← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 561–575 · переход к 566.

стр. 561

زيادة في الحجّة عليه. وإنّي لأعرف خلقا يحضرون المجلس منذ سنين، ويبكون، ويخشعون، ولا يتغيّر أحدهم عمّا قد اعتاده، من المعاملة في الرّبا، والغشّ في البيع، والجهل بأركان الصّلاة، والغيبة للمسلمين، والعقوق للوالدين. وهؤلاء قد لبّس عليهم إبليس، فأراهم أنّ حضور المجلس والبكاء يدفع عنه ما يلابس من الذّنوب، وأرى بعضهم أنّ مجالسة العلماء والصّالحين يدفع عنهم، وشغل آخرين بالتّسويف بالتّوبة، فطال عليهم مطالهم، وأقام قوما منهم للتّفرّج فيما يسمعونه، وأهملوا العمل به. وقد لبّس إبليس على أصحاب الأموال من أربعة أوجه: أحدها: من جهة كسبها، فلا يبالون كيف حصلت، وقد فشا الرّبا في أكثر معاملاتهم، وأنسوه، حتّى إنّ جمهور معاملاتهم خارجة عن الإجماع، وقد روى أبو هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «ليأتينّ على النّاس زمان، لا يبالي المرء من أين أخذ المال من حلال أو حرام» (١). والثاني: من جهة البخل بها: فمنهم: من لا يخرج الزّكاة أصلا؛ اتّكالا على العفو. ومنهم: من يخرج بعضها، ثمّ يغلبه البخل، فينظر أنّ المخرج يدفع عنه. ومنهم: من يحتال لإسقاطها، مثل أن يهب المال قبل الحول، ثمّ يستردّه. ومنهم: من يحتال بإعطاء الفقير ثوبا يقوّمه عليه بعشرة دنانير، وهو يساوي دينارين، ويظنّ ذلك الجاهل أنّه قد تخلّص.

стр. 562

ومنهم: من يخرج الرّديء مكان الجيّد. ومنهم: من يعطي الزّكاة لمن يستخدمه طول السّنة؛ فهي على الحقيقة أجرة. ومنهم: من يخرج الزّكاة كما ينبغي، فيقول له إبليس: ما بقي عليك. فيمنعه أن يتنفّل بصدقة؛ حبّا للمال، فيفوّته أجر المتصدّقين، ويكون المال رزق غيره. وبإسناد عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس قال: أوّل ما ضرب الدّرهم، أخذه إبليس، فقبّله، ووضعه على عينه وسرّته، وقال: بك أطغي، وبك أكفّر، رضيت من ابن آدم بحبّه الدّينار من أن يعبدني. وعن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: إنّ الشّيطان يردّ الإنسان بكلّ ريدة، فإذا أعياه اضطجع في ماله، فيمنعه أن ينفق منه شيئا. والثالث: من حيث التّكثير بالأموال؛ فإنّ الغنيّ يرى نفسه خيرا من الفقير، وهذا جهل؛ لأنّ الفضل بفضائل النّفس اللازمة لها، لا بجمع حجارة خارجة عنها، كما قال الشاعر: غنى النّفس لمن يعق … ل خير من غنى المال وفضل النّفس في الأنف … س ليس الفضل في الحال والرابع: في إنفاقها؛ فمنهم من ينفقها على وجه التّبذير والإسراف، تارة في البنيان الزّائد على مقدار الحاجة، وتزويق الحيطان، وزخرفة البيوت، وعمل الصّور، وتارة في اللّباس الخارج بصاحبه إلى الكبر والخيلاء، وتارة في المطاعم الخارجة إلى السّرف، وهذه الأفعال لا يسلم صاحبها من فعل المحرّم، أو مكروه، وهو مسئول عن جميع ذلك. وبإسناد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يا ابن آدم لا تزول قدماك يوم القيامة بين يدي الله حتّى تسأل عن أربع: عمرك فيم أفنيته، وجسدك فيم أبليته، ومالك

