← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11407

تلبيس إبليس - ط المنهاج

ابن الجوزي

Полный текст (575 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الناشر للطبعة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ﷺ . ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧١، ٧٠]. أما بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار. أمّا بعد: فقد قال الله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨) [البقرة: ١٦٨].

стр. 2

وقال : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (٦) [فاطر: ٦، ٥]. وقال ﷻ : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١) [يس: ٦١، ٦٠]. ففي هذه الآيات الكريمة بيّن ربّنا - جلّ في علاه - عداوة إبليس لآدم ﵇ وذرّيّته، وحذّرهم منه، وأعلمهم أنّ الشّيطان مظهر لعداوته الشّديدة لهم. ولذا أمرهم بمعاداته أشدّ العداوة، ومخالفته أشدّ المخالفة، وتكذيبه فيما يغرّرهم به. وهذه العداوة القديمة نشأت منذ أن خلق الله آدم ﵇ بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته؛ قال الله ﷻ : ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٥) [ص: ٧١ - ٨٥]. فابليس اللّعين (الشّيطان الرّجيم) هو العدوّ اللّدود للإنسان، ويسلك في سبيل هذه العداوة قصارى جهده، ويتّبع فيها طرقا شتّى، وله في ذلك خطوات وتلبيسات قلّ من يتنبّه

стр. 3

لها، إذ تحتاج إلى علم، وبصيرة، ومجاهدة، وصبر في الصّولات معه، والجولات، وأخذ للعدّة في الدّفاع والمقاومة؛ لأنّ اتّباع إبليس معناه الخسران المبين، وذلك بمقارنته - والعياذ بالله - في العذاب الأليم؛ وهذا أقصى ما يسعى إليه، ويجهد نفسه فيه ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وبرغم ما لهذا العدوّ اللّدود من المكائد الخطيرة، والأساليب الكثيرة لإضلال الإنسان إلّا أنّ كيده ضعيف، قال جلّ وعلا: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦]. فكيد الشّيطان ضعيف أمام من آمن بالله وأطاعه، واتّبع صراطه المستقيم ولزمه، وسارع إلى التّوبة والاستغفار بعد كلّ زلّة وخطيئة؛ قال الله تقدّست أسماؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢٠١) [الأعراف: ٢٠١]، وقال رسولنا ﷺ : «إنّ الشّيطان قال: وعزّتك وجلالك، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرّبّ ﷻ : وعزّتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (١). وقد أرشدنا الله إلى ما يعصمنا من مكائد الشّيطان ووساوسه، ومن أهمّ ذلك: توحيد الله، والتّوكّل عليه، والانقطاع إليه، وإخلاص كلّ العبادات له؛ قال الله جلّ وعلا: _________ (١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧/ ٣٣٧) (١١٢٣٧)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٩٠) (٧٦٧٢)، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، وصحّحه الألبانيّ في «الصّحيحة» (١٠٤).

стр. 4

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩) [النحل: ٩٩]. وقال - جلّ وعلا - مخاطبا هذا العدوّ اللّعين: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢) [الحجر: ٤٢]. وأخبر عن تحدّي إبليس الرّجيم للبشر أجمعين: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣) [ص: ٨٣، ٨٢]. وعباد الله المخلصون: هم الّذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لله وحده لا شريك له. هذا، وقد سطر العلماء مصنّفات قيّمة في عداوة الشّيطان للإنسان، وتبيين خطواته، وتلبيساته، وطرق الوقاية منها، ومن هؤلاء: الإمام ابن الجوزيّ ﵀، الّذي خطّ بيراعه مصنّفه الرّائع والماتع «تلبيس إبليس»، الّذي سارت به الرّكبان، وتداوله النّاس على كرّ الدّهور، ومرّ الأعوام، وانتفع به طلبة العلم والعوامّ. وقد عملنا في «دار المنهاج» على إخراجه محقّقا، مزيدا بتعليقات عقديّة نفيسة على مواضع موهمة ومشكلة في الكتاب، لفضيلة الشّيخ العلّامة زيد بن هادي المدخلي ﵀، كنا قد تواصلنا مع فضيلته بشأنها، فأفاد بها ﵀، وأثبتناها في الحواشي متبوعة باسمه ﵀، وكان تحقيقنا لهذا الكتاب وفق الخطوات العلميّة المنهجيّة التّالية: ١ - مراجعة الكتاب مراجعة لغويّة دقيقة. ٢ - إثبات الآيات القرآنيّة بالرّسم العثمانيّ، وعزوها إلى مواضعها في المصحف الشّريف. ٣ - تخريج الأحاديث بمنهج موحّد، وقد اكتفينا بتخريج الحديث إن كان في «الصّحيحين»، أو في أحدهما بذكر رقمه فقط، وإن كان في غيرهما ذكرنا رقمه، أو رقم

стр. 5

الجزء والصّفحة في كتب السّنّة، ثمّ أوردنا - في الغالب - عليه حكم الشّيخ الألبانيّ ﵀. ٤ - وضع عنوانات للفصول الّتي لم يعنون لها الإمام ابن الجوزيّ ﵀. ٥ - عمل ترجمة للمصنّف الإمام ابن الجوزيّ ﵀. والله من وراء القصد، وهو الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل. وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين قسم التحقيق والبحث العلميّ ب «دار المنهاج»

стр. 6

ترجمة الإمام ابن الجوزي ﵀ اسمه ونسبه: هو الشّيخ الإمام العلّامة، الحافظ المفسّر، شيخ الإسلام، مفخر العراق، جمال الدّين، أبو الفرج عبد الرّحمن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حمّادي بن أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النّضر بن القاسم بن محمّد بن عبد الله ابن الفقيه عبد الرّحمن ابن الفقيه القاسم بن محمّد بن خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصّدّيق، القرشيّ التّيميّ البكريّ البغداديّ، الحنبليّ، الواعظ، صاحب التّصانيف. مولده: ولد سنة تسع أو عشر وخمس مئة. لقبه: لقّب بابن الجوزيّ لشجرة جوز كانت في داره ب «واسط»، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى «فرضة الجوز»، وهي مرفأ نهر البصرة. نشأته: توفّي أبوه وهو صغير السّنّ، وكان موسرا، خلّف أموالا طائلة، ولكنّهم أجحفوا عليه، وهضموه حقّه من إرث أبيه، فلم يعطوه سوى دارين وعشرين دينارا، فما كان منه إلا أن اشترى بذلك كتبا.

