فصل [أثر الإيمان والعلم في الوقاية من فتنة المال]
وقد يكون الغازي عالما بالتّحريم إلّا أنّه يرى الشّيء الكثير، فلا يصبر عنه، وربّما ظنّ أنّ جهاده يدفع عنه ما فعل، وهاهنا يتبيّن أثر الإيمان والعلم.
روّينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عبيدة العنبريّ، قال: لمّا هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال الّذين معه: ما رأينا مثل هذا قطّ.
ما يعدله ما عندنا، ولا ما يقاربه، فقال له: هل أخذت منه شيئا؟
فقال: أما - والله - لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أنّ للرّجل شأنا.
فقالوا: من أنت؟
فقال: والله، لا أخبركم لتحمدوني، ولا أغريكم لتقرّظوني، ولكنّي أحمد الله، وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.
ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر:
وهم قسمان: عالم، وجاهل، فدخول إبليس على العالم من طريقين:
الطّريق الأوّل: التّزيّن بذلك، وطلب الذّكر، والعجب بذلك الفعل.
روّينا بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم الجمعة، فاستقبلني الغضب، وحضرتني نيّة أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، قال: فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه، والنّاس جلوس يرمقونني بأبصارهم، فيعرض لي تزيّن، فيأمر بي، فأقتل على غير صحيح، فجلست وسكتّ.
стр. 212
والطّريق الثّاني: الغضب للنّفس: وربّما كان ابتداء، وربّما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المنكر من الإهانة، فتصير خصومة لنفسه، كما قال عمر بن العزيز لرجل: «لولا أنّي غضبان لعاقبتك»، وإنّما أراد أنّك أغضبتني، فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب لله ولي.
فصل [جهل الآمر بالمعروف]
فأمّا إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا، فإنّ الشّيطان يتلاعب به، وإنّما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه؛ لأنّه ربّما نهى عن شيء جائز بالإجماع، وربّما أنكر ما تأوّل فيه صاحبه، وتبع فيه بعض المذاهب، وربّما كسر الباب، وتسوّر الحيطان، وضرب أهل المنكر، وقذفهم، فإن أجابوه بكلمة تصعب عليه، صار غضبه لنفسه، وربّما كشف ما قد أمر الشّرع بستره.
وقد سئل الإمام أحمد: عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر.
قال: إذا كان مغطّى، فلا تكسره.
وقال في رواية أخرى: اكسره، وهذا محمول على أنّه يكون مغطّى بشيء خفيف يصفه، فيتبيّن، والأولى على أنّه لا يتبيّن، وسئل عن الرّجل يسمع صوت الطّبل والمزمار، ولا يعرف مكانه.
فقال: ولا عليك ما غاب عنك، فلا تفتّش. وربّما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: إن علمت أنّ السّلطان يقيم الحدود، فارفع إليه.
стр. 213
فصل [التباهي بالإنكار وفضيحة العاصين]
ومن تلبيس إبليس على المنكر أنّه إذا أنكر، جلس في مجمع يصف ما فعل، ويتباهى به، ويسبّ أصحاب المنكر سبّ الحنق عليهم ويلعنهم، ولعلّ القوم قد تابوا، وربّما كانوا خيرا منه، لندمهم وكبره، ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين؛ لأنّه يعلم من لا يعلم، والسّتر على المسلم واجب مهما أمكن.
وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنّه يهجم على قوم ما يتيقّن ما عندهم، ويضربهم الضّرب المبرّح، ويكسر الأواني، وكلّ هذا يوجبه الجهل، فأمّا العالم إذا أنكر، فأنت منه على أمان.
وقد كان السّلف يتلطّفون في الإنكار، ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلّم امرأة، فقال:
إنّ الله يراكما، سترنا الله وإيّاكما، وكان يمرّ بقوم يلعبون، فيقول: يا إخواني، ما تقولون فيمن أراد سفرا، فنام طول اللّيل، ولعب طول النّهار متى يقطع سفره.
فانتبه رجل منهم، فقال: يا قوم، إنّما يعلّمنا هذا، فتاب وصحبه.
فصل [الإنكار على الأمراء]
وأولى النّاس بالتّلطّف في الإنكار، وهم الأمراء، فيصلح أن يقال لهم: إنّ الله قد رفعكم، فاعرفوا قدر نعمته. فإنّ النّعم تدوم بالشّكر، فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي.
فصل [فتنة ترك تغيير المنكر تورعا]
وقد لبّس إبليس على بعض المتعبّدين، فيرى منكرا، فلا ينكره، ويقول: إنّما يأمر وينهى من قد صلح، وأنا لست بصالح، فكيف آمر غيري، وهذا غلط؛ لأنّه يجب عليه أن يأمر وينهى، ولو كانت تلك المعصية فيه، إلّا أنّه متى أنكر متنزّها عن المنكر، أثّر إنكاره،
стр. 214
وإذا لم يكن متنزّها لم يكد يعمل إنكاره، فينبغي للمنكر أن ينزّه نفسه ليؤثّر إنكاره.
قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الأقفاليّ في أيّام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلّا من صنعة أيديهم؛ كأبي بكر الخبّاز شيخ صالح، أضرّ من اطّلاعه في التّنّور وتبعه، وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة، ولا يدنّس بقبول عطاء، صوّام النّهار، قوّام اللّيل، أرباب بكاء، فإذا تبعه مخلط، ردّه، وقال: متى لقينا الجيش بمخلّط؛ انهزم الجيش.
стр. 215
الباب التاسع في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد
قد يسمع العاميّ ذمّ الدّنيا في القرآن المجيد والأحاديث، فيرى أنّ النّجاة تركها، ولا يدري ما الدّنيا المذمومة، فيلبّس عليه إبليس: بأنّك لا تنجو في الآخرة إلّا بترك الدّنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال، فيبعد عن الجمعة، والجماعة، والعلم، ويصير كالوحش، ويخيّل إليه أنّ هذا هو الزّهد الحقيقيّ.
كيف لا وقد سمع عن فلان أنّه هام على وجهه، وعن فلان أنّه تعبّد في جبل، وربّما كانت له عائلة فضاعت، أو والدة فبكت لفراقه، وربّما لم يعرف أركان الصّلاة كما ينبغي، وربّما كانت عليه مظالم لم يخرج منها.
وإنّما يتمكّن إبليس من التّلبيس على هذا لقلّة علمه، ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم، ولو أنّه وفّق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرّفه أنّ الدّنيا لا تذمّ لذاتها، وكيف يذمّ ما منّ الله تعالى به، وما هو ضرورة في بقاء الآدميّ، وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسجد يصلّي فيه، وإنّما المذموم أخذ الشّيء من غير حلّه، أو تناوله على وجه السّرف، لا على مقدار الحاجة، ويصرف النّفس فيه بمقتضى رعوناتها، لا بإذن الشّرع.
وإنّ الخروج إلى الجبال المنفردة منهيّ عنه، فإنّ النّبيّ ﷺ : «نهى أن يبيت الرّجل وحده» (١). وإنّ التّعرّض لترك الجماعة والجمعة خسران لا ربح، والبعد عن العلم والعلماء
стр. 216
يقوّي سلطان الجهل، وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق، والعقوق من الكبائر، وأمّا من سمع عنه أنّه خرج إلى جبل، فأحوالهم تحتمل أنّهم لم يكن لهم عيال، ولا والد، ولا والدة، فخرجوا إلى مكان يتعبّدون فيه مجتمعين، ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطإ من كانوا.
وقد قال بعض السّلف: خرجنا إلى جبل نتعبّد، فجاءنا سفيان الثّوريّ، فردّنا.
ومن تلبيسه على الزّهّاد: إعراضهم عن العلم شغلا بالزّهد، فقد استبدلوا الّذي هو أدنى بالّذي هو خير.
وبيان ذلك: أنّ الزّاهد لا يتعدّى نفعه عتبة بابه، والعالم نفعه متعدّ، وكم قد ردّ إلى الصّواب من متعبّد.
ومن تلبيسه عليهم: أنّه يوهمهم أنّ الزّهد ترك المباحات.
فمنهم: من لا يزيد على خبز الشّعير، ومنهم: من لا يذوق الفاكهة، ومنهم من يقلّل المطعم حتّى ييبس بدنه، ويعذّب نفسه بلبس الصّوف، ويمنعها الماء البارد، وما هذه طريقة الرّسول ﷺ ، ولا طريق أصحابه وأتباعه.
وإنّما كان يجوعون إذا لم يجدوا شيئا، فإذا وجدوا أكلوا، وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللّحم ويحبّه، ويأكل الدّجاج، ويحبّ الحلوى، ويستعذب له الماء البارد، ويختار الماء البائت، فإنّ الماء الجاري يؤذي المعدة، ولا يروي.
وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص؛ لأنّي لا أقوم بشكره.
فقال الحسن البصريّ: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!