стр. 563

من أين اكتسبته، وأين أنفقته، وعن علمك ماذا عملت فيه» (١). ومنهم من ينفق في بناء المساجد والقناطر، إلّا أنّه يقصد الرّياء والسّمعة، وبقاء الذّكر، فيكتب اسمه على ما بنى، ولو كان عمله لله لاكتفى بعلمه ولو كلّف أن يبني حائطا من غير أن يكتب اسمه عليه لم يفعل. ومن هذا الجنس إخراجهم الشّمع في رمضان في الأنوار طلبا للسّمعة، ومساجدهم طوال السّنة مظلمة؛ لأنّ إخراجهم قليلا من دهن كلّ ليلة لا يؤثّر في المدح، ما يؤثّر في إخراج شمعة في رمضان، ولقد كان إغناء الفقراء بثمن الشّمع أولى، ولربّما خرجت الأضواء الكثيرة إلى السّرف الممنوع منه، غير أنّ الرّياء يعمل عمله، وقد كان أحمد بن حنبل يخرج إلى المسجد، وفي يده سراج فيضعه ويصلّي. ومنهم من إذا تصدّق أعطى الفقير والنّاس يرونه، فيجمع بين قصده مدحهم، وبين إذلال الفقير. وفيهم من يجعل منه الدّنانير الخفاف، فيكون في الدّينار قيراطان ونحو ذلك، وربّما كانت رديئة، فيتصدّق بها بين الجمع مكشوفة ليقال: قد أعطى فلان فلانا دينارا. وبالعكس من هذا كان جماعة من الصّالحين المتقدّمين، يجعلون في القرطاس الصّغير دينارا ثقيلا يزيد وزنه على دينار ونصف، ويسلّمونه إلى الفقير في سرّ، فإذا رأى قرطاسا صغيرا، ظنّه قطعة، فإذا لمسه وجد تدوير دينار، ففرح، فإذا فتحه، ظنّه قليل الوزن، فإذا رآه ثقيلا، ظنّه يقارب الدّينار، فإذا وزنه فرآه زائدا على الدّينار، اشتدّ فرحه؛ فالثّواب يتضاعف للمعطي عند كلّ مرتبة. ومنهم من يتصدّق على الأجانب، ويترك برّ الأقارب، وهم أولى.

стр. 564

وبإسناد عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصّدقة على المسكين صدقة، والصّدقة على ذوي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة» (١). ومنهم من يعلم فضيلة التّصدّق على القرابة، إلّا أن يكون بينهما عداوة دنيويّة، فيمتنع من مواساته، مع علمه بفقره، ولو واساه، كان له أجر الصّدقة والقرابة، ومجاهدة الهوى، وقد روي عن أبي أيّوب الأنصاريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أفضل الصّدقة، الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» (٢). قال المصنف ﵀: وإنّما قبلت هذه الصّدقة وفضّلت؛ لمخالفة الهوى؛ فإنّ من تصدّق على ذي قرابة يحبّه، اتّفق على هواه. ومنهم من يتصدّق ويضيّق على أهله في النّفقة. وقد روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣). وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تصدّقوا، فقال رجل: عندي دينار. فقال: تصدّق به على نفسك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على زوجتك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على ولدك. قال: عندي دينار آخر. قال: تصدّق به على خادمك. قال: عندي دينار آخر. قال: أنت أبصر به» (٤). ومنهم من ينفق في الحجّ، ويلبّس عليه إبليس بأنّ الحجّ قربة، وإنّما مراده الرّياء، والفرجة، ومدح النّاس.