стр. 7

رعته عمّته حتّى أدرك، فأخذته إلى مسجد أبي الفضل محمّد بن ناصر الحافظ، وهو خاله، وكان حافظا ضابطا متقنا من أهل السّنّة، فاعتنى به، وأسمعه الحديث، وحفّظه القرآن. شيوخه: أمّا شيوخ ابن الجوزيّ فكثيرون، ذكر منهم سبعة وثمانون شيخا، ومن أهمّ شيوخه: ١ - خاله أبو الفضل محمّد بن ناصر، الحافظ الثّقة. ٢ - أبو القاسم الهرويّ. ٣ - أبو الحسن، ابن الزاغوني. ٤ - أبو بكر الدّينوري. ٥ - ابن أبي الدّنيا. ٦ - القاضي أبو بكر الأنصاري. ٧ - أبو منصور الجواليقي. تلاميذه: ولده الصّاحب العلّامة محيي الدّين يوسف أستاذ دار المستعصم بالله، وولده الكبير عليّ النّاسخ، وسبطه الواعظ شمس الدّين يوسف بن قزغلي الحنفي صاحب «مرآة الزّمان»، والحافظ عبد الغني، والشّيخ موفّق الدّين ابن قدامة، وابن الدبيثي، وابن النّجّار، وابن خليل، والضّياء، واليلداني، والنّجيب الحرّاني، وابن عبد الدّائم، وخلق سواهم. وبالإجازة الشّيخ شمس الدّين عبد الرّحمن، وابن البخاريّ، وأحمد ابن أبي الخير، والخضر بن حمويه، والقطب بن عصرون.

стр. 8

علمه، وفضله، وثناء العلماء عليه: تحدّث عنه علماؤنا الأفذاذ بكثير من الإعجاب والاعتراف له بالفضل والتّقدير: قال أبو عبد الله الدبيثي ﵀ في «تاريخه»: «شيخنا جمال الدّين صاحب التّصانيف في فنون العلوم من التّفسير، والفقه، والحديث، والتّواريخ، وغير ذلك». وقال عنه الحافظ الذّهبيّ ﵀: « … ثمّ لمّا ترعرع حملته عمّته إلى ابن ناصر، فأسمعه الكثير، وأحبّ الوعظ وهو مراهق، فوعظ النّاس وهو صبيّ، ثمّ ما زال نافق السّوق، معظّما متغاليا فيه، مضروبا برونق وعظه المثل، كما له في ازدياد اشتهار إلى أن مات، ﵀ وسامحه، فليته لم يخض في التّأويل، ولا خالف إمامه. وقال: «وكان ذا حظّ عظيم، وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك، والوزراء، وبعض الخلفاء والأئمّة الكبراء». وقال ابن خلّكان ﵀: «كان علّامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنّف في فنون كثيرة». وقال عنه الإمام ابن كثير ﵀: «أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنّفات الكبار والصّغار نحوا من ثلاث مئة مصنّف، وكتب نحوا من مئتي مجلّد». آثاره وتصانيفه: له من المصنّفات ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها، إلّا أنّه قد أخذ عليه كثرة الأوهام والخطإ في تواليفه؛ كما حكى ذلك الذّهبيّ وغيره. ومن هذه التّصانيف: كتابه في التّفسير المشهور ب «زاد المسير». وله تفسير أبسط منه، لكنّه ليس بمشهور.

стр. 9

وله «جامع المسانيد». وله كتاب «المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم» في عشرين مجلّدا. نزهة العيون النّواظر في الوجوه والنّظائر. منهاج الوصول إلى علم الأصول. بيان غفلة القائل بقدم أفعال العباد. الموضوعات. العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. الضّعفاء والمتروكين. صيد الخاطر. المدهش. ذمّ الهوى. كنز المذكر. اللّطائف. اليواقيت في الخطب. تلبيس إبليس، وهو الكتاب الّذي بين أيدينا. وغيرها كثير. معتقد ابن الجوزي ﵀: أخذ بعض العلماء على ابن الجوزيّ ﵀ كلاما غير سديد في كتابه «صيد الخاطر»، وكتابه المسمّى «دفع شبه التّشبيه» ممّا اعتبروه موافقة لمذهب الأشاعرة!

стр. 10

قال ابن تيمية - طيّب الله ثراه - في «شرح العقيدة الأصفهانيّة»: «وما في كتب الأشعريّ ممّا يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمّة، فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد؛ كأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي، وصدقة بن الحسين، وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمّة من قول الأشعريّ، وأئمّة أصحابه». ثمّ بيّن ﵀ أنّ ابن الجوزيّ مع مخالفته لمعتقد أهل السّنّة والجماعة إلّا أنّه أفضل حالا من متأخّري الأشاعرة الّذين غالوا في البدعة، وخرجوا عن قول الأشعريّ نفسه، فقال ﵀: «ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمّة من مثل ابن عقيل، وابن الجوزيّ، ونحوهما، أقرب إلى السّنّة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخّرين الّذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة، أو الجهميّة، أو الفلاسفة». انتهى. هذا، وقد عاش ابن الجوزيّ ﵀ ومن قبله شيخه أبو الوفاء عليّ بن عقيل ﵀ تناقضا بين انتمائه السّلفيّ لمدرسة الحنابلة الأثريّة الرّافضة لعلم الكلام والبدع، وبين قوّة التّيّار الكلاميّ الّذي بلغ ذروته وأوج نشاطه في القرنين الخامس والسّادس، ومن ثمّ جاءت أقوالهما مضطربة متناقضة. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في تعليل ما لقيه أبو الوفاء من أصحابه الحنابلة: «والأذيّة الّتي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها: وذلك أنّ أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردّده إلى ابن الوليد، وابن التبّان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السّرّ علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السّنّة، وتأوّل لبعض الصّفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀». وقد تأثّر ابن الجوزيّ بشيخه تأثّرا بالغا، فحاد عن طريق سلفه من أئمّة المذهب، وقال بقول أهل التّأويل، لا سيّما في كتابه: «دفع شبه التّشبيه بأكفّ التّنزيه»، الّذي صنّفه في الرّدّ على بعض مشايخ المذهب، كابن حامد، والقاضي أبي يعلى، وشيخه ابن الزّاغوني، وليس

стр. 11

في الرّدّ على الحنابلة كما زعم بعضهم. قال الإمام ابن رجب ﵀ في ذكر كلام النّاس فيه: « … ومنها - وهو الّذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمّتهم من المقادسة والعلثيين - من ميله إلى التّأويل في بعض كلامه، واشتدّ نكرهم عليه في ذلك، ولا ريب أنّ كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو إن كان مطّلعا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرا بحلّ شبهة المتكلّمين وبيان فسادها، وكان معظّما لأبي الوفاء بن عقيل، يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه، وإن كان قد ردّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعا في الكلام، ولم يكن تامّ الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلوّن فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التّلوّن». انتهى. قال الإمام الموفّق المقدسيّ ابن قدامة ﵀: « … كان حافظا للحديث، وصنّف فيه إلّا أنّنا لم نرض تصانيفه في السّنّة، ولا طريقته فيها». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النّفي، ولا على قدم الإثبات!». وحقيقة الأمر: أنّنا لا نستطيع أن نتسب أبا الفرج ابن الجوزيّ إلى مذهب الأشاعرة في الاعتقاد، ذلك لأنّه لا يوافقهم في جميع أصولهم، وإنّما يوافقهم في بعضها، ومن ذلك تفويضه لمعاني صفات الله جلّ وعلا، حيث قال بقول متقدّمي الأشاعرة. وشيخ الإسلام ابن تيمية يفضّل أصحاب أبي الحسن الأشعريّ المتقدّمين على ابن الجوزيّ وشيخه ابن عقيل، ويراهم أقرب إلى ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل والأئمّة، ولكنّه يفضّلهما على كثير من متأخّري الأشاعرة الّذين انتحلوا نحلة الجهميّة. ولذا، نستطيع أن نقول: إنّ الإمام ابن الجوزيّ ﵀ كان من العلماء الّذين وقعت لهم