وقد كان سفيان الثّوريّ إذا سافر، حمل في سفرته اللّحم المشويّ، والفالوذج، وينبغي للإنسان أن يعلم أنّ نفسه مطيّته، ولا بدّ من الرّفق بها ليصل بها إلى المقصود، فليأخذ ما
стр. 217
يصلحها، وليترك ما يؤذيها من الشّبع والإفراط في تناول الشّهوات، فإنّ ذلك يؤذي البدن والدّين.
ثمّ إنّ النّاس يختلفون في طباعهم، فإنّ الأعراب إذا لبسوا الصّوف، واقتصروا على شرب اللّبن، لم نلمهم؛ لأنّ مطايا أبدانهم تحمل ذلك. وأهل السّواد إذا لبسوا الصّوف، وأكلوا الكوامخ، لم نلمهم أيضا، ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه؛ لأنّ هذه عادة القوم.
فأمّا إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التّنعّم، فإنّا ننهى صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه، فإن تزهّد، وآثر ترك الشّهوات، إمّا لأنّ الحلال لا يحتمل السّرف، أو لأنّ الطّعام اللّذيذ يوجب كثرة التّناول، فيكثر النّوم والكسل، فهذا يحتاج أن يعلم ما يضرّ تركه، وما لا يضرّ، فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النّفس.
وقد ظنّ قوم أنّ الخبز القفار يكفي في قوام البدن، ولو كفى إلّا أنّ الاقتصار يؤذي من جهة أنّ أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض، والحلو، والحارّ، والبارد، والممسّك، والمسهّل.
وقد جعل في الطّبع ميل إلى الملائم، فتارة يميل إلى الحامض، وتارة يميل إلى الحلو، ولذلك أسباب: مثل أن يقلّ عنده البلغم الّذي لا بدّ في قوامها منه، فتشتاق إلى اللّبن، ويكثر عندها الصّفراء، فتميل إلى الحموضة، فمن كفّها عن التّصرّف على مقتضى ما قد وضع في طبعها ممّا يصلحها، فقد آذاها، إلّا أن يكفّها عن الشّبع والشّره وما يخاف عاقبته، فإنّ ذلك يفسدها.
فأمّا الكفّ المطلق فخطأ، فافهم هذا، ولا تلتفت إلى قول الحارث المحاسبيّ، وأبي طالب المكّيّ فيما ذكرا من تقليل المطعم، ومجاهدة النّفس بترك مباحاتها، فإنّ اتّباع
стр. 218
الشّارع وصحابته أولى.
وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في التّديّن، إمّا أهواء متّبعة أو رهبانيّة مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصّبا واللّعب، وبين إهمال الحقوق، واطّراح العيال، واللّحوق بزوايا المساجد، فهلّا عبدوا على عقل وشرع.
فصل [المعنى الحقيقي للزهد]
ومن تلبيسه عليهم أنّه يوهمهم أنّ الزّهد هو القناعة بالدّون من المطعم، والملبس فحسب، فهم يقنعون بذلك، وقلوبهم راغبة في الرّياسة، وطلب الجاه، فتراهم يترصّدون لزيارة الأمراء إيّاهم، ويكرمون الأغنياء دون الفقراء، ويتخاشعون عند لقاء النّاس، كأنّهم قد خرجوا من مشاهدة، وربّما ردّ أحدهم المال؛ لئلّا يقال: قد بدا له من الزّهد. وهم من تردّد النّاس إليهم، وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدّنيا؛ لأنّ غاية الدّنيا الرّياسة.
وأكثر ما يلبّس به إبليس على العبّاد والزّهّاد خفيّ الرّياء.
فأمّا الظّاهر من الرّياء فلا يدخل في التّلبيس، مثل: إظهار النّحول، وصفار الوجه، وشعث الشّعر ليستدلّ به على الزّهد، وكذلك خفض الصّوت لإظهار الخشوع، وكذلك الرّياء بالصّلاة والصّدقة، ومثل هذه الظّواهر لا تخفى، وإنّما نشير إلى خفيّ الرّياء، وقد قال النّبيّ ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيّات» (١).
ومتى لم يرد بالعمل وجه الله ، لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقا: لا تتعب.
واعلم أنّ المؤمن لا يريد بعمله إلّا الله وإنّما يدخل عليه خفيّ الرّياء، فيلبّس
стр. 219
الأمر، فنجاته منه صعبة.
وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط: تعلّموا صحّة العمل من سقمه، فإنّي تعلّمته في اثنتين وعشرين سنة.
وفي الحديث مرفوعا، عن إبراهيم الحنظليّ، قال: سمعت بقيّة بن الوليد يقول:
سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلّمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان، دخلت عليه في صومعته، فقلت له: يا سمعان، منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة.
قلت: ما طعامك؟ قال: يا حنيفي، وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم. قال: في كلّ ليلة حمصة. قلت: فما الّذي يهيج من قلبك حتّى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الّذين بحذائك؟ قلت: نعم. قال: إنّهم يأتونني في كلّ سنة يوما واحدا، فيزيّنون صومعتي، ويطوفون حولها يعظّمونني بذلك، وكلّما تثاقلت نفسي عن العبادة، ذكّرتها تلك السّاعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة، فاحتمل يا حنيفيّ جهد ساعة لعزّ الأبد، فوقر في قلبي المعرفة.
فقال: أزيدك؟ قلت: نعم. قال: انزل عن الصّومعة. فنزلت، فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: ادخل الدّير، فقد رأوا ما أدليت إليك.
فلمّا دخلت الدّير، اجتمعت النّصارى، فقالوا: يا حنيفيّ، ما الّذي أدلى إليك الشّيخ؟ قلت: من قوته. قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحقّ، ساوم.
قلت: عشرين دينارا، فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشّيخ، فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، وهذا عزّ من لا يعبده، فانظر كيف تكون بعزّ من تعبده، يا حنيفيّ، أقبل على ربّك.
قلت: ولخوف الرّياء، ستر الصّالحون أعمالهم؛ حذرا عليها، وبهرجوها بضدّها، فكان
стр. 220
ابن سيرين يضحك بالنّهار، ويبكي باللّيل، وكان في ذيل أيّوب السختيانيّ بعض الطّول، وكان ابن أدهم إذا مرض، يرى عنده ما يأكله الأصحّاء.
وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك، عن بكّار بن عبد الله، أنّه سمع وهب بن منبه يقول:
كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم، فقال: إنّا قد خرجنا من الدّنيا، وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطّغيان، وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطّغيان، أكثر ممّا يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحبّ أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى بيعا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حيّي ووقّر لمكان دينه.
فشاع ذلك الكلام حتّى بلغ الملك، فعجب به، فركب إليه ليسلّم عليه، وينظر إليه، فلمّا رآه الرّجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلّم عليك.
فقال: وما يصنع؟ قال: للكلام الّذي وعظت به، فسأل غلامه: هل عندك طعام؟ فقال:
شيء من ثمر الشّجر ممّا كنت تفطر به.
فأمر به، فأتى على مسح، فوضع بين يديه، فأخذ يأكل منه، وكان يصوم النّهار ولا يفطر، فوقف عليه الملك، فسلّم عليه، فأجابه بإجابة خفيّة، وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: أين الرّجل؟ فقيل له: هو هذا.
قال: هذا الّذي يأكل؟ قالوا: نعم. قال: فما عند هذا من خير فأدبر. فقال الرّجل:
الحمد لله الّذي صرفك عنّي بما صرفك به.
وفي رواية أخرى عن وهب، أنّه لمّا أقبل الملك، قدّم الرّجل طعامه، فجعل يجمع البقول في اللّقمة الكبيرة، ويغمسها في الزّيت، فيأكل أكلا عنيفا، فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالنّاس.
стр. 221
فردّ الملك عنان دابّته، وقال: ما في هذا من خير. فقال: الحمد لله الّذي أذهبه عنّي وهو لائم لي.
وبإسناد عن عطاء، قال: أراد الوليد بن عبد الملك، أن يولّي يزيد بن مرثد، فبلغ ذلك يزيد، فلبس فروة، فجعل الجلد على ظهره، والصّوف خارجا، وأخذ بيده رغيفا وعرقا، وخرج بلا رداء، ولا قلنسوة، ولا نعل، ولا خفّ، فجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد: إنّ يزيد قد اختلط. وأخبر بما فعل، فتركه، ومثل هذا كثير.
ومن الزّهّاد من يستعمل الزّهد ظاهرا وباطنا، لكنّه قد علم أنّه لا بدّ أن يتحدّث بتركه للدّنيا أصحابه، أو زوجته، فيهون عليه الصّبر كما هان على الرّاهب الّذي ذكرنا قصّته مع إبراهيم بن أدهم، ولو أنّه أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النّفس، ويقطع الحديث عنه، فقد كان داود ابن أبي هند، صام عشرين سنة، ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غذاءه، ويخرج إلى السّوق، فيتصدّق به في الطّريق، فأهل السّوق يظنّون أنّه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنّون أنّه قد أكل في السّوق، هكذا كان النّاس.
