← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أنبأنا ابن ناصر، نا السهلكيّ، قال: سمعت محمّد بن إبراهيم الواعظ، يقول: سمعت محمّد بن محمّد الفقيه، يقول: سمعت أحمد بن محمّد الصّوفيّ يقول: سمعت أبا موسى يقول: حكي عن أبي يزيد أنّه قال: أراد موسى ﵊ أن يرى الله تعالى، وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى، هو أراد أن يراني. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق الحيري، ثنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا أبو طالب بن الفرغاني، قال: سمعت الجنيد بن محمّد، يقول: دخل عليّ أمس رجل من أهل بسطام، فذكر أنّه سمع أبا يزيد البسطامي يقول: اللهمّ إن كان في سابق علمك أنّك تعذّب أحدا من خلقك بالنّار، فعظّم خلقي حتّى لا تسع معي غيري. قال المصنف ﵀: أمّا ما تقدّم من دعاويه، فما يخفى قبحها، وأمّا هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه قال: إن كان في سابق علمك، وقد علمنا قطعا أنّه لابدّ من تعذيب خلق بالنّار، وقد سمّى الله منهم خلقا، كفرعون، وأبي لهب، فكيف يجوز أن يقال بعد القطع واليقين: إن كان!! والثاني: قوله: فعظّم خلقي. فلو قال لأدفع عن المؤمنين، ولكنّه قال: حتّى لا تسع غيري. فأشفق على الكفّار أيضا، وهذا تعاط على ﵀ . والثالث: أن يكون جاهلا بقدر هذه النّار، أو واثقا من نفسه بالصّبر، وكلا الأمران معدوم عنده. قلت: ثمّ قال: والله تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة، وكانت الملائكة يستحسنون قولي، والله يسمع كلامي، فلم يعب عليّ، ولو عاب عليّ لأخرسني. قلت: لولا أنّ هذا الرّجل قد نسب إلى التّغيّر، لكان ينبغي أن يردّ عليه، وأين الخضر؟

стр. 492

ومن أين له أنّ الملائكة تستحسن قوله، وكم من قول معيب، ولم يعاجل صاحبه بالعقوبة؟ وقد بلغني عن ميمون عبده قال: بلغني عن سمنون المحبّ، أنّه كان يسمّي نفسه الكذّاب بسبب أبياته الّتي قال فيها: وليس لي في سواك حظّ … فكيفما شئت فامتحنّي فابتلي بحبس البول، فلم يقرّ له قرار، فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب، وبيده قارورة يقطر منها بوله ويقول للصّبيان: ادعوا لعمّكم الكذّاب. قال المصنف ﵀: إنّه ليقشعرّ جلدي من هذه، أتراه علام يتقاوى، وإنّما هذه ثمرة الجهل بالله ، ولو عرفه لم يسأله إلّا العافية، وقد قال: من عرف الله كلّ لسانه. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمّد بن داود الجوزجاني يقول: سمعت أبا العبّاس بن عطار يقول: كنت أردّ هذه الكرامات، حتّى حدّثني الثّقة عن أبي الحسين النّوريّ، وسألته، فقال: كذا كان. قال: كنّا في سميريّة في دجلة، فقالوا لأبي الحسين: أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال، وثلاث أواق. فحرّك شفتيه، فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواق ظهرت من الماء، حتّى وقعت في السميريّة، فقيل لأبي الحسين: سألناك بالله إلّا أخبرتنا بماذا دعوت. فقال: قلت: وعزّتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواق، لأغرقنّ نفسي في دجلة. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني عبد الصمد بن محمّد الخطيب، ثنا الحسن بن الحسين الهمذاني، قال: سمعت جعفرا الخلديّ، سمعت الجنيد يقول: سمعت النّوريّ يقول: كنت بالرقة، فجاءني المريدون الّذين كانوا بها، وقالوا: نخرج

стр. 493

ونصطاد السّمك. فقالوا لي: يا أبا الحسين، هات من عبادك واجتهادك، وما أنت عليه من الاجتهاد، سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص. فقلت لمولاي: إن لم تخرج إليّ السّاعة سمكة فيها ما قد ذكروا، لأرمينّ بنفسي في الفرات. فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال، لا زيادة ولا نقصان. قال الجنيد: فقلت له: يا أبا الحسين، لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك؟ قال: نعم. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا أبو يعقوب الخراط، قال: قال لي أبو الحسين النّوريّ: كان في نفسي من هذه الكرامات شيء، وأخذت من الصّبيان قصبة، وقمت بين زورقين، وقلت: وعزّتك، لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال، لا تزيد ولا تنقص، لا آكل شيئا. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسيّ يقول: سمعت الرقي يقول: سمعت علي بن محمّد بن أبان قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: أكبر ذنبي إليه معرفتي إيّاه. قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أنّي لمّا عرفته، لم أعمل بمقتضى معرفته، فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصى، وإلّا فهو قبيح. أخبرنا ابن الحبيب، نا ابن صادق، نا ابن باكويه، ثني أحمد الخلقانيّ قال: سمعت الشبليّ يقول: أحبّك الخلق لنعمائك، وأنا أحبّك لبلائك.

стр. 494

أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، أنبأنا الحسن بن محمّد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب (ح) وأخبرنا أبو الوقت نا أحمد بن أبي نصر نا الحسن بن محمّد بن قوري، قال: نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمّد الهمذانيّ يقول: دخلت على الشّبليّ، فلمّا قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معي إلى أن خرجنا من الدّار: مرّوا، أنا معكم حيثما كنتم، وأنتم في رعايتي وكلاءتي. نا محمّد بن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر محمّد بن أحمد الأردستاني، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: دخل قوم على الشّبليّ في مرض موته الّذي مات فيه، فقالوا: كيف تجدك يا أبا بكر؟ فأنشأ يقول: إنّ سلطان حبّه … قال لا أقبل الرّشا فسلوه فديته … ما لقتلي تحرّشا قال ابن عقيل: وقد حكي عن الشّبليّ أنّه قال: إنّ الله قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥) [الضحى: ٥]، والله لا رضي محمّد ﷺ وفي النّار من أمّته أحد. ثمّ قال: إنّ محمّدا يشفع في أمّته، وأشفع بعده في النار، حتّى لا يبقى فيها أحد. قال ابن عقيل: والدّعوى الأولى على النّبيّ ﷺ كاذبة؛ فإنّ النّبيّ ﷺ يرضى بعذاب الفجّار، كيف وقد لعن في الخمر عشرة (١)؛ فدعوى أنّه لا يرضى بتعذيب الله للفجّار دعوى باطلة، وإقدام على جهل بحكم الشّرع. ودعواه بأنّه من أهل الشّفاعة في الكلّ، وأنّه يزيد على محمّد ﷺ كفر؛ لأنّ الإنسان

стр. 495

متى قطع لنفسه بأنّه من أهل الجنّة، كان من أهل النّار، فكيف وهو يشهد لنفسه، بأنّه على مقام يزيد على مقام النّبوّة؛ بل يزيد على المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى. وقال ابن عقيل: والّذي يمكّنني في حقّ أهل البدع لساني وقلبي، ولو اتّسعت قدرتي في السّيف، لرويت الثّرى من دماء خلق. أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قلت: أخبرنا جعفر بن أحمد، ثنا أبو طاهر محمّد بن علي العلاف، سمعت أبا الحسين بن سمعون، سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبي العباس بن عطاء، سمعت أبا الحسين بن سمعون، سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبي العباس بن عطاء يقول: قرأت القرآن، فما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتّى ابتلاه، فسألت الله تعالى أن يبتليني. فما مضت الأيّام واللّيالي، حتّى خرج من دار نيف وعشرون ميّتا، ما رجع منهم أحد. قال: وذهب ماله، وذهب عقله، وذهب ولده وأهله، فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها. وكان أوّل شيء قاله بعد صحوته من غلبته: حقّا أقول لقد كلّفتني شططا … حملي هواك وصبري إنّ ذا عجب قلت: قلّة علم هذا الرّجل أثمر أن سأل البلاء، وفي سؤال البلاء معنى التّقاوي، وذاك من أقبح القبيح. والشّطط: الجور، ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وأحسن ما حمل عليه حاله، أن يكون قال هذا البيت في زمان التّغيّر. أخبرنا محمّد بن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا محمّد بن الحسين السلمي، سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصريّ يقول: دعوني وبلائي، ألستم أولاد آدم الّذي

стр. 496

خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأمره بأمره فخالفه، إذا كان أوّل الدّنّ دردى كيف يكون آخره؟ قال: وقال الحصريّ: كنت زمانا إذا قرأت القرآن، لا أستعيذ من الشّيطان، وأقول: من الشيطان حتّى يحضر كلام الحق. قال المصنف ﵀ قلت: أمّا القول الأوّل بأنّه يتسلّط على الأنبياء، جرأة قبيحة وسوء أدب. وأمّا الثاني: فمخالف لما أمر الله به؛ فإنّه قال: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، نا عباد بن إبراهيم النسفي، ثنا محمّد بن الحسين السلمي قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه: سمعت أبا العباس أحمد بن محمّد الدينوري يقول: قد نقضوا أركان التّصوّف وهدموا سبيلها، وغيّروا معانيها بأسامي أحدثوها: سمّوا الطّبع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عن الحقّ شطحا، والتّلذّذ بالمذموم طيبة، وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة، واتّباع الهوى ابتلاء، والرّجوع إلى الدّنيا وصولا، والسّؤال عملا، وبذأ اللّسان ملامة، وما هذا طريق القوم. وقال ابن عقيل: عبّرت الصّوفيّة عن الحرام بعبارات غيّروا لها الأسماء مع حصول المعنى، فقالوا في الاجتماع على الطّيبة والغناء والخنكرة: أوقات، وقالوا في المردان: شبّ، وفي المعشوقة: أخت، وفي المحبّة: مريدة، وفي الرّقص والطّرب: وجدا، وفي مناخ اللهو والبطالة: رباطا. وهذا التّغيير للأسماء لا يباح. بيان جملة مرويّة على الصّوفيّة من الأفعال المنكرة: قلت: قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلّها منكرة، وإنّما نذكر هاهنا من أمّهات الأفعال وعجائبها.

