وكفّروا أهل القبلة إلّا من دان بقولهم.
والإباضيّة قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق.
والثّعلبيّة قالوا: إنّ الله لم يقض، ولم يقدّر.
والحازميّة قالوا: ما ندري ما الإيمان، والخلق كلّهم معذورون.
والخلفيّة: زعموا أنّ من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى، فقد كفر.
والمكرمية قالوا: ليس لأحد أن يمسّ أحدا؛ لأنّه لا يعرف الطّاهر من النّجس، ولا أن يؤاكله حتّى يتوب ويغتسل.
والكنزيّة قالوا: لا ينبغي لأحد أن يعطي ماله أحدا؛ لأنّه ربّما لم يكن مستحقّا، بل يكنزه في الأرض حتّى يظهر أهل الحقّ.
والشمراخية قالوا: لا بأس بمسّ النّساء الأجانب؛ لأنّهنّ رياحين.
والأخنسيّة قالوا: لا يلحق الميّت بعد موته خير، ولا شرّ.
والمحكميّة قالوا: إنّ من حاكم إلى مخلوق، فهو كافر.
والمعتزلة من الحروريّة قالوا: اشتبه علينا أمر عليّ ومعاوية، فنحن نتبرّأ من الفريقين.
والميمونيّة قالوا: لا إمام إلّا برضا أهل محبّتنا.
وانقسمت القدريّة اثنتي عشرة فرقة:
الأحمريّة: وهي الّتي زعمت أنّ شرط العدل من الله، أن يملك عباده أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم.
والثنويّة: وهي الّتي زعمت أنّ الخير من الله، والشّرّ من إبليس.
والمعتزلة هم الّذين قالوا بخلق القرآن، وجحدوا الرؤية.
стр. 37
والكيسانيّة: هم الّذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله، أم من العباد، ولا نعلم أيثاب النّاس بعد الموت أو يعاقبون.
والشيطانيّة قالوا: إنّ الله لم يخلق شيطانا.
والشريكيّة قالوا: إنّ السّيّئات كلّها مقدّرة إلّا الكفر.
والوهميّة قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسّيّئة ذات.
والروانديّة قالوا: كلّ كتاب أنزل من الله، فالعمل به حقّ؛ ناسخا كان أو منسوخا.
والبتريّة زعموا: أنّ من عصى ثمّ تاب لم تقبل توبته.
والناكثيّة زعموا: أنّ من نكث بيعة رسول الله ﷺ ، فلا إثم عليه.
والقاسطيّة: فضّلوا طلب الدّنيا على الزّهد فيها.
والنظاميّة: تبعوا إبراهيم النظّام في قوله: من زعم أنّ الله شيء، فهو كافر.
وانقسمت الجهميّة اثنتي عشرة فرقة:
المعطّلة: زعموا أنّ كلّ ما يقع عليه وهم الإنسان، فهو مخلوق، ومن ادّعى أنّ الله يرى، فهو كافر.
والمريسيّة قالوا: أكثر صفات الله مخلوقة.
والملتزمة: جعلوا الباري في كلّ مكان.
والوارديّة قالوا: لا يدخل النّار من عرف ربّه، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا.
والزنادقة قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربّا؛ لأنّ الإثبات لا يكون إلّا بعد إدراك الحواسّ، وما يدرك فليس بإله، وما لا يدرك لا يثبت.
والحرقية: زعموا أنّ الكافر تحرقه النّار مرّة واحدة، ثمّ يبقى محترقا أبدا لا يجد حرّ النّار.
стр. 38
والمخلوقيّة: زعموا أنّ القرآن مخلوق.
والفانيّة: زعموا أنّ الجنّة والنّار تفنيان، ومنهم من قال: إنّهما لم تخلقا.
والمغيرية: جحدوا الرّسل، فقالوا: إنّما هم حكّام.
والواقفيّة قالوا: لا نقول إنّ القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق.
والقبريّة: ينكرون عذاب القبر والشّفاعة.
واللفظيّة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق.
وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة:
التاركيّة قالوا: ليس لله على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به وعرفه، فليفعل ما شاء.
والسّائبية قالوا: إنّ الله تعالى سيّب خلقه ليعملوا ما شاؤوا.
