← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فقال لها: هاهنا غير. فقالت: لا غير. قال: فما معنى إلزام النّفوس آفات الغموم، وتعذيبها بعذاب الهموم؟ ولأيّ معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار، وتصفو الأرواح، وتقع الإخلافات، وتنزل البركات؟ قال: فقلن النّساء: إذا شئت. قال: فاختلط جماعة الرّجال بجماعة النّساء طول ليلتهم، فلمّا كان سحر خرجوا. قال المحسن: قوله: هاهنا غير. أي: هاهنا غير موافق المذهب. فقالت: لا غير. أي: غيرا مخالفا. وقوله: نترك الامتزاج. كناية عن الممازجة في الوطء. وقوله: لتلتقي الأنوار. عندهم أنّ في كلّ جسم نورا إلهيّا. وقوله: الإخلافات. أي: يكون لكنّ خلف ممّن مات أو غاب من أزواجكنّ. قال المحسن: وهذا عندي عظيم، ولولا أنّ جماعة يخبرونني يبعدون عن الكذب ما حكيته؛ لعظمه عندي، واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام. قال: وبلغني أنّ هذا ومثله شاع حتّى بلغ عضد الدّولة، فقبض على جماعة منهم، وضربهم بالسّياط، وشرّط جموعهم، فكفّوا. ولمّا قلّ علم الصّوفيّة بالشّرع، فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحلّ مثل ما قد ذكرنا، ثمّ تشبّه بهم من ليس منهم، وتسمّى بأسمائهم، وصدر عنهم مثل ما قد حكينا، وكان الصّالح منهم نادرا، ذمّهم خلق من العلماء وعابوهم حتّى عابوهم مشائخهم. وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبيّ قال: كنّا عند مالك، فذكرت له صوفيّين في بلادنا، فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن، ويفعلون كذا. قال: ويحك! ومسلمون هم؟ قال: فضحك حتّى استلقى، قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا، ما رأينا أعظم فتنة على

стр. 527

هذا الشّيخ منك، ما رأيناه ضاحكا قطّ. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشّافعيّ يقول: لو أنّ رجلا تصوّف أوّل النّهار، لا يأتي الظّهر حتّى يصير أحمق. وعنه أيضا أنّه قال: ما لزم أحد الصّوفيّة أربعين يوما، فعاد عقله إليه أبدا. وأنشد الشّافعيّ: ودع الّذين إذا أتوك تنسّكوا … وإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف وبإسناد عن حاتم قال: حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيّا فيه خير، إلّا واحدا، عبد الله بن مرزوق. قال: وأنا أرقّ لهم. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت صوفيّا عاقلا إلّا إدريس الخولاني. قال السلميّ: هو مصريّ من قدماء مشايخهم قبل ذي النّون. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: صحبت الصّوفية ثلاثين سنة، ما رأيت فيهم عاقلا إلّا مسلما الخواص. وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول: حدّثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: سمعت عاصما يقول: ما زلنا نعرف الصّوفيّة بالحماقة، إلّا أنّهم يستترون بالحديث. وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول: قال لي وكيع: لم تركت حديث هشام؟ قلت: صحبت قوما من الصّوفيّة، وكنت بهم معجبا. قالوا: إن لم تمح حديث هشام، قاطعناك فأطعتهم. قال: إنّ فيهم حمقا. وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال: الخوارج أحبّ إليّ من الصّوفيّة. وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من النّاس: العلماء

стр. 528

الغافلين، والفقراء المداهنين، والمتصوّفة الجاهلين. وقد ذكرنا في أوّل ردّنا على الصّوفيّة من هذا الكتاب: أنّ الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النّون ما كان يتكلّم به، وببسطام على أبي يزيد، وأخرجوه، وأخرجوا أبا سليمان الدّارانيّ. وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري، وسهل التستريّ؛ وذلك لأنّ السّلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة، ويهجرون عليها؛ تمسّكا بالسّنّة، ولقد حدّثني أبو الفتح بن السمريّ، قال: جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات، فأقبل الشّيخ أبو الخطاب الكلوذانيّ الفقيه متوكّئا على يدي، حتّى وقف بباب الرّباط، وقال: يعزّ عليّ لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء، وأنا أدخل هذا الرّباط. قلت: على هذا كان أشياخنا. فأمّا في زماننا فقد اصطلح الذّئب والغنم. قال ابن عقيل: نقلته من خطّه وأنا أذمّ الصّوفيّة لوجوه يوجب الشّرع ذمّ فعلها. منها أنّهم اتّخذوا مناخ البطالة، وهي الأربطة، فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد، فلا هي مساجد ولا بيوت، ولا خانات، وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش، وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشّرب والرّقص والغناء، وعوّلوا على التّرقيع المعتمد به التّحسين تلميعا، والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوامّ، والنّسوة من تلميع السّقلاطون بألوان الحرير. واستمالوا النّسوة والمردان بتصنّع الصّور واللّباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلّا عن فساد قلوب النّسوة على أزواجهنّ، ثمّ يقبلون الطّعام، والنفقات من الظّلمة، والفجّار، وغاصبي الأموال، كالعداد والأجناد وأرباب المكوس، ويستصحبون المردان في السّماعات، يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشّموع، ويخالطون النّسوة الأجانب، ينصبون

стр. 529

لذلك حجّة إلباسهنّ الخرقة. ويستحلّون - بل يوجبون - اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه، ويسمّون الطّرب وجدا، والدّعوة وقتا، واقتسام ثياب النّاس حكما، ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلّا عن إلزام دعوة أخرى، يقولون: إنّها وجبت، واعتقاد ذلك كفر، وفعله فسوق. ويعتقدون أنّ الغناء بالقضبان قربة، وقد سمعنا عنهم أنّ الدّعاء عند حدوّ الحادي، وعند حضور المخدّة مجاب؛ اعتقادا منهم أنّه قربة، وهذا كفر أيضا؛ لأنّ من اعتقد المكروه والحرام قربة، كان بهذا الاعتقاد كافرا، والناس بين تحريمه وكراهيته. ويسلّمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عوّلوا إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحد من حلّ رسن ذلك الشّيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمّنة للكفر والضّلال المسمّى شطحا، وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا. فإن قبّل أمردا قيل: رحمة، وإن خلا بأجنبيّة قيل: بنته، وقد لبست الخرقة، وإن قسّم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل: حكم الخرقة. وليس لنا شيخ نسلّم إليه حاله؛ إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التّكليف، وأنّ المجانين والصّبيان يضرب على أيديهم، وكذلك البهائم، والضّرب بدل من الخطاب، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله، لكان ذلك الشّيخ أبا بكر الصّدّيق ﵁، وقد قال: إن اعوججت فقوّموني. ولم يقل: فسلّموا إليّ. ثمّ انظر إلى رسول الله - صلوات الله عليه - كيف اعترضوا عليه؛ فهذا عمر يقول: ما بالنا نقصر، وقد أمنّا؟ وآخر يقول: تنهانا عن الوصال وتواصل؟ وآخر يقول: أمرتنا بالفسخ، ولم تفسخ! ثمّ إنّ الله تعالى تقول له الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ﴾

стр. 530

﴿فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، ويقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وإنّما هذه الكلمة جعلها الصّوفيّة ترفيها لقلوب المتقدّمين، وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]. ولعلّ هذه الكلمة من القائلين منهم بأنّ العبد إذا عرف لم يضرّه ما فعل. وهذه نهاية الزّندقة؛ لأنّ الفقهاء أجمعوا على أنّه لا حالة ينتهي إليها العارف إلّا ويضيق عليه التّكليف، كأحوال الأنبياء يضايقون في الصّغائر. فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرّغ الخالين من الإثبات، وإنّما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمّال مرقّعات وصوف، وبين أعمال الخلعاء الملحدة، أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشّرع. ولم تتجاسر الزّنادقة أن ترفض الشّريعة، حتّى جاءت المتصوّفة، فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة. فأوّل ما وضعوا: أسماء، وقالوا: حقيقة وشريعة، وهذا قبيح؛ لأنّ الشّريعة ما وضعه الحقّ لمصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النّفوس من إلقاء الشّياطين، وكلّ من رام الحقيقة في غير الشّريعة فمغرور مخدوع. وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا: مساكين، أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الّذي لا يموت. فمن قال: حدّثني أبي عن جدّي قلت: حدّثني قلبي عن ربّي. فهلكوا، وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال؛ لأنّ الفقهاء كالأطبّاء، والنّفقة في ثمن الدّواء صعبة، والنّفقة على هؤلاء كالنّفقة على المغنّيات. وبعضهم الفقهاء أكبر الزّندقة؛ لأنّ الفقهاء يحظرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم،

стр. 531

والحقّ يثقل كما تثقل الزّكاة، وما أخفّ البذل على المغنّيات، وإعطاء الشّعراء على المدائح. وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث، وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر بشيء سمّوه الحشيش والمعجون، والغناء المحرّم سمّوه السّماع والوجد، والتّعرّض بالوجد المزيل للعقل حرام. كفى الله الشّريعة شرّ هذه الطّائفة الجامعة بين دهمثة في اللّبس، وطيبة في العيش، وخداع بألفاظ معسولة، ليس تحتها سوى إهمال التّكليف، وهجران الشّرع، ولذلك خفّوا على القلوب، ولا دلالة على أنّهم أرباب باطل، أوضح من محبّة طباع الدّنيا لهم، كمحبّتهم أرباب اللهو والمغنّيات. قال ابن عقيل: فإن قال قائل: هم أهل النّظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق. قال: فقلت لهم: لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم، لم يدم لهم عيش، والّذي وصفتهم به رهبانيّة النّصرانيّة، ولو رأيت نظافة أهل التّطفيل على الموائد، ومخانيث بغداد، ودماثة المغنّيات - لعلمت أنّ طريقهم طريقة الفكاهة، والخداع، وهل يخدع النّاس إلّا بطريقة أو لسان، فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم، ولا طريقة، فبماذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال. واعلم أنّ حمل التّكليف صعب، ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة، ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر عن أوامر الشّرع ونواهيه، وما على الشّريعة أضرّ من المتكلّمين والمتصوّفين، فهؤلاء يفسدون عقائد النّاس بتوهيمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال، ويهدمون قوانين الأديان، ويحبّون البطالات وسماع الأصوات، وما كان السّلف كذلك، بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم، وفي الباب الآخر أرباب جدّ.

