منه. قال: وله ماهية يعلمها هو. قال المصنف: وهذا يلزمه أن يكون له كيفيّة أيضا، وذلك ينقض القول بالتّوحيد، وقد استقرّ أنّ الماهيّة لا تكون إلّا لمن كان ذا جنس، وله نظائر، فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها، والحقّ سبحانه ليس بذي جنس، ولا مثل له، ولا يجوز أن يوصف بأنّ ذاته متناهية، لا على معنى أنّه ذاهب في الجهات بلا نهاية، إنّما المراد أنّه ليس بجسم، ولا جوهر، فتلزمه النّهاية (١). وقال النّوبختي: وقد حكى كثير من المتكلّمين أنّ مقاتل بن سليمان، ونعيم بن حمّاد، وداود الحواري يقولون: إنّ الله صورة وأعضاء. قال المصنف: أترى هؤلاء؛ كيف يثبتون له القدم دون الآدميّين، ولم لا يجوز عليه عندهم، ما يجوز على الآدميّين من مرض أو تلف؟

стр. 125

ثمّ يقال لكلّ من ادّعى التّجسيم: بأيّ دليل أثبتّ حدث الأجسام؟ فيدلّك بذلك على أنّ الإله هو الّذي اعتقدته جسما محدثا غير قديم. ومن قول المجسّمة: إنّ الله يجوّز أن يمسّ ويلمس. فيقال لهم: فيجوز على قولكم أن يمسّ ويلمس ويعانق. وقال بعضهم: إنّه جسم هو فضاء، والأجسام كلّها فيه. وكان بيان بن سمعان يزعم أنّ معبوده نور كلّه، وأنّه على صورة رجل، وأنّه يهلك جميع أعضائه إلّا وجهه، فقتله خالد بن عبد الله. وكان المغيرة بن سعيد البجليّ يزعم أنّ معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة، وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء، وكان هذا يقول بإمامة محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن. وكان زرارة بن أعين يقول: لم يكن الباري قادرا حيّا عالما في الأزل، حتّى خلق لنفسه هذه الصّفات، تعالى الله عن ذلك. وقال داود الحواري: هو جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء، وهو أجوف من فمه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك. ومن الواقفين مع الحسّ أقوام قالوا: هو على العرش بذاته على وجه المماسّة، فإذا نزل انتقل وتحرّك. وجعلوا لذاته نهاية، وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار، واستدلّوا على أنّه على العرش بذاته، بقول النّبيّ ﷺ : «ينزل الله إلى سماء الدّنيا … » (١). قالوا: ولا ينزل إلّا من هو فوق. وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسّيّ الّذي يوصف به الأجسام، وهؤلاء المشبّهة

стр. 126

الّذين حملوا الصّفات على مقتضى الحسّ (١)، وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمّى ب «منهاج الوصول إلى علم الأصول». وربّما تخيّل بعض المشبّهة في رؤية الحقّ يوم القيامة لما يراه في الأشخاص، فيمثله شخصا يزيد حسنه على كلّ حسن، فتراه يتنفّس من الشّوق إليه، ويمثّل الزّيادة، فيزداد توقه، ويتصوّر رفع الحجاب فيقلق، ويتذكر الرّؤية، فيغشى عليه، ويسمع في الحديث أنّه يدني عبده المؤمن إليه، فيتخايل القرب الذّاتي، كما يجالس الجنس، وهذا كلّه جهل بالموصوف. ومن النّاس من يقول: لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته، لقوله : ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وله يد، وله أصبع؛ لقول رسول الله ﷺ : «يضع السّماوات على أصبع» (٢). وله قدم، إلى غير ذلك ممّا تضمّنته الأخبار، وهذا كلّه إنّما استخرجوه من مفهوم الحسّ. وإنّما الصّواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير، ولا كلام فيها، وما يؤمّن هؤلاء أن يكون المراد بالوجه: الذّات، لا أنّه صفة، وعلى هذا فسّر الآية المحقّقون، فقالوا: ويبقى ربك، وقالوا في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]: يريدونه، وما يؤمنهم: أن يكون أراد بقوله: «قلوب العباد بين أصبعين» (٣) أنّ الأصابع لمّا كانت هي المقلّبة للشّيء،

