← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثمّ يخرجون، فيقولون: كان المجلس طيبا، ويشيرون بالطّيبة إلى ما لا يجوز. ومنهم: من يجري في مثل تلك الحالة الّتي شرحناها، لكنّه ينشد أشعار النّوح على الموتى، ويصف ما يجري لهم من البلاء، ويذكر الغربة، ومن مات غريبا، فيبكي بها النّساء، ويصير المكان كالمأتم، وإنّما ينبغي أن يذكر الصّبر على فقد الأحباب، لا ما يوجب الجزع. ومنهم: من يتكلّم في دقائق الزّهد، ومحبّة الحقّ سبحانه، فلبّس عليه إبليس: إنّك من جملة الموصوفين بذلك؛ لأنّك لم تقدر على الوصف حتّى عرفت ما تصف، وسلكت الطّريق، وكشف هذا التّلبيس أنّ الوصف علم، والسّلوك غير العلم. ومنهم: من يتكلّم بالطّامات والشّطح الخارج عن الشّرع، ويستشهد بأشعار العشق، وغرضه أن يكثر في مجلسه الصّياح ولو على كلام فاسد. وكم منهم من يزوّق عبارة لا معنى تحتها، وأكثر كلامهم اليوم في موسى، والجبل، وزليخا، ويوسف، ولا يكادون يذكرون الفرائض، ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزّنا، ومستعمل الرّبا، وتعرف المرأة حقّ زوجها، وتحفظ صلاتها، هيهات، هؤلاء تركوا الشّرع وراء ظهورهم، ولهذا نفقت سلعهم؛ لأنّ الحقّ ثقيل، والباطل خفيف. ومنهم: من يحثّ على الزّهد، وقيام اللّيل، ولا يبيّن للعامّة المقصود، فربّما تاب الرّجل منهم، وانقطع إلى زاوية، أو خرج إلى جبل، فبقيت عائلته لا شيء لهم. ومنهم: من يتكلّم في الرّجاء والطّمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر، فيزيد النّاس جرأة على المعاصي، ثمّ يقوى ما ذكر بميله إلى الدّنيا من المراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، فيفسد القلوب بقوله وفعله.

стр. 177

فصل [داء حب الظهور والرئاسة] وقد يكون الواعظ قاصدا للنّصيحة، إلّا أنّ منهم من شرب الرّئاسة في قلبه مع الزّمان، فيحبّ أن يعظّم، وعلامته أنّه إذا ظهر واعظ ينوب عنه، أو يعينه على الخلق، كره ذلك، ولو صحّ قصده، لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق. فصل [فتن مجلس الوعظ] ومن القصّاص من يخلط في مجلسه الرّجال والنّساء، وترى النّساء يكثرن الصّياح وجدا على زعمهنّ، فلا ينكر ذلك عليهنّ؛ جمعا للقلوب عليه، ولقد ظهر في زماننا هذا من القصّاص ما لا يدخل في التّلبيس؛ لأنّه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون به الأمراء، والظّلمة، والأخذ من أصحاب المكوس، والتّكسّب به في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر، فيذكر البلى، وفراق الأحبّة، فيبكي النّسوة، ولا يحثّ على الصّبر. وقد يلبّس على الواعظ المحقق، فيقول له: مثلك لا يعظ، وإنّما يعظ متيقّظ، فيحمله على السّكوت والانقطاع، وذلك من دسائس إبليس؛ لأنّه يمنع فعل الخير، ويقول: إنّك تلتذّ بما تورده، وتجد راحة، فربّما دخل الرّياء في قولك، وطريق الوحدة أسلم، ومقصوده بذلك سدّ باب الخير. وعن ثابت قال: كان الحسن في مجلس، فقيل للعلاء: تكلّم! فقال: أوهناك أنا؟ ثمّ ذكر الكلام، ومؤنته، وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال: ثمّ تكلّم الحسن: وإنّنا هناك يودّ الشّيطان أنّكم أخذتموها عنه، فلم يأمر أحدا بخير، ولم ينهه عن شرّ.

стр. 178

ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب: قال المصنف: قد لبّس على جمهورهم؛ فشغلهم بعلوم النّحو واللّغة من المهمّات اللّازمة الّتي هي فرض عين، عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات، وما هو أولى بهم من آداب النّفوس، وصلاح القلوب، وبما هو أفضل من علوم التّفسير، والحديث، والفقه، فأذهبوا الزّمان كلّه في علوم لا تراد لنفسها، بل لغيرها، فإنّ الإنسان إذا فهم الكلمة، فينبغي أن يترقّى إلى العمل بها، إذ هي مرادة لغيرها، فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشّريعة إلّا القليل، ولا من الفقه، ولا يلتفت إلى تزكية نفسه، وصلاح قلبه. ومع هذا ففيهم كبر عظيم، وقد خيّل لهم إبليس أنّهم علماء الإسلام؛ لأنّ النّحو واللّغة من علوم الإسلام، وبها يعرف معنى القرآن العزيز، ولعمري، إنّ هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النّحو لإصلاح اللّسان، وما يحتاج إليه من اللّغة في تفسير القرآن والحديث - أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه، وإنفاق الزّمان في تحصيل هذا الفاضل، وليس بمهمّ مع ترك المهمّ غلط، وإيثاره على ما هو أنفع، وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتّسع العمر لمعرفة الكلّ كان حسنا، لكنّ العمر قصير، فينبغي إيثار الأهمّ والأفضل. فصل [لزوم تفصيل المحتملات] وممّا ظنّوه صوابا وهو خطأ، ما أخبرنا به أبو الحسين بن فارس، قال: قيل لفقيه العرب: هل يجب على الرّجل إذا أشهد الوضوء. قال: نعم. قال: والإشهاد: أن يمذي الرّجل. قال المصنف: وذكر من هذا الجنس مسائل كثيرة، وهذا غاية في الخطإ؛ لأنّه متى كان الاسم مشتركا بين مسمّيين، كان إطلاق الفتوى على أحدهما دون الآخر خطأ، مثاله أن

стр. 179

يقول المستفتي: ما تقول في وطء الرّجل زوجته في قرئها؟ فإنّ القرء يقع عند اللّغويّين على الأطهار، وعلى الحيض. فيقول الفقيه: يجوز إشارة إلى الطّهر، أو لا يجوز إشارة إلى الحيض خطأ. وكذلك لو قال السّائل: هل يجوز للصّائم أن يأكل بعد طلوع الفجر؟ لم يجز إطلاق الجواب، فما ذكره فقيه العرب هو خطأ من وجهين: أحدهما: أنّه لم يستفصل في المحتملات. والثاني: أنّه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات، وترك الأظهر، وقد استحسنوا هذا، وقلّة الفقه أوجبت هذا الزّلل. فصل [فتنة البطالة] ولمّا كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهليّة، ولم يجد الطّبع صادّا عمّا وضع عليه من مطالعة الأحاديث، ومعرفة سير السّلف الصّالح، سالت بهم الطّباع إلى هوّة الهوى، فانبثّ شرع البطالة يعبث، فقلّ أن ترى منهم متشاغلا بالتّقوى، أو ناظرا في مطعم، فإنّ النّحو يغلب طلبه على السّلاطين، فيأكل النّحاة من أموالهم الحرام، كما كان أبو عليّ الفارسيّ في ظلّ عضد الدّولة وغيره. وقد يظنّون جواز الشّيء، وهو غير جائز لقلّة فقههم كما جرى للزّجّاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري، قال: كنت أؤدّب القاسم بن عبد الله، فأقول له: إن بلغت إلى مبلغ أبيك، ووليت الوزارة، ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: أن تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيّتي، فما مضت إلّا سنون حتّى ولّي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثمّ هبته، فلمّا كان في اليوم الثّالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحاق، لم أرك أذكرتني بالنّذر. فقلت: عوّلت على رعاية الوزير