стр. 497

أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن أحمد، أنبأنا أبو علي الحسن بن محمّد بن الفضل الكرماني، نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب، نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج، قال: ذكر عن ابن الكريني - وكان أستاذ الجنيد - أنّه أصابته جنابة، وكان عليه مرقّعة ثخينة، فجاء إلى شاطئ الدّجلة، والبرد شديد، فحزنت نفسه عن الدّخول في الماء؛ لشدّة البرد، فطرح نفسه في الماء مع المرقّعة، ولم يزل يغوص ثمّ خرج، وقال: عقدت ألّا أنزعها عن بدني حتّى تجفّ عليّ. فلم تجفّ عليه شهرا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز بن علي، ثنا علي بن عبد الله الهمذاني، ثنا الخلدي، ثني جنيد، قال: سمعت أبا جعفر بن الكريني يقول: أصبت ليلة جنابة، فاحتجت أن أغتسل، وكانت ليلة باردة، فوجدت في نفسي تأخّرا وتقصيرا، وحدّثتني نفسي، فقلت: واعجبا! أنا أعامل الله تعالى في طول عمري، يجب له عليّ حقّ لا أجد المسارعة إليه، وأجد الوقوف والتّباطؤ والتّأخّر، آليت لا أغتسل إلّا في نهر، وآليت لا اغتسلت إلّا في مرقّعتي هذه، وآليت لا أعصرنّها، وآليت لا أجففنها في شمس. أو كما قال. قلت: قد سبق في ذكر المرقّعات وصف هذه المرقّعة لابن الكرينيّ، وأنّه وزن أحد كمّيها، فكان فيه أحد عشر رطلا، وإنّما ذكر هذا للنّاس ليبيّن أنّي فعلت الحسن الجميل، وحكوه عنه ليبيّن فضله، وذلك جهل محض؛ لأنّ هذا الرّجل عصى الله بما فعل. وإنّما يعجب هذا الفعل العوامّ الحمقى لا العلماء. ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه؛ فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التّعذيب: إلقاؤها في الماء البارد، وكونه في مرقّعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد، ولعلّه قد يبقى في مغابنه ما لم يصل إليه الماء؛ لكثافة هذه المرقّعة، وبقائها عليه مبتلّة شهرا، وذلك يمنعه لذّة النّوم، وكلّ هذا الفعل خطأ، وإثم، وربّما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله.

стр. 498

أخبرنا المحمّدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ، قال: كانت أمّ عليّ زوجة أحمد بن خضرويه، قد أحلّت زوجها أحمد من صداقها، على أن يزور بها أبا يزيد البسطاميّ، فحملها إليه، فدخلت عليه، وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها، فلمّا قال لها أحمد: رأيت منك عجبا، أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد. قالت: لأنّي لمّا نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي، وكلّما نظرت إليك، رجعت إليّ حظوظ نفسي. فلمّا أراد أحمد الخروج من عند أبي يزيد قال له: أوصني. قال: تعلّم الفتوّة من زوجتك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، سمعت أبا بكر الفازي - وفاز قرية بطوس - سمعت أبا بكر السّبّاك، سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان بين أحمد بن أبي الحواري، وبين أبي سليمان عقد، ألا يخالفه في شيء يأمره به، فجاءه يوما وهو يتكلّم في المجلس فقال: إنّ التّنّور قد سجرناه، فما تأمرنا؟ فما أجابه. فأعاد مرّة أو مرّتين، فقال له الثالثة: اذهب واقعد فيه. ففعل ذلك، فقال أبو سليمان: ألحقوه؛ فإنّ بيني وبينه عقدا ألا يخالفني في شيء آمره به. فقام وقاموا معه، فجاءوا إلى التّنّور، فوجدوه قاعدا في وسطه، فأخذ بيده وأقامه، فما أصابه خدش. قال المصنف ﵀: هذه الحكاية بعيدة الصّحّة، ولو صحّت كان دخوله النّار معصية. وفي الصّحيحين من حديث عليّ ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سريّة، واستعمل عليها رجلا من الأنصار، فلمّا خرجوا، وجد عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا حطبا.

стр. 499

فجمعوا، ثمّ دعا بنار فأضرمها، ثمّ قال: عزمت عليكم لتدخلنّها. قال: فهمّ القوم أن يدخلوها، فقال لهم شابّ: إنّما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النّار، فلا تعجلوا حتّى تلقوا النّبيّ ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، فرجعوا إلى النّبيّ ﷺ فأخبروه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنّما الطّاعة في المعروف» (١). أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو نعيم الحافظ، أخبرني الحسن بن جعفر بن علي، أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجريري، قال: قال أبو الخير الديلميّ: كنت جالسا عند خير النّسّاج، فأتته امرأة، وقالت له: أعطني المنديل الّذي دفعته إليك. قال: نعم. فدفعه إليها، قالت: كم الأجر؟ قال: درهمان. قالت: ما معي السّاعة شيء، وأنا قد تردّدت إليك مرارا فلم أرك، وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى. فقال لها خير: إن أتيتني بهما ولم تجديني، فارم بهما في دجلة؛ فإنّي إذا جئت أخذتهما. فقالت المرأة: كيف تأخذ من دجلة؟ فقال لها خير: هذا التّفتيش فضول منك، افعلي ما أمرتك به. قالت: إن شاء الله. فمرّت المرأة، قال أبو الخير: فجئت من الغد، وكان خير غائبا، وإذا المرأة قد جاءت، ومعها خرقة فيها درهمان، فلم تجده، فرمت بالخرقة في دجلة، وإذا بسرطان قد تعلّقت بالخرقة وغاصت، وبعد ساعة جاء خير، وفتح باب حانوته، وجلس على الشّطّ يتوضّأ، وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه، والخرقة على ظهرها، فلمّا قربت من

стр. 500

الشّيخ أخذها، فقلت له: رأيت كذا وكذا. فقال: أحبّ ألا تبوح به في حياتي. فأجبته إلى ذلك. قال المصنف ﵀: صحّة مثل هذا تبعد، ولو صحّ لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشّرع؛ لأنّ الشّرع قد أمر بحفظ المال، وهذا إضاعة. وفي الصّحيح أنّ النّبيّ ﷺ «نهى عن إضاعة المال» (١). ولا تلتفت إلى قول من يزعم أنّ هذا كرامة؛ لأنّ الله لا يكرم مخالفا لشرعه. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، نا أبو نعيم الحافظ، سمعت علي بن عبد الرحيم، يقول: دخلت على النّوريّ ذات يوم، فرأيت رجليه منتفختين، فسألته عن أمره، فقال: طالبتني نفسي بأكل التّمر، فجعلت أدافعها فتأبى عليّ، فخرجت، فاشتريت، فلما أن أكلت، قلت لها: قومي فصلّي. فأبت عليّ، فقلت: لله عليّ إن قعدت إلى الأرض أربعين يوما، إلّا في التّشهّد. فما قعدت. قلت: من سمع هذا من الجهّال يقول: ما أحسن هذه المجاهدة. ولا يدري أنّ هذا الفعل لا يحلّ؛ لأنّه حمل على النّفس ما لا يجوز، ومنعها حقّها من الرّاحة. وقد حكى أبو حامد الغزاليّ في كتاب «الإحياء» قال: كان بعض الشّيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام، فألزم نفسه القيام على رأسه طول اللّيل؛ لتسمح نفسه بالقيام عن طوع، قال: وعالج بعضهم حبّ المال بأن باع جميع ماله، ورماه في البحر إن خاف من تفرقته على النّاس رعونة الجود ورياء البذل. قال: وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس؛ ليعوّد نفسه الحلم. قال: وكان آخر يركب البحر في الشّتاء عند اضطراب الموج؛ ليصير شجاعا.