стр. 532

وقال: ونصيحتي إلى إخواني، ألّا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلّمين، ولا تصغى مسامعهم إلى خرافات المتصوّفين، بل الشّغل بالمعاش أولى من بطالة الصّوفيّة، والوقوف على الظّواهر أحسن من توغّل المنتحلة، وقد خبّرت طريقة الفريقين؛ فغاية هؤلاء الشّكّ، وغاية هؤلاء الشّطح. قال ابن عقيل: والمتكلّمون عندي خير من الصّوفيّة؛ لأنّ المتكلّمين قد يزيلون الشّكّ، والصّوفيّة يوهمون التّشبيه؛ فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السّفارة والنّبوّات. فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت، فقد طعنوا في النّبوّات، وعوّلوا على الواقع، ومتى أزري على طريق، سقط الأخذ به. ومن قال: حدّثني قلبي عن ربّي، فقد صرّح أنّه غنيّ عن الرّسول، ومن صرّح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشّريعة، تحتها هذه الزّندقة، ومن رأيناه يزري على النّقل، علمنا أنّه قد عطّل أمر الشّرع، وما يؤمن هذا القائل: حدّثني قلبي عن ربّي، أن يكون ذلك من إلقاء الشّياطين، فقد قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا هو الظّاهر؛ لأنّه ترك الدّليل المعصوم، وعوّل على ما يلقى في قلبه الّذي لم تثبت حراسته من الوساوس، وهؤلاء يسمّون ما يقرّبهم خاطرا. قال: والخوارج على الشّريعة كثير، إلّا أنّ الله يؤيّديها بالنّقلة الحفّاظ الذّابّين عن الشّريعة؛ حفظا لأصلها، وبالفقهاء لمعانيها: وهم سلاطين العلماء، لا يتركون لكذّاب رأسا ترتفع. قال ابن عقيل: والناس يقولون: إذا أحبّ الله خراب بيت تاجر عاشر الصّوفيّة. قال: وأنا أقول: وخراب دينه؛ لأنّ الصّوفيّة قد أجازوا لبس النّساء الخرقة من الرّجال الأجانب، فإذا حضروا السّماع والطّرب، فربّما جرى في خلال ذلك مغازلات، واستخلاء

стр. 533

بعض الأشخاص ببعض، فصارت الدّعوة عرسا للشّخصين، فلا يخرج إلّا وقد تعلّق قلب شخص بشخص، ومال طبع إلى طبع، وتتغيّر المرأة على زوجها، فإن طابت نفس الزّوج سمّي بالدّيّوث، وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقّعة، والاختلاط بمن لا يضيّق الخنق، ولا يحجر على الطّباع. ويقال: تابت فلانة، وألبسها الشّيخ الخرقة، وقد صارت من بناته. ولم يقنعوا أن يقولوا: هذا لعب وخطأ، حتّى قالوا: هذا من مقامات الرّجال. وجرت على هذه السّنون، وبرد حكم الكتاب والسّنّة في القلوب. هذا كلّه من كلام ابن عقيل ﵁، فلقد كان ناقدا مجيدا متلمحا فقيها. أنشدنا أبو عليّ عبيد الله الزّاغوني قال: أنشدنا رزق الله بن عبد الوهّاب التّميميّ وأبو منصور بن محمّد بن محمّد بن عبد العزيز العكبريّ قالا: أنشدنا أبو بكر العنبريّ لنفسه في الصّوفيّة: تأمّلت أختبر المدّعين … بين الموالي وبين العبيد فألفيت أكثرهم كالسّراب … يروقك منظره من بعيد فناديت يا قوم من تعبدون … فكلّ أشار بقدر الوجود فبعض أشار إلى نفسه … وأقسم ما فوقها من مزيد وبعض إلى خرقة رقّعت … وبعض إلى ركوة من جلود وآخر يعبد هواه … وما عابد للهوى بالرّشيد ومجتهد وقته زيّه … فإن فات بات بليل عنيد وذو كلف باستماع السّما … ع بين البسيط وبين النّشيد

стр. 534

يئنّ إذا أومضت رنّة … ويزأر منها زئير الأسود يخرق خلقانه عامدا … ليعتاض منها بثوب جديد ويرمي بهيكله في السّعير … لقلع الثّريد وبلع العصيد فيا للرّجال ألا تعجبون … لشيطان إخواننا ذا المريد يخبطهم بفنون الجنون … وما للمجانين غير القيود وأقسم ما عرفوا ذا الجلال … وما عرفوه بغير الجحود ولولا الوفاء لأهل الوفاء … سلقتهم بلسان حديد فما لي يطالبني بالوصا … ل من ليس يعلم ما في الصّدود أضنّ بودّي ويسخو به … وقد كنت أسخو به للودود ولكن إذا لم أجد صاحبا … يسرّ صديقي ويشجو الحسود عطفت بودّي منّي إليه … فغاب نحوسي وآب السّعود فما بال قومي على جهلهم … بعزّ الفريد وأنس الوحيد إذا أبصروني بكوا رحمة … ونيران أحقادهم في وقود لأنّي بعدت عن المدّعين … ولو صدقوا كنت غير البعيد أخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي، نا أبو عبد الله محمّد بن علي الصّوريّ، قال: أنشدنا أبو محمّد عبد الرّحمن بن عمر التجيبيّ، قال: أنشدنا الحسن بن عليّ بن سيّار: رأيت قوما عليهم سمة ال … خير بحمل الرّكاء مبتهله اعتزلوا النّاس في جوامعهم … سألت عنهم فقيل متّكله

стр. 535

صوفيّة للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه بزله فقلت إذ ذاك هؤلاء هم ال … نّاس ومن دون هؤلاء رذله فلم أزل خادما لهم زمنا … حتّى تبيّنت أنّهم سفله إن أكلوا كان أكلهم سرفا … أو لبسوا كان شهرة مثله سل شيخهم والكبير مختبرا … عن فرضه لا تخاله عقله واسأله عن وصف شادن غنج … مدلّلا لا تراه قد جهله علمهم بينهم إذا جلسوا … كعلم راعي الرّعاع والرّذله الوقت والحال والحقيقة وال … برهان والعكس عندهم مثله قد لبسوا الصّوف كي يروا صلّحا … وهم شرار الذباب والحفله وجانبوا الكسب والمعاش لكي … يستأصلوا النّاس شرّها أكله وليس من عفّة ولا دعة … لكن بتعجيل راحة العطله فقل لمن مال باختداعهم … إليهم تب فإنّهم بطله واستغفر الله من كلامهم … ولا تعاود لعشرة الجهله قال الصوريّ وأنشدني بعض شيوخنا: أهل التّصوّف قد مضوا … صار التّصوّف مخرقه صار التّصوّف صيحة … وتواجدا ومطبقه كذّبتك نفسك ليس ذا … سنن الطّريق الملحقه حتّى تكون بعين من … منه العيون المحدقه تجري عليك صروفه … وهموم سرّك مطرقه

стр. 536

أنشدنا محمّد بن ناصر، قال: أنشدنا أبو زكريّا التبريزيّ، لأبي العلاء المعرّي: زعموا بأنّهم صفوا لمليكهم … كذبوك ما صافوا ولكن صافوا شجر الخلاف قلوبهم ويح لها … غرضي خلاف الحق لا الصّفصاف أنشدنا ابن ناصر، أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو إسحاق الشّيرازيّ الفقيه لبعضهم: أرى جيل التّصوّف شرّ جيل … فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه … كلوا أكل البهائم وارقصوا لي

стр. 537

الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات قد بيّنّا فيما تقدّم أنّ إبليس إنّما يتمكّن من الإنسان على قدر قلّة العلم، فكلّما قلّ علم الإنسان، كثر تمكّن إبليس منه، وكلّما كثر العلم قلّ تمكّنه منه. ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السّماء، فإن كان رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره، قال: قد فتحت لي أبواب السّماء. وقد يتّفق له الشّيء الّذي يطلبه، فيظنّ ذلك كرامة، وربّما كان اتّفاقا، وربّما كان اختبارا، وربّما كان من خدع إبليس، والعاقل لا يساكن شيئا من هذا، ولو كان كرامة. وقد ذكرنا في باب الزّهّاد عن مالك بن دينار، وحبيب العجميّ، أنّهما قالا: إنّ الشّيطان ليلعب بالقرّاء كما يلعب الصّبيان بالجوز. ولقد استغوى بعض ضعفاء الزّهّاد بأن أراه ما يشبه الكرامة، حتّى ادّعى النّبوّة. فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطيّ قال: ثنا محمّد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسّان، قال: كان الحارث الكذّاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالغوطة، تعرّض له إبليس، وكان متعبّدا زاهدا، لو لبس جبّة من ذهب لرأيت عليه زهادة، وكان إذا أخذ في التّحميد لم يصغ السّامعون إلى كلام أحسن من كلامه، قال: فكتب إلى أبيه: يا أبتاه، أعجل عليّ، فإنّي قد رأيت أشياء أتخوّف منها أن تكون من الشّياطين.