والراجية قالوا: لا نسمّي الطّائع طائعا، ولا العاصي عاصيا؛ لأنّا لا ندري ما له عند الله.
والشّاكية قالوا: إنّ الطّاعات ليست من الإيمان.
والبيهسيّة قالوا: الإيمان: العلم، ومن لا يعلم الحقّ من الباطل، والحلال من الحرام؛ فهو كافر.
والعملية قالوا: الإيمان عمل.
والمنقوصية قالوا: الإيمان لا يزيد، ولا ينقص.
والمستثنية: نفوا الاستثناء في الإيمان.
والمشبّهة يقولون: لله بصر كبصري، ويد كيدي.
والحشويّة: جعلوا حكم الأحاديث كلّها واحدا، فعندهم أنّ تارك النّفل كتارك الفرض.
стр. 39
والظّاهريّة: وهم الّذين نفوا القياس.
والبدعيّة: أوّل من ابتدع الأحداث في هذه الأمّة.
وانقسمت الرّافضة اثنتي عشرة فرقة:
العلويّة قالوا: إنّ الرّسالة كانت إلى عليّ، وإنّ جبريل أخطأ.
والأمريّة قالوا: إنّ عليّا شريك محمّد ﷺ في أمره.
والشّيعة قالوا: إنّ عليّا ﵁ وصيّ رسول الله ﷺ ، ووليّه من بعده، وإنّ الأمّة كفرت بمبايعة غيره.
والإسحاقيّة قالوا: إنّ النّبوّة متّصلة إلى يوم القيامة، وكلّ من يعلم علم أهل البيت فهو نبيّ.
والناووسيّة قالوا: إنّ عليّا أفضل الأمّة، فمن فضل غيره عليه فقد كفر.
والإماميّة قالوا: لا يمكن أن تكون الدّنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإنّ الإمام يعلّمه جبرائيل، فإذا مات بدّل مكانه مثله.
والزيديّة قالوا: إنّ ولد الحسين كلّهم أئمّة في الصّلوات، فمتى وجد منهم أحد، لم تجز الصّلاة خلف غيره، برّهم وفاجرهم.
والعباسيّة زعموا: أنّ العبّاس كان أولى بالخلافة من غيره.
والمتناسخة قالوا: إنّ الأرواح تتناسخ، فمتى كان محسنا، خرجت روحه، فدخلت في خلق تسعد بعيشه، ومن كان مسيئا، دخلت روحه في خلق تشقى بعيشه.
والرجعيّة زعموا: أنّ عليّا وأصحابه يرجعون إلى الدّنيا، وينتقمون من أعدائهم.
واللاعنيّة: الّذين يلعنون عثمان، وطلحة، والزّبير، ومعاوية، وأبا موسى، وعائشة، وغيرهم ﵃.
стр. 40
والمتربصة: تشبّهوا بزيّ النّسّاك، ونصبوا في كلّ عصر رجلا ينسبون الأمر إليه، يزعمون أنّه مهديّ هذه الأمّة، فإذا مات نصّبوا رجلا آخر.
وانقسمت الجبريّة اثنتي عشرة فرقة، فمنهم:
المضطربة قالوا: لا فعل للآدميّ، بل الله يفعل الكلّ.
والأفعاليّة قالوا: لنا أفعال، ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنّما نحن كالبهائم نقاد بالحبل.
والمفروغيّة قالوا: كلّ الأشياء قد خلقت، والآن لا يخلق شيء.
والنّجاريّة: زعمت أنّ الله يعذّب النّاس على فعله، لا على فعلهم.
والمتانية قالوا: عليك بما خطر بقلبك، فافعل ما توسّمت به الخير.
والكسبيّة قالوا: لا يكسب العبد ثوابا، ولا عقابا.
والسّابقيّة قالوا: من شاء فليفعل، ومن شاء لا يعمل، فإنّ السّعيد لا تضرّه ذنوبه، والشّقيّ لا ينفعه برّه.
والحبّيّة قالوا: من شرب كأس محبّة الله سقطت عنه الأركان، والقيام بها.
والخوفيّة قالوا: إنّ من أحبّ الله لم يسعه أن يخافه؛ لأنّ الحبيب لا يخاف حبيبه.