стр. 12

زلّات متنوّعة عن غير قصد، وبدون معاندة؛ لأنّه لم يجد في عصره من يبيّن له وجه الحقّ بدليله، ويردّه عليه، فخرجت بعض أقواله وفق ما درس وتأثّر من مشايخه بدون مراجعة، وتحرير، وتمحيص. وهاك بعض أقوال العلماء المنصفين في معتقد الإمام ابن الجوزي ﵀: ١ - قال الإمام الذّهبيّ كما في «سير أعلام النبلاء»: «عالم العراق، ومفتي الآفاق». وقال: «هكذا هو له أوهام وألوان من ترك المراجعة، وأخذ العلم من الصّحف». وقال في «التّاريخ الكبير»: «لا يوصف ابن الجوزيّ عندنا بالحفظ باعتبار الصّنعة، بل باعتبار كثرة اطّلاعه وجمعه». ٢ - وقال الشّيخ عبد الرّحمن السّعدي ﵀ في «الفتاوى السّعديّة»: «ابن الجوزيّ إمام في الوعظ والتّفسير والتّاريخ، وكذلك هو أحد الأصحاب المصنّفين في فقه الحنابلة، ولكنّه ﵀ خلط تخليطا عظيما في باب الصّفات، وتبع في ذلك الجهميّة والمعتزلة، فسلك سبيلهم في تحريف كثير منها، وخالف السّلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة، وهذا الموضوع من أكبر أغلاطه، ولذلك أنكر عليه أهل العلم، وتبرّأ منه الحنابلة في هذا الباب، ونزّهوا مذهب الإمام أحمد عن قوله وتخبيطه فيه، ومع ذلك فإنّ له في المذهب كتاب «المذهب»، وغيره. وله تصانيف كثيرة جدّا حسنة، فيها علم عظيم، وخير كثير، وهو معدود من الأكابر الأفاضل. ولكن كلّ أحد مأخوذ من قوله ومتروك سوى النّبيّ ﷺ ، فكلامه في كتاب التّأويل، وكلامه في الفصول الّتي أوّل «صيد الخاطر» … يجب الحذر منها، والتّحذير منها، ولولا أنّ هذه الكتب موجودة بين النّاس لكان للإنسان مندوحة عن الكلام فيه؛ لأنّه من أكابر أهل

стр. 13

العلم وأفاضلهم، وهو معروف بالدّين والورع والنّفع، ولكن لكلّ جواد كبوة، نرجو الله أن يعفو عنّا وعنه». ٣ - وقال فضيلة الشّيخ المحدّث مقبل بن هادي الوادعيّ ﵀ كما في «الجواب النّافع عن أسئلة أهل يافع»: « … - والعلماء أنفسهم وقلّ أن تجد عالما إلّا وهو يحدّث أو يستدلّ بأحاديث ضعيفة - .. من الأمثلة على هذا: الحافظ ابن الجوزيّ ﵀، له كتاب «الموضوعات»، وكتاب «العلل المتناهية»، ولكنّك إذا قرأت في سائر كتبه تراه يستدلّ بأحاديث ضعيفة وموضوعة، كما تجد هذا في كتابه «صيد الخاطر»، وفي غير «صيد الخاطر»، فالعلماء ربّما يتساهلون في بعض الأوقات … ». اه. ٤ - وقال فضيلة الشّيخ العلّامة صالح الفوزان - حفظه الله - كما في «الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة»: «الإمام ابن الجوزيّ ﵀ عنده أخطاء لا شكّ، و «صيد الخاطر» هذا فيه أخطاء كثيرة في العقيدة، في أبواب الصّفات، متأثّر بمذهب الّذين يؤوّلون الصّفات، لا شكّ، وهو إمام جليل، ومحدّث، وفقيه، ومفسّر، ومتبحّر في العلوم، ولكن عنده أخطاء في كتبه، ومنها «صيد الخاطر» هذا، ففيه كلام غير جيّد في الصّفات، وتأويلها، ولكن لا يعدّ جهميّا. ونرجو الله أن يغفر له، ويسامحه، ونحن نتجنّب هذه الأخطاء، ولا نتقبّلها وإن كانت عند ابن الجوزيّ أو غيره». وفاته: توفّي ﵀ بعدما أفرج عنه، وقدم بغداد، وعاد إلى الوعظ، والإرشاد، والكتابة، ونشر العلم حتّى توفّاه الله ليلة الجمعة (١٢ رمضان سنة ٥٩٧ هـ) بين العشائين، وقد قارب التّسعين من العمر، ودفن بباب حرب قرب مدفن الإمام أحمد بن حنبل ﵁.

стр. 14

مصادر ترجمته: «سير أعلام النّبلاء»، للإمام الذّهبيّ ﵀. «ذيل طبقات الحنابلة»، للإمام ابن رجب ﵀. «وفيات الأعيان»، لابن خلّكان ﵀. «مجموع الفتاوى»، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. «الفتاوى السّعديّة»، للعلّامة عبد الرحمن السعدي ﵀. «الجواب النّافع عن أسئلة أهل يافع»، للعلّامة المحدّث مقبل بن هادي الوادعي ﵀. «الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة»، للعلّامة صالح الفوزان حفظه الله.

стр. 15

خطبة الكتاب الحمد لله الّذي سلّم ميزان العدل إلى أكفّ ذوي الألباب، وأرسل الرّسل مبشّرين ومنذرين بالثّواب والعقاب، وأنزل عليهم الكتب مبيّنة للخطإ والصّواب، وجعل الشّرائع كاملة لا نقص فيها، ولا عاب. أحمده حمد من يعلم أنّه مسبّب الأسباب. وأشهد بوحدانيّته شهادة مخلص في نيّته غير مرتاب، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله وقد سدل الكفر على وجه الإيمان والحجاب، فنسخ الظّلام بنور الهدى، وكشف النّقاب، وبيّن للنّاس ما أنزل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجّة البيضاء، لا سرب فيها، ولا سراب، فصلّى الله عليه، وعلى جميع الآل، وكلّ الأصحاب، وعلى التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد: فإنّ أعظم النّعم على الإنسان العقل؛ لأنّه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسّبب الّذي يتوصّل به إلى تصديق الرّسل، إلّا أنّه لمّا لم ينهض بكلّ المراد من العبد، بعثت الرّسل، وأنزلت الكتب، فمثال الشّرع الشّمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة، رأت الشّمس، ولمّا ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصّادقة بدلائل المعجزات الخارقة، سلّم إليهم، واعتمد فيما يخفى عنه عليهم. ولمّا أنعم الله على هذا العالم الإنسيّ بالعقل، افتتحه الله بنبوّة أبيهم آدم ﵇؛ فكان يعلّمهم عن وحي الله ، فكانوا على الصّواب، إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه، ثمّ