стр. 538

قال: فزاده أبوه غيّا، وكتب إليه: يا بنيّ أقبل على ما أمرت به، إنّ الله يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٢٢) [الشعراء: ٢٢٢، ٢٢١]، ولست بأفّاك، ولا أثيم، فامض لما أمرت به. وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا، فيذكر له أمره، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق، إن هو رأى ما يرضي قبل، وإلّا كتم عليه، وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبّح، وكان يطعمهم فاكهة الصّيف في الشّتاء، ويقول: اخرجوا حتّى أريكم الملائكة، فيخرجهم إلى دير المرّان، فيريهم رجالا على خير، فتبعه بشر كثير، وفشا الأمر، وكثر أصحابه، حتّى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة، فقال له: إنّي نبيّ. فقال له القاسم: كذبت يا عدوّ الله. فقال له أبو إدريس: بئس ما صنعت، إذ لم تلن له حتّى تأخذه، الآن يفرّ. وقام من مجلسه حتّى دخل على عبد الملك، فأعلمه بأمره، فبعث عبد الملك في طلبه، فلم يقدر عليه. وخرج عبد الملك حتّى نزل الصّنيبرة، فاتّهم عامّة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه. وخرج الحارث حتّى أتى بيت المقدس واختفى، وكان أصحابه يخرجون يلتمسون الرّجال يدخلونهم عليه، وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس، فأدخل على الحارث، فأخذ في التّحميد، وأخبره بأمره، وأنّه نبيّ مبعوث مرسل، فقال: إنّ كلامك لحسن، ولكن لي في هذا نظر. قال: فانظر. فخرج البصريّ، ثمّ عاد إليه فردّ عليه كلامه، فقال: إنّ كلامك لحسن، وقد وقع في قلبي، وقد آمنت بك، وهذا هو الدّين المستقيم، فأمر ألا يحجب عنه متى أراد الدّخول. فأقبل البصريّ يتردّد إليه، ويعرف مداخله ومخارجه، وأين يهرب، حتّى صار من

стр. 539

أخبر النّاس به، ثمّ قال له: ائذن لي. فقال: إلى أين؟ قال: إلى البصرة، فأكون أوّل داع لك بها. قال: فأذن له، فخرج مسرعا إلى عبد الملك، وهو بالصّنيبرة، فلمّا دنا من سرادقه صاح: النّصيحة النّصيحة. فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟ قال: نصيحة لأمير المؤمنين. فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدّخول عليه، فدخل، وعنده أصحابه، قال: فصاح: النّصيحة النّصيحة. قال: وما نصيحتك؟ قال: أخلني، لا يكن عندك أحد، فأخرج من في البيت، وقال: أدنني. قال: ادن. فدنا وعبد الملك على السّرير، قال: ما عندك؟ قال الحارث: فلمّا ذكر الحارث، طرح عبد الملك نفسه من أعلى السّرير إلى الأرض، ثمّ قال: أين هو؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو ببيت المقدس، قد عرفت مداخله ومخارجه، وقصّ عليه قصّته، وكيف صنع به، فقال: أنت صاحبه، وأنت أمير بيت المقدس، وأميرنا هاهنا، فمرني بما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين، ابعث معي قوما لا يفهمون الكلام. فأمر أربعين رجلا من فرغانة، فقال: انطلقوا مع هذا، فما أمركم به من شيء فأطيعوه. قال: وكتب إلى صاحب بيت المقدس، أنّ فلانا هو الأمير عليك حتّى يخرج، فأطعه فيما أمرك به. فلمّا قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب، فقال: مرني بما شئت. فقال: اجمع لي كلّ شمعة تقدر عليها ببيت المقدس، وادفع كلّ شمعة إلى رجل، ورتّبهم على أزقّة بيت المقدس وزواياه، فإذا قلت: أسرجوا. أسرجوا جميعا. فرتّبهم في أزقّة بيت المقدس وزواياه بالشّمع، وتقدّم البصريّ إلى منزل الحارث، فأتى بالباب، فقال للحاجب: استأذن لي على نبيّ الله. قال: في هذه السّاعة ما يؤذن عليه

стр. 540

حتّى يصبح. قال: أعلمه أنّي ما رجعت إلّا شوقا إليه قبل أن أصل. فدخل عليه، وأعلمه بكلامه، فأمره بفتح الباب، قال: ثمّ صاح البصريّ: أسرجوا الشّموع، فأسرجت حتّى كانت كأنّها النّهار، ثمّ قال: من مرّ بكم فاضبطوه كائنا من كان. ودخل هو إلى الموضع الّذي يعرفه، فطلبه فلم يجده، فقال أصحاب الحارث: هيهات، تريدون تقتلون نبيّ الله، قد رفع إلى السّماء. قال: فطلبه في شقّ قد هيّأه سربا، فأدخل البصريّ يده في ذلك السّرب، فإذا هو بثوبه، فاجترّه، فأخرجه إلى خارج، ثمّ قال للفرغانيّين: اربطوه. فربطوه، فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال: أتقتلون رجلا يقول ربي الله؟ فقال رجل من الفرغانيّين أولئك العجم: هذه كرامتنا، فهات كرامتك أنت؟ وساروا به حتّى أتوا به عبد الملك، فلمّا سمع به أمر بخشبة فنصبت، فصلبه، وأمر بحربة، وأمر رجلا فطعنه، فلمّا صار إلى ضلع من أضلاعه فانكفأت الحربة عنه، فجعل الناس يصيحون ويقولون: الأنبياء لا يجوز فيهم السّلاح. فلمّا رأى ذلك رجل من المسلمين، تناول الحربة، ثمّ مشى إليه، وأقبل يتحسّس، حتّى وافى بين ضلعين، فطعنه به، فأنفذها، فقتله. قال الوليد: بلغني أنّ خالد بن يزيد بن معاوية، دخل على عبد الملك بن مروان فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقتله. قال: ولم؟ قال: إنّما كان به المذهب، فلو جوّعته ذهب عنه. وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء قال: لمّا حمل الحارث على البريد، وجعلت في عنقه جامعة من حديد، وجمعت يده إلى عنقه، فأشرف على عتبة بيت المقدس تلا هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فتقلقلت

стр. 541

الجامعة، ثمّ سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب الحرس الّذين كانوا معه فأعادوها عليه، ثمّ ساروا به، فلما أشرفوا على عتبة أخرى قرأ آية، فسقطت من رقبته ويده على الأرض، فأعادوها عليه، فلمّا قدموا على عبد الملك حبسه، وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوّفوه الله، ويعلموه أنّ هذا من الشيطان. فأبى أن يقبل منهم، فصلب، وجاء رجل بحربة، فطعنه، فانثنت، فتكلّم الناس، وقالوا: ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل. ثمّ أتاه حرسه برمح دقيق، فطعنه بين ضلعين من أضلاعه، ثمّ هزّه وأنفذه، وسمعت من قال: قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة لمّا انثنت: أذكرت الله حين طعنته؟ قال: نسيت. قال: فاذكر الله ثمّ اطعنه. فذكر الله ثمّ طعنه، فأنفذها. وكم اغترّ قوم بما يشبه الكرامات، فقد روّينا بإسناد عن حسن، عن أبي عمران، قال: قال لي فرقد: يا أبا عمران، قد أصبحت اليوم، وأنا مهتمّ بضريبتي وهي ستّة دراهم، وقد أهلّ الهلال، وليست عندي، فدعوت، فبينما أنا أمشي على شطّ الفرات إذا أنا بستّة دراهم، فأخذتها، فوزنتها، فإذا هي ستّة لا تزيد ولا تنقص. فقال: تصدّق بها؛ فإنّها ليست لك. قلت: أبو عمران هو ابن إبراهيم النّخعيّ، فقيه أهل الكوفة، فانظروا إلى كلام الفقهاء، وبعد الاغترار عنهم، وكيف أخبره أنّها لقطة، ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة، وإنّما لم يأمره بتعريفها؛ لأنّ مذهب الكوفيّين أنّه لا يجب التّعريف لما دون الدّينار، وكأنّه إنّما أمره بالتّصدّق بها؛ لئلّا يظنّ أنّه قد أكرم بأخذها وإنفاقها. وبإسناد عن إبراهيم الخراسانيّ أنّه قال: احتجت يوما إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضّة رأسه ألين من الخزّ، فاستكت بالسّواك، وتوضّأت بالماء، وتركتهما، وانصرفت. قلت: في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحّت دلّت على قلّة علم هذا الرّجل؛