والفكريّة قالوا: إنّ من ازداد علما، سقط عنه بقدر ذلك من العبادة.
والخسيّة قالوا: الدّنيا بين العباد سواء، لا تفاضل بينهم فيما ورّثهم أبوهم آدم.
والمعيّة قالوا: منّا الفعل، ولنا الاستطاعة.
стр. 41
الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده
قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: اعلم أنّ الآدميّ لمّا خلق، ركّب فيه الهوى والشّهوة، ليجتلب بذلك ما ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه، وأعطي العقل كالمؤدّب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخلق الشّيطان محرّضا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدوّ الّذي قد أبان عداوته من زمن آدم ﵊، وقد بذل عمره ونفسه في إفساد أحوال بني آدم.
وقد أمر الله تعالى بالحذر منه، فقال : ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩، ١٦٨].
وقال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
стр. 42
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠].
وفي القرآن من هذا كثير.
التحذير من فتن إبليس ومكايده:
قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: وينبغي أن تعلم أنّ إبليس شغله التّلبيس أوّل ما التبس عليه الأمر، فأعرض عن النّصّ الصّريح على السّجود، فأخذ يفاضل بين الأصول، فقال:
﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ثمّ أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم، فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، والمعنى: أخبرني لم كرّمته عليّ؟ غرض ذلك الاعتراض أنّ الّذي فعلته ليس بحكمة، ثمّ أتبع ذلك بالكبر، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ثمّ امتنع عن السّجود، فأهان نفسه الّتي أراد تعظيمها باللّعنة والعقاب.
فمتى سوّل للإنسان أمرا، فينبغي أن يحذر منه أشدّ الحذر، وليقل له حين أمره إيّاه بالسّوء: إنّما تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي، وكيف يتّضح صواب النّصح للغير لمن لا ينصح نفسه؟
كيف أثق بنصيحة عدوّ؟! فانصرف، فما فيّ لقولك منفذ، فلا يبقى إلّا أن يستعين بالنّفس؛ لأنّه يحثّ على هواها، فليستحضر العقل إلى بيت الفكر في عواقب الذّنب؛ لعلّ مدد توفيق يبعث جند عزيمته، فيهزم عسكر الهوى والنّفس.
أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، نا عاصم بن الحسن، نا أبو عمر بن مهديّ، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا زكريّا بن يحيى، ثنا شبابة بن سوار، ثني المغيرة، عن مطرّف بن الشّخّير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيّها النّاس، إنّ الله تعالى أمرني
стр. 43
أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا، إنّ كلّ مال نحلته عبدي فهو له حلال، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، فأتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم ألّا يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا، وإنّ الله تعالى نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب» (١).
وأخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن مطرّف، عياض بن حمار، أنّ النّبيّ ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «إنّ ربّي … »، إلى آخر الحديث المتقدّم (٢).
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه - أو قال:
فيلتزمه - ويقول: نعم أنت» (٣).
وقد قال أحمد: حدّثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن أبي الزّبير، عن جابر ﵁ يرفعه، قال:
«إنّ إبليس قد يئس أن يعبده المصلّون، ولكن في التّحريش بينهم».
قال المصنّف: انفرد به البخاريّ، والّذي قبله مسلم، وفي لفظ حديثه: «قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب» (٤).
стр. 44
أنبأنا إسماعيل السّمرقنديّ، نا عاصم بن الحسن، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشيّ، ثني الحسين بن السّكن، ثنا المعلّى بن أسد، ثني عديّ بن أبي عمارة، ثنا زياد النميري، عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه، قال: «إنّ الشّيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه» (١).
أخبرنا محمّد بن أبي منصور، نا عبد القادر، نا الحسن بن عليّ التّميمي، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرّحمن، عن حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السّائب، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود ﵁ قال: «إنّ الشّيطان طاف بأهل مجلس الذّكر ليفتنهم، فلم يستطع أن يفرّق بينهم، فأتى حلقة يذكرون الله، فأغرى بينهم حتّى اقتتلوا، فقام أهل الذّكر، فحجّزوا بينهم فتفرّقوا».