стр. 16

تشعّبت الأهواء بالنّاس، فشرّدتهم في بيداء الضّلال حتّى عبدوا الأصنام، واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا، خالفوا فيه الرّسل والعقول اتّباعا لأهوائهم، وميلا إلى عاداتهم، وتقليدا لكبرائهم، فصدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلّا فريقا من المؤمنين. واعلم أنّ الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدّواء الشّافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف، فأقبل الشّيطان يخلط بالبيان شبها، وبالدّواء سمّا، وبالسّبيل الواضح جردا مضلّا، وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرّق الجاهليّة في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرّمون السّائبة، والبحيرة، والوصيلة، والحام، ويرون وأد البنات، ويمنعونهنّ الميراث، إلى غير ذلك من الضّلال الّذي سوّله لهم إبليس؛ فابتعث الله محمّدا ﷺ ، فرفع المقابح، وشرع المصالح، فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدوّ وغروره. فلمّا انسلخ نهار وجودهم، أقبلت أغباش الظّلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعا، وتضيّق سبيلا، ما زال متّسعا، ففرّق الأكثرون دينهم، وكانوا شيعا، ونهض إبليس يلبّس، ويزخرف، ويفرّق، ويؤلّف، وإنّما يصحّ له التّلصّص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح. فرأيت أن أحذّر من مكايده، وأدلّ على مصايده، فإنّ في تعريف الشّرّ تحذيرا عن الوقوع فيه. ففي «الصّحيحين» من حديث حذيفة: قال: «كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشّرّ؛ مخافة أن يدركني» (١). وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن علي البزّاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي،

стр. 17

قال: أخبرنا هبة الله بن حسن الطّبري، قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن سهل، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، قال: حدّثنا بشر بن موسى، قال: حدّثنا عبيد بن يعيش، قال: حدّثنا يونس بن بكير، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن الحسن أو الحسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄، قال: والله، ما أظنّ على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشّيطان هلاكا منّي. فقيل: وكيف؟ فقال: والله، إنّه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرّجل إليّ، فإذا انتهت إليّ، قمعتها بالسّنّة، فتردّ عليه كما أخرجها. وقد وضعت هذا الكتاب محذّرا من فتنه، ومخوّفا من محنه، وكاشفا عن مستوره، وفاضحا له في خفيّ غروره، والله المعين بجوده، كلّ صادق في مقصوده. وقد قسمته ثلاثة عشر بابا ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبيّن للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها، ضجّ منه إبليسه، والله موفّقي فيما قصدت، وملهمي للصّواب فيما أردت. ذكر تراجم الأبواب: الباب الأول: في الأمر بلزوم السّنّة والجماعة. الباب الثاني: في ذمّ البدع والمبتدعين. الباب الثالث: في التّحذير من فتن إبليس ومكايده. الباب الرابع: في معنى التّلبيس والغرور. الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والدّيانات. الباب السّادس: في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم. الباب السّابع: في ذكر تلبيسه على الولاة والسّلاطين.

стр. 18

الباب الثّامن: في ذكر تلبيسه على العبّاد في فنون العبادات. الباب التّاسع: في ذكر تلبيسه على الزّهّاد. الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصّوفيّة. الباب الحادي عشر: في ذكر تلبيسه على المتديّنين بما يشبه الكرامات. الباب الثّاني عشر: في ذكر تلبيسه على العوامّ. الباب الثّالث عشر: في ذكر تلبيسه على الكلّ بتطويل الأمل.

стр. 19

الباب الأول الأمر بلزوم السنة والجماعة ١ - أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التّميميّ، نا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، نا ابن المبارك، ثنا محمّد ابن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنّ عمر بن الخطّاب ﵄ خطب بالجابية، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: «من أراد أن ينال بحبوحة الجنّة، فليلزم الجماعة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (١). ٢ - أخبرنا أحمد وحدّثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: «خطب عمر النّاس بالجابية، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا، فقال: «من أحبّ منكم أن ينال بحبوحة الجنّة؛ فليلزم الجماعة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (٢). قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح. ٣ - أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك الحافظ، ويحيى بن عليّ المدبر، نا أبو محمّد الصريفيني، نا أبو بكر محمّد بن الحسن بن عبدان، ثنا أبو محمّد بن صاعد، ثنا سعيد بن يحيى الأموي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد بحبوحة الجنّة، فليلزم الجماعة، فإنّ الشّيطان

стр. 20

مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (١). ٤ - حدّثنا عبد الأوّل بن عيسى، نا أبو عاصم الفضيل بن يحيى، ثنا أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز، أنبأنا أبو عبيد، نا النّضر بن إسماعيل، عن محمّد ابن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يسكن بحبوبة الجنّة فليلزم الجماعة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (٢). ٥ - أخبرنا عبد الأوّل، نا أبو عبد الله محمّد بن عبد العزيز الفارسي، نا عبد الرّحمن بن أبي شريح، ثنا ابن صاعد، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو معاوية، عن يزيد بن مردانبه، عن زياد بن علاقة، عن عرفجة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يد الله على الجماعة، والشّيطان مع من يخالف الجماعة» (٣). ٦ - أخبرنا محمّد بن عمر الأرموي، والحسين بن عليّ المقري، نا عبد الصّمد بن المأمون، نا علي بن عمر الدّارقطني، ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن يعلى، ثنا سليمان العامري، عن الشّيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يد الله على الجماعة، فإذا شذّ الشّاذّ منهم، اختطفته الشّياطين، كما يختطف الذّئب الشّاة من الغنم» (٤). ٧ - أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثنى أبي، أنبأنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: «خطّ رسول الله ﷺ خطّا بيده، ثمّ قال: هذا سبيل الله مستقيما». قال: ثمّ خطّ عن يمينه

стр. 21

وشماله، ثمّ قال: «هذه السّبل ليس منها سبيل إلّا عليه شيطان يدعو إليه»، ثمّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١). ٨ - وبالإسناد قال أحمد: ثنا روح، ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الشّيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشّاة القاصية، والنّاحية فإيّاكم والشّعاب، وعليكم بالجماعة، والعامّة، والمسجد» (٢). ٩ - حدّثنا أحمد، ثنا أبو اليمان، ثنا ابن عيّاش، عن البختري بن عبيد بن سلمان، عن أبيه، عن أبي ذرّ، عن النّبيّ ﷺ ، أنّه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإنّ الله لم يجمع أمّتي إلّا على الهدى» (٣). ١٠ - أخبرنا عبد الملك بن القاسم الكروخي، قال: أخبرنا أبو عامر الأزديّ، وأبو بكر الغورجي، قالا: أخبرنا الجرّاحي، قال: أخبرنا المحبوبي، أبنا التّرمذيّ، قال: حدثنا محمود ابن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن عبد الرّحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على أمّتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النّعل بالنّعل حتّى إن كان منهم من أتى أمّه علانية، لكان في أمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّة، وتفرّقت أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النّار إلّا ملّة واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا يعرف إلّا من هذا الوجه.