стр. 542

إذ لو كان يفهم الفقه، علم أنّ استعمال السّواك الفضّة لا يجوز، ولكن قلّ علمه فاستعمله، وإن ظنّ أنّه كرامة، والله تعالى لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعا، إلّا إن ظهر له ذلك على سبيل الامتحان. وذكر محمّد بن أبي الفضل الهمدانيّ المؤرّخ قال: حدّثني أبي قال: كان الشرمقانيّ المقرئ يقرأ على ابن العلّاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزّعفرانيّ، واتّفق أنّ ابن العلّاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة وأخذ منه أوراق الخسّ ممّا يرمي به أصحابه، وجعل يأكله، فشقّ ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرّؤساء، فأخبره بحاله، فتقدّم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الّذي يأتي إليه الشرمقانيّ، أن يعمل لبابه مفتاحا، من غير أن يعلمه، ففعل، وتقدّم إليه أن يحمل كلّ يوم ثلاثة أرطال خبزا سميذا، ومعها دجاجة، وحلوى وسكّرا. ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدّوام، فأتى الشرمقانيّ في أوّل يوم، فرأى ذلك مطروحا في القبلة، ورأى الباب مغلقا، فتعجّب، وقال في نفسه: هذا من الجنّة، ويجب كتمانه، وألا أتحدّث به؛ فإنّ من شرط الكرامة كتمانها، وأنشدني: من أطلعوه على سرّ فباح به … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا فلمّا استوت حالته، وأخصب جسمه، سأله ابن العلاف عن سبب ذلك، وهو عارف به، وقصد المزاح معه، فأخذ يورّي ولا يصرّح، ويكنّي ولا يفصح، ولم يزل ابن العلّاف يستخبره، حتّى أخبره أنّ الّذي يجده في المسجد كرامة؛ إذ لا طريق لمخلوق عليه. فقال له ابن العلاف: يجب أن تدعو لابن المسلمة؛ فإنّه هو الّذي فعل ذلك، فنغّص عيشه بإخباره، وبانت عليه شواهد الانكسار. ولمّا علم العقلاء شدّة تلبيس إبليس، حذّروا من أشياء ظاهرها الكرامة، وخافوا أن

стр. 543

تكون من تلبيسه. روّينا بإسناد عن أبي الطّيّب يقول: سمعت زهرون يقول: كلّمني الطّير، وذاك أنّي كنت في البادية، فتهت، فرأيت طائرا أبيض، فقال لي: يا زهرون، أنت تائه؟ فقلت: يا شيطان! غرّ غيري. فقال لي: أنت تائه. فقلت: يا شيطان، غرّ غيري. فوثب في الثّالثة، وصار على كتفي، وقال: ما أنا بشيطان، أنت تائه، أرسلت إليك. ثمّ غاب عنّي. وبإسناد عن محمّد بن عبد الله قرشيّ قال: حدّثني محمّد بن يحيى بن عمرو قال: حدّثتني زلفى، قالت: قلت لرابعة العدويّة: يا عمّة، لم لا تأذنين للنّاس يدخلون عليك؟ قالت: وما أرجو من الناس؟ إن أتوني حكوا عنّي ما لم أفعل. قال القرشيّ: وزادني غير أبي حاتم، أنّها قالت: يبلغني أنّهم يقولون إنّي أجد الدّراهم تحت مصلّاي، ويطبخ لي القدر بغير نار، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه. قالت: فقلت لها: إنّ النّاس يكثرون فيك القول، يقولون: إنّ رابعة تصيب في منزلها الطّعام والشّراب، فهل تجدين شيئا فيه؟ قالت: يا ابنة أخي لو وجدت في منزلي شيئا ما مسسته، ولا وضعت يدي عليه. قال القرشيّ: وحدّثني محمّد بن إدريس، قال: قال محمّد بن عمرو: وحدّثتني زلفى عن رابعة، أنّها أصبحت يوما صائمة في يوم بارد قالت: فنازعتني نفسي إلى شيء من الطّعام السّخن أفطر عليه، وكان عندي شحم فقلت: لو كان عندي بصل أو كرّاث عالجته، فإذا عصفور قد جاء، فسقط على المثقب في منقاره بصلة، فلمّا رأيته أضربت عمّا أردت، وخفت أن يكون من الشيطان. وبالإسناد عن محمّد بن يزيد قال: كانوا يرون لوهيب أنّه من أهل الجنة، فإذا أخبر بها

стр. 544

اشتدّ بكاؤه، وقال: قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان. وبالإسناد عن أبي عثمان النيسابوري يقول: خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابوريّ إلى خارج نيسابور، فجلسنا، فتكلّم الشيخ علينا، فطابت أنفسنا، ثمّ بصرنا، فإذا بأيل قد نزل من الجبل، حتّى برك بين يدي الشّيخ، فأبكاه ذلك بكاء شديدا، فلمّا سكن سألناه. فقلت: يا أستاذ، تكلّمت علينا، فطابت قلوبنا، فلمّا جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك؟ قال: نعم. رأيت اجتماعكم حولي، وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي لو أنّ شاة ذبحتها ودعوتكم عليها، فما تحكّم هذا الخاطر حتّى جاء هذا الوحش، فبرك بين يدي، فخيّل لي أنّي مثل فرعون الّذي سأل ربّه أن يجري له النّيل، فأجراه. قلت: فما يؤمّنني أن يكون الله تعالى يعطيني كلّ حظّ لي في الدّنيا، وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي؟ فهذا الّذي أزعجني. وقد لبّس إبليس على قوم من المتأخّرين، فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء؛ ليشيدوا بزعمهم أمر القوم، والحقّ لا يحتاج إلى تشييد بباطل، فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النّقل. أخبرنا محمّد بن ناصر، أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: نا محمّد بن محمّد الحافظ، قال: نا عبيد الله بن محمّد الفقيه، قال أحمد بن عبد الله بن الحسن الأدميّ، قال: حدّثني أبي، قال: قال سهل بن عبد الله، قال عمرو بن واصل - كذا في الرواية والصّواب: قال عمرو بن واصل: قال سهل بن عبد الله - صحبت رجلا من الأولياء في طريق مكّة، فنالته فاقة ثلاثة أيّام، فعدل إلى مسجد في أصل جبل، وإذا فيه بئر عليها بكرة، وحبل، ودلو، ومطهرة، وعند البئر شجرة رمّان ليس فيها حمل.

стр. 545

فأقام في المسجد إلى المغرب، فلمّا دخل الوقت، إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح، وفي أرجلهم نعال الخوص، قد دخلوا المسجد، فسلّموا، وأذّن أحدهم، وأقام الصّلاة، وتقدّم، فصلّى بهم، فلمّا فرغ من صلاته، تقدّم إلى شجرة، فإذا فيها أربعون رمّانة غضّة طريّة، فأخذ كلّ واحد منهم رمّانة وانصرف. قال: وبتّ على فاقتي، فلمّا كان في الوقت الّذي يأخذون فيه الرّمّان، أقبلوا أجمعين، فلمّا صلّوا وأخذوا الرّمّان قلت: يا قوم، أنا أخوكم في الإسلام، وبي فاقة شديدة، فلا كلّمتموني ولا واسيتموني. فقال رئيسهم: إنّا لا نكلّم محجوبا بما معه، فامض واطرح ما معك وراء هذا الجبل في الوادي، وارجع إلينا؛ حتّى تنال ما ننال. قال: فرقيت الجبل، فلم تسمح نفسي برمي ما معي، فدفنته ورجعت، فقال لي: رميت ما معك؟ قلت: نعم. قال: فرأيت شيئا؟ قلت: لا. قال: ما رميت شيئا إذن، فارجع فارم به في الوادي. فرجعت، ففعلت، فإذا قد غشيني مثل الدرع، نور الولاية، فرجعت، فإذا في الشّجرة رمّانة، فأكلتها، واستقللت بها من الجوع والعطش، ولم ألبث دون المضيّ إلى مكّة، فإذا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام، فأقبلوا إليّ بأجمعهم يسألونني عن حالي، ويسلّمون عليّ، فقلت: قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا، كما أغناكم الله عن كلامي أوّلا، فما فيّ لغير الله موضع. قال المصنّف ﵀: عمرو بن واصل ضعّفه ابن أبي حاتم، والآدميّ وأبوه مجهولان، ويدلّ على أنّها حكاية موضوعة قولهم: اطرح ما معك. لأنّ الأولياء لا يخالفون الشّرع، والشرع قد نهى عن إضاعة المال.