стр. 501

قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عند أبي حامد، كيف حكى هذه الأشياء، ولم ينكرها؟ وكيف ينكرها، وقد أتى بها في معرض التّعليم؟ وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ، فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته، أخذه وصرفه في الخير، وفرّغ قلبه منه؛ حتّى لا يلتفت إليه، وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه، أمره أن يخرج إلى السّوق للكدّ، ويكلّفه السّؤال والمواظبة على ذلك، وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه، وكنس المواضع القذرة، وملازمة المطبخ، ومواضع الدّخان. وإن رأى شره الطّعام غالبا عليه، ألزمه الصّوم، وإن رآه عزبا، ولم تنكسر شهوته بالصّوم، أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز، وليلة على الخبز دون الماء، ويمنعه اللّحم رأسا. قلت: وإنّي لأتعجّب من أبي حامد، كيف يأمر بهذه الأشياء الّتي تخالف الشّريعة، وكيف يحلّ القيام على الرّأس طول اللّيل، فينعكس الدّم إلى وجهه، ويورثه ذلك مرضا شديدا؟ وكيف يحلّ رمي المال في البحر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال؟ وهل يحلّ سبّ مسلم بلا سبب؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه، وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحجّ؟ وكيف يحلّ السّؤال لمن يقدر أن يكسب؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزاليّ الفقه بالتّصوّف. أنبأنا ابن ناصر، نا أبو الفضل السهلكي، نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري، ثنا أبو الحسن علي بن جهضم، ثنا أبو صالح الدامغاني، عن الحسن بن علي الدامغاني، قال: كان رجل من أهل بسطام، لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد لا يفارقه، فقال له ذات يوم: يا أستاذ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدّهر، وأقوم اللّيل، وقد تركت الشّهوات، ولست أجد في

стр. 502

قلبي من هذا الّذي تذكره شيئا البتّة. فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاث مئة سنة، وقمت ثلاث مئة سنة، وأنت على ما أراك، لا تجد من هذا العلم ذرّة. قال: ولم يا أستاذ؟ قال: لأنّك محجوب بنفسك. فقال له: أفلهذا دواء حتّى ينكشف هذا الحجاب؟ قال: نعم. ولكنّك لم تقبل. قال: بلى أقبل وأعمل ما تقول. قال أبو يزيد: اذهب السّاعة إلى الحجّام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللّباس، وابرز بعباءة، وعلّق في عنقك مخلاة، واملأها جوزا، واجمع حولك صبيانا، وقل بأعلى صوتك: يا صبيان! من يصفعني صفعة، أعطيته جوزة. وادخل إلى سوقك الّذي تعظم فيه. فقال: يا أبا يزيد! سبحان الله، تقول لي مثل هذا، ويحسن أن أفعل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك: سبحان الله شرك! قال: وكيف؟ قال: لأنّك عظّمت نفسك فسبّحتها. فقال: يا أبا يزيد، هذا ليس أقدر عليه، ولا أفعله، ولكن دلّني على غيره حتّى أفعله. فقال أبو يزيد: ابتدر هذا قبل كلّ شيء، حتّى تسقط جاهك، وتذلّ نفسك، ثمّ بعد ذلك أعرّفك ما يصلح لك. قال: لا أطيق هذا. قال: إنّك لا تقبل. قال المصنف ﵀: قلت: ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء، بل فيه تحريم ذلك والمنع منه، وقد قال نبيّنا ﵊: «ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه» (١). ولقد فاتت الجمعة حذيفة، فرأى النّاس راجعين، فاستتر؛ لئلّا يرى بعين النّقص في قصّة الصلاة.

стр. 503

وهل طالب الشّرع أحدا بمحو أثر النّفس، وقد قال ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله» (١). كلّ هذا للإبقاء على جاه النّفس، ولو أمر بهلول الصّبيان أن يصفعوه، لكان قبيحا، فنعوذ بالله من هذه العقول النّاقصة، الّتي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشّرع فينفر. وقد حكى أبو حامد الغزالي في «كتاب الإحياء» عن يحيى بن معاذ، أنّه قال: قلت لأبي يزيد: هل سألت الله تعالى المعرفة؟! فقال: عزّت عليه أن يعرفها سواه. فقلت: هذا إقرار بالجهل، فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنّه موجود وموصوف بصفات، وهذا لا يسع أحدا من المسلمين جهله، وإن تخايل له أنّ معرفته هي اطّلاع على حقيقة ذاته وكنهها، فهذا جهل به. وحكى أبو حامد: أنّ أبا تراب النخشبيّ قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرّة واحدة، كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرّة. قلت: وهذا فرق الجنون بدرجات. وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنّه قال: نزلت في محلّة، فعرفت فيها بالصّلاح، فنشب في قلبي، فدخلت الحمّام وعيّنت على ثياب فاخرة، فسرقتها ولبستها، ثمّ لبست مرقّعتي، وخرجت، فجعلت أمشي قليلا قليلا، فلحقوني، فنزعوا مرقّعتي، وأخذوا الثّياب، وصفعوني، فصرت بعد ذلك أعرف بلصّ الحمّام، فسكنت نفسي. قال أبو حامد: فهكذا يروّضون أنفسهم، حتّى خلّصهم الله من النّظر إلى الخلق، ثمّ من النّظر إلى النّفس، وأرباب الأحوال ربّما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه، مهما رأوا صلاح قلوبهم، ثمّ يتداركون ما فرط منهم من صورة التّقصير، كما فعل هذا في الحمّام.

стр. 504

قلت: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه «كتاب الإحياء» فليته لم يحك فيه مثل هذا الّذي لا يحلّ. والعجب منه أنّه يحكيه ويستحسنه، ويسمّي أصحابه أرباب الأحوال!! وأيّ حالة أقبح وأشدّ من حال من خالف الشّرع، ويرى المصلحة في النّهي عنه؟ وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي، وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه، حتّى يستعمل ما لا يحلّ فيها؟ وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قطع من لا يجب قطعه، وقتل من لا يجوز قتله، ويسمّونه سياسة، ومضمون ذلك أنّ الشّريعة ما تفي بالسّياسة. وكيف يحلّ للمسلم أن يعرّض نفسه لأن يقال عنه سارق؟ وهل يجوز أن يقصد وهن دينه، ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض؟ ولو أنّ رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلّمها ويلمسها، ليقول عنه من لا يعلم هذا: فاسق، لكان عاصيا بذلك، ثمّ كيف يجوز التّصرّف في مال الغير بغير إذنه؟ ثمّ في نصّ مذهب أحمد والشّافعيّ، أنّ من سرق من الحمّام ثيابا عليها حافظ، وجب قطع يده، ثمّ من أرباب الأحوال حتّى يعلموا بواقعاتهم؟ كلا والله، إنّ لنا شريعة، لو رام أبو بكر الصّدّيق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه، لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتّصوّف، أكثر من تعجّبي من هذا المستلب الثّياب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه قال: سمعت محمّد بن أحمد النّجّار يقول: كان عليّ بن بابويه من الصّوفيّة، فاشترى يوما من الأيّام

стр. 505

قطعة لحم، فأحبّ أن يحمله إلى البيت، فاستحيا من أهل السّوق، فعلق اللّحم في عنقه، وحمله إلى بيته. قلت: وا عجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطّبع، وذلك أمر لا يمكن، ولا هو مراد الشّرع، وقد ركز في الطّباع أنّ الإنسان لا يحبّ أن يرى إلّا متجمّلا في ثيابه، وأنّه يستحيي من العري وكشف الرّأس، والشّرع لا ينكر عليه هذا. وما فعله هذا الرّجل من الإهانة لنفسه بين الناس، أمر قبيح في الشّرع والعقل؛ فهو إسقاط مروءة لا رياضة، كما لو حمل نعليه على رأسه. وقد جاء في الحديث: «الأكل في السّوق دناءة» (١)، فإنّ الله قد أكرم الآدميّ، وجعل لكثير من النّاس من يخدمه، فليس من الدّين إذلال الرّجل نفسه بين الناس. وقد تسمّى قوم من الصّوفيّة بالملامتيّة، فاقتحموا الذّنوب فقالوا: مقصودنا أن نسقط من أعين الناس، فنسلم من آفات الجاه والمرائين. وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بامرأة فأحبلها، فقيل له: لم لم تعزل؟ فقال: بلغني أنّ العزل مكروه. فقيل له: وما بلغك أنّ الزّنا حرام؟! وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه، ونسوا أنّ المسلمين شهداء الله في الأرض. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا أحمد الصغير، سمعت أبا عبد الله بن خفيف، سمعت أبا الحسن المدينيّ يقول: خرجت مرّة من بغداد إلى نهر الناشريّة، وكان في إحدى قرى ذلك النّهر رجل يميل إلى أصحابنا، فبينا أنا أمشي على شاطئ النّهر، رأيت مرقّعة مطروحة ونعلا وخريقة، فجمعتهما.

стр. 506

وقلت: هذه لفقير، ومشيت قليلا، فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء، فنظرت، فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين، وهو يتخبط ويعمل بنفسه كلّ بلاء، فلمّا رأيته علمت أنّ الثّياب له، فنزلت إليه، فنظر إليّ، وقال: يا أبا الحسن، أما ترى ما يعمل بي؟ قد أماتني موتات، وقال لي: ما لك منّا إلّا الذّكر الّذي لسائر النّاس. وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي؟ فما زلت أرفق به حتّى غسلته من الطّين، وألبسته المرقّعة، وحملته إلى دار ذلك الرّجل. فأقمنا عنده إلى العصر، ثمّ خرجنا إلى المسجد، فلمّا كان وقت المغرب رأيت النّاس يهربون ويغلقون الأبواب، ويصعدون السّطوح، فسألناهم فقالوا: السّباع تدخل القرية باللّيل. وكان حوالي القرية أجمة عظيمة، وقد قطع منها القصب، وبقيت أصوله كالسّكاكين. فلمّا سمع النّوريّ هذا الحديث، قام فرمى بنفسه في الأجمّة على أصول القصب المقطوع، ويصيح ويقول: أين أنت يا سبع؟ فما شككنا أنّ الأسد قد افترسه، أو قد هلك في أصول القصب، فلمّا كان قريب الصّبح جاء فطرح نفسه، وقد هلكت رجلاه، فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه، فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه، فسألته: أيّ شيء كان ذلك الحال؟ قال: لمّا ذكروا السّبع، وجدت في نفسي فزعا، فقلت: لأطرحنّك إلى ما تفزعين منه. قلت: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرّجل قبل أن يقع في الماء والطّين، وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين؟ وهل هذا إلّا فعل المجانين؟ وأين الهيبة والتّعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي؟ وما وجه هذا الانبساط؟ وينبغي أن تجفّ الألسن في أفواهها هيبة؟

стр. 507

ثمّ ما الّذي يريده غير الذّكر، ولقد خرج عن الشّريعة، بخروجه إلى السّبع ومشيه على القصب المقطوع؟ وهل يجوز في الشّرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع؟ أترى أراد منها أن يغيّر ما طبعت عليه من خوف السّبع؟ فليس هذا في طوقها، ولا طلبه الشّرع منها. ولقد سمع هذا الرّجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول، فأجابه بأجود جواب. أخبرنا محمّد بن عبد الله بن حبيب، نا علي بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا أبو يعقوب الخراط، نا أبو أحمد المغازلي، قال: رأيت النّوريّ، وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق، وهو يقول: من الخلق أوحشتني، ومن النّفس والمال والدّنيا أفقرتني. ويقول: ما معك إلّا علم وذكر. قال: فقلت له: إن رضيت، وإلّا فانطح برأسك الحائط. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، أنبأنا الحسن بن محمّد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، نا عبد الله بن علي السراج قال: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النّوريّ ثلاث مئة دينار، ثمن عقار بيع له، وجلس على قنطرة، وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول: جئت تريدين أن تخدعيني منك بمثل هذا. قال السراج: فقال بعض النّاس: لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له. فقلت: إن كانت تلك الدّنانير تشغله عن الله طرفة عين، كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة؛ حتّى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها، كما قال الله : ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣) [ص: ٣٣]. قلت: لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشّرع، وعدم عقل، وقد بيّنّا فيما تقدّم أنّ الشّرع

стр. 508

أمر بحفظ المال، وألّا يسلّم إلّا إلى رشيد، وجعله قواما للآدميّ، والعقل يشهد بأنّه إنّما خلق للمصالح، فإذا رمى به الإنسان، فقد أفسد ما هو سبب صلاحه، وجهل حكمة الواضع، واعتذار السّراج له أقبح من فعله؛ لأنّه إن كان خاف فتنته، فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلّص. ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد؛ لأنّه يحتجّ بمسح السّوق والأعناق، ويظنّ بذلك جواز الفساد، والفساد لا يجوز في الشّريعة، وإنّما مسح بيده عليها، وقال: أنت في سبيل الله. ولقد سبق بيان هذا. وقال أبو نصر السراج في كتاب «اللّمع»: قال أبو جعفر الدّارج: خرج أستاذي يوما يتطهّر، فأخذت كنفه، ففتّشته، فوجدت فيه شيئا من الفضّة مقدار أربعة دراهم، وكان ليلا، وبات لم يأكل شيئا. فلمّا رجع قلت له: في كنفك كذا وكذا درهما ونحن جياع. فقال: أخذته؟ ردّه. قال لي بعد ذلك: خذه واشتر به شيئا. فقلت له: بحقّ معبودك ما أمر هذه القطع؟ فقال: لم يرزقني الله من الدّنيا شيئا غيرها، فأردت أن أوصي أن تدفن معي، فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله، وأقول: هذا الّذي أعطيتني من الدّنيا. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثنا عبد الواحد بن بكر قال: سمعت أبا بكر الجوّال، سمعت أبا عبد الله الحصريّ يقول: مكث أبو جعفر الحدّاد عشرين سنة يعمل كلّ يوم بدينار، وينفقه على الفقراء ويصوم، ويخرج بين العشائين، فيتصدّق من الأبواب ما يفطر عليه.

стр. 509

قال المصنف ﵀: قلت: لو علم هذا الرّجل أنّ المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل، ولو قدّرنا جوازها، فأين أنفة النّفس من ذلّ الطّلب؟ أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا إسماعيل، ثنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم، حتّى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم» (١). قال أحمد: وحدّثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن الزّبير بن العوّام، قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ الرّجل حبلا فيحتطب، ثمّ يجيء، فيضعه في السّوق، فيبيعه، ثمّ يستغني به، فينفقه على نفسه، خير له من أن يسأل النّاس، أعطوه أو منعوه» (٢). قلت: انفرد به البخاريّ، واتّفقا على الّذي قبله، وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لا تحلّ الصّدقة لغنيّ، ولا لذي مرّة سويّ» (٣). والمرّة: القوّة. وأصلها من شدّة فتل الحبل، يقال: أمررت الحبل: إذا أحكمت فتله. فمعنى المرّة في الحديث: شدّة أمر الخلق، وصحّة البدن الّتي يكون معها احتمال الكلّ والتّعب. قال الشافعيّ ﵁: لا تحلّ الصّدقة لمن يجد قوّة يقدر بها على الكسب. أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، أنبأنا سعد المالينيّ قال: سمعت أبا بكر محمّد بن عبد الواحد الهاشميّ، سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر

стр. 510

الشبليّ يقول: قام أبي ليلة، فترك فرد رجل على السّطح، والأخرى على الدّار، فسمعته يقول: لئن أطرفت لأرمينّ بك إلى الدار. فما زال على تلك الحال حتّى أصبح، فلمّا أصبح قال له: يا بنيّ! ما سمعت الليلة ذاكرا لله إلّا ديكا يساوي دانقين. قال المصنف ﵀: هذا الرّجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان: أحدهما: مخاطرته بنفسه، فلو غلبه النّوم فوقع، كان معينا على نفسه، ولا شكّ أنّه لو رمى بنفسه، كان قد أتى معصية عظيمة، فتعرّضه للوقوع معصية. والثاني: أنّه منع عينه حظّها من النّوم، وقد قال ﷺ : «إنّ لجسدك عليك حقّا، وإنّ لزوجتك عليك حقّا، وإنّ لعينك عليك حقّا» (١). وقال: «إذا نعس أحدكم فليرقد» (٢). ومرّ بحبل قد مدّته زينب، فإذا فترت أمسكت به، فأمر بحلّه، وقال: «ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد» (٣). وقد تقدّمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر الأردستاني، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا العبّاس البغداديّ يقول: كنّا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشّبليّ ونحن أحداث، فأضافنا ليلة فقلنا: بشرط ألا تدخل علينا أباك. فقال: لا يدخل. فدخلنا داره، فلمّا أكلنا إذا نحن بالشّبليّ وبين كلّ أصبعين من أصابعه شمعة - ثمان شموع - فجاء وقعد وسطنا، فاحتشمنا منه، فقال: يا سادة عدّوني فيما بينكم طست شموع.