стр. 565

وقال رجل لبشر الحافي: أعددت ألفي درهم للحجّ. فقال: أحججت؟ قال: نعم. قال: اقض دين مدين. قال: ما تميل نفسي إلّا إلى الحجّ. قال: مرادك تركب وتجيء ويقال: فلان حاجّ. ومنهم من ينفق على الأوقات والرّقص، ويرمي الثّياب على المغنّي، ويلبّس عليه إبليس بأنّك تجمع الفقراء وتطعمهم، وقد بيّنّا أنّ ذلك ممّا يوجب فساد القلوب، ومنهم من إذا جهّز ابنته صاغ لها دست الفضّة، ويرى الأمر في ذلك قربة، وربّما كانت له ختمة، فتقدّم مجامر الفضّة، ويحضر هناك قوم من العلماء، فلا هو يستعظم ما فعل، ولا هم ينكرون؛ اتّباعا للعادة. ومنهم من يجور في وصيّته ويحرم الوارث، ويرى أنّه ماله يتصرّف فيه كيف شاء، وينسى أنّه بالمرض قد تعلّقت حقوق الوارثين به. وبإسناد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حاف عند الوصيّة، قذف في الوباء، والوباء واد في جهنّم» (١). وعن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان يقول: ما غلبني عليه ابن آدم، فلن يغلبني على ثلاث: آمره بأخذ المال من غير حقّه، وآمره بإنفاقه في غير حقّه، ومنعه من حقّه» (٢). وقد لبّس إبليس على الفقراء؛ فمنهم من يظهر الفقر، وهو غنيّ، فإن أضاف إلى هذا السؤال والأخذ من النّاس، فإنّما يستكثر من نار جهنّم. أخبرنا ابن الحصين بإسناده، عن محمّد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي

стр. 566

هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من سأل النّاس أموالهم تكثّرا، فإنّما يسأل جمرا، فليستقلّ منه أو ليستكثر» (١). وإن لم يقبل هذا الرّجل من النّاس شيئا، وكان مقصوده بإظهار الفقر أن يقال: رجل زاهد. فقد راءى، وإن كتم نعمة الله عنده ليظهر عليه الفقر لئلا ينفق، ففي ضمن بخله الشّكوى من الله. وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا باذّ الهيئة فقال: «هل لك من مال؟ قال: نعم. قال: فلتر نعمة الله عليك» (٢). وإن كان فقيرا حقّا فالمستحبّ له كتمان الفقر وإظهار التّجمّل، فقد كان في السّلف من يحمل مفتاحا، يوهم أنّ له دارا، ولا يبيت إلّا في المساجد. فصل [الجريان مع العادات] ومن تلبيس إبليس على الفقراء، أنّه يرى نفسه خيرا من الغنيّ، إذ قد زهد ما رغب ذلك الغنيّ فيه، وهذا غلط، وإنّ الخيريّة ليست بالوجود والعدم، وإنّما هي بأمر وراء ذلك. وقد لبّس إبليس على جمهور العوامّ بالجريان مع العادات، وذلك من أكثر أسباب هلاكهم. فمن ذلك: أنّهم يقلّدون الآباء، والأسلاف، في اعتقادهم على ما نشّئوا عليه من العادة، فترى الرّجل منهم يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه، ولا ينظر أكان على صواب أم على خطأ.