ومن المتزهدين: من قوته الانقطاع في مسجد، أو رباط، أو جبل، فلذّته علم النّاس بانفراده، وربّما احتجّ لانقطاعه، بأنّي أخاف أن أرى في خروجي المنكرات.
وله في ذلك مقاصد: منها الكبر، واحتقار النّاس.
ومنها: أنّه يخاف أن يقصّروا في خدمته.
ومنها: حفظ ناموسه ورياسته، فإنّ مخالطة النّاس تذهب ذلك، وهو يريد أن يبقى إطراؤه وذكره.
وربّما كان مقصوده ستر عيوبه، ومقابحه، وجهله بالعلم، فيرى هذا، ويجب أن يزار ولا يزور، ويفرح بمجيء الأمراء إليه، واجتماع العوامّ على بابه، وتقبيلهم يده، فهو يترك
стр. 222
عيادة المرضى، وشهود الجنائز، ويقول أصحابه: اعذروا الشّيخ، فهذه عادته، لا كانت عادة تخالف الشّريعة.
ولو احتاج هذا الشّخص إلى القوت، ولم يكن عنده من يشتريه له صبر على الجوع؛ لئلّا يخرج لشراء ذلك بنفسه، فيضيع جاهه لمشيه بين العوامّ، ولو أنّه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشّهرة، ولكن في باطنه حفظ النّاموس، وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السّوق، ويشتري حاجته، ويحملها بنفسه.
وكان أبو بكر ﵁ يحمل الثّياب على كتفه، فيبيع ويشتري.
والحديث بإسناد عن محمّد بن القاسم، قال: مرّ عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب، فقال النّاس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع به الكبر، وذلك أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنّة عبد في قلبه مثقال ذرّة من الكبر» (١).
فصل [توقير العلم والعلماء]
قال المصنف: وهذا الّذي ذكرته من الخروج لشراء الحاجة ونحوها من التّبذّل، كان عادة السّلف القدماء، وقد تغيّرت تلك العادة كما تغيّرت الأحوال والملابس، فلا أرى للعالم أن يخرج اليوم لشراء حاجته؛ لأنّ ذلك يكشف نور العلم عند الجهلة، وتعظيمه عندهم مشروع، ومراعاة قلوبهم في مثل هذا يخرج إلى الرّياء، واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه.
وليس كلّ ما كان في السّلف ممّا لا يتغيّر به قلوب النّاس يومئذ، ينبغي أن يفعل اليوم.
стр. 223
قال الأوزاعيّ: كنّا نضحك ونمزح، فإذا صرنا يقتدى بنا، فلا أرى ذلك يسعنا، وقد روّينا عن إبراهيم بن أدهم، أنّ أصحابه كانوا يوما يتمازحون، فدقّ رجل الباب، فأمرهم بالسّكوت والسّكون، فقالوا له: تعلّمنا الرّياء؟ فقال: إنّي أكره أن يعصى الله فيكم.
قال المصنف: وإنّما خاف قول الجهلة، انظروا إلى هؤلاء الزّهّاد كيف يفعلون، وذلك أنّ العوامّ لا يحتملون مثل هذا للمتعبّدين.
فصل [الداء الخفي]
ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللّيّن من ثوبه ما فعل؛ لئلّا يتوكّس جاهه في الزّهد، ولو خرج روحه لا يأكل والنّاس يرونه، ويحفظ نفسه في التّبسّم فضلا عن الضّحك، ويوهمه إبليس أنّ هذا لإصلاح الخلق، وإنّما هو رياء يحفظ به قانون النّاموس، فتراه مطأطئ الرّأس، عليه آثار الحزم، فإذا خلا، رأيته ليث شرى (١).
فصل [البعد عن محمّدة الناس]
وقد كان السّلف يدفعون عنهم كلّ ما يوجب الإشارة إليهم، ويهربون من المكان الّذي يشار إليهم فيه، والحديث بإسناد عن عبد الله بن خبيق، قال: قال يوسف بن أسباط:
خرجت من منبج راجلا حتّى أتيت المصيصة، وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلّم عليّ، وذا يسلّم، فطرحت جرابي، ودخلت المسجد أصلّي ركعتين، فأحدقوا بي، فاطّلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا؟
فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائي إلى منبج، فما رجعت إلى قلبي سنين.
стр. 224
فصل [من خفي الرياء]
ومن الزّهاد من يلبس الثّوب المخرّق، ولا يخيطه، ويترك إصلاح عمامته، وتسريح لحيته؛ ليرى أنّه ما عنده من الدّنيا خير.
وهذا من أبواب الرّياء، فإن كان صادقا في إعراضه عن أغراضه كما قيل لداود الطّائي:
ألا تسرّح لحيتك؟
فقال: إنّي عنها لمشغول، فليعلم أنّه سلك غير الجادّة؛ إذ ليست هذه طريقة الرّسول ﷺ ، ولا أصحابه؛ فإنّه كان يسرّح شعره، وينظر في المرآة، ويدّهن، ويتطيّب، وهو أشغل الخلق بالآخرة، وكان أبو بكر وعمر ﵄ يخضبان بالحنّاء والكتم، وهما أخوف الصّحابة وأزهدهم، فمن ادّعى رتبة تزيد على السّنّة، وأفعال الأكابر، لم يلتفت إليه.
فصل [مراعاة حقوق الأهل]
ومن الزّهّاد من يلزم الصّمت الدّائم، وينفرد عن مخالطة أهله فيؤذيهم بقبح أخلاقه، وزيادة انقباضه، وينسى قول النّبيّ ﷺ : «إنّ لأهلك عليك حقّا» (١).
وقد كان رسول الله ﷺ يمزح، فيلاعب الأطفال، ويحدّث أزواجه، وسابق عائشة
إلى غير ذلك من الأخلاق اللّطيفة.
فهذا المتزهّد الجاعل زوجته كالأيم، وولده كاليتيم لانفراده عنهم، وقبح أخلاقه؛ لأنّه يرى أنّ ذلك يشغله عن الآخرة، ولا يدري لقلّة علمه أنّ الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة.
стр. 225
وفي «الصّحيحين» أنّ النّبيّ ﷺ قال لجابر: «هلّا تزوّجت بكرا تلاعبها وتلاعبك» (١).
وربّما غلب على هذا المتزهّد التّجفّف، فترك مباضعة الزّوجة، فيضيّع فرضا بنافلة غير ممدوحة.
ومن الزّهّاد من يرى عمله فيعجبه، فلو قيل له: أنت من أوتاد الأرض، رأى ذلك حقّا، ومنهم: من يترصّد لظهور كرامته، ويخيّل إليه أنّه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه، فإذا عرض له أمر، فدعا فلم يجب، تذمّر في باطنه، فكأنّه أجير يطلب أجر عمله، ولو رزق الفهم لعلم أنّه عبد مملوك، والمملوك لا يمنّ بعمله، ولو نظر إلى توفيقه للعلم، لرأى وجوب الشّكر، فخاف من التّقصير فيه.
وقد كان ينبغي أن يشغله خوفه على العمل من التّقصير فيه، عن النّظر إليه، كما كانت رابعة تقول: أستغفر الله من قلّة صدقي في قولي. وقيل لها: هل عملت عملا ترين أنّه يقبل منك؟ فقالت: إذا كان، فمخافتي أن يردّ عليّ.
فصل [المخاطبة بالقرآن]
ومن تلبيس إبليس على قوم من الزّهّاد الّذي دخل عليهم فيه من قلّة العلم أنّهم يعملون بواقعاتهم، ولا يلتفتون إلى قول الفقيه. قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخرّاز صالحا، وهو أوّل من لقّنني كتاب الله، وكان من عادته الإمساك عن الكلام في شهر رمضان، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض إليه من الحوائج، فيقول في إذنه: ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويقول لابنه في عشيّة الصّوم: ﴿مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها﴾ [البقرة: ٦١]، آمرا له أن يشتري البقل.
стр. 226
فقلت له: هذا الّذي تعتقده عبادة هو معصية، فصعب عليه، فقلت: إنّ هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعيّة، فلا يستعمل في أغراض دنيويّة، وما هذا إلّا بمثابة صرّك السّدر والأشنان في ورق المصحف، أو توسّدك له. فهجرني، ولم يصغ إلى الحجّة.
قال المصنف: قلت: وقد يسمع الزّاهد القليل العلم أشياء من العوامّ، فيفتي به.
حدّثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه، أنّ رجلا استفتاه، فقال: ما تقول في امرأة طلّقت ثلاثا، فولدت ذكرا، هل تحلّ لزوجها؟ قال: فقلت: لا. وكان عندي الشّريف الدحاليّ، وكان مشهورا بالزّهد، عظيم القدر بين العوامّ، فقال لي: بل تحلّ. فقلت: ما قال بهذا أحد! فقال: والله، لقد أفتيت بهذا من هاهنا إلى البصرة.