стр. 180

أيّده الله، وأنّه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه في أمر خادم واجب الحقّ. فقال لي: إنّه المعتضد، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث، فأسمح بأخذه متفرّقا. فقلت: أفعل. فقال: اجلس للنّاس، وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار، واستعجل عليها، ولا تمتنع من مساءلتي شيئا تخاطب فيه؛ صحيحا كان أو محالا إلى أن يحصل لك مال النّذر، ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا فيوقع فيها، وربّما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت، هذا يساوي كذا وكذا، فاستزد، فأراجع القوم، ولا أزال أماكسهم ويزيدونني حتّى أبلغ الحدّ الّذي رسمه. قال: فعرضت عليه شيئا عظيما، فحصل عندي عشرون ألف دينار، وأكثر منها في مدّة مديدة. فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق، حصل مال النّذر؟ فقلت: لا، فسكت وكنت أعرض، ثمّ يسألني في كلّ شهر أو نحوه، هل حصل المال؟ فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل عندي ضعف المال، وسألني يوما، فاستحييت من الكذب المتّصل. فقلت: قد حصل ذلك بسعادة الوزير، فقال: فرّجت - والله - عنّي، فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك. قال: ثمّ أخذ الدّواة، ووقع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف أقع منه، فلمّا كان من الغد جئته، وجلست على رسمي، فأومأ إليّ: هات ما معك ليستدعي من الرّقاع على الرّسم، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة؛ لأنّ النّذر قد وقع الوفاء به، ولم أدر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله! أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة، وعلم به النّاس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدوّ ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه فيظنّ ذلك لضعف جاهك عندي، أو تغيّر رتبتك، اعرض عليّ رسمك، وخذ بلا حساب، فقبّلت يده وباكرته من غد بالرّقاع، وكنت أعرض عليه كلّ يوم شيئا إلى أن

стр. 181

مات، وقد تأثّلت مالي هذا. قال المصنف: انظروا ما يصنع قلّة الفقه، فإنّ هذا الرّجل الكبير القدر في معرفته النّحو واللّغة لو علم أنّ هذا الّذي جرى له لم يجز شرعا ما حكاه، وتبجّح به، فإنّ إيصال الظّلامات واجب، ولا يجوز أخذ البرطيل عليها، ولا على شيء ممّا نصب الوزير له من أمور الدّولة، وبهذا تبيّن مرتبة الفقه على غيره. ذكر تلبيس إبليس على الشعراء: قال المصنف: وقد لبّس عليهم فأراهم أنّهم من أهل الأدب، وأنّهم قد خصّوا بفطنة تميّزوا بها عن غيرهم، ومن خصّكم بهذه الفطنة ربّما عفا عن زللكم، فتراهم يهيمون في كلّ واد من الكذب، والقذف، والهجاء، وهتك الأعراض، والإقرار بالفواحش، وأقلّ أحوالهم أنّ الشّاعر يمدح الإنسان، فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتّقاء شرّه، أو يمدحه بين جماعة، فيعطيه حياء من الحاضرين، وجميع ذلك من جنس المصادرة. وترى خلقا من الشّعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير، والكذب في المدح خارجا عن الحدّ، ويحكون اجتماعهم على الفسق، وشرب الخمر، وغير ذلك، ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء، ففعلنا كذا وكذا، هيهات هيهات، ليس الأدب إلّا مع الله باستعمال التّقوى له، ولا قدر للفطن في أمور الدّنيا، ولا تحسن العبارة عند الله إذا لم يتّقه، وجمهور الأدباء إذا ضاق بهم رزق، تسخّطوا فكفروا، وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم: لئن سمت همّتي في الفضل عالية … فإنّ حظّي ببطن الأرض ملتصق كم يفعل الدّهر بي ما لا أسرّ به … وكم يسيء زمان جائر حنق وقد نسي هؤلاء أنّ معاصيهم تضيّق أرزاقهم، فقد رأوا أنفسهم مستحقّين للنّعم،

стр. 182

مستوجبين للسّلامة من البلاء، ولم يتلمّحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشّرع، فقد ضلّت فطنتهم في هذه الغفلة. ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء: قال المصنف: إنّ أقواما علت هممهم، فحصّلوا علوم الشّرع من القرآن، والحديث، والفقه، والأدب، وغير ذلك، فأتاهم إبليس بخفيّ التّلبيس، فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لمّا نالوا، وأفادوا غيرهم. فمنهم: من يستفزّه لطول عنائه في الطّلب، فحسّن له اللّذّات، وقال له: إلى متى هذا التّعب، فأرح جوارحك من كلف التّكاليف، وافسح لنفسك في مشتهاها. فإن وقعت في زلّة، فالعلم يدفع عنك العقوبة، وأورد عليه فضل العلماء، فإن خذل هذا العبد، وقبل هذا التّلبيس، يهلك، وإن وفّق فينبغي له أن يقول: جوابك من ثلاثة أوجه: أحدها: إنّه إنّما فضّل العلماء بالعلم، ولولا العمل به ما كان له معنى، وإذا لم أعمل به كنت كمن لم يفهم المقصود به، ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطّعام، وأطعم الجياع، ولم يأكل، فلم ينفعه ذلك من جوعه. والثاني: أن يعارضه بما ورد في ذمّ من لم يعمل بالعلم، لقوله ﷺ : «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه» (١). وحكايته ﷺ عن رجل يلقى في النّار، فتندلق أقتابه، فيقول: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (٢).

стр. 183

وقول أبي الدّرداء ﵁: «ويل لمن لا يعلم مرّة، وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرّات». والثالث: أن يذكر له عقاب من هلك من العلماء التّاركين للعمل بالعلم؛ كإبليس وبلعام، ويكفي في ذمّ العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة: ٥]. وقد لبّس إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة أخرى، فحسّن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنّظير، والرّياء لطالب الرّياسة، فتارة يريهم أنّ هذا كالحقّ الواجب لهم، وتارة يقوّي حبّ ذلك عندهم، فلا يتركونه مع علمهم بأنّه خطأ، وعلاج هذا لمن وفّق: إدمان النّظر في إثم الكبر، والحسد، والرّياء، وإعلام النّفس أنّ العلم لا يدفع شرّ هذه المكتسبات، بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجّة بها، ومن نظر في سير السّلف من العلماء العاملين استحقر نفسه، فلم يتكبّر، ومن عرف الله، لم يراء، ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته، لم يحسد. وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة، فيقول: طلبكم للرّفعة ليس بتكبّر؛ لأنّكم نوّاب الشّرع، فإنّكم تطلبون إعزاز الدّين، ودحض أهل البدع، وإطلاقكم اللّسان في الحسّاد غضب للشّرع، إذ الحسّاد قد ذمّوا من قام به، وما تظنّونه رياء فليس برياء؛ لأنّ من تخاشع منكم وتباكى، اقتدى به النّاس كما يقتدون بالطّبيب إذا احتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف. وكشف هذا التّلبيس: أنّه لو تكبّر متكبّر على غيرهم من جنسهم، وصعد في المجلس فوقه، أو قال حاسد عنه شيئا، لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه، وإن كان المذكور من نوّاب الشّرع، فعلم أنّه إنّما لم يغضب لنفسه، بل للعلم.

стр. 184

وأمّا الرّياء، فلا عذر فيه لأحد، ولا يصلح أن يجعل طريقا لدعاية النّاس، وقد كان أيّوب السختيانيّ إذا حدّث بحديث، فرق ومسح وجهه، وقال: ما أشدّ الزّكام! وبعد هذا، فالأعمال بالنّيّات، والنّاقد بصير، وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده، فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: الفرح، فإنّه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب. والثاني: لسروره بثلب المسلمين. والثالث: أنّه لا ينكر. فصل [حب علو الصيت] وقد لبّس إبليس على الكاملين في العلوم، فيسهرون ليلهم، ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم، ويريهم إبليس أنّ المقصود نشر الدّين، ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذّكر، وعلوّ الصّيت والرّياسة، وطلب الرّحلة من الآفاق إلى المصنّف. وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انتفع بمصنّفاته النّاس من غير تردّد إليه، أو قرئت على نظيره في العلم، فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم، وقد قال بعض السّلف: ما من علم علمته إلّا أحببت أن يستفيده النّاس من غير أن ينسب إليّ. ومنهم: من يفرح بكثرة الأتباع، ويلبّس عليه إبليس بأنّ هذا الفرح لكثرة طلّاب العلم، وإنّما مراده كثرة الأصحاب، واستطارة الذّكر، ومن ذلك العجب بكلماتهم وعلمهم، وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممّن هو أعلم منه، ثقل ذلك عليه، وما هذه صفة المخلص في التّعليم؛ لأنّ مثل المخلص مثل الأطبّاء الّذين يداوون المرضى لله ، فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب منهم، فرح الآخر.

