← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال المصنّف ﵀: قلت: هذا الرّجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه، وأخبر أنّه كلّما رأى فتنة، نقض التّوبة، فأين عزائم التّصوّف في حمل النّفس على المشاقّ؟ ثمّ ظنّ بجهله أنّ المعصية هي الفاحشة فقط، ولو كان له علم لعلم أنّ صحبتهم، والنّظر إليهم معصية، فانظر إلى الجهل؛ كيف يصنع بأربابه؟! والحديث بإسناد: عن محمّد بن عمر، أنّه قال: حكي لي عن أبي مسلم الخشوعيّ، أنّه نظر إلى غلام جميل فأطال، ثمّ قال: سبحان الله! ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه! وأدمنه على سخط سيّده! وأغراه بما قد نهي عنه! وأبهجه بالأمر الّذي قد حذّر عنه! لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلّا أنّه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة، ولقد تركني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله تعالى، وإن غفر لي. ثمّ صعق. وبإسناد: عن أبي بكر محمّد بن عبد، يقول: سمعت أبا الحسين النّوريّ، يقول: رأيت غلاما جميلا ببغداد، فنظرت إليه، ثمّ أردت أن أردّد النّظر، فقلت له: تلبسون النّعال الصّرّارة، وتمشون في الطّرقات؟ فقال: أحسنت الحشر بالعلم. وكلّ من فاته العلم تخبّط، فإن حصل له وفاته العمل به، كان أشدّ تخبيطا، ومن استعمل أدب الشّرع في قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، سلم في البداية بما صعب أمره في النّهاية. وقد ورد الشّرع بالنّهي عن مجالسة المردان، وأوصى العلماء بذلك. والحديث بإسناده: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أبناء الملوك؛ فإنّ النّفوس تشتاق إليهم، ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق» (١). والحديث بإسناده: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن

стр. 387

رسول الله ﷺ قال: «لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك، فإنّ لهم فتنة أشدّ من فتنة العذارى» (١). والحديث بإسناد عن الشّعبيّ، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النّبيّ ﵊ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة داود ﵇ النّظر» (٢). وعن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يحدّ الرّجل النّظر إلى الغلام الأمرد» (٣). وقال عمر بن الخطّاب: «ما أتى على عالم من سبع ضار، أخوف عليه من غلام أمرد». وبإسناد: عن الحسن بن ذكوان، أنّه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإنّ لهم صورا كصور النّساء، وهم أشدّ فتنة من العذارى. وبإسناد: عن محمّد بن حمير، عن النّجيب الصّريّ، قال: كان يقال: لا يبيت الرّجل في بيت مع المرد. وبإسناد: عن عبد العزيز بن أبي السّائب، عن أبيه قال: لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء. وعن أبي عليّ الرّوذباريّ قال: سمعت جنيدا يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ قال: ابني. فقال أحمد: لا تجئ به معك مرّة أخرى. فلمّا قام قال له محمّد بن عبد الرّحمن الحافظ، وفي رواية الخطيب: فقيل له: أيّد الله

стр. 388

الشّيخ: إنّه رجل مستور وابنه أفضل منه. فقال أحمد: الّذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما، على هذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم. وبإسناد: عن أبي بكر المروزيّ قال: جاء حسن البزّاز إلى أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فتحدّث معه، فلمّا أراد أن ينصرف، قال له أبو عبد الله: يا أبا عليّ، لا تمش مع هذا الغلام في طريق. فقال له: إنّه ابن أختي. قال: وإن كان، لا يهلك النّاس فيك. وبإسناد: عن شجاع بن مخلد؛ أنّه سمع بشر بن الحارث يقول: احذروا هؤلاء الأحداث. وبإسناد: عن فتح الموصليّ، أنّه قال: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدّون من الأبدال، كلّهم أوصوني عند فراقي لهم: اتّق معاشرة الأحداث. وبإسناد: عن الحلبيّ، أنّه قال: نظر سلّام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث، فقال له: يا هذا، أبق على جاهك عند الله؛ فإنّك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظّما. وبإسناد: عن أبي منصور عبد القادر بن طاهر يقول: من صحب الأحداث، وقع في الأحداث. وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال مظفّر القرميسينيّ: من صحب الأحداث على شرط السّلامة والنّصيحة، أدّاه ذلك إلى البلاء، فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السّلامة؟! وقد كان السّلف يبالغون في الإعراض عن المرد. وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنّه أجلس الشّابّ الحسن الوجه وراء ظهره، والحديث بإسناد: عن عطاء بن مسلم قال: كان سفيان لا يدع أمرد يجالسه. وروى إبراهيم بن هانئ، عن يحيى بن معين، قال: ما طمع أمرد بصحبتي، ولأحمد بن

стр. 389

حنبل قال: في طريق. وبإسناد: عن أبي يعقوب قال: كنّا مع أبي نصر بن الحارث، فوقفت عليه جارية، ما رأينا أحسن منها، فقالت: يا شيخ، أين مكان باب حرب؟ فقال لها: هذا الباب الّذي يقال له: باب حرب. ثمّ جاء بعدها غلام، ما رأينا أحسن منه، فسأله فقال: يا شيخ، أين مكان باب حرب؟ فأطرق الشّيخ رأسه، فردّ عليه الغلام السّؤال، وغمّض عينيه، فقلنا للغلام: تعال، إيش تريد؟ فقال: باب حرب. فقلنا له: ها هو بين يديك. فلمّا غاب قلنا للشّيخ: يا أبا نصر، جاءتك جارية، فأجبتها وكلّمتها، وجاءك غلام فلم تكلّمه؟! فقال: نعم، يروى عن سفيان الثّوريّ: أنّه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسي من شيطانيه. وبإسناد: عن عبد الله بن المبارك يقول: دخل سفيان الثّوريّ الحمّام، فدخل عليه غلام صبيح، فقال: أخرجوه، أخرجوه، فإنّي أرى مع كلّ امرأة شيطانا، ومع كلّ غلام بضعة عشر شيطانا. وبإسناد: عن محمّد بن أحمد بن أبي القاسم قال: دخلنا على محمّد بن الحسين صاحب يحيى بن معين، وكان يقال: إنّه ما رفع رأسه إلى السّماء منذ أربعين سنة، وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه، فقال له: قم من حذائي. فأجلسه من خلفه. وبإسناد: عن أبي أمامة، قال: وكنّا عند شيخ يقرئ، فبقي عنده غلام يقرأ عليه، فأردت الانصراف، فأخذ بثوبي وقال: اصبر حتّى يفرغ هذا الغلام. وكره أن يخلو مع هذا الغلام. وبإسناد: عن أبي علي الرّوذباريّ قال: قال لي أبو العبّاس أحمد المؤدّب: يا أبا عليّ، من أين أخذ صوفيّة عصرنا هذا الأنس بالأحداث؟ فقلت له: يا سيّدي، أنت بهم أعرف،

стр. 390

وقد تصحبهم السّلامة إلى كثير من الأمور. فقال: هيهات، قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم، إذا رأى الحدث قد أقبل، فرّ كفراره من الزّحف، وإنّما ذلك حسب الأوقات الّتي تغلب الأحوال على أهلها، فتأخذها عن تصرّف الطّباع، ما أكثر الخطر! ما أكثر الغلط! وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس، الّتي يصيد بها الصّوفيّة. أخبرنا ابن ناصر عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: سمعت أبا بكر الرّازيّ، يقول: قال يوسف بن الحسين: نظرت في آفات الخلق، فعرفت من أين أتوا؟ ورأيت آفة الصّوفيّة في صحبة الأحداث، ومعاشرة الأضداد، وإرفاق النّسوان. وبإسناد: عن أبي الفرج الرّستميّ الصّوفيّ، يقول: رأيت إبليس في النّوم، فقلت له: كيف رأيتنا أعرضنا عن الدّنيا ولذّاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق؟ فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء، ومعاشرة الأحداث؟ وبإسناد: عن أبي سعيد الخرّاز يقول: رأيت إبليس في النّوم يمرّغني ناحية، فقلت: تعال، فقال: إيش أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم، ما أخادع به النّاس. قلت: ما هو؟ قال: الدّنيا، فلمّا ولّى، التفت إليّ فقال: غير أنّ فيكم لطيفة، قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث. قال أبو سعيد: وقلّ من يتخلّص منها من الصّوفيّة. عن أبي عبد الله بن الجلاء قال: كنت أنظر إلى غلام نصرانيّ حسن الوجه، فمرّ بي أبو عبد الله البلخيّ، فقال: إيش وقوفك؟ فقلت: يا عم، أما ترى هذه الصّورة كيف تعذّب بالنّار؟ فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنّ غبّها ولو بعد حين. قال: فوجدت غبّها بعد أربعين سنة، أن أنسيت القرآن. وبإسناد: عن أبي الأذان وقال: كنت مع أستاذي أبي بكر الزّقاق، فمرّ حدث فنظرت

стр. 391

إليه فرآني أستاذي، وأنا أنظر إليه، فقال: يا بنيّ، لتجدنّ غبّه ولو بعد حين، فبقيت عشرين سنة، وأنا أراعي، فما أجد ذلك الغبّ، فنمت ذات ليلة، وأنا مفكّر فيه، فأصبحت وقد انسيت القرآن كلّه. وعن أبي بكر الكتانيّ، قال: رأيت بعض أصحابنا في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: عرض عليّ سيّئاتي، وقال: فعلت كذا وكذا. فقلت: نعم، ثمّ قال: وفعلت كذا وكذا. فاستحييت أن أقرّه، فقلت: إنّي أستحيي أن أقرّ. فقال: إنّي غفرت لك بما أقررت، فكيف بما استحييت؟ فقلت له: ما كان ذلك الذّنب؟ فقال: مرّ بي غلام حسن الوجه، فنظرت إليه. وقد روي نحو هذه الحكاية: عن أبي عبد الله الزّرّاد، أنّه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي كلّ ذنب أقررت به في الدّنيا، إلّا واحدا، فاستحييت أن أقرّ به. فوقفني في العرق حتّى سقط لحم وجهي، فقيل له: ما الذّنب؟ فقال: نظرت إلى شخص جميل. وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطّبريّ، أنّه قال: كان معي شابّ حسن الوجه يخدمني، فجاءني إنسان من بغداد صوفيّ، فكان كثير الالتفات إلى ذلك الشّابّ، فكنت أجد عليه لذلك، فنمت ليلة من اللّيالي، فرأيت ربّ العزّة في المنام، فقال: يا أبا يعقوب، لم لم تنهه - وأشار إلى البغداديّ - عن النّظر إلى الأحداث، فوعزّتي إنّي لا أشغل بالأحداث إلّا من باعدته عن قربي. قال أبو يعقوب: فانتبهت، وأنا أضطرب، فحكيت الرّؤيا للبغداديّ، فصاح صيحة ومات، فغسّلناه ودفنّاه، واشتغل عليه قلبي، فرأيته بعد شهر في النّوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: وبّخني حتّى خفت ألّا أنجو، ثمّ عفا عنّي. قلت: إنّما مددت النّفس يسيرا في هذا الباب؛ لأنّه ممّا تعمّ به البلوى عند الأكثرين،

стр. 392

فمن أراد الزّيادة فيه، وفيما يتعلّق بإطلاق البصر وجميع أسباب الهوى، فلينظر في كتابنا المسمّى ب «ذمّ الهوى»؛ ففيه غاية المراد من جميع ذلك. ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة في ادّعاء التّوكّل، وقطع الأسباب، وترك الاحتراز في الأموال: أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر وابن عبد الباقي) بإسناد: عن أحمد بن أبي الحواريّ، قال: سمعت أبا سليمان الدّارانيّ يقول: لو توكّلنا على الله تعالى، ما بنينا الحيطان، ولا جعلنا لباب الدّار غلقا مخافة اللّصوص. وبإسناد: عن ذي النّون المصريّ، أنّه قال: سافرت سنين، وما صحّ لي التّوكّل إلّا وقتا واحدا، ركبت البحر، فكسر المركب، فتعلّقت بخشبة من خشب المركب، فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق، فما تنفعك هذه الخشبة؟ فخلّيت الخشبة، فطفت على الماء، فوقعت على السّاحل. أخبرنا محمّد، قال: سألت أبا يعقوب الزّيّات عن مسألة في التّوكّل: فأخرج درهما كان عنده، ثمّ أجابني، فأعطى التّوكّل حقّه، ثمّ قال: استحييت أن أجيبك، وعندي شيء. وذكر أبو نصر السّرّاج في كتاب «اللّمع»، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء، فسأله عن مسألة في التّوكّل، وعنده جماعته، فلم يجبه، ودخل البيت، فأخرج إليهم صرّة، فيها أربعة دوانق، فقال: اشتروا بهذه شيئا. ثمّ أجاب الرّجل عن سؤاله، فقيل له في ذلك، فقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلّم في التّوكّل وعندي أربعة دوانق. وقال سهل بن عبد الله: من طعن في الاكتساب، فقد طعن على السّنّة، ومن طعن على التّوكّل، فقد طعن على الإيمان. قال المصنّف: قلت: قلّة العلم أوجبت هذا التّخليط، ولو عرفوا ماهيّة التّوكّل، لعلموا

стр. 393

أنّه ليس بينه وبين الأسباب تضادّ، وذلك أنّ التّوكّل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التّعلّق بالأسباب، ولا ادّخار المال؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً﴾ [النساء: ٥]، أي: قواما لأبدانكم. وقال ﷺ : «نعم المال الصّالح مع الرّجل الصّالح» (١). وقال ﷺ : «إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون النّاس» (٢). واعلم أنّ الّذي أمر بالتّوكّل، أمر بأخذ الحذر، فقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً﴾ [الدخان: ٢٣]. وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين (٣)، وشاور طبيبين، واختفى في الغار، وقال: من يحرسني اللّيلة (٤)؟ وأمر بغلق الباب. وفي «الصّحيحين»: من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أغلق بابك» (٥). وقد أخبرنا أنّ التّوكّل لا ينافي الاحتراز. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السّمرقنديّ، نا عبد الله بن يحيى الموصليّ، ونصر بن أحمد، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشيّ، ثني أبو حفص الصّيرفيّ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا المغيرة بن أبي قرّة السّدوسيّ، قال: سمعت

стр. 394

أنس بن مالك ﵁ يقول: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ وترك ناقته بباب المسجد، فسأله رسول الله ﷺ عنها، فقال: أطلقتها، وتوكّلت على الله. قال: «اعقلها وتوكّل» (١). أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا عبد العزيز بن علي الأزجيّ، نا إبراهيم بن محمّد بن جعفر، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلّال، أخبرني حرب بن إسماعيل الكرمانيّ، ثني عبد الرّحمن بن محمّد بن سلام، ثنا الحسين بن زياد المروزيّ، قال سمعت سفيان بن عيينة، يقول: تفسير التّوكّل أن يرضى بما يفعل به. وقال ابن عقيل: يظنّ أقوام أنّ الاحتياط والاحتراز ينافي التّوكّل، وأنّ التّوكّل هو إهمال العواقب، واطّراح التّحفّظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتّفريط الّذي يقتضي من العقلاء التّوبيخ والتّهجين، ولم يأمر الله بالتّوكّل إلّا بعد التّحرّز، واستفراغ الوسع في التّحفّظ، فقال تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فلو كان التّعلّق بالاحتياط قادحا في التّوكّل، لما خصّ الله به نبيّه حين قال له: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وهل المشاورة إلّا استفادة الرّأي الّذي منه يؤخذ التّحفّظ والتّحرّز من العدوّ، ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم، حتّى نصّ عليه، وجعله عملا في نفس الصّلاة، وهي أخصّ العبادات، فقال: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. وبيّن علّة ذلك بقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]. ومن علم أنّ الاحتياط هكذا، لا يقال: إنّ التّوكّل عليه ترك ما علم، لكنّ التّوكّل

стр. 395

التّفويض فيما لا وسع فيه، ولا طاقة. قال ﵊: «اعقلها وتوكّل» (١). ولو كان التّوكّل ترك التّحرّز، لخصّ به خير الخلق ﷺ في خير الأحوال، وهي حالة الصّلاة، وقد ذهب الشّافعيّ ﵀ إلى وجوب حمل السّلاح حينئذ؛ لقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فالتّوكّل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز؛ فإنّ موسى ﵇ لمّا قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فخرج. ونبيّنا ﷺ خرج من مكّة؛ لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر ﵁ بسدّ أثقاب الغار، وأعطى القوم التّحرّز حقّه، ثمّ توكّلوا. وقال في باب الاحتياط: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك: ١٥]، وهذا لأنّ الحركة للذّبّ عن النّفس استعمال لنعمة الله تعالى، وكما أنّ الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريد إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به، لكن يجب استعمال ما عندك، ثمّ اطلب ما عنده. وقد جعل الله تعالى للطّير والبهائم عدّة وأسلحة تدفع عنها الشّرور كالمخلب والظّفر والنّاب، وخلق للآدميّ عقلا، يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التّحصين بالأبنية والدّروع، ومن عطّل نعمة الله بترك الاحتراز، فقد عطّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية، ثمّ يموت جوعا أو مرضا. ولا أبله ممّن يدّعي العقل والعلم، ويستسلم للبلاء، إنّما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكّل في الكسب، وقلبه ساكن مفوّض إلى الحقّ، منع أو أعطى؛ لأنّه لا يرى إلّا أنّ

стр. 396

الحقّ لا يتصرّف إلّا بحكمة ومصلحة. فمنعه عطاء في المعنى، وكم زيّن للعجزة عجزهم، وسوّلت لهم أنفسهم أنّ التّفريط توكّل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التّهوّر شجاعة، والخور حزما. ومتى وضعت أسباب فأهملت، كان ذلك جهلا بحكمة الواضع، مثل وضع الطّعام سببا للشّبع، والماء للرّيّ، والدّواء للمرض، فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسّبب، ثمّ دعا وسأل فربّما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سببا، فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا، فربّما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسّبب، وما هذا إلّا بمثابة من بين قراحه وماء السّاقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلّي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر، فإنّه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا. قال المصنّف ﵀: فإن قال قائل: كيف أحترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدّر، فالّذي قدّر هو الّذي أمر، وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؟ أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسين، نا ابن بشران، ثنا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشيّ، ثني سريج بن يونس، نا علي بن ثابت، عن خطّاب بن القاسم، عن أبي عثمان، قال: كان عيسى ﵇ يصلّي على رأس جبل، فأتاه إبليس، فقال: أنت الّذي تزعم أنّ كلّ شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال: فألق نفسك من الجبل، وقل قدّر عليّ. فقال: يا لعين، الله يختبر العباد، وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى. فصل [التوكل ينافي الكسب] وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب، أنّه قد لبّس على خلق كثير منهم، بأنّ التّوكّل ينافي الكسب.

стр. 397

أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم، يقول: سمعت محمّد بن المنذر، يقول: سمعت سهل بن عبد الله التّستريّ، يقول: من طعن في التّوكّل، فقد طعن في الإيمان، ومن طعن على الكسب، فقد طعن على السنّة. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت محمّد بن عبد الله الرّازيّ، يقول: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن متعبّدون، بالكسب أم بالتّوكّل؟ فقال: التّوكّل حال رسول الله ﷺ والكسب سنّة رسول الله ﷺ وإنّما سنّ الكسب لمن ضعف عن التّوكّل، وسقط عن درجة الكمال الّتي هي حاله، فمن أطاق التّوكّل، فالكسب غير مباح له بحال، إلّا كسب معاونة، لا كسب اعتماد عليه، ومن ضعف عن حال التّوكّل الّتي هي حال رسول الله ﷺ أبيح له طلب المعاش في الكسب؛ لئلّا يسقط عن درجة سنّته حين سقط عن درجة حاله. أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، نا أبي قال: سمعت محمّد بن الحسين، قال: سمعت أبا القاسم الرّازيّ، يقول: سمعت يوسف بن الحسين، قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرّخص والكسب، فليس يجيء منه شيء. قال المصنّف ﵀: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التّوكّل، وظنّوا أنّه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بيّنّا أنّ التّوكّل فعل القلب، فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كلّ كاسب ليس بمتوكّل، لكان الأنبياء غير متوكّلين، فقد كان آدم ﵇ حرّاثا، ونوح وزكريّا نجّارين، وإدريس خيّاطا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرا، وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدّرع، ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمّد رعاة، صلوات الله عليهم أجمعين.

стр. 398

وقال نبيّنا ﷺ : «كنت أرعى غنما لأهل مكّة بالقراريط» (١). فلمّا أغناه الله بما فرض له من الفيء، لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر، وعثمان، وعبد الرّحمن بن عوف، وطلحة - رضوان الله تعالى عليهم - بزّازين، وكذلك محمّد بن سيرين، وميمون بن مهران بزّازين، وكان الزّبير بن العوامّ، وعمرو بن العاص، وعامر بن كريز خزّازين، وكذلك أبو حنيفة، وكان سعد بن أبي وقّاص يبري النّبل، وكان عثمان بن طلحة خيّاطا، وما زال التّابعون ومن بعدهم يكتسبون، ويأمرون بالكسب. أخبرنا محمّد بن أبي طاهر، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا ابن حيويه، نا أبو الحسن بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام الدّستوائيّ، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، قال: لمّا استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديا إلى السّوق، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها فلقيه عمر، وأبو عبيدة، فقالا: أين تريد؟ فقال: السّوق، قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قال ابن سعد: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لمّا استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، فقال: زيدوني، فإنّ لي عيالا، وقد شغلتموني عن التّجارة، فزادوه خمس مئة. قال المصنّف ﵀: قلت: لو قال رجل للصّوفيّة من أين أطعم عيالي؟ لقالوا: قد أشركت! ولو سئلوا عمّن يخرج إلى التّجارة، لقالوا: ليس بمتوكّل، ولا موقن! وكلّ هذا لجهلهم بمعنى التّوكّل واليقين، ولو كان أحد يغلق عليه الباب، ويتوكّل لقرب أمر دعواهم، لكنّهم بين أمرين: أمّا الغالب من النّاس، فمنهم من يسعى إلى الدّنيا مستجديا،

стр. 399

ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزّنبيل، فيجمع له … وأمّا الجلوس في الرّباط في هيئة المساكين، وقد علم أنّ الرّباط لا يخلو من فتوح، كما لا تخلو الدّكّان من أن تقصد للبيع والشّراء. أخبرنا عبد الوهّاب الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو طالب العشاريّ، نا محمّد بن عبد الرّحمن المخلّص، نا عبيد الله بن عبد الرّحمن السّكّريّ، ثنا أبو بكر بن عبيد، قال: حدّثت عن الهيثم بن خارجة، ثنا سهل بن هشام، عن إبراهيم بن أدهم، قال: كان سعيد بن المسيّب يقول: من لزم المسجد، وترك الحرفة، وقبل ما يأتيه، فقد ألحف في السّؤال. أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر وابن عبد الباقي) قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمّد بن الحسين، يقول: سمعت جدّي إسماعيل بن نجيد، يقول: كان أبو تراب، يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقّعة، فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد، فقد سأل. قال المصنّف ﵀: قلت: وقد كان السّلف ينهون عن التّعرّض لهذه الأشياء، ويأمرون بالكسب. أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا محمّد بن علي بن الفتح، نا محمّد بن عبد الرّحمن المخلّص، نا عبيد الله بن عبد الرّحمن السّكّريّ، نا أبو بكر ابن عبيد القرشيّ، نا علي بن الجعد، نا المسعوديّ، عن خوّات التّيميّ، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر الفقراء، ارفعوا رءوسكم، فقد وضح الطّريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالا على المسلمين. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو القاسم التّنّوخيّ، وأبو محمّد

стр. 400

الجوهريّ، وأبو الخير القزوينيّ، قالوا: نا أبو عمر بن حيويه، نا محمّد بن خلف، ثنا أبو جعفر اليمانيّ، نا أبو الحسن المدائنيّ، عن محمّد بن عاصم قال: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان إذا رأى غلاما، فأعجبه سأل عنه: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، قال: سقط من عيني. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبد الله البقّال، نا أبو الحسين بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدّقّاق، نا حنبل، ثني أبو عبد الله، نا معاذ بن هشام، ثني أبي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتّجرون في تجر الشّام، منهم: طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد. أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، نا جعفر بن أحمد السّرّاج، نا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضّرّاب، نا أبي، نا أحمد بن مروان المالكيّ، نا أبو القاسم بن الختّلي: سألت أحمد بن حنبل، قلت: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده، وقال: لا أعمل شيئا حتّى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمعت قول رسول الله ﷺ : «جعل الله رزقي تحت ظلّ رمحي» (١). وحديثه الآخر في ذكر الطّير: «تغدو خماصا» (٢)، فذكر أنّها تغدو في طلب الرّزق، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتّجرون في البرّ والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم، وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد: أنّ رجلا قال له: أريد الحجّ على التّوكّل،

стр. 401

فقال له: فاخرج في غير القافلة. قال: لا. قال: فعلى جراب النّاس توكّلت. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، نا إبراهيم بن محمّد بن جعفر السّاجيّ، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، نا أبو بكر أحمد بن محمّد الخلّال، نا أبو بكر المروزيّ، قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكّلة يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله . فقال: هذا قول رديء. أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثمّ قال: إذا قال لا أعمل، وجيء إليه بشيء قد عمل واكتسب! لأيّ شيء يقبله من غيره؟! قال الخلّال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتوكّل على الله، ولا نكتسب، فقال: ينبغي للنّاس كلّهم، يتوكّلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، هذا قول إنسان أحمق. قال الخلّال: وأخبرني محمّد بن عليّ قال: ثنا صالح، أنّه سأل أباه (يعني: أحمد بن حنبل) عن التّوكّل، فقال: التّوكّل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل، حتّى يغني نفسه وعياله، ولا يترك العمل. قال: وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون، ويقولون نحن المتوكّلون، فقال: هؤلاء مبتدعون. قال الخلّال: وأخبرنا المروزيّ، أنّه قال لأبي عبد الله: إنّ ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة، فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء، يريدون تعطيل الدّنيا. وقال الخلّال: وأخبرنا المروزيّ، أنه قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته، وقال: أجلس وأصبر وأقعد في البيت، ولا أطلع على ذلك أحدا، فقال: لو خرج فاحترف كان أحبّ إليّ، فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا.

стр. 402

قلت: إلى أيّ شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقّع أن يرسل إليه. قال الخلّال: وحدّثنا أبو بكر المروزيّ، قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: إنّي في كفاية. قال: الزم السّوق تصل به الرّحم، وتعود به على عيالك. وقال لرجل آخر: اعمل وتصدّق بالفضل على قرابتك. وقال أحمد بن حنبل: قد أمرتهم (يعني: أولاده) أن يختلفوا إلى السّوق وأن يتعرّضوا للتّجارة. قال الخلّال: وأخبرني محمّد بن الحسين، أنّ الفضل بن محمّد بن زياد، حدّثهم، قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسّوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن النّاس! وقال الخلّال: وأخبرني يعقوب بن يوسف المطّوّعيّ قال: سمعت أبا بكر ابن النّجّاد يقول: قال الجصّاصيّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أحبّ الدّراهم إليّ درهم من تجارة، وأكرهها عندي الّذي من صلة الإخوان. قال المصنّف ﵀: قلت: وكان إبراهيم بن أدهم يحصد، وسليمان الخوّاص يلقط، وحذيفة المرعشيّ يضرب اللّبن. وقال ابن عقيل: التّسبّب لا يقدح في التّوكّل؛ لأنّ تعاطي رتبة ترقى على رتبة الأنبياء نقص في الدّين، ولمّا قيل لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] خرج، ولمّا جاع واحتاج إلى عفّة نفسه أجّر نفسه ثمان سنين، وقال الله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك: ١٥]. وهذا لأنّ الحركة استعمال لنعمة الله، وهي القوى، فاستعمل ما عندك، ثمّ اطلب ما عنده.

стр. 403

وقد يطلب الإنسان من ربّه، وينسى ما له عنده من الذّخائر، فإذا تأخّر عنه ما يطلبه يسخط. فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا، فإذا ضاق به القوت، واجتمع عليه دين، فقيل له: لو بعت عقارك. قال: كيف أفرّط في عقاري وأسقط جاهي عند النّاس، وإنّما يفعل هذه الحماقات: العادات. وإنّما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له، فكانوا بين أمرين قبيحين، إمّا تضييع العيال، فتركوا الفرائض أو التّزيّن باسم أنّه متوكّل، فيحنّ عليهم المكتسبون، فضيّقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم. وهذه الرّذيلة لم تدخل قطّ إلّا على دنيء النّفس الرّذيلة، وإلّا فالرّجل كلّ الرّجل من لم يضيّع جوهره الّذي أودعه الله، إيثارا للكسل، أو لاسم يتزيّن به بين الجهّال، فإنّ الله تعالى قد يحرم الإنسان المال، ويرزقه جوهرا، يتسبّب به إلى تحصيل الدّنيا بقبول النّاس عليه. فصل [ترك التكسب] وقد تشبّث القاعدون عن التّكسّب بتعللات قبيحة: منها: أنّهم قالوا لا بدّ من أن يصل إلينا رزقنا، وهذا في غاية القبح، فإنّ الإنسان لو ترك الطّاعة، وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغيّر ما قضى الله عليّ، فإن كنت من أهل الجنّة، فأنا إلى الجنّة، أو من أهل النّار، فأنا من أهل النّار، قلنا له: هذا يردّ الأوامر كلّها، ولو صحّ لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنّة؛ لأنّه كان يقول: ما فعلت إلّا ما قضى عليّ. ومعلوم أنّنا مطالبون بالأمر لا بالقدر.

стр. 404

ومنها: أنّهم يقولون: أين الحلال حتّى نطلب؟ وهذا قول جاهل؛ لأنّ الحلال لا ينقطع أبدا؛ لقوله ﷺ : «الحلال بيّن، والحرام بيّن» (١). ومعلوم أنّ الحلال ما أذن الشّرع في تناوله، وإنّما قولهم هذا احتجاج للكسل. ومنها: أنّهم قالوا: إذا كسبنا أعنّا الظّلمة والعصاة، مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن عليّ، نا ابن جهضم، نا علي بن محمّد السيروانيّ، قال: سمعت إبراهيم الخوّاص، يقول: طلبت الحلال في كلّ شيء حتّى طلبته في صيد السّمك، فأخذت قصبة، وجعلت فيها شعرا، وجلست على الماء، فألقيت الشّصّ، فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض، وألقيت الثّانية، فخرجت لي سمكة، فأنا أطرحها ثالثة إذا من وارئي لطمة، لا أدري من يد من هي، ولا رأيت أحدا، وسمعت قائلا يقول: أنت لم تصب رزقا في شيء، إلّا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله؟ قال: فقطعت الشّعر، وكسرت القصبة، وانصرفت! أنبأنا أبو المظفّر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيريّ، ثنا أبي، قال: سمعت محمّد بن الحسين، يقول: سمعت أبا بكر الرازيّ، يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدميّ، قال: سمعت إبراهيم الخوّاص يقول: طلبت فقصدت … إلخ ما تقدّم. قال المصنّف ﵀: قلت: وهذه القصّة إن صحّت فإنّ في الرّوايتين بعض من يتّهم، فإنّ اللّاطم إبليس، وهو الّذي هتف به؛ لأنّ الله تعالى أباح الصّيد، فلا يعاقب على ما أباحه. وكيف يقال له: تعمد إلى من يذكّرنا فتقتله، وهو الّذي أباح له قتله؟ وكسب الحلال ممدوح، ولو تركنا الصّيد وذبح الأنعام؛ لأنّها تذكر الله تعالى، لم يكن لنا ما يقيم قوى

стр. 405

الأبدان؛ لأنّه لا يقيمها إلّا اللّحم، فالتّحرّز من أخذ السّمك، وذبح الحيوان مذهب البراهمة. فانظر إلى الجهل ما يصنع، وإلى إبليس كيف يفعل؟ أخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، ثنا عليّ بن عبد الله الهمذانيّ، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك، قال: سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول: قيل لفتح الموصليّ: أنت صيّاد بالشّبكة، ولم تصد شيئا إلّا وتطعمه لعيالك، فلم لا تصيد وتبيع ذلك للنّاس؟ فقال: أخاف أن اصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء، فأطمعه عاصيا لله على وجه الأرض. قال المصنّف ﵀: قلت: إن صحّت هذه الحكاية عن فتح الموصليّ، فهو من التّعلّل البارد المخالف للشّرع والعقل؛ لأنّ الله تعالى أباح الكسب، وندب إليه، فإذا قال قائل: ربّما خبزت خبزا، فأكله عاص، كان حديثا فارغا؛ لأنّه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنّصارى. ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة في ترك التّداوي: قال المصنّف ﵀: لا يختلف العلماء أنّ التّداوي مباح، وإنّما رأى بعضهم أنّ العزيمة تركه، وقد ذكرنا كلام النّاس في هذا، وبيّنا بما اخترناه في كتابنا: «لقط المنافع في الطّبّ». والمقصود هاهنا أنّا نقول: إذا ثبت أنّ التّداوي مباح بالإجماع، مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم، قد رأوا أنّ التّداوي خارج من التّوكّل؛ لأنّ الإجماع على أنّه لا يخرج من التّوكّل، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه تداوى وأمر بالتّداوي، ولم يخرج بذلك من التّوكّل، ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التّوكّل. وفي الصّحيح من حديث عثمان بن عفّان ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ رخّص إذا اشتكى

стр. 406

المحرم عينه، أن يضمّدها بالصّبر» (١). قال ابن جرير الطّبريّ: وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التّصوّف والعبّاد، من أنّ التّوكّل لا يصحّ لأحد عالج علّة به في جسده بدواء، إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضرّ والنّفع. وفي إطلاق النّبيّ ﷺ للمحرم علاج عينه بالصّبر لدفع المكروه، أدلّ دليل على أن معنى التّوكّل غير ما قاله الّذين ذكرنا قولهم، وأنّ ذلك غير مخرج فاعله من الرّضا بقضاء الله، كما أنّ من عرض له كلب الجوع، لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التّوكّل والرّضا بالقضاء؛ لأنّ الله تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له دواء إلّا الموت. وجعل أسبابا لدفع الأدواء، كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع، وقد كان قادرا أن يحيي خلقه بغير هذا، ولكنّه خلقهم ذوي حاجة، فلا يندفع عنهم أذى الجوع، إلّا بما جعل سببا لدفعه عنهم، فكذا الدّاء العارض، والله الهادي. ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة: قال المصنّف: كان خيار السّلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن النّاس؛ اشتغالا بالعلم والتّعبّد، إلّا أنّ عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة، ولا عيادة مريض، ولا شهود جنازة، ولا قيام بحقّ، وإنّما هي عزلة عن الشّرّ وأهله، ومخالطة البطّالين. وقد لبّس إبليس على جماعة من المتصوّفة، فمنهم من اعتزل في جبل كالرّهبان، يبيت وحده، ويصبح وحده، ففاته الجمعة، وصلاة الجماعة، ومخالطة أهل العلم، وعمومهم اعتزل في الأربطة، ففاتهم السّعي إلى المساجد، وتوطّنوا على فراش الرّاحة، وتركوا الكسب.

стр. 407

وقد قال أبو حامد الغزالي في «كتاب الإحياء»: مقصود الرّياضة تفريغ القلب، وليس ذلك إلّا بخلوة في مكان مظلم. وقال: فإن لم يكن مكان مظلم، فيلفّ رأسه في جبّته، أو يتدثّر بكساء، أو إزار؛ ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ، ويشاهد جلال حضرة الرّبوبيّة. قال المصنف ﵀: انظر إلى هذه التّرتيبات، والعجب: كيف تصدر من فقيه عالم؟! ومن أين له أنّ الّذي يسمعه نداء الحقّ؟ وأنّ الّذي يشاهده جلال الرّبوبيّة؟ وما يؤمّنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة؟ وهذا الظّاهر ممّن يستعمل التّقلّل في المطعم؛ فإنّه يغلب عليه الماليخوليا. وقد يسلم في مثل هذه الحالة من الوساوس، إلّا أنّه إذا تغشّى بثوبه، وغمّض عينيه، تخايل هذه الأشياء؛ لأنّ في الدّماغ ثلاث قوى: قوّة يكون بها التّخيّل، وقوّة يكون بها الفكرة، وقوّة يكون به الذّكر، وموضع التّخيّل: البطنان المقدّمان من بطون الدّماغ. وموضع التّفكّر: البطن الأوسط من بطون الدّماغ. وموضع الحفظ: الموضع المؤخّر، فإنّ أطرق الإنسان، وغمّض عينيه جال الفكر، والتّخيّل، فيرى خيالات، فيظنّها ما ذكر من حضرة جلال الرّبوبيّة إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهّاب، نا أبو عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت أبا بكر البجليّ يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدميّ، قال: كان أبو عبيد البسريّ إذا كان أوّل يوم من شهر رمضان، يدخل البيت، ويقول لامرأته: طيّني باب البيت، وألق إليّ كلّ ليلة من الكوّة رغيفا، فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزّاوية، ولا أكل ولا شرب، ولا يتهيّأ لصلاة، ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشّهر.

стр. 408

قال المصنّف ﵀: هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصّحّة من وجهين: أحدهما: بقاء الآدميّ شهرا لا يحدث بنوم، ولا بول، ولا غائط، ولا ريح. والثّاني: ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة، وهي واجبة، لا يحلّ تركها. فإن صحّت هذه الحكاية، فما أبقى إبليس لهذا في التّلبيس بقيّة. قال: أنبأنا زاهر بن طاهر، نا أحمد بن الحسين البيهقيّ، ثنا الحاكم أبو عبد الله النّيسابوريّ، وسمعت أبا الحسن البوشنجيّ الصّوفيّ غير مرّة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة، والتّخلّف عنها، فيقول: إن كانت البركة في الجماعة، فإنّ السّلامة في العزلة! وقد جاء النّهي عن الانفراد الموجب للبعد عن العلم والجهاد للعدوّ. أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا معان بن رفاعة، ثني عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سريّة من سراياه، قال: فمرّ رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوّته ما كان فيه، وفيه شيء من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلّى عن الدّنيا، ثمّ قال: لو أنّي أتيت نبيّ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلت، وإلّا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيّ الله، إنّي مررت بغار فيه ما يقوّتني من الماء والبقل، فحدّثتني نفسي بأن أقيم فيه، وأتخلّى من الدّنيا، قال: فقال نبيّ الله ﷺ : «إنّي لم أبعث باليهوديّة، ولا بالنّصرانيّة، ولكنّي بعثت بالحنيفيّة السّمحة، والّذي نفس محمّد بيده، لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدّنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصّفّ خير من صلاته ستّين سنة» (١).

стр. 409

ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة: في التّخشّع وطأطأة الرّأس وإقامة النّاموس: قال المصنّف ﵀: إذا سكن الخوف القلب، أوجب خشوع الظّاهر، ولا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدّبا متذلّلا، وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك، وكان محمّد بن سيرين يضحك بالنّهار، ويبكي باللّيل، ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوامّ، فإنّ ذلك يؤذيهم: فقد روي عن عليّ ﵁: إذا ذكرتم العلم، فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بضحك، فتمجّه القلوب. ومثل هذا لا يسمّى رياء؛ لأنّ قلوب العوامّ تضيق عن التّأويل للعالم إذا تفسّح في المباح، فينبغي أن يتلقّاهم بالصّمت والأدب، وإنّما المذموم تكلّف التّخشّع والتّباكي، وطأطأة الرّأس، ليرى الإنسان بعين الزّهد والتّهيّؤ للمصافحة وتقبيل اليد، وربّما قيل له: ادع لنا فيتهيّأ للدّعاء كأنّه يستنزل الإجابة، وقد ذكرنا عن إبراهيم النّخعيّ: أنّه قيل له: ادع لنا فكره ذلك، واشتدّ عليه. وقد كان في الخائفين من حمله الخوف على شدّة الذّلّ والحياء، فلم يرفع رأسه إلى السّماء، وليس هذا بفضيلة؛ لأنّه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ . وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى، قال: «كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء» (١). وفي هذا الحديث دليل على استحباب النّظر إلى السّماء لأجل الاعتبار بآياتها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦]، وقال: ﴿قُلِ﴾

стр. 410

﴿اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وفي هذا ردّ على المتصوّفين، فإنّ أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السّماء، وقد ضمّ هؤلاء إلى ابتداعهم الرّموز إلى التّشبيه، ولو علموا أنّ إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله تعالى، لم يفعلوا ذلك، غير أنّ ما شغل إبليس إلّا التّلاعب بالجهلة، فأمّا العلماء؛ فهو بعيد عنهم، شديد الخوف منهم؛ لأنّهم يعرفون جميع أمره، ويحترزون من فنون مكره. أخبرنا محمّد بن ناصر، وعمر بن ظفر، قالا: أخبرنا محمّد بن الحسن الباقلّانيّ، نا القاضي أبو العلاء الواسطيّ، نا أبو نصر أحمد بن محمّد، نا أبو الخير أحمد بن محمّد البزّاز، ثنا البخاريّ، ثنا إسحاق، ثنا محمّد بن الفضيل، ثنا الوليد بن جميع، عن أبي سلمة ابن عبد الرّحمن، قال: «لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشّعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليّتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر دينه، دارت حماليق عينيه، كأنّه مجنون». أخبرنا عبد الوهّاب الحافظ، ثنا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز الحسن بن إسماعيل الضّرّاب، نا أبي، ثنا أحمد بن مروان، ثنا إبراهيم الحربيّ، ثنا محمّد بن الحارث، عن المدائني، عن محمّد بن عبد الله القرشيّ، عن أبيه، قال: نظر عمر بن الخطّاب ﵁ إلى شابّ قد نكّس رأسه، فقال له: يا هذا، ارفع رأسك، فإنّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للنّاس خشوعا فوق ما في قلبه، فإنّما أظهر نفاقا على نفاق. أخبرنا عبد الوهّاب، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا علي بن أحمد الفالي، ثنا أحمد بن محمّد بن يوسف، ثنا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشيّ، ثني يعقوب بن إسماعيل، قال: قال عبد الله، أخبرنا المعتمر، عن كهمس بن الحسن: أنّ رجلا تنفّس عند عمر بن الخطّاب كأنّه يتحازن، فلكزه عمر، أو قال: لكمه.

стр. 411

أخبرنا محمّد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن عليّ التّميميّ، نا أبو بكر ابن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن عاصم بن كليب الجرميّ، قال: لقي أبي عبد الرّحمن بن الأسود، وهو يمشي، وكان إذا مشى يمشي جنب الحائط متخشّعا هكذا، وأمال أبو بكر عنقه شيئا، فقال أبي: ما لك إذا مشيت، مشيت إلى جنب الحائط؟! أما والله، إنّ عمر إذا مشى لشديد الوطء على الأرض، جهوريّ الصّوت. أخبرنا محمّد بن أبي طاهر، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا ابن حيويه، نا أبو الحسن بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة، عن أبيه، قال: قالت الشّفاء بنت عبد الله، ورأت فتيانا يقصّرون في المشي، ويتكلّمون رويدا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نسّاك. قالت: كان - والله - عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أودع، وهو النّاسك حقّا. قال المصنّف ﵀: قلت: وقد كان السّلف يسترون أحوالهم، ويتصنّعون بترك التّصنّع. وقد ذكرنا عن أيّوب السّختيانيّ: أنّه كان في ثوبه بعض الطّول ليستر حاله. وكان سفيان الثّوريّ يقول: لا أعتدّ بما ظهر من عملي، وقال لصاحب له، ورآه يصلّي: ما أجرأك! تصلّي والنّاس يرونك. قال: حدّثنا محمّد بن ناصر، ثنا عبد القادر بن يوسف، نا ابن المذهب، نا القطيعيّ، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبو عبد الله (يعني: السّلميّ)، ثنا بقيّة، عن محمّد بن زياد، قال: مرّ أبو أمامة برجل ساجد، فقال: يا لها من سجدة لو كانت في بيتك! أخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر بن ثابت، نا الجوهريّ، ثنا محمّد بن العبّاس، ثنا

стр. 412

محمّد بن القاسم الأنباريّ، ثنا الحارث بن محمّد، ثنا يحيى بن أيّوب، ثنا شعيب بن حرب، قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة: آه، قال: فجعل يتبصّره، ويقول: من هذا؟ حتّى ظننّا أنّه لو عرفه، أمر به. أخبرنا إسماعيل بن أحمد المقري، نا حمد بن الحدّاد، ثنا أبو نعيم الحافظ، نا عبد الله ابن محمّد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمّد بن يعقوب، ثنا أبو حاتم، ثنا حرملة، قال: سمعت الشّافعيّ ﵁ يقول: ودع الّذين إذا أتوك تنسّكوا … وإذا خلوا فهم ذئاب حقاف أخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد القزّاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ، نا جعفر بن محمّد الواسطيّ، نا الحسين بن عبيد الله الأبزاريّ، قال: سمعت إبراهيم بن سعيد، يقول: كنت واقفا على رأس المأمون، فقال لي: يا إبراهيم. قلت: لبّيك. قال: عشرة من أعمال البرّ لا تصعد إلى الله، والله لا يقبل منها شيئا. قلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بكاء إبراهيم على المنبر، وخشوع عبد الرّحمن بن إسحاق، وتقشّف ابن سماعة، وصلاة ابن خيعويه باللّيل، وصلاة عبّاس الضّحى، وصيام بن السّنديّ: الإثنين والخميس، وحديث أبي رجاء، وقصص الحاجبيّ، وصدقة حفصويه، وكتاب «الشّافي» ليعلى بن قريش. ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة في ترك النّكاح: قال المصنّف: النّكاح مع خوف العنت واجب، ومن غير خوف العنت سنّة مؤكّدة عند جمهور الفقهاء، وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: أنّه حينئذ أفضل من جميع النّوافل؛ لأنّه سبب في وجود الولد.

стр. 413

قال ﵊: «تناكحوا تناسلوا» (١). وقال رسول الله ﷺ : «النّكاح من سنّتي، فمن رغب عن سنّتي، فليس منّي» (٢). أخبرنا محمّد بن أبي طاهر، نا الجوهريّ، نا أبو عمر بن حيويه، نا أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، نا سليمان بن داود الطّيالسيّ، نا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص، قال: «لقد ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التّبتّل، ولو أذن له في ذلك لاختصينا» (٣). قال ابن سعد: وأخبرنا عفّان، نا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنّ نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النّبيّ ﷺ عن عمله في السّرّ، فأخبروهم. فقال بعضهم: لا آكل اللّحم. وقال بعضهم: لا أتزوّج النّساء. وقال بعضهم: لا أنام اللّيل على فراش. وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر. فحمد الله النّبيّ ﷺ وأثنى عليه، ثمّ قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكنّي أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (٤). قال ابن سعد: وأخبرنا سعيد بن منصور، نا أبو عوانة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عبّاس ﵁: «إنّ خير هذه الأمّة كان أكثرها نساء».

стр. 414

قال ابن سعد: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن قيس، ثنا مندل، عن أبي رجاء الجزريّ، عن عثمان بن خالد، عن محمّد بن مسلم، قال: قال شدّاد بن أوس: زوّجوني؛ فإنّ رسول الله ﷺ أوصاني ألا ألقى الله عزبا (١). وأخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، نا محمّد بن راشد، عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذرّ، قال: دخل على رسول الله ﷺ رجل يقال له عكاف بن بشر التّميميّ الهلاليّ، فقال له النّبيّ ﷺ : «يا عكاف، هل لك من زوجة؟ قال: لا. قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وأنت موسر بخير؟ قال: وأنا موسر. قال: أنت إذا من إخوان الشّياطين، لو كنت من النّصارى، لكنت من رهبانهم، إنّ سنّتنا النّكاح، شراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم عزّابكم، أبالشّياطين تمرّسون؟ فما للشّياطين من سلاح أبلغ في الصّالحين من ترك النّساء» (٢). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثني أيوب بن النجار، عن طيب بن محمّد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ مخنّثي الرّجال، الّذين يتشبّهون بالنّساء، والمترجّلات من النّساء المتشبّهات بالرّجال، والمتبتّلين من الرّجال الّذين يقولون: لا نتزوّج، والمتبتّلات من النّساء اللاتي يقلن ذلك» (٣). أخبرنا محمّد بن ناصر، نا عبد القادر بن محمّد، قال: نا أبو بكر الخطيب، نا أبو الفتح ابن أبي الفوارس، نا أحمد بن جعفر الختّليّ، ثنا أحمد بن محمّد بن عبد الخالق، ثنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: ليس العزوبة من أمر الإسلام في

стр. 415

شيء، والنّبيّ ﷺ تزوّج أربع عشرة امرأة، ومات عن تسع. ثمّ قال: لو كان بشر بن الحارث تزوّج، كان قد تمّ أمره كلّه، لو ترك الناس النّكاح لم يغزوا ولم يحجّوا، ولم يكن كذا، ولم يكن كذا، وقد كان النّبيّ ﷺ يصبح وما عنده شيء، وكان يختار النّكاح، ويحثّ عليه، وينهى عن التّبتّل، فمن رغب عن فعل النّبيّ ﷺ فهو على غير الحقّ. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوّج وولد له، والنّبيّ ﷺ قال: «حبّب إليّ النّساء» (١). قلت: فإنّ إبراهيم بن آدم يحكى عنه بأنّه قال لروعة: صاحب عيال. فما قدرت أن أتمّ الحديث، حتّى صاح بي، وقال: وقعنا في بنيّات الطّريق. انظر - عافاك الله - ما كان عليه نبيّنا محمّد ﷺ وأصحابه. ثمّ قال: لبكاء الصّبيّ بين يدي أبيه يطلب منه خبزا، أفضل من كذا وكذا، أنّى يلحق المتعبّد المتعزّب المتزوّج؟ وقد لبّس إبليس على كثير من الصّوفيّة، فمنعهم من النّكاح؛ فقد ماؤهم تركوا ذلك؛ تشاغلا بالتّعبّد، ورأوا النّكاح شاغلا عن طاعة الله وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النّكاح أو بهم نوع تشوّق إليه، فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم، وإن لم يكن بهم حاجة إليه فاتتهم الفضيلة. وفي الصّحيح من حديث أبي ذرّ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيه أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: وكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر. ثمّ قال:

стр. 416

أفتحتسبون الشّرّ، ولا تحتسبون الخير» (١). ومنهم من قال: النّكاح يوجب النّفقة، والكسب صعب، وهذه حجّة للتّرفّه عن تعب الكسب. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته في الصّدقة، ودينار أنفقته على عيالك، أفضلها الدّينار الّذي أنفقته على عيالك» (٢). ومنهم من قال: النّكاح يوجب الميل إلى الدّنيا، فروّينا عن أبي سليمان الدّارانيّ أنّه قال: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش، أو تزوج، فقد ركن إلى الدّنيا. قال المصنف ﵀: قلت: وهذا كلّه مخالف للشّرع، وكيف لا يطلب الحديث، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؟ وكيف لا يطلب المعاش، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أموت من سعى على رجلي أطلب كفاف وجهي، أحبّ إليّ من أن أموت غازيا في سبيل الله. وكيف لا يتزوّج وصاحب الشّرع يقول: «تناكحوا تناسلوا» (٣). فما أرى هذه الأوضاع إلّا على خلاف الشّرع. فإنّ جماعة من متأخّري الصّوفيّة، تركوا النّكاح ليقال: زاهد، والعوامّ تعظّم الصّوفيّ، إذا لم تكن له زوجة فيقولون: ما عرف امرأة قطّ. فهذه رهبانيّة تخالف شرعنا. قال أبو حامد: ينبغي ألا يشغل المريد نفسه بالتّزويج، فإنّه يشغله عن السّلوك، ويأنس

стр. 417

بالزّوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى. قال المصنف ﵀: وإنّي لأعجب من كلامه، أتراه ما علم أنّ من قصد عفاف نفسه، ووجود ولد، أو عفاف زوجته؛ فإنّه لم يخرج عن جادّة السّلوك؟ أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى، والله تعالى قد منّ على الخلق بقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وفي الحديث الصحيح، عن جابر ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال له: «هلّا تزوّجت بكرا تلاعبها وتلاعبك» (١). وما كان بالّذي ليدلّه على ما يقطع أنسه بالله تعالى، أترى رسول الله ﷺ لمّا كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة ﵂ أكان خارجا عن الأنس بالله؟! هذه كلّها جهالات بالعلم. فصل [ترك النكاح:] واعلم أنّه إذا دام ترك النّكاح على شبّان الصّوفيّة، أخرجهم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: المرض؛ بحبس الماء؛ فإنّ المرء إذا طال احتقانه، تصاعد إلى الدّماغ منه منيّه. قال أبو بكر محمّد بن زكريا الرازي: أعرف قوما كانوا كثيري المنيّ، فلمّا منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التّفلسف، بردت أبدانهم وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب، وعرضت لهم أعراض الماليخوليا، وقلّت شهواتهم وهضمهم. قال: ورأيت رجلا ترك الجماع، ففقد شهوة الطّعام، وصار إن أكل القليل لم يستمرئه،

стр. 418

وتقيّأه، فلمّا عاد إلى عادته من الجماع، سكنت عنه هذه الأعراض سريعا. النوع الثاني: الفرار إلى المتروك؛ فإنّ منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع، فاجتمع الماء فأقلقوا، ورجعوا فلامسوا النساء، ولابسوا من الدنيا أضعاف ما فرّوا منه، فكانوا كمن أطال الجوع، ثمّ أكل ما ترك في زمن الصّبر! النوع الثالث: الانحراف إلى صحبة الصّبيان؛ فإنّ قوما منهم أيّسوا أنفسهم من النّكاح، فأقلقهم ما اجتمع عندهم، فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد. فصل [شهوة النكاح] وقد لبّس على قوم منهم تزوّجوا وقالوا: إنّا لا ننكح شهوة، فإن أرادوا أنّ الأغلب في طلب النّكاح إرادة السّنّة جاز، وإن زعموا أنّه لا شهوة لهم في نفس النّكاح فمحال ظاهر. وقد حمل الجهل أقواما، فجبّوا أنفسهم، وزعموا أنّهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى، وهذه غاية الحماقة؛ لأنّ الله تعالى شرّف الذّكر على الأنثى بهذه الآلة، وخلقها لتكون سببا للتّناسل، والذي يجبّ نفسه يقول بلسان الحال: الصّواب ضدّ هذا. ثمّ قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النّكاح من النّفس، فما حصل لهم مقصودهم. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد: أخبرنا المحمّدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا إسحاق بن أحمد، ثنا إبراهيم بن يوسف، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الدّارانيّ يقول: الّذي يريد الولد أحمق، لا للدنيا ولا للآخرة، إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغّص عليه، وإن أراد أن يتعبّد شغله. قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط عظيم، وبيانه أنّه لمّا كان مراد الله تعالى من إيجاد

стр. 419

الدّنيا اتّصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها، وكان الآدميّ غير ممتدّ البقاء فيها إلّا إلى أمد يسير، أخلف الله تعالى منه مثله، فحثّه على سببه في ذلك، تارة من حيث الطّبع، بإيقاد نار الشّهوة، وتارة من باب الشّرع، بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقول الرسول ﷺ : «تناكحوا، تناسلوا؛ فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسّقط» (١). وقد طلب الأنبياء - عليهم الصلاة والسّلام - الأولاد، فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]، ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] … إلى غير ذلك من الآيات. وتسبّب الصّالحون إلى وجودهم، وربّ جماع حدث منه ولد؛ مثل الشّافعي، وأحمد بن حنبل، فكان خيرا من عبادة ألف سنة. وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة، والإنفاق على الأولاد والعيال، ومن يموت له ولد، ومن يخلّف ولدا بعده، فمن أعرض عن طلب الأولاد، والتّزوّج، فقد خالف المسنون والأفضل، وحرم أجرا جسيما، ومن فعل ذلك فإنّما يطلب الرّاحة. أخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد بن السّرّاج، نا أبو القاسم الأزجيّ، ثنا ابن جهضم، ثنا الخلدي، قال: سمعت الجنيد يقول: الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما ظنّكم بعقوبة شهوة الحرام؟ قال المصنف ﵀: وهذا غلط؛ فإنّ تسمية المباح عقوبة لا يحسن؛ لأنّه لا يباح شيء، ثمّ يكون ما تجدّد منه عقوبة، ولا يندب إلى شيء، إلّا وحاصله مثوبة.

стр. 420

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة: قد لبّس إبليس على خلق كثير منهم، فأخرجهم إلى السّياحة، لا إلى مكان معروف، ولا إلى طلب علم، وأكثرهم يخرج على الوحدة، ولا يستصحب زادا، ويدّعي بذلك الفعل التّوكّل، فكم تفوته من فضيلة وفريضة، وهو يرى أنّه في ذلك على طاعة، وأنّه يقرب ذلك من الولاية، وهو من العصاة المخالفين لسنّة رسول الله ﷺ . وأمّا السّياحة والخروج لا إلى مكان مقصود، فقد نهى رسول الله ﷺ عن السّعي في الأرض في غير أرب وحاجة. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا إبراهيم بن عمر البرمكيّ، نا ابن حيويه، نا عبيد الله بن عبد الرحمن السّكريّ، قال: سمعت أبا محمّد بن قتيبة، يقول: ثني محمّد بن عبيد، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، أن رسول الله ﷺ قال: «لا زمام، ولا خزام، ولا رهبانيّة، ولا تبتّل، ولا سياحة في الإسلام» (١). قال ابن قتيبة: الزّمام: في الأنف. والخزام: حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين. وأراد ﷺ ما كان عبّاد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التّراقي وزمّ الأنوف. والتّبتّل: ترك النّكاح. والسّياحة: مفارقة الأمصار والذّهاب في الأرض. وروى أبو داود في «سننه» من حديث أبي أمامة، أنّ رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله» (٢). قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا فيما تقدّم من حديث ابن مظعون أنّه قال: يا رسول الله،

стр. 421

إنّ نفسي تحدّثني بأن أسيح في الأرض. فقال النّبيّ ﷺ له: «مهلا يا عثمان، فإنّ سياحة أمّتي الغزو في سبيل الله، والحجّ والعمرة» (١). وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل أنّه سئل عن الرجل يسيح يتعبّد أحبّ إليك، أو المقيم في الأمصار؟ قال: ما السّياحة في الإسلام في شيء، ولا من فعل النّبيّين ولا الصّالحين. وأمّا الخروج على الوحدة، فقد نهى رسول الله ﷺ أن يسافر الرّجل وحده (٢). فأخبرنا عبد الرحمن بن محمّد، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا محمّد بن الطّيّب الصّبّاغ، نا أحمد بن سليمان النجاد، ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، ثنا علي بن عاصم، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الرّاكب شيطان، والاثنان شيطانان، والثّلاثة ركب» (٣). أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أيوب بن النّجار، عن طيب بن محمّد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ راكب الفلاة وحده» (٤). وقد يمشون باللّيل أيضا على الوحدة، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن ذلك. وأخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمّد بن عبيد، ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لو

стр. 422

يعلم النّاس ما في الوحدة، ما سار أحد وحده بليل أبدا» (١). قال عبد الله: وحدّثني أبي، ثنا محمّد بن أبي عدي، ثنا محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أقلّوا الخروج إذا هدأت الرّجل، فإنّ الله تعالى يبثّ في خلقه ما شاء» (٢). قال المصنف ﵀: وفيهم من جعل دأبه السّفر، والسّفر لا يراد لنفسه، قال النّبيّ ﷺ : «السّفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجّل إلى أهله» (٣). فمن جعل دأبه السّفر فقد جمع بين تضييع العمر، وتعذيب النّفس، وكلاهما مقصود فاسد. أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي قال: سمعت محمّد بن أبي الطّيّب العكيّ يقول: سمعت أبا الحسن البصري يقول: سمعت أبا حمزة الخراسانيّ يقول: كنت قد بقيت محرما في عباء، أسافر كلّ سنة ألف فرسخ، تطلع الشّمس عليّ وتغرب، كلّما أحللت أحرمت. ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد: قال المصنف ﵀: قد لبّس على خلق كثير منهم، فأوهمهم أنّ التّوكّل ترك الزّاد، وقد بيّنّا فساد هذا فيما تقدّم، إلّا أنّه قد شاع هذا في جهلة القوم، وجاء حمقى القصّاص يحكون ذلك عنهم، على سبيل المدح لهم به، فيتضمّن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك.

стр. 423

وبأفعال أولئك، ومدح هؤلاء لهؤلاء، فسدت الأحوال، وخفيت على العوامّ طرق الصّواب. والأخبار عنهم بذلك كثيرة، وأنا أذكر منها نبذة: أنبأنا محمّد بن عبد الملك، نا أبو بكر، نا رضوان بن محمّد الدّينوري، ثنا طاهر بن عبد الله، ثنا الفضل بن الفضل الكندي، ثني أبو بكر محمّد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي، ثنا محمّد بن السفاح، عن علي بن سهل البصريّ، قال: أخبرني فتح الموصلي قال: خرجت حاجّا، فلمّا توسّطت البادية إذا أنا بغلام صغير، فقلت: يا عجبا! بادية بيداء، وأرض قفراء، وغلام صغير. فأسرعت، فلحقته، فسلّمت عليه، ثمّ قلت: يا بنيّ، إنّك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام. قال: يا عمّ، قد مات من كان أصغر سنّا منّي. فقلت: وسّع خطاك؛ فإنّ الطّريق بعيد، حتّى تلحق المنزل. قال: يا عمّ! عليّ المشي، وعلى الله البلاغ، أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فقلت له: ما لي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة؟ فقال: يا عمّ، زادي يقيني، وراحلتي رجائي. قلت: سألتك عن الخبز والماء. قال: يا عمّ، أخبرني لو أنّ أخا من إخوانك، أو صديقا من أصدقائك، دعاك إلى منزله، أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله؟ فقلت: أزوّدك. فقال: إليك عنّي يا بطّال، هو يطعمنا ويسقينا. قال فتح: فما رأيت صغيرا أشدّ توكّلا منه، ولا رأيت كبيرا أشدّ زهدا منه.

стр. 424

قال المصنف ﵀: بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور، ويظنّ أنّ هذا هو الصّواب، ويقول الكبير: إذا كان الصّغير قد فعل هذا، فأنا أحقّ بفعله منه. وليس العجب من الصّبيّ، بل من الّذي لقيه، كيف لم يعرفه؛ أنّ هذا الذي يفعله منكر، وأنّ الّذي استدعاك أمرك بالتّزوّد، ومن ماله يتزوّد، ولكن مضى على هذا كبار القوم، فكيف الصّغار؟! أخبرنا أبو منصور القزّاز، نا أبو بكر بن علي الحافظ، نا أبو نعيم الأصفهاني، قال: سمعت محمّد بن الحسن بن علي اليقطيني يقول: حضرت أبا عبد الله بن الجلاء، وقيل له عن هؤلاء الّذين يدخلون البادية بلا زاد، ولا عدّة، يزعمون أنّهم متوكّلون، فيموتون في البراري، فقال: هذا فعل رجال الحقّ، فإن ماتوا فالدّية على القاتل. أخبرنا ابن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا الحسين الفارسي، يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: قال رجل لأبي عبد الله ابن الجلاء، ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله. قال: فإن مات. قال: الدّية على القاتل. قال المصنف ﵀: قلت: هذه فتوى جاهل بحكم الشّرع؛ إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام، أنّه لا يجوز دخول البادية بغير زاد، وأنّ من فعل ذلك فمات بالجوع، فإنّه عاص لله تعالى، مستحقّ لدخول النّار، وكذلك إذا تعرّض بما غالبه العطب، فإنّ الله جعل النّفوس وديعة عندنا، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٣٩]. وقد تكلّمنا فيما تقدّم في وجوب الاحتراز من المؤذي، ولو لم يكن المسافر بغير زاد إلّا أنّه خالف أمر الله في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧]. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا أحمد الكبير، يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، قال: خرجت من شيراز في السّفرة

стр. 425

الثّالثة، فتهت في البادية وحدي، وأصابني من الجوع والعطش ما أسقط من أسناني ثمانية، وانتثر شعري كلّه. قال المصنف ﵀: قلت: هذا قد حكى عن نفسه ما ظاهره طلب المدح على ما فعل، والذّمّ لا حق به. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد الكريم بن هوازن، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت محمّد بن عبد الله الواعظ، وأخبرنا أبو بكر ابن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه واللّفظ له، ثنا أبو الفضل يوسف بن علي البلخيّ، ثنا محمّد بن عبد الله أبو حمزة الصوفي، قال: إنّي لأستحيي من الله أن أدخل البادية، وأنا شبعان، وقد اعتقدت التّوكّل؛ لئلا يكون شبعي زادا تزوّدته. قال المصنف ﵀: قلت: وقد سبق الكلام على مثل هذا، وإنّ هؤلاء القوم ظنّوا أنّ التّوكّل ترك الأسباب. ولو كان هكذا لكان رسول الله ﷺ حين تزوّد لمّا خرج إلى الغار قد خرج من التّوكّل، وكذلك موسى لمّا طلب الخضر تزوّد حوتا، وأهل الكهف حين خرجوا، فاستصحبوا دراهم، واستخفّوا ما معهم. وإنّما خفي على هؤلاء معنى التّوكّل؛ لجهلهم، وقد اعتذر لهم أبو حامد فقال: لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلّا بشرطين: أحدهما: أن يكون الإنسان قد راض نفسه، حيث يمكنه الصّبر على الطّعام أسبوعا ونحوه. والثاني: أن يمكنه التّقوّت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدميّ بعد أسبوع، أو ينتهي إلى محلّه، أو حشيش، يزجي به وقته.
следующие страницы →