أنّ الإنسان يقع في الماء، ولا يحسن السّباحة، فيستغيث بذلك الصّانع المدبّر، فلا يغيثه، أو في النّار فعلمنا أنّ ذلك الصّانع معدوم.
قال: واختلف هؤلاء في عدم الصّانع المدبّر على ثلاث فرق: فرقة زعمت أنّه لمّا أكمل العالم، استحسنه، فخشي أن يزيد فيه، أو ينقص منه فيفسد، فأهلك نفسه، وخلا منه العالم، وبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما اتفق.
وقالت الفرقة الثانية: بل ظهر في ذات الباري تولول، فلم يزل تنجذب قوّته ونوره، حتّى صارت القوّة والنّور في ذلك التّولول وهو العالم، وساء نور الباري، وكان الباقي منه نور، وزعموا أنّه سيجذب النّور من العالم إليه حتّى يعود كما كان، ولضعفه عن مخلوقاته أهمل أمرهم فشاع الجور.
وقالت الفرقة الثالثة: بل الباري لمّا أتقن العالم، تفرّقت أجزاؤه فيه، فكلّ قوّته في العالم فهي من جوهر اللّاهوتيّة.
قال الشيخ ﵀: هذا الّذي ذكره النهاونديّ نقلته من نسخة بالنّظّاميّة، قد كتبت منذ مئتين وعشرين سنة، ولولا أنّه قد قيل، ونقل في ذكره بيان ما قد فعل إبليس في تلبيسه، لكان الأولى الإضراب عن ذكره؛ تعظيما لله أن يذكر بمثل هذا، ولكن قد بينّا وجه الفائدة في ذكره.
وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أنّ الله تعالى لا يعلم شيئا، وإنّما يعلم نفسه، وقد ثبت أنّ المخلوق يعلم نفسه، ويعلم خالقه، فقد زادت مرتبة المخلوق على رتبة الخالق.
قال المصنّف: وهذا أظهر فضيحة من أن يتكلّم عليه، فانظر إلى ما زيّنه إبليس لهؤلاء الحمقى مع ادّعائهم كمال العقل، وقد خالفهم أبو عليّ بن سيناء في هذا، فقال: بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكليّة، ولا يعلم الجزئيّات، وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة،
стр. 72
وكأنّهم استكثروا المعلومات، فالحمد لله الّذي جعلنا ممّن ينفي عن الله الجهل والنّقص، ونؤمن بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩].
وذهبوا إلى أنّ علم الله وقدرته هو ذاته، فرارا من أن يثبتوا قديمين، وجوابهم أن يقال:
إنّما هو قديم موجود واحد موصوف بصفات الكمال.
قال المصنف: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، وردّ الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنّة ونار جسمانيّين، وزعموا أنّ تلك أمثلة ضربت لعوامّ النّاس ليفهموا الثّواب والعقاب الرّوحانيّين، وزعموا أنّ النّفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديّا أبدا، إمّا في لذّة لا توصف، وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النّفس المتلوّثة، وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير النّاس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول، فيقال لهم: نحن لا ننكر وجود النّفس بعد الموت، ولذا سمّي عودها إعادة، ولا أنّ لها نعيما وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الأجساد؟ ولم ننكر اللّذّات والآلام الجسمانيّة في الجنّة والنّار، وقد جاء الشّرع بذلك؟!
فنحن نؤمن بالجمع بين السّعادتين، وبين الشّقاوتين (الرّوحانيّة والجسمانيّة)، وأمّا الحقائق في مقام الأمثال فتحكّم بلا دليل، فإن قالوا: الأبدان تنحلّ وتؤكل وتستحيل.
قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء، على أنّ الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له البدن من تراب غير التّراب الّذي خلق منه، لم يخرج عن كونه هو هو، كما أنّه تتبدّل أجزاؤه من الصّغر إلى الكبر بالهزال والسّمن.
فإن قالوا: لم يكن البدن بدنا حتّى يرقى من حالة إلى حالة، إلى أن صار لحما وعروقا.
قلنا: قدرة الله لا تقف على المفهوم المشاهد، ثمّ قد أخبرنا نبيّنا ﷺ أنّ الأجسام
стр. 73
تنبت في القبور قبل البعث.
وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزّاز، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا عمر بن محمّد ابن الزّيّات، ثنا قاسم بن زكريا المطرز، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النّفختين أربعون». قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال:
أبيت. قال: «ثمّ ينزل الله ماء من السّماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلّا يبلى، إلّا عظما واحدا، وهو عجب الذّنب، منه خلق، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين».
[مذهب الفلاسفة]:
وقد لبّس إبليس على أقوام من أهل ملّتنا، فدخل عليهم من باب قوّة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أنّ الصّواب اتّباع الفلاسفة؛ لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال، دلّت على نهاية الذّكاء، وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط، وأبقراط، وأفلاطون، وأرسطاطاليس، وجالينوس، وهؤلاء كانت لهم علوم هندسيّة، ومنطقيّة، وطبيعيّة، واستخرجوا بفطنهم أمورا خفيّة، إلّا أنّهم لمّا تكلّموا في الإلهيّات، خلطوا، ولذلك اختلفوا فيها، ولم يختلفوا في الحسّيّات والهندسيّات، وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم.
وسبب تخليطهم أنّ قوى البشر لا تدرك العلوم إلّا جملة، والرّجوع فيها إلى الشّرائع، وقد حكي لهؤلاء المتأخّرين في أمّتنا: أنّ أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصّانع، ويدافعون الشّرائع، ويعتقدونها نواميس وحيلا، فصدّقوا فيما حكي لهم عنهم، ورفضوا شعار الدّين،
стр. 74
وأهملوا الصّلوات، ولابسوا المحذورات، واستهانوا بحدود الشّرع، وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنّصارى، أعذر منهم؛ لكونهم متمسّكين بشرائع، دلّت عليها معجزات، والمبتدعة في الدّين أعذر منهم؛ لأنّهم يدّعون النّظر في الأدلّة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلّا علمهم بأنّ الفلاسفة كانوا حكماء، أتراهم ما علموا أنّ الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟!
وما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصّانع محال، فإنّ أكثر القوم يثبتون الصّانع، ولا ينكرون النّبوّات، وإنّما أهملوا النّظر فيها، وشذّ منهم قليل، فتبعوا الدّهريّة الّذين فسدت أفهامهم بالمرّة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمّتنا جماعة لم يكسبهم التّفلسف إلّا التّحيّر، فلا هم يعملون بمقتضاه، ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم رمضان، ويصلّي، ثمّ يأخذ في الاعتراض على الخالق، وعلى النّبوّات، ويتكلّم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلّا ضربه الفقر، فأضرّ به، فهو عامّة زمانه في تسخّط على الأقدار، والاعتراض على المقدّر حتّى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلّا من فوق الفلك.
وكان يقول أشعارا كثيرا في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدّنيا، قال:
أتراها صنعة من غير صانع … أم تراها رمية من غير رام
وقوله:
وا حيرتا من وجود ما تقدّمه … منّا اختيار ولا علم فيقتبس
كأنّه في عماء ما يخلّصنا … منه ذكاء ولا عقل ولا شرس
ونحن في ظلمة ما إنّ لها قمرا … فيها يضيء ولا شمس ولا قبس
مدلّهين حيارى قد تكنّفنا … جهل يجهّمنا في وجه عبس
فالفعل فيه لا ريب ولا عمل … والقول فيه كلام كلّه هوس
стр. 75
ولمّا كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا، والرّهبنة كذلك، مدّ بعض أهل ملّتنا يده إلى التّمسّك بهذا، وبعضهم مدّ يده إلى التّمسّك بهذه، فترى كثيرا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التّزهّد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتا على ملّتنا، وسلامة من عدوّنا، إنّه وليّ الإجابة.
[ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل]:
وهم قوم يقولون: إنّ لكلّ روحانيّ من الرّوحانيّات العلويّة هيكلا، أعني جرما من الأجرام السّماويّة، هو هيكله، ونسبته إلى الرّوحانيّ المختصّة به نسبة أبداننا إلى أرواحنا، فيكون هو مدبّره والمتصرّف فيه، فمن جملة الهياكل العلويّة: السّيّارات والثّوابت.
قالوا: ولا سبيل لها إلى الرّوحانيّ بعينه، فيتقرّب إلى هيكله بكلّ عبادة وقربان.
وقال آخرون منهم: لكلّ هيكل سماويّ شخص من الأشخاص السّفليّة على صورته وجوهره، فعمل هؤلاء الصّور، ونحتوا الأصنام، وبنوا لها بيوتا.
وقد ذكر يحيى بن بشر النّهاونديّ: أنّ قوما قالوا: الكواكب السّبعة وهي: (زحل، والمشتري، والمريخ، والشّمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر)، وهي المدبّرات لهذا العالم، وهي تصدر عن أمر الملإ الأعلى، ونصبوا لها الأصنام على صورتها، وقرّبوا لكلّ واحد منها ما يشبهه من الحيوان، فجعلوا لزحل جسما عظيما من الآنك أعمى يقرّب إليه بثور حسن، يؤتى به على بيت تحته محفور، وفوقه الدرابزين من حديد من تلك الحفرة، فيضرب الثّور حتّى يدخل البيت، ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد، فتغوص رجلاه ويداه هنالك، ثمّ توقد تحته النّار حتّى يحترق.