стр. 185

وقد ذكرنا آنفا حديث ابن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النّبيّ ﷺ من الأنصار ما منهم رجل يسأل عن شيء إلّا ودّ أنّ أخاه كفاه، ولا يحدّث بحديث إلّا ودّ أنّ أخاه كفاه. قال المصنّف: وقد يتخلّص العلماء الكاملون من تلبيسات إبليس الظّاهرة، فيأتيهم بخفيّ من تلبيسه بأن يقول له: ما لقيت مثلك، ما أعرفك بمداخلي ومخارجي! فإن سكن إلى هذا، هلك بالعجب، وإن سلم من المسالمة له، سلم. وقد قال السّريّ السقطيّ: لو أنّ رجلا دخل بستانا فيه من جميع ما خلق الله من الأشجار، عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار، فخاطبه كلّ طائر بلغته، وقال: السّلام عليك يا وليّ الله، فسكنت نفسه إلى ذلك، كان في أيديها أسيرا، والله الهادي لا إله إلّا هو.

стр. 186

الباب السابع في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين قال المصنف: قد لبّس عليهم إبليس من وجوه كثيرة، نذكر أمّهاتها: فالوجه الأوّل: أنّه يريد أنّ الله يحبّهم، ولولا ذلك، ما ولّاهم سلطانه، ولا جعلهم نوّابا عنه في عباده، وينكشف هذا التّلبيس بأنّهم إن كانوا نوّابا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه، وليتّبعوا مراضيه، فحينئذ يحبّهم لطاعته. فأمّا صورة الملك والسّلطنة، فإنّه قد أعطاها خلقا ممّن يبغضه، وقد بسط الدّنيا لكثير ممّن لا ينظر إليه، وسلّط جماعة من أولئك على الأولياء والصّالحين، فقتلوهم، وقهروهم، فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم، ودخل ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران: ١٧٨]. والثاني: أنّه يقول لهم: الولاية تفتقر إلى هيبة، فيتكبّرون عن طلب العلم، ومجالسة العلماء، فيعملون بآرائهم، فيتلفون الدّين، والمعلوم أنّ الطّبع يسرق من خصال المخالطين، فإذا خالطوا مؤثري الدّنيا، الجهّال بالشّرع، سرق الطّبع من خصالهم مع ما عنده منها، ولا يرى ما يقاومها، ولا ما يزجره عنها، وذلك سبب الهلاك. والثّالث: أنّه يخوّفهم الأعداء، ويأمرهم بتشديد الحجاب، فلا يصل إليهم أهل المظالم، ويتوانى من جعل بصدد رفع المظالم. وقد روى أبو مريم الأسديّ عن النّبيّ ﷺ قال: «من ولّاه الله شيئا من أمر المسلمين،

стр. 187

فاحتجب دون حاجتهم، وخلّتهم، وفقرهم، احتجب الله دون حاجته، وخلّته، وفقره» (١). والرّابع: أنّهم يستعلمون من لا يصلح ممّن لا علم عنده، ولا تقوى، فيجتلب الدّعاء عليهم بظلمه النّاس، ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة، ويحدّ من لا يجب عليه الحدّ، ويظنّون أنّهم يتخلّصون من الله ممّا جعلوه في عنق الوالي، هيهات! إنّ العامل على الزّكاة إذا وكّل الفسّاق بتفرقتها فخانوا، ضمن. والخامس: إنّه يحسّن لهم العمل برأيهم، فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحلّ قتله، ويوهمهم أنّ هذه سياسة، وتحت هذا من المعنى أنّ الشّريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام، ونحن نتمّها بآرائنا. وهذا من أقبح التّلبيس؛ لأنّ الشّريعة سياسة إلهيّة، ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله : ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، فمدّعي السّياسة مدّعي الخلل في الشّريعة، وهذا يزاحم الكفر. وقد روّينا عن عضد الدّولة أنّه كان يميل إلى جارية، فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها؛ لئلّا يشتغل قلبه عن تدبير الملك، وهذا هو الجنون المطبق؛ لأنّ قتل مسلم بلا جرم لا يحلّ، واعتقاده أنّ هذا جائز كفر، وإن اعتقده غير جائز؛ لكنّه رآه مصلحة، فلا مصلحة فيما يخالف الشّرع. والسادس: أنّه يحسّن لهم الانبساط في الأموال ظانّين أنّها بحكمهم، وهذا تلبيس

стр. 188

يكشفه وجوب الحجر على المفرّط في مال نفسه، فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره، وإنّما له من المال بقدر عمله، فلا وجه للانبساط. قال ابن عقيل: وقد روي عن حمّاد الرّاوية أنّه أنشد الوليد بن يزيد أبياتا، فأعطاه خمسين ألفا وجاريتين. قال: وهذا ممّا يروى على وجه المدح لهم، وهو غاية القدح فيهم؛ لأنّه تبذير في بيت مال المسلمين، وقد يزيّن لبعضهم منع المستحقّين، وهو نظير التّبذير. والسّابع: أنّه يحسّن لهم الانبساط في المعاصي، ويلبّس عليهم أنّ حفظكم للسّبيل، وأمن البلاد بكم يمنع عنكم العقاب، وجواب هذا أن يقال: إنّما وليتم لتحفظوا البلاد، وتؤمّنوا السّبل، وهذا واجب عليهم، وما انبسطوا فيه من المعاصي منهيّ عنه، فلا يرفع هذا ذلك. والثامن: أنّه يلبّس على أكثرهم بأنّه قد قام بما يجب من جهة أنّ ظواهر الأحوال مستقيمة، ولو حقّق النّظر لرأى اختلالا كثيرا. وقد روّينا عن القاسم بن طلحة بن محمّد الشّاهد، قال: رأيت عليّ بن عيسى الوزير وقد وكّل بدور البطّيخ رجلا برزق يطوف على باعة العنب، فإذا اشترى أحد سلّة عنب خمريّ، لم يعرض له، وإن اشترى سلّتين فصاعدا، طرح عليها الملح؛ لئلّا يتمكنّ من عملها خمرا. قال: وأدركت السّلاطين يمنعون المنجّمين من القعود في الطّرق حتّى لا يفشو العمل بالنّجوم. وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طرّة، ولا شعر إلى أن بدئ بحكم العجم.

стр. 189

والتاسع: أنّه يحسّن لهم استجلاب الأموال، واستخراجها بالضّرب العنيف، وأخذ كلّ ما يملكه الخائن واستحلافه، وإنّما الطّريق إقامة البيّنة على الخائن. وقد روّينا عن عمر بن عبد العزيز أنّ غلاما كتب له: أنّ غلاما كتب له: أنّ قوما خانوا في مال الله، ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم إلّا أن أنالهم بعذاب، فكتب إليه: لأن يلقوا الله بخيانتهم أحبّ إليّ من أن ألقاه بدمائهم. والعاشر: أنّه يحسّن لهم التّصدّق بعد الغصب يريهم أنّ هذا يمحو ذلك، ويقول: إنّ درهما من الصّدقة يمحو إثم عشرة من الغصب، وهذا محال؛ لأنّ إثم الغصب باق، ودرهم الصّدقة إن كان من الغصب لم يقبل، وإن كانت الصّدقة من الحلال، لم يدفع أيضا إثم الغصب؛ لأنّ إعطاء الفقير لا يمنع تعلّق الذّمّة بحقّ آخر. والحادي عشر: أنّه يحسّن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصّالحين وسؤالهم الدّعاء، ويريهم أنّ هذا يخفّف ذلك الإثم، وهذا الخير لا يدفع ذلك الشّرّ. وفي الحديث عن الحسين بن زياد، قال: سمعت منيعا يقول: مرّ تاجر بعشّار، فحبسوا عليه سفينته، فجاء إلى مالك بن دينار، فذكر له ذلك، فقام مالك، فمشى معه إلى العشّار، فلمّا رأوه، قالوا: يا أبا يحيى، ألا بعثت إلينا في حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخلّوا عن سفينة هذا الرّجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كوز يجعلون ما يأخذون من النّاس من الدّراهم فيه، فقالوا: ادع لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم، كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم: أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف؟! والثاني عشر: أنّ من الولاة من يعمل لمن فوقه، فيأمره بالظّلم فيظلم، ويلبّس عليهم إبليس بأنّ الإثم على الأمير لا عليك، وهذا باطل؛ لأنّه معين على الظّلم، وكلّ معين على

стр. 190

المعاصي عاص، فإنّ رسول الله ﷺ : «لعن في الخمر عشرة» (١)، «ولعن آكل الرّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه» (٢). ومن هذا الفنّ أن يجبي المال لمن هو فوقه، وقد علم أنّه يبذّر فيه ويخون، فهذا معين على الظّلم أيضا. وفي الحديث: بإسناد مرفوع إلى جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة». والله الهادي إلى الصّواب.