قال عبد الله: وحدّثني عليّ بن مسلم، ثنا سيّار، ثنا حيّان الجريريّ، ثنا سويد القبائي، عن قتادة ﵁ قال: إنّ لإبليس شيطانا يقال له: «قبقب» يجمّه أربعين سنة، فإذا دخل الغلام في هذا الطّريق، قال له: دونك، إنّما كنت أجمّك لمثل هذا، أجلب عليه وأفتنه.
قال سيار: وحدّثنا جعفر، ثنا ثابت البنانيّ ﵁ قال: بلغنا أنّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵇، فرأى عليه معاليق من كلّ شيء، فقال يحيى: يا إبليس، ما هذه المعاليق الّتي أرى عليك؟ قال: هذه الشّهوات الّتي أصيد بهنّ ابن آدم.
قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: ربّما شبعت فثقّلناك عن الصّلاة، وثقّلناك عن الذّكر. قال: فهل غير ذلك؟ قال: لا، والله. قال: لله عليّ ألّا أملأ بطني من طعام أبدا. قال إبليس: ولله عليّ ألّا أنصح مسلما أبدا.
قال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن
стр. 45
قيس ﵁ قال: إذا أتاك الشّيطان وأنت تصلّي! فقال: إنّك ترائي، فزدها طولا.
أنبأنا إسماعيل السّمرقنديّ، نا عاصم بن الحسن، نا عليّ بن محمّد، نا أبو علي بن صفوان، نا أبو بكر بن عبيد، نا عبد الرّحمن بن يونس، نا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو ابن دينار، أنّ عروة بن عامر سمع عبيد بن رفاعة يبلغ به النّبيّ ﷺ يقول: «كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشّيطان جارية فخنقها، وألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الرّاهب، فأتوا بها الرّاهب، فأبى أن يقبلها، فما زالوا به حتّى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشّيطان، فسوّل له إيقاع الفعل بها، فأحبلها، ثمّ أتاه، فقال له: الآن تفتضح، يأتيك أهلها، فاقتلها، فإن أتوك فقل: ماتت. فقتلها ودفنها، فأتى الشّيطان أهلها، فوسوس لهم، وألقى في قلوبهم أنّه أحبلها، ثمّ قتلها ودفنها، فأتاه أهلها يسألونه عنها، فقال: ماتت. فأخذوه، فأتاه الشّيطان، فقال: أنا الّذي ضربتها وخنقتها، وأنا الّذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الّذي أوقعتك في هذا، فأطعني تنج، فاسجد لي سجدتين. فسجد له سجدتين، فهو الّذي قال : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦) [الحشر: ١٦]» (١).
وقد روي هذا الحديث على صفة أخرى عن وهب بن منبه ﵁ أنّ عابدا كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكرا، ليس لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم، فلم يدروا عند من يخلّفون أختهم، ولا من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها.
قال: فأجمعوا رأيهم على أن يخلّفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه، فسألوه أن يخلّفوا عنده، فتكون في كنفه وجواره، إلى أن يقفلوا من غزاتهم، فأبى
стр. 46
ذلك، وتعوّذ بالله منهم، ومن أختهم.
قال: فلم يزالوا به، حتّى أطاعهم، فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي.
قال: فأنزلوها في ذلك البيت، ثمّ انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا، ينزل إليها بالطّعام من صومعته، فيضعه عند باب الصّومعة، ثمّ يغلق بابه، ويصعد إلى صومعته، ثمّ يأمرها فتخرج من بيتها، فتأخذ ما وضع لها من الطّعام.
قال: فتلطّف له الشّيطان، فلم يزل يرغّبه في الخير، ويعظّم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوّفه أن يراها أحد فيعلّقها، فلو مشيت بطعامها حتّى تضعه على باب بيتها، كان أعظم لأجرك. قال: فلم يزل به، حتّى مشى إليها بطعامها، ووضعه على باب بيتها، ولم يكلّمها.
قال: فلبث على هذه الحالة زمانا، ثمّ جاءه إبليس، فرغّبه في الخير والأجر، وحضّه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها، حتّى تضعه في بيتها، كان أعظم لأجرك.
فلم يزل به، حتّى مشى إليها بالطّعام، ثمّ وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانا، ثمّ جاءه إبليس، فرغّبه في الخير وحضّه عليه، فقال: لو كنت تكلّمها وتحدّثها فتأنس بحديثك، فإنّها قد استوحشت وحشة شديدة.