стр. 22

١١ - وروى أبو داود في «سننه» من حديث معاوية بن أبي سفيان، أنّه قام فقال: ألا إنّ رسول الله ﷺ قام فينا، فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة، وإنّه سيخرج من أمّتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه (١)» (٢). أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، نا أحمد بن عليّ الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الحافظ، نا محمّد بن الحسين الفارسي، نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ثنا العلاء بن سالم، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عمارة، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: الاقتصاد في السّنّة خير من الاجتهاد في البدعة. أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا محمّد بن سعيد، ثنا ابن المبارك، عن الرّبيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: عليكم بالسّبيل والسّنّة، فإنّه ليس من عبد على سبيل وسنّة ذكر الرّحمن، ففاضت عيناه من خشية الله، فتمسّه النّار، وإنّ اقتصادا في سبيل وسنّة، خير من اجتهاد في إخلاف. أخبرنا سعد الله بن عليّ، نا الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن، نا عبد الواحد ابن عبد العزيز، نا محمّد بن أحمد الشرقي، ثنا عثمان بن أيّوب، نا إسحاق بن إبراهيم المروزي، قال: ثنا أبو إسحاق الأقرع قال: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصّهباء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، قال: النّظر إلى الرّجل من أهل السّنّة يدعو إلى السّنّة، وينهى

стр. 23

عن البدعة: عبادة. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، قال: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الأصبهاني، ثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عاصما الأحول يحدّث عن أبي العالية، قال: عليكم بالأمر الأوّل الّذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا. قال عاصم: فحدّثت به الحسن، فقال: قد نصحك - والله - وصدقك. أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمّد بن أحمد بن الحسن، أنبأنا بشر بن موسى، نا معاوية بن عمرو، نا أبو إسحاق الفزاريّ، قال: قال الأوزاعيّ: اصبر نفسك على السّنّة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكفّ عمّا كفّوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصّالح، فإنّه يسعك ما وسعهم. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمّد بن عبد الله بن سلم، أنبأنا محمّد بن منصور الهروي، ثنا عبد الله بن عروة، قال: سمعت يوسف بن موسى القطّان يحدّث عن الأوزاعيّ، قال: رأيت ربّ العزّة في المنام، فقال لي: يا عبد الرّحمن، أنت الّذي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟!، فقلت: بفضلك يا ربّ. وقلت: يا ربّ، أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السّنّة. أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، أنبأنا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمّد بن إسحاق، سمعت أبا همام السّكوني يقول: حدّثني أبي، قال: سمعت سفيان يقول: لا يقبل قول إلّا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلّا بنيّة، ولا يستقيم قول وعمل ونيّة إلّا بموافقة السّنّة. أخبرنا محمّد، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، أنبأنا محمّد بن عليّ، ثنا عمرو بن عبدويه، ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الرّحمن بن عفّان، قال: ثنا يوسف بن أسباط، قال: قال سفيان: يا يوسف إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنّه صاحب سنّة، فابعث إليه بالسّلام،

стр. 24

وإذا بلغك عن آخر بالمغرب أنّه صاحب سنّة، فابعث إليه بالسّلام، فقد قلّ أهل السّنّة والجماعة. أخبرنا سعد الله بن عليّ، نا أحمد بن عليّ الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسين الطّبري، نا محمّد بن عبد الرّحمن، نا البغويّ، نا محمّد بن زياد البلدي، ثنا أبو أسامة، عن حمّاد بن زيد، قال أيّوب: إنّي لأخبر بموت الرّجل من أهل السّنّة، فكأنّي أفقد بعض أعضائي، وبه قال الطّبريّ. وأخبرنا الحسين بن أحمد، ثنا عبيد الله بن البروجردي، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا أيّوب بن سويد، عن عبد الله بن شوذب، عن أيّوب قال: إنّ من سعادة الحدث والأعجميّ أن يوفّقهما الله تعالى لعالم من أهل السّنّة. قال الطّبريّ: وأخبرنا أحمد بن محمّد بن حفص، ثنا جعفر بن محمّد بن نصير، ثنا أحمد بن محمّد بن مسروق، ثنا محمّد بن هارون أبو نشيط، ثنا أبو عمير بن النّحّاس، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال: إنّ من نعمة الله على الشّابّ إذا نسك أن يؤاخي صاحب سنّة يحمله عليها. قال الطّبريّ: وأخبرنا عيسى بن عليّ، ثنا البغويّ، ثنا محمّد بن هارون، ثنا سعيد بن شبيب، قال: سمعت يوسف بن أسباط، يقول: كان أبي قدريّا، وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان. قال الطّبريّ: وأخبرني أحمد بن محمّد بن حفص، نا عبد الله بن عديّ، ثني أحمد بن العبّاس الهاشمي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: سمعت معتمر بن سليمان يقول: دخلت على أبي وأنا منكسر، فقال لي: ما لك؟ قلت: مات صديق لي. فقال: مات على السّنّة؟ قلت: نعم. قال: تحزن عليه؟! قال الطّبريّ: وأخبرنا أحمد بن عبد الله، نا محمّد بن الحسين، ثنا أحمد بن زهير، ثنا

стр. 25

يعقوب بن كعب، ثنا عبدة، ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثّوريّ، قال: استوصوا بأهل السّنّة خيرا، فإنّهم غرباء. أخبرنا أبو منصور بن خيرون، نا إسماعيل بن أبي الفضل الإسماعيلي، نا حمزة بن يوسف السّهميّ، نا عبد الله بن عليّ الحافظ، نا أبو عوانة، ثنا جعفر بن عبد الواحد، قال: قال لنا أبو بكر بن عيّاش: السّنّة في الإسلام أعزّ من الإسلام في سائر الأديان. سمعت أبا عبد الله الحسين بن عليّ المقري يقول: سمعت أبا محمّد عبد الله بن عطاء يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن عبد الله الإسكندراني يقول: سمعت أبا منصور محمّد الأزدي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمّد بن فراشة يقول: سمعت أحمد بن منصور يقول: سمعت الحسن بن محمّد الطّبري يقول: سمعت محمّد بن المغيرة يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشّافعيّ يقول: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأنّي رأيت رجلا من أصحاب النّبيّ ﷺ . أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، أخبرني جعفر الخلديّ في كتابه، قال: سمعت الجنيدي يقول: الطّريق كلّها مسدودة على الخلق إلّا من اقتفى أثر الرّسول ﷺ واتّبع سنّته، ولزم طريقته، فإنّ طرق الخيرات كلّها مفتوحة عليه. أخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن محمّد، نا عبد العزيز بن عليّ الأزجي، نا عليّ بن عبد الله بن جهضم، نا محمّد بن جابان، قال: سمعت حامد بن إبراهيم، يقول: قال الجنيد بن محمّد: الطّريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى، إلّا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ ، والتّابعين لسنّته، كما قال الله : ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 26

الباب الثاني في ذم البدع والمبتدعين ١٢ - أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمّد بن الحصين الشّيباني، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب، أنا أبو بكر أحمد بن حمدان، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: أخبرني أبي، ثنا يزيد، عن إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي (ح) (١)، وأخبرنا أبو غالب محمّد بن الحسن الماوردي، وأبو سعد البغداديّ، قالا: نا المطهر بن عبد الواحد، نا أبو جعفر أحمد بن محمّد المرزبان، نا محمّد بن إبراهيم الحزوّريّ، ثنا لوين، ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو ردّ» (٢). ١٣ - أخبرنا موهوب بن أحمد، نا عليّ بن أحمد البسري، ثنا محمّد بن عبد الرّحمن المخلص، ثنا عبد الله بن محمّد البغويّ، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصليّ، وإسحاق بن إبراهيم المروزيّ، قالا: ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ» (٣). ١٤ - قال البغويّ: وحدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد، ثنا عبد العزيز، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من فعل أمرا