стр. 546

وقوله: غشيني نور الولاية. فهذه حكاية مصنوعة، وحديث فارغ، ومثل هذه الحكاية لا يغترّ بها من شمّ رائحة العلم، إنّما يغترّ بها الجهّال الّذين لا بصيرة لهم. أخبرنا محمّد بن ناصر، قال: نا السّهلكيّ، قال: سمعت محمّد بن عليّ الواعظ، قال: وفيما أفادني بعض الصّوفيّة حاكيا عن الجنيد قال: قال أبو موسى الدئيليّ: دخلت على أبي يزيد، فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب، فقال لي: تعال. ثمّ قال: إنّ رجلا سألني عن الحياء، فتكلّمت عليه بشيء من علم الحياء، فدار دورانا حتّى صار كذا كما ترى وذاب. قال الجنيد: وقال أحمد بن حضرويه: بقي منه قطعة كقطعة جوهر، فاتّخذت منه فصّا، فكلّما تكلّمت بكلام القوم أو سمعت من كلام القوم، يذوب ذلك الفصّ، حتّى لم يبق منه شيء. قلت: وهذه من الحكايات القبيحة الّتي وضعها الجهّال، ولولا أنّ الجهّال يروونها مسندة فيظنّونها شيئا، لكان الإضراب عن ذكرها أولى. أنبأنا أبو بكر بن حبيب، قال: نا ابن أبي صادق، قال: ثنا ابن باكويه، قال: ثنا أبو حنيفة البغدادي، قال: ثنا عبد العزيز البغدادي، قال: كنت أنظر في حكايات الصّوفيّة، فصعدت يوما السّطح، فسمعت قائلا يقول: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (١٩٦) [الأعراف: ١٩٦]، فالتفتّ، فلم أر شيئا، فطرحت نفسي من السّطح، فوقفت في الهواء. قال المصنف ﵀: هذا كذب محال لا يشكّ فيه عاقل، فلو قدّرنا صحّته، فإنّ طرح نفسه من السّطح حرام، وظنّه أنّ الله يتولّى من فعل المنهيّ عنه؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فكيف يكون صالحا، وهو يخالف ربّه، وعلى تقدير ذلك، فمن أخبره أنّه منهم، وقد تقدّم قول عيسى - صلوات الله عليه - للشّيطان لمّا قال له: ألق نفسك. قال: إنّ الله يختبر عباده، وليس للعبد أن يختبر ربّه؟

стр. 547

وقد اندسّ في الصّوفيّة أقوام، وتشبّهوا بهم، وشطحوا في الكرامات وادّعائها، وأظهروا للعوامّ مخاريق صادوا بها قلوبهم، وقد روّينا عن الحلّاج أنّه كان يدفن شيئا من الخبز والشّواء والحلوى في موضع من البرّيّة، ويطلع بعض أصحابه على ذلك، فإذا أصبح قال لأصحابه: إن رأيتم أن نخرج على وجه السّياحة. فيقوم ويمشي، والنّاس معه، فإذا جاءوا إلى ذلك المكان، قال له صاحبه الّذي أطلعه على ذلك: نشتهي الآن كذا وكذا. فيتركهم الحلّاج، وينزوي عنهم إلى ذلك المكان، فيصلّي ركعتين، ويأتيهم بذلك، وكان يمدّ يده إلى الهواء، ويطرح الذّهب في أيدي النّاس ويمخرق، وقد قال له بعض الحاضرين يوما: هذه الدّراهم معروفة، ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك. وما زال يمخرق إلى وقت صلبه. حدّثنا أبو منصور القزاز، قال: نا أبو بكر بن ثابت، نا عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، ثنا أبو عمر بن حيوية، قال: لمّا أخرج حسين الحلاج للقتل مضيت في جملة الناس، فلم أزل أزاحم حتّى رأيته، فقال لأصحابه: لا يهولنّكم هذا؛ فإنّي عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. وكان اعتقاد الحلاج اعتقادا قبيحا، وقد بيّنّا في أوّل هذا الكتاب شيئا من اعتقاده، وتخليطه، وبيّنّا أنّه قتل بفتوى فقهاء عصره، وقد كان في المتأخّرين من يطلي بدهن الطلق، ويقعد في التّنّور، ويظهر أنّ هذا كرامة. قال ابن عقيل: وكان ابن الشّبّاس وأبوه قبله لهم طيور سوابق، وأصدقاء، في جميع البلاد، فينزل بهم قوم، فيرفع طائرا في الحال إلى قريتهم، يخبر بخبر من له هناك بنزولهم، ويستعلمه من أحوالهم، وما تجدّد هناك بعدهم، قبل أن يجتمع عليهم، ويستعلم حالهم، فيكتب ذلك إليه الجواب، ثمّ يجتمع بهم، فيخبرهم بتلك الحوادث، ويحدّثهم بأحوالهم

стр. 548

حديث من هو معهم، ومعاشرهم في بلادهم، ثمّ يحدّثهم بما تجدّد بعدهم. وفي يومه ذلك، فيقول: السّاعة تجدّد كذا وكذا. فيدهشون، ويرجعون إلى رستاقهم، فيجدون الأمر على ما قال، ويتكرّر هذا منه، فيصير عندهم كالقطعيّ على أنّه يعلم الغيب. قال: وما كان يفعله أنّه يأخذ طير عصفور، ويشدّ في رجله تلفكا، ويجعل في التلفك بطاقة صغيرة، ويشدّ في رجل حمامة تلفكا، ويشدّ في طرف التلفك كتابا أكبر من ذلك، ويجعله بين يديه، ويجعل العصفور بيد، ويأخذ غلاما له في السّطح، والحمامة بيد آخر، فيه ما في ذلك البطاقة الصّغيرة، ويطلق الطّائر العصفور، فينظر الناس الكتاب وهو طائر في الهواء، فيروح الحمام إلى تلك القرية، فيأخذه صديقه الّذي هناك، ثمّ يخبره بجميع أمور القرية، وأصحابها، فلمّا يتكامل مجلسه بالنّاس يشير، وينادي يا بارش كأنّه يخاطب شيطانا اسمه بارش. ويقول: خذ هذا الكتاب إلى قرية فلان، فقد جرت بينهم خصومة، فاجتهد في إصلاح ذات بينهم. ويرفع صوته بذلك، فيسرّح غلامه المترصّد العصفور الّذي في يده، فيرفع الكتاب نحو السّماء بحضرة الجماعة، يرونه عيانا من غير أن يروا التلفك، فإذا ارتفع الكتاب، جذبه الغلام المقيّد بالعصفور، وقطع التلفك حتّى لا يرى، ويرسل العصفور إلى تلك القرية؛ ليصلح الأمر، وكذلك يفعل بالحمامة. ثمّ يقول لغلامه: هات الكتاب. فيلقيه الغلام الّذي في السّطح الّذي قد جاءه خبر ما في القرية الّتي هؤلاء منها، ثمّ يكتب كتابا إلى دهقان تلك القرية، فيشدّ به تلفكا، ويجعله في رجل عصفور كما قدّمنا، ويطلقه حتّى يعلو سطح المكان، فيأخذه ذلك الغلام، فيشدّه في رجل طير حمام، فيروح إلى تلك القرية بذلك الكتاب، فيصلح بين الناس الّذين قد أتاهم خبرهم بالمشاجرة، فتخرج الجماعة الّذين من تلك القرية، فيجدون كتاب الشيخ قد وصل

стр. 549

لهم، وقد اجتمع دهاقين القرية، وأصلحوا بينهم، فيجيء ذلك، فيخبرهم، فلا يشكّون في ذلك أنّه يعلم الغيب، ويتحقّق هذا في قلوب العوامّ. قال ابن عقيل: وإنّما أوردت مثل هذا، ليعلم أنّه قد ارتفع القوم إلى التّلاعب بالدّين، فأيّ بقاء للشّريعة مع هذا الحال؟ قلت: ابن الشّبّاس هذا كان يكنى أبا عبد الله، والشّبّاس هو أبوه، كان يكنى أبا الحسن، واسم الشباس عليّ بن الحسين بن محمّد البغداديّ، توفّي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مئة، وكان الشّبّاس وأبوه وعمّه مستقرّين بالبصرة. وكانت مذاهبهم تخفى على النّاس، إلّا أنّ الأغلب أنّهم كانوا من الشّيعة الإماميّة، والغلاة الباطنيّة. وقد ذكرت في «التاريخ» عن ابن الشّبّاس، أنّ بعض أصحابه اكتشفت له نار بخيانته وزخارفه، وكانت تخفى على الناس، إلى أن كشفها بعض أصحابه من الشّيعة الإماميّة الباطنيّة للنّاس، فلمّا كشفها للنّاس وبيّنها، فكان ممّا حدّث به عنه، أنّه قال: حضرنا يوما عنده، فأخرج جديا مشويّا، فأمرنا بأكله، وأن نكسر عظمه، ولا نهشّمها. فلمّا فرغنا أمر بردّها إلى التّنّور، وترك على التّنّور طبقا، ثمّ رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديا حيّا يرعى حشيشا، ولم نر للنّار أثرا، ولا للرّماد ولا للعظام خبرا. قال: فتلطّفت حتّى عرفت ذلك، وذلك أنّ التّنّور يفضي إلى سرداب، وبينهما طبق نحاس بلولب، فإذا أراد إزالة النّار عنه فركه، فينزل عليه فيسدّه، وينفتح السّرداب، وإذا أراد أن يظهر النّار، أعاد الطّبق إلى فم السّرداب، فترى للناس. قال المصنف ﵀: وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة، ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون، يوهم أنّ الملائكة قد حضرت، ويقول لهم: تقدّموا إليّ. وأخذ رجل في زماننا

стр. 550

إبريقا جديدا، فترك فيه عسلا، فتشرّب في الخزف طعم العسل، واستصحب الإبريق في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النّهر وسقى أصحابه، وجدوا طعم العسل. وما في هؤلاء من يعرف الله، ولا يخاف في الله لومة لائم، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 551

الباب الثاني عشر في ذكر تلبيس إبليس على العوام قد بيّنّا أنّ إبليس إنّما يقوى تلبيسه على قدر قوّة الجهل، وقد افتنّ فيما فتن به العوامّ، وحصر ما فتنهم ولبّس عليهم فيه، لا يمكن ذكره؛ لكثرته، وإنّما نذكر من الأمّهات ما يستدلّ به على جنسه، والله الموفّق. فمن ذلك أنّه يأتي إلى العامّيّ، فيحمله على التّفكّر في ذات الله وصفاته فيتشكّك. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تسألون حتّى تقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله» (١). قال أبو هريرة: فو الله إنّي لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني ثمّ صحت: صدق رسول الله، الله الواحد الأحد الصّمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وبإسناد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق السّماوات والأرض؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله» (٢).