قال: فلم يزل به حتّى حدّثها زمانا يطّلع إليها من فوق صومعته.
قال: ثمّ أتاه إبليس بعد ذلك، فقال: لو كنت تنزل إليها، فتقعد على باب صومعتك، وتحدّثها، وتقعد هي على باب بيتها فتحدّثك، كان آنس لها، فلم يزل به حتّى أنزله، وأجلسه على باب صومعته يحدّثها وتحدّثه، وتخرج الجارية من بيتها حتّى تقعد على باب بيتها. قال: فلبثا زمانا يتحدّثان.
ثمّ جاء إبليس، فرغّبه في الخير والثّواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب
стр. 47
صومعتك، ثمّ جلست قريبا من باب بيتها، فحدّثتها، كان آنس لها، فلم يزل به حتّى فعل.
قال: فلبثا زمانا، ثمّ جاءه إبليس فرغّبه في الخير، وفيما له عند الله من حسن الثّواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت منها، وجلست عند باب بيتها فحدّثتها، ولم تخرج من بيتها. ففعل، فكان ينزل من صومعته فيقف على باب بيتها، فيحدّثها، فلبثا على ذلك حينا.
ثمّ جاءه إبليس، فقال: لو دخلت البيت معها، فحدّثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد، كان أحسن بك، فلم يزل به حتّى دخل البيت، فجعل يحدّثها نهارها كلّه، فإذا مضى النّهار صعد إلى صومعته.
قال: ثمّ أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزيّنها له حتّى ضرب العابد على فخذها، وقبّلها، فلم يزل به إبليس يحسّنها في عينيه ويسوّل له، حتّى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلاما.
فجاء إبليس، فقال: أرأيت إن جاء إخوة الجارية، وقد ولدت منك، كيف تصنع؟ لا آمن أن تفتضح، أو يفضحوك، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه؛ فإنّها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها، أن يطّلعوا على ما صنعت بها. ففعل.
فقال: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها، وقتلت ابنها. قال: خذها، واذبحها، وادفنها مع ابنها. فلم يزل به حتّى ذبحها، وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة، وسوّى عليهما، وصعد إلى صومعته يتعبّد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتّى أقبل إخوتها من الغزو، فجاؤوا؛ فسألوه عنها، فنعاها لهم، وترحّم عليها، وبكاها.
قال: كانت خير امرأة، وهذا قبرها، فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر، فبكوا أختهم، وترحّموا عليها، فأقاموا على قبرها أيّاما، ثمّ انصرفوا إلى أهاليهم، فلمّا جنّ عليهم اللّيل،
стр. 48
وأخذوا مضاجعهم، جاءهم الشّيطان في النّوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم، فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد، وموتها، وترحّمه عليها، وكيف أراهم موضع قبرها، فكذّبه الشّيطان.
وقال: لم يصدقكم أمر أختكم، إنّه قد أحبل أختكم، وولدت منه غلاما، فذبحه، وذبحها معه، فزعا منكم، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الّذي كانت فيه عن يمين من دخله، فانطلقوا، فادخلوا البيت الّذي كانت فيه عن يمين من دخله، فإنّكم ستجدونهما كما أخبرتكم هناك جميعا.
وأتى الأوسط في منامه، فقال له مثل ذلك، ثمّ أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك، فلمّا استيقظ القوم، أصبحوا متعجّبين ممّا رأى كلّ واحد منهم، فأقبل بعضهم على بعض، يقول كلّ واحد منهم: لقد رأيت اللّيلة عجبا، فأخبر بعضهم بعضا بما رأى.
فقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء، فامضوا بنا، ودعوا هذا عنكم.
قال أصغرهم: والله، لا أمضي حتّى آتي إلى هذا المكان، فأنظر فيه.
قال: فانطلقوا جميعا، حتّى أتوا البيت الّذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب، وبحثوا الموضع الّذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفير، كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد؟ فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما، فاستعدوا عليه كلّهم، فأنزل من صومعته، وقدّم ليصلب، فلمّا أوثقوه على الخشبة، أتاه الشّيطان، فقال له: قد علمت أنّي أنا صاحبك الّذي فتنتك بالمرأة حتّى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم، وكفرت بالله الّذي خلقك وصوّرك، خلّصتك ممّا أنت فيه.