стр. 127

وأنّ ما بين الأصبعين يتصرّف فيه صاحبها كيف شاء، ذكر ذلك لا أنّ ثمّ صفة زائدة (١). قال المصنف: والّذي أراه السّكوت عن هذا التّفسير أيضا، إلّا أنّه يجوز أن يكون مرادا، ولا يجوز أن يكون ثمّ ذات تقبل التّجزّؤ والانقسام. ومن أعجب أحوال الظّاهريّة قول السّالميّة: إنّ الميّت يأكل في القبر، ويشرب، وينكح؛ لأنّهم سمعوا بنعيم، ولم يعرفوا من النّعيم إلّا هذا، ولو قنعوا بما ورد في الآثار من أنّ: «أرواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر الجنّة» (٢)، لسلموا، لكنّهم أضافوا ذلك إلى الجسد. قال ابن عقيل: ولهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهليّة، وما كانوا يقولونه في الهام والصّدى، فالمكالمة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم، لا على وجه المناظرة؛ فإنّ المقاومة تفسدهم، وإنّما لبّس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التّأويل المطابق لأدلّة الشّرع والعقل؛ فإنّه لمّا ورد النّعيم والعذاب للميّت، علم أنّ الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفا، كأنّه يقول: صاحب هذا القبر الرّوح الّتي كانت في هذا الجسد منعّمة بنعيم الجنّة، معذّبة بعذاب النّار. فصل [الطريق الوسط السليم] قال المصنف: فإن قال قائل: قد عبت طريق المقلّدين في الأصول، وطريق المتكلّمين، فما الطّريق السّليم من تلبيس إبليس؟

стр. 128

فالجواب: أنّه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تفسير (١)، ولا بحث عمّا ليس في قوّة البشر إدراكه، وأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق. قال عليّ كرّم الله وجهه: والله ما حكّمت مخلوقا؛ إنّما حكّمت القرآن، وإنّه المسموع؛ لقوله : ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]، وإنّه في المصاحف؛ لقوله : ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٣) [الطور: ٣]، ولا نتعدّى مضمون الآيات، ولا نتكلّم في ذلك برأينا. وقد كان أحمد بن حنبل ينهى أن يقول الرّجل: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق؛ لئلّا يخرج عن الاتّباع للسّلف إلى ما حدث. والعجب ممّن يدّعي اتّباع هذا الإمام، ثمّ يتكلّم في المسائل المحدثة. أخبرنا سعد الله بن عليّ البزّاز، نا أبو بكر الطّريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطّبريّ، نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه، نا عمر بن أحمد الواعظ، ثنا محمّد بن هارون الحضرميّ، ثنا القاسم بن العبّاس الشّيباني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. وقال مالك بن أنس: من قال: القرآن مخلوق - فيستتاب، فإن تاب، وإلّا ضربت عنقه. أخبرنا أبو البركات بن عليّ البزّاز، نا أحمد بن عليّ الطّريثيثي، نا هبة الله الطّبريّ، ثنا محمّد بن أحمد بن القاسم، ثنا أحمد بن عثمان، ثنا محمّد بن ماهان، ثنا عبد الرّحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، أنّ عمر بن عبد العزيز، قال لرجل: وسأله عن

стр. 129

الأهواء، فقال: عليك بدين الصّبيّ في الكتّاب والأعرابيّ، واله عمّا سواهما. قال ابن مهديّ: وثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعيّ، قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامّة، فاعلم أنّهم على تأسيس ضلالة. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا خلّاد بن يحيى، عن سفيان الثّوريّ: قال: بلغني عن عمر أنّه كتب إلى بعض عمّاله: أوصيك بتقوى الله ، واتّباع سنّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، وترك ما أحدث المحدثون بعده بما كفوا مؤنته؛ واعلم أنّ من سنّ السّنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزّلل والتّعمّق، فإنّ السّابقين الماضين عن علم توقّفوا، وتبصّر ناقد قد كفوا. وفي رواية أخرى عن عمر: وأنّهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وما أحدث إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الصّمد بن حسّان، قال: سمعت سفيان الثّوريّ يقول: عليكم بما عليه الحمّالون، والنّساء في البيوت، والصّبيان في الكتّاب، من الإقرار والعمل. قال المصنّف: فإن قال قائل: هذا مقام عجز لا مقام الرّجال، فقد أسلفنا جواب هذا، وقلنا: إنّ الوقوف على العمل ضرورة؛ لأنّ بلوغ ما يشفي العقل من التّعليل لم يدركه من غاص من المتكلّمين في البحار، فلذلك أمروا بالوقوف على السّاحل كما ذكرنا عنهم.

стр. 130

ذكر تلبيس إبليس على الخوارج: قال المصنّف: أول الخوارج، وأقبحهم حالا: ذو الخويصرة. أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمّد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن ابن أبي يعمر، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: بعث عليّ ﵁ من اليمن إلى رسول الله ﷺ بذهبة في أديم مقروظ، لم تخلص من ترابها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة؛ بين: زيد الخيل، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة، أو عامر بن الطّفيل، شكّ عمارة، فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السّماء، يأتيني خبر السّماء صباحا مساء». ثمّ أتاه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبهة، كثّ اللّحية، مشمّر الإزار، محلوق الرّأس، فقال: اتّق الله، يا رسول الله، فرفع رأسه إليه، فقال: «ويحك! أليس أحقّ النّاس أن يتّقي الله أنا»، ثمّ أدبر، فقال خالد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «فلعلّه يصلّي». فقال: إنّه ربّ مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : «إنّي لم أؤمر أن أنقب عن قلوب النّاس، ولا أشقّ بطونهم». ثمّ نظر إليه النّبيّ ﷺ وهو مقفّ، فقال: «إنّه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» (١). قال المصنف: هذا الرّجل يقال له: ذو الخويصرة التّميمي، وفي لفظ: أنّه قال له: اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل» (٢). فهذا أوّل خارجيّ خرج في الإسلام، وآفته أنّه رضي برأي نفسه، ولو وقف، لعلم أنّه لا

стр. 131

رأي فوق رأي رسول الله ﷺ . وأتباع هذا الرّجل هم الّذين قاتلوا عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وذلك أنّه لمّا طالت الحرب بين معاوية وعليّ ﵁، رفع أصحاب معاوية المصاحف، ودعوا أصحاب عليّ إلى ما فيها، وقال: تبعثون منكم رجلا، ونبعث منّا رجلا، ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله . فقال النّاس: قد رضينا، فبعثوا عمرو بن العاص. فقال أصحاب عليّ: ابعث أبا موسى. فقال عليّ: لا أرى أن أولّي أبا موسى، هذا ابن عبّاس، قالوا: لا نريد رجلا منك، فبعث أبا موسى، وأخّر القضاء إلى رمضان، فقال عروة بن أذينة: تحكّمون في أمر الله الرّجال، لا حكم إلّا لله. ورجع عليّ من صفّين: فدخل الكوفة، ولم تدخل معه الخوارج، فأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا، وقالوا: لا حكم إلّا لله، وكان ذلك أوّل ظهورهم، ونادى مناديهم أنّ أمير القتال شبث بن ربعيّ التّميمي، وأمير الصّلاة عبد الله بن الكوّاء اليشكري، وكانت الخوارج تتعبّد إلّا أنّ اعتقادهم أنّهم أعلم من عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وهذا مرض صعب. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا محمّد بن هبة الله الطّبري، نا محمّد بن الحسين بن الفضل، نا عبد الله بن جعفر بن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، ثني موسى بن مسعود، ثنا عكرمة بن عمّار، عن سماك أبي زميل، قال: قال عبد الله بن عباس: إنّه لما اعتزلت الخوارج دخلوا دارا، وهم ستّة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على عليّ بن أبي طالب، فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين، إنّ القوم خارجون عليك، فيقول: دعوهم، فإنّي لا أقاتلهم حتّى يقاتلوني، وسوف يفعلون. فلمّا كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظّهر، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصّلاة لعلّي أدخل على هؤلاء القوم فأكلّمهم، فقال: إنّي أخاف عليك، فقلت: كلّا، وكنت رجلا

стр. 132

حسن الخلق، لا أؤذي أحدا، فأذن لي فلبست حلّة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجّلت، فدخلت عليهم نصف النّهار، فدخلت على قوم لم أر قطّ أشدّ منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السّجود، وأياديهم كأنّها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحّضة، مشمّرين، مسهّمة وجوههم من السّهر، فسلّمت عليهم، فقالوا: مرحبا بابن عبّاس، ما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار، ومن عند صهر رسول الله ﷺ ، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم. فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا، فإنّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٥٨) [الزخرف: ٥٨]، فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلّمنّه. فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله ﷺ ، والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآن، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله. قالوا: ثلاثة. قلت: هاتوا. قالوا: أمّا إحداهنّ؛ فإنّه حكّم الرّجال في أمر الله، وقد قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فما شأن الرّجال والحكم بعد قول الله ؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأمّا الثّانية: فإنّه قاتل وقتل ولم يسب، ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين، فلم حلّ لنا قتالهم وقتلهم، ولم يحلّ لنا سبيهم؟ قلت: وما الثّالثة؟ قالوا: فإنّه محا عن نفسه أمير المؤمنين، فإنّه إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنّه لأمير الكافرين.

стр. 133

قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا. قلت لهم: أمّا قولكم: حكّم الرّجال في أمر الله، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا، فإذا نقض قولكم، أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: فإنّ الله قد صيّر من حكمه إلى الرّجال في ربع درهم ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ [النساء: ٣٥]. إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله: هل تعلمون حكم الرّجال في إصلاح ذات بينهم، وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة، فأيّهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قلت: خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأمّا قولكم: قاتل، ولم يسب، ولم يغنم، فتسبون أمّكم عائشة - رضي الله تعالى عنها؟ فوالله، لئن قلتم: ليست بأمّنا، لقد خرجتم من الإسلام، ووالله، لئن قلتم لنسبينّها، ونستحلّ منها ما نستحلّ من غيرها، لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين؛ لأنّ الله قال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأمّا قولكم: محا عن نفسه أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إنّ النّبيّ ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين (أبا سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو)، فقال لعليّ ﵁: اكتب لهم كتابا، فكتب لهم عليّ: هذا ما اصطلح عليه محمّد رسول الله، فقال المشركون: والله، ما نعلم أنّك رسول الله، لو نعلم أنّك رسول الله، ما قاتلناك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم: «اللهم إنّك تعلم أنّي رسول الله، امح يا عليّ، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله» (١)، فو الله لرسول الله خير من عليّ، وقد محا نفسه. قال:

стр. 134

فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا. أخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا ولاد بن عليّ الكوفيّ، نا محمّد بن علي بن دحيم الشّيبانيّ، ثنا أحمد بن حازم، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن (يعني: ابن أبي ليلى)، ثنا سعيد بن خثيم، عن القعقاع بن عمارة، عن أبي الخليل، عن أبي السّابغة، عن جندب الأزديّ. قال: لمّا عدلنا إلى الخوارج، ونحن مع علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قال: فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دويّ كدويّ النّحل من قراءة القرآن. قال المصنّف: وفي رواية أخرى أنّ عليّا ﵁ لمّا حكّم، أتاه من الخوارج زرعة بن البرج الطّائيّ، وحرقوص بن زهير السّعدي، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكم إلّا لله. فقال عليّ: لا حكم إلّا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيّتنا، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتّى نلقى ربّنا، ولئن لم تدع تحكيم الرّجال في كتاب الله لأقاتلنّك، أطلب بذلك وجه الله، واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الرّاسبيّ، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرّحمن، وينسبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدّنيا الّتي إيثارها عناء آثر عنده من الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والقول بالحقّ، فاخرجوا بنا. فكتب إليهم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: أمّا بعد، فإنّ هذين الرّجلين اللّذين ارتضيا حكمين، قد خالفا كتاب الله، واتّبعا أهواءهما، ونحن على الأمر الأوّل، فكتبوا إليه: إنّك لم تغضب لربّك، إنّما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التّوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلّا فقد نابذناك على سواء، والسّلام. ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خبّاب، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا يحدّثه عن رسول الله ﷺ تحدّثناه؟ قال: نعم. سمعت أبي يحدّث عن رسول الله ﷺ : «أنّه ذكر فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من

стр. 135

السّاعي، فإن أدركت ذلك، فكن عبد الله المقتول» (١). قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدّثه عن رسول الله؟ قال: نعم، فقدّموه إلى شفير النّهر، فضربوا عنقه، فسال دمه، كأنّه شراك نعل، وبقروا بطن أمّ ولده عمّا في بطنها، وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير بنهروان، فسقطت رطبة، فأخذها أحدهم، فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حدّها، وبغير ثمنها؟! فلفظها من فيه، واخترط أحدهم سيفه، فأخذ يهزّه، فمرّ به خنزير لأهل الذّمّة، فضربه به، يجربه فيه، فقالوا له: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير، فأرضاه في ثمنه. قال: فبعث إليهم عليّ ﵁: أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خبّاب، فقالوا: كلّنا قتله، فناداهم ثلاثا، كلّ ذلك يقولون هذا القول، فقال عليّ ﵁ لأصحابه: دونكم القوم، فما لبثوا أن قتلوهم، وكانوا وقت القتال يقول بعضهم لبعض: تهيّأ للقاء الرّبّ، الرّواح الرّواح إلى الجنّة. وخرج على عليّ ﵁ بعدهم جماعة منهم، فبعث إليهم من قاتلهم، ثمّ اجتمع عبد الرّحمن بن ملجم بأصحابه، وذكروا أهل النّهروان فترحّموا عليهم، وقالوا: والله، ما قنعنا بالبقاء في الدّنيا شيء بعد إخواننا الّذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو أنّا شرينا أنفسنا لله، والتمسنا غير هؤلاء الأئمّة الضّلّال، فثأرنا بهم إخواننا، وأرحنا منهم العباد. أخبرنا محمّد بن أبي طاهر البزّاز، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا ابن حيويه، نا أبو الحسن ابن معروف، نا الحسين بن الفهم، نا محمّد بن سعد، عن أشياخ له، فقالوا: انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرّحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التّميميّ، فاجتمعوا بمكّة، وتعاهدوا، وتعاقدوا، لنقتلن هؤلاء الثّلاثة: عليّا، ومعاوية، وعمرو بن

стр. 136

العاص، ونريح العباد منهم. قال ابن ملجم: أنا لكم بعليّ. وقال البرك: أنا لكم بمعاوية. وقال عمرو: أنا لكم بعمرو، فتواثقوا ألّا ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلمّا كانت اللّيلة الّتي عزم على قتل عليّ ﵁ فيها، خرج عليّ ﵁ لصلاة الصّبح، فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه، ووصل إلى دماغه، فقال عليّ ﵁: لا يفوتنكم الرّجل، فأخذ، فقالت أمّ كلثوم: يا عدوّ الله، قتلت أمير المؤمنين، فقال: ما قتلت إلّا أباك. قالت: والله، إنّي لأرجو ألّا يكون على أمير المؤمنين بأس. قال: فلم تبكين إذن؟ ثمّ قال: والله، لقد سمّمته شهرا (يعني: سيفه)، فإن أخلفني، فأبعده الله وأسحقه. فلمّا مات عليّ ﵁ أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع، ولم يتكلّم. فكحل عينيه بمسمار محميّ، فلم يجزع، وجعل يقرأ: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢) [العلق: ٢، ١]، حتّى ختمها وإنّ عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أكره أن أكون في الدّنيا مواتا لا أذكر الله، وكان رجلا أسمر في جبهته أثر السّجود، لعنة الله عليه. قال المصنّف: قلت: ولمّا أراد الحسن ﵁ أن يصالح معاوية، خرج عليه من الخوارج: الجرّاح بن سنان، وقال: أشركت كما أشرك أبوك، ثمّ طعنه في أصل فخذه. وما زالت الخوارج تخرج على الأمراء، ولهم مذاهب مختلفة، وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون: نحن مشركون ما دمنا في دار الشّرك، فإذا خرجنا، فنحن مسلمون. قالوا: ومخالفونا في المذهب مشركون، ومرتكبو الكبائر مشركون، والقاعدون عن موافقتنا في القتال كفرة، وأباح هؤلاء قتل النّساء والصّبيان من المسلمين، وحكموا عليهم بالشّرك. وكان نجدة بن عامر الحنفيّ من القوم، فخالف نافع بن الأزرق، وقال بتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وزعم أنّ أصحاب الذّنوب من موافقيه يعذّبون في غير نار جهنّم، وأنّ جهنّم لا يعذّب بها إلّا مخالفوه في مذهبه.

стр. 137

وقال إبراهيم: الخوارج قوم كفّار، وتحلّ لنا مناكحتهم وموارثتهم كما كان النّاس في بدء الإسلام. وكان بعضهم يقول: لو أنّ رجلا أكل من مال يتيم فلسين، وجبت له النّار؛ لأنّ الله أوعد على ذلك النّار. قال المصنف: ولهم قصص تطول، ومذاهب عجيبة لهم لم أر التّطويل بذكرها، وإنّما المقصود النّظر في حيل إبليس، وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الّذين عملوا بواقعاتهم، واعتقدوا أنّ عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - على الخطإ، ومن معه من المهاجرين والأنصار على الخطإ، وأنّهم على الصّواب، واستحلّوا دماء الأطفال، ولم يستحلّوا أكل ثمرة بغير ثمنها، وتعبوا في العبادات، وسهروا، وجزع بن ملجم عند قطع لسانه من فوات الذّكر، واستحلّ قتل عليّ كرّم الله وجهه. ثمّ شهروا السّيوف على المسلمين، ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنّهم أعلم من عليّ ﵁، فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله ﷺ : اعدل، فما عدلت، وما كان إبليس ليهتدي إلى هذه المخازي، نعوذ بالله من الخذلان. أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، قال: قرأت على عبد الرّحمن بن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التّيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم فيكم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين مروق السّهم من الرّميّة» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين».

стр. 138

أخبرنا سعد الله بن عليّ، نا أبو بكر الطّريثيثي، ثنا هبة الله بن الحسن الطّبري، نا أحمد بن عبيد، ثنا عليّ بن عبد الله بن مبشّر، ثنا أحمد بن سنان، ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن الأعمش، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخوارج كلاب أهل النّار» (١). قال المصنف: ومن رأي الخوارج أنّه لا تختصّ الإمامة بشخص إلّا أن يجتمع فيه العلم والزّهد، فإذا اجتمعا، كان إماما، ولو كان نبطيّا، ومن رأي هؤلاء أحدث المعتزلة في التّحسين والتّقبيح إلى العقل، وأنّ العدل ما يقتضيه، ثمّ أحدث القدريّة في زمن الصّحابة، وصار معبد الجهنيّ وغيلان الدّمشقيّ، والجعد بن درهم إلى القول بالقدر، ونسج على منوال معبد الجهني، واصل بن عطاء، وانضمّ إليه عمرو بن عبيد، وفي ذلك الزّمان حدثت سنّة المرجئة حين قالوا: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ثمّ طالعت المعتزلة (مثل: أبي الهذيل العلّاف، والنّظّام، ومعمر، والجاحظ) كتب الفلاسفة في زمان المأمون، واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشّرع، مثل لفظ: الجوهر، والعرض، والزّمان، والمكان، والكون، وأوّل مسألة أظهروها القول بخلق القرآن، وحينئذ سمّي هذا الفصل فصل علم الكلام، وتلت هذه المسألة مسائل الصّفات، مثل: العلم، والقدرة، والحياة، والسّمع، والبصر. فقال قوم: هي معان زائدة على الذّات، ونفتها المعتزلة، وقالوا: عالم لذاته، قادر لذاته، وكان أبو الحسن الأشعريّ على مذهب الجبائي، ثمّ انفرد عنه إلى مثبتي الصّفات، ثمّ أخذ بعض مثبتي الصّفات في اعتقاد التّشبيه، وإثبات الانتقال في النّزول، والله الهادي لما يشاء (٢).

стр. 139

ذكر تلبيسه على الرافضة: قال المصنف: وكما لبّس إبليس على هؤلاء الخوارج حتّى قاتلوا عليّ بن أبي طالب، حمل آخرين على الغلوّ في حبّه، فزادوه على الحدّ، فمنهم من كان يقول: هو الإله، ومنهم من يقول: هو خير من الأنبياء، ومنهم من حمله على سبّ أبي بكر وعمر حتّى إنّ بعضهم كفّر أبا بكر وعمر، إلى غير ذلك من المذاهب السّخيفة الّتي يرغب عن تضييع الزّمان بذكرها، وإنّما نشير إلى بعضها. أخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد، نا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت، قال: حدّث أبو يعقوب إسحاق بن محمّد النّخعي، عن عبيد الله بن محمّد، عن عائشة، وأبي عثمان المازنيّ، وغيرهما، وسمعت عبد الواحد بن عليّ بن برهان الأسدي يقول: إسحاق بن محمّد النّخعي الأحمر كان يقول: إنّ عليّا هو الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقيّة ينسبون إليه. قال الخطيب: ووقع إليّ كتاب لأبي محمّد الحسن بن يحيى النّوبختي من تصنيفه في الرّدّ على الغلاة، وكان النّوبختي هذا من متكلّمي الشّيعة الإماميّة، فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال: وقد كان ممّن جرّد الجنون في الغلوّ في عصرنا: إسحاق بن محمّد المعروف بالأحمر، كان يزعم أنّ عليّا هو الله . وأنّه يظهر في كلّ وقت، فهو الحسن في وقت، وكذلك هو الحسين، وهو الّذي بعث محمّدا ﷺ .

стр. 140

قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرّافضة أنّ أبا بكر وعمر كانا كافرين، وقال بعضهم: ارتدّا بعد موت رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول بالتّبرؤ من غير عليّ. وقد روّينا أنّ الشّيعة طالبت زيد بن عليّ بالتّبرؤ ممّن خالف عليّا في إمامته، فامتنع من ذلك، فرفضوه، فسمّوا الرّافضة. ومنهم: أقوام قالوا: الإمامة في موسى بن جعفر، ثمّ في ابنه عليّ، ثمّ إلى محمّد بن عليّ، ثمّ إلى الحسن بن محمّد العسكري، ثمّ إلى ابنه محمّد، وهو الإمام الثّاني عشر، الإمام المنتظر الّذي يزعمون أنّه لم يمت، وأنّه سيرجع في آخر الزّمان، فيملأ الأرض عدلا. وكان أبو المنصور العجليّ يقول بانتظار محمّد بن عليّ الباقر، ويدّعي أنّه خليفة، وأنّه عرج به إلى السّماء، فمسح الرّبّ بيده على رأسه، وزعم أنّه الكسف السّاقط من السّماء. ومنهم طائفة يقال لها: الجناحيّة، وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، ويقولون: إنّ روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله، وأنّه لم يمت، وهو المنتظر. ومنهم: طائفة يقال لها الغرابيّة، يثبتون شركة عليّ في النّبوّة. وطائفة يقال لها المفوّضة، يقولون: إنّ الله خلق محمّدا، ثمّ فوّض خلق العالم إليه، وطائفة يقال لها: الذّماميّة، يذمّون جبريل، ويقولون: كان مأمورا بالنّزول على عليّ، فنزل على محمّد. ومنهم من يقول: إنّ أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها. وقد روّينا عن السّفّاح أنّه خطب يوما، فقام رجل من آل عليّ ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، أعنّي على من ظلمني. قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد عليّ ﵁، والّذي

стр. 141

ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر ﵁. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. ومن قام بعده؟ قال: عثمان ﵁. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا، ينظر مكانا يهرب إليه. قال ابن عقيل: الظّاهر أنّ من وضع مذهب الرّافضة، قصد الطّعن في أصل الدّين والنّبوّة، وذلك أنّ الّذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنّا، وإنّما نثق في ذلك بنقل السّلف، وجودة نظر النّاظرين إلى ذلك منهم، فكأنّنا نظرنا إذا نظر لنا من نثق بدينه وعقله. فإذا قال قائل: إنّهم أوّل ما بدؤوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة، وابنته في إرثها، وما هذا إلّا لسوء اعتقاد في المتوفّى، فإنّ الاعتقادات الصّحيحة سيّما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيّما في أهليهم وذرّيتهم، فإذا قالت الرّافضة: إنّ القوم استحلّوا هذا بعده، خابت آمالنا في الشّرع؛ لأنّه ليس بيننا وبينه إلّا النّقل عنهم، والثّقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته، خبنا في المنقول، وزالت ثقتنا فيما عوّلنا عليه من اتّباع ذوي العقول، ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتّباعه، فراعوه مدّة الحياة، وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة، ولم يبق على دينه إلّا الأقلّ من أهله، فطاحت الاعتقادات، وضعفت النّفوس عن قبول الرّوايات في الأصل، وهو المعجزات، فهذا من أعظم المحن على الشّريعة. قال المصنف: وغلوّ الرّافضة في حبّ عليّ ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، أكثرها تشينه وتؤذيه، وقد ذكرت منها جملة في كتاب: «الموضوعات». منها: «أنّ الشّمس غابت ففاتت عليّا صلاة العصر، فردّت له الشّمس»، وهذا من حيث النّقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فإنّ الوقت قد فات، وعودها طلوع متجدّد، فلا يردّ الوقت.

стр. 142

وكذلك وضعوا: «أنّ فاطمة اغتسلت، ثمّ ماتت، وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل»، وهذا من حيث النّقل كذب، ومن حيث المعنى قلّة فهم؛ لأنّ الغسل عن حدث الموت، فكيف يصحّ قبله، ثمّ لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند، ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها، وخرافات تخالف الإجماع. فنقلت منها مسائل من خطّ بن عقيل. قال: نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الإماميّة. منها: أنّه لا يجوز السّجود على ما ليس بأرض، ولا من نبات الأرض، فأمّا الصّوف، والجلود، والوبر، فلا. وأنّ الاستجمار لا يجزئ في البول، بل في الغائط خاصّة، ولا يجزئ مسح الرّأس إلّا بباقي البلل الّذي في اليد، فإن استأنف للرّأس بللا مستأنفا، لم يجزه حتّى لو نشفت يده من البلل، احتاج إلى استئناف الطّهارة. وانفردوا بتحريم من زني بها وهي تحت زوج أبدا، فلو طلّقها زوجها، لم تحلّ للزّاني بها بنكاح أبدا. وحرّموا الكتابيّات، وأنّ الطّلاق المعلّق على شرط لا يقع، وإن وجد شرطه، وأنّ الطّلاق لا يقع إلّا بحضور شاهدين عدلين. وأنّ من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف اللّيل، وجب عليه إذا استيقظ القضاء، وأن يصبح صائما؛ كفّارة لذلك التّفريط، وأنّ المرأة إذا جزّت شعرها، فعليها الكفّارة مثل قتل الخطإ، وأنّ من شقّ ثوبه في موت ابن له، أو زوجة فعليه كفّارة يمين، وأنّ من تزوّج امرأة، ولها زوج وهو لا يعلم، لزمه الصّدقة بخمسة دراهم. وأنّ شارب الخمر إذا حدّ ثانية، قتل في الثّالثة، ويحدّ شارب الفقّاع كشارب الخمر،

стр. 143

وأنّ قطع السّارق من أصول الأصابع، ويبقى له الكفّ، فإن سرق مرّة أخرى، قطعت الرّجل اليسرى، فإن سرق الثّالثة، خلّد في الحبس إلى أن يموت. وحرّموا السمك الجري، وذبائح أهل الكتاب، واشترطوا في الذّبح استقبال القبلة في مسائل كثيرة يطول ذكرها، خرقوا فيها الإجماع، وسوّل لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر، ولا قياس، بل إلى الواقعات. ومقابح الرّافضة أكثر من أن تحصى، وقد حرّموا الصّلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء، والجماعة؛ لطلبهم إماما معصوما، وابتلوا بسبّ الصّحابة. وفي «الصّحيحين» عن رسول الله ﵌ قال: «لا تسبّوا أصحابي، فإنّ أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» (١). وقد أخبرنا محمّد بن عبد الملك، ويحيى بن عليّ، قالا: أخبرنا محمّد بن أحمد بن المسلمة، نا أبو ظاهر المخلّص، ثنا البغويّ، ثنا محمّد بن عبّاد المكيّ، ثنا محمّد بن طلحة المدينيّ، عن عبد الرّحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﵌: «الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء، وأنصارا، وأصهارا، فمن سبّهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا» (٢). قال المصنف: والمراد ب «العدل»: الفريضة. والصّرف: النّافلة. أخبرنا أبو البركات بن عليّ البزّاز، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطّبريّ، نا عبيد الله بن محمّد بن أحمد، نا عليّ بن محمّد بن أحمد بن يزيد الرّياحي، ثنا أبي، ثنا

стр. 144

الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشّيعة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄، وينتقصونهما، فدخلت على عليّ بن أبي طالب فقلت: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الّذي هما له أهل، ولولا أنّهم يرون أنّك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤوا على ذلك. قال عليّ: أعوذ بالله، أعوذ بالله أن أضمر لهما إلّا الّذي ائتمنني النّبيّ عليه، لعن الله من أضمر لهما إلّا الحسن الجميل، أخوا رسول الله، وصاحباه، ووزيراه، رحمة الله عليهما. ثمّ نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتّى دخل المسجد، فصعد المنبر، وجلس عليه متمكّنا قابضا على لحيته، وهو ينظر فيها، وهي بيضاء، حتّى اجتمع لنا النّاس، ثمّ قام فتشهّد بخطبة موجزة بليغة. ثمّ قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش، وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزّه، وممّا قالوه بريء، وعلى ما قالوه معاقب، أما والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لا يحبّهما إلّا مؤمن تقيّ، ولا يبغضهما إلّا فاجر شقيّ، صحبا رسول الله ﷺ على الصّدق والوفاء، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ ، ولا كان رسول الله ﷺ يرى غير رأيهما، ولا يحبّ كحبّهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو راض عنهما، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون. أمّره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين، فصلّى بهم تسعة أيّام في حياة رسول الله ﷺ ، فلمّا قبض الله نبيّه، واختار له ما عنده، ولّاه المؤمنون ذلك، وفوّضوا إليه الزّكاة، ثمّ أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، وأنا أوّل من سنّ له ذلك من بني عبد المطّلب، وهو لذلك كاره، يودّ لو أنّ منّا أحدا كفاه ذلك، وكان - والله - خير من أبقى أرحمه رحمة، وأرأفه رأفة، وأسنه ورعا، وأقدمه سنّا وإسلاما، شبّهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتّى مضى على

стр. 145

ذلك، ﵀ عليه. ثمّ ولي الأمر بعده عمر ﵁، وكنت فيمن رضي، فأقام الأمر على منهاج رسول الله ﷺ وصاحبه، يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل أثر أمّه، وكان - والله - رفيقا رحيما بالضّعفاء، ناصرا للمظلومين على الظّالمين، لا يأخذه في الله لومة لائم، وضرب الله الحقّ على لسانه، وجعل الصّدق من شأنه حتّى إن كنّا لنظنّ أنّ ملكا ينطق على لسانه، أعزّ الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدّين قواما، وألقى له في قلوب المنافقين الرّهبة، وفي قلوب المؤمنين المحبّة، شبّهه رسول الله ﵌ بجبريل فظّا غليظا على الأعداء. فمن لكم بمثلهما، ﵀ عليهما، ورزقنا المضيّ في سبيلهما، فمن أحبّني فليحبّهما، ومن لم يحبّهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدّمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشدّ العقوبة، ألا فمن أتيت به يقول بعد هذا اليوم، فإنّ عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمّة بعد نبيّها: أبو بكر، وعمر ﵄، ثمّ الله أعلم بالخير أين هو؟ أقول قولي، وأستغفر الله لي ولكم. أخبرنا سعد الله بن عليّ، نا الطريثيثي، نا هبة الله الطّبريّ، نا محمّد بن عبد الرّحمن، نا البغويّ، ثنا سويد بن سعيد، نا محمّد بن خازم، عن أبي جناب الكلبيّ، عن أبي سليمان الهمداني، عن عليّ - كرّم الله وجهه - قال: يخرج في آخر الزّمان قوم لهم نبز يقال لهم الرّافضة، ينتحلون شيعتنا، وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنّهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄، أينما أدركتموهم فاقتلوهم أشدّ القتل، فإنّهم مشركون. ذكر تلبيس إبليس على الباطنية: قال المصنف: الباطنيّة قوم تستّروا بالإسلام، ومالوا إلى الرّفض، وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بالمرّة، فمحصول قولهم: تعطيل الصّانع، وإبطال النّبوّة والعبادات، وإنكار
следующие страницы →