стр. 552

قال المصنف ﵀: وإنّما وقعت هذه المحنة لغلبة الحسّ، وهو أنّه ما رأى شيئا إلّا مفعولا. وليقل لهذا العامّيّ: ألست تعلم أنّ خلق الزّمان لا في الزّمان، والمكان لا في المكان، فإذا كانت هذه الأرض، وما فيها لا في مكان، ولا تحتها شيء، وحسّك ينفر من هذا؛ لأنّه ما ألف شيئا إلّا في مكان، فلا يطلب بالحسّ من لا يعرف بالحسّ، وشاور عقلك؛ فإنّه سليم المشاورة. وتارة يلبّس إبليس على العوام عند سماع صفات الله فيحملونها على مقتضى الحسّ، فيعتقدون التّشبيه (١). وتارة يلبّس عليهم من جهة العصبيّة للمذاهب، فترى العامّيّ يلاعن، ويقاتل في أمر لا يعرف حقيقته. فمنهم من يخصّ بعصبيّته أبا بكر ﵁ ومنهم من يخصّ عليّا، وكم قد جرى في هذا من الحروب، وقد جرى في هذا بين أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، على مرّ السّنين من القتل، وإحراق المحالّ، ما يطول ذكره، وترى كثيرا ممّن يخاصم في هذا يلبس الحرير، ويشرب الخمر، ويقتل النّفس، وأبو بكر وعليّ بريئان منهم. وقد يحسّ العامّيّ في نفسه نوع فهم، فيسوّل له إبليس مخاصمة ربّه، فمنهم من يقول لربّه: كيف قضى وعاقب؟ ومنهم من يقول: لم ضيّق رزق المتّقي، وأوسع على العاصي؟

стр. 553

ومنهم طائفة: تشكر على النّعم، فإذا جاء البلاء اعترض وكفر. ومنهم من يقول: أيّ حكمة في هدم هذه الأجسام؟ يعذّبها بالفناء بعد بنائها؟ ومنهم: من يستبعد البعث. ومن هؤلاء: من يختلّ عليه مقصوده، أو يبتلى ببلاء، فيكفر ويقول: أنا ما أريد أصلّي. وربّما غلب فاجر نصرانيّ مؤمنا فقتله، أو ضربه، فيقول العوامّ: قد غلب الصّليب، ولماذا نصلّي إذا كان الأمر كذلك؟ وكلّ هذه الآفات تمكّن بها منهم إبليس؛ لبعدهم عن العلم والعلماء، فلو أنّهم استفهموا أهل العلم والعلماء. فلو أنّهم استفهموا أهل العلم لأخبروهم أنّ الله حكيم ومالك، فلا يبقى مع هذا اعتراض. ومن العوامّ من يرضى عن عقل نفسه، فلا يبالي بمخالفة العلماء، فمتى خالفت فتواه غرضه، أخذ يردّ عليهم، ويقدح فيهم. وقد كان ابن عقيل يقول: قد عشت هذه السّنين، فلو أدخلت يدي في صنعة صانع لقال: أفسدتها عليّ. فلو قلت: أنا رجل عالم. لقال: بارك الله لك في علمك، ليس هذا من شغلك، هذا وشغله أمر حسّيّ لو تعاطيته فهمته، والّذي أنا فيه من الأمور أمر عقليّ، فإذا أفتيته لم يقبل. ومن تلبيسه عليهم تقديمهم المتزهّدين على العلماء، فلو رأوا جبّة صوف على أجهل النّاس عظّموه، خصوصا إذا طأطأ رأسه، وتخشّع لهم، ويقولون: أين هذا من فلان العالم، ذاك طالب الدّنيا، وهذا زاهد لا يأكل عنبة ولا رطبة، ولا يتزوّج قطّ، جهلا منهم بفضل العالم على الزّاهد، وإيثارا للمتزهّدين على شريعة محمّد بن عبد الله ﷺ . ومن نعمة الله على هؤلاء، أنّهم لم يدركوا رسول الله ﷺ ؛ إذ لو رأوه يكثر

стр. 554

التّزويج ويصطفي السّبايا، ويأكل لحم الدّجاج، ويحبّ الحلوى والعسل، لم يعظم في صدورهم. ومن تلبيسه عليهم قدحهم في العلماء، بتناول المباحات، وذلك من أقبح الجهل، وأكثر ميلهم إلى الغرباء؛ فهم يؤثرون الغريب على أهل بلدهم ممّن قد خبروا أمره، وعرفوا عقيدته، فيميلون إلى الغريب، ولعلّه من الباطنيّة. وإنّما ينبغي تسليم النّفوس إلى من خبرت معرفته، قال الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ومنّ الله سبحانه في إرسال محمّد ﷺ إلى الخلق بأنّهم يعرفون حاله، فقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ﴾ [الأنعام: ٢٠]. وقد يخرج بالعوامّ تعظيم المتزهّدين إلى قبول دعاويهم، وإن خرقوا الشّريعة، وخرجوا عن حدودها، فترى المتنمّس يقول للعامّيّ: أنت فعلت بالأمس كذا، وسيجري عليك كذا. فيصدّقه، ويقول: هذا يتكلّم على الخاطر. ولا يعلم أنّ ادّعاء الغيب كفر. ثمّ يرون من هؤلاء المتنمّسين أمورا لا تحلّ، كمؤاخاة النّساء، والخلوة بهنّ، ولا ينكرون ذلك؛ تسليما لهم أحوالهم. ومن تلبيسه على العوامّ إطلاقهم أنفسهم في المعاصي، فإذا وبّخوا تكلّموا كلام زنادقة. فمنهم من يقول: لا أترك نقدا لنسيئة. ولو فهموا لعلموا أنّ هذا ليس بنقد؛ لأنّه محرّم، وإنّما يخيّر بين النّقد والنّسيئة المباحين، فمثلهم كمثل محموم جاهل يأكل العسل، فإذا عوتب قال: الشّهوة نقد والعافية نسيئة. ثمّ لو علموا حقيقة الإيمان، لعلموا أنّ تلك النّسيئة وعد صادق لا يخلف، ولو عملوا

стр. 555

عمل التّجّار الّذين يخاطرون بكثير من المال، لما يرجونه من الرّبح القليل، لعلموا أنّ ما تركوه قليل، وما يرجونه كثير. ولو أنّهم ميّزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم، لرأوا تعجيل ما تعجّلوا إذ فاتهم الرّبح الدّائم، وأوقعهم في العذاب الّذي هو الخسران المبين الّذي لا يتلافى. ومنهم من يقول: الرّبّ كريم، والعفو واسع، والرّجاء من الدّين، فيسمّون تمنّيهم واغترارهم رجاء، وهذا الّذي أهلك عامّة المذنبين. قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أنّ الفرزدق جلس إلى قوم، يتذكّرون ﵀، فكان أوسعهم في الرّجاء صدرا، فقالوا له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أخبروني لو أذنبت إلى والديّ ما أذنبته إلى ربّي أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنّور مملوء جمرا؟ قالوا: لا. إنّما كانا يرحمانك. قال: فإنّي أوثق برحمة ربّي منهما. قلت: وهذا هو الجهل المحض؛ لأنّ ﵀ ليست برقّة طبع، ولو كانت كذلك لما ذبح عصفور، ولا أميت طفل، ولا أدخل أحد جهنّم (١). وبإسناد عن عبّاد، قال الأصمعيّ: كنت مع أبي نوّاس بمكّة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود. فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتّى أقبّله عند الحجر الأسود، فقلت: ويلك اتّق الله فإنّك ببلد حرام، وعند بيته الحرام. فقال: ما منه بدّ. ثمّ دنا من الحجر، فجاء الغلام يستلمه، فبادر أبو نواس، فوضع خدّه على خدّ الغلام فقبّله، وأنا أنظر، فقلت: ويلك، أفي

стр. 556

حرم الله ؟ فقال: دع ذا عنك؛ فإنّ ربّي رحيم. ثمّ أنشد يقول: وعاشقان التفّ خدّاهما … عند استلام الحجر الأسود فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنّما كانا على موعد قلت: انظروا إلى هذه الجرأة الّتي نظر فيها إلى الرّحمة، ونسي شدّة العقاب بانتهاك تلك الحرمة، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب هذا الكتاب أنّ رجلا زنى بامرأة في الكعبة، فمسخا حجرين. ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له: تب إلى الله . فقال: إيّاي تخوّفون! حدّثني حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشيّ، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ نبيّ شفاعة، وإنّي اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» (١). أفترى لا أكون أنا منهم؟ قال المصنف ﵀: وخطأ هذا الرّجل من وجهين: أحدهما: أنّه نظر إلى جانب الرّحمة، ولم ينظر إلى جانب العقاب. والثاني: أنّه نسي أنّ الرّحمة إنّما تكون لتائب، كما قال : ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وهذا التّلبيس هو الّذي يهلك عامّة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة. فصل [الجاهل والعالم في باب التكليف سواء] ومن العوامّ من يقول: هؤلاء العلماء يحافظون على الحدود، فلان يفعل كذا، وفلان يفعل كذا، فأمري أنا قريب.