стр. 567

ومن هذا تقليد اليهود والنّصارى والجاهليّة أسلافهم. وكذلك المسلمون يجرون في صلاتهم وعباداتهم مع العادة، فترى الرّجل يعيش سنين يصلّي على صورة، ما رأى النّاس يصلّون، ولعلّه لا يقيم الفاتحة، ولا يدري ما الواجبات، ولا يسهل عليه أن يعرف ذلك هوانا بالدّين، ولو أنّه أراد تجارة، لسأل قبل سفره عمّا ينفق في ذلك البلد. ثمّ ترى أحدهم يركع قبل الإمام، ويسجد قبل الإمام، ولا يعلم أنّه إذا ركع قبله، فقد خالفه في ركن، فإذا رفع قبله فقد خالفه في ركنين، فبطلت صلاته. وقد رأيت جماعة يسلّمون عند تسليم الإمام، وقد بقي عليهم من التّشهّد الواجب شيء، وذاك أمر لا يحمله الإمام، فتكون صلاته باطلة، وربّما ترك أحدهم فريضة، وزاد في نافلة. وربّما أهمل غسل بعض العضو كالعقب، وربّما كان في يده خاتم قد خصر الأصابع، فلا يديره وقت الوضوء، ولا يصل الماء إلى ما تحته، فلا يصحّ وضوءه. وأمّا بيعهم وشراؤهم، فأكثر عقودهم فاسدة، ولا يتعرّفون حكم الشّرع فيها، ولا يخفى على أحدهم أن يقلّد فقيها في رخصته؛ استقلالا منهم للدّخول تحت حكم الشّريعة، وقلّ أن يبيعوا شيئا إلّا وفيه غشّ، ويغطّيه عيب، والجلّاد يغطّي عيوب الذّهب الرّديء، حتّى إنّ المرأة تضع الغزل في الأنداء وتنديه؛ ليثقل وزنه. ومن جريانهم مع العادة، أنّ أحدهم يتوانى في صلاته المفروضة في رمضان، ويفطر على الحرام، ويغتاب النّاس، وربّما لو ضرب بالخشب لم يفطر في العادة؛ لأنّ في العادة استبشاع الفطر. ومنهم من يدخل في الرّبا بالاستئجار فيقول: معي عشرون دينارا، لا أملك غيرها، فإن

стр. 568

أنفقتها ذهبت، وأنا أستأجر بها دارا، وآكل أجرة الدّار؛ ظنّا منه أنّ هذا الأمر قريب. ومنهم من يرهن الدّار على شيء، ويؤدّي، ويقول: هذا موضع ضرورة. وربّما كانت له دار أخرى، وفي بيته آلات لو باعها لاستغنى عن الرّهن والاستئجار، ولكنّه يخاف على جاهه أن يقال: قد باع داره، أو أنّه يستعمل الخزف مكان الصّفر. وممّا جروا فيه على العادات، اعتمادهم على قول الكاهن والمنجّم والعرّاف، وقد شاع ذلك بين النّاس، واستمرّت به عادات الأكابر، فقلّ أن ترى أحدا منهم يسافر، أو يفصّل ثوبا، أو يحتجم، إلّا سأل المنجّم، وعمل بقوله، ولا تخلو دورهم من تقويم، وكم من دار لهم ليس فيها مصحف. وفي الصّحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه سئل عن الكهّان، فقال: «ليسوا بشيء. فقالوا: يا رسول الله، إنّهم يحدّثون أحيانا بالشّيء يكون حقّا! فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنّيّ، فيقرّها في أذن وليّه قرّ الدّجّاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة» (١). وفي «صحيح مسلم» عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من أتى عرّافا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة، أربعين ليلة» (٢). وروى أبو داود، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من أتى كاهنا، فصدّقه بما يقول، فقد برئ ممّا أنزل على محمّد ﷺ » (٣). ومن جريانهم مع العادات كثرة الأيمان الحانثة، الّتي أكثرها ظهار، وهم لا يعلمون، فأكثر قولهم في الأيمان: حرام عليّ إن بعث!

стр. 569

ومن عاداتهم لبس الحرير، والتّختّم بالذّهب، وربّما تورّع أحدهم عن لبس الحرير، ثمّ لبسه في وقت، كالخطيب يوم الجمعة. ومن عاداتهم إهمال إنكار المنكر، حتّى إنّ الرّجل يرى أخاه أو قريبه يشرب الخمر، ويلبس الحرير، فلا ينكر عليه، ولا يتغيّر، بل يخالطه مخالطة حبيب. ومن عاداتهم أن يبني الرّجل على باب داره مصطبة يضيّق بها طريق المارّة، وقد يجتمع على باب داره ماء مطر، ويكثر، فيجب عليه إزالته، وقد أثم بكونه كان سببا لأذى المسلمين. ومن عاداتهم دخول الحمّام بلا مئزر، وفيهم من إذا دخل بمئزر، رمى به على فخذه، فيرى جوانب إليتيه، ويسلّم نفسه إلى المدلّك، فيرى بعض عورته، ويمسّها بيده؛ لأنّ العورة من السّرّة إلى الرّكبة، ثمّ ينظر هؤلاء إلى عورات الناس، ولا يكاد يغضّ، ولا ينكر. ومن عاداتهم ترك القيام بحقّ الزّوجة، وربّما اضطرّوها إلى أن تسقط مهرها، ويظنّ الزّوج أنّه قد تخلّص بما قد أسقطته عنه. وقد يميل الرّجل إلى إحدى زوجتيه دون الأخرى، فيجور في القسم، متهاونا بذلك؛ ظنّا أنّ الأمر فيه قريب. فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ أنّه قال: «من كان له امرأتان، يميل إلى إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجرّ إحدى شقّيه، ساقطا أو مائلا» (١). ومن عاداتهم إثبات الفلس عند الحاكم، ويعتقد الّذي قد حكم له بالفلس، أنّه قد سقطت عنه بذلك الحقوق، وقد يوسر ولا يؤدّي حقّا.