قال المصنف: فانظر ما يصنع الجهل بأهله، ويضاف إليه حفظ الجاه؛ خوفا أن يرى الزّاهد بعين الجهل.
وقد كان السلف ينكرون على الزّاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي؛ لأنّه لم يجمع شروط الفتوى، فكيف لو رأوا تخبيط المتزهّدين اليوم في الفتوى بالواقعات!
وبالإسناد عن إسماعيل بن شبّة قال: دخلت على أحمد بن حنبل، وقد قدم أحمد بن حرب من مكّة، فقال لي أحمد بن حنبل: من هذا الخراسانيّ الّذي قد قدم؟
قلت: من زهده كذا وكذا، ومن ورعه كذا وكذا.
فقال: لا ينبغي لمن يدّعي ما يدّعيه أن يدخل نفسه في الفتيا.
فصل [فتنة التقليل من شأن العلماء]
ومن تلبيسه على الزّهاد: احتقارهم العلماء، وذمّهم إيّاهم، فهم يقولون: المقصود العمل، ولا يفهمون أنّ العلم نور القلب، ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشّريعة، وأنّها
стр. 227
مرتبة الأنبياء، لعدّوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء، والعمي عند البصراء، والعلماء أدلّة الطّريق، والخلق وراءهم، وسليم هؤلاء يمشي وحده.
وفي «الصّحيحين» من حديث سهل بن سعد أنّ النّبيّ ﷺ قال لعليّ بن أبي طالب ﵁:
«والله، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» (١).
فصل [المعنى الحقيقي للمباح]
وممّا يعيبون به العلماء: تفسّح العلماء في بعض المباحات الّتي يتقوّون بها على دراسة العلم، وكذلك يعيبون جامع الأموال، ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنّه لا يذمّ فاعله، وغاية الأمر أنّ غيره أولى منه، أفيحسن لمن صلّى اللّيل أن يعيب على من أدّى الفرض ونام.
ولقد روّينا بإسناد عن محمّد بن جعفر الخولانيّ، قال: حدّثني أبو عبد الله الخوّاص، وكان من أصحاب حاتم الأصم، قال: دخلنا مع حاتم البلخيّ إلى الرّيّ، ومعه ثلاث مئة وعشرون رجلا من أصحابه يريد الحجّ، وعليهم الصّوف والزرمانقات، ليس فيهم من معه جراب ولا طعام، فنزلنا على رجل من التّجّار متنسّك، فضافنا تلك اللّيلة، فلمّا كان من الغد، قال لحاتم: يا أبا عبد الرّحمن، لك حاجة، فإنّي أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل.
فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل، فعيادة الفقيه لها فضل كبير، والنّظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أجيء معك، وكان العليل محمّد بن مقاتل قاضي الريّ، فقال له: مر بنا أبا عبد الرّحمن.
فجاؤوا إلى باب داره، فإذا البوّاب، فبقي حاتم متفكّرا، يقول: يا ربّ، دار عالم على هذه الحال!
стр. 228
ثمّ أذن لهم فدخلوا، فإذا بدار قوراء، وآلة حسنة، وبزّة، وفرش، وستور، فبقي حاتم متفكّرا ينظر حتّى دخلوا إلى المجلس الّذي فيه محمّد بن مقاتل، وإذا بفراش حسن وطيء، وهو عليه راقد، وعند رأسه مذبّة وناس وقوف، فقعد الرّازيّ، وبقي حاتم قائما، فأومأ إليه محمّد بن مقاتل بيده أن اجلس، فقال حاتم: لا أجلس. فقال له ابن مقاتل: فلك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: فاسألني. قال حاتم: قم فاستو جالسا حتّى أسألك عنها.
فأمر غلمانه فأسندوه، فقال حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ فقال: حدّثني الثّقات عن الثّقات من الأئمّة.
قال: عمّن أخذوه؟ قال: عن التّابعين. قال: والتّابعون ممّن أخذوه؟ قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ . قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمّن أخذوه؟ قال: عن رسول الله ﷺ . قال:
ورسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال: عن جبريل، عن الله . فقال حاتم: ففيم أدّاه جبريل عن الله إلى النّبيّ ﷺ ، وأدّاه النّبيّ ﷺ إلى أصحابه، وأدّاه الصّحابة إلى تابعيهم، وأدّاه التّابعون إلى الأئمّة، وأدّاه الأئمّة إلى الثّقات، وأدّاه الثّقات إليكم؟ هل سمعت في هذا العلم من كانت داره في الدّنيا أحسن، وفراشه ألين، وزينته أكثر، كان له المنزلة عند الله أكبر؟ قال: لا.
قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت من زهد في الدّنيا، ورغب في الآخرة، وأحبّ المساكين، وقدّم لآخرته، كان عند الله له منزلة أكثر، وإليه أقرب.
قال حاتم: وأنت بمن اقتديت؟ أبالنبيّ ﷺ وبأصحابه والتّابعين من بعدهم، والصّالحين على أثرهم، أو فرعون ونمروذ؟ فإنّهما أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ.
يا علماء السّوء، إنّ الجاهل المتكالب على الدّنيا، الرّاغب فيها، يقول: هذا العالم على
стр. 229
هذه الحالة ألا أكون أنا؟
قال: فخرج من عنده، وازداد محمّد بن مقاتل مرضا، وبلغ أهل الرّيّ ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل، فقالوا لحاتم: إنّ محمّد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئا من هذا.
فصار إليه، فدخل عليه وعنده الخلق يحدّثهم، فقال له: رحمك الله، أنا رجل أعجميّ، جئتك لتعلّمني مبدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضّأ للصّلاة؟
فقال: نعم وكرامة، يا غلام، إناء فيه ماء.
فجاءه بإناء فيه ماء، فقعد محمّد بن عبيد، فتوضّأ ثلاثا، ثمّ قال له: هكذا فتوضّأ. قال حاتم: مكانك رحمك الله حتّى أتوضّأ بين يديك؛ ليكون أوكد لما أريد.
فقام الطنافسيّ، وقعد حاتم مكانه، فتوضّأ وغسل وجهه ثلاثا، حتّى إذا بلغ الذّراع غسل أربعا، فقال الطنافسيّ: أسرفت.
قال حاتم: فبماذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعا. قال: يا سبحان الله! أنا في كفّ ماء أسرفت، وأنت في جميع هذا الّذي أراه كلّه لم تسرف؟
فعلم الطنافسيّ أنّه أراده بذلك، فدخل البيت، ولم يخرج إلى النّاس أربعين يوما، وخرج حاتم إلى الحجاز، فلمّا صار إلى المدينة أحبّ أن يخصم علماء المدينة، فلمّا دخل المدينة قال: يا قوم، أيّ مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرّسول ﷺ . قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتّى أذهب إليه فأصلّي فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان لرسول الله ﷺ قصر، إنّما كان له بيت لاطئ. قال: فأين قصور أهله، وأصحابه، وأزواجه؟
قالوا: ما كان لهم قصور، إنّما كان لهم بيوت لاطئة.
فقال حاتم: فهذه مدينة فرعون. قال: فسبّوه، وذهبوا به إلى الوالي، وقالوا: هذا العجميّ يقول: هذه مدينة فرعون. فقال الوالي: لم قلت ذلك؟ قال حاتم: لا تعجل عليّ
стр. 230
أيّها الأمير، أنا رجل غريب دخلت المدينة، فسألت: أيّ مدينة هذه؟ قالوا: مدينة رسول الله ﷺ . وسألت عن قصر رسول الله ﷺ ، وقصور أصحابه، قالوا: إنّما كانت لهم بيوت لاطئة، وسمعت الله يقول: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأنتم بمن تأسّيتم؟ برسول الله ﷺ ، أو بفرعون؟
قال المصنّف: قلت: الويل للعلماء من الزّاهد الجاهل، الّذي يقتنع بعلمه، فيرى الفضل فرضا، فإنّ الّذي أنكره مباح، والمباح مأذون فيه، والشّرع لا يأذن في شيء ثمّ يعاتب عليه، فما أقبح الجهل!
ولو أنّه قال لهم: لو قصّرتم فيما أنتم فيه لتقتدي النّاس بكم، كان أقرب حالة، ولو سمع هذا بأنّ عبد الرّحمن بن عوف، والزّبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود - رضوان الله عليهم - وفلانا وفلانا من الصّحابة خلّفوا مالا عظيما، أتراه ماذا كان يقول، وقد اشترى تميم الدّاريّ حلّة بألف درهم، وكان يقوم فيها باللّيل، ففرض على الزّاهد التّعلّم من العلماء، فإذا لم يتعلّم فليسكت.
والحديث بإسناد عن مالك بن دينار ﵁ قال: إنّ الشّيطان ليلعب بالقرّاء كما يلعب الصّبيان بالجوز.