стр. 27

ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»، أخرجاه في «الصّحيحين» (١). ١٥ - أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا هشيم عن حصين بن عبد الرّحمن، ومغيرة الضّبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من رغب عن سنّتي فليس منّي» (٢)، انفرد بإخراجه البخاريّ. ١٦ - أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، حدّثني عبد الرّحمن ابن عمرو السّلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممّن نزل فيه: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]. فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال عرباض: «صلّى بنا رسول الله ﷺ الصّبح ذات يوم، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنّ هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسّمع والطّاعة، وإن عبدا حبشيّا، فإنّه من يعش بعدي فسيري اختلافا كثيرا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» (٣). قال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 28

١٧ - أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، وليختلجنّ رجال دوني، فأقول: يا ربّ، أصحابي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١)، أخرجاه في «الصحيحين». أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا محمّد بن يحيى، ثنا محمّد بن كثير، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي عمرو الشّيبانيّ، عن عبد الله بن محيريز، قال: يذهب الدّين سنّة سنّة، كما يذهب الحبل قوّة قوّة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبد الله البقّال، نا أبو الحسين بن بشران، ثنا عثمان بن أحمد الدّقّاق، ثنا حنبل، قال: حدّثني أبو عبد الله (يعني: أحمد بن حنبل)، ثنا عبد الرّزّاق، ثنا معمر، قال: كان طاوس جالسا، وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة، فتكلّم في شيء، فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه، وقال: يا بنيّ، أدخل أصبعك في أذنيك حتّى لا تسمع من قوله شيئا، فإنّ هذا القلب ضعيف. ثمّ قال: أي بنيّ، اسدد، فما زال يقول: اسدد حتّى قام الآخر. قال حنبل: وحدّثنا محمّد بن داود، ثنا عيسى بن علي الضّبي قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم، فبلغ إبراهيم أنّه قد دخل في الإرجاء، فقال له إبراهيم: إذا قمت من عندنا فلا تعد. قال حنبل: وحدّثنا محمّد بن داود الحيداني، قال: قلت لسفيان بن عيينة: إنّ هذا يتكلّم في القدر (يعني: إبراهيم بن أبي يحيى)، فقال سفيان: عرّفوا النّاس أمره، وسلوا الله لي العافية.

стр. 29

وقال حنبل: وحدّثنا سعدويه، ثنا صالح المري، قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح بابا من أبواب القدر، فتكلّم فيه، فقال ابن سيرين: إمّا أن تقوم، وإمّا أن نقوم. أخبرنا المحمّدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر، ثنا أبو بكر بن راشد، ثنا إبراهيم بن سعيد بن عامر، عن سلّام بن أبي مطيع، قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيّوب: أكلّمك بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة. وقال ابن راشد: وحدّثنا أبو سعيد الأشجّ، ثنا يحيى بن يمان، عن مخلد بن حسين، عن هشام بن حسّان، عن أيّوب السّختيانيّ، قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلّا ازداد من الله بعدا. أخبرنا أبو البركات بن عليّ البزاز، نا الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن، نا عيسى بن علي، نا البغويّ، نا أبو سعيد الأشج، نا يحيى بن اليمان، قال: سمعت سفيان الثّوريّ قال: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. أخبرنا ابن القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا الحسن بن عليّ، ثنا محمود بن غيلان، ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: مات عبد العزيز بن أبي روّاد، وكنت في جنازته حتّى وضع عند باب الصّفا، فصفّ النّاس، وجاء الثّوريّ، فقال النّاس: جاء الثّوريّ، فجاء حتّى خرق الصّفوف، والنّاس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة، ولم يصلّ عليه؛ لأنّه كان يرمى بالإرجاء. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاريّ، نا عبد الله بن أحمد السّمرقنديّ، نا أحمد بن عمرو بن روح النّهروانيّ، ثنا طلحة بن أحمد الصّوفيّ، ثنا محمّد بن أحمد بن أبي مهزول، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: سمعت شعيب بن حرب يقول: سمعت سفيان

стр. 30

الثّوريّ يقول: من سمع من مبتدع، لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه، فقد نقض الإسلام عروة عروة. أخبرنا محمّد بن ناصر، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الأصفهانيّ، ثنا سليمان بن أحمد، نا عبد الله بن محمّد، ثنا سعيد الكريزيّ، قال: ثنا سعيد بن عامر قال: مرض سليمان التّيميّ، فبكى في مرضه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكنّي مررت على قدريّ، فسلّمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربّي عليه. أخبرني عبد الوهّاب بن المبارك، ويحيى بن عليّ، قالا: أخبرنا أبو محمّد الصريفيني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمّد بن الحسين البائع، ثني أبي، ثنا محمّد بن بكر، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه. أخبرنا ابن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمّد بن النّضر، ثنا عبد الصّمد بن يزيد، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: من أحبّ صاحب بدعة، أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا محمّد بن عليّ، قال: ثنا أبو يعلى، ثنا عبد الصّمد، قال: سمعت الفضيل يقول: إذا رأيت مبتدعا في طريق، فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام. وسمعت رجلا يقول للفضيل: من زوّج كريمته من فاسق، فقد قطع رحمها، فقال له الفضيل: من زوّج كريمته من مبتدع، فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة، لم يعط الحكمة، وإذا علم الله أنّه مبغض لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له سيّئاته. قال المصنف: وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعا. وعن عائشة ﵂ قالت: قال

стр. 31

رسول الله ﷺ : «من وقّر صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام» (١). وقال محمّد بن النّضر الحارثي: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه. وقال إبراهيم: سمعت أبا جعفر محمّد بن عبد الله القايني يقول: سمعت عليّ بن عيسى يقول: سمعت محمّد بن إسحاق يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال صاحبنا (يعني: اللّيث بن سعد): لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء، ما قبلته. فقال الشّافعيّ: إنّه ما قصر لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته. وعن بشر بن الحارث أنّه قال: جاء موت هذا الّذي يقال له: المريسي، وأنا في السّوق، فلولا أنّ الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا، الحمد لله الّذي أماته، هكذا قولوا. قال المصنّف: حدّثت عن أبي بكر الخلّال، عن المروزيّ، عن محمّد بن سهل البخاريّ، قال: كنّا عند الفريابي، فجعل يذكر أهل البدع، فقال له رجل: لو حدّثتنا كان أعجب إلينا، فغضب، وقال: كلامي في أهل البدع أحبّ إليّ من عبادة ستّين سنة. فصل [تعريف السنة والبدعة] فإن قال قائل: قد مدحت السّنّة، وذممت البدعة، فما السّنّة؟ وما البدعة؟ فإنّا نرى أنّ كلّ مبتدع في زعمنا يزعم أنّه من أهل السّنّة. فالجواب: أنّ السّنّة في اللّغة: الطّريق، ولا ريب في أنّ أهل النّقل والأثر المتّبعين آثار