стр. 570

ومنهم من لا يقوم من دكّانه، بحجّة الفلس، إلّا وقد جمع مالا من أموال المعاملين، فأضرّ به ينفقه في مدّة استتاره، وعنده أنّ الأمر في ذلك قريب. وممّا جروا فيه على العادات، أنّ الرّجل يستأجر ليعمل طول النّهار، فيضيّع كثيرا من الزّمن، إمّا بالتّثبّط في العمل، أو بالبطالة، أو بإصلاح آلات العمل، مثل أن يحدّ النّجّار الفأس، والشّقّاق المنشار، ومثل هذه خيانة، إلّا أن يكون ذلك يسيرا قد جرت العادة بمثله. وقد يفوّت أكثرهم الصّلاة ويقول: أنا في إجارة رجل، ولا يدري أنّ أوقات الصلاة لا تدخل في عقد الإجارة، وقلّة نصحهم في أعمالهم كثيرة. وممّا جروا فيه على العادة، دفن الميّت في التابوت، وهذا فعل مكروه، وأمّا الكفن فلا يتباهى فيه بالمغالاة؛ ينبغي أن يكون وسطا، ويدفنون معه جملة من الثّياب، وهذا حرام؛ لأنّه إضاعة للمال، ويقيمون النّوح على الميّت. وفي «صحيح مسلم» أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ النّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (١). ومن عاداتهم اللّطم، وتمزيق الثّياب، وخصوصا النّساء. وفي الصحيحين أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ليس منّا من شقّ الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهليّة» (٢). وربّما رأوا المصاب قد شقّ ثوبه، فلم ينكروا عليه، لا، بل ربّما أنكروا ترك شقّ الثّوب، وقالوا: ما أثّرت عنده المصيبة. ومن عاداتهم يلبسون بعد الميّت الدّون من الثّياب، ويبقون على ذلك شهرا أو سنة،

стр. 571

وربّما لم يناموا هذه المدّة في سطح. ومن عاداتهم زيارة المقابر في ليلة النّصف من شعبان، وإيقاد النّار عندها، وأخذ تراب القبر المعظّم. قال ابن عقيل: لمّا شقّت التّكاليف على الجهّال والطّغام، عدلوا عن أوضاع الشّرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفّار عندي بهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى الشّرع عنه، من إيقاد النّيران، وتقبيلها، وتخليفها، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرّقاع فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا. وأخذ التّراب تبرّكا، وإفاضة الطّيب على القبور، وشدّ الرّحال إليها، وإلقاء الخرق على الشّجر؛ اقتداء بمن عبد اللات والعزّى، ولا تجد في هؤلاء من يحقّق مسألة في زكاة، فيسأل عن حكم يلزمه. والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكهف، ولم يتمسّح بآجرّة مسجد المأمونيّة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمّالون على جنازته: أبو بكر الصّدّيق، أو محمّد، وعليّ، ولم يكن معها نياحة، ولم يعقد على أبيه أزجا بالجصّ والآجرّ، ولم يشقّ ثوبه إلى ذيله، ولم يرق ماء الورد على القبر، ويدفن معه ثيابه. وأمّا تلبيس إبليس على النّساء فكثير جدّا، وقد أفردت كتابا للنّساء ذكرت فيه ما يتعلّق بهنّ من جميع العبادات وغيرها، وأنا أذكر هاهنا كلمات من تلبيس إبليس عليهنّ. فمن ذلك أنّ المرأة تطهر من الحيض بعد الزّوال، فتغتسل بعد العصر، فتصلّي العصر وحدها، وقد وجبت عليها الظّهر وهي لا تعلم. وفيهنّ من تؤخّر الغسل يومين، وتحتجّ بغسل ثيابها ودخول الحمّام، وقد تؤخّر غسل الجنابة في اللّيل، إلى أن تطلع الشّمس، فإذا دخلت الحمّام لم تتّزر بمئزر، وتقول: ما دخل إليّ إلّا القيمة.