وبإسناد عن حبيب الفارسيّ يقول: والله، إنّ الشّيطان ليلعب بالقرّاء، كما يلعب الصّبيان بالجوز.
قال المصنف: قلت: المراد بالقرّاء الزّهاد، وهذا اسم قديم لهم معروف، والله الموفّق للصّواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 231
الباب العاشر في ذكر تلبيسه على الصوفية من جملة الزهاد
قال المصنف: الصّوفيّة من جملة الزّهّاد، وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزّهّاد، إلّا أنّ الصّوفيّة انفردوا عن الزّهّاد بصفات وأحوال، وتوسّموا بسمات، فاحتجنا إلى إفرادهم بالذّكر، والتّصوّف طريقة كان ابتداؤها الزّهد الكلّيّ، ثمّ ترخّص المنتسبون إليها بالسّماع والرّقص، فمال إليهم طلّاب الآخرة من العوامّ؛ لما يظهرونه من التّزهّد، ومال إليهم طلّاب الدّنيا لما يرون عندهم من الرّاحة واللّعب.
فلا بدّ من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم، ولا ينكشف ذلك إلّا بكشف أصل هذه الطّريقة وفروعها، وشرح أمورها، والله الموفّق للصّواب.
فصل [أصل الصوفية]
قال المصنف: كانت النّسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال:
مسلم ومؤمن، ثمّ حدث اسم «زاهد، وعابد»، ثمّ نشأ أقوام تعلّقوا بالزّهد والتّعبّد، فتخلّوا عن الدّنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتّخذوا في ذلك طريقة تفرّدوا بها، وأخلاقا تخلّقوا بها، ورأوا أنّ أوّل من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام رجل يقال له: صوفة، واسمه الغوث بن مرّ، فانتسبوا إليه؛ لمشابهتهم إيّاه في الانقطاع إلى الله فسمّوا بالصّوفيّة.
أنبأنا محمّد بن ناصر، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال، قال: قال أبو محمّد عبد الغني بن سعيد الحافظ، قال: سألت وليد بن القاسم: إلى أيّ شيء ينسب الصّوفيّ؟ فقال: كان قوم في الجاهليّة يقال لهم: صوفة، انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة، فمن
стр. 232
تشبّه بهم فهم الصّوفيّة.
قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة، ولد الغوث بن مر ابن أخي تميم بن مر.
وبالإسناد إلى الزّبير بن بكار، قال: كانت الإجازة بالحجّ للنّاس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة، ثمّ كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة، وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة.
قال الزّبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكلّ من ولي من البيت شيئا من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم: صوفة وصوفان.
قال الزّبير: حدّثني أبو الحسن الأثريّ، عن هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ، قال:
إنّما سمّي الغوث بن مر صوفة؛ لأنّه ما كان يعيش لأمّه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقنّ برأسه صوفة، ولتجعلنّه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، ولولده من بعده.
قال الزّبير: وحدّثني إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عقال بن شبّة، قال: قالت أمّ تميم بن مر، وقد ولدت نسوة، فقالت: لله عليّ إن ولدت غلاما لأعبّدنّه للبيت. فولدت الغوث بن مرة، فلمّا ربطته عند البيت، أصابه الحرّ، فمرّت به، وقد سقط واسترخى، فقالت: ما صار ابني إلّا صوفة، فسمّي صوفة، وكان الحجّ وإجازة النّاس من عرفة إلى منى، ومن منى إلى مكّة لصوفة.
فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتّى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتّى أخذتها قريش.
قال المصنف: وقد ذهب قوم إلى أنّ التّصوّف منسوب إلى أهل الصّفّة، وإنّما ذهبوا إلى هذا لأنّهم رأوا أهل الصّفّة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله ، وملازمة الفقر، فإنّ أهل الصّفّة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل، ولا
стр. 233
مال، فبنيت لهم صفّة في مسجد رسول الله ﷺ ، وقيل: أهل الصّفّة.
والحديث بإسناد عن الحسن، قال: بنيت صفّة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله ﷺ يأتيهم فيقول: «السّلام عليكم يا أهل الصّفّة». فيقولون: وعليك السّلام يا رسول الله. فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير يا رسول الله (١).
وبإسناد عن نعيم بن المجمر، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: كنت من أهل الصّفّة، وكنّا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كلّ رجل فينصرف برجل، فيبقى من بقي من أهل الصّفّة عشرة أو أقلّ، فيؤثرنا النّبيّ ﷺ بعشائه، فنتعشّى، فإذا فرغنا، قال رسول الله ﷺ :
«ناموا في المسجد» (٢).
قال المصنّف: وهؤلاء القوم إنّما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنّما أكلوا من الصّدقة ضرورة، فلمّا فتح الله على المسلمين، استغنوا عن تلك الحال وخرجوا.
ونسبة الصّوفيّ إلى أهل الصّفّة غلط؛ لأنّه لو كان كذلك لقيل: صفّي، وقد ذهب قوم إلى أنّه من الصّوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة، فنسبوا إليها؛ لاجتزائهم بنبات الصّحراء، وهذا أيضا غلط؛ لأنّه لو نسبوا إليها لقيل: صوفاني.
وقال آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا، وهي الشّعرات النّابتة في مؤخّره، كأنّ الصّوفيّ عطف به إلى الحقّ، وصرفه عن الخلق.
وقال آخرون: بل هو منسوب إلى الصّوف، وهذا يحتمل، والصّحيح الأوّل.
وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مئتين، ولمّا أظهره أوائلهم، تكلّموا فيه، وعبّروا عن
стр. 234
صفته بعبارات كثيرة.
وحاصلها: أنّ التّصوّف عندهم رياضة النّفس، ومجاهدة الطّبع بردّه عن الأخلاق الرّذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزّهد، والحلم، والصّبر، والإخلاص، والصّدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة الّتي تكسب المدائح في الدّنيا، والثّواب في الأخرى.
والحديث بإسناد عن الطّوسيّ يقول: سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد ابن محمّد عن التّصوّف، فقال: الخروج عن كلّ خلق رديء، والدّخول في كلّ خلق سنيّ.
وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر قال: سمعت محمّد بن خفيف يقول: قال رويم: كلّ الخلق قعدوا على الرّسوم، وقعدت هذه الطّائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشّرع، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع، ومداومة الصّدق.
قال المصنف: وعلى هذا، كان أوائل القوم، فلبّس إبليس عليهم في أشياء، ثمّ لبّس على من بعدهم من تابعيهم، فكلّما مضى قرن، زاد طمعه في القرن الثّاني، فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكّن من المتأخّرين غاية التّمكّن.
وكان أصل تلبيسه عليهم أن صدّهم عن العلم، وأراهم أنّ المقصود العمل، فلمّا أطفأ مصباح العلم عندهم، تخبّطوا في الظّلمات.
فمنهم: من أراه أنّ المقصود من ذلك ترك الدّنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبّهوا المال بالعقارب، ونسوا أنّه خلق للمصالح، وبالغوا في الحمل على النّفوس، حتّى إنّه كان فيهم من لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة، غير أنّهم على غير الجادّة، وفيهم من كان لقلّة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة، وهو لا يدري.
ثمّ جاء أقوام، فتكلّموا لهم في الجوع، والفقر، والوساوس، والخطرات، وصنّفوا في
стр. 235
ذلك، مثل الحارث المحاسبيّ.
وجاء آخرون، فهذّبوا مذهب التّصوّف، وأفردوه بصفات ميّزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسّماع والوجد والرّقص والتّصفيق، وتميّزوا بزيادة النّظافة والطّهارة، ثمّ ما زال الأمر ينمو، والأشياخ يضعون لهم أوضاعا، ويتكلّمون بواقعاتهم، ويتّفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتّى سمّوه: العلم الباطن، وجعلوا علم الشّريعة: العلم الظّاهر.
ومنهم: من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادّعى عشق الحقّ والهيمان فيه، فكأنّهم تخايلوا شخصا مستحسن الصّورة، فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة.
ثمّ تشعّبت بأقوام منهم الطّرق، ففسدت عقائدهم.
فمن هؤلاء من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتّحاد، وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع، حتّى جعلوا لأنفسهم سننا، وجاء أبو عبد الرّحمن السّلميّ، فصنّف لهم «كتاب السّنن»، وجمع لهم حقائق التّفسير، فذكر عنهم فيه العجب، في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم، من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنّما حملوه على مذاهبهم.
والعجب من ورعهم في الطّعام، وانبساطهم في القرآن.
وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرّحمن القزّاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال لي محمّد بن يوسف القطّان النّيسابوريّ، قال: كان أبو عبد الرّحمن السّلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصمّ إلّا شيئا يسيرا، فلمّا مات الحاكم أبو عبد الله بن البيّع، حدّث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين، وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصّوفية الأحاديث.