стр. 32

رسول الله ﷺ ، وآثار أصحابه هم أهل السّنّة؛ لأنّهم على تلك الطّريق الّتي لم يحدث فيها حادث، وإنّما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. والبدعة عبارة عن: فعل [فعل]، لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنّها تصادم الشّريعة بالمخالفة، وتوجب التّعاطي عليها بزيادة أو نقصان، فإن ابتدع شيء لا يخالف الشّريعة، ولا يوجب التّعاطي عليها، فقد كان جمهور السّلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كلّ مبتدع، وإن كان جائزا حفظا للأصل، وهو الاتّباع. وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵄ حين قالا له: اجمع القرآن: «كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟» (١). وأخبرنا محمّد بن علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا عليّ بن الحسين، نا ابن شاذان، نا أبو سهل، نا أحمد البرتيّ، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان عن ابن عجلان، عن عبد الله بن أبي سلمة، أنّ سعد بن مالك سمع رجلا يقول: لبّيك ذا المعارج، فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول الله ﷺ . وأخبرنا: محمّد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البختري، قال: أخبر رجل عبد الله ابن مسعود أنّ قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبّروا الله كذا وكذا، وسبّحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا. قال عبد الله: «فإذا رأيتهم فعلوا ذلك، فائتني، فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم، فجلس، فلمّا سمع ما يقولون، قام فأتى بن مسعود، فجاء، وكان رجلا حديدا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الّذي لا إله غيره، لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فضلتم أصحاب محمّد ﷺ علما. فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله. فقال: عليكم بالطّريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينا

стр. 33

وشمالا، لتضلنّ ضلالا بعيدا». أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، عن أبي محمّد الجوهريّ، عن أبي عمر بن أبي حيويه، ثنا أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن فهم، ثنا محمّد بن سعد، ثنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، ثنا ابن عوف، قال: كنّا عند إبراهيم النّخعي، فجاء رجل، فقال: يا أبا عمران، ادع الله أن يشفيني، فرأيت أنّه كرهه كراهية شديدة حتّى عرفنا كراهية ذلك في وجهه. وذكر إبراهيم السّنّة، فرغّب فيها، وذكر ما أحدثه النّاس فكرهه. وقال فيه: أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر، وابن عبد الباقي)، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، سمعت محمّد بن إبراهيم يقول: سمعت محمّد بن ريّان يقول: سمعت ذا النّون - وجاءه أصحاب الحديث، فسألوه عن الخطرات والوساوس؟ فقال: أنا لا أتكلّم في شيء من هذا، فإنّ هذا محدث، سلوني عن شيء في الصّلاة، أو الحديث. ورأى ذو النّون عليّ خفّا أحمر، فقال: انزع هذا يا بنيّ، فإنّه شهرة، ما لبسه رسول الله ﷺ ، إنّما لبس خفّين أسودين ساذجين. [لزوم طريق أهل السّنّة]: قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: قد بينّا أنّ القوم كانوا يتحذّرون من كلّ بدعة وإن لم يكن بها بأس؛ لئلّا يحدثوا ما لم يكن، وقد جرت محدثات لا تصادم الشّريعة، ولا يتعاطى عليها، فلم يروا بفعلها بأسا كما روي أنّ النّاس كانوا يصلّون في رمضان وحدانا، وكان الرّجل يصلّي فيصلّي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر بن الخطّاب على أبي بن كعب ﵄، فلمّا خرج فرآهم قال: «نعمت البدعة هذه»؛ لأنّ صلاة الجماعة مشروعة. وإنّما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة، كم من أخ يستفاد، ودعوة مستجابة؛ لأنّ الوعظ مشروع، ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذمّ، فأمّا إذا كانت البدعة

стр. 34

كالمتمّم، فقد اعتقد نقص الشّريعة، وإن كانت مضادّة فهي أعظم. فقد بان بما ذكرنا أنّ أهل السّنّة هم المتّبعون، وأنّ أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل، ولا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم، ولم يكتم أهل السّنّة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة، ومذهبهم مشهور، والعاقبة لهم. أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التّميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، قال: ثني أبي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال ناس من أمّتي ظاهرين حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» في «الصّحيحين» (١). أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التميمي، نا ابن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، قال: ثنا يوسف، ثنا حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله، وهم كذلك» (٢)، انفرد به مسلم. وقد روى هذا المعنى عن النّبيّ ﷺ : معاوية، وجابر بن عبد الله، وقرّة. أخبرنا الكروخيّ، نا الغورجي والأزديّ، قالا: نا الجراحي، ثنا المحبوبي، ثنا التّرمذيّ، قال: قال محمّد بن إسماعيل: قال عليّ بن المدينيّ: هم أصحاب الحديث. انقسام أهل البدع: في بيان انقسام أهل البدع أخبرنا عبد الملك الكروخيّ، نا أبو عامر الأزديّ، وأبو بكر الغورجي قالا: نا الجراحي، ثنا المحبوبي، ثنا التّرمذيّ، ثنا الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى، عن

стр. 35

محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنّصارى مثل ذلك، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١). قال التّرمذيّ: هذا حديث صحيح. قال المصنّف: وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الّذي قبله، وفيه: «كلّهم في النّار إلّا ملّة واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، قال: ثني أبي، ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ بني إسرائيل تفرّقت إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإنّ أمّتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، يهلك إحدى وسبعون، وتخلص فرقة». قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ قال: «الجماعة» (٣). قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: فإن قيل: وهل هذه الفرق معروفة؟ فالجواب: أنّا نعرف الافتراق، وأصول الفرق، وإنّ كلّ طائفة من الفرق قد انقسمت إلى فرق، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق، ومذاهبها، وقد ظهر لنا من أصول الفرق: الحروريّة، والقدريّة، والجهميّة، والمرجئة، والرّافضة، والجبريّة. وقد قال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضّالّة هذه الفرق السّتّة، وقد انقسمت كلّ فرقة منها على اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين فرقة. وانقسمت الحروريّة اثنتي عشرة فرقة: فأوّلهم الأزرقيّة، قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا،

стр. 36

وكفّروا أهل القبلة إلّا من دان بقولهم. والإباضيّة قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق. والثّعلبيّة قالوا: إنّ الله لم يقض، ولم يقدّر. والحازميّة قالوا: ما ندري ما الإيمان، والخلق كلّهم معذورون. والخلفيّة: زعموا أنّ من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى، فقد كفر. والمكرمية قالوا: ليس لأحد أن يمسّ أحدا؛ لأنّه لا يعرف الطّاهر من النّجس، ولا أن يؤاكله حتّى يتوب ويغتسل. والكنزيّة قالوا: لا ينبغي لأحد أن يعطي ماله أحدا؛ لأنّه ربّما لم يكن مستحقّا، بل يكنزه في الأرض حتّى يظهر أهل الحقّ. والشمراخية قالوا: لا بأس بمسّ النّساء الأجانب؛ لأنّهنّ رياحين. والأخنسيّة قالوا: لا يلحق الميّت بعد موته خير، ولا شرّ. والمحكميّة قالوا: إنّ من حاكم إلى مخلوق، فهو كافر. والمعتزلة من الحروريّة قالوا: اشتبه علينا أمر عليّ ومعاوية، فنحن نتبرّأ من الفريقين. والميمونيّة قالوا: لا إمام إلّا برضا أهل محبّتنا. وانقسمت القدريّة اثنتي عشرة فرقة: الأحمريّة: وهي الّتي زعمت أنّ شرط العدل من الله، أن يملك عباده أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. والثنويّة: وهي الّتي زعمت أنّ الخير من الله، والشّرّ من إبليس. والمعتزلة هم الّذين قالوا بخلق القرآن، وجحدوا الرؤية.