стр. 572

وربّما قالت: أنا وأختي وأمّي وجاريتي، وهنّ نساء مثلي، فممّن أستتر؟ وهذا كلّه حرام؛ فإنّ تأخير الغسل بغير عذر لا يجوز. ولا يحلّ للمرأة أن تنظر من المرأة ما بين سرّتها وركبتها، ولو كانت ابنتها وأمّها، إلّا أن تكون البنت صغيرة، فإذا بلغت سبع سنين استترت، واستتر منها. وقد تصلّي المرأة قاعدة، وهي تقدر على القيام، فالصّلاة حينئذ باطلة. وقد تحتجّ بنجاسة في ثوبها من بول طفلها، وهي تقدر على غسله، ولو أرادت الخروج إلى الطّريق لتهيّأت واستترت، وإنّما هان عندها أمر الصلاة، وقد لا تعرف من واجبات الصلاة شيئا ولا تسأل. وقد ينكشف من الحرّة ما يبطل صلاتها وتستهين به، وقد تستهين المرأة بإسقاط الحبل، ولا تدري أنّها إذا أسقطت ما قد نفخ فيه الرّوح فقد قتلت مسلما، وقد تستهين بالكفّارة الواجبة عليها عند ذلك الفعل، فإنّه يجب عليها أن تتوب، وتؤدّي ديته إلى ورثته، وهي غرّة عبد أو أمة، قيمتها نصف عشر دية أبيه، أو عشر دية الأمّ، ولا ترث الأمّ من ذلك شيئا، ثمّ تعتق رقبة، فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين. وقد تسيء الزّوجة عشرتها مع الزّوج، وربّما كلّمته بالمكروه، وتقول: هذا أبو أولادي، وما بيننا هذا. وتخرج بغير إذنه، وتقول: ما خرجت في معصية، ولا تعلم أنّ خروجها بغير إذنه معصية، ثمّ نفس خروجها لا يؤمن منه فتنة. وفيهنّ من تلازم القبور، وتحدّ، لا على الزّوج، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله ورسوله، أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث، إلّا على زوج، أربعة أشهر وعشرا» (١).

стр. 573

ومنهم من يدعوها زوجها إلى فراشه فتأبى، وتظنّ هذا الخلاف ليس بمعصية، وهي منهيّة عنه؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه، فأبت، فباتت، وهو عليها ساخط، لعنتها الملائكة حتّى تصبح» (١). أخرجاه في الصحيحين. وقد تفرّط المرأة في مال زوجها، ولا يحلّ لها أن تخرج من بيته شيئا، إلّا أن يأذن لها، أو تعلم رضاه، وقد تعطي من ينجّم لها بالحصى ويسحر، ومن تعمل لها نخسة محبّة وعقد لسان، وكلّ هذا حرام، وقد تستجيز ثقب آذان الأطفال، وهو حرام. فإن أفلحت وحضرت مجلس الواعظ، فربّما لبست خرقة من يد الشّيخ الصّوفيّ، وتصافحه، فصارت من بنات المنبر، فخرجت إلى عجائب، وينبغي أن نكفّ عنان العلم؛ اقتصارا على هذه النّبذة؛ فإنّ هذا الأمر يطول، ولو بسطنا النّبذ المذكورة في هذا الكتاب، أو شيّدنا ردّنا على من رددنا عليه بالأحاديث والآثار، لاجتمعت مجلّدات. وإنّما ذكرنا اليسير ليدلّ على الكثير، وقد اقتنعنا في ذكر فاحش القبيح من أفعال الغالطين، بنفس حكايته دون تعاطي ردّه؛ لأنّ الأمر فيه ظاهر، والله يعصمنا من الزّلل، ويوفّقنا لصالح القول والعمل، بمنّه وكرمه.