стр. 191

الباب الثامن ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات قال المصنّف: اعلم أنّ الباب الأعظم الّذي يدخل منه إبليس على النّاس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهّال بأمان، وأمّا العالم، فلا يدخل عليه إلّا مسارقة، وقد لبّس إبليس على كثير من المتعبّدين بقلّة علمهم؛ لأنّ جمهورهم يشتغل بالتّعبّد، ولم يحكّم العلم. وقد قال الرّبيع بن خثيم: تفقّه، ثمّ اعتزل. فأوّل تلبيسه عليهم: إيثارهم التّعبّد على العلم، والعلم أفضل من النّوافل، فأراهم أنّ المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلّا عمل الجوارح، وما علموا أنّ العمل عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح. قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلّمه أفضل من سبعين غزاة. وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحبّ إليّ من صلاة ليلة. قال المصنّف: فلمّا مرّ عليهم هذا التّلبيس، وآثروا التّعبّد بالجوارح على العلم، تمكّن إبليس من التّلبيس عليهم في فنون التّعبّد. ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث: من ذلك: أنّه يأمرهم بطول المكث في الخلاء، وذلك يؤذي الكبد، وإنّما ينبغي أن يكون بمقدار. ومنهم: من يقوم فيمشي ويتنحنح، ويرفع قدما، ويحطّ أخرى، وعنده أنّه يستنقي بهذا،

стр. 192

وكلّما زاد في هذا، نزل البول، وبيان هذا أنّ الماء يرشح إلى المثانة، ويجمع فيها، فإذا تهيّأ الإنسان لبول خرج ما اجتمع، فإذا مشى وتنحنح وتوقّف، رشح شيء آخر، فالرّشح لا ينقطع، وإنّما يكفيه أن يحتلب ما في الذّكر بين أصبعيه، ثمّ يتبعه الماء. ومنهم: من يحسّن له استعمال الماء الكثير، وإنّما يجزيه بعد زوال العين سبع مرّات على أشدّ المذاهب، فإن استعمل الأحجار فيما لم يتعدّ المخرج، أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهنّ، ومن لم يقنع بما قنع الشّرع به، فهو مبتدع شرعا، لا متّبع، والله الموفّق. ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء: منهم: من يلبّس عليه في النّيّة، فتراه يقول: أرفع الحدث، ثمّ يقول: أستبيح الصّلاة، ثمّ يعيد، فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التّلبيس: الجهل بالشّرع؛ لأنّ النّيّة بالقلب لا باللّفظ، فتكلّف اللّفظ أمر لا يحتاج إليه، ثمّ لا معنى لتكرار اللّفظ. ومنهم: من يلبّس عليه بالنّظر في الماء المتوضّأ به، فيقول: من أين لك أنّه طاهر، ويقدّر له فيه كلّ احتمال بعيد، وفتوى الشّرع تكفيه بأنّ أصل الماء الطّهارة، فلا يترك الأصل بالاحتمال. ومنهم: من يلبّس عليه بكثرة استعمال الماء، وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة: الإسراف في الماء. وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب، ولا مندوب. والتّعاطي على الشّريعة إذ لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل. والدّخول فيما نهت عنه من الزّيادة على الثّلاث، وربّما أطال الوضوء، ففات وقت الصّلاة، أو فات أوّله، وهو الفضيلة، أو فاتته الجماعة.

стр. 193

وتلبيس إبليس على هذا بأنّك في عبادة ما لم تصحّ، لا تصحّ الصّلاة، ولو تدبّر أمره لعلم أنّه في مخالفة وتفريط، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس، ولا يبالي بمطعمه ومشربه، ولا يحفظ لسانه من غيبة، فليته قلّب الأمر. وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أنّ النّبيّ ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضّأ، فقال: «ما هذا السّرف يا سعد؟». قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار» (١). وفي الحديث عن أبيّ، عن النّبيّ ﷺ قال: «للوضوء شيطان يقال له: الولهان، فاتّقوه». أو قال: «فاحذروه» (٢). وعن الحسن ﵁ قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالنّاس في الوضوء. وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة، أنّ عبد الله بن مغفّل سمع ابنه يقول: اللهمّ إنّي أسألك الفردوس، وأسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتها، فقال عبد الله: سل الله الجنّة، وتعوّذ به من النّار، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الدّعاء والطّهور» (٣). وعن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرّض بابن سيرين، يقول: يتوضّأ أحدهم بقربة، ويغتسل بمزادة صبّا صبّا، ودلكا دلكا، تعذيبا لأنفسهم، وخلافا لسنّة نبيّهم ﷺ . وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أجلّ محصول عند العقلاء الوقت، وأقلّ متعبّد به الماء. وقد قال ﷺ : «صبّوا على بول الأعرابيّ ذنوبا من ماء» (٤).

стр. 194

وقال في المنيّ: «أمطه عنك بإذخرة» (١)، وقال في الحذاء: «طهوره بأن يدلك بالأرض» (٢)، وفي ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» (٣)، وقال: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام» (٤). «وكان يحمل ابنة أبي العاص بن الرّبيع في الصّلاة» (٥). ونهى الرّاعي عن إعلام السّائل له عن الماء يردّه، وقال: «يا صاحب الماء، لا تخبره» (٦). وقال: «ما أبقيت لنا من طهور؟». «وقد صافح رسول الله ﷺ الأعراب، وركب الحمار معروريّا» (٧). وما عرف من خلقه التّعبّد بكثرة الماء، وتوضّأ من سقاية المسجد، ومعلوم حال الأعراب الّذين يأتي أحدهم من البادية كأنّه بهيمة، أو ما سمعت أنّ أحدهم أقدم على البول في المسجد، كلّ ذلك لتعليمنا، وإعلامنا أنّ الماء على أصل الطّهارة، وتوضّأ من غدير كأنّ ماءه نقاعة الحنّاء (٨). فأمّا قوله: «استنزهوا من البول» (٩)، فإنّ للتّنزّه حدّا معلوما، وهو ألّا يغفل عن محلّ قد أصابه حتّى يتبعه الماء، فأمّا الاستنثار، فإنّه إذا علق نما، وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشّرع.