стр. 557

وكشف هذا التّلبيس أنّ الجاهل والعالم في باب التّكليف سواء؛ فغلبة الهوى للعالم لا يكون عذرا للجاهل. وبعضهم يقول: ما قدر ذنبي حتّى أعاقب؟ ومن أنا حتّى أؤاخذ، وذنبي لا يضرّه، وطاعتي لا تنفعه، وعفوه أعظم من جرمي؟ كما قال قائلهم: من أنا عند الله حتّى إذا … أذنبت لا يغفر لي ذنبي وهذه حماقة عظيمة، كأنّهم اعتقدوا أنّه لا يؤاخذ إلّا ضدّا أو ندّا، ثمّ ما علموا أنّه بالمخالفة قد صاروا في مقام معاند. وسمع ابن عقيل ﵀ رجلا يقول: من أنا حتّى يعاقبني الله؟ فقال له: أنت الّذي لو أمات الله جميع الخلائق، وبقيت أنت، لكان قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] خطابا لك. ومنهم من يقول: سأتوب وأصلح، وكم من أبله ساكن الأمل فاختطفه الموت قبله. وليس من الحزم تعجيل الخطأ، وانتظار الصّواب، وربّما لم تتهيّأ التّوبة، وربّما لم تصحّ، وربّما لم تقبل، ثمّ لو قبلت بقي الحياء من الجناية أبدا؛ فمرارة خاطر المعصية حتّى تذهب، أسهل من معاناة التّوبة حتّى تقبل، ومنهم من يتوب ثمّ ينقض، فيلج عليه إبليس بالمكائد؛ لعلمه بضعف عزمه. وبإسناد عن الحسن أنّه قال: إذا نظر إليك الشّيطان ورآك على غير طاعة الله تعالى فنعاك، وإذا رآك مداوما على طاعة الله ملّك ورفضك، وإذا رآك مرّة هكذا ومرّة هكذا، طمع فيك. ومن تلبيسه عليهم أن يكون لأحدهم نسب معروف، فيغترّ بنسبه فيقول: أنا من أولاد أبي بكر. وهذا يقول: أنا من أولاد عليّ. وهذا يقول: أنا شريف من أولاد الحسن أو

стр. 558

الحسين. أو يقول: أنا قريب النّسب من فلان العالم، أو من فلان الزّاهد. وهؤلاء يبنون أمرهم على أمرين: أحدهما: أنّهم يقولون: من أحبّ إنسانا أحبّ أولاده وأهله. والثاني: أنّ هؤلاء له شفاعة، وأحقّ من شفعوا فيه أهلوهم وأولادهم. وكلا الأمرين غلط. أمّا المحبّة: فليس محبّة الله كمحبّة الآدميّين، وإنّما يحبّ من أطاعه؛ فإنّ أهل الكتاب من أولاد يعقوب، ولم ينتفعوا بآبائهم، ولو كانت محبّة الأب تسري، لسرت إلى البعض أيضا. وأمّا الشّفاعة فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ولمّا أراد نوح حمل ابنه في السفينة، قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولم يشفع إبراهيم في أبيه، ولا نبيّنا في أمّه، وقد قال ﷺ لفاطمة ﵂: «لا أغني عنك من الله شيئا» (١). ومن ظنّ أنّه ينجو بنجاة أبيه كمن ظنّ أنّه يشبع بأكل أبيه. ومن تلبيسه عليهم: أن يعتمد أحدهم على خلّة خير، ولا يبالي بما فعل بعدها. فمنهم من يقول: أنا من أهل السّنّة، وأهل السّنّة على خير. ثمّ لا يتحاشى عن المعاصي. وكشف هذا التّلبيس أن يقال له: إنّ الاعتقاد فرض، والكفّ عن المعاصي فرض آخر، فلا يكفي أحدهما عن صاحبه. وكذلك تقول الروافض: نحن يدفع عنّا موالاة أهل البيت. وكذبوا؛ فإنّه إنّما يدفع التّقوى.

стр. 559

ومنهم من يقول: أنا ألازم الجماعة، وأفعل الخير، وهذا يدفع عنّي. وجوابه كجواب الأوّل. ومن هذا الفنّ تلبيسه على العيّارين في أخذ أموال النّاس؛ فإنّهم يسمّون بالفتيان، ويقولون: الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم، ولا يهتك ستر امرأة، ومع هذا لا يتحاشون من أخذ أموال النّاس، وينسون تقلّي الأكباد على الأموال، ويسمّون طريقتهم الفتوّة. وربّما حلف أحدهم بحقّ الفتوّة، فلم يأكل ولم يشرب، ويجعلون إلباس السّراويل للدّاخل في مذهبهم كإلباس الصّوفيّة للمريد المرقّعة، وربّما يسمع أحد هؤلاء عن ابنته أو أخته كلمة وزر لا تصحّ، وربّما كانت من محرّض، فقتلها، ويدّعون أنّ هذه فتوّة، وربّما افتخر أحدهم بالصّبر على الضّرب. وبإسناد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنّه كان يقول: كنت كثيرا أسمع والدي أحمد بن حنبل يقول: رحم الله أبا الهيثم. فقلت: من أبو الهيثم؟ فقال: أبو الهيثم الحدّاد، لمّا مددت يدي إلى العقاب، وأخرجت للسّياط، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيّار اللّصّ الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أنّي ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتّفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدّنيا، فاصبر أنت في طاعة الرّحمن لأجل الدّين. قلت: أبو الهيثم هذا يقال له: خالد الحدّاد، وكان يضرب المثل بصبره، قال له المتوكّل: ما بلغ من جلدك؟ قال: ملأ لي جرابي عقارب، ثمّ أدخل يدي فيه، وإنّه ليؤلمني ما يؤلمك، وأجد لآخر سوط من الألم ما أجد لأوّل سوط، ولو وضعت في فمي خرقة، وأنا أضرب لاحترقت من حرارة ما يخرج من جوفي، ولكنّني وطّنت نفسي على الصّبر.

стр. 560

فقال له الفتح: ويحك! مع هذا اللّسان والعقل، ما يدعوك إلى ما أنت عليه من الباطل؟ فقال: أحبّ الرّياسة. فقال المتوكّل: نحن خليديّة. وقال الفتح: أنا خليديّ. وقال رجل لخالد: يا خالد، ما أنتم لحوم ودماء، فيؤلمكم الضّرب؟ فقال: بلى يؤلمنا، ولكن معنا عزيمة صبر ليست لكم. وقال داود بن عليّ لمّا قدم بخالد: اشتهيت أن أراه، فمضيت إليه، فوجدته جالسا غير متمكّن؛ لذهاب لحم إليتيه من الضّرب، وإذا حوله فتيان، فجعلوا يقولون: ضرب بفلان، وفعل بفلان كذا. فقال لهم: لا تتحدّثوا عن غيركم، افعلوا أنتم، حتّى يتحدّث عنكم غيركم. قال المصنف ﵀: فانظروا إلى الشّيطان، كيف يتلاعب بهؤلاء فيصبرون على شدّة الألم ليحصل لهم الذّكر، ولو صبروا على يسير التّقوى، لحصل لهم الأجر. والعجب أنّهم يظنّون لحالهم مرتبة وفضيلة مع ارتكاب العظائم. ومن العوامّ من يعتمد على نافلة، ويضيّع فرائض، مثل أن يحضر المسجد قبل الأذان، ويتنفّل، فإذا صلّى مأموما سابق الإمام، ومنهم من لا يحضر في أوقات الفرائض، ويزاحم ليلة الرّغائب. ومنهم يتعبّد ويبكي وهو مصرّ على الفواحش لا يتركها، فإن قيل له، قال: سيئة وحسنة والله غفور رحيم. وجمهورهم يتعبّد برأيه، فيفسد أكثر ممّا يصلح، ورأيت رجلا منهم قد حفظ القرآن وتزهّد، ثمّ جبّ نفسه، وهذا من أفحش الفواحش. وقد لبّس إبليس على خلق كثير من العوامّ، يحضرون مجالس الذّكر، ويبكون، ويكتفون بذلك؛ ظنّا منهم أنّ المقصود الحضور والبكاء؛ لأنّهم يسمعون فضل الحضور في مجالس الذّكر، ولو علموا أنّ المقصود إنّما هو العمل، وإذا لم يعمل بما يسمع كان