стр. 574

الباب الثالث عشر في ذكر تلبيس إبليس على جميع الناس بطول الأمل قال المصنف ﵀: كم قد خطر على قلب يهوديّ ونصرانيّ حبّ الإسلام، فلا يزال إبليس يثبّطه ويقول: لا تعجل، وتمهّل في النّظر. فيسوّفه حتّى يموت على كفره، وكذلك يسوّف العاصي بالتّوبة، فيجعل له غرضه من الشّهوات، ويمنّيه الإنابة، كما قال الشاعر: لا تعجل الذّنب لمّا تشتهي … وتأمّل التّوبة من قابل وكم من عازم على الجدّ سوّفه، وكم ساع إلى فضيلة ثبّطه. فلربّما عزم الفقيه على إعادة درسه فقال: استرح ساعة. أو انتبه العابد في اللّيل يصلّي فقال له: عليك وقت. ولا يزال يحبّب الكسل ويسوّف العمل، ويسند الأمر إلى طول الأمل. فينبغي للحازم أن يعمل على الحزم، والحزم تدارك الوقت، وترك التّسوّف، والإعراض عن الأمل؛ فإنّ المخوف لا يؤمن، والفوات لا يبعث، وسبب كلّ تقصير في خير، أو ميل إلى شرّ، طول الأمر؛ فإنّ الإنسان لا يزال يحدّث نفسه بالنّزوع عن الشّرّ، والإقبال على الخير، إلّا أنّه يعد نفسه بذلك، ولا ريب أنّه من الأمل إذا مشى بالنّهار، سار سيرا فاترا، ومن أمّل أن يصبح، عمل في اللّيل عملا ضعيفا، ومن صوّر الموت عاجلا جدّ، وقد قال ﷺ : «صلّ صلاة مودّع» (١).

стр. 575

قال بعض السّلف: أنذركم «سوف» فإنّها أكبر جنود إبليس. ومثل العامل على الحزم والسّكن لطول الأمر، كمثل قوم في سفر، فدخلوا قرية، فمضى الحازم، فاشترى ما يصلح لتمام سفره، وجلس متأهّبا للرّحيل، وقال المفرّط: سأتأهّب، فربّما أقمنا شهرا. فضرب بوق الرّحيل في الحال، فاغتبط المحترز، واغتمّ الآسف المفرّط. فهذا مثل النّاس في الدّنيا؛ منهم المستعدّ المستيقظ، فإذا جاء ملك الموت لم يندم، ومنهم المغرور المسوّف، يتجرّع مرير النّدم وقت الرّحلة، فإذا كان في الطّبع حبّ التّواني، وطول الأمل، ثمّ جاء إبليس يحثّ على العمل بمقتضى ما في الطّبع، صعبت المجاهدة، إلّا أنّه من انتبه لنفسه، علم أنّه في صفّ حرب، وأنّ عدوّه لا يفتر عنه، فإن فتر في الظّاهر، أبطن له مكيدة، وأقام له كمينا. ونحن نسأل الله السّلامة من كيد العدوّ، وفتن الشيطان، وشر النّفوس والدّنيا، إنّه قريب مجيب، جعلنا الله من أولئك المؤمنين. تم والحمد لله أولا وآخرا