قال المصنف: وصنّف لهم أبو نصر السرّاج كتابا سمّاه: «لمع الصّوفيّة» ذكر فيه من الاعتقاد القبيح، والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى.
стр. 236
وصنّف لهم أبو طالب المكّيّ: «قوت القلوب»، فذكر فيه الأحاديث الباطلة، وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيّام واللّيالي، وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد.
وردّد فيه قول «قال بعض المكاشفين» وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصّوفيّة، أنّ الله يتجلّى في الدّنيا لأوليائه.
أخبرنا أبو منصور القزّاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال أبو طاهر محمّد بن العلّاف قال: دخل أبو طالب المكّيّ إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم، فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد، فاجتمع النّاس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه، فحفظ عنه أنّه قال: ليس على المخلوق أضرّ من الخالق.
فبدّعه النّاس وهجروه، فامتنع من الكلام على النّاس بعد ذلك.
قال الخطيب: وصنّف أبو طالب المكّيّ كتابا سمّاه «قوت القلوب» على لسان الصّوفيّة، وذكر فيه أشياء مستبشعة في الصّفات.
قال المصنف: وجاء أبو نعيم الأصبهانيّ فصنّف لهم كتاب «الحلية» وذكر في حدود التّصوّف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر في الصّوفيّة أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّا، وسادات الصّحابة ﵃ فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي، والحسن البصريّ، وسفيان الثّوريّ، وأحمد بن حنبل، وكذلك ذكر السّمليّ في «طبقات الصّوفيّة» الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، ومعروفا الكرخيّ، وجعلهم من الصّوفيّة، بأن أشار إلى أنّهم من الزّهّاد.
فالتّصوّف مذهب معروف يزيد على الزّهد، ويدلّ على الفرق بينهما أنّ الزّهد لم يذمّه أحد، وقد ذمّوا التّصوّف على ما سيأتي ذكره، وصنّف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري
стр. 237
كتاب «الرسالة»، فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء، والبقاء، والقبض، والبسط، والوقت، والحال، والوجد، والوجود، والجمع، والتّفرقة، والصّحو، والسكر، والذّوق، والشّرب، والمحو، والإثبات، والتّجلّي، والمحاضرة، والمكاشفة، واللّوائح، والطّوالع، واللّوامع، والتّكوين، والتّمكين، والشّريعة، والحقيقة، إلى غير ذلك من التّخليط الّذي ليس بشيء، وتفسيره أعجب منه.
وجاء محمّد بن طاهر المقدسيّ، فصنّف لهم «صفوة التّصوّف»، فذكر فيه أشياء يستحيي العاقل من ذكرها، سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول: كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة، قال: وصنّف كتابا في جواز النّظر إلى المرد، أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين، قال:
رأيت جارية بمصر مليحة، صلّى الله عليها، فقيل له: تصلّي عليها؟ فقال: صلّى الله عليها، وعلى كلّ مليح.
قال شيخنا ابن ناصر: وليس ابن طاهر ممّن يحتجّ به.
وجاء أبو حامد الغزاليّ، فصنّف لهم كتاب «الإحياء» على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلّم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إنّ المراد بالكوكب والشّمس والقمر اللّواتي رآهنّ إبراهيم - صلوات الله عليه - أنوار هي حجب الله ، ولم يرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنيّة.
وقال في كتابه: «المفصح بالأحوال»: إنّ الصّوفيّة في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثمّ يترقّى الحال من مشاهدة الصّورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النّطق.
قال المصنف: وكان السّبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلّة علمهم بالسّنن،
стр. 238
والإسلام، والآثار، وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم، وإنّما استحسنوها لأنّه قد ثبت في النّفوس مدح الزّهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصّورة، ولا كلاما أرقّ من كلامهم.
وفي سير السّلف نوع خشونة، ثمّ إنّ ميل النّاس إلى هؤلاء القوم شديد؛ لما ذكرنا من أنّها طريقة ظاهرها النّظافة والتّعبّد، وفي ضمنها الرّاحة والسّماع، والطّباع تميل إليها، وقد كان أوائل الصّوفيّة ينفرون من السّلاطين والأمراء، فصاروا أصدقاء.
فصل [الوساوس والخطرات]
وجمهور هذه التّصانيف التي صنّفت لهم، لا تستند إلى أصل، وإنّما هي واقعات تلقّفها بعضهم عن بعض، ودوّنوها، وقد سمّوها بالعلم الباطن، والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحاق بن حيّة، قال: سمعت أحمد بن حنبل، وقد سئل عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلّم فيها الصّحابة، ولا التّابعون.
قال المصنف: وقد روّينا في أوّل كتابنا هذا عن ذي النّون نحو هذا، وروّينا عن أحمد ابن حنبل، أنّه سمع كلام الحارث المحاسبيّ، فقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم.
وعن سعيد بن عمرو البرذعيّ قال: شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبيّ وكتبه، فقال للسّائل: إيّاك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنّك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب.
قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة.
بلغكم أنّ مالك بن أنس، وسفيان الثّوريّ، والأوزاعيّ، والأئمّة المتقدّمة، صنّفوا في هذه الكتب في الخطرات والوساوس، وهذه الأشياء، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا
стр. 239
مرّة بالحارث المحاسبيّ، ومرّة بعبد الرّحيم الدّيبليّ، ومرّة بحاتم الأصمّ، ومرّة بشقيق، ثمّ قال: ما أسرع النّاس إلى البدع!
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا أبو محمّد رزق الله بن عبد الوهّاب التّميميّ، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: أوّل من تكلّم في بلدته في ترتيب الأحوال، ومقامات أهل الولاية، ذو النّون المصريّ، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر، لمّا شاع خبره أنّه أحدث علما لم يتكلّم فيه السّلف حتّى رموه بالزّندقة.
قال السّلميّ: وأخرج أبو سليمان الدّارانيّ من دمشق، وقالوا: إنّه يزعم أنّه يرى الملائكة، وأنّهم يكلّمونه، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري: أنّه يفضل الأولياء على الأنبياء، فهرب من دمشق إلى مكّة، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول، حتّى إنّه ذكر للحسين بن عيسى أنّه يقول: لي معراج كما كان للنّبيّ ﷺ معراج، فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكّة سنتين، ثمّ رجع إلى جرجان، فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى، ثمّ رجع إلى بسطام.
قال السّلميّ: وحكى رجل، عن سهل بن عبد الله التّستري أنّه يقول: إنّ الملائكة، والجنّ، والشّياطين يحضرونه، وإنّه يتكلّم عليهم، فأنكر ذلك عليه العوامّ حتّى نسبوه إلى القبائح، فخرج إلى البصرة، فمات بها.
قال السّلميّ: وتكلّم الحارث المحاسبيّ في شيء من الكلام والصّفات، فهجره أحمد ابن حنبل، فاختفى إلى أن مات.
قال المصنّف: وقد ذكر أبو بكر الخلّال في «كتاب السّنّة» عن أحمد بن حنبل أنّه قال:
حذّروا من الحارث أشدّ التّحذير.
стр. 240
الحارث أصل البليّة، يعني في حوادث كلام جهم، ذاك جالسه فلان وفلان، وأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر أيّ يوم يثب على النّاس.
قال المصنف: وقد كان أوائل الصّوفيّة يقرّون بأنّ التّعويل على الكتاب والسّنّة، وإنّما لبّس الشّيطان عليهم لقلّة علمهم.
وبإسناد عن جعفر الخلديّ يقول: سمعت الجنيد يقول: قال أبو سليمان الدّاراني، قال: ربّما تقع في نفسي النّكتة من نكت القوم أيّاما، فلا أقبل منه إلّا بشاهدين عدلين؛ الكتاب والسّنّة.
وبإسناد عن طيفور البسطاميّ يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول: قال لي أبي: قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتّى يرتفع في الهواء، فلا تغترّوا به حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنّهي، وحفظ الحدود.
وبإسناد عن أبي موسى يقول: سمعت أبا يزيد البسطاميّ قال: من ترك قراءة القرآن والتّقشّف، ولزوم الجماعة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادّعى بهذا الشّأن، فهو مبتدع.
وبإسناد عن عليّ بن عبد الحميد الحلبي يقول: سمعت سريّا يقول: من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم، فهو غالط.
وعن الجنيد أنّه قال: مذهبنا هذا مقيّد بالأصول: الكتاب والسّنّة.
وقال أيضا: علمنا منوط بالكتاب والسّنّة، من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقّه، لا يقتدى به.
وقال أيضا: ما أخذنا التّصوّف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدّنيا وقطع
стр. 241
المألوفات والمستحسنات؛ لأنّ التّصوّف من صفاء المعاملة مع الله وأصله التّفرّق عن الدّنيا كما قال حارثة: عرفت نفسي في الدّنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري.
وعن أبي بكر الشّقّاق: من ضيّع حدود الأمر والنّهي في الظّاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن.
وقال الحسين النّوريّ لبعض أصحابه: من رأيته يدّعي مع الله حالة تخرجه عن حدّ علم الشّرع، فلا تقربنّه، ومن رأيته يدّعي حالة لا يدلّ عليها دليل، ولا يشهد لها حفظ ظاهر، فاتّهمه على دينه.
وعن الجريري قال: أمرنا هذا كلّه مجموع على فضل واحد، هو أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائما.
وعن أبي جعفر قال: من لم يزن أقواله، وأفعاله، وأحواله بالكتاب والسّنّة، ولم يتّهم خاطره، فلا تعدّه في ديوان الرّجال.
فصل [تنزيه الشريعة]
قال المصنف: وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم، وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحا عنهم، توجّه الرّدّ عليهم، إذ لا محاباة في الحقّ، وإن لم يصحّ عنهم حذرنا من مثل هذا القول، وذلك المذهب من أيّ شخص صدر.
فأمّا المشبّهون بالقوم، وليسوا منهم، فأغلاطهم كثيرة، ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم، والله يعلم أنّنا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلّا تنزيه الشّريعة، والغيرة عليها من الدّخل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنّما نؤدّي بذلك أمانة العلم.
وما زال العلماء يبيّن كلّ واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحقّ، لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يردّ على فلان الزّاهد المتبرّك به؛ لأنّ الانقياد
стр. 242
إنّما يكون إلى ما جاءت به الشّريعة، لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرّجل من الأولياء، وأهل الجنّة، وله غلطات، فلا تمنع منزلته بيان زلَلِهِ.
واعلم أنّ من نظر إلى تعظيم شخص، ولم ينظر بالدّليل إلى ما صدر عنه، كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح - صلوات الله عليه - من الأمور الخارقة، ولم ينظر إليه، فادّعى فيه الإلهيّة، ولو نظر إليه، وأنّه لا يقوم إلا بالطّعام، لم يعطه إلّا ما يستحقّه.
وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السّمرقنديّ بإسناد إلى يحيى بن سعيد قال: سألت شعبة، وسفيان بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، عن الرّجل لا يحفظ، أو يتّهم في الحديث، فقالوا جميعا: يبيّن أمره.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرّجل، ويبالغ، ثمّ يذكر غلطه في الشّيء بعد الشّيء.
وقال: نعم الرّجل فلان، لولا أنّ خلّة فيه. وقال عن سريّ السقطي: الشّيخ المعروف بطيب المطعم، ثمّ حكي له عنه أنّه قال: إنّ الله لمّا خلق الحروف، سجدت الباء، فقال: نفّروا النّاس عنه.
سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد
ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره:
عن أبي عبد الله الرملي قال: تكلّم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلّم، إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة، وقال: لبّيك لبّيك. فنسبوه إلى الزّندقة، وقالوا: حلوليّ زنديق، وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع: هذا فرس الزّنديق.
стр. 243
وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنّه قال: كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول: لبّيك لبّيك.
فأطلقوا عليه أنّه حلوليّ، ثمّ قال أبو عليّ: وإنّما جعله داعيا من الحقّ أيقظه للذّكر.
وعن أبي علي الروذباري قال: أطلق على أبي حمزة أنّه حلوليّ، وذلك أنّه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرّياح، وخرير الماء، وصياح الطّيور، كان يصيح، ويقول: لبّيك لبّيك. فرموه بالحلول.
قال السّراج: وبلغني عن أبي حمزة أنّه دخل دار الحارث المحاسبيّ، فصاحت الشّاة:
ماء، شهق أبو حمزة شهقة، وقال: لبّيك يا سيّدي، فغضب الحارث المحاسبيّ، وعمد إلى سكّين، وقال: إن لم تتب من هذا الّذي أنت فيه، أذبحك.
قال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الّذي أنا فيه، فلم تأكل النّخالة بالرّماد.
وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز، ونسبوه إلى الكفر، بألفاظ وجدوها في كتاب صنّفه، وهو كتاب السّرّ، ومنه قوله: عبد طائع، ما أذن له، فلزم التّعظيم لله، فقدّس الله نفسه.
قال: وأبو العبّاس أحمد بن عطاء، نسب إلى الكفر والزّندقة.
قال: وكم من مرّة أخذ الجنيد، مع علمه، وشهد عليه بالكفر والزّندقة، وكذلك أكثرهم.
وقال السراج: ذكر عن أبي بكرة محمّد بن موسى الفرغاني الواسطي أنّه قال: من ذكر افترى، ومن صبر اجترى، وإيّاك أن تلاحظ حبيبا، أو كليما، أو خليلا، وأنت تجد إلى ملاحظة الحقّ سبيلا.
فقيل له: أولا أصلّي عليهم؟ قال: صلّ عليهم بلا وقار، ولا تجعل لها في قلبك مقدار.
стр. 244
قال السراج: وبلغني أنّ جماعة من الحلوليّين زعموا أنّ الحقّ اصطفى أجساما حلّ فيها بمعاني الرّبوبيّة، وأزال عنها معاني البشريّة، ومنهم من قال بالنّظر إلى الشّواهد المستحسنات، ومنهم من قال: حالّ في المستحسنات.
قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشّام أنّهم يدّعون الرّؤية بالقلوب في الدّنيا، كالرّؤية بالعيان في الآخرة.
قال السراج: وبلغني أنّ أبا الحسين النّوريّ شهد عليه غلام الخليل أنّه سمعه يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني. فقال النّوريّ: سمعت الله يقول: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وليس العشق بأكثر من المحبّة.
قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلوليّة إلى أنّ الله يعشق.
قال المصنّف: وهذا جهل من ثلاثة أوجه:
أحدها: من حيث الاسم، فإنّ العشق عند أهل اللّغة لا يكون إلّا لما ينكح.
والثاني: أنّ صفات الله منقولة، فهو يحبّ، ولا يقال: يعشق، كما يقال: يعلم، ولا يقال: يعرف.
والثالث: من أين له أنّ الله تعالى يحبّه، فهذه دعوة بلا دليل، وقد قال النّبيّ ﷺ : «من قال: إنّي في الجنّة، فهو في النّار» (١).
وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، حكي عن عمرو المكّيّ أنّه قال: كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقّة مكّة، وكنت أقرأ القرآن، فسمع قراءتي، فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته.
стр. 245
وعن محمّد بن يحيى الرّازيّ، قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلّاج، ويقول:
لو قدرت عليه لقتلته بيدي. قلت: بأيّ شيء وجد عليه الشّيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله ، فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلّف مثله، وأتكلّم به.
وبإسناد عن أبي القاسم الرّازي يقول: قال أبو بكر بن حمشاذ، قال: حضر عندنا بالدّينور رجل ومعه مخلاة، فما كان يفارقها، لا باللّيل، ولا بالنّهار، ففتّشوا المخلاة، فوجدوا فيها كتابا للحلّاج عنوانه: من الرّحمن الرّحيم إلى فلان بن فلان، فوجّه إلى بغداد، فأحضر، وعرض عليه، فقال: هذا خطّي، وأنا كتبته، فقالوا: كنت تدّعي النّبوّة، فصرت تدّعي الرّبوبيّة.
فقال: ما أدّعي الرّبوبيّة، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلّا الله تعالى، واليد فيه آلة، فقيل له: هل معك أحد؟ فقال: نعم، ابن عطاء، وأبو محمّد الجريري، وأبو بكر الشبلي، وأبو محمّد الجريري يتستّر، والشبلي يتستّر، فإن كان: فابن عطاء، فأحضر الجريري، وسئل، فقال: قائل هذا كافر، يقتل من يقول هذا. وسئل الشّبليّ، فقال: من يقول هذا يمنع، وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلّاج، فقال بمقالته، وكان سبب قتله.
وبإسناد عن ابن باكويه، قال: أسمعت عيسى بن بردل القزويني، وقد سأل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوته … سرّ سنا لاهوته الثّاقب
ثمّ بدا في خلقه ظاهرا … في صورة الآكل والشّارب
حتّى لقد عاينه خلقه … كلحظة الحاجب بالحاجب
فقال الشّيخ: على قائله لعنة الله.
قال عيسى بن فورك: هذا شعر الحسين بن منصور.
стр. 246
قال: إن كان هذا اعتقاده، فهو كافر، إلّا أنّه ربّما يكون متقوّلا عليه.
وبإسناد عن عليّ بن المحسن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمّد بن زنجي، عن أبيه، أنّ بنت السمري أدخلت على حامد الوزير، فسألها عن الحلّاج، فقالت: حملني أبي إليه، فقال: قد زوّجتك من ابني سليمان، وهو مقيم بنيسابور، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته، فصومي يومك، واصعدي في آخر النّهار إلى السّطح، وقومي على الرّماد، واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه، فإنّي أسمع وأرى.
قالت: وكنت ليلة نائمة في السّطح، فأحسست به قد غشيني، فانتبهت مذعورة لما كان منه، فقال: إنّما جئتك لأوقظك للصّلاة، فلمّا نزلنا، قالت ابنته: اسجدي له. فقلت: أو يسجد أحد لغير الله؟ فسمع كلامي، فقال: نعم، إله في السّماء، وإله في الأرض.
قال المصنف: اتّفق علماء العصر على إباحة دم الحلّاج، فأوّل من قال: إنّه حلال الدّم:
أبو عمر القاضي، ووافقه العلماء، وإنّما سكت عنه أبو العبّاس بن سريج، قال: وقال: لا أدري ما يقول، والإجماع دليل معصوم من الخطإ.
وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلّكم» (١).
وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن داود الفقيه الأصبهانيّ يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيّه ﷺ حقّا، فما يقول الحلّاج باطل، وكان شديدا عليه.
стр. 247
قال المصنّف: وقد تعصّب للحلّاج جماعة من الصّوفيّة؛ جهلا منهم، وقلّة مبالاة بإجماع الفقهاء.
وبإسناد عن محمّد بن الحسين النّيسابوريّ قال: سمعت إبراهيم بن محمّد النصر آباذي كان يقول: إن كان بعد النّبيّين والصّدّيقين موحّد، فهو الحلّاج.
وعلى هذا أكثر قصّاص زماننا، وصوفيّة وقتنا، جهلا من الكلّ بالشّرع، وبعدا عن معرفة النّقل، وقد جمعت في أخبار الحلّاج كتابا بيّنت فيه حيله ومخاريقه، وما قال العلماء فيه، والله المعين على قمع الجهّال.
وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال: سمعت عمر البنّا البغداديّ بمكّة يحكي أنّه لمّا كانت محنة غلام الخليل، ونسبة الصّوفيّة إلى الزّندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ النّوريّ في جماعة، فأدخلوا على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فتقدّم النّوريّ مبتدرا إلى السّيّاف ليضرب عنقه، فقال له السّيّاف: ما دعاك إلى البدار؟ قال: آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللّحظة، فتوقّف السّيّاف، فرفع الأمر إلى الخليفة، فردّ أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق، فأمر بتخليتهم.
وبإسناد إلى أبي العبّاس أحمد بن عطاء قال: كان يسعى بالصّوفيّة ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة، فقال: هاهنا قوم زنادقة، فأخذ أبو الحسين النّوري، وأبو حمزة الصّوفيّ، وأبو بكر الزّقّاق، وجماعة من أقران هؤلاء، واستتر الجنيد بن محمّد بالفقه على مذهب أبي ثور، فأدخلوا إلى الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فأوّل من بدر أبو الحسين النّوريّ، فقال له السّيّاف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع؟ قال: أحببت أن أوثر أصحابي بالحياة مقدار هذه السّاعة، فردّ الخليفة أمرهم إلى القاضي، فأطلقوا.
قال المصنف: ومن أسباب هذه القصّة، قول النّوريّ: أنا أعشق الله، والله يعشقني،
стр. 248
فشهد عليه بهذا، ثمّ تقدّم النّوريّ إلى السّيّاف ليقتل إعانة على نفسه، فهو خطأ أيضا.
وبإسناد عن ابن باكويه، قال: سمعت أبا عمرو تلميذ الرّقّي قال: سمعت الرّقّيّ يقول:
كان لنا بيت ضيافة، فجاءنا فقير، عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان، فقال: الضّيافة. فقلت لابني: امض به إلى البيت، فأقام عندنا تسعة أيّام، فأكل في كلّ ثلاثة أيّام أكلة، فسألته المقام، فقال: الضّيافة ثلاثة أيّام.
فقلت له: لا تقطع عنّا أخبارك، فغاب عنّا اثنتي عشرة سنة، ثمّ قدم، فقلت: من أين؟ فقال: رأيت شيخا يقال له: أبو شعيب المقفّع مبتلى، فأقمت عنده أخدمه سنة، فوقع في نفسي أن أسأله: أيّ شيء كان أصل بلائه؟ فلمّا دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله، فقال: وما سؤالك عمّا لا يعنيك، فصبرت حتّى تمّ لي ثلاث سنين، فقال في الثّالثة: لا بدّ لك، فقلت له: إن رأيت.
فقال: بينما أنا أصلّي باللّيل، إذ لاح لي من المحراب نور، فقلت له: اخسأ يا ملعون، فإنّ ربّي غنيّ عن أن يبرز للخلق ثلاث مرّات. قال: ثمّ سمعت نداء من المحراب: يا أبا شعيب، فقلت: لبّيك. فقال: تحبّ أن أقبضك في وقتك، أو نجازيك على ما مضى لك، أو نبتليك ببلاء نرفعك به في عليّين؟ فاخترت البلاء، فسقطت عيناي ويداي ورجلاي، قال: فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة.
فقال يوما من الأيّام: ادن منّي، فدنوت منه، فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا:
ابرز، حتّى برزت أعضاؤه كلّها بين يديه وهو يسبّح ويقدّس، ثمّ مات.
قال المصنف: وهذه الحكاية توهم أنّ الرّجل رأى الله ، فلمّا أنكر عوقب، وقد ذكرنا أنّ قوما يقولون: إنّ الله يرى في الدّنيا.
وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب «المقالات» قال: قد حكى
стр. 249
قوم من المشبّهة أنّهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدّنيا، وأنّهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السّكك، وإنّ قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته، وملامسته، ويدعون أنّهم يزورونه، ويزورهم، وهم يسمّون بالعراق: أصحاب الباطن، وأصحاب الوساوس، وأصحاب الخطرات.
قال المصنف: وهذا فوق القبيح، نعوذ بالله من الخذلان.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة:
قال المصنّف: قد ذكرنا تلبيسه على العبّاد في الطّهارة، إلّا أنّه قد زاد في حقّ الصّوفيّة على الحدّ، فقوّى وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتّى بلغني أنّ ابن عقيل دخل رباطا فتوضّأ، فضحكوا لقلّة استعماله الماء، وما علموا أنّ من أشبع الوضوء برطل من الماء كفاه.
وبلغنا عن أبي حامد الشّيرازي أنّه قال لفقير: من أين تتوضّأ؟ فقال: من النّهر، بي وسوسة في الطّهارة. قال: كان عهدي بالصّوفيّة يسخرون من الشّيطان، والآن يسخر بهم الشّيطان، ومنهم من يمشي بالمداس على البواري، وهذا الّذي لا بأس به، إلّا أنّه ربّما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به، فيظنّ ذلك شريعة، وما كان خيار السّلف على هذا، والعجب ممّن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحدّ متّصفا بتنظيف ظاهره، وباطنه محشوّ بالوسخ والكدر، والله الموفّق.
ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة:
قال المصنف: وقد ذكرنا تلبيسه على العبّاد في الصّلاة، وهو بذلك يلبّس على الصّوفيّة ويزيد، وقد ذكر محمّد بن طاهر المقدسيّ أنّ من سنّتهم الّتي ينفردون بها، وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتّوبة، واحتجّ عليه بحديث ثمامة بن أثال: «أنّ النّبيّ ﷺ
стр. 250
أمره حين أسلم أن يغتسل» (١).
قال المصنّف: وما أقبح الجاهل إذ تعاطى ما ليس من شغله، فإنّ ثمامة كان كافرا فأسلم، وإذا أسلم الكافر، وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء، منهم: أحمد ابن حنبل.
وأمّا صلاة ركعتين، فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم، وليس في حديث ثمامة ذكر صلاة ركعتين، فيقاس عليه، وهل هذا إلّا ابتداع في الواقع سمّوه سنّة.
ثمّ من أقبح الأشياء قوله: إنّ الصّوفيّة ينفردون بسنن؛ لأنّها إن كانت منسوبة إلى الشّرع، فالمسلمون كلّهم فيها سواء، والفقهاء أعرف بها، فما وجه انفراد الصّوفيّة بها، وإن كانت بآرائهم فإنّما انفردوا بها؛ لأنّهم اخترعوها.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن:
قال المصنّف: أمّا بناء الأربطة، فإنّ قوما من المتعبّدين الماضين اتّخذوها للانفراد بالتّعبّد، وهؤلاء إذا صحّ قصدهم، فهم على الخطإ من ستّة أوجه:
أحدها: أنّهم ابتدعوا هذا البناء، وإنّما بنيان أهل الإسلام المساجد.
والثاني: أنّهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلّل جمعها.
والثالث: أنّهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطا إلى المساجد.
والرابع: أنّهم تشبّهوا بالنّصارى بانفرادهم في الأديرة.
والخامس: أنّهم تعذّبوا، وهم شباب، وأكثرهم محتاج إلى النّكاح.
والسادس: أنّهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنّهم زهّاد، فيوجب ذلك زيارتهم والتّبرّك