стр. 511

ثمّ قال: أين غلامي أبو العبّاس؟ فتقدّم إليه، فقال: غنّني الصّوت الّذي كنت تغنّي: ولمّا بلغ الحير … ة حادي جملي حار فقلت احطط بها رحلي … ولا تحفل بمن سار فغنّيته، فتغيّر، وألقى الشّموع من يده، وخرج. أخبرنا ابن ناصر، ثنا هبة الله بن عبد الله الواسطي، نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، نا محمّد بن أحمد بن أبي الفوارس، نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار، قال: خرج الشّبليّ يوم عيد، وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصّب بعصابة وهو يقول: للنّاس فطر وعيد … إنّي فريد وحيد أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا التنوخي، ثنا أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي صابر الدّلّال، قال: وقفت على الشّبليّ في قبّة الشّعراء في جامع المنصور، والناس مجتمعون عليه، فوقف عليه في الحلقة غلام جميل، لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه، يعرف بابن مسلم، فقال له: تنحّ. فلم يبرح، فقال له الثانية: تنحّ يا شيطان عنّا. فلم يبرح، فقال له في الثالثة: تنحّ وإلّا والله خرقت كلّ ما عليك. وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة، فانصرف الفتى، فقال الشبليّ: طرحوا اللّحم للبزا … ة على ذروتي عدن ثمّ لاموا البزاة إذ … خلعوا منهم الرّسن لو أرادوا صلاحنا … ستروا وجهك الحسن قال ابن عقيل: من قال هذا فقد أخطأ طريق الشّرع؛ لأنّه يقول: ما خلق الله هذا الإنسان إلّا للافتتان به، وليس كذلك، وإنّما خلقه للاعتبار والامتحان؛ فإنّ الشّمس خلقت لتضيء لا لتعبد.

стр. 512

وبإسناد عن أحمد بن محمّد النّهاونديّ يقول: مات للشّبليّ ابن ولد، كان اسمه عليّا، فجزّت أمّه شعرها عليه، وكان للشّبليّ لحية كبيرة، فأمر بحلقها جميعها، فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟ فقال: جزّت هذه شعرها على مفقود، ألا أحلق أنا لحيتي على موجود؟ وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال: ربّما كان الشّبليّ يلبس ثيابا مثمّنة، ثمّ ينزعها، ويضعها فوق النّار. قال: وذكر عنه أنّه أخذ قطعة عنبر، فوضعها على النّار يبخّر بها ذنب الحمار. وقال بعضهم: دخلت عليه، فرأيت بين يديه اللّوز والسّكّر يحرقه بالنّار. قال السراج: إنّما أحرقه بالنّار؛ لأنّه كان يشغله عن ذكر الله. قلت: اعتذار السراج عنه أعجب من فعله. قال السراج: وحكي عنه أنّه باع عقارا ففرّق ثمنه، وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا، وسمع قارئا يقرأ: ﴿اِخْسَؤُا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فقال: ليتني كنت واحدا منهم. قلت: وهذا الرّجل ظنّ أنّ الّذي يكلّمهم هو الله تعالى، والله لا يكلّمهم، ثمّ لو كلّمهم كلام إهانة، فأيّ شيء هذا حتّى يطلب؟ قال السراج: وقال الشّبليّ يوما في مجلسه: إنّ لله عبادا لو بزقوا على جهنّم لأطفئوها. قلت: وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد، وكلاهما من إناء واحد. وبإسناد عن أبي عليّ الدّقّاق يقول: بلغني أنّ الشّبليّ اكتحل بكذا وكذا من الملح؛ ليعتاد السّهر، ولا يأخذه النّوم. قال المصنف ﵀: وهذا فعل قبيح، لا يحلّ لمسلم أن يؤذي نفسه، وهو سبب للعمى، ولا تجوز إدامة السّهر؛ لأنّ فيه إسقاط حقّ النّفس، والظّاهر أنّ دوام السّهر والتّقلّل

стр. 513

من الطّعام، أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال. وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي، قال: كساني رجل صوفا، فرأيت على رأس الشّبليّ قلنسوة تليق بذلك الصّوف، فتمنّيتها في نفسي، فلمّا قام الشّبليّ من مجلسه التفت إليّ، فتبعته، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إليّ، فلمّا دخل داره قال: انزع الصّوف. فنزعته، فلفّه وطرح القلنسوة عليه، ودعا بنار فأحرقهما. قلت: وقد حكى أبو حامد الغزاليّ أنّ الشّبليّ أخذ خمسين دينارا، فرماها في دجلة، وقال: ما أعزّك أحد إلّا أذلّة الله. وأنا أتعجّب من أبي حامد أكثر من تعجّبي من الشّبليّ؛ لأنّه ذكر ذلك على وجه المدح، لا على وجه الإنكار، فأين أثر الفقه؟ وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال: حدّثني من كان مجالسا لبنان أنّه قال: تعذّر عليّ قوتي يوما، ولحقني ضرورة، فرأيت قطعة ذهب مطروحة في الطّريق، فأردت أخذها، فقلت: لقطة. فتركتها، ثمّ ذكرت الحديث الّذي يروى: «لو أنّ الدّنيا كانت دما عبيطا، لكان قوت المسلم منها حلالا» (١). فأخذتها، وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد، فإذا أنا بحلقة فيها صبيان، وأحدهم يتكلّم عليهم، فقال له واحد: متى يجد العبد حقيقة الصّدق؟ فقال: إذا رمى القطعة من الشّدق. فأخرجتها من فمي ورميتها. قال المصنف ﵀: لا تختلف الفقهاء أنّ رميه إيّاها لا يجوز، والعجب أنّه رماها بقول صبيّ لا يدري ما قال. وقد حكى أبو حامد الغزاليّ أنّ شقيقا البلخيّ جاء إلى أبي القاسم الزّاهد، وفي طرف كسائه شيء مصرور، فقال: أيّ شيء معك؟ قال: لوزات دفعها إليّ أخ لي وقال: أحبّ أن تفطر عليها. فقال: يا شقيق، وأنت تحدّث نفسك أن تبقى إلى اللّيل، لا

стр. 514

كلّمتك أبدا. فأغلق الباب في وجهي ودخل. قال المصنف ﵀: انظروا إلى هذا الفقه الدّقيق، كيف هجر مسلما على فعل جائز، بل مندوب؛ لأنّ الإنسان مأمور أن يستعدّ لنفسه بما يفطر عليه، واستعداد الشّيء قبل مجيء وقته حزم، ولذلك قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقد ادّخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة (١)، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله، وادّخر الباقي، ولم ينكر عليه؛ فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزّهّاد. وبإسناد عن أحمد بن إسحاق العمانيّ قال: رأيت بالهند شيخا، وكان يعرف بالصّابر، قد أتى عليه مائة سنة، قد غمّض إحدى عينيه، فقلت له: يا صابر، ما بلغ من صبرك؟ قال: إنّي هويت النّظر إلى زينة الدّنيا، فلم أحبّ أن أشتفي منها، فغمّضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها. وقد حكي لنا عن آخر، أنّه فقأ إحدى عينيه، وقال: النّظر إلى الدّنيا بعينين إسراف. قلت: كان قصده أن ينظر إلى الدّنيا بفرد عين، ونحن نسأل الله سلامة العقول. وقد حكى يوسف بن أيوب الهمذانيّ عن شيخه عبد الله الجونيّ، أنّه كان يقول: هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب! بل من موضع الخلاء. وقال: كنت أخدم في الخلاء، فبينما أنا يوما أكنسه وأنظّفه قالت لي نفسي: أذهبت عمرك في هذا. فقلت: أنت تأنفين من خدمة عباد الله. فوسّعت رأس البئر، ورميت نفسي فيها، وجعلت أدخل النّجاسة في فمي، فجاءوا

стр. 515

وأخرجوني وغسلوني. قلت: انظروا إلى هذا المسكين، كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة، واعتقد أنّ تلك الدولة إنّما حصلت بإلقاء نفسه في النّجاسة، وإدخالها في فيه، وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب، وهذا الّذي فعله معصية توجب العقوبة. وفي الجملة: لمّا فقد هؤلاء العلم، كثر تخبيطهم. وبإسناد عن محمّد بن علي الكتاني يقول: دخل الحسين بن منصور مكّة في ابتداء أمره، فجهدنا حتّى أخذنا مرقّعته. قال السّوسيّ: أخذنا منها قملة فوزنّاها، فإذا فيها نصف دانق من كثرة رياضته، وشدّة مجاهدته. قلت: انظروا إلى هذا الجاهل بالنّظافة الّتي حثّ عليها الشّرع، وأباح حلق الشّعر المحظور على المحرم؛ لأجل تأذّيه من القمل، وجبر الحظر بالفدية، وأجهل من هذا من اعتقد هذا رياضته. وبإسناد عن أبي عبد الله بن مفلح يقول: كان عندنا فقير صوفيّ في الجامع، فجاع مرّة جوعا شديدا، فقال: يا ربّ إمّا أن تطعمني، وإمّا أن ترميني بشرف المسجد. فجاء غراب، فجلس على الشّرف، فوقعت عليه من تحت رجله آجرة، فجرى دمه، وكان يمسح الدّم ويقول: إيش تبالي بقتل العالم؟ قلت: قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط، هلّا قام إلى الكسب أو إلى الكدية. وبإسناد عن غلام خليل قال: رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول: أشهدكم على الله هو ذا يقتلني. وسقط ميّتا.

стр. 516

فصل [الملامتية] وفي الصّوفيّة قوم يسمّون الملامتيّة، اقتحموا الذّنوب، وقالوا: مقصودنا أن نسقط من أعين النّاس، فنسلم من الجاه. وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله؛ لمخالفة الشّرع. قال: وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه، ويكتمون أحسن ما هم عليه. وفعلهم هذا من أقبح الأشياء، ولقد قال رسول الله ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله» (١). وقال في حقّ ماعز: «هلّا سترته بثوبك يا هذا؟» (٢). واجتاز على رسول الله ﷺ بعض الصّحابة، وهو يتكلّم مع صفيّة زوجته، فقال له: «إنّها صفيّة» (٣). وقد علّم الناس التّجافي عمّا يوجب سوء الظّنّ؛ فإنّ المؤمنين شهداء الله في الأرض. وخرج حذيفة إلى الجمعة، ففاتته، فرأى النّاس وهم راجعون، فاستتر؛ لئلا يسوء ظنّ النّاس به، وقد قدّمنا هذه. وقال أبو بكر الصّدّيق لرجل قال له: إنّي لمست امرأة وقبّلتها، فقال: تب إلى الله. ولا تحدّث أحدا بذلك. وجاء رجل إلى النّبيّ ﷺ وقال: إنّي أتيت من أجنبيّة ما دون الزّنا يا رسول الله؟ قال:

стр. 517

«ألم تصلّ معنا؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ألم تعلم أنّ الصّلاتين تكفّر ما بينهما؟» (١). وقال رجل لبعض الصّحابة: إنّي فعلت كذا وكذا من الذّنوب. فقال: لقد ستر الله عليك، لو سترت على نفسك. فهؤلاء قد خالفوا الشريعة، وأرادوا قطع ما جبلت عليه النّفوس. وقد اندسّ في الصّوفيّة أهل الإباحة، فتشبّهوا بهم؛ حفظا لدمائهم، وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: كفّار. فمنهم: قوم لا يقرّون بالله . ومنهم: من يقرّ به، ولكن يجحد النّبوّة، ويرى أنّ ما جاء به الأنبياء محال، وهؤلاء لمّا أرادوا إمراح أنفسهم في شهواتها، لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم، ويستترون به، وينالون فيه أغراض النّفوس، كمذهب التّصوّف، فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة، وليس لهؤلاء إلّا السّيف لعنهم الله. والقسم الثاني: قوم يقرّون بالإسلام، إلّا أنّهم ينقسمون قسمين: القسم الأول: يقلّدون في أفعالهم لشيوخهم، من غير اتّباع دليل ولا شبهة، فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه. القسم الثالث: قوم عرضت لهم شبهات، فعلموا بمقتضاها، والأصل الّذي نشأت منه شبهاتهم، أنّهم لمّا همّوا بالنّظر في مذاهب الناس، لبّس عليهم إبليس، فأراهم أنّ الشّبهة تعارض الحجج، وأنّ التّمييز يعسر، وأنّ المقصود أجلّ من أن ينال بالعلم، وإنّما الظّفر به

стр. 518

رزق يساق إلى العبد لا بالطّلب، فسدّ عليهم باب النّجاة الّذي هو طلب العلم، فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرّافضيّ اسم أبي بكر وعمر. ويقولون: العلم حجاب، والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم. فإن أنكر عليهم عالم، قالوا لأتباعهم: هذا موافق لنا في الباطن، وإنّما يظهر ضدّ ما نحن فيه للعوام الضّعاف العقول، فإن جدّ في خلافهم قالوا: هذا أبله مقيّد بقيود الشّريعة محجوب عن المقصود. ثمّ عملوا على شبهات وقعت لهم، ولو فطنوا لعلموا أنّ عملهم بمقتضى شبهاتهم علم، فقد بطل إنكارهم العلم، وأنا أذكر شبهاتهم، وأكشفها إن شاء الله تعالى، وهي ستّ شبهات: الشّبهة الأولى: أنّهم قالوا: إذا كانت الأمور مقدّرة في القدم، وأنّ أقواما خصّوا بالسّعادة، وأقواما بالشّقاوة، والسّعيد لا يشقى، والشّقيّ لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها، بل لاجتلاب السّعادة، ودفع الشّقاوة، وقد سبقنا وجود الأعمال، فلا وجه لإتعاب النّفس في عمل، ولا نكفّها عن ملذوذ؛ لأنّ المكتوب في القدر واقع لا محالة. والجواب عن هذه الشّبهة، أن يقال لهم: هذه ردّ لجميع الشّرائع، وإبطال لجميع أحكام الكتب، وتبكيت للأنبياء كلّهم فيما جاءوا به؛ لأنّه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، قال القائل: لماذا؟ إن كنت سعيدا فمصيري إلى السّعادة، وإن كنت شقيّا فمصيري إلى الشّقاوة، فما تنفعني إقامة الصلاة؟! وكذلك إذا قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢]. ويقول القائل: لماذا أمنع نفسي ملذوذها، والسّعادة والشّقاوة مقضيّتان قد فرغ منهما، وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ (١٨) [النازعات: ١٨] مثل هذا

стр. 519

الكلام، ثمّ يترقّى إلى الخالق فيقول: ما فائدة إرسال الرّسل وسيجري ما قدّرته؟ وما يفضي إلى ردّ الكتب وتجهيل الرّسل محال باطل، ولهذا كان ردّ الرّسول ﷺ على أصحابه حين قالوا: ألا نتّكل؟ فقال: «اعملوا، فكلّ ميسّر لما خلق له» (١). واعلم أنّ للآدميّ كسبا هو اختيار، فعليه يقع الثّواب والعقاب، فإذا خالف تبيّن لنا أنّ الله قضى في السّابق بأن يخالفه، وإنّما يعاقبه على خلافه، لا على قضائه، ولهذا يقتل القاتل، ولا يعتذر له بالقدر، وإنّما ردّهم الرّسول عن ملاحظة القدر إلى العمل؛ لأنّ الأمر والنّهي حال ظاهر، والمقدّر من ذلك أمر باطن، وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف، إلى ما لا نعلمه من المقضيّ. وقوله: «فكلّ ميسّر لما خلق له» إشارة إلى أسباب القدر؛ فإنّه من قضي له بالعلم، يسّر له طلبه وحبّه وفهمه، ومن حكم له بالجهل، نزع حبّ العلم من قلبه، وكذلك من قضي له بولد، يسّر له النّكاح، ومن لم يقض له بولد لم ييسّر له. الشبهة الثانية: أنّهم قالوا: إنّ الله مستغن عن أعمالنا غير متأثّر بها، معصية كانت أو طاعة، فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة. وجواب هذه الشّبهة أن نجيب أوّلا بالجواب الأوّل، ونقول: هذا ردّ على الشّرع فيما أمر به، فكأنّا قلنا للرسول وللمرسل: لا فائدة فيما أمرتنا به. ثمّ نتكلّم عن الشّبهة فنقول: من يتوهّم أنّ الله - جل وعلا - ينتفع بطاعة أو يتضرّر بمعصية، أو ينال بذلك غرضا، فما عرف الله ﷻ لأنّه مقدّس عن الأغراض، ومن انتفاع أو ضرر، وإنّما نفع الأعمال تعود على أنفسنا، كما قال : ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، ﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]، وإنّما يأمر الطّبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض، لا

стр. 520

لمصلحة الطّبيب، وكما أنّ للبدن مصالح من الأغذية، ومضارّ، فللنّفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل، فالشّرع كالطّبيب، فهو أعرف بما يأمر به من المصالح. هذا مذهب من علّل، وأكثر العلماء قالوا: أفعاله لا تعلّل. وجواب آخر: وهو أنّه إذا كان غنيّا عن أعمالنا، كان غنيّا عن معرفتنا له، وقد أوجب علينا معرفته، فكذلك أوجب طاعته، فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره. الشّبهة الثالثة: قالوا: قد ثبت سعة رحمة الله وهي لا تعجز عنّا، فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها. فالجواب كالجواب الأوّل؛ لأنّ هذا القول يتضمّن اطّراح ما جاء به الرّسل من الوعيد، وتهوين ما شدّدت في التّحذير منه في ذلك، وبالغت في ذكر عقابه. وممّا يكشف التّلبيس في هذا أنّ الله كما وصف نفسه بالرّحمة، وصفها بشديد العقاب، ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع، ويؤخذون بالزّلل، وكيف وقد خافه من قطع له بالنّجاة؟ فالخليل يقول يوم القيامة: نفسي نفسي. والكليم يقول: نفسي نفسي. وهذا عمر ﵁ يقول: الويل لعمر إن لم يغفر له. واعلم أنّ من رجا الرّحمة تعرّض لأسبابها؛ فمن أسبابها التّوبة من الزّلل، كما أنّ من رجا أن يحصد زرع، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، يعني: أنّ الرّجاء بهؤلاء يليق، وأمّا المصرّون على الذّنوب، وهم يرجون الرّحمة، فرجاؤهم بعيد، وقد قال ﵊: «الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها،

стр. 521

وتمنّى على الله الأمانيّ» (١). وقد قال معروف الكرخيّ: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق. واعلم أنّه ليس في الأفعال الّتي تصدر من الحق ما يوجب أن يؤمن عقابه، إنّما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته، وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه، لا يحسن الطّمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه؛ فإنّ من قطع أشرف عضو بربع دينار، لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا. الشبهة الرابعة: أنّ قوما منهم وقع لهم أنّ المراد رياضة النّفوس، لتتخلّص من أكدارها المردية، فلمّا راضوها مدّة ورأوا تعذّر الصّفاء قالوا: ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر؟ فتركوا العمل. وكشف هذا التّلبيس أنّهم ظنّوا أنّ المراد قمع ما في البواطن، من الصّفات البشريّة، مثل: قمع الشّهوة، والغضب، وغير ذلك، وليس هذا مراد الشّرع، ولا يتصوّر إزالة ما في الطّبع بالرّياضة، وإنّما خلقت الشّهوات لفائدة؛ إذ لولا شهوة الطّعام هلك الإنسان، ولولا شهوة النّكاح انقطع النّسل. ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وكذلك حبّ المال مركوز في الطّباع؛ لأنّه يوصّل إلى الشّهوات، وإنّما المراد من الرياضة كفّ النّفس عمّا يؤذي من جميع ذلك، وردّها إلى الاعتدال فيه، وقد مدح الله من نهى النّفس عن الهوى، وإنّما تنتهي عمّا تطلبه، ولو كان طلبه قد زال عن طبعها، احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله : ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وما قال: والفاقدين الغيظ.

стр. 522

والكظم: ردّ الغيظ. يقال: كظم البعير على جرّته: إذا ردّها في حلقه. فمدح من ردّ النّفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ؛ فمن ادّعى أنّ الرّياضة تغيّر الطّباع ادّعى المحال، وإنّما المقصود بالرّياضة كسر شره شهوة النّفس والغضب، لا إزالة أصلها، والمرتاض كالطّبيب العاقل عند حضور الطّعام، يتناول ما يصلحه، ويكفّ عمّا يؤذيه، وعادم الرّياضة كالصّبيّ الجاهل، يأكل ما يشتهي، ولا يبالي بما جنى. الشّبهة الخامسة: أنّ قوما منهم أداموا على الرّياضة مدّة، فرأوا أنّهم قد تجوهروا، فقالوا: لا نبالي الآن عمّا عملنا، وإنّما الأوامر والنّواهي رسوم للعوامّ، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، قالوا: وحاصل النّبوّة ترجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوامّ، ولسنا من العوامّ، فندخل في حجر التّكليف؛ لأنّا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة. وهؤلاء قد رأوا أنّ من أثر جوهرهم ارتفاع الحميّة عنهم، حتّى إنّهم قالوا: إنّ رتبة الكمال لا تحصل إلّا لمن رأى أهله مع أجنبيّ، فلم يقشعرّ جلده، فإن اقشعرّ جلده فهو ملتفت إلى حظّ نفسه، ولم يكمل بعد؛ إذ لو كمل لماتت نفسه فسمّوا الغيرة نفسا، وسمّوا ذهاب الحميّة الّذي هو وصف المخانيث كمال الإيمان. قد ذكر ابن جرير في «تاريخه» أنّ الرّوانديّة كانوا يستحلّون الحرمات، فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته، فيطعمهم ويسقيهم، ويحملهم على امرأته. وكشف هذه الشّبهة أنّه ما دامت الأشباح قائمة، فلا سبيل إلى ترك الرّسوم الظّاهرة من التّعبّد؛ فإنّ هذه الرّسوم وضعت لمصالح النّاس، وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطّبع، إلّا أنّ الكدر يرسب مع الدّوام على الخير ويركد، فأقلّ شيء يحرّكه، كالمدرة تقع في الماء الّذي تحته حمأة، وما مثل هذا الطّبع إلّا كالماء، يجري بسفينة النّفس، والعقل مداد، ولو أنّ المداد مدّ عشرين فرسخا ثمّ أهمل، عادت السّفينة تنحدر.

стр. 523

ومن ادّعى تغيّر طبعه كذب، ومن قال: إنّي لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة، لم يصدّق، كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم، تغيّروا؟ فأين تأثير العقل والهوى يقودهم؟! وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النّساء، وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح المرأة (١). وبلغنا عن جماعة منهم أنّهم يؤاخون النّساء، ويخلون بهنّ، ثمّ يدّعون السّلامة، وقد رأوا أنّهم يسلمون عن الفاحشة، وهيهات، فأين السّلامة من إثم الخلوة المحرّمة، والنظر الممنوع منه؟ وأين الخلاص من جولان الفكر الرّديء؟ وقد قال عمر بن الخطّاب ﵁: لو خلا عظمان نخران، لهمّ أحدهم بالآخر. يشير إلى الشّيخ والعجوز. وبإسناد عن ابن شاهين قال: ومن الصّوفيّة قوم أباحوا الفروج، بادّعاء الأخوّة، فيقول أحدهم للمرأة: تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا. قلت: وقد روى لنا أبو عبد الله محمّد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب «رياضة النّفوس» قال: روي لنا أنّ سهل بن علي المروزيّ كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدّار: استتري منّي زمانا. ثمّ قال لها: كوني كيف شئت. قال الترمذي: وكان ذلك منه حين وجد شهوته قلّت. أمّا موت الشّهوة، هذا لا يتصوّر مع حياة الآدميّ، وإنّما يضعف، والإنسان قد يضعف عن الجماع، ولكنّه يشتهي اللّمس والنّظر. ثمّ يقدّر أنّ جميع ذلك ارتفع عنه، أليس نهى الشّرع عن النّظر؟ والنّظر باق، وهو عامّ.

стр. 524

وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلميّ قال: قيل لأبي نصر النصر آباذي: إنّ بعض النّاس يجالس النّسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهنّ. فقال: ما دامت الأشباح قائمة، فإنّ الأمر والنّهي باق، والتّحليل والتّحريم مخاطب به، ولن يجترئ على الشّبهات إلّا من يتعرّض للمحرّمات. وقد قال أبو علي الروذباري، وسئل عمّن يقول: وصلت إلى درجة لا تؤثّر فيّ اختلاف الأحوال، فقال: قد وصل، ولكن إلى سقر. وبإسناد عن الجريري، يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة، فقال الرجل: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البرّ والتّقرّب إلى الله . فقال الجنيد: إنّ هذا قول قوم تكلّموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والّذي يسرق ويزني أحسن حالا من الّذي يقول هذا، وإنّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام، لم أنقص من أعمال البرّ ذرّة، إلّا أن يحال بي دونها؛ لأنّه أوكد في معرفتي به، وأقوى في حالي. وبإسناد عن أبي محمّد المرتعش يقول: سمعت أبا الحسين النّوريّ يقول: من رأيته يدّعي مع الله حالة تخرجه عن حدّ علم شرعيّ، فلا تقربنّه، ومن رأيته يدّعي حالة باطنة لا يدلّ عليها ويشهد لها حفظ ظاهر، فاتّهمه على دينه. الشبهة السادسة: أنّ أقواما بالغوا في الرّياضة، فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة، أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة، فاعتقدوا أنّهم قد وصلوا إلى المقصود، وقد وصلنا فما يضرّنا شيء، ومن وصل إلى الكعبة انقطع عن السّير، فتركوا الأعمال، إلّا أنّهم يزيّنون ظواهرهم بالمرقّعة والسّجّادة والرّقص والوجد، ويتكلّمون بعبارات الصّوفيّة في المعرفة والوجد والشّوق.

стр. 525

وجوابهم: هو جواب الّذين قبلهم. قال ابن عقيل: اعلم أنّ النّاس شردوا على الله وبعدوا عن وضع الشّرع إلى أوضاعهم المخترعة. فمنهم: من عبد سواه تعظيما له عن العبادة، وجعلوا تلك وسائل على زعمهم. ومنهم: من وحّد إلّا أنّه أسقط العبادات، وقال: هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف. وهذا نوع شرك؛ لأنّ الله لمّا عرف أنّ معرفته ذات قعر بعيد، وجوّ عال، وبعيد أن يتّقي من لم يعرف خوف النّار؛ لأنّ الخلق قد عرفوا قدر لذعها، وقال لأهل المعرفة: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وعلم أنّ المتعبّدات أكثرها تقتضي الأنس بالأمثال، ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للإنساك والاستقبال، فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ [الحج: ٣٧]- فعلم أنّ المعوّل على المقاصد، ولا يكفي مجرّد المعارف من غير امتثال، كما تعوّل عليه الملحدة الباطنيّة وشطّاح الصّوفيّة. وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: أخبرني جماعة من أهل العلم أنّ بشيراز رجلا يعرف بابن خفيف البغداديّ شيخ الصّوفيّة هناك، يجتمعون إليه، ويتكلّم على الخطرات والوساوس، ويحضر حلقته ألوف من الناس، وأنّه فاره فهم حاذق، فاستغوى الضّعفاء من الناس إلى هذا المذهب. قال: فمات رجل منهم من أصحابه، وخلّف زوجة صوفيّة، فاجتمع النّساء الصّوفيّات، وهنّ خلق كثير، ولم يختلط بمأتمهنّ غيرهنّ، فلمّا فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف، وخواصّ أصحابه - وهم عدد كثير - إلى الدّار، وأخذ يعزّي المرأة بكلام الصّوفيّة، إلى أن قالت: قد تعزّيت.

стр. 526

فقال لها: هاهنا غير. فقالت: لا غير. قال: فما معنى إلزام النّفوس آفات الغموم، وتعذيبها بعذاب الهموم؟ ولأيّ معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار، وتصفو الأرواح، وتقع الإخلافات، وتنزل البركات؟ قال: فقلن النّساء: إذا شئت. قال: فاختلط جماعة الرّجال بجماعة النّساء طول ليلتهم، فلمّا كان سحر خرجوا. قال المحسن: قوله: هاهنا غير. أي: هاهنا غير موافق المذهب. فقالت: لا غير. أي: غيرا مخالفا. وقوله: نترك الامتزاج. كناية عن الممازجة في الوطء. وقوله: لتلتقي الأنوار. عندهم أنّ في كلّ جسم نورا إلهيّا. وقوله: الإخلافات. أي: يكون لكنّ خلف ممّن مات أو غاب من أزواجكنّ. قال المحسن: وهذا عندي عظيم، ولولا أنّ جماعة يخبرونني يبعدون عن الكذب ما حكيته؛ لعظمه عندي، واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام. قال: وبلغني أنّ هذا ومثله شاع حتّى بلغ عضد الدّولة، فقبض على جماعة منهم، وضربهم بالسّياط، وشرّط جموعهم، فكفّوا. ولمّا قلّ علم الصّوفيّة بالشّرع، فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحلّ مثل ما قد ذكرنا، ثمّ تشبّه بهم من ليس منهم، وتسمّى بأسمائهم، وصدر عنهم مثل ما قد حكينا، وكان الصّالح منهم نادرا، ذمّهم خلق من العلماء وعابوهم حتّى عابوهم مشائخهم. وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبيّ قال: كنّا عند مالك، فذكرت له صوفيّين في بلادنا، فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن، ويفعلون كذا. قال: ويحك! ومسلمون هم؟ قال: فضحك حتّى استلقى، قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا، ما رأينا أعظم فتنة على

стр. 527

هذا الشّيخ منك، ما رأيناه ضاحكا قطّ. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشّافعيّ يقول: لو أنّ رجلا تصوّف أوّل النّهار، لا يأتي الظّهر حتّى يصير أحمق. وعنه أيضا أنّه قال: ما لزم أحد الصّوفيّة أربعين يوما، فعاد عقله إليه أبدا. وأنشد الشّافعيّ: ودع الّذين إذا أتوك تنسّكوا … وإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف وبإسناد عن حاتم قال: حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيّا فيه خير، إلّا واحدا، عبد الله بن مرزوق. قال: وأنا أرقّ لهم. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت صوفيّا عاقلا إلّا إدريس الخولاني. قال السلميّ: هو مصريّ من قدماء مشايخهم قبل ذي النّون. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: صحبت الصّوفية ثلاثين سنة، ما رأيت فيهم عاقلا إلّا مسلما الخواص. وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول: حدّثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: سمعت عاصما يقول: ما زلنا نعرف الصّوفيّة بالحماقة، إلّا أنّهم يستترون بالحديث. وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول: قال لي وكيع: لم تركت حديث هشام؟ قلت: صحبت قوما من الصّوفيّة، وكنت بهم معجبا. قالوا: إن لم تمح حديث هشام، قاطعناك فأطعتهم. قال: إنّ فيهم حمقا. وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال: الخوارج أحبّ إليّ من الصّوفيّة. وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من النّاس: العلماء

стр. 528

الغافلين، والفقراء المداهنين، والمتصوّفة الجاهلين. وقد ذكرنا في أوّل ردّنا على الصّوفيّة من هذا الكتاب: أنّ الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النّون ما كان يتكلّم به، وببسطام على أبي يزيد، وأخرجوه، وأخرجوا أبا سليمان الدّارانيّ. وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري، وسهل التستريّ؛ وذلك لأنّ السّلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة، ويهجرون عليها؛ تمسّكا بالسّنّة، ولقد حدّثني أبو الفتح بن السمريّ، قال: جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات، فأقبل الشّيخ أبو الخطاب الكلوذانيّ الفقيه متوكّئا على يدي، حتّى وقف بباب الرّباط، وقال: يعزّ عليّ لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء، وأنا أدخل هذا الرّباط. قلت: على هذا كان أشياخنا. فأمّا في زماننا فقد اصطلح الذّئب والغنم. قال ابن عقيل: نقلته من خطّه وأنا أذمّ الصّوفيّة لوجوه يوجب الشّرع ذمّ فعلها. منها أنّهم اتّخذوا مناخ البطالة، وهي الأربطة، فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد، فلا هي مساجد ولا بيوت، ولا خانات، وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش، وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشّرب والرّقص والغناء، وعوّلوا على التّرقيع المعتمد به التّحسين تلميعا، والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوامّ، والنّسوة من تلميع السّقلاطون بألوان الحرير. واستمالوا النّسوة والمردان بتصنّع الصّور واللّباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلّا عن فساد قلوب النّسوة على أزواجهنّ، ثمّ يقبلون الطّعام، والنفقات من الظّلمة، والفجّار، وغاصبي الأموال، كالعداد والأجناد وأرباب المكوس، ويستصحبون المردان في السّماعات، يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشّموع، ويخالطون النّسوة الأجانب، ينصبون

стр. 529

لذلك حجّة إلباسهنّ الخرقة. ويستحلّون - بل يوجبون - اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه، ويسمّون الطّرب وجدا، والدّعوة وقتا، واقتسام ثياب النّاس حكما، ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلّا عن إلزام دعوة أخرى، يقولون: إنّها وجبت، واعتقاد ذلك كفر، وفعله فسوق. ويعتقدون أنّ الغناء بالقضبان قربة، وقد سمعنا عنهم أنّ الدّعاء عند حدوّ الحادي، وعند حضور المخدّة مجاب؛ اعتقادا منهم أنّه قربة، وهذا كفر أيضا؛ لأنّ من اعتقد المكروه والحرام قربة، كان بهذا الاعتقاد كافرا، والناس بين تحريمه وكراهيته. ويسلّمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عوّلوا إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحد من حلّ رسن ذلك الشّيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمّنة للكفر والضّلال المسمّى شطحا، وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا. فإن قبّل أمردا قيل: رحمة، وإن خلا بأجنبيّة قيل: بنته، وقد لبست الخرقة، وإن قسّم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل: حكم الخرقة. وليس لنا شيخ نسلّم إليه حاله؛ إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التّكليف، وأنّ المجانين والصّبيان يضرب على أيديهم، وكذلك البهائم، والضّرب بدل من الخطاب، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله، لكان ذلك الشّيخ أبا بكر الصّدّيق ﵁، وقد قال: إن اعوججت فقوّموني. ولم يقل: فسلّموا إليّ. ثمّ انظر إلى رسول الله - صلوات الله عليه - كيف اعترضوا عليه؛ فهذا عمر يقول: ما بالنا نقصر، وقد أمنّا؟ وآخر يقول: تنهانا عن الوصال وتواصل؟ وآخر يقول: أمرتنا بالفسخ، ولم تفسخ! ثمّ إنّ الله تعالى تقول له الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ﴾

стр. 530

﴿فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، ويقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وإنّما هذه الكلمة جعلها الصّوفيّة ترفيها لقلوب المتقدّمين، وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]. ولعلّ هذه الكلمة من القائلين منهم بأنّ العبد إذا عرف لم يضرّه ما فعل. وهذه نهاية الزّندقة؛ لأنّ الفقهاء أجمعوا على أنّه لا حالة ينتهي إليها العارف إلّا ويضيق عليه التّكليف، كأحوال الأنبياء يضايقون في الصّغائر. فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرّغ الخالين من الإثبات، وإنّما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمّال مرقّعات وصوف، وبين أعمال الخلعاء الملحدة، أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشّرع. ولم تتجاسر الزّنادقة أن ترفض الشّريعة، حتّى جاءت المتصوّفة، فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة. فأوّل ما وضعوا: أسماء، وقالوا: حقيقة وشريعة، وهذا قبيح؛ لأنّ الشّريعة ما وضعه الحقّ لمصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النّفوس من إلقاء الشّياطين، وكلّ من رام الحقيقة في غير الشّريعة فمغرور مخدوع. وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا: مساكين، أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الّذي لا يموت. فمن قال: حدّثني أبي عن جدّي قلت: حدّثني قلبي عن ربّي. فهلكوا، وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال؛ لأنّ الفقهاء كالأطبّاء، والنّفقة في ثمن الدّواء صعبة، والنّفقة على هؤلاء كالنّفقة على المغنّيات. وبعضهم الفقهاء أكبر الزّندقة؛ لأنّ الفقهاء يحظرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم،
следующие страницы →