قال: فكفر العابد، فلمّا كفر بالله تعالى، خلّى الشّيطان بينه وبين أصحابه، فصلبوه، قال: ففيه نزلت هذه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾
стр. 49
﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشرة: ١٧، ١٦]، وقد تقدّم ذكرها.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، نا أبو بكر الآجريّ، ثنا عبد الله بن محمّد العطشيّ، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثني محمّد بن الحسين، ثنا بشر بن محمّد بن أبان، ثني الحسن بن عبد الله بن مسلم القرشي، عن وهب بن منبّه ﵁ قال: كان راهب في صومعته في زمن المسيح ﵇، فأراده إبليس، فلم يقدر عليه، فأتاه بكلّ رائدة، فلم يقدر عليه.
فأتاه متشبّها بالمسيح، فناداه: أيّها الرّاهب، أشرف عليّ أكلّمك. قال: انطلق لشأنك، فلست أردّ ما مضى من عمري. فقال: أشرف عليّ فأنا المسيح. فقال: إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة، ألست قد أمرتنا بالعبادة، ووعدتنا القيامة، انطلق لشأنك، فلا حاجة لي فيك، فانطلق اللّعين عنه، وتركه.
أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسن، نا عليّ بن محمّد بن بشران، نا أبو عليّ البرذعيّ، ثنا أبو بكر القرشيّ، ثنا أبو عبد الله محمّد بن موسى الحرشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عمرو بن دينار، ثنا سالم بن عبد الله ﵁ عن أبيه قال: لمّا ركب نوح ﵇ في السّفينة، رأى فيها شيخا لم يعرفه، فقال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك، فتكون قلوبهم معي، وأبدانهم معك.
فقال له نوح ﵇: اخرج يا عدوّ الله. فقال إبليس: خمس أهلك بهنّ النّاس، وسأحدّثك منهنّ بثلاث، ولا أحدّثك باثنتين، فأوحى الله ﵎، إلى نوح ﵊، أنّه لا حاجة لك إلى الثّلاث، مره يحدّثك بالاثنتين، فقال: بهما أهلك النّاس، وهما لا يكذبان: الحسد والحرص، فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، وبالحرص أبيح لآدم الجنّة كلّها، فأصبت حاجتي منه، فأخرج من الجنّة.
стр. 50
قال: ولقي إبليس موسى ﵇، فقال: يا موسى، أنت الّذي اصطفاك الله برسالته، وكلّمك تكليما، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت، وأريد أن أتوب، فاشفع لي وإلى ربّي أن يتوب عليّ، فدعا موسى ربّه، فقيل: يا موسى، قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس، فقال: له قد أمرت أن تسجد لقبر آدم، ويتاب عليك، فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حيّا، أأسجد له ميتا.
ثمّ قال إبليس: يا موسى، إنّ لك حقّا بما شفعت إلى ربّك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهنّ: اذكرني حين تغضب، فأنا وحيّ في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدّم.
واذكرني حين تلقى الزّحف، فإنّي آتى ابن آدم حين يلقى الزّحف، فأذكّره ولده، وزوجته، وأهله حتّى يولّي، وإيّاك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم، فإنّي رسولها إليك، ورسولك إليها.
قال القرشي: وحدّثنا أبو حفص الصّفّار، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا شعبة، عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب ﵁، قال: ما بعث الله نبيّا إلّا لم يأمن من إبليس أن يهلكه بالنّساء.
قال القرشي: وثني القاسم بن هاشم، عن إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض، قال: حدّثني بعض أشياخنا أنّ إبليس - لعنه الله - جاء إلى موسى ﵊، وهو يناجي ربّه تعالى، فقال له الملك: ويلك! ما ترجو منه، وهو على هذه الحالة يناجي ربّه تعالى. قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنّة.