стр. 195

قال المصنّف: وكان أسود بن سالم، وهو من كبار الصّالحين يستعمل ماء كثيرا في وضوئه، ثمّ ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه، فقال: نمت ليلة، فإذا بهاتف يهتف بي: يا أسود، ما هذا؟ فإنّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ حدّثني عن سعيد بن المسيّب، قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا، لم يرفع إلى السّماء. قال: قلت: لا أعود، لا أعود، فأنا اليوم يكفيني كفّ من ماء. ذكر تلبيسه عليهم في الأذان: ومن ذلك: التّلحين في الأذان، وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء كراهية شديدة؛ لأنّه يخرجه عن موضع التّعظيم إلى مشابهة الغناء، ومنه أنّهم يخلطون أذان الفجر بالتّذكير، والتّسبيح، والمواعظ، ويجعلون الأذان وسطا، فيختلط. وقد كره العلماء كلّ ما يضاف إلى الأذان. وقد رأينا من يقوم باللّيل كثيرا على المنارة، فيعظ ويذكّر، ومنهم من يقرأ سورا من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع النّاس من نومهم، ويخلط على المتهجّدين قراءتهم، وكلّ ذلك من المنكرات. ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة: ومن ذلك: تلبيسه عليهم في الثّياب الّتي يستتر بها، فترى أحدهم يغسل الثّوب الطّاهر مرارا، وربّما لمسه مسلم فيغسله. ومنهم: من يغسل ثيابه في دجلة، لا يرى غسلها في البيت يجزئ. ومنهم: من يدلّيها في البئر كفعل اليهود، وما كانت الصّحابة تعمل هذا؛ بل قد صلّوا في ثياب فارس لمّا فتحوها، واستعملوا أوطئتهم وأكسيتهم.

стр. 196

ومن الموسوسين: من يقطر عليه قطرة ماء، فيغسل الثّوب كلّه، وربّما تأخّر لذلك عن صلاة الجماعة. ومنهم: من ترك الصّلاة جماعة؛ لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح عليه، ولا يظنّ ظانّ أنّني أمنع من النّظافة والورع، ولكنّ المبالغة الخارجة عن حدّ الشّرع، والمضيّعة للزّمان، هي الّتي ننهى عنها. ومن ذلك: تلبيسه عليهم في نيّة الصّلاة: فمنهم: من يقول: أصلّي صلاة كذا، ثمّ يعيد هذا ظنّا منه أنّه قد نقض النّيّة، والنّيّة لا تنقض، وإن لم يرض اللّفظ. ومنهم: من يكبّر، ثمّ ينقض، ثمّ يكبّر، ثمّ ينقض، فإذا ركع الإمام، كبّر الموسوس، وركع معه، فليت شعري ما الّذي أحضر النّيّة حينئذ، وما ذاك إلّا لأنّ إبليس أراد أن يفوّته الفضيلة. وفي الموسوسين من يحلف بالله لا كبّرت غير هذه المرّة، وفيهم من يحلف بالله بالخروج من ماله، أو بالطّلاق، وهذه كلّها تلبيسات إبليس. والشّريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات، وما جرى لرسول الله ﷺ ، ولا لأصحابه شيء من هذا، وقد بلغنا عن أبي حازم أنّه دخل المسجد، فوسوس إليه إبليس أنّك تصلّي بغير وضوء، فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا. وكشف هذا التّلبيس أن يقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النّيّة، فالنّيّة حاضرة؛ لأنّك قمت لتؤدّي الفريضة، وهذه هي النّيّة، ومحلّها القلب لا اللّفظ، إن كنت تريد تصحيح اللّفظ، فاللّفظ لا يجب، ثمّ قد قلته صحيحا، فما وجه الإعادة، أفتراك تظنّ، وقد قلت إنّك ما قلت، هذا مرض.

стр. 197

قال المصنّف: وقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة أنّ رجلا لقيه، فقال: إنّي أغسل العضو، وأقول: ما غسلته، وأكبّر، وأقول: ما كبّرت، فقال له ابن عقيل: دع الصّلاة، فإنّها ما تجب عليك. فقال قوم لابن عقيل: كيف تقول هذا؟ فقال لهم: قال النّبيّ ﷺ : «رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق» (١)، ومن يكبّر، ويقول ما كبّرت، فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه الصّلاة. قال المصنّف: واعلم أنّ الوسوسة في نيّة الصّلاة سببها خبل في العقل، وجهل بالشّرع، ومعلوم أنّ من دخل عليه عالم فقام له، وقال: نويت أن أنتصب قائما لدخول هذا العالم لأجل علمه، مقبلا عليه بوجهه، سفّه في عقله، فإنّ هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم. فقيام الإنسان إلى الصّلاة ليؤدّي الفرض أمر يتصوّر في النّفس في حالة واحدة، لا يطول زمانه؛ وإنّما يطول زمان نظم هذه الألفاظ، والألفاظ لا تلزم، والوسواس جهل محض. وإنّ الموسوس يكلّف نفسه أن يحضر في قلبه الظّهريّة والأدائيّة والفرضيّة في حالة واحدة مفصلة بألفاظه، وهو يطالعها، وذلك محال. ولو كلّف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذّر عليه، فمن عرف هذا، عرف النّيّة، ثمّ إنّه يجوز تقديمها على التّكبير بزمان يسير ما لم يفسخها، فما وجه هذا التّعب في إلصاقها بالتّكبير على أنّه إذا حصّلها، ولم يفسخها، فقد التصقت بالتّكبير. وعن مسعر قال: أخرج إليّ معن بن عبد الرّحمن كتابا، وحلف بالله أنّه خطّ أبيه، وإذا فيه قال عبد الله: والّذي لا إله إلّا غيره، ما رأيت أحدا كان أشدّ على المتنطّعين من

стр. 198

رسول الله ﷺ ، ولا رأيت بعده أشدّ خوفا عليهم من أبي بكر، وإنّي لأظنّ عمر كان أشدّ أهل الأرض خوفا عليهم. فصل [إهمال العبادة] ومن الموسوسين من إذا صحّت له النّيّة وكبّر، ذهل عن باقي صلاته كأنّه المقصود من الصّلاة التّكبير فقط، وهذا تلبيس يكشفه أنّ التّكبير يراد للدّخول في العبادة، فكيف تهمل العبادة، وهي كالدّار، ويقتصر على التّشاغل بحفظ الباب. فصل [الاشتغال بالواجب، وترك السنن] ومن الموسوسين من تصحّ له التّكبيرة خلف الإمام، وقد بقي من الرّكعة يسير، فيستفتح ويستعيذ، فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضا؛ لأنّ الّذي شرع فيه من التّعوّذ والاستفتاح مسنون، والّذي تركه من قراءة الفاتحة، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يقدّم عليه سنّة. قال المصنّف: وقد كنت أصلّي وراء شيخنا أبي بكر الدّينوري الفقيه في زمان الصّبا، فرآني مرّة أفعل هذا، فقال: يا بنيّ، إنّ الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا في أنّ الاستفتاح سنّة، فاشتغل بالواجب، ودع السّنن. فصل [ترك كثير من السنن] وقد لبّس إبليس على قوم، فتركوا كثيرا من السّنن لواقعات وقعت لهم. فمنهم: من كان يتخلّف عن الصّفّ الأوّل، ويقول: إنّما أراد قرب القلوب. ومنهم: من لم ينزل يدا على يد في الصّلاة، وقال: أكره أن أظهر من الخشوع ما ليس

стр. 199

في قلبي، وقد روّينا هذين الفعلين عن بعض أكابر الصّالحين. وهذا أمر أوجبه قلّة العلم، ففي «الصّحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لو يعلم النّاس ما لهم في النّداء، والصّفّ الأوّل، ثمّ لم يجدوا إلّا أن يستهموا عليه لاستهموا» (١). وفي أفراد مسلم في حديثه، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير صفوف الرّجال أوّلها، وشرّها آخرها» (٢). وأمّا وضع اليد على اليد من السّنّة (٣)، وأنّ ابن مسعود كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النّبيّ ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى (٤). قال المصنّف: ولا يكبرنّ عليك إنكارنا على من قال: أراد قرب القلوب، ولا أضع يدا على يد، وإن كان من الأكابر، فإنّ الشّرع هو المنكر، لا نحن. وقد قيل لأحمد بن حنبل ﵀ عليه: إنّ ابن المبارك يقول كذا وكذا، فقال: إنّ ابن المبارك لم ينزل من السّماء. وقيل له: قال إبراهيم بن أدهم، فقال: جئتموني ببنيّات الطّريق، عليكم بالأصل، فلا ينبغي أن يترك الشّرع لقول معظّم في النّفس، فإنّ الشّرع أعظم، والخطأ في التّأويل على النّاس يجري، ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه.