ويقول له المقرّبون: مقدّس أنت أيّها الإله الأعمى، المطبوع على الشّرّ الّذي لا يفعل خيرا، قرّبنا لك ما يشبهك، فتقبّل منّا، واكفنا شرّك، وشرّ أرواحك الخبيثة.
стр. 76
ويقرّبون للمشتري صبيّا طفلا، وذلك أنّهم يشترون جارية ليطأها السّدنة للأصنام السّبعة، فتحمل، وتترك حتّى تضع، ويأتون بها والصّبيّ على يدها ابن ثمانية أيّام، فينخسونه بالمسلّ والإبر، وهو يبكي على يد أمّه، فيقولون له: أيّها الرّبّ الخيّر الّذي لا يعرف الشّرّ، قد قرّبنا لك من لم يعرف الشّرّ يجانسك في الطّبيعة، فتقبّل قرباننا، وارزقنا خيرك، وخير أرواحك الخيّرة.
ويقرّبون للمرّيخ رجلا أشقر، أنمش (١)، أبيض الرّأس من الشّقرة، يأتون به، فيدخلونه في حوض عظيم، ويشدّون قيوده إلى أوتاد في قعر الحوض، ويملئون الحوض زيتا، حتّى يبقى الرّجل قائما فيه إلى حلقه، ويخلطون بالزّيت الأدوية المقويّة للعصب، والمعفّنة للّحم حتّى إذا دار عليه الحول بعد أن يغذّى بالأغذية المعفّنة للّحم والجلد، قبضوا على رأسه، فملخوا عصبه من جلده، ولفّوه تحت رأسه، وأتوا به إلى صنمهم، الّذي هو على صورة المريخ، فقالوا: أيّها الإله الشّرّير ذو الفتن والجوائح، قرّبنا إليك ما يشبهك، فتقبّل قرباننا، واكفنا شرّك وشرّ أرواحك الخبيثة الشّرّيرة.
ويزعمون أنّ الرّأس تبقى فيه الحياة سبعة أيّام، وتكلّمهم بعلم ما يصيبهم تلك السّنة من خير وشرّ.
ويقرّبون للشّمس تلك المرأة الّتي قتلوا ولدها للمشتري، ويطوفون بصورة الشّمس، ويقولون: مسبّحة مهلّلة أنت أيّتها الآلهة النّورانيّة، قرّبنا إليك ما يشبهك، فتقبّلي قرباننا، وارزقينا من خيرك، وأعيذينا من شرّك.
ويقرّبون للزهرة عجوزا شمطاء ماجنة، يقدّمونها بين يديها، وينادون حولها: أيّتها الآلهة الماجنة أتيناك بقربان بياضه كبياضك، ومجانته كمجانتك، وظرفه كظرفك، فتقبّليها منّا.
стр. 77
ثمّ يأتون بالحطب، فيجعلونه حول العجوز، ويضرمون فيه النّار إلى أن تحترق، فيحثون رمادها في وجه الصّنم.
ويقرّبون لعطارد شابّا أسمر حاسبا كاتبا متأدّبا، يأتون به بحيلة، وكذلك يفعلون بالكلّ يخدعونهم، ويبنّجونهم، ويسقونهم أدوية تزيل العقل، وتخرس الألسنة، فيقدّمون هذا الشّابّ إلى صنم عطارد، ويقولون: أيّها الرّبّ الظّريف، أتيناك بشخص ظريف، وبطبعك اهتدينا، فتقبّل منّا.
ثمّ ينشر الشّابّ نصفين، ويربّع، ويجعل على أربعة خشبات حوله، ويضرم في كلّ خشبة النّار حتّى تحترق، ويحترق الرّبع معها، ويحثون رماده في وجهه.
ويقرّبون للقمر رجلا آدم، كبير الوجه، ويقولون له: يا بريد الآلهة، وخفيف الأجرام العلويّة.
ذكر تلبيسه على عبّاد الأصنام:
قال المصنّف: كلّ محنة لبّس بها إبليس على النّاس، فسببها الميل إلى الحسّ، والإعراض عن مقتضى العقل، ولمّا كان الحسّ يأنس بالمثل، دعا إبليس - لعنه الله - خلقا كثيرا إلى عبادة الصّور، وأبطل عند هؤلاء عمل العقل بمرّة.
فمنهم من حسّن له أنّها الآلهة وحدها، ومنهم من وجد فيه قليل فطنة، فعلم أنّه لا يوافقه على هذا، فزيّن له أنّ عبادته هذه تقرّب إلى الخالق، فقالوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣].
ذكر بداية تلبيسه على عبّاد الأصنام:
أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو جعفر بن أحمد بن السلم، نا أبو عبيد الله محمّد بن عمران المرزباني، نا أبو بكر أحمد بن محمّد بن
стр. 78
عبد الله الجوهريّ، ثنا أبو عليّ الحسن بن عليل العنزي، ثنا أبو الحسن عليّ بن الصّبّاح بن الفرات، قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ، قال: أخبرني أبي، قال: أوّل ما عبدت الأصنام كان آدم ﵇ لمّا مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الّذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: بوذ، وهو أخصب جبل في الأرض.
قال هشام: فأخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس ﵄ قال: فكان بنو شيث بن آدم ﵊، يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظّمونه ويترحّمون عليه، فقال رجل من بني قابيل: يا بني قابيل، إنّ لبني شيث دوّارا يدورون حوله، ويعظّمونه، وليس لكم شيء. فنحت لهم صنما، فكان أوّل من عملها.
قال: وأخبرني أبي أنّه قال: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، قوم صالحون، فماتوا في شهر، فجزع عليهم أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم، غير أنّني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا؟
فقالوا: نعم.
فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرّجل منهم يأتي أخاه، وعمّه، وابن عمّه، فيعظّمه، ويسعى حوله، حتّى ذهب ذلك القرن الأوّل، وعملت على عهد يزد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثمّ جاء قرن آخر، فعظّموهم أشدّ تعظيما من القرن الأوّل.
ثمّ جاء من بعدهم القرن الثّالث، فقالوا: ما عظّم الأوّلون هؤلاء إلّا وهم يرجون شفاعتهم عند الله فعبدوهم، وعظّموا أمرهم، واشتدّ كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس ﵊ فدعاهم، فكذّبوه، فرفعه الله مكانا عليّا.
ولم يزل أمرهم يشتدّ فيما قال الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، حتّى أدرك نوح،
стр. 79
فبعثه الله نبيّا، وهو يومئذ ابن أربع مئة وثمانين سنة، فدعاهم إلى عبادة الله مئة وعشرين سنة، فعصوه وكذّبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، فعملها، وفرغ منها، وركبها وهو ابن ستّ مئة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاث مئة سنة، وخمسين سنة.
فكان بين آدم ونوح: ألفا سنة، ومئة سنة، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتّى قذفها إلى أرض جدّة، فلمّا نضب الماء، بقيت على الشّطّ فسفت الرّيح عليها حتّى وارتها.
قال الكلبيّ: وكان عمرو بن لحي كاهنا، وكان يكنّى أبا ثمامة، له رئي من الجنّ، فقال له: عجّل المسير والظّعن من تهامة، بالسّعد والسّلامة، ائت صفا جدّة، تجد فيها أصناما معدّة، فأوردها تهامة، ولا تهب، ثمّ ادع العرب إلى عبادتها تجب.
فأتى نهر جدّة، فاستثارها، ثمّ حملها حتّى ورد بها تهامة، وحضر الحجّ، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللّات، فدفع إليه ودّا، فحمله، فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمّى ابنه: عبد ودّ، فهو أوّل من سمّي به، وجعل عوف ابنه عامرا سادنا له، فلم يزل بنوه يدينون به، حتّى جاء الله بالإسلام.
قال الكلبيّ: حدّثني مالك بن حارثة أنّه رأى ودّا.
قال: وكان أبي يبعثني باللّبن إليه، ويقول: اسق إلهك. فأشربه، قال: ثمّ رأيت خالد بن الوليد بعد كسره، فجعله جذاذا، وكان رسول الله ﷺ بعثه من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ودّ، وبنو عامر، فقتلهم، وهدمه وكسّره، وقتل يومئذ رجلا من بني عبد ودّ يقال له: قطن بن سريح، فأقبلت أمّه وهو مقتول وهي تقول:
стр. 80
ألا تلك المودّة لا تدوم … ولا يبقى على الدّهر النّعيم
ولا يبقى على الحدثان عفر (١) … له أمّ بشاهقة رؤوم
ثمّ قالت:
يا جامعا جمع الأحشاء والكبد … يا ليت أمّك لم تولد ولم تلد
ثمّ أكبّت عليه، فشهقت وماتت.
قال الكلبيّ: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودّا، حتّى كأنّي أنظر إليه.
قال: كان تمثال رجل أعظم ما يكون من الرّجال، قد دير - أي نقش - عليه حلّتان، متّزر بحلّة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلّده، وتنكّب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء وفضّة، فيها نبل، يعني: جعبته.
قال: وأجابت عمرو بن لحي، مضر بن نزار، فدفع إلى رجل من هذيل يقال له:
الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعا، وكان بأرض يقال لها: رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر.
فقال رجل من العرب:
تراهم حول قبلتهم عكوفا … كما عكفت هذيل على سواع
يظلّ حياته صرعى لديه … غنائم من ذخائر كلّ راعي
وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها.
وأجابته همدان، فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم يعوق، وكان بقرية يقال لها: جوان، تعبده همدان ومن والاها من اليمن.
стр. 81
وأجابته حمير، فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له: معدي كرب، نسرا، وكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بلخع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزالوا يعبدونه حتّى هوّدهم ذو نواس، ولم تزل هذه الأصنام تعبد، حتّى بعث الله محمّدا ﷺ ، فأمر بهدمها.
قال هشام: وحدّثني الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رفعت لي النّار، فرأيت عمرو بن لحيّ قصيرا، أحمر أزرق، يجرّ قصبه في النّار. قلت: من هذا؟ قيل: هذا عمرو بن لحي، أوّل من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وسيّب السّائبة، وحمى الحامي، وغيّر دين إسماعيل، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان» (١).
قال هشام: وحدّثني أبي وغيره أنّ إسماعيل ﵊، لمّا سكن مكّة، وولد له فيها أولاد، فكثروا، حتّى ملئوا مكّة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكّة، ووقعت بينهم الحروب والعداوت، فأخرج بعضهم بعضا، فتفسّحوا في البلاد، والتمسوا المعاش، فكان الّذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة، أنّه كان لا يظعن من مكّة ظاعن إلّا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم؛ تعظيما للحرم، وصيانة لمكّة، فحيثما حلّوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمّنا منهم بها، وصيانة للحرم، وحبّا له، وهم بعد يعظّمون الكعبة، ومكّة، ويحجّون ويعتمرون على أثر إبراهيم وإسماعيل، ثمّ عبدوا ما استحسنوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵇ غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم.
واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتمسّكون بها، من تعظيم البيت، والطّواف به، والحجّ والعمرة، والوقوف بعرفة والمزدلفة،
стр. 82
وإهداء البدن، والإهلال بالحجّ والعمرة، وكانت نزار تقول إذا ما أهلّت: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك».
وكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وسيّب السّائبة، ووصل الوصيلة، عمرو بن ربيعة، وهو لحيّ بن حارثة، وهو أبو خزاعة، وكانت أمّ عمرو بن لحي فهيرة بنت عامر بن الحارث، وكان الحارث هو الّذي يلي أمر الكعبة، فلمّا بلغ عمرو بن لحيّ، نازعه في الولاية، وقاتل جرهم بن إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكّة، وتولّى حجابة البيت من بعدهم، ثمّ إنّه مرض مرضا شديدا، فقيل له: إنّ بالبلقاء من أرض الشّام حمّة (١) إن أتيتها برئت. فأتاها فاستحمّ بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدوّ.
فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكّة، ونصبها حول الكعبة، واتّخذت العرب الأصنام.
وكان أقدمها مناة، وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المسلك بقديد بين مكّة والمدينة، وكانت العرب جميعا تعظّمه، والأوس والخزرج، ومن نزل المدينة ومكّة، وما والاها، ويذبحون له، ويهدون له.
قال هشام: وحدّثنا رجل من قريش، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمّد بن عامر بن يسار، قال: كانت الأوس والخزرج، ومن يأخذ مأخذهم من العرب من أهل يثرب وغيرها، ويحجّون، فيقفون مع النّاس المواقف كلّها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا، أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجّهم تماما إلّا بذلك، وكانت مناة لهذيل وخزاعة، فبعث رسول الله ﷺ عليّا ﵁ فهدمها عام الفتح.
стр. 83
ثمّ اتّخذوا اللّات بالطّائف، وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مرتفعة، وكانت سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، وكانت قريش وجميع العرب تعظّمها، وكانت العرب تسمّي: زيد اللّات، وتيم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطّائف اليسرى اليوم.
فلم يزالوا كذلك حتّى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها، وحرّقها بالنّار.
ثمّ اتّخذوا العزّى، وهي أحدث من اللّات، اتّخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي نخلة الشّامية، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا، وكانوا يسمعون منه الصّوت.
قال هشام: وحدّثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس ﵄ قال: كانت العزّى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلمّا افتتح رسول الله ﷺ مكّة، بعث خالد بن الوليد، فقال: «ائت بطن نخلة، فإنّك تجد ثلاث سمرات، فاعتضد الأولى». فأتاها، فعضدها، فلمّا جاء إليه، قال: «هل رأيت شيئا؟». قال: لا. قال: «فاعضد الثّانية»، فأتاها، فعضدها، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فقال: «هل رأيت شيئا؟!». قال: لا. قال: «فاعضد الثّالثة».
فأتاها، فإذا هو بجنيّة نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبّية السّلميّ، وكان سادنها.
فقال خالد:
يا عزّى كفرانك لا سبحانك … إنّي رأيت الله قد أهانك
ثمّ ضربها، ففلق رأسها، فإذا هي حممة، ثمّ عضد الشّجرة، وقتل دبّية السّادن، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فأخبره، فقال: «تلك العزّى، ولا عزّى بعدها للعرب» (١).
стр. 84
قال هشام: وكان لقريش أصنام في جوف الكعبة، وحولها وأعظمها عندهم هبل، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدا من ذهب، وكان أوّل من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان في جوف الكعبة، وكان قدّامه سبعة أقداح، مكتوب في أحدها: صريح. وفي الآخر: ملصق.
فإذا شكّوا في مولود، أهدوا له هديّة، ثمّ ضربوا بالقدح، فإن خرج صريح، ألحقوه، وإن خرج ملصق، دفعوه، وكانوا إذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا، أو عملا، أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده.
وهو الّذي قال له أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل (أي: علا دينك)، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ألا تجيبونه». فقالوا: وما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» (١).
وكان لهم أساف ونائلة.
قال هشام: فحدّث الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، أنّ أساف رجل من جرهم يقال له: أساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشّقها في أرض اليمن، فأقبلا حجّاجا، فدخلا البيت، فوجدا غفلة من النّاس، وخلوة من البيت، ففجر بها في البيت، فمسخا، فأصبحوا، فوجدوهما ممسوخين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة، وقريش، ومن حجّ البيت بعد من العرب.
قال هشام: لمّا مسخا حجرين، وضعا عند البيت ليتّعظ النّاس بهما، فلمّا طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها، وكان أحدهما ملصقا بالكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الّذي كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما.
وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة، وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التّاج،
стр. 85
وكانت بتبالة بين مكّة واليمن، على مسيرة سبع ليال من مكّة، وكانت تعظّمها، وتهدي لها خثعم وبجيلة، فقال رسول الله ﷺ لجرير ﵁: «ألا تكفني ذا الخلصة» (١).
فوجّهه إليه، فسار بأحمس، فقابلته خثعم وبجيلة، فظفر بهم، وهدم بنيان ذي الخلصة، وأضرم فيه النّار، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة.
وكان لدوس صنم، يقال له: ذو الكفّين، فلمّا أسلموا بعث رسول الله ﷺ الطّفيل بن عمرو فحرقه.
وكان لبني الحارث بن يشكر صنم، يقال له: ذو الشرى، وكان لقضاعة، ولخم، وجذام، وعاملة.
وغطفان صنم في مشارف الشّام، يقال له: الأقيصر.
وكان لمزينة صنم، يقال له: فهم، وبه كانت تسمّى عبد فهم.
وكانت لعنزة صنم، يقال له: سعير.
وكان لطيئ صنم يقال له: الفلس.
وكان لأهل كلّ واد من مكّة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السّفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسّح به، وإذا قدم من سفره كان أوّل ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسّح به، ومنهم من اتّخذ بيتا، ومن لم يكن له صنم، ولا بيت، نصب حجرا ممّا استحسن به، ثمّ طاف به، وسمّوها الأنصاب.
وكان الرّجل إذا سافر، فنزل منزلا، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتّخذه ربّا، وجعله ثالثة الأثافي لقدره، فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك، ولمّا ظهر
стр. 86
رسول الله ﷺ على مكّة، دخل المسجد، والأصنام منصوبة حول الكعبة، فجعل يطعن بسية قوسه (١) في عيونها ووجوهها، ويقول: «جاء الحقّ، وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا» (٢)، ثمّ أمر بها فكفئت على وجوهها، ثمّ أخرجت من المسجد فحرّقت.
وعن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: في زمان يزدجرد عبدت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبيد الله، نا أبو الحسين بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدّقّاق، ثنا جميل، ثنا حسن بن الرّبيع، ثنا مهدي بن ميمون، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: لمّا بعث رسول الله ﷺ ، فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذّاب، ولحقنا بالنّار، وكنّا نعبد الحجر في الجاهليّة، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه، نلقي ذاك، ونأخذه، وإذا لم نجد حجرا، جمعنا حثية من تراب، ثمّ جئنا بغنم، فحلبناها عليه، ثمّ طفنا به.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحدّاد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا أبو عبّاس السّرّاج، ثنا أحمد بن الحسن بن خراش، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا عمارة المعولي، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنّا نعمد إلى الرّمل، فنجمعه، فنحلب عليه، فنعبده، وكنّا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا، ثمّ نلقيه.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، نا عبد العزيز بن علي الورّاق، نا أحمد ابن إبراهيم، ثنا يوسف بن يعقوب النيسابوري، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، نا الحجّاج بن أبي زينب، قال: سمعت أبا عثمان النّهدي قال: كنّا في الجاهليّة نعبد حجرا،
стр. 87
فسمعنا مناديا ينادي: يا أهل الرّحال، إنّ ربّكم قد هلك، فالتمسوا لكم ربّا غيره.
قال: فخرجنا على كلّ صعب وذلول، فبينما نحن كذلك نطلب، إذا نحن بمناد ينادي:
إنّا قد وجدنا ربّكم أو شبهه. قال: فجئنا فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزر.
أنبأنا محمّد بن أبي طاهر، نا أبو إسحاق البرمكي، نا أبو عمر بن حيوة، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا محمّد بن عمرو، ثني الحجّاج بن صفوان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عنبسة قال: كنت امرأ ممّن يعبد الحجارة، فينزل الحيّ ليس معهم آلهة، فيخرج الحيّ منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبد، ثمّ لعلّه ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل، فيتركه، ويأخذ غيره.
أنبأنا عبد الوهّاب بن المبارك، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو الحسن العتيقي، نا عثمان بن عمرو بن المنتاب، نا أبو محمّد عبد الله بن سليمان الفامي، ثني أبو الفضل محمّد ابن أبي هارون الورّاق، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن شيخ من ساكني مكّة، قال:
سئل سفيان بن عيينة: كيف عبدت العرب الحجارة والأصنام؟ فقال: أصل عبادتهم الحجارة أنّهم قالوا: البيت حجر، فحيثما نصبنا حجرا، فهو بمنزلة البيت.
وقال أبو معشر: كان كثير من أهل الهند يعتقد الرّبوبيّة، ويقرّون بأنّ لله تعالى ملائكة، إلّا أنّهم يعتقدونه صورة كأحسن الصّور، وأنّ الملائكة أجساما حسانا، وأنّه وملائكته محتجبون بالسّماء، فاتّخذوا أصناما على صورة الله سبحانه عندهم، وعلى صور الملائكة، فعبدوها، وقرّبوا لها لموضع المشابهة على زعمهم.
وقيل لبعضهم: إنّ الملائكة، والكواكب، والأفلاك، أقرب الأجسام إلى الخالق، فعظّموها، وقرّبوا لها، ثمّ عملوا الأصنام.
стр. 88
وبنى جماعة من القدماء بيوتا كانت للأصنام، فمنها بيت على رأس جبل بأصبهان، كانت فيه أصنام أخرجها كوشتاسب لمّا تمجّس، وجعله بيت نار.
والبيت الثّاني، والثّالث في أرض الهند، والرّابع بمدينة بلخ، بناه منوشهر، فلما ظهر الإسلام خرّبه أهل بلخ، والخامس بيت بصنعاء، بناه الضّحّاك على اسم الزّهرة، فخرّبه عثمان بن عفّان ﵁ والسّادس بناه قابوس الملك على اسم الشّمس، بمدينة فرغانة، فخرّبه المعتصم.
وذكر يحيى بن بشر بن عمير النهاونديّ: أنّ شريعة الهند وضعها لهم رجل برهميّ، ووضع لهم أصناما، وجعل لهم أعظم بيوتهم بيتا بالميلتان (وهي مدينة من مدائن السّند)، وجعل فيه صنمهم الأعظم الّذي هو كصورة الهيولي الأكبر، وهذه المدينة فتحت في أيّام الحجّاج، وأرادوا قلع الصّنم، فقيل لهم: إن تركتموه، ولم تقلعوه، جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من مال. فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحجّ إليه من ألفي فرسخ، ولا بدّ للحاجّ أن يحمل معه دراهم على قدر ما يمكنه من مئة إلى عشرة آلاف، لا يكون أقلّ من هذا، ولا أكثر، ومن لم يحمل معه ذلك لم يتمّ حجّه، فيلقيه في صندوق عظيم هناك، ويطوفون بالصّنم.
فإذا ذهبوا، قسّم ذلك المال، فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصّنم ومصالحه.
قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: فانظر كيف تلاعب الشّيطان بهؤلاء، وذهب بعقولهم، فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحقّ أصنامهم، فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥].
وكانت الإشارة إلى العباد، أي: أنتم تمشون، وتبطشون، وتبصرون، وتسمعون،
стр. 89
والأصنام عاجزة عن ذلك، وهي جماد، وهم حيوان، فكيف عبد التّامّ النّاقص؟!
ولو تفكّروا، لعلموا أنّ الإله يصنع الأشياء، ولا يصنع، ويجمع، وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به، ولا يقوم بها، وإنّما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه، لا ما صنعه، وما خيّل إليهم أنّ الأصنام تشفع، فخيال ليس فيه شبهة يتعلّق بها.
[ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر]:
قال المصنف: قد لبّس إبليس على جماعة، فحسّن لهم عبادة النّار، وقالوا: هي الجوهر الّذي لا يستغني العالم عنه. ومن هاهنا زيّن عبادة الشّمس.
وذكر أبو جعفر بن جرير الطّبري: أنّه لمّا قتل قابيل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إنّ هابيل إنّما قبل قربانه، وأكلته النّار؛ لأنّه كان يخدم النّار، ويعبدها، فانصب أنت نارا، تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، فهو أوّل من نصب النّار، وعبدها.
قال الجاحظ: وجاء زرادشت من بلخ، وهو صاحب المجوس، فادّعى أنّ الوحي ينزل إليه على جبل سيلان، فدعا أهل تلك النّواحي الباردة الّذين لا يعرفون إلّا البرد، وجعل الوعيد بتضاعف البرد، وأقرّ بأنّه لم يبعث إلّا إلى الجبال فقط، وشرع لأصحابه التّوضّؤ بالأبوال وغشيان الأمّهات، وتعظيم النّيران، مع أمور سمجة.
قال: ومن قول زرداشت: كان الله وحده، فلمّا طالت وحدته، فكّر، فتولّد من فكرته إبليس، فلمّا مثل بين يديه، وأراد قتله، امتنع منه، فلمّا رأى امتناعه، ودّعه إلى مدّة.
قال الشيخ أبو الفرج ﵀: وقد بنى عابدو النّار لها بيوتا كثيرة، فأوّل من رسم لها بيتا أفريدون، فاتّخذوا لها بيتا بطوس، وآخر ببخارى، واتّخذ لها بهمن بيتا بسجستان، واتّخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى، وبنيت بعد ذلك بيوت كثيرة لها، وقد كان زرادشت وضع
стр. 90
نارا زعم أنّها جاءت من السّماء، فأكلت قربانهم، وذلك أنّه بنى بيتا، وجعل في وسطه مرآة، ولفّ القربان في حطب، وطرح عليه الكبريت، فلمّا استوت الشّمس في كبد السّماء، قابلت كوّة قد جعلها في ذلك البيت، فدخل شعاع الشّمس، فوقع على المرآة، فانعكس على الحطب، فوقعت فيه النّار، فقال: لا تطفئوا هذه النّار.
فصل [ذكر تلبيسه على أهل الجاهلية]
قال المصنف: وقد حسّن إبليس - لعنه الله - لأقوام عبادة القمر، ولآخرين عبادة النّجوم.
قال ابن قتيبة: وكان قوم في الجاهليّة عبدوا الشّعرى العبور (١)، وفتنوا بها، وكان أبو كبشة الّذي كان المشركون ينسبون إليه رسول الله ﷺ أوّل من عبدها.
وقال: قطعت السّماء عرضا، ولم يقطع السّماء عرضا غيرها. وعبدوها، وخالف قريشا، فلمّا بعث رسول الله ﷺ ، ودعا إلى عبادة الله، وترك الأوثان، قالوا: هذا ابن أبي كبشة (أي: شبهه ومثله في الخلاف). كما قالت بنو إسرائيل لمريم: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]- أي: يا شبيهة هارون في الصّلاح - وهما شعريان، إحداهما هذه، والشّعرى الأخرى: هي الغميصاء، وهي تقابلها، وبينهما المجرّة - والغميصاء من الذّراع المبسوط في جبهة الأسد - وتلك الجوزاء.
وزيّن إبليس - لعنه الله - لآخرين عبادة الملائكة، وقالوا: هي بنات الله تعالى. تعالى الله عن ذلك.
وزيّن لآخرين عبادة الخيل والبقر، وكان السّامريّ من قوم يعبدون البقر، فلهذا صاغ
стр. 91
عجلا، وجاء في التّعبير أنّ فرعون كان يعبد تيسا، وليس في هؤلاء من أعمل فكره، ولا استعمل عقله في تدبير ما يفعل، نسأل الله السّلامة في الدّنيا والآخرة.
ذكر تلبيسه على أهل الجاهلية:
قال المصنف: ذكرنا كيف لبّس عليهم في عبادة الأصنام، ومن أقبح تلبيسه عليهم في ذلك: تقليد الآباء من غير نظر في دليل كما قال الله : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠]، والمعنى: أتتبعونهم أيضا.
وقد لبّس إبليس على طائفة منهم، فقالوا بمذهب الدّهريّة، وأنكروا الخالق، وجحدوا البعث، وهؤلاء الّذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وعلى آخرين منهم، فأقرّوا بالخالق، لكنّهم جحدوا الرّسل والبعث، وعلى آخرين منهم، فزعموا أنّ الملائكة بنات الله، وأمال آخرين منهم إلى مذهب اليهود، وآخرين إلى مذهب المجوس، وكان في بني تميم منهم زرارة بن حدس التّميميّ، وابنه حاجب.
وممّن كان يقرّ بالخالق، والابتداء، والإعادة، والثّواب، والعقاب: عبد المطّلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقسّ بن ساعدة، وعامر بن الظرب - وكان عبد المطّلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة قال: تالله، إنّ وراء هذه الدّار لدارا يجزى فيها المحسن والمسيء.
ومنهم زهير بن أبي سلمى، وهو القائل:
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر … ليوم الحساب أو يعجّل فينتقم
ثمّ أسلم، ومنهم زيد الفوارس بن حصين، ومنهم القلمس بن أميّة الكناني، كان
стр. 92
يخطب بفناء الكعبة، وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتّى يعظها ويوصيها، فقال يوما: يا معشر العرب، أطيعوني ترشدوا. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنّكم تفرّدتم بآلهة شتّى، إنّي لأعلم ما الله بكلّ هذا راض، وأنّ الله ربّ هذه الآلهة، وأنّه ليحبّ أن يعبد وحده.
فتفرّقت عنه العرب لذلك، ولم يسمعوا مواعظه، وكان فيهم قوم يقولون: من مات، فربطت على قبره دابّته، وتركت حتّى تموت، حشر عليها، ومن لم يفعل ذلك، حشر ماشيا.
وممّن قاله عمرو بن زيد الكلبيّ.
قال المصنف: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشّرك، وإنّما تمسّك منهم بالتّوحيد، ورفض الأصنام القليل؛ كقسّ بن ساعدة وزيد.
وما زالت الجاهليّة تبتدع الكثيرة، فمنها النّسيء وهو تحريم الشّهر الحلال، وتحليل الشّهر الحرام، وذلك أنّ العرب كانت قد تمسّكت من ملّة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - بتحريم الأشهر الأربعة، فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرّم للحرب، أخّروا تحريمه إلى صفر، ثمّ يحتاجون إلى صفر، ثمّ كذلك، حتّى تتدافع السّنة، وإذا حجّوا قالوا: لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
ومنها: توريث الذّكر دون الأنثى.
ومنها: أنّ أحدهم كان إذا مات، ورّث نكاح زوجته أقرب النّاس إليه.
ومنها البحيرة: وهي النّاقة تلد خمسة أبطن، فإن كان الخامس أنثى، شقّوا أذنها، وحرّمت على النّساء.
والسّائبة: من الأنعام كانوا يسيّبونها، ولا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا.
والوصيلة: الشّاة تلد سبعة أبطن، فإن كان السّابع ذكرا أو أنثى، قالوا: وصلت أخاها.
فلا تذبح، وتكون منافعها للرّجال دون النّساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرّجال والنّساء.
стр. 93
والحام: الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيّبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه.
ثمّ يقولون: إنّ الله أمرنا بهذا.
فذلك معنى قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٣) [المائدة: ١٠٣].
ثمّ الله ردّ عليهم فيما حرّموه من البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحامي، وفيما أحلّوه بقوله: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، والمعنى: إن كان الله تعالى حرّم الذّكرين، فكلّ الذكور حرام، وإن كان حرّم الأنثيين، فكلّ الإناث حرام، وإن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإنّها تشتمل على الذّكور والإناث فيكون كلّ جنين حراما.
وزيّن لهم إبليس قتل أولادهم، فالإنسان منهم يقتل ابنته، ويغذو كلبه.
ومن جملة ما لبّس عليهم إبليس أنّهم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا. (أي: لو لم يرض شركنا، حال بيننا وبينه).
فتعلّقوا بالمشيئة، وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعمّ الكائنات، وأمره لا يعمّ مراداته، فليس لأحد أن يتعلّق بالمشيئة بعد ورود الأمر، ومذاهبهم السّخيفة الّتي ابتدعوها كثيرة، لا يصلح تضييع الزّمان بذكرها، ولا هي ممّا يحتاج إلى تكلّف ردّها.
ذكر تلبيس إبليس على جاحدي النّبوّات:
قال المصنّف: قد لبّس إبليس على البراهمة والهندوس، وغيرهم، فزيّن لهم جحد النّبوّات؛ ليسدّ طريق ما يصل من الإله، وقد اختلف أهل الهند؛ فمنهم: دهريّة، ومنهم ثنويّة، ومنهم على مذاهب البراهمة، ومنهم من يعتقد نبوّة آدم وإبراهيم فقط.
стр. 94
وقد حكى أبو محمّد النوبختي في كتاب «الآراء والدّيانات»: «أنّ قوما من الهند من البراهمة أثبتوا الخالق، والرّسل، والجنّة، والنّار، وزعموا أنّ رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب؛ له أربعة أيد واثنا عشر رأسا، من ذلك: رأس إنسان، ورأس أسد، ورأس فرس، ورأس فيل، ورأس خنزير، وغير ذلك من رءوس الحيوانات، وأنّه أمرهم بتعظيم النّار، ونهاهم عن القتل والذّبائح، إلّا ما كان للنّار، ونهاهم عن الكذب، وشرب الخمر، وأباح لهم الزّنا، وأمرهم أن يعبدوا البقر.
ومن ارتدّ منهم، ثمّ رجع، حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار عينيه، ثمّ يذهب فيسجد للبقر، في هذيانات، يضيع الزّمان بذكرها.
قال المصنّف: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ستّ شبهات:
الشّبهة الأولى: استبعاد اطّلاع بعضهم على ما خفي عن بعض، فقالوا: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، والمعنى: وكيف اطّلع على ما خفي عنكم؟
وجواب هذه الشّبهة: أنّهم لو ناطقوا العقول لأجازت اختيار شخص بشخص، بخصائص يعلو بها جنسه، فيصلح بتلك الخصائص لتلقّف الوحي؛ إذ ليس كلّ أحد يصلح لذلك، وقد علم الكلّ أنّ الله ركّب الأمزجة متفاوتة، وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدنيّ، فإذا أمدّ النّبات والأحجار بخواصّ لإصلاح أبدان خلقت للفناء هاهنا، وللبقاء في دار الآخرة، لم يبعد أن يخصّ شخصا من خلقه بالحكمة البالغة، والدّعاية إليه، إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال.
ومعلوم أنّ المخالفين لا يستنكرون أن يختصّ أقوام بالحكمة، ليسكّنوا فورات الطّباع الشّرّيرة بالموعظة، فكيف ينكرون إمداد الباري سبحانه بعض النّاس، برسائل ووصايا يصلح بها العالم، ويطيب أخلاقهم، ويقيم بها سياستهم، وقد أشار إلى ذلك في
стр. 95
قوله : ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢].
الشّبهة الثّانية: قالوا: هلّا أرسل ملكا، فإنّ الملائكة إليه أقرب، ومن الشّكّ فيهم أبعد، والآدميّون يحبّون الرّياسة على جنسهم، فيوقع ذلك شكّا.
وجواب هذا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ في قوى الملائكة قلب الجبال والصّخور، فلا يمكن إظهار معجزة تدلّ على صدقهم؛ لأنّ المعجزة ما خرقت العادة، وهذه عادة الملائكة، وإنّما المعجزات الظّاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا على صدقه.
والثّاني: أنّ الجنس إلى الجنس أميل، فصحّ أن يرسل إليهم من جنسهم لئلّا ينفروا، وليعقلوا عنه، ثمّ تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه دليل على صدقه.
والثّالث: أنّه ليس في قوى البشر رؤية الملك، وإنّما الله تعالى يقوّي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً﴾ [الأنعام: ٩]، أي: لينظروا إليه، ويأنسوا به، ويفهموا عنه.
ثمّ قال: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩) [الأنعام: ٩]، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتّى يشكّوا، فلا يدرون: أملك هو أم آدميّ؟
الشّبهة الثّالثة: قالوا: نرى ما يدّعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات، وما يلقى إليهم من الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسّحرة، فلم يبق لنا دليل نفرّق به بين الصّحيح والفاسد.
والجواب أن نقول: إنّ الله ﵎ بيّن الحجج، ثمّ بثّ الشّبه، وكلّف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميّتا، ولا أن يخرج من عصا حيّة، وأمّا الكاهن فقد يصيب وقد يخطئ، بخلاف النّبوّة الّتي لا خطأ فيها بوجه.
стр. 96
الشّبهة الرّابعة: قالوا: لا يخلو إمّا أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل، أو بما يخالفه، فإن جاءوا بما يخالفه، لم يقبل، وإن جاءوا بما يوافقه فالعقل يغني عنه.
والجواب أن نقول: قد ثبت أنّ كثيرا من النّاس يعجزون عن سياسات الدّنيا، حتّى يحتاجوا إلى متمّم كالحكماء والسّلاطين، فكيف بأمور الإلهيّة والآخرة.
الشّبهة الخامسة: قالوا: قد جاءت الشّرائع بأشياء ينفر منها العقل، وكيف يجوز أن تكون صحيحة؟ من ذلك: إيلام الحيوان.
والجواب: إنّ العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض، فأمّا إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض.
وبيان ذلك أنّ العقل قد عرف حكمة الخالق ، وأنّه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عليه هذه المعرفة التّسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن نحكم على الأصل بالبطلان.
ثمّ قد ظهرت حكمة ذلك، فإنّا نعلم أنّ الحيوان يفضل على الجماد، ثمّ النّاطق أفضل ممّا ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النّظريّة والعمليّة، وحاجة هذا النّاطق إلى إبقاء فهمه، ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللّحم شيء، ولا يستطرف تناول القويّ الضّعيف، وما فيه فائدة عظيمة لما قلّت فائدته.
وإنّما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم، فلو لم يذبح لكثر وضاق به المرعى، ومات، فتأذّى الحيوان الكريم بجيفته، فلم يكن لإيجاده فائدة.
وأمّا ألم الذّبح، فإنّه يسير، وقد قيل: إنّه لا يوجد أصلا؛ لأنّ الحسّاس للألم أغشية الدّماغ؛ لأنّ فيه الأعصاب الحسّاسة، ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة لم يحسّ الإنسان بألم، فإذا قطعت الأوداج سريعا، لم يصل ألم الجسم إلى محلّ الحسّ، ولهذا قال
стр. 97
﵊: «إذا ذبح أحدكم، فليحدّ شفرته، وليرح ذبيحته» (١).
الشّبهة السّادسة: قالوا: ربّما يكون أهل الشّرائع قد ظفروا بخواصّ من حجارة وخشب.
والجواب: أنّ هذا كلام ينبغي أن يستحيى من إيراده؛ فإنّه لم يبق شيء من العقاقير والأحجار، إلّا وقد وضحت خواصّها، وبان سرّها، فلو ظفر واحد منهم بشيء، وأظهر خاصّيّته، لوقع الإنكار من العلماء بتلك الخواصّ، وقالوا: هذا ليس منك، إنّما هذه خاصّيّة في هذا.
ثمّ إنّ المعجزات ليست نوعا واحدا، بل هي بين صخرة خرجت منها ناقة، وعصا انقلبت حيّة، وحجر تفجّر عيونا، وهذا القرآن الّذي له منذ نزل دون السّتّ مائة سنة، فالأسماع تدركه، والأفكار تتدبّره، والتّحدّي به على الدّوام، ولم يقدر أحد على مداناة سورة منه، فأين هذا والخاصّة والسّحر والشّعبذة؟
قال أبو الوفاء عليّ بن عقيل ﵁: صدأت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحقّ، وثبوت الشّرائع بين الخلق، والامتثال لأوامرها كابن الرّونديّ، ومن شاكله، كأبي العلاء، ثمّ مع ذلك لا يرون لمقالتهم نباهة ولا أثرا، بل الجوامع تتدفّق زحاما، والأذانات تملأ أسماعهم بالتّعظيم لشأن النّبيّ ﷺ ، والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحجّ مع ركوب الأخطار، ومعاناة الأسفار، ومفارقة الأهل والأولاد، فجعل بعضهم يندسّ في أهل النّقل، فيضع المفاسد على الأسانيد، ويضع السّير والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواصّ في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد، وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة والمنجّمين، ويبالغ في تقرير ذلك حتّى قالوا: إنّ سطيحا قال
стр. 98
في الخبيء الّذي خبّئ له: حبّة برّ، في إحليل مهر.
والأسود كان يعظ الشّيء قبل كونه.
وهاهنا اليوم معزّمون يكلّمون الجنّيّ الّذي في باطن المجنون، فيكلّمهم بما كان ويكون، وما شاكل ذلك من الخرافات، فمن رأى مثل هذا، قال بقلّة عقله، وقلّة تلمّحه لقصد هؤلاء الملحدة: وهل ما جاءت به النّبوّات إلّا مقارب هذا؟! وليس قول الكاهن:
حبّة برّ في إحليل مهر، وقد أخفيت هذا الإخفاء بأكثر من قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وهل بقي لهذا وقع في القلوب، وهذا التّقويم ينطق بالمنع من الرّكوب اليوم؟ وهل ترك تلمّح هذا إلّا الغبيّ؟!
والله، ما قصدوا بذلك إلّا قصدا ظاهرا ولمّحوا لمحا جليّا، فقالوا: تعالوا نكثر الجولان في البلاد والأشخاص والنّجوم والخواصّ، ولا يخلو مع الكثرة من مصادفة الاتّفاق لواحدة من هذه، فيصدق بها الكلّ، ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات.
ثمّ دسّ قوم من الصّوفية أنّ فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة، فامتلأ ذهبا، فصار هذا كالعادة بطريق الكرامات من المتصوّفين، وبطريق العادات في حقّ المنجّمين، وبطريق الخواصّ في حقّ الطّبائعيِّين، وبطريق الكهانة في حقّ المعزّمين، والعرّافين، فأيّ حكم بقي لقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. وأي خرق بقي للعادات، وهل العادات إلّا استمرار الوجود، وكثرة الحصول؟
فإذا نبّههم العاقل المتديّن على ما في هذا من الفساد، قال الصّوفيّ: أتنكر كرامات الأولياء؟ وقال أهل الخواصّ: أتنكر المغناطيس الّذي يجذب الحديد، والنّعامة تبلع النّار؟
стр. 99
فسكت عن جحد ما لم يكن لأجل ما كان، فويل للمحقّ معهم.
هذا، والباطنيّة من جانب، والمنجّمون من جانب من أرباب المناصب لا يحلّون، ولا يعقدون، إلّا بقولهم؛ فسبحان من يحفظ هذه الملّة، ويعلي كلمتها، حتّى إنّ كلّ الطّوائف تحت قهرها، إقبالا من الله على حراسة النّبوّات، وقمعا لأهل المحال.
فصل [ذكر تلبيسه على البراهمة]
ومن الهند البراهمة: قوم قد حسّن لهم إبليس أن يتقرّبوا بإحراق نفوسهم، فيحفر للإنسان منهم أخدود، وتجتمع النّاس، فيجيء مضمّخا بالخلوق والطّيب، وتضرب المعازف والطّبول والصّنوج، ويقولون: طوبى لهذه النّفس الّتي تعلق إلى الجنّة. ويقول هو: ليكن هذا القربان مقبولا، وليكن ثوابه الجنّة.
ثمّ يلقي نفسه في الأخدود، فيحترق، فإن هرب، نابذوه، ونفوه، وتبرّأوا منه، حتّى يعود.
ومنهم: من يحمى له الصّخر، فلا يزال يلزم صخرة صخرة حتّى يثقب جوفه، ويخرج معاه، فيموت.
ومنهم: من يقف قريبا من النّار إلى أن يسيل ودكه، فيسقط.
ومنهم: من يقطع من ساقه وفخذه قطعا، ويلقيها إلى النّار، والنّاس يزكّونه ويمدحونه، ويسألون مثل مرتبته حتّى، يموت.
ومنهم: من يقف في أخثاء البقر إلى ساقه، ويشعل فيه النّار، فيحترق.
ومنهم من يعبد الماء ويقول: هو حياة كلّ شيء. فيسجد له.
ومنهم من يجهّز له أخدود قريبا من الماء، فيقع في الأخدود، حتى إذا التهب قام،
стр. 100
فانغمس في الماء، ثم رجع إلى الأخدود، حتّى يموت، فإن مات بينهما حزن أهله، وقالوا:
حرم الجنّة. وإن مات في أحدهما، شهدوا له بالجنّة.
ومنهم: من يزهق نفسه بالجوع والعطش، فيسقط أوّلا عن المشي، ثمّ عن الجلوس، ثمّ ينقطع كلامه، ثمّ تبطل حواسّه، ثمّ تبطل حركته، ثمّ يخمد.
ومنهم: من يهيم في الأرض حتّى يموت.
ومنهم: من يغرق نفسه في النّهر.
ومنهم: من لا يأتي النّساء، ولا يواري العورة، ولهم جبل شاهق تحته شجرة، وعندها رجل بيده كتاب يقرأ فيه، يقول: طوبى لمن ارتقى هذا الجبل، وبعج بطنه، وأخرج معاه بيده.
ومنهم: من يأخذ الصّخور، فرضّ بها جسده حتّى يموت، والنّاس يقولون: طوبى لك.
وعندهم نهران، فيخرج أقوام من عبّادهم يوم عيدهم، وهناك رجال، فيأخذون ما على العبّاد من الثّياب، ويبطحونهم، فيقطّعونهم بنصفين، ثمّ يلقون أحد النّصفين في نهر، والنّصف الآخر في نهر، ويزعمون أنّهما يجريان إلى الجنّة.
ومنهم: من يخرج إلى براح، ومعه جماعة يدعون له، ويهنّئونه بنيّته، فإذا ضجر جلس، وجمع له سباع الطّير من كلّ جهة، فيتجرّد من ثيابه، ثمّ يمتدّ، والنّاس ينظرون إليه، فتبتدره الطّير، فتأكله، فإذا تفرّقت الطّير، جاءت الجماعة، فأخذوا من عظامه، وأحرقوها، وتبرّكوا بها في أفعال طويلة قد ذكرها أبو محمّد النّوبختي يضيع الزّمان في كتابتها.
والعجب أنّ الهند قوم تؤخذ الحكمة عنهم، ويؤخذ عنهم دقائق الحكمة، وتستلهم دقائق الأعمال.
فسبحان من أعمى قلوبهم، حتّى قادهم إبليس هذا المقاد.
стр. 101
قال: وفيهم من زعم أنّ الجنّة ثنتان وثلاثون مرتبة، وأنّ مكث أهل الجنّة في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف سنة، وثلاثة وثلاثون ألف سنة، وست مائة وعشرون سنة، وكلّ مرتبة أضعاف أضعاف ما دونها.
وأنّ النّار اثنتان وثلاثون مرتبة؛ منها ستّ عشرة مرتبة، فيها الزّمهرير، وصنوف عذابه، وستّ عشرة مرتبة، فيها الحريق وصنوف عذابه.
ذكر تلبيس إبليس على اليهود:
قال المصنّف: قد لبّس عليهم في أشياء كثيرة، نذكر منها نبذة، ليستدلّ بها على تلك.
فمن ذلك: تشبيههم الخالق بالخلق، ولو كان تشبّههم حقّا، لجاز عليه ما يجوز عليهم.
وحكى أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا، أنّ اليهود تزعم أنّ الإله المعبود رجل من نور، على كرسيّ من نور، على رأسه تاج من نور، وله أعضاء كما للآدميّين.
ومن ذلك قولهم: عزير ابن الله، ولو فهموا أنّ حقيقة البنوّة لا تكون إلّا بالتّبعيض، والخالق ليس بذي أبعاض؛ لأنّه ليس بمؤلّف (١) لم يثبتوا بنوّة، ثمّ إنّ الولد في معنى الوالد، وقد كان عزير لا يقوم إلّا بالطّعام، والإله من قامت به الأشياء، لا من قام بها، والّذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق: أنّهم رأوه قد عاد بعد الموت، وقرأ التّوراة من حفظه، فتكلّموا بذلك من ظنونهم الفاسدة.
стр. 102
ويدلّ على أنّ القوم كانوا في بعد من الذّهن، أنّهم لمّا رأوا أثر القدرة في فرق البحر لهم، ثمّ مرّوا على أصنام طلبوا مثلها، فقالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فلمّا زجرهم موسى عن ذلك، بقي في نفوسهم، فظهر المستور بعبادتهم العجل.
والّذي حملهم على هذا شيئان:
أحدهما: جهلهم بالخالق.
والثّاني: أنّهم أرادوا ما يسكن إليه الحسّ؛ لغلبة الحسّ عليهم، وبعد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود، ما اجترءوا عليه بالكلمات القبيحة، كقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
ومن تلبيسه عليهم أنّهم قالوا: لا يجوز نسخ الشّرائع. وقد علموا أنّ من دين آدم جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم، والعمل في يوم السّبت، ثمّ نسخ ذلك بشريعة موسى.
قالوا: إذا أمر الله بشيء، كان حكمه، فلا يجوز تغييره.
قلت: قد يكون التّغيير في بعض الأوقات حكمة، فإنّ تقلّب الآدميّ من صحّة إلى مرض، ومن مرض إلى موت كلّه حكمة، وقد حظر عليكم العمل يوم السّبت، وأطلق لكم العمل يوم الأحد، وهذا من جنس ما أنكرتم، وقد أمر الله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، ثمّ نهاه عن ذلك.
ومن تلبيسه عليهم: أنّهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠].
وهي الأيام الّتي عبد فيها العجل، وفضائحهم كثيرة، ثمّ حملهم إبليس على العناد المحض، فجحدوا ما كان في كتابهم من صفة نبيّنا ﷺ وغيّروا ذلك، وقد أمروا أن يؤمنوا به، ورضوا بعذاب الآخرة، فعلماؤهم عاندوا، وجهّالهم قلّدوا، ثمّ العجب أنّهم غيّروا ما أمروا به، وحرّفوا، ودانوا بما يريدون.
стр. 103
فأين العبوديّة ممّن يترك الأمر، ويعمل بالهوى؟ ثمّ إنّهم كانوا يخالفون موسى، ويعيبونه، حتّى قالوا: إنه آدر، واتّهموه بقتل هارون، واتّهموا داود بزوجة أوريا.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي البزّاز، نا الحسن بن علي الجوهري، نا أبو عمر بن حيويه، أخبرنا ابن معروف، قال: نا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمّد بن سعد، نا علي بن محمّد، عن عليّ بن مجاهد، عن محمّد بن إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدارس، فقال: «أخرجوا إليّ علماءكم».
فخرج إليه عبد الله بن صوريّا، فخلا به، فناشده الله بدينه، وبما أنعم الله عليهم، وأطعمهم من المنّ والسّلوى، وظلّلهم به من الغمام: «أتعلم أنّي رسول الله؟»
قال: اللهمّ نعم، وإنّ القوم ليعرفون ما أعرف، وإنّ صفتك ونعتك، لمبيّن في التّوراة، ولكنّهم حسدوك.
قال: «فما يمنعك أنت؟» قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتّبعوك، ويسلموا فأسلم (١).
أخبرنا هبة الله بن محمّد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن إسحاق، قال: حدثني صالح بن عبد الرّحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النّبيّ ﷺ ، حتّى وقف على مجلس بني عبد الأشهل.
قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنّا، عليّ بردة مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنّة والنّار، فقال: ذلك القوم أهل شرك وأصحاب
стр. 104
أوثان، لا يرون بعثا كائنا بعد الموت.
فقال له: ويحك يا فلان! أترى هذا كائنا؛ أنّ النّاس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟
قال: نعم. والذي يحلف به [يودّ أحدهم أنّ] له بحظّه من تلك النّار أعظم تنّور في الدّار يحمونه، ثمّ يدخلونه إيّاه، فيطبّقونه عليه، وأن ينجو من تلك النّار غدا.
قال له: ويحك! وما آية ذلك؟ قال: نبيّ مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكّة واليمن. قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنّا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فوالله، ما ذهب اللّيل والنّهار حتّى بعث الله رسوله ﷺ ، وهو حيّ بين أظهرنا، فآمنّا به، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويلك يا فلان! ألست الّذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به.
ذكر تلبيسه على النّصارى:
قال المصنّف: تلبيسه عليهم كثير؛ فمن ذلك أنّه أوهمهم أنّ الخالق سبحانه جوهر، فقالت اليعقوبيّة - أصحاب يعقوب - والملكيّة - أهل دين الملك - والنّسطوريّة أصحاب نسطورس: إنّ الله جوهر واحد، أقانيم ثلاثة (١)، فهو واحد في الجوهريّة، ثلاثة في الأقنوميّة؛ فأحد الأقانيم عندهم: الأب، والآخر: ابن، والآخر: روح القدس.
فبعضهم يقول: الأقانيم خواصّ، وبعضهم يقول: صفات، وبعضهم يقول: أشخاص، وهؤلاء قد نسوا أنّه لو كان الإله جوهرا لجاز عليه ما يجوز على الجوهر من التّحيّز بمكان
стр. 105
والتحرّك والسّكون والأوان (١) ثمّ سوّل لبعضهم أنّ المسيح هو الله.
قال أبو محمّد النّوبختي: زعمت الملكيّة واليعقوبيّة أنّ الّذي ولدته مريم، هو الإله، وسوّل الشّيطان لبعضهم أنّ المسيح ابن الله.
وقال لبعضهم: المسيح جوهران: أحدهما قديم، والآخر محدث، ومع قولهم هذا في المسيح يقرّون بحاجته إلى الطّعام، ولا يختلفون في هذا، وفي أنّه صلب، ولم يقدر على الدّفع عن نفسه.
ويقولون: إنّما فعل هذا بالنّاسوت، فهلّا دفع عن النّاسوت ما فيه من اللّاهوت.
ثمّ لبّس عليهم أمر نبيّنا محمّد ﷺ حتّى جحدوه بعد ذكره في الإنجيل، ومن الكتابيّين من يقول عن نبيّنا: إنّه نبيّ إلّا أنّه مبعوث إلى العرب خاصّة، وهذا تلبيس من إبليس، استغفلهم فيه؛ لأنّه متى ثبت أنّه نبيّ، فالنّبيّ لا يكذب، وقد قال: «بعثت إلى النّاس كافّة» (٢)، وقد «كتب إلى قيصر وكسرى، وسائر ملوك الأعاجم» (٣).
من تلبيس إبليس على اليهود والنّصارى:
ومن تلبيس إبليس على اليهود والنّصارى أنّهم قالوا: لا يعذّبنا الله لأجل أسلافنا؛ فمنّا
стр. 106
الأولياء والأنبياء، فأخبرنا الله عنهم بذلك: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. أي: منّا ابنه عزير وعيسى.
وكشف هذا التّلبيس: أنّ كلّ شخص مطالب بحقّ الله عليه، ولا يدفعه عنه ذو قرابته، ولو تعدّت المحبّة لشخص إلى غيره لموضع القرابة لتعدّي البعض، وقد قال نبيّنا ﷺ لابنته فاطمة: «لا أغني عنك من الله شيئا» (١)، وإنّما فضل المحبوب بالتّقوى، فمن عدمها عدم المحبّة، ثمّ إنّ محبّة الله للعبد ليست بشغف، كمحبّة الآدميّين بعضهم بعضا؛ إذ لو كانت كذلك لكان الأمر يحتمل.
ذكر تلبيسه على الصّابئين:
قال المصنّف: أصل هذه الكلمة (أعني الصّابئين) من قولهم: صبأت: إذا خرجت من شيء إلى شيء. وصبأت النّجوم: إذا ظهرت. وصبأ به: إذا خرج. والصّابئون: الخارجون من دين إلى دين. وللعلماء في مذهبهم عشرة أقوال:
أحدها: أنّهم قوم بين النّصارى والمجوس. رواه سالم، عن سعيد بن جبير، وليث، عن مجاهد.
والثّاني: أنّهم بين اليهود والمجوس. رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
والثّالث: أنّهم بين اليهود والنّصارى. رواه القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد.
والرّابع: أنّهم صنف من النّصارى، ألين قولا منهم، رواه أبو صالح، عن ابن عبّاس.
والخامس: أنّهم قوم من المشركين، لا كتاب لهم. رواه القاسم أيضا عن مجاهد.
والسّادس: أنّهم كالمجوس. قاله الحسن.
стр. 107
والسّابع: أنّهم فرقة من أهل الكتاب، يقرءون الزّبور. قاله أبو العالية.
والثّامن: أنّهم قوم يصلّون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزّبور. قاله قتادة ومقاتل.
والتّاسع: أنّهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السّدّيّ.
والعاشر: أنّهم كانوا يقولون: لا إله إلّا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبيّ إلّا قول: لا إله إلّا الله. قاله ابن زيد.
قال المصنّف: هذه أقوال المفسّرين.
فأما المتكلّمون فقالوا: مذهب الصّابئين تختلف؛ فمنهم من يقول: إنّ هناك هيوليّ، كان لم يزل، ولم يزل يصنع الصانع العالم من ذلك الهيوليّ.
وقال أكثرهم: العالم ليس بمحدث. وسمّوا الكواكب ملائكة، وسمّاها قوم منهم آلهة، وعبدوها، وبنوا لها بيوت عبادات، وهم يدّعون أنّ بيت الله الحرام واحد منها، وهو بيت زحل، وزعم بعضهم أنّه لا يوصف الله إلّا بالنّفي دون الإثبات.
فيقال: ليس بمحدث، ولا موات، ولا جاهل، ولا عاجز. قالوا: لئلّا يقع تشبيه.
ولهم تعبّدات في شرائع:
منها: أنّهم زعموا أنّ عليهم ثلاث صلوات في كلّ يوم:
أولها: ثمان ركعات.
وثلاث سجدات في كلّ ركعة، وانقضاء وقتها عند الشّمس.
والثّاني: خمس ركعات.
والثّالث: كذلك.
стр. 108
وعليهم صيام شهر، أوّله الثمان ليال يمضين من آذار، وسبعة أيّام، أولها التسع يبقين من كانون الأوّل، وسبعة أيّام أوّلها الثمان ليال يمضين من شباط، ويختمون صيامهم بالصّدقة والذّبائح، وحرّموا لحم الجزور، في خرافات يضيع الزّمان بذكرها.
وزعموا أنّ الأرواح الخيّرة تصعد إلى الكواكب الثّابتة، وإلى الضّياء، وأنّ الشرّيرة تنزل إلى أسفل الأرض وإلى الظّلمة.
وبعضهم يقول: هذا العالم لا يفنى، وإنّ الثّواب والعقاب في التّناسخ، ومثل هذه المذاهب لا يحتاج إلى تكلّف في ردّها؛ إذ هي دعاوى بلا دليل، وقد حسّن إبليس لأقوام من الصّابئين أنّهم رأوا الكمال في تحصيل مناسبة بينهم وبين الرّوحانيّات العلويّة باستعمال الطّهارات، وقوانين ودعوات، واشتغلوا بالتّنجيم والتّبخير.
وقالوا: لابدّ من متوسّط بين الله وبين خلقه من تعريف المعارف، والإرشاد للمصالح، إلّا أنّ ذلك المتوسّط ينبغي أن يكون روحانيّا لا جسمانيّا.
قالوا: فنحن نحصّل لأنفسنا مناسبة قدسيّة بيننا، فيكون ذلك وسيلة لنا إليه، وهؤلاء لا ينكرون بعث الأجساد.
ذكر تلبيس إبليس على المجوس:
قال يحيى بن بشر بن عمير النّهاونديّ: كان أوّل ملوك المجوس كومرث، فجاءهم بدينهم، ثمّ تتابع مدّعوا النّبوّة فيهم، حتّى اشتهر بها زرادشت، وكانوا يقولون: إنّ الله - تعالى عن ذلك - شخص روحاني ظهر، فظهرت معه الأشياء روحانيّة تامّة.
فقال: لا يتهيّأ لغيري أن يبتدع مثل هذه الّتي ابتدعتها. فتولّد من فكرته هذه ظلمة؛ إذ كان فيها جحود لقدرة غيره، فقامت الظّلمة تغالبه.
وكان ممّا سنّ زرادشت عبادة النّار، والصّلاة إلى الشّمس، يتأوّلون فيها أنّها ملكة
стр. 109
العالم، وهي الّتي تأتي بالنّهار، وتذهب باللّيل، وتحيي النّبات والحيوانات، وتردّ الحرارات إلى أجسادها.
وكانوا لا يدفنون موتاهم في الأرض تعظيما لها، ويقولون: إنّها نشوء الحيوانات، فلا نقذّرها. وكانوا لا يغتسلون بالماء تعظيما له، وقالوا: لأنّ به حياة كلّ شئ، إلّا أن يستعملوا قبله بول البقر ونحوه، ولا يبزقون فيه.
ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها، وكانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبرّكا به، وإذا كان عتيقا كان أكثر بركة، ويستحلّون فروج الأمّهات، قالوا: الابن أحرى بتسكين شهوة أمّه.
وإذا مات الزّوج فابنه أولى بالمرأة؛ فإن لم يكن له ابن اكتري رجل من مال الميّت، ويجيزون للرّجل أن يتزوّج بمائة وألف، وإذا أرادت الحائض أن تغتسل دفعت دينارا إلى الموبذ، ويحملها إلى بيت النّار، ويقيمها على أربع وينظّفها بسبّابته.
وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ، وأباح النّساء لكلّ من شاء، ونكح نساء قباذ لتقتدي به العامّة، فيفعلون بالنّساء مثله، فلمّا بلغ إلى أمّ أنوشروان، قال لقباذ: أخرجها إليّ؛ فإنّك إن منعتني شهوتي، لم يتمّ إيمانك.
فهمّ بإخراجها، فجعل أنوشروان يبكي بين يدي مزدك، ويقبّل رجله بين يدي أبيه قباذ، ويسأله أن يهب له أمّه، فقال قباذ لمزدك: ألست تزعم أنّ المؤمن لا ينبغي أن يردّ عن شهوته؟ قال: بلى. قال: فلم تردّ أنوشروان عن شهوته؟ قال: قد وهبتها له. ثمّ أطلق النّاس في أكل الميتة، فلمّا ولّي أنوشروان أفنى المزدكيّة.
قال: ومن أقوال المجوس: إنّ الأرض لا نهاية لها من أسفلها، وإنّ السّماء جلد من جلود الشّياطين، والرّعد إنّما هو خرخرة العفاريت المحبوسة في الأفلاك، المأسورة في حرب، والجبال من عظامهم، والبحر من أبوالهم ومائهم ودمائهم.
стр. 110
ونبغ للمجوس رجل في زمان انتقال دولة بني أميّة إلى بني العبّاس، واستغوى خلقا، وجرت له قصص، يطول الأمر بذكرها، فهو آخر من ظهر للمجوس، وقد ذكر بعض العلماء أنّه كان للمجوس كتب يدرسونها، وأنّهم أحدثوا دينا فرفعت كتبهم.
ومن أظرف تلبيس إبليس عليهم: أنّهم رأوا في الأفعال خيرا وشرّا، فسوّل لهم أنّ فاعل الخير لا يفعل الشّرّ، فأثبتوا إلهين، وقالوا: أحدهما نور حكيم، لا يفعل إلّا الخير، والآخر شيطان، هو ظلمة، لا يفعل إلّا الشّرّ، على نحو ما ذكرنا عن الثّنويّة.
قال المصنّف: وقد سبق ذكر شبههم وجوابها.
وقال بعضهم: الباري قديم، ولا يكون منه إلّا الخير، والشّيطان محدث، فلا يكون منه إلّا الشّرّ.
فيقال لهم: إذا أقررتم بأنّ النّور خلق الشّيطان، فقد خلق رأس الشّرّ.
وزعم بعضهم أنّ الخالق هو النّور، ففكّر فكرة رديئة، فقال: أخاف أن يحدث في ملكي من يضادّني، وكانت فكرة رديئة فحدث منها إبليس، فرضي إبليس أن ينسب إلى الرّداءة بعد إثبات أنّه شريك.
وحكى النّوبختي أنّ بعضهم قال: إنّ الخالق شكّ في شيء، كان الشّيطان من ذلك الشّكّ.
قال: وزعم بعضهم أنّ الإله والشّيطان جسمان قديمان؛ بينهما فضاء، وكانت الدّنيا سليمة من كلّ آفة، والشّيطان بمعزل عنها، فاحتال إبليس حتّى خرق السّماء بجنوده، فهرب الرّبّ عن قولهم بملائكته، فاتّبعه إبليس حتّى حاصره وحاربه ثلاثة آلاف سنة، لا هو يصل إليه، ولا الرّبّ يدفعه، ثمّ يصالحه على أن يكون إبليس وجنوده في الدّنيا سبعة آلاف سنة.