قال القرشي: وثنا أحمد بن عبد الأعلى الشّيبانيّ، ثنا فرج بن فضالة، عن عبد الرّحمن ابن زياد ﵁، قال: بينما موسى ﵇ جالس في بعض مجالسه، إذ أقبل عليه إبليس،
стр. 51
وعليه برنس له، يتلون فيه ألوانا، فلمّا دنا منه، خلع البرنس، فوضعه، ثمّ أتاه، وقال له:
السّلام عليك يا موسى. فقال له موسى ﵇: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قالا: فلا حيّاك الله، ما جاء بك؟
قال: جئت لأسلّم عليك، لمنزلتك عند الله تعالى، ومكانك منه. قال: فما الّذي رأيته عليك؟
قال: به أختطف قلوب بني آدم. قال: فما الّذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه؟
قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأحذّرك ثلاثا: لا تخلونّ بامرأة لا تحلّ لك قطّ، فإنّه ما خلا رجل بامرأة لا تحلّ له إلّا كنت صاحبه دون أصحابي حتّى أفتنه بها، ولا تعاهد الله عهدا إلّا وفّيت به، فإنّه ما عاهد الله أحد إلّا كنت صاحبه دون أصحابي حتّى أحول بينه وبين الوفاء به، ولا تخرجنّ صدقة إلّا أمضيتها، فإنّه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلّا كنت صاحبه دون أصحابي، حتّى أحول بينه وبين إخراجها.
ثمّ ولّى وهو يقول: يا ويله! ثلاثا، علم موسى ما يحذّر به بني آدم.
قال القرشيّ: وحدّثني محمّد بن إدريس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا حسن بن صالح، قال:
سمعت أنّ الشّيطان قال للمرأة: أنت نصف جندي، وأنت سهمي الّذي أرمي به، فلا أخطئ، وأنت موضع سرّي، وأنت رسولي في حاجتي.
قال القرشيّ: وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم، ثني هشام بن يوسف، عن عقيل بن معقل بن أخي وهب بن منبّه، قال: سمعت وهبا يقول: قال راهب للشّيطان، وقد بدا له: أيّ أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال: الحدّة، إنّ العبد إذا كان حديدا، قلبناه كما يقلب الصّبيان الكرة.
قال القرشيّ: وحدّثنا سعيد بن سليمان الواسطيّ، عن سليمان بن المغيرة، عن
стр. 52
ثابت ﵁ قال: لمّا بعث النّبيّ ﷺ ، جعل إبليس - لعنه الله - يرسل شياطينه إلى أصحاب النّبيّ ﷺ ، فيجيئون إليه بصحفهم ليس فيها شيء، فيقول لهم: ما لكم لا تصيبون منهم شيئا؟ فقالوا: ما صحبنا قوما مثل هؤلاء. فقال: رويدا بهم، فعسى أن تفتح لهم الدّنيا هناك تصيبون حاجتكم منهم.
قال القرشيّ: وأخبرنا أحمد بن جميل المروزيّ، نا ابن المبارك، نا سفيان، عن عطاء ابن السّائب، عن أبي عبد الرّحمن السّلمي، عن أبي موسى قال: إذا أصبح إبليس، بثّ جنوده في الأرض، فيقول: من أضلّ مسلما، ألبسته التّاج. فيقول له القائل: لم أزل بفلان حتّى طلّق امرأته. قال: يوشك أن يتزوّج.
ويقول آخر: لم أزل بفلان حتّى عقّ. قال: يوشك أن يبرّ.
ويقول آخر: لم أزل بفلان حتّى زنا. قال: أنت.
ويقول آخر: لم أزل بفلان حتّى شرب الخمر. قال: أنت.
قال: ويقول آخر: لم أزل بفلان حتّى قتل، فيقول: أنت أنت.
قال القرشيّ: وسمعت سعيد بن سليمان يحدّث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: كانت شجرة تعبد من دون الله، فجاء إليها رجل، فقال: لأقطعنّ هذه الشّجرة. فجاء ليقطعها غضبا لله، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشّجرة الّتي تعبد من دون الله. قال: إذا أنت لم تعبدها، فما يضرّك من عبدها؟ قال:
لأقطعنّها. فقال له الشّيطان: هل لك فيما هو خير لك؟ لا تقطعها ولك ديناران كلّ يوم إذا أصبحت عند وسادتك. قال: فمن أين لي ذلك؟
قال: أنا لك، فرجع، فوجد دينارين عند وسادