إنّ نفسي تحدّثني بأن أسيح في الأرض. فقال النّبيّ ﷺ له: «مهلا يا عثمان، فإنّ سياحة أمّتي الغزو في سبيل الله، والحجّ والعمرة» (١).
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل أنّه سئل عن الرجل يسيح يتعبّد أحبّ إليك، أو المقيم في الأمصار؟ قال: ما السّياحة في الإسلام في شيء، ولا من فعل النّبيّين ولا الصّالحين.
وأمّا الخروج على الوحدة، فقد نهى رسول الله ﷺ أن يسافر الرّجل وحده (٢).
فأخبرنا عبد الرحمن بن محمّد، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا محمّد بن الطّيّب الصّبّاغ، نا أحمد بن سليمان النجاد، ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، ثنا علي بن عاصم، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الرّاكب شيطان، والاثنان شيطانان، والثّلاثة ركب» (٣).
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أيوب بن النّجار، عن طيب بن محمّد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ راكب الفلاة وحده» (٤).
وقد يمشون باللّيل أيضا على الوحدة، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن ذلك.
وأخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمّد بن عبيد، ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لو
стр. 422
يعلم النّاس ما في الوحدة، ما سار أحد وحده بليل أبدا» (١).
قال عبد الله: وحدّثني أبي، ثنا محمّد بن أبي عدي، ثنا محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«أقلّوا الخروج إذا هدأت الرّجل، فإنّ الله تعالى يبثّ في خلقه ما شاء» (٢).
قال المصنف ﵀: وفيهم من جعل دأبه السّفر، والسّفر لا يراد لنفسه، قال النّبيّ ﷺ :
«السّفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجّل إلى أهله» (٣).
فمن جعل دأبه السّفر فقد جمع بين تضييع العمر، وتعذيب النّفس، وكلاهما مقصود فاسد.
أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي قال: سمعت محمّد بن أبي الطّيّب العكيّ يقول: سمعت أبا الحسن البصري يقول: سمعت أبا حمزة الخراسانيّ يقول: كنت قد بقيت محرما في عباء، أسافر كلّ سنة ألف فرسخ، تطلع الشّمس عليّ وتغرب، كلّما أحللت أحرمت.
ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد:
قال المصنف ﵀: قد لبّس على خلق كثير منهم، فأوهمهم أنّ التّوكّل ترك الزّاد، وقد بيّنّا فساد هذا فيما تقدّم، إلّا أنّه قد شاع هذا في جهلة القوم، وجاء حمقى القصّاص يحكون ذلك عنهم، على سبيل المدح لهم به، فيتضمّن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك.
стр. 423
وبأفعال أولئك، ومدح هؤلاء لهؤلاء، فسدت الأحوال، وخفيت على العوامّ طرق الصّواب.
والأخبار عنهم بذلك كثيرة، وأنا أذكر منها نبذة:
أنبأنا محمّد بن عبد الملك، نا أبو بكر، نا رضوان بن محمّد الدّينوري، ثنا طاهر بن عبد الله، ثنا الفضل بن الفضل الكندي، ثني أبو بكر محمّد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي، ثنا محمّد بن السفاح، عن علي بن سهل البصريّ، قال: أخبرني فتح الموصلي قال: خرجت حاجّا، فلمّا توسّطت البادية إذا أنا بغلام صغير، فقلت: يا عجبا! بادية بيداء، وأرض قفراء، وغلام صغير. فأسرعت، فلحقته، فسلّمت عليه، ثمّ قلت: يا بنيّ، إنّك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام.
قال: يا عمّ، قد مات من كان أصغر سنّا منّي.
فقلت: وسّع خطاك؛ فإنّ الطّريق بعيد، حتّى تلحق المنزل.
قال: يا عمّ! عليّ المشي، وعلى الله البلاغ، أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فقلت له: ما لي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة؟
فقال: يا عمّ، زادي يقيني، وراحلتي رجائي.
قلت: سألتك عن الخبز والماء.
قال: يا عمّ، أخبرني لو أنّ أخا من إخوانك، أو صديقا من أصدقائك، دعاك إلى منزله، أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله؟ فقلت: أزوّدك. فقال: إليك عنّي يا بطّال، هو يطعمنا ويسقينا. قال فتح: فما رأيت صغيرا أشدّ توكّلا منه، ولا رأيت كبيرا أشدّ زهدا منه.
стр. 424
قال المصنف ﵀: بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور، ويظنّ أنّ هذا هو الصّواب، ويقول الكبير: إذا كان الصّغير قد فعل هذا، فأنا أحقّ بفعله منه. وليس العجب من الصّبيّ، بل من الّذي لقيه، كيف لم يعرفه؛ أنّ هذا الذي يفعله منكر، وأنّ الّذي استدعاك أمرك بالتّزوّد، ومن ماله يتزوّد، ولكن مضى على هذا كبار القوم، فكيف الصّغار؟!
أخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر بن علي الحافظ، نا أبو نعيم الأصفهاني، قال:
سمعت محمّد بن الحسن بن علي اليقطيني يقول: حضرت أبا عبد الله بن الجلاء، وقيل له عن هؤلاء الّذين يدخلون البادية بلا زاد، ولا عدّة، يزعمون أنّهم متوكّلون، فيموتون في البراري، فقال: هذا فعل رجال الحقّ، فإن ماتوا فالدّية على القاتل.
أخبرنا ابن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال:
سمعت أبا الحسين الفارسي، يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: قال رجل لأبي عبد الله ابن الجلاء، ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله. قال: فإن مات. قال: الدّية على القاتل.
قال المصنف ﵀: قلت: هذه فتوى جاهل بحكم الشّرع؛ إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام، أنّه لا يجوز دخول البادية بغير زاد، وأنّ من فعل ذلك فمات بالجوع، فإنّه عاص لله تعالى، مستحقّ لدخول النّار، وكذلك إذا تعرّض بما غالبه العطب، فإنّ الله جعل النّفوس وديعة عندنا، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٣٩].
وقد تكلّمنا فيما تقدّم في وجوب الاحتراز من المؤذي، ولو لم يكن المسافر بغير زاد إلّا أنّه خالف أمر الله في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧].
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا أحمد الكبير، يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، قال: خرجت من شيراز في السّفرة
стр. 425
الثّالثة، فتهت في البادية وحدي، وأصابني من الجوع والعطش ما أسقط من أسناني ثمانية، وانتثر شعري كلّه.
قال المصنف ﵀: قلت: هذا قد حكى عن نفسه ما ظاهره طلب المدح على ما فعل، والذّمّ لا حق به.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد الكريم بن هوازن، قال:
سمعت أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت محمّد بن عبد الله الواعظ، وأخبرنا أبو بكر ابن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه واللّفظ له، ثنا أبو الفضل يوسف بن علي البلخيّ، ثنا محمّد بن عبد الله أبو حمزة الصوفي، قال: إنّي لأستحيي من الله أن أدخل البادية، وأنا شبعان، وقد اعتقدت التّوكّل؛ لئلا يكون شبعي زادا تزوّدته.
قال المصنف ﵀: قلت: وقد سبق الكلام على مثل هذا، وإنّ هؤلاء القوم ظنّوا أنّ التّوكّل ترك الأسباب.
ولو كان هكذا لكان رسول الله ﷺ حين تزوّد لمّا خرج إلى الغار قد خرج من التّوكّل، وكذلك موسى لمّا طلب الخضر تزوّد حوتا، وأهل الكهف حين خرجوا، فاستصحبوا دراهم، واستخفّوا ما معهم.
وإنّما خفي على هؤلاء معنى التّوكّل؛ لجهلهم، وقد اعتذر لهم أبو حامد فقال: لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلّا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الإنسان قد راض نفسه، حيث يمكنه الصّبر على الطّعام أسبوعا ونحوه.
والثاني: أن يمكنه التّقوّت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدميّ بعد أسبوع، أو ينتهي إلى محلّه، أو حشيش، يزجي به وقته.
стр. 426
قال المصنف ﵀: قلت: أقبح ما في هذا القول أنّه صدر من فقيه؛ فإنّه قد لا يلقى أحدا، وقد يضلّ، وقد يمرض، فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى من لا يطعمه، ويتعرّض بمن لا يضيّفه، وتفوته الجماعة قطعا، وقد يموت ولا يقابله أحد.
ثمّ قد ذكرنا ما جاء في الوحدة، ثمّ ما المحوج إلى هذه المحن، إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بحشيش؟ وأيّ فضيلة في هذه الحال حتّى يخاطر فيها بالنّفس؟ وأين أمر الإنسان أن يتقوّت بحشيش؟ ومن فعل هذا من السّلف؟
وكأنّ هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه أن يرزقهم في البادية، ومن طلب الطّعام في البرّيّة فقط، طلب ما لم تجر به العادة.
ألا ترى أنّ قوم موسى ﵇ لمّا سألوا من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها، أوحى الله إلى موسى، أن اهبطوا مصرا؛ وذلك لأنّ الّذي طلبوه في الأمصار، فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشّرع والعقل، والعمل بموافقات النّفس.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا عبد العزيز بن علي الأزجيّ، نا إبراهيم بن محمّد بن جعفر السّاجي، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر أحمد بن محمّد الخلال، نا الحسن بن أحمد الكرماني، ثنا أبو بكر، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن عمرو ابن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون:
نحن متوكّلون، فيحجّون، فيأتون إلى مكّة، فيسألون الناس، فأنزل الله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧].
أخبرنا أبو المعمر الأنصاريّ، نا يحيى بن عبد الوهّاب بن منده، نا أبو طاهر محمّد بن أحمد بن عبد الرحيم، نا أبو محمّد بن حيّان، ثنا أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي، ثنا عبد الله بن الأزهر، ثنا أسباط، ثنا محمّد بن موسى الجرجاني، قال: سألت محمّد بن كثير
стр. 427
الصنعاني، عن الزّهّاد الّذين لا يتزوّدون، ولا ينتعلون، ولا يلبسون الخفاف، فقال: سألتني عن أولاد الشّياطين، ولم تسألني عن الزّهّاد.
فقلت له: فأيّ شيء الزّهد؟ قال: التّمسّك بالسّنّة، والتّشبّه بأصحاب النّبيّ ﷺ .
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا إبراهيم بن محمّد الساجي، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، نا أبو بكر أحمد بن محمّد الخلال، نا أحمد بن الحسين بن حسان، أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الرّجل يريد المفازة بغير زاد، فأنكره إنكارا شديدا، وقال: أفّ أفّ، لا، لا - ومدّ بها صوته - إلّا بزاد ورفقاء قافلة.
قال الخلال: وقال أبو بكر المروزيّ: وجاء رجل إلى أبي عبد الله، فقال: رجل يريد سفرا، أيّما أحبّ إليك؟ يحمل معه زادا أو يتوكّل؟ فقال له أبو عبد الله: يحمل معه زادا، ويتوكّل؛ حتّى لا يتشرّف للنّاس.
قال الخلال: وأخبرني إبراهيم بن الخليل، أنّ أحمد بن نصر، حدّثهم أنّ رجلا سأل أبا عبد الله: أيخرج الرّجل إلى مكّة متوكّلا لا يحمل معه شيئا؟
قال: لا يعجبني، فمن أين يأكل؟ قال: فيتوكّل فيعطيه النّاس. قال: فإذا لم يعطوه، أليس يتشرّف لهم حتّى يعطوه؟ لا يعجبني هذا، لم يبلغني أنّ أحدا من أصحاب النّبيّ ﷺ والتّابعين فعل هذا.
قال الخلال: وأخبرنا محمّد بن علي السّمسار، أنّ محمّد بن موسى بن مشيش، حدّثهم أنّ أبا عبد الله سأله رجل فقال: أحجّ بلا زاد؟ فقال: لا. اعمل واحترف. فقال: فهؤلاء الّذين يعرفون ويحجّون بلا زاد هم على الخطأ؟ قال: نعم. هم على الخطأ.
قال الخلال: وأخبرني محمّد بن أحمد بن جامع الرازي، قال: سمعت الحسين الرّازي
стр. 428
قال: شهدت أحمد بن حنبل، وجاءه رجل من أهل خراسان، فقال له: يا أبا عبد الله، معي درهم، أحجّ بهذا الدّرهم؟
فقال له أحمد: اذهب إلى باب الكرخ، فاشتر بهذا الدّرهم حبّا، واحمل على رأسك، حتّى يصير عندك ثلاثمائة درهم فحجّ.
قال: يا أبا عبد الله، أترى مكاسب النّاس؟
قال أحمد: لا تنظر إلى هذا؛ فإنّه من رغب في هذا يريد أن يفسد على الناس معايشهم.
قال: يا أبا عبد الله، أنا متوكّل.
قال: فتدخل البادية وحدك أو مع النّاس؟
قال: لا. مع الناس.
قال: كذبت، إذن لست بمتوكّل، فادخل وحدك، وإلّا فأنت متوكّل على جراب النّاس.
стр. 429
سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد القزّاز، نا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت (ح) نا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أحمد بن محمّد بن مقسم، ثني أبو بدر الخياط الصوفي، قال: سمعت أبا حمزة يقول: سافرت سفرة على التّوكّل، فبينما أنا أسير ذات ليلة والنّوم في عيني، إذ وقعت في بئر، فرأيتني قد حصلت فيها، فلم أقدر على الخروج؛ لبعد مرتقاها، فجلست فيها، فبينما أنا جالس إذ وقف على رأس البئر رجلان، فقال أحدهما لصاحبه: نجوز ونترك هذا البئر في طريق المسلمين السّابلة والمارّة.
فقال الآخر: فما نصنع؟
قال: فبدرت نفسي أن أناديهما؟ فنوديت: تتوكّل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا.
فسكتّ، فمضيا، ثمّ رجعا ومعهما شيء، فجعلاه على رأسها غطّوها به، فقالت لي نفسي:
أمنت طمّها، ولكن حصلت فيها مسجونا.
فمكثت يومي وليلتي، فلمّا كان الغد، ناداني شيء يهتف بي ولا أراه، تمسّك بي شديدا. فمددت يدي، فوقعت على شيء خشن، فتمسّكت به، فعلاها وطرحني فوق الأرض، فإذا هو سبع، فلمّا رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء، وكفيناك ما تخاف بما تخاف.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا محمّد بن أبي نصر الحميدي، نا أبو بكر محمّد بن أحمد الأردستاني، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمّد بن حسن المخرمي، سمعت
стр. 430
ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراسانيّ: حججت سنة من السّنين، فبينا أنا أمشي في الطّريق، وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله، لا أستغيث.
فما أتممت هذا الخاطر حتّى مرّ برأس البئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال نسدّ رأس هذا البئر في هذا الطّريق، فأتوا بقصب وبارية، فهمهمت، فقلت: إلى من هو أقرب إليك منهما. وسكتّ حتّى طمّوا رأس البئر، فإذا بشيء قد جاء، فكشف عن رأس البئر ودلّى رجليه، وكان يقول في همهمة له: تعلّق بي. فتعلّقت به، فأخرجني، فنظرت، فإذا هو سبع، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا أبا حمزة، أليس ذا حسنا، نجّيناك من التّلف بالتّلف.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو القاسم رضوان ابن محمّد ابن الحسن الدينوري، قال: سمعت أحمد بن محمّد بن عبد الله النيسابوري، يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن أحمد بن عبد الوهاب الحافظ، يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن نعيم، يحكي عن أبي حمزة الصوفي الدمشقي، أنّه لمّا خرج من البئر أنشد يقول:
نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى … فأغنيتني بالقرب منك عن الكشف
تراءيت لي بالغيب حتّى كأنّني … تبشّرني بالغيب أنّك في الكفّ
أراك وبي من هيبتي لك وحشة … وتؤنسني بالعطف منك وباللّطف
وتحيي محبّا أنت في الحبّ حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف
قال المصنف ﵀: قلت: اختلفوا في أبي حمزة هذا الواقع في البئر، فقال أبو عبد الرحمن السّلميّ: هو أبو حمزة الخراسانيّ، وكان من أقران الجنيد، وقد ذكرنا في رواية أخرى أنّه دمشقيّ.
وقال أبو نعيم الحافظ: هو أبو حمزة البغداديّ، واسمه محمّد بن إبراهيم، وذكره الخطيب في «تاريخه» وذكر له هذه الحكاية، وأيّهم كان فهو مخطئ في فعله، مخالف
стр. 431
للشّرع بسكوته، معين بصمته على نفسه، وقد كان يجب عليه أن يصيح، ويمنع من طمّ البئر، كما يجب عليه أن يدفع عن نفسه من يقصد قتله.
وقوله: لا أستغيث. كقول القائل: لا آكل الطّعام، ولا أشرب الماء. وهذا جهل من فاعله، ومخالفة الحكمة في وضع الدّنيا؛ فإنّ الله تعالى وضع الأشياء على حكمة، فوضع للآدميّ يدا يدافع بها، ولسانا ينطق به، وعقلا يهديه إلى دفع المضارّ، واجتلاب المصالح، وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميّين، فمن أعرض عن استعمال ما خلق له، وأرشد إليه، فقد رفض أمر الشّرع، وعطّل حكمة الصّانع.
فإن قال جاهل: فكيف أحترز مع أمر القدر؟
قلنا: وكيف لا يحترز مع أمر المقدّر وقد قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقد اختفى النّبيّ ﷺ في الغار وقال لسراقة: «أخف عنّا» (١).
واستأجر دليلا إلى المدينة (٢)، ولم يقل أخرج على التّوكّل، وما زال ببدنه مع الأسباب، وبقلبه مع المسبّب، وقد أحكمنا هذا الأصل فيما تقدّم.
وقول أبي حمزة: فنوديت من باطني، هذا من حديث النّفس الجاهلة الّتي قد استقرّ عندها بالجهل، أنّ التّوكّل ترك التّمسّك بالأسباب؛ لأنّ الشّرع لا يطلب من الإنسان ما نهاه عنه.
وهلّا نافره باطنه في مدّ يده، وتعلّقه بذلك المتدلّي إليه، وتمسّكه به؛ فإنّ ذلك أيضا نقض لما ادّعاه من ترك الأسباب الّذي يسمّيه التّوكّل؛ لأنّه أيّ فرق بين قوله: أنا في البئر.
وبين تمسّكه بما تدلّى عليه؟
стр. 432
لا. بل هذا آكد؛ لأنّ الفعل آكد من القول، فهلا سكت حتّى يحمل بلا سبب.
فإن قال: هذا بعثه الله لي.
قلنا: والّذي جاز على البئر، من بعثه؟ واللّسان المستغيث من خلقه؟ فإنّه لو استغاب كان مستعملا للأسباب الّتي خلقها الله تعالى، لينتفع بها للدّفع عنه، فلم يستعملها، وإنّما بسكوته عطّل الأسباب التي خلقها الله تعالى له، ودفع الحكمة، فصحّ لومه على ترك السّبب، وأمّا تخليصه بالأسد، فإن صحّ هذا فقد يتّفق مثله، ثمّ لا ينكر أنّ الله تعالى يلطف بعبده، وإنّما ينكر فعله المخالف للشّرع.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن، قال: سمعت علي بن عبد الله بن جهضم المكّي، يقول: ثنا الخلديّ، قال: قال الجنيد: قال لي محمّد بن السّمين: كنت في طريق الكوفة بقرب الصّحراء الّتي بين قباء والصّخرة التي تفرّقنا منها، والطّريق منقطع، فرأيت على الطّريق جملا قد سقط ومات، عليه سبعة أو ثمانية من السّباع تتناهش لحمه، يحمل بعضها على بعض.
فلمّا أن رأيتهم كأنّ نفسي اضطربت، وكانوا على قارعة الطّريق، فقالت لي نفسي:
تميل يمينا أو شمالا؟ فأبيت عليها إلا أن آخذ على قارعة الطّريق، فحملتها على أن مشيت، حتّى وقفت عليهم بالقرب منهم كأحدهم، ثمّ رجعت إلى نفسي لأنظر كيف هي، فإذا الرّوع معي قائم، فأبيت أن أبرح، وهذه صفتي، فقعدت بينهم، ثمّ نظرت بعد قعودي، فإذا الرّوع معي، فأبيت أن أبرح وهذه صفتي، فوضعت جنبي، فنمت مضطجعا، فتغاشاني النّوم، فنمت وأنا على تلك الهيئة، والسّباع في المكان الّذي كانوا عليه، فمضى بي وقت وأنا نائم، فاستيقظت فإذا السّباع قد تفرّقت، ولم يبق منها شيء، وإذا الّذي كنت أجده قد زال، فقمت وأنا على تلك الهيئة، فانصرفت.
стр. 433
قال المصنف ﵀: قلت: فهذا الرجل قد خالف الشّرع في تعرّضه للسّباع، ولا يحلّ لأحد أن يتعرّض لسبع أو لحيّة، بل يجب عليه أن يفرّ ممّا يؤذيه أو يهلكه.
وفي الصّحيحين أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا وقع الطّاعون وأنتم بأرض، فلا تقدموا عليه» (١).
وقال ﷺ : «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد» (٢).
ومرّ ﵊ بحائط مائل فأسرع (٣).
وهذا الرّجل قد أراد من طبعه ألا ينزعج، وهذا شيء ما سلم منه موسى ﵇ فإنّه لمّا رأى الحيّة خاف وولّى مدبرا، فإن صحّ ما ذكره - وهو بعيد الصّحّة - لأنّ طباع الآدميّين تتساوى؛ فمن قال: لا أخاف السّبع بطبعي. كذّبناه، كما لو قال: أنا لا أشتهي النّظر إلى المستحسن.
وكأنّه قهر نفسه حتّى نام بينهم، استسلاما للهلاك؛ لظنّه أنّ هذا من التّوكّل، وهذا خطأ؛ لأنّه لو كان هو التّوكّل ما نهى عن مقاربة ما يخاف شرّه، ولعلّ السّباع اشتغلت عنه، وشبعت من الجمل، والسّبع إذا شبع لا يفترس.
ولقد كان أبو تراب النّخشبيّ من كبار القوم، فلقيته السّباع البرّيّة، فنهشته فمات.
ثمّ لا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ونجّاه بحسن ظنّه فيه، غير أنّا نبيّن خطأ فعله للعامّيّ الّذي إذا سمع هذه الحكاية، ظنّ أنّها عزيمة عظيمة ويقين قويّ، وربّما فضّل حالته على حالة موسى ﵇ إذ هرب من الحيّة، وعلى حالة نبيّنا ﷺ إذ مرّ بجدار مائل فهرول،
стр. 434
وعلى لبسه ﷺ الدّرع في غزواته كلّها وقت الحرب، حتّى قال ﵊ في غزوة الخندق: «ليس لنبيّ أن يلبس لامة حربه، ثمّ ينزعها من غير قتال» (١).
وعلى حالة أبي بكر ﵁ إذ سدّ خروق الغار؛ اتّقاء أذى الحيّات.
وهيهات أن تعلو مرتبة هذا المخالف للشّرع على مرتبة النّبيّين والصّدّيقين، بما يخايل له ظنّه الفاسد، من أنّ هذا الفعل هو التّوكّل.
وقد أخبرنا عنه أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا إسماعيل بن أحمد الحيري، ثنا محمّد بن الحسين السلمي، قال: سمعت مؤمّلا المغازليّ يقول: كنت أصحب محمّد بن السّمين، فسافرت معه ما بين تكريت والموصل، فبينا نحن في برّيّة نسير، إذ زأر السّبع من قريب منّا، فعجزت وتغيّرت وظهر ذلك على وجهي وهممت أن أبادر فأفرّ، فضبطني وقال: يا مؤمّل، التّوكّل هاهنا ليس في المسجد الجامع.
قال المصنف ﵀: قلت: لا شكّ في أنّ التّوكّل يظهر أثره في المتوكّل عند الشّدائد، ولكن ليس من شروطه الاستسلام للسّبع؛ فإنّه لا يجوز.
أخبرنا عمر بن ظفر، نا أبو السراج، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا ابن جهضم، ثنا إبراهيم بن أحمد بن علي العطار، قال له الخوّاص: حدّثني بعض المشايخ، أنّه قيل لعلي الرازي: ما لنا لا نراك مع أبي طالب الجرجاني؟ قال: خرجنا في سياحة، فنمنا في موضع فيه سباع، فلمّا نظر إليّ رآني لم أنم طردني، وقال: لا تصحبني بعد هذا اليوم.
قال المصنف ﵀: لقد تعدّى هذا الرّجل، إذ أراد من صاحبه أن يغيّر ما طبع عليه، وليس ذلك في قدرته، ولا في وسعه، ولا يطالبه بمثله الشّرع، وما قدر على هذه الحالة موسى ﵇ حين هرب من الحيّة، فهذا كلّه مبناه على الجهل.
стр. 435
أخبرنا ابن المظفر، نا ابن السراج، ثنا ابن جهضم، قال: سمعت الخلدي يقول:
سمعت إبراهيم الخواص يقول: سمعت حسنا أخا سنان يقول: كنت أسلك طريق مكّة، فتدخل في رجلي الشّوكة، فيمنعني ما أعتقده من التّوكّل أن أخرجها من رجلي، فأدلك رجلي على الأرض وأمشي.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، أنبأنا أبو علي الحسن بن محمّد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، نا عبد الله بن علي السّرّاج، قال: سمعت أحمد بن علي الوجيهي يقول: حجّ الدينوريّ اثنتي عشرة حجّة حافيا مكشوف الرّأس، وكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله في الأرض، ويمشي ولا يطأطئ إلى الأرض من صحّة توكّله.
قال المصنف ﵀: قلت: انظروا إلى ما يصنع الجهل بأهله، وليس من طاعة الله أن يقطع الإنسان تلك البادية حافيا؛ لأنّه يؤذي نفسه غاية الأذى، ولا مكشوف الرّأس، وأيّ قربة تحصل بهذا، ولولا وجوب كشف الرّأس في مدّة الإحرام، لم يكن لكشفه معنى، فمن ذا الّذي أمره ألا يخرج الشّوك من رجله، وأيّ طاعة تقع بهذا؟ ولو أنّ رجله انتفخت بما يبقى فيها من الشّوك وهلك، كان قد أعان على نفسه، وهل دلّك الرّجل بالأرض إلّا دفع شرّ الشّوك، فهلا دفع الباقي بالإخراج.
وأين التّوكّل من هذه الأفعال المخالفة للعقل والشّرع؛ لأنّهما يقضيان بجلب المنافع للنّفس، ودفع المضارّ عنها، ولذلك أجاز الشّرع لمن أدركه ضرر في إحرامه، أن يخرق حرمة الإحرام، ويلبس ويغطّي رأسه ويفدي، ولقد سمعت أبا عبيد يقول: إنّي لأتبيّن عقل الرّجل، بأن يدع الشّمس ويمشي في الظّلّ.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني، قال: سمعت علي بن عبد الله بن جهضم قال: سمعت أبا بكر الرقي يقول:
стр. 436
حدّثني أبو بكر الزّقّاق، قال: خرجت في وسط السّنة إلى مكّة، وأنا حدث السّنّ، في وسطي نصف جلّ (١)، وعلى كتفي نصف جلّ، فرمدت عيني في الطّريق، وكنت أمسح دموعي بالجلّ، فأقرح الجلّ الموضع، فكان يخرج الدّم مع الدّموع، فمن شدّة الإرادة وقوّة سروري بحالي، لم أفرّق بين الدّموع والدّم، وذهبت عيني في تلك الحجّة.
وكانت الشّمس إذا أثرت في بدني، قبّلت يدي ووضعتها على عيني سرورا منّي بالبلاء.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، قال:
سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران، يقول: سمعت محمّد بن داود الرقي، يقول:
سمعت أبا بكر الزقاق، يقول: كان سبب ذهاب بصري، أنّي خرجت في وسط السّنة أريد مكّة، وفي وسطي نصف جلّ، وعلى كتفي نصف جلّ، فرمدت إحدى عينيّ، فمسحت الدّموع بالجلّ، فقرح المكان، وكانت الدّموع والدّم تسيلان من عيني.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا أبو محمّد التميمي، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال:
سمعت أبا بكر الرّازي يقول: قلت لأبي بكر الزّقّاق، وكان بفرد عين: ما سبب ذهاب عينك؟
قال: كنت أدخل البادية على التّوكّل، فجعلت على نفسي ألا آكل لأهل المنازل شيئا تورّعا، فسالت إحدى عينيّ على خدّي من الجوع.
قال المصنف ﵀: إذا سمع مبتدئ حالة هذا الرّجل، ظنّ أنّ هذه مجاهدات.
وقد جمعت هذه السفرة الّتي افتخر فيها، فنونا من المعاصي والمخالفات، منها:
خروجه في تنصيف السّنة على الوحدة، ومشيه بلا زاد ولا راحلة، ولباسه الجلّ، ومسح
стр. 437
عينيه به، وظنّه أنّ ذلك يقرّبه إلى الله تعالى، وإنّما يتقرّب إلى الله تعالى بما أمر به وشرعه، لا بما نهى وكفّ عنه.
فلو أنّ إنسانا قال: أريد أن أضرب نفسي بعصا؛ لأنّها عصت، أتقرّب بذلك إلى الله.
كان عاصيا.
وسرور هذا الرّجل بهذا خطأ قبيح؛ لأنّه إنّما يفرح بالبلاء إذا كان بغير تسبّب منه لنفسه؛ فلو أنّ إنسانا كسر رجل نفسه ثمّ فرح بهذه المصيبة، كان نهاية في الحماقة، ثمّ تركه السّؤال وقت الاضطرار، وحمله على النّفس في شدّة المجاعة، حتّى سالت عينه، ثمّ يسمّي هذا تورّعا، حماقات زهّاد، أكبرها الجهل والبعد عن العلم.
وقد أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمّد بن العباس بن أيوب الأصفهاني، ثنا عبد الرحمن بن يونس الرقي، ثنا مطرف بن مازن، عن سفيان الثوري، قال: من جاع فلم يسأل حتّى مات دخل النّار.
قال المصنف ﵀: فانظر إلى كلام الفقهاء، ما أحسنه!
ووجهه أنّ الله تعالى قد جعل للجائع مكنة التّسبّب، فإذا عدم الأسباب الظّاهرة، فله قدرة السّؤال الّتي هي كسب مثله في تلك الحال، فإذا تركه، فقد فرّط في حقّ نفسه، الّتي هي وديعة عنده، فاستحقّ العقاب.
وقد روي لنا في ذهاب عين هذا الرّجل، ما هو أظرف ممّا ذكرنا، فأخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، ثنا حمد بن أحمد الحداد، ثنا أبو نعيم، قال: سمعت أبا أحمد القلانسيّ، يقول: قال أبو علي الروذباري، يحكي عن أبي بكر الزّقّاق، قال: استضفت حيّا من العرب، فرأيت جارية حسناء، فنظرت إليها، فقلعت عيني الّتي نظرت بها إليها، وقلت:
مثلك من نظر لله.
стр. 438
قال المصنّف ﵀: قلت: فانظروا إلى جهل هذا المسكين بالشّريعة، والبعد عنها؛ لأنّه إن كان نظر إليها من غير تعمّد فلا إثم عليه، وإن تعمّد، فقد أتى صغيرة، قد كان يكفيه منها النّدم، فضمّ إليها كبيرة وهي قلع عينيه، ولم يتب عنها؛ لأنّه اعتقد قلعها قربة إلى الله سبحانه.
ومن اعتقد المحظور قربة، فقد انتهى خطؤه إلى الغاية، ولعلّه سمع تلك الحكاية عن بعض بني إسرائيل، أنّه نظر إلى امرأة فقلع عينه، وتلك مع بعد صحّتها، ربّما جازت في شريعتهم، فأمّا شريعتنا فقد حرّمت هذا.
وكأنّ هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سمّوها بالتّصوّف، وتركوا شريعة نبيّهم محمّد ﷺ ، نعوذ بالله من تلبيس إبليس.
وقد روي عن بعض عابدات الصّوفيّة مثل هذا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال:
أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البصري، غلام شعوانة، قال: أخبرتني شعوانة، أنّه كان في جيرانها امرأة صالحة، فخرجت ذات يوم إلى السّوق، فرآها بعض النّاس، فافتتن بها وتبعها إلى باب دارها، فقالت له المرأة: أيّ شيء تريد منّي؟ قال: فتنت بك.
فقالت: ما الّذي استحسنت منّي؟
قال: عيناك.
فدخلت إلى دارها، فقلعت عينيها، وخرجت إلى خلف الباب، ورمت بهما إليه وقالت له: خذهما فلا بارك الله فيك.
قال المصنف ﵀: فانظروا إخواني كيف يتلاعب إبليس بالجهلة؛ فإنّ ذلك الرّجل أتى صغيرة بالنّظر، وأتت هي بكبيرة، ثمّ ظنّت أنّها فعلت طاعة، وكان ينبغي أنّها لا تكلّم رجلا أجنبيّا.
стр. 439
وقد وجد من القوم ضد هذا، كما يروى عن ذي النّون المصريّ وغيره، أنّه قال: لقيت امرأة في البرّيّة، فقلت لها وقالت لي. وهذا لا يحلّ له، وقد أنكرت عليه امرأة متيقظة.
فأخبرنا عبد الملك بن عبد الله الكروخي، نا محمّد بن علي بن عمير، نا أبو الفضل محمّد بن محمّد العامي، نا أبو سعيد محمّد بن أحمد بن يوسف، ثني بكير، ثني محمّد بن يعقوب الفرجي، قال: سمعت ذا النّون يقول: رأيت امرأة بنحو أرض البجة، فناديتها، فقلت: وما للرّجال أن يكلّموا النّساء؟ لولا نقص عقلك لرميتك بشيء.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد، نا أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز الأزجي، ثنا علي بن عبد الله الهمداني، ثني علي بن إسماعيل الطّلّاء، ثني محمّد بن الهيثم، قال: قال لي أبو جعفر الحداد: دخلت البادية بعض السّنين على التّوكّل، فبقيت سبعة عشر يوما لا آكل فيها شيئا، وضعفت عن المشي، فبقيت أيّاما أخر لم أذق فيها شيئا، فسقطت على وجهي وغشي عليّ، وغلب عليّ من القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به، فبينا أنا كذلك إذ مرّ بي ركب فرأوني على تلك الحالة، فنزل أحدهم عن راحلته، فحلق رأسي ولحيتي، وشقّ ثوبي، وتركني في الرّمضاء، وسار، فمرّ بي ركب آخر، فحملوني إلى حيّهم، وأنا مغلوب، فطرحوني ناحية، فجاءتني امرأة، فجلست على رأسي، وصبّت اللّبن في حلقي، ففتحت عيني قليلا، وقلت لهم: أقرب المواضع منكم أين؟ قال: جبل الشراة. فحملوني إلى جبل الشراة.
قال المصنف ﵀ قلت: لو يحكى أنّ رجلا من المجانين انحلّ من السلسلة فأخذ سكّينا، وجعل يشرّح لحم نفسه، ويقول: أنا ما رأيت مثل هذا الجنون، لصدّق على هذا، وإلّا فانظروا إلى حال هذا المسكين، وبما فعل بنفسه، ثمّ يعتقد أن هذه قرية، نسأل الله العافية.
أخبرنا أحمد بن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السّلمي، قال:
стр. 440
سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا الحسن الريحانيّ يقول: سمعت إبراهيم الخوّاص يقول: رأيت شخصا من أهل المعرفة، عرج بعد سبعة عشر يوما على سبب في البرّيّة، فنهاه شيخ كان معه، فأبى أن يقبل، فسقط، ولم يرتفع عن حدود الأسباب.
قلت: هذا قد أراد أن يصبر عن القوت أكثر من هذا، وليس الصّبر إلى هذا الحدّ، وإن أطيق بفضيلة.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهاب، نا أبو عبد الرحمن محمّد بن الحسين، قال: سمعت جدّي إسماعيل بن نجيد، يقول: دخل إبراهيم الهرويّ مع شبة البرّيّة.
فقال: يا شبّة، اطرح ما معك من العلائق.
قال: فطرحتها كلّها وأبقيت دينارا، فخطا خطوات ثمّ قال: اطرح كلّ ما معك، لا تشغل سرّي. قال: فطرحتها كلّها وأبقيت دينارا، فخطا خطوات، ثمّ قال: اطرح كلّ ما معك، لا تشغل سرّي.
قال: فأخرجت الدّينار، ودفعته إليه، فطرحه، ثمّ خطا خطوات، وقال: اطرح ما معك.
قلت: ليس معي شيء. قال: بعد سرّي مشتغل، ثمّ ذكرت أن معي دستجة شسوع، فقلت:
ليس معي إلّا هذه. قال: فأخذها فطرحها، ثمّ قال: امش. فمشينا، فما احتجت إلى شبع في البادية، إلّا وجدته مطروحا بين يدي، فقال لي: كذا من عامل الله بالصّدق.
قال المصنف ﵀: قلت: كلّ هذه الأفعال خطأ، ورمي المال حرام، والعجب ممّن يرمي ما يملكه، ويأخذ ما لا يدري من أين هو، وهل يحلّ له أخذه أم لا؟
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت نصر ابن أبي نصر العطّار يقول: سمعت عليّ بن محمّد المصريّ، قال: سمعت أبا سعيد الخراز
стр. 441
يقول: دخلت البادية مرّة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة من بعد، فسررت بوصولي، ثمّ فكّرت في نفسي أن شكيت، وأنّي توكّلت على غيره، فآليت ألا أدخل المرحلة إلّا إن حملت إليها، فحفرت لنفسي في الرّمل حفرة، وواريت جسدي فيها إلى صدري، فسمعت صوتا في نصف اللّيل عاليا: يا أهل المرحلة، إنّ لله وليّا حبس نفسه في هذا الرّمل فالحقوه، فجاء جماعة، فأخرجوني، وحملوني إلى المرحلة.
قال المصنف ﵀: قلت: لقد تنطّع هذا الرّجل على طبعه، فأراد منه ما لم يوضع عليه؛ لأنّ طبع ابن آدم أن يهشّ إلى ما يحبّ، ولا لوم على العطشان إذا هشّ على الماء، ولا على الجائع إذا هشّ إلى الطّعام، فكذلك كلّ من هشّ إلى محبوب له، وقد كان النّبيّ ﷺ إذا قدم من سفر فلاحت له المدينة، أسرع السّير؛ حبّا للوطن، ولمّا خرج من مكّة تلفّت إليها شوقا، وكان بلال يقول: لعن الله عتبة وشيبة إذ أخرجونا من مكّة. ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بواد وحولي إذخر وجليل
فنعوذ بالله من الإقبال على العمل بغير مقتضى العلم والعقل، ثمّ حبسه نفسه عن صلاة الجماعة قبيح، وأيّ شيء في هذا من التّقرّب إلى الله سبحانه؟ إنّما هو محض جهل.
أنبأنا ابن ناصر، نا جعفر بن أحمد السراج، نا عبد العزيز بن علي بن أحمد، ثنا أبو الحسن علي بن جهضم، ثنا بكر بن محمّد، قال: كنت عند أبي الخير النيسابوري، فبسطني بمحادثته لي، بذكر باديته، إلى أن سألته عن سبب قطع يده؟ فقال: يد جنت فقطعت.
ثمّ اجتمعت به مع جماعة، فسألوه عن ذلك، فقال: سافرت، حتّى بلغت إسكندرية، فأقمت بها اثنتي عشرة سنة، وكنت قد بنيت بها كوخا، فكنت أجيء إليه من ليل إلى ليل، وأفطر على ما ينفضه المرابطون، وأزاحم الكلام على قمامة السّفر، وآكل من البرديّ في الشّتاء، فنوديت في سرّي: يا أبا الخير! تزعم أنّك لا تشارك الخلق في أقواتهم، وتشير إلى التّوكّل، وأنت في وسط القوم جالس.
стр. 442
فقلت: إلهي وسيّدي وعزّتك، لا مددت يدي إلى شيء ممّا تنبته الأرض، حتّى تكون الموصّل إليّ رزقي من حيث لا أكون فيه.
فأقمت اثني عشر يوما أصلّي الفرض وأتنفّل، ثمّ عجزت عن النافلة، فأقمت اثني عشر يوما أصلّي الفرض لا غير، ثمّ عجزت عن القيام، فأقمت اثني عشر يوما أصلّي جالسا لا غير، ثمّ عجزت عن الجلوس، فرأيت إن طرحت نفسي ذهب فرضي، فلجأت إلى الله بسرّي.
وقلت: إلهي وسيّدي، افترضت عليّ فرضا تسألني عنه، وقسمت لي رزقا وضمنته لي، فتفضّل عليّ برزقي، ولا تؤاخذني بما عقدته معك، فوعزّتك لأجتهدنّ ألا حللت عقدا عقدته معك.
فإذا بين يديّ قرصان بينهما شيء، فكنت أجده على الدّوام من اللّيل إلى اللّيل، ثمّ طولبت بالمسير إلى الثّغر، فسرت حتّى دخلت الفرما، فوجدت في الجامع قاصّا يذكر قصّة زكريّا والمنشار، وأنّ الله تعالى أوحى إليه حين نشر، فقال: إن صعدت إليّ منك أنّة لأمحونّك من ديوان النّبوّة. فصبر حتّى قطع شطرين، فقلت: لقد كان زكريّا صبّارا، إلهي وسيّدي، لئن ابتليتني لأصبرنّ.
وسرت حتّى دخلت أنطاكية، فرآني بعض إخواني، وعلم أنّي أريد الثّغر، فدفع إليّ سيفا وترسا وحربة، فدخلت الثّغر، وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السّور؛ خيفة من العدوّ، فجعلت مقامي في غابة، أكون فيها بالنّهار، وأخرج باللّيل إلى شاطئ البحر، فأغرز الحربة على السّاحل، وأسند التّرس إليها محرابا، وأتقلّد سيفي، وأصلّي إلى الغداة، فإذا صلّيت الصّبح غدوت إلى الغابة، فكنت فيها نهاري أجمع.
فبدوت في بعض الأيّام، فعثرت بشجرة، فاستحسنت ثمرها، ونسيت عقدي مع الله،
стр. 443
وقسمي به، أني لا أمدّ يدي إلى شيء ممّا تنبت الأرض، فممددت يدي، فأخذت بعض الثّمرة، فبينا أنا أمضغها، ذكرت العقد، فرميت بها من فيّ، وجلست ويدي على رأسي، فدار بي فرسان وقالوا لي: قم. فأخرجوني إلى السّاحل، فإذا أمير وحوله خيل ورجاله، وبين يديه جماعة سودان، كانوا يقطعون الطّريق، وقد أخذهم، وافترقت الخيل في طلب من هرب منهم، فوجدوني أسود، معي سيف، وترس، وحربة، فلمّا قدمت إلى الأمير قال:
إيش أنت؟
قلت: عبد بن عبيد الله.
فقال للسّودان: تعرفونه؟
قالوا: لا.
قال: بل هو رئيسكم، وإنّما تفدونه بأنفسكم، لأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم. فقدّموهم.
ولم يزل يقدّم رجلا رجلا، ويقطع يده ورجله، حتّى انتهى إليّ، فقال: تقدّم، مدّ يدك.
فمددتها، فقطعت، ثمّ قال: مدّ رجلك. فمددتها، ورفعت رأسي إلى السّماء، وقلت: إلهي وسيّدي، يدي جنت، ورجلي إيش عملت؟
فإذا بفارس قد وقف على الحلقة، ورمى بنفسه إلى الأرض، وصاح: إيش تعملون؟ تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء؟ هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير.
فرمى الأمير نفسه، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض، وقبّلها، وتعلّق بي يقبّل صدري ويبكي ويقول: سألتك بالله أن تجعلني في حلّ. فقلت: قد جعلتك في حلّ من أوّل ما قطعتها، هذه يد قد جنت فقطعت.
قال المصنف ﵀: فانظروا - رحمكم الله - إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل، وقد كان من أهل الخير، ولو كان عنده علم، لعلم أنّ ما فعله حرام عليه، وليس لإبليس
стр. 444
عون على العبّاد والزّهّاد أكثر من الجهل.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت الحسين ابن أحمد الفارسيّ، قال: سمعت محمّد بن داود الدّينوريّ يقول: سمعت ابن حديق يقول:
دخلنا المصيصة مع حاتم الأصمّ، فعقد أنّه لا يأكل فيها شيئا، إلّا حتّى يفتح فمه ويوضع في فيه، وإلّا ما يأكل، فقال لأصحابه: تفرّقوا.
وجلس، فأقام تسعة أيّام لا يأكل فيها شيئا، فلمّا كان في اليوم العاشر، جاء إليه إنسان، فوضع بين يديه شيئا يؤكل، فقال: كل. فلم يجبه، فقال له ثلاثا، فلم يجبه، فقال: هذا مجنون. فأصلح لقمة، وأشار بها إلى فمه، فلم يفتح فمه، ولم يتكلّم، فأخرج مفتاحا كان معه، فقال: كل.
وفتح فمه بالمفتاح، ودسّ اللّقمة في فمه، فأكل، ثمّ قال له: إن أحببت أن ينفعك الله به فأطعم أولئك. وأشار إلى أصحابه.
أنبأنا محمّد بن أبي طاهر، نا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، ثني محمّد بن هلال ابن عبد الله، ثني القاضي أحمد بن سيار، قال: حدّثني رجل من الصّوفيّة قال: صحبت شيخا من الصّوفيّة أنا وجماعة في سفر، فجرى حديث التّوكّل والأرزاق، وضعف اليقين فيها وقوّته، فقال الشيخ: عليّ عليّ. وحلف عليّ أيمانا عظيمة، لا ذقت مأكولا، أو يبعث لي بجام فالوذج حارّ لا آكله إلّا بعد أن يحلف عليّ.
قال: وكنّا نمشي في الصّحراء، فقالت له الجماعة: إلّا أنّك غير جاهد.
ومشى ومشينا، فانتهينا إلى قرية، وقد مضى يوم وليلتان لم يطعم فيها شيئا، ففارقته الجماعة غيري، فطرح نفسه في مسجد القرية مستسلما للموت ضعفا.
فأقمت عليه، فلمّا كان في ليلة اليوم الرّابع، وقد انتصف اللّيل، وكاد الشيخ يتلف، إذا
стр. 445
بباب المسجد قد فتح، وإذا بجارية سوداء، معها طبق مغطّى، فلمّا رأتنا قالت: أنتم غرباء أو من أهل القرية؟
فقلت: غرباء. فكشفت الطّبق وإذا بجام فالوذج يفور لحرارته، فقدّمت لنا الطّبق وقالت: كلوا. فقلت له: كل. فقال: لا أفعل. فرفعت الجارية يدها، فصفعته صفعة عظيمة وقالت: والله لئن لم تأكل لأصفعنّك هكذا إلى أن تأكل. فقال: كل معي. فأكلنا حتّى فرغ الجام، وهمّت الجارية بالانصراف، فقلت للجارية: ما خبرك وخبر هذا الجام؟
فقالت: أنا جارية لرئيس هذه القرية، وهو رجل حادّ، طلب منّا منذ ساعة فالوذج، فقمنا نصلحه له، فطال الأمر عليه، فاستعجلنا، فقلنا: نعم! فعاد فاستعجل، فقلنا: نعم، فحلف بالطّلاق، لا أكله هو، ولا أحد ممّن هو في داره، ولا أحد من أهل القرية، ولا يأكله إلّا رجل غريب، فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد، إلى أن انتهينا إليكم، ولو لم يأكل هذا الشّيخ، لقتلته ضربا إلى أن يأكل؛ لئلا تطلّق سيّدتي من زوجها.
قال: فقال الشيخ: كيف تراه إذا أراد أن يرزق؟
قال المصنف ﵀: ربّما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة، وما فعله الرّجل من أقبح القبيح؛ فإنّه يجرّب على الله، ويتألّى عليه، ويحمل على نفسه من الجوع ما لا يجوز له، وهذا لا يجوز له، ولا ينكر أن يكون لطف به، إلّا أنّه فعل ضدّ الصّواب، وربّما كان إنفاذ ذلك رديئا؛ لأنّه يعتقد أنّه قد أكرم، وأنّ ذلك منزلة.
وكذلك حكاية حاتم الّتي قبلها؛ فإنّها إن صحّت دلّت على جهل بالعلم، وفعل لما لا يجوز؛ لأنّه ظنّ أنّ التّوكّل إنّما هو ترك التّسبّب، فلو علم بمقتضى واقعته لم يمضغ الطّعام، ولم يبلعه؛ فإنّه تسبّب، وهل هذا إلّا من تلاعب إبليس بالجهّال؛ لقلّة علمهم بالشّرع، ثمّ أيّ قربة في هذا الفعل البارد، وما أظنّ غالبه إلّا من الماليخوليا؟
стр. 446
أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا علي بن المحسن، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفت بعرفة ستّا وخمسين وقفة، منها إحدى وعشرون على المذهب.
فقلت لأبي إسحاق: وأيّ شيء أراد بقوله: على المذهب؟
فقال: يصعد إلى قنطرة الياسرية، فينفض كمّيه حتّى يعلم أنّه ليس معه زاد، ولا ماء، ويلبّي ويسير.
قال المصنف ﵀: وهذا مخالف للشّرع؛ فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧]، ورسوله ﷺ قد تزوّد، ولا يمكن أن يقال: إنّ هذا الآدميّ لا يحتاج إلى شيء في مدّة أشهر. فإن احتاج ولم يتزوّد فعطب أثم، وإن سأل النّاس، أو تعرّض لهم، لم يف ذلك بدعوى التّوكّل، وإن ادّعى أنّه يكرم ويرزق بلا سبب، فنظره إلى أنّه مستحقّ لذلك محنة، ولو تبع أمر الشّارع وحمل الزّاد، كان أصلح له على كلّ حال.
وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمّد بن طاهر قال: أخبرني أبي، عن بعض الصوفية، أنّه قدم عليه من مكّة جماعة من المتصوّفة، فقال لهم: من صحبتم؟ فقالوا: حاجّ اليمن. فقال:
أوه، التّصوّف قد صار إلى هذا، أو التّوكّل قد ذهب! أنتم ما جئتم على الطّريقة والتّصوّف، وإنّما جئتم من مائدة اليمن إلى مائدة الحرم.
ثمّ قال: وحقّ الأحباب والفتيان، لقد كنّا أربعة نفر، مصطحبين في هذا الطّريق، نخرج إلى زيارة قبر النّبيّ ﷺ على التّجريد، ونتعاهد بيننا ألا نلتفت إلى مخلوق، ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النّبيّ ﷺ ومكثنا ثلاثة أيّام له يفتح لنا بشيء، فخرجنا، حتّى بلغنا الجحفة، ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب، فبعثوا إلينا بسويق، فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنّا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء، حتّى ندخل الحرم. فشربناه على الماء،
стр. 447
وكان طعامنا حتّى دخلنا مكّة.
قلت: اسمعوا إخواني إلى توكّل هؤلاء، كيف منعهم من التّزوّد المأمور به، فأحوجهم إلى أخذ صدقات النّاس، ثمّ ظنهم أنّ ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب.
ومن أعجب ما بلغني عنهم في أسفارهم، ما أخبرنا به محمّد بن أبي القاسم البغدادي، نا أبو محمّد التميمي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: بلغني أن أبا شعيب المقفّع، وكان قد حجّ سبعين حجّة راجلا، أحرم في كلّ حجّة بعمرة وحجّة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التّوكّل، فلمّا كان في حجّته الأخيرة، رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشترى حجّة بشربة ماء.
قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء، فسقى الكلب، ثمّ قال: هذا خير لي من حجّي؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «في كلّ ذات كبد حرّى أجر» (١).
أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا ابن الكوفاني، ثنا أبو محمّد الحسن بن محمّد بن قوري الخبوشاني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج، قال: سمعت الوجيهيّ يقول: سمعت أبا عليّ الرّوذباري يقول: كنّا في البادية جماعة، ومعنا أبو الحسين العطوفي، فربّما كانت تلحقنا القافلة، ويظلم علينا الطّريق، وكان أبو الحسين يصعد تلّا، فيصيح صياح الذّئب، حتّى تسمع كلاب الحيّ، فينبحون، فيمرّ على بيوتهم، ويحمل إلينا من عندهم معونة.
قلت: وإنّما ذكرت مثل هذه الأشياء؛ ليتنزّه العاقل في مبلغ علم هؤلاء، وفهمهم للتّوكّل، وغيره يرى مخالفتهم لأوامر الشّرع، وليت شعري، كيف يصنع من يخرج منهم
стр. 448
ولا شيء معه بالوضوء والصلاة؟ وإن تخرّق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل؟ وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدّة قبل السّفر.
فأخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، قال: سمعنا أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول:
سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجرّدا في التّوكّل يدقّق فيه، وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض، فقيل له: يا أبا إسحاق، لم تجمع هذا وأنت تمنع من كلّ شيء؟
فقال: مثل هذا لا ينقض التّوكّل؛ لأنّ لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلّا ثوب واحد، فربّما يتخرّق ثوبه، وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلواته، وإن لم يكن معه ركوة، تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط، فاتّهمه في صلاته.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر:
قال المصنف ﵀: من مذهب القوم، أنّ المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة، لم يسلّم عليهم حتّى يدخل الميضأة، فإذا توضّأ جاء وصلّى ركعتين، ثمّ سلّم على الشيخ، ثمّ سلّم على الجماعة، وهذا ما ابتدعه متأخّروهم على خلاف الشريعة؛ لأنّ فقهاء الإسلام أجمعوا على أنّ من دخل على قوم، سنّ له أن يسلّم عليهم، سواء كان على طهارة، أو لم يكن، إلّا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال؛ فإنّه إذا قيل للطّفل: لم لا تسلّم علينا؟ قال: ما غسلت وجهي بعد. أو لعلّ الأطفال علّموه من هؤلاء المبتدعين.
أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبّه، ثنا أبو هريرة ﵁: قال: قال
стр. 449
رسول الله ﷺ : «ليسلّم الصّغير على الكبير، والمارّ على القاعد، والقليل على الكثير» (١).
أخرجاه في الصحيحين.
ومن مذهب القوم تغميز القادم من السّفر مساء.
أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمّد، عن أبيه، قال: باب السّنّة في تغميزهم القادم من السّفر أوّل ليلة لتعبه، واحتج بحديث عمر ﵁: دخلت على النّبيّ ﷺ وغلام له حبشيّ يغمز ظهره، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: «إنّ النّاقة قد اقتحمتني» (٢).
قال المصنف ﵀: انظروا إخواني إلى فقه هذا المحتجّ؛ فإنّه كان ينبغي أن يقول: باب السّنّة في تغميز من رمت به ناقته، وتكون السّنّة تغميز الظّهر لا القدم، ومن أين له أنّه كان في سفر، وأنّه غمز أوّل ليلة، ثمّ يجعل تغميز النّبيّ ﷺ كما اتّفق لأجل ألم ظهره سنّة.
لقد كان ترك استخراج هذا الفقه الدّقيق أحسن من ذكره.
ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم، قال أبو طاهر: باب اتّخاذ العتيرة للقادم. واحتجّ بحديث عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ سافر سفرا، فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى ردّه، أن تضرب في بيت عائشة ﵂ بدفّ، فلمّا رجع، قال النّبيّ ﷺ : «إن كنت نذرت فاضربي» (٣).
قال المصنف ﵀: قد بيّنّا أنّ الدّفّ مباح، ولمّا نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي، فكيف يحتجّ بهذا على الغناء والرّقص عند قدوم المسافر.
стр. 450
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت:
لهم في ذلك تلبيسان:
الأول: أنّهم يقولون: لا يبكى على هالك، ومن بكى على هالك، خرج عن طريق أهل المعارف.
قال ابن عقيل: وهذه دعوى تزيّد على الشّرع؛ فهي حديث خرافة، وتخرج عن العادات والطّباع؛ فهي انحراف عن المزاج المعتدل، فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدّلة للمزاج؛ فإنّ الله تعالى أخبر عن نبيّ كريم، فقال: ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٨٤) [يوسف: ٨٤]، وقال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وبكى رسول الله ﷺ عند موت ولده، وقال: «إنّ العين لتدمع» (١). وقال: «واكرباه» (٢)، وقالت فاطمة ﵂: «واكرب أبتاه» (٣). فلم ينكر، وسمع عمر بن الخطاب ﵁ متمّما يندب أخاه، ويقول:
وكنّا كندماني جذيمة حقبة … من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فقال عمر ﵁: ليتني كنت أقول الشّعر فأندب أخي زيدا. فقال متمّم: لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته.
وكان مالك مات على الكفر، وزيد قتل شهيدا، فقال عمر: ما عزّاني أحد في أخي كمثل تعزيتك.
стр. 451
ثمّ لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحنّ إلى مآلفها من الأعطان والأشخاص، وترغو للفصلان، وحمام الطّير ترجّع، وكلّ مأخوذ من البلاء، فلابدّ أن يتضرّع، ومن لم تحرّكه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات، فهو إلى الجماد به أقرب.
وقد أبان النّبيّ ﵊ عن العيب في الخروج عن سمت الطّبع، فقال للذي قال: لم أقبّل أحدا من ولدي - وكان له عشرة من الولد - فقال: «أو أملك لك أن نزع الله الرّحمة من قلبك» (١). وجعل يلتفت إلى مكّة لمّا خرج.
فالمطالب لما يخرج عن الشّرائع، وينبو عن الطّباع، جاهل يطالب بجهل، وقد قنع الشّرع منّا ألا نلطم خدّا، ولا نشقّ جيبا، فأمّا دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك.
التلبيس الثاني: أنّهم يعملون عند موت الميّت دعوة، ويسمّونها عرسا، ويغنّون فيها ويرقصون ويلعبون، ويقولون: نفرح للميّت، إذ وصل إلى ربّه، والتّلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ المسنون أن يتّخذ لأهل الميّت طعام؛ لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطّعام لأنفسهم، وليس من السّنّة أن يتّخذه أهل الميّت ويطعمونه إلى غيرهم.
والأصل في اتّخاذ الطّعام لأجل الميّت، ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي، نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر الغورجي قال: أخبرنا الجراحيّ، ثنا المحبوبيّ، ثنا الترمذيّ، ثنا أحمد بن منيع، وعليّ بن حجر، قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: لمّا جاء نعي جعفر، قال النّبيّ ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنّه قد جاءهم ما يشغلهم» (٢).
стр. 452
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والثاني: أنّهم يفرحون للميّت ويقولون: وصل إلى ربّه. ولا وجه للفرح؛ لأنّا لا نتيقّن أنّه غفر له، وما يؤمّنّا أن نفرح له وهو في المعذّبين.
وقد قال عمر بن ذرّ لما مات ابنه: لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
أخبرنا عبد الأوّل، نا ابن المظفّر، نا ابن أعين، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا أبو اليمان، نا شعيب، عن الزهري، ثني خارجة بن زيد الأنصاري، عن أم العلاء قالت: لمّا مات عثمان ابن مظعون، دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: ﵀ عليك يا أبا السّائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله.
فقال النّبيّ ﷺ : «وما يدريك أنّ الله أكرمه» (١).
والثالث: أنّهم يرقصون ويلعبون في تلك الدّعوة، فيخرجون بهذا عن الطّباع السّليمة الّتي يؤثر عندها الفراق.
ثمّ إن كان ميّتهم قد غفر له، فما الرّقص واللّعب بشكرهم؟
وإن كان معذّبا فأين أثر الحزن؟!
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم:
قال المصنف ﵀: اعلم أنّ أوّل تلبيس إبليس على النّاس، صدّهم عن العلم؛ لأنّ العلم نور، فإذا أطفأ مصابيحهم، خبّطهم في الظّلم كيف شاء، وقد دخل على الصّوفيّة في هذا الفنّ من أبواب:
أحدها: أنّه منع جمهورهم من العلم أصلا، وأراهم أنّه يحتاج إلى تعب وكلف، فحسّن
стр. 453
عندهم الرّاحة، فلبسوا المراقع، وجلسوا على بساط البطالة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقنديّ، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الأصفهانيّ، ثنا أبو محمّد بن حيان، ثنا أبو الحسن البغداديّ، ثنا ابن صاعد، قال: سمعت الشّافعيّ ﵁ يقول: أسّس التّصوّف على الكسل.
وبيان ما قاله الشافعي: أنّ مقصود النّفس إمّا الولايات، وإمّا استجلاب الدّنيا بالعلوم.
واستجلاب الدّنيا بالعلوم يطول، ويتعب البدن، وهل يحصل المقصود أو لا يحصل؟ والصّوفيّة قد تعجّلوا الولايات؛ فإنّهم لا يرون بعين الزّهد واستجلاب الدّنيا؛ فإنّها إليهم سريعة.
أخبرنا عبد الحقّ، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا أبو الفرج الطناجيريّ، ثنا أبو حفص بن شاهين، قال: ومن الصّوفيّة من ذمّ العلماء، ورأى أنّ الاشتغال بالعلم بطالة، وقالوا: إنّ علومنا بلا واسطة، وإنّما رأوا بعد الطّريق في طلب العلم، فقصّروا الثّياب، ورقّعوا الجلباب، وحملوا الركاء، وأظهروا الزّهد.
والثاني: أنّه قنع قوم منهم باليسير منه، ففاتهم الفضل الكثير في كثرته، فاقتنعوا بأطراف الأحاديث، وأوهمهم أنّ علوّ الإسناد والجلوس للحديث، كلّه رياسة ودنيا، وأنّ للنّفس في ذلك لذّة.
وكشف هذا التّلبيس، أنّه ما من مقام عال، إلّا وله فضيلة، وفيه مخاطرة، فإنّ الإمارة والقضاء والفتوى كلّه مخاطرة، وللنّفس فيه لذّة، ولكن فضيلته عظيمة كالشّوك في جوار الورد، فينبغي أن تطلب الفضائل، ويتّقى ما في ضمنها من الآفات.
فأمّا ما في الطّبع من حبّ الرّياسة، فإنّه إنّما وضع لتجتلب هذه الفضيلة، كما وضع حبّ النّكاح ليحصل الولد، وبالعلم يتقوّم قصد العالم، كما قال يزيد بن هارون: طلبنا
стр. 454
العلم لغير الله، فأبى إلّا أن يكون لله.
ومعناه: أنّه دلّنا على الإخلاص، ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه.
والثالث: أنّه أوهم قوما منهم، أنّ المقصود العمل، وما فهموا أنّ التّشاغل بالعلم من أوفى الأعمال، ثمّ إنّ العالم وإن قصر سير عمله، فإنّه على الجادّة، والعابد بغير علم على غير الطّريق.
والرابع: أنّه أرى خلقا كثيرا منهم، أنّ العالم ما اكتسب من البواطن، حتّى إنّ أحدهم يتخايل له وسوسة فيقول: حدّثني قلبي عن ربّي. وكان الشبليّ يقول:
إن طالبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
وقد سمّوا علم الشّريعة علم الظّاهر، وسمّوا هواجس النّفوس العلم الباطن، واحتجّوا له بما أخبرنا به عبد الحقّ بن عبد الخالق، نا الحسين بن علي الطناجيري، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا عليّ بن محمّد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكريّ، ثني دارم بن قبيصة بن نهشل الصنعانيّ، قال: سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، قال: سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين، عن يحيى بن زيد بن علي، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن بن عليّ، عن علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «علم الباطن سرّ من سرّ الله وحكم من أحكام الله تعالى، يقذفه الله في قلوب من يشاء من أوليائه» (١).
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا حديث لا أصل له عن النّبيّ ﷺ وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
أنبأنا محمّد بن ناصر، نا أبو الفضل بن علي السهلكي، نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري، ثنا أبو الحسين علي بن عبد الله بن جهضم، ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن، ثنا
стр. 455
علي بن جعفر، عن أبي موسى، قال: كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك النّاحية، فقصد أبا يزيد، وقال له: قد حكي لي عنك عجائب. فقال أبو يزيد: وما لم تسمع من عجائبي أكثر.
فقال له: علمك هذا يا أبا يزيد عن من؟ ومن أين؟ ومن من؟
فقال أبو يزيد: علمي من عطاء الله تعالى، ومن حيث قال ﷺ : «من عمل بما يعلم، ورّثه الله علم ما لم يعلم» (١). ومن حيث قال ﷺ : «العلم علمان: علم ظاهر، وهو حجّة الله تعالى على خلقه، وعلم باطن، وهو العلم النّافع» (٢). وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التّعليم، وعلمي من الله إلهام من عنده.
فقال له الشيخ: علمي عن الثّقات عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربّه .
فقال له أبو يزيد: يا شيخ! كان للنّبيّ ﷺ علم عن الله لم يطّلع عليه جبريل، ولا ميكائيل.
قال: نعم. ولكن أريد أن يصحّ لي علمك الّذي تقول، هو من عند الله؟
قال: نعم. أبيّنه لك قدر ما يستقرّ في قلبك معرفته.
ثمّ قال: يا شيخ! علمت أنّ الله تعالى كلّم موسى تكليما، وكلّم محمّدا ﷺ ورآه كفاحا، وأنّ حلم الأنبياء وحي؟
قال: نعم.
قال: أما علمت أنّ كلام الصّدّيقين والأولياء بإلهام منه، وفوائض من قلوبهم، حتّى
стр. 456
أنطقهم بالحكمة، ونفع بهم الأمّة؟ وممّا يؤكّد ما قلت ما ألهم الله تعالى أمّ موسى، أن تلقي موسى في التّابوت، فألقته، وألهم الخضر في السّفينة والغلام والحائط، وقوله لموسى:
﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وكما قال أبو بكر لعائشة ﵂: إنّ ابنة خارجة حاملة ببنت.
وألهم عمر ﵁ فنادى: يا سارية الجبل.
أنبأنا ابن ناصر، أنبأنا أبو الفضل السهلكيّ قال: سمعت أبا عبد الله الشّيرازيّ يقول:
سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت إبراهيم سبتيّة يقول: حضرت مجلس أبي يزيد والنّاس يقولون: فلان لقي فلانا، وأخذ من علمه، وكتب منه الكثير، وفلان لقي فلانا.
فقال أبو يزيد: مساكين، أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الّذي لا يموت.
قال المصنف ﵀: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلّة العلم؛ إذ لو كان عالما لعلم أنّ الإلهام للشّيء لا ينافي العلم، ولا يتّسع به عنه، ولا ينكر أنّ الله يلهم الإنسان الشّيء، كما قال النّبيّ ﷺ : «إنّ في الأمم محدّثين، وإن يكن أمّتي فعمر» (١).
والمراد بالتّحديث إلهام الخير، إلّا أنّ الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه.
وأمّا الخضر فقد قيل: إنّه نبيّ.
ولا ينكر للأنبياء الاطّلاع بالوحي على العواقب، وليس الإلهام من العلم في شيء، إنّما هو ثمرة العلم والتّقوى، فيوفّق صاحبهما للخير، ويلهم الرّشد.
стр. 457
فأمّا أن يترك العلم ويقول: إنّه يعتمد على الإلهام والخواطر، فليس هذا بشيء؛ إذ لولا العلم النّقليّ، ما عرفنا ما يقع في النّفس؛ أمن الإلهام للخير أو الوسوسة من الشّيطان.
واعلم أنّ العلم الإلهاميّ الملقى في القلب لا يكفي عن العلم المنقول، كما أنّ العلوم العقليّة لا تكفي عن العلوم الشّرعيّة؛ فإنّ العقليّة كالأغذية، والشّرعيّة كالأدوية، ولا ينوب هذا عن هذا.
وأمّا قوله: أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت. أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنّه ما يدري ما في ضمن هذا القول، وإلّا فهذا طعن على الشّريعة.
أنبأنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو حفص بن شاهين، قال: من الصّوفيّة من رأى الاشتغال بالعلم بطالة، وقالوا: نحن علومنا بلا واسطة.
قال: وما كان المتقدّمون في التّصوّف إلّا رؤوسا في القرآن والفقه والحديث والتّفسير، ولكن هؤلاء أحبّوا البطالة.
وقال أبو حامد الطوسي: اعلم أنّ ميل أهل التّصوّف إلى الإلهيّة دون التّعليميّة، ولذلك لم يتعلّموا، ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنّفه المصنّفون، بل قالوا: الطّريق تقديم المجاهدات بمحو الصّفات المذمومة، وقطع العلائق كلّها، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمّة، وذلك بأن يقطع الإنسان همّه عن الأهل والمال والولد والعلم، ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرّواتب، ولا يقرن همّه بقراءة قرآن، ولا بالتّأمّل في نفسه، ولا يكتب حديثا ولا غيره، ولا يزال يقول: الله الله الله، إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللّسان، ثمّ يمحي عن القلب صورة اللفظ.
قال المصنف ﵀: قلت: عزيز عليّ أن يصدر هذا الكلام من فقيه؛ فإنّه لا يخفى قبحه، إنّه على الحقيقة طيّ لبساط الشّريعة، الّتي حثّت على تلاوة القرآن وطلب العلم.
стр. 458
وعلى هذا المذهب فقد رأيت الفضلاء من علماء الأمصار؛ فإنّهم ما سلكوا هذه الطّريق، وإنّما تشاغلوا بالعلم أوّلا.
وعلى ما قد رتب أبو حامد تخلو النّفس بوساوسها وخيالاتها، ولا يكون عندها من العلم ما يطرد ذلك، فيلعب بها إبليس أيّ ملعب، فيريها الوسوسة محادثة ومناجاة.
ولا ننكر أنّه إذا طهر القلب انصبّت عليه أنوار الهدى، فينظر بنور الله، إلّا أنّه ينبغي أن يكون تطهيره بمقتضى العلم، لا بما ينافيه؛ فإنّ الجوع الشّديد، والسّهر، وتضييع الزّمان في التّخيّلات، أمور ينهى الشّرع عنها، فلا يستفاد من صاحب الشّرع شيء ينسب إلى ما نهى عنه، كما لا تستباح الرّخص في سفر قد نهى عنه.
ثمّ لا تنافي بين العلم والرّياضة، بل العلم يعلّم كيفيّة الرّياضة، ويعين على تصحيحها، وإنّما تلاعب الشّيطان بأقوام أبعدوا العلم، وأقبلوا على الرياضة بما ينهى عنه العلم، والعلم بعيد عنهم، فتارة يفعلون الفعل المنهيّ عنه، وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه، وإنّما كان يفتي في هذه الحوادث العلم، وقد عزلوه، فنعوذ بالله من الخذلان.
أنبأنا ابن ناصر، عن أبي عليّ بن البنّا قال: كان عندنا بسوق السّلاح رجل كان يقول:
القرآن حجاب، والرّسول حجاب، ليس إلّا عبد وربّ، فافتتن جماعة به، فأهملوا العبادات، واختفى مخافة القتل.
أنبأنا محمّد بن عبد الملك، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو الحسن محمّد بن عبيد الله ابن محمّد الجبّائيّ، ثنا أحمد بن سلمان النجاد، ثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان، ثنا هشام ابن يونس، ثنا المحاربيّ، عن بكر بن حنش، عن ضرار بن عمرو قال: إنّ قوما تركوا العلم، ومجالسة أهل العلم، واتّخذوا محاريب، فصلّوا وصاموا، حتّى يبس جلد أحدهم على عظمه، وخالفوا السّنّة، فهلكوا، فو الله الّذي لا إله غيره، ما عمل عامل قطّ على جهل، إلّا
стр. 459
كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح.
وقد فرّق كثير من الصّوفيّة بين الشّريعة والحقيقة، وهذا جهل من قائله؛ لأنّ الشّريعة كلّها حقائق، فإن كانوا يريدون بذلك الرّخصة والعزيمة، فكلاهما شريعة، وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشّرع.
وعن أبي الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم يقول: جاء رجل إلى سهل بن عبد الله، وبيده محبرة وكتاب، فقال لسهل: جئت لأكتب شيئا ينفعني الله به. فقال: اكتب إن استطعت أن تلقى الله، وبيدك المحبرة والكتاب، فافعل.
قال: يا أبا محمّد أفدني فائدة. فقال: الدّنيا كلّها جهل، إلّا ما كان علما، والعلم كلّه حجّة، إلّا ما كان عملا، والعمل كلّه موقوف، إلّا ما كان منه على الكتاب والسّنّة، وتقوم السّنّة على التّقوى.
وعن سهل بن عبد الله، أنّه قال: احفظوا السّواد على البياض، فما أحد ترك الظّاهر إلّا تزندق.
وعن سهل بن عبد الله أنّه قال: ما من طريق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة، تهت في الظلام أربعين صباحا.
وعن أبي بكر الدّقّاق قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: كلّ باطن يخالف ظاهرا فهو باطل.
وعن أبي بكر الدّقّاق أنّه قال: كنت مارّا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أنّ علم الحقيقة مباين للشّريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كلّ حقيقة لا تتبعها الشّريعة فهي كفر.
قال المصنف ﵀: وقد نبّه الإمام أبو حامد الغزاليّ في كتاب «الإحياء»، فقال: «من
стр. 460
قال: إنّ الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يخالف الظّاهر، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان». وقال ابن عقيل: جعلت الصّوفيّة الشّريعة اسما، وقالوا: المراد منها الحقيقة.
قال: وهذا قبيح؛ لأنّ الشّريعة وضعها الحقّ لمصالح الخلق وتعبّداتهم، فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النّفس من إلقاء الشياطين، وكلّ من رام الحقيقة في غير الشّريعة فمغرور مخدوع.
ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء:
قال المصنف ﵀: قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم، ثمّ لبّس عليهم إبليس، وقال: ما المقصود إلّا العمل. ودفنوا كتبهم.
فقد روي أنّ أحمد بن أبي الحواري، أنه رمى كتبه في البحر، وقال: نعم الدّليل كنت، والاشتغال بالدّليل بعد الوصول محال.
ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة، فلمّا بلغ منه الغاية، حمل كتبه إلى البحر فغرّقها، وقال: يا علم، لم أفعل بك هذا تهاونا، ولا استخفافا بحقّك، ولكنّي كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربّي، فلمّا اهتديت بك استغنيت عنك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا الحسن غلام شعوانة بالبصرة، يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم، عن أبي عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ، قال أحمد بن محمّد بن إسماعيل: أبو الحسين بن الخلال كان حسن الفهم، له صبر على الحديث، وإنّه كان يتصوّف ويرمي بالحديث مدّة، ثمّ يرجع ويكتب، ولقد أخبرت أنّه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة، فأوّل ما سمع على ابن العبّاس الأصم وطبقته، وكتب الكثير.
أنبأنا زاهر بن طاهر، نا أحمد بن الحسين البيهقيّ، قال: سمعت أبا عمرو بن أبي