стр. 37

والكيسانيّة: هم الّذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله، أم من العباد، ولا نعلم أيثاب النّاس بعد الموت أو يعاقبون. والشيطانيّة قالوا: إنّ الله لم يخلق شيطانا. والشريكيّة قالوا: إنّ السّيّئات كلّها مقدّرة إلّا الكفر. والوهميّة قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسّيّئة ذات. والروانديّة قالوا: كلّ كتاب أنزل من الله، فالعمل به حقّ؛ ناسخا كان أو منسوخا. والبتريّة زعموا: أنّ من عصى ثمّ تاب لم تقبل توبته. والناكثيّة زعموا: أنّ من نكث بيعة رسول الله ﷺ ، فلا إثم عليه. والقاسطيّة: فضّلوا طلب الدّنيا على الزّهد فيها. والنظاميّة: تبعوا إبراهيم النظّام في قوله: من زعم أنّ الله شيء، فهو كافر. وانقسمت الجهميّة اثنتي عشرة فرقة: المعطّلة: زعموا أنّ كلّ ما يقع عليه وهم الإنسان، فهو مخلوق، ومن ادّعى أنّ الله يرى، فهو كافر. والمريسيّة قالوا: أكثر صفات الله مخلوقة. والملتزمة: جعلوا الباري في كلّ مكان. والوارديّة قالوا: لا يدخل النّار من عرف ربّه، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا. والزنادقة قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربّا؛ لأنّ الإثبات لا يكون إلّا بعد إدراك الحواسّ، وما يدرك فليس بإله، وما لا يدرك لا يثبت. والحرقية: زعموا أنّ الكافر تحرقه النّار مرّة واحدة، ثمّ يبقى محترقا أبدا لا يجد حرّ النّار.

стр. 38

والمخلوقيّة: زعموا أنّ القرآن مخلوق. والفانيّة: زعموا أنّ الجنّة والنّار تفنيان، ومنهم من قال: إنّهما لم تخلقا. والمغيرية: جحدوا الرّسل، فقالوا: إنّما هم حكّام. والواقفيّة قالوا: لا نقول إنّ القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق. والقبريّة: ينكرون عذاب القبر والشّفاعة. واللفظيّة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة: التاركيّة قالوا: ليس لله على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به وعرفه، فليفعل ما شاء. والسّائبية قالوا: إنّ الله تعالى سيّب خلقه ليعملوا ما شاؤوا. والراجية قالوا: لا نسمّي الطّائع طائعا، ولا العاصي عاصيا؛ لأنّا لا ندري ما له عند الله. والشّاكية قالوا: إنّ الطّاعات ليست من الإيمان. والبيهسيّة قالوا: الإيمان: العلم، ومن لا يعلم الحقّ من الباطل، والحلال من الحرام؛ فهو كافر. والعملية قالوا: الإيمان عمل. والمنقوصية قالوا: الإيمان لا يزيد، ولا ينقص. والمستثنية: نفوا الاستثناء في الإيمان. والمشبّهة يقولون: لله بصر كبصري، ويد كيدي. والحشويّة: جعلوا حكم الأحاديث كلّها واحدا، فعندهم أنّ تارك النّفل كتارك الفرض.

стр. 39

والظّاهريّة: وهم الّذين نفوا القياس. والبدعيّة: أوّل من ابتدع الأحداث في هذه الأمّة. وانقسمت الرّافضة اثنتي عشرة فرقة: العلويّة قالوا: إنّ الرّسالة كانت إلى عليّ، وإنّ جبريل أخطأ. والأمريّة قالوا: إنّ عليّا شريك محمّد ﷺ في أمره. والشّيعة قالوا: إنّ عليّا ﵁ وصيّ رسول الله ﷺ ، ووليّه من بعده، وإنّ الأمّة كفرت بمبايعة غيره. والإسحاقيّة قالوا: إنّ النّبوّة متّصلة إلى يوم القيامة، وكلّ من يعلم علم أهل البيت فهو نبيّ. والناووسيّة قالوا: إنّ عليّا أفضل الأمّة، فمن فضل غيره عليه فقد كفر. والإماميّة قالوا: لا يمكن أن تكون الدّنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإنّ الإمام يعلّمه جبرائيل، فإذا مات بدّل مكانه مثله. والزيديّة قالوا: إنّ ولد الحسين كلّهم أئمّة في الصّلوات، فمتى وجد منهم أحد، لم تجز الصّلاة خلف غيره، برّهم وفاجرهم. والعباسيّة زعموا: أنّ العبّاس كان أولى بالخلافة من غيره. والمتناسخة قالوا: إنّ الأرواح تتناسخ، فمتى كان محسنا، خرجت روحه، فدخلت في خلق تسعد بعيشه، ومن كان مسيئا، دخلت روحه في خلق تشقى بعيشه. والرجعيّة زعموا: أنّ عليّا وأصحابه يرجعون إلى الدّنيا، وينتقمون من أعدائهم. واللاعنيّة: الّذين يلعنون عثمان، وطلحة، والزّبير، ومعاوية، وأبا موسى، وعائشة، وغيرهم ﵃.

стр. 40

والمتربصة: تشبّهوا بزيّ النّسّاك، ونصبوا في كلّ عصر رجلا ينسبون الأمر إليه، يزعمون أنّه مهديّ هذه الأمّة، فإذا مات نصّبوا رجلا آخر. وانقسمت الجبريّة اثنتي عشرة فرقة، فمنهم: المضطربة قالوا: لا فعل للآدميّ، بل الله يفعل الكلّ. والأفعاليّة قالوا: لنا أفعال، ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنّما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. والمفروغيّة قالوا: كلّ الأشياء قد خلقت، والآن لا يخلق شيء. والنّجاريّة: زعمت أنّ الله يعذّب النّاس على فعله، لا على فعلهم. والمتانية قالوا: عليك بما خطر بقلبك، فافعل ما توسّمت به الخير. والكسبيّة قالوا: لا يكسب العبد ثوابا، ولا عقابا. والسّابقيّة قالوا: من شاء فليفعل، ومن شاء لا يعمل، فإنّ السّعيد لا تضرّه ذنوبه، والشّقيّ لا ينفعه برّه. والحبّيّة قالوا: من شرب كأس محبّة الله سقطت عنه الأركان، والقيام بها. والخوفيّة قالوا: إنّ من أحبّ الله لم يسعه أن يخافه؛ لأنّ الحبيب لا يخاف حبيبه. والفكريّة قالوا: إنّ من ازداد علما، سقط عنه بقدر ذلك من العبادة. والخسيّة قالوا: الدّنيا بين العباد سواء، لا تفاضل بينهم فيما ورّثهم أبوهم آدم. والمعيّة قالوا: منّا الفعل، ولنا الاستطاعة.
следующие страницы →