стр. 561

زيادة في الحجّة عليه. وإنّي لأعرف خلقا يحضرون المجلس منذ سنين، ويبكون، ويخشعون، ولا يتغيّر أحدهم عمّا قد اعتاده، من المعاملة في الرّبا، والغشّ في البيع، والجهل بأركان الصّلاة، والغيبة للمسلمين، والعقوق للوالدين. وهؤلاء قد لبّس عليهم إبليس، فأراهم أنّ حضور المجلس والبكاء يدفع عنه ما يلابس من الذّنوب، وأرى بعضهم أنّ مجالسة العلماء والصّالحين يدفع عنهم، وشغل آخرين بالتّسويف بالتّوبة، فطال عليهم مطالهم، وأقام قوما منهم للتّفرّج فيما يسمعونه، وأهملوا العمل به. وقد لبّس إبليس على أصحاب الأموال من أربعة أوجه: أحدها: من جهة كسبها، فلا يبالون كيف حصلت، وقد فشا الرّبا في أكثر معاملاتهم، وأنسوه، حتّى إنّ جمهور معاملاتهم خارجة عن الإجماع، وقد روى أبو هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «ليأتينّ على النّاس زمان، لا يبالي المرء من أين أخذ المال من حلال أو حرام» (١). والثاني: من جهة البخل بها: فمنهم: من لا يخرج الزّكاة أصلا؛ اتّكالا على العفو. ومنهم: من يخرج بعضها، ثمّ يغلبه البخل، فينظر أنّ المخرج يدفع عنه. ومنهم: من يحتال لإسقاطها، مثل أن يهب المال قبل الحول، ثمّ يستردّه. ومنهم: من يحتال بإعطاء الفقير ثوبا يقوّمه عليه بعشرة دنانير، وهو يساوي دينارين، ويظنّ ذلك الجاهل أنّه قد تخلّص.

стр. 562

ومنهم: من يخرج الرّديء مكان الجيّد. ومنهم: من يعطي الزّكاة لمن يستخدمه طول السّنة؛ فهي على الحقيقة أجرة. ومنهم: من يخرج الزّكاة كما ينبغي، فيقول له إبليس: ما بقي عليك. فيمنعه أن يتنفّل بصدقة؛ حبّا للمال، فيفوّته أجر المتصدّقين، ويكون المال رزق غيره. وبإسناد عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس قال: أوّل ما ضرب الدّرهم، أخذه إبليس، فقبّله، ووضعه على عينه وسرّته، وقال: بك أطغي، وبك أكفّر، رضيت من ابن آدم بحبّه الدّينار من أن يعبدني. وعن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: إنّ الشّيطان يردّ الإنسان بكلّ ريدة، فإذا أعياه اضطجع في ماله، فيمنعه أن ينفق منه شيئا. والثالث: من حيث التّكثير بالأموال؛ فإنّ الغنيّ يرى نفسه خيرا من الفقير، وهذا جهل؛ لأنّ الفضل بفضائل النّفس اللازمة لها، لا بجمع حجارة خارجة عنها، كما قال الشاعر: غنى النّفس لمن يعق … ل خير من غنى المال وفضل النّفس في الأنف … س ليس الفضل في الحال والرابع: في إنفاقها؛ فمنهم من ينفقها على وجه التّبذير والإسراف، تارة في البنيان الزّائد على مقدار الحاجة، وتزويق الحيطان، وزخرفة البيوت، وعمل الصّور، وتارة في اللّباس الخارج بصاحبه إلى الكبر والخيلاء، وتارة في المطاعم الخارجة إلى السّرف، وهذه الأفعال لا يسلم صاحبها من فعل المحرّم، أو مكروه، وهو مسئول عن جميع ذلك. وبإسناد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يا ابن آدم لا تزول قدماك يوم القيامة بين يدي الله حتّى تسأل عن أربع: عمرك فيم أفنيته، وجسدك فيم أبليته، ومالك

стр. 563

من أين اكتسبته، وأين أنفقته، وعن علمك ماذا عملت فيه» (١). ومنهم من ينفق في بناء المساجد والقناطر، إلّا أنّه يقصد الرّياء والسّمعة، وبقاء الذّكر، فيكتب اسمه على ما بنى، ولو كان عمله لله لاكتفى بعلمه ولو كلّف أن يبني حائطا من غير أن يكتب اسمه عليه لم يفعل. ومن هذا الجنس إخراجهم الشّمع في رمضان في الأنوار طلبا للسّمعة، ومساجدهم طوال السّنة مظلمة؛ لأنّ إخراجهم قليلا من دهن كلّ ليلة لا يؤثّر في المدح، ما يؤثّر في إخراج شمعة في رمضان، ولقد كان إغناء الفقراء بثمن الشّمع أولى، ولربّما خرجت الأضواء الكثيرة إلى السّرف الممنوع منه، غير أنّ الرّياء يعمل عمله، وقد كان أحمد بن حنبل يخرج إلى المسجد، وفي يده سراج فيضعه ويصلّي. ومنهم من إذا تصدّق أعطى الفقير والنّاس يرونه، فيجمع بين قصده مدحهم، وبين إذلال الفقير. وفيهم من يجعل منه الدّنانير الخفاف، فيكون في الدّينار قيراطان ونحو ذلك، وربّما كانت رديئة، فيتصدّق بها بين الجمع مكشوفة ليقال: قد أعطى فلان فلانا دينارا. وبالعكس من هذا كان جماعة من الصّالحين المتقدّمين، يجعلون في القرطاس الصّغير دينارا ثقيلا يزيد وزنه على دينار ونصف، ويسلّمونه إلى الفقير في سرّ، فإذا رأى قرطاسا صغيرا، ظنّه قطعة، فإذا لمسه وجد تدوير دينار، ففرح، فإذا فتحه، ظنّه قليل الوزن، فإذا رآه ثقيلا، ظنّه يقارب الدّينار، فإذا وزنه فرآه زائدا على الدّينار، اشتدّ فرحه؛ فالثّواب يتضاعف للمعطي عند كلّ مرتبة. ومنهم من يتصدّق على الأجانب، ويترك برّ الأقارب، وهم أولى.

стр. 564

وبإسناد عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصّدقة على المسكين صدقة، والصّدقة على ذوي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة» (١). ومنهم من يعلم فضيلة التّصدّق على القرابة، إلّا أن يكون بينهما عداوة دنيويّة، فيمتنع من مواساته، مع علمه بفقره، ولو واساه، كان له أجر الصّدقة والقرابة، ومجاهدة الهوى، وقد روي عن أبي أيّوب الأنصاريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أفضل الصّدقة، الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» (٢). قال المصنف ﵀: وإنّما قبلت هذه الصّدقة وفضّلت؛ لمخالفة الهوى؛ فإنّ من تصدّق على ذي قرابة يحبّه، اتّفق على هواه. ومنهم من يتصدّق ويضيّق على أهله في النّفقة. وقد روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣). وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تصدّقوا، فقال رجل: عندي دينار. فقال: تصدّق به على نفسك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على زوجتك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على ولدك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على خادمك. قال: عندي دينار آخر. قال: أنت أبصر به» (٤). ومنهم من ينفق في الحجّ، ويلبّس عليه إبليس بأنّ الحجّ قربة، وإنّما مراده الرّياء، والفرجة، ومدح النّاس.

стр. 565

وقال رجل لبشر الحافي: أعددت ألفي درهم للحجّ. فقال: أحججت؟ قال: نعم. قال: اقض دين مدين. قال: ما تميل نفسي إلّا إلى الحجّ. قال: مرادك تركب وتجيء ويقال: فلان حاجّ. ومنهم من ينفق على الأوقات والرّقص، ويرمي الثّياب على المغنّي، ويلبّس عليه إبليس بأنّك تجمع الفقراء وتطعمهم، وقد بيّنّا أنّ ذلك ممّا يوجب فساد القلوب، ومنهم من إذا جهّز ابنته صاغ لها دست الفضّة، ويرى الأمر في ذلك قربة، وربّما كانت له ختمة، فتقدّم مجامر الفضّة، ويحضر هناك قوم من العلماء، فلا هو يستعظم ما فعل، ولا هم ينكرون؛ اتّباعا للعادة. ومنهم من يجور في وصيّته ويحرم الوارث، ويرى أنّه ماله يتصرّف فيه كيف شاء، وينسى أنّه بالمرض قد تعلّقت حقوق الوارثين به. وبإسناد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حاف عند الوصيّة، قذف في الوباء، والوباء واد في جهنّم» (١). وعن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان يقول: ما غلبني عليه ابن آدم، فلن يغلبني على ثلاث: آمره بأخذ المال من غير حقّه، وآمره بإنفاقه في غير حقّه، ومنعه من حقّه» (٢). وقد لبّس إبليس على الفقراء؛ فمنهم من يظهر الفقر، وهو غنيّ، فإن أضاف إلى هذا السؤال والأخذ من النّاس، فإنّما يستكثر من نار جهنّم. أخبرنا ابن الحصين بإسناده، عن محمّد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي
следующие страницы →