стр. 200

فصل [الخروج عن قانون أدب العبادة] وقد لبّس إبليس على بعض المصلّين في مخارج الحروف، فتراه يقول: الحمد الحمد، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصّلاة، وتارة يلبّس عليه في تحقيق التّشديد، وتارة في إخراج ضاد «المغضوب»، ولقد رأيت من يقول: «المغضوب»، فيخرج بصاقه مع إخراج الضّاد؛ لقوّة تشديده، وإنّما المراد تحقيق الحرف فحسب، وإبليس يخرج هؤلاء بالزّيادة عن حدّ التّحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التّلاوة، وكلّ هذه الوساوس من إبليس. وعن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبي العمياء، أنّ سهل بن أبي أمامة حدّثه: أنّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك ﵁، وهو يصلّي صلاة خفيفة كأنّها صلاة مسافر، فلمّا سلّم، قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصّلاة المكتوبة كصلاة رسول الله ﷺ أم شيء تنفّلته؟ قال: إنّها لصلاة رسول الله ﷺ ، ما أخطأت إلّا شيئا سهوت عنه أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد الله عليكم، فإنّ قوما شدّدوا على أنفسهم، فشدّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصّوامع والدّيارات رهبانيّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (١). وفي أفراد مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت لرسول الله ﷺ : إنّ الشّيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبّسها عليّ. فقال رسول الله ﷺ : «ذاك الشّيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه ثلاثا، واتفل عن يسارك»، ففعلت ذلك، فأذهبه الله عنّي (٢).

стр. 201

فصل [الانشغال بصورة العبادة عن حقيقتها] وقد لبّس إبليس على خلق كثير من الجهلة المتعبّدين، فرأوا أنّ العبادة هي القيام والقعود فحسب، وهم يدأبون في ذلك، ويخلّون في بعض واجباتهم، ولا يعلمون، وقد تأمّلت جماعة يسلّمون إذا سلّم الإمام، وقد بقي عليهم من التّشهّد الواجب شيء، وذلك لا يحمله الإمام عنهم. ولبّس على آخرين منهم، فهم يطيلون الصّلاة، ويكثرون القراءة، ويتركون المسنون في الصّلاة، ويرتكبون المكروه فيها، وقد دخلت على بعض المتعبّدين وهو يتنفّل بالنّهار، ويجهر بالقراءة، فقلت له: إنّ الجهر بالقراءة بالنّهار مكروه، فقال لي: أنا أطرد النّوم عنّي بالجهر! فقلت له: إنّ السّنن لا تترك لأجل سهرك، ومتى غلبك النّوم، فنم، فإنّ للنّفس عليك حقّا. وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «من جهر بالقراءة في النّهار، فارجموه بالبعر» (١). فصل [الانشغال بالسنن عن الواجبات] وقد لبّس إبليس على جماعة من المتعبّدين، فأكثروا من صلاة اللّيل، وفيهم من يسهره كلّه، ويفرح بقيام اللّيل، وصلاة الضّحى أكثر ممّا يفرح بأداء الفرائض، ثمّ يقع قبيل الفجر، فتفوته الفريضة. أو يقوم فيتهيّأ لها، فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته، ولقد رأيت شيخا من المتعبّدين يقال له: حسين القزويني يمشي كثيرا من النّهار في جامع

стр. 202

المنصور، فسألت عن سبب مشيه، فقيل لي: لئلّا ينام، فقلت: هذا جهل بمقتضى الشّرع والعقل: أمّا الشّرع: فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ لنفسك عليك حقّا، فقم ونم» (١)، وكان يقول: «عليكم هديا قاصدا، فإنّه من يشادّ هذا الدّين يغلبه» (٢). وعن أنس بن مالك، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟». قالوا: لزينب تصلّي، فإذا كسلت، أو فترت، أمسكت به، فقال: «حلّوه»، ثمّ قال: «ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد» (٣). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم فليرقد حتّى يذهب عنه النّوم؛ فإذا صلّى وهو ينعس لعلّه يذهب ليستغفر، فيذهب، فيسبّ نفسه» (٤). قال المصنّف: هذا حديث صحيح أخرجه البخاريّ ومسلم، وانفرد بالّذي قبله البخاريّ. وأمّا العقل: فإنّ النّوم يجدّد القوى الّتي كلّت بالسّهر، فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه، أثّر في بدنه وعقله، فنعوذ بالله من الجهل. فإن قال قائل: فقد رويت لنا أنّ جماعة من السّلف كانوا يحيون اللّيل. فالجواب: أولئك تدرّجوا حتّى قدروا على ذلك، وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في الجماعة، وكانوا يستعينون بالقائلة مع قلّة المطعم، وصحّ لهم ذلك، ثمّ لم يبلغنا أنّ رسول الله ﷺ سهر ليلة لم ينم فيها، فسنّته هي المتبوعة.

стр. 203

فصل [فتنة التحديث بالعمل] وقد لبّس إبليس على جماعة من قوّام اللّيل، فتحدّثوا بذلك بالنّهار، فربّما قال أحدهم: فلان المؤذّن أذّن بوقت؛ ليعلم النّاس أنّه كان منتبها، فأقلّ ما في هذا إن سلم من الرّياء، أن ينقل من ديوان السّرّ إلى ديوان العلانية، فيقلّ الثّواب. فصل تلبيسه عليهم في القرآن وقد لبّس على آخرين انفردوا في المساجد للصّلاة والتّعبّد، فعرفوا بذلك، واجتمع إليهم ناس فصلّوا بصلاتهم، وشاع بين النّاس حالهم، وذلك من دسائس إبليس، وبه تقوى النّفس على التّعبّد؛ لعلمها أنّ ذلك يشيع، ويوجب المدح. وعن زيد بن ثابت، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلّا الصّلاة المكتوبة» (١). قال المصنّف: أخرجاه في «الصّحيحين». وكان عامر بن عبد قيس يكره أن يروه يصلّي، وكان لا يتنفّل في المسجد، وكان يصلّي كلّ يوم ألف ركعة، وكان ابن أبي ليلى إذا صلّى ودخل عليه داخل، اضطجع. فصل [ستر البكاء خوف الرياء] وقد لبّس على قوم من المتعبّدين، وكانوا يبكون، والنّاس حولهم، وهذا قد يقع عليه، فلا يمكن دفعه، فمن قدر على ستره، فأظهره، فقد تعرّض للرّياء. وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلّى في بيته، نشج نشيجا، ولو جعلت له الدّنيا

стр. 204

على أن يفعله وأحد يراه، ما فعله. وقد كان أيّوب السختيانيّ إذا غلبه البكاء، قام. فصل [الانشغال بالمفضول عن الفاضل] وقد لبّس على جماعة من المتعبّدين، فتراهم يصلّون اللّيل والنّهار، ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن، ولا في مطعم، والنّظر في ذلك أولى بهم من كثرة التّنفّل. ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن: وقد لبّس على قوم بكثرة التّلاوة، فهم يهزّون هزّا من غير ترتيل، ولا تثبّت، وهذه حالة ليست بمحمودة، وقد روي عن جماعة من السّلف أنّهم كانوا يقرؤون القرآن في كلّ يوم، أو في كلّ ركعة، وهذا يكون نادرا منهم، ومن داوم عليه، فإنّه وإن كان جائزا إلّا أنّ التّرتيل والتّثبّت أحبّ إلى العلماء، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (١). قال المصنّف: وقد لبّس إبليس على قوم من القرّاء، فهم يقرؤون القرآن في منارة المسجد باللّيل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزءين، فيجمعون بين أذى النّاس في منعهم من النّوم، وبين التّعرّض للرّياء، ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان؛ لأنّه حين اجتماع النّاس في المسجد. قال المصنّف: ومن أعجب ما رأيت فيهم أنّ رجلا كان يصلّي بالنّاس صلاة الصّبح يوم الجمعة، ثمّ يلتفت فيقرأ المعوّذتين، ويدعو دعاء الختمة؛ ليعلم النّاس أنّي قد ختمت الختمة.

стр. 205

وما هذه طريقة السّلف، فإنّ السّلف كانوا يسترون عباداتهم، وكان عمل الرّبيع بن خثيم كلّه سرّا، فربّما دخل عليه الدّاخل، وقد نشر المصحف فيغطّيه بثوبه، وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرا، ولا يدرى متى يختم. قال المصنّف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القرّاء، والله أعلم بالصّواب، وهو الموفّق. ذكر تلبيسه عليهم في الصوم: قال المصنّف: وقد لبّس على أقوام، فحسّن لهم الصّوم الدّائم، وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيّام المحرّم صومها إلّا أنّ الآفة فيه من وجهين: أحدهما: أنّه ربّما عاد بضعف القوى، فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته، ومنعه من إعفاف زوجته، وفي «الصّحيحين» عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إنّ لزوجك عليك حقّا» (١)، فكم من فرض يضيع بهذا النّفل. والثاني: أنّه يفوّت الفضيلة، فإنّه قد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «أفضل الصّيام صيام داود ﵊، كان يصوم يوما، ويفطر يوما» (٢). وبالإسناد عن عبد الله بن عمرو، قال: لقيني رسول الله ﷺ ، فقال: «ألم أحدّث عنك أنّك تقوم اللّيل؟ وأنت الّذي تقول: لأقومنّ اللّيل، ولأصومنّ النّهار؟». قال - أحسبه قال -: نعم، يا رسول الله، قد قلت ذلك، فقال: «فقم ونم، وصم وأفطر، وصم من كلّ شهر ثلاثة أيّام، ولك مثل صيام الدّهر». قال: قلت: يا رسول الله، إنّي أطيق أكثر من ذلك. قال: «فصم يوما، وأفطر يومين». قلت: إنّي أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما، وأفطر يوما، وهو

стр. 206

أعدل الصّوم، وهو صيام داود ﵇». قلت: إنّي أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «لا أفضل من ذلك» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين». فإن قال قائل: فقد بلغنا عن جماعة من السّلف أنّهم كانوا يسردون الصّوم. فالجواب: أنّهم كانوا يقدرون على الجمع بين ذلك، وبين القيام بحقوق العائلة، ولعلّ أكثرهم لم تكن له عائلة، ولا حاجة إلى الكسب، ثمّ إنّ فيهم من فعل هذا في آخر عمره، على أنّ قول رسول الله ﷺ : «لا أفضل من ذلك». قطع هذا الحديث. وقد داوم جماعة من القدماء على الصّوم مع خشونة المطعم، وقلّته، ومنهم من ذهبت عينه، ومنهم من نشف دماغه، وهذا تفريط في حقّ النّفس الواجب، وحمل عليها ما لا تطيق، فلا يجوز. فصل [خفي الرياء] وقد يشيع عن المتعبّد أنّه يصوم الدّهر، فيعلم بشياع ذلك، فلا يفطر أصلا، وإن أفطر، أخفى إفطاره؛ لئلّا ينكسر جاهه، وهذا من خفيّ الرّياء، ولو أراد الإخلاص، وستر الحال؛ لأفطر بين يدي من قد علم أنّه يصوم، ثمّ عاد إلى الصّوم، ولم يعلم به، ومنهم من يخبر بما قد صام، فيقول: اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت، ويلبّس عليه بأنّك إنّما تخبر ليقتدى بك، والله أعلم بالمقاصد. قال سفيان الثّوريّ ﵁: إنّ العبد ليعمل العمل في السّرّ، فلا يزال به الشّيطان حتّى يتحدّث به، فينتقل من ديوان السّرّ إلى ديوان العلانية. وفيهم من عادته صوم الإثنين والخميس، فإذا دعي إلى طعام، قال: اليوم الخميس،

стр. 207

ولو قال: أنا صائم، كانت محنة، وإنّما قوله: اليوم الخميس معناه أنّي أصوم كلّ خميس، وفي هؤلاء من يرى النّاس بعين الاحتقار؛ لكونه صائما وهم مفطرون، ومنهم من يلازم الصّوم، ولا يبالي على ماذا أفطر، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة، ولا عن نظرة، ولا عن فضول كلمة، وقد خيّل له إبليس أنّ صومك يدفع إثمك، وكلّ هذا من التّلبيس. ذكر تلبيسه عليهم في الحج: قال المصنّف: قد يسقط الإنسان الفرض بالحجّ مرّة، ثمّ يعود لا عن رضاء الوالدين، وهذا خطأ، وربّما خرج وعليه ديون أو مظالم، وربّما خرج للنّزهة، وربّما حجّ بمال فيه شبهة، ومنهم من يحبّ أن يتلقّى ويقال: الحاجّ، وجمهورهم يضيّع في الطّريق فرائض من الطّهارة والصّلاة، ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دنسة، وبواطن غير نقيّة، وإبليس يريهم صورة الحجّ فيغرّهم، وإنّما المراد من الحجّ القرب بالقلوب لا بالأبدان، وإنّما يكون ذلك مع القيام بالتّقوى. وكم من قاصد إلى مكّة همّته عدد حجّاته، فيقول: لي عشرون وقفة، وكم من مجاور قد طال مكثه، ولم يشرع في تنقية باطنه، وربّما كانت همّته متعلّقة بفتوح يصل إليه ممّن كان، وربّما قال: إنّ لي اليوم عشرين سنة مجاورا، وكم قد رأيت في طريق مكّة من قاصد إلى الحجّ يضرب رفقاءه على الماء، ويضايقهم في الطّريق، وقد لبّس إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكّة، فهم يضيّعون الصّلوات، ويطفّفون إذا باعوا، ويظنّون أنّ الحجّ يدفع عنهم، وقد لبّس إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها، فرأيت جماعة يتصنّعون في إحرامهم، فيكشفون عن كتف واحدة، ويبقون [تحت] الشّمس أيّاما، فتكشط جلودهم، وتنتفخ رؤوسهم، ويتزيّنون بين النّاس بذلك. وفي أفراد البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا يطوف

стр. 208

بالكعبة بزمام فقطعه (١). وفي لفظ آخر: رأى رجلا يقود إنسانا بخزامة في أنفه فقطعها بيده، ثمّ أمره أن يقوده بيده (٢). قال المصنّف: وهذا الحديث يتضمّن النّهي عن الابتداع في الدّين، وإن قصدت بذلك الطّاعة. وقد لبّس على قوم يدّعون التّوكّل، فخرجوا بلا زاد، وظنّوا أنّ هذا هو التّوكّل، وهم على غاية من الخطإ. قال رجل للإمام أحمد بن حنبل ﵁: أريد أن أخرج إلى مكّة على التّوكّل من غير زاد. فقال له أحمد: فاخرج في غير القافلة. قال: لا، إلّا معهم. قال: فعلى جراب النّاس توكّلت؟ فنسأل الله أن يوفّقنا. ذكر تلبيس إبليس على الغزاة: قال المصنّف: قد لبّس إبليس على خلق كثير، فخرجوا إلى الجهاد ونيّتهم المباهاة والرّياء، ليقال: فلان غاز، وربّما كان المقصود أن يقال: شجاع، أو كان طلب الغنيمة، وإنّما الأعمال بالنّيّات. وعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرّجل

стр. 209

يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين». وعن ابن مسعود ﵁ قال: «إيّاكم أن تقولوا: مات فلان شهيدا، أو قتل فلان شهيدا، فإنّ الرّجل ليقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه» (٢). وبالإسناد عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «أوّل النّاس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة، رجل استشهد فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى قتلت. قال: كذبت؛ ولكنّك قاتلت ليقال: هو جريء، فقد قيل، ثمّ أمر، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلّمت فيك العلم وعلّمته، وقرأت القرآن، فقال: كذبت، ولكنّك تعلّمت ليقال: هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل وسّع الله عليه، فأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل أنت تحبّه أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك. قال: كذبت؛ ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أمر به، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار» (٣)، انفرد بإخراجه مسلم. وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرّازي قال: سمعت عبدة بن سليمان يقول: كنّا في سريّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرّوم، فصادفنا العدوّ، فلمّا التقى الصّفّان، خرج رجل من العدوّ، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة، فطعنه فقتله، ثمّ آخر فقتله، ثمّ آخر

стр. 210

فطعنه فقتله، ثمّ دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، فطعنه الرّجل، فقتله، فازدحم النّاس عليه، فكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثّم وجهه بكمّه، فأخذت بطرف كمّه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممّن يشنّع علينا. قلت: فانظروا - رحمكم الله - إلى هذا السّيّد المخلص، كيف خاف على إخلاصه برؤية النّاس له، ومدحهم إيّاه فستر نفسه. وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل، فإذا غنموا، لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفّر له الأجر. فصل [فتنة الغلول] وقد لبّس إبليس على المجاهد إذا غنم، فربّما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه، فإمّا أن يكون قليل العلم، فيرى أنّ أموال الكفّار مباحة لمن أخذها، ولا يدري أنّ الغلول من الغنائم معصية. وفي «الصّحيحين» من حديث أبي هريرة، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع، والطّعام، والثّياب، ثمّ انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله ﷺ عبد له، فلمّا نزلنا، قام عبد رسول الله ﷺ يحلّ رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتفه، فلمّا قلنا له: هنيئا له الشّهادة يا رسول الله، فقال: «كلّا، والّذي نفس محمّد بيده، إنّ الشّملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم». قال: ففزع النّاس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «شراك من نار»، أو: «شراكان من نار» (١).

стр. 211

فصل [أثر الإيمان والعلم في الوقاية من فتنة المال] وقد يكون الغازي عالما بالتّحريم إلّا أنّه يرى الشّيء الكثير، فلا يصبر عنه، وربّما ظنّ أنّ جهاده يدفع عنه ما فعل، وهاهنا يتبيّن أثر الإيمان والعلم. روّينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عبيدة العنبريّ، قال: لمّا هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال الّذين معه: ما رأينا مثل هذا قطّ. ما يعدله ما عندنا، ولا ما يقاربه، فقال له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما - والله - لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أنّ للرّجل شأنا. فقالوا: من أنت؟ فقال: والله، لا أخبركم لتحمدوني، ولا أغريكم لتقرّظوني، ولكنّي أحمد الله، وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس. ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر: وهم قسمان: عالم، وجاهل، فدخول إبليس على العالم من طريقين: الطّريق الأوّل: التّزيّن بذلك، وطلب الذّكر، والعجب بذلك الفعل. روّينا بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم الجمعة، فاستقبلني الغضب، وحضرتني نيّة أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، قال: فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه، والنّاس جلوس يرمقونني بأبصارهم، فيعرض لي تزيّن، فيأمر بي، فأقتل على غير صحيح، فجلست وسكتّ.

стр. 212

والطّريق الثّاني: الغضب للنّفس: وربّما كان ابتداء، وربّما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المنكر من الإهانة، فتصير خصومة لنفسه، كما قال عمر بن العزيز لرجل: «لولا أنّي غضبان لعاقبتك»، وإنّما أراد أنّك أغضبتني، فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب لله ولي. فصل [جهل الآمر بالمعروف] فأمّا إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا، فإنّ الشّيطان يتلاعب به، وإنّما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه؛ لأنّه ربّما نهى عن شيء جائز بالإجماع، وربّما أنكر ما تأوّل فيه صاحبه، وتبع فيه بعض المذاهب، وربّما كسر الباب، وتسوّر الحيطان، وضرب أهل المنكر، وقذفهم، فإن أجابوه بكلمة تصعب عليه، صار غضبه لنفسه، وربّما كشف ما قد أمر الشّرع بستره. وقد سئل الإمام أحمد: عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر. قال: إذا كان مغطّى، فلا تكسره. وقال في رواية أخرى: اكسره، وهذا محمول على أنّه يكون مغطّى بشيء خفيف يصفه، فيتبيّن، والأولى على أنّه لا يتبيّن، وسئل عن الرّجل يسمع صوت الطّبل والمزمار، ولا يعرف مكانه. فقال: ولا عليك ما غاب عنك، فلا تفتّش. وربّما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: إن علمت أنّ السّلطان يقيم الحدود، فارفع إليه.

стр. 213

فصل [التباهي بالإنكار وفضيحة العاصين] ومن تلبيس إبليس على المنكر أنّه إذا أنكر، جلس في مجمع يصف ما فعل، ويتباهى به، ويسبّ أصحاب المنكر سبّ الحنق عليهم ويلعنهم، ولعلّ القوم قد تابوا، وربّما كانوا خيرا منه، لندمهم وكبره، ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين؛ لأنّه يعلم من لا يعلم، والسّتر على المسلم واجب مهما أمكن. وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنّه يهجم على قوم ما يتيقّن ما عندهم، ويضربهم الضّرب المبرّح، ويكسر الأواني، وكلّ هذا يوجبه الجهل، فأمّا العالم إذا أنكر، فأنت منه على أمان. وقد كان السّلف يتلطّفون في الإنكار، ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلّم امرأة، فقال: إنّ الله يراكما، سترنا الله وإيّاكما، وكان يمرّ بقوم يلعبون، فيقول: يا إخواني، ما تقولون فيمن أراد سفرا، فنام طول اللّيل، ولعب طول النّهار متى يقطع سفره. فانتبه رجل منهم، فقال: يا قوم، إنّما يعلّمنا هذا، فتاب وصحبه. فصل [الإنكار على الأمراء] وأولى النّاس بالتّلطّف في الإنكار، وهم الأمراء، فيصلح أن يقال لهم: إنّ الله قد رفعكم، فاعرفوا قدر نعمته. فإنّ النّعم تدوم بالشّكر، فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي. فصل [فتنة ترك تغيير المنكر تورعا] وقد لبّس إبليس على بعض المتعبّدين، فيرى منكرا، فلا ينكره، ويقول: إنّما يأمر وينهى من قد صلح، وأنا لست بصالح، فكيف آمر غيري، وهذا غلط؛ لأنّه يجب عليه أن يأمر وينهى، ولو كانت تلك المعصية فيه، إلّا أنّه متى أنكر متنزّها عن المنكر، أثّر إنكاره،

стр. 214

وإذا لم يكن متنزّها لم يكد يعمل إنكاره، فينبغي للمنكر أن ينزّه نفسه ليؤثّر إنكاره. قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الأقفاليّ في أيّام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلّا من صنعة أيديهم؛ كأبي بكر الخبّاز شيخ صالح، أضرّ من اطّلاعه في التّنّور وتبعه، وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة، ولا يدنّس بقبول عطاء، صوّام النّهار، قوّام اللّيل، أرباب بكاء، فإذا تبعه مخلط، ردّه، وقال: متى لقينا الجيش بمخلّط؛ انهزم الجيش.

стр. 215

الباب التاسع في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد قد يسمع العاميّ ذمّ الدّنيا في القرآن المجيد والأحاديث، فيرى أنّ النّجاة تركها، ولا يدري ما الدّنيا المذمومة، فيلبّس عليه إبليس: بأنّك لا تنجو في الآخرة إلّا بترك الدّنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال، فيبعد عن الجمعة، والجماعة، والعلم، ويصير كالوحش، ويخيّل إليه أنّ هذا هو الزّهد الحقيقيّ. كيف لا وقد سمع عن فلان أنّه هام على وجهه، وعن فلان أنّه تعبّد في جبل، وربّما كانت له عائلة فضاعت، أو والدة فبكت لفراقه، وربّما لم يعرف أركان الصّلاة كما ينبغي، وربّما كانت عليه مظالم لم يخرج منها. وإنّما يتمكّن إبليس من التّلبيس على هذا لقلّة علمه، ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم، ولو أنّه وفّق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرّفه أنّ الدّنيا لا تذمّ لذاتها، وكيف يذمّ ما منّ الله تعالى به، وما هو ضرورة في بقاء الآدميّ، وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسجد يصلّي فيه، وإنّما المذموم أخذ الشّيء من غير حلّه، أو تناوله على وجه السّرف، لا على مقدار الحاجة، ويصرف النّفس فيه بمقتضى رعوناتها، لا بإذن الشّرع. وإنّ الخروج إلى الجبال المنفردة منهيّ عنه، فإنّ النّبيّ ﷺ : «نهى أن يبيت الرّجل وحده» (١). وإنّ التّعرّض لترك الجماعة والجمعة خسران لا ربح، والبعد عن العلم والعلماء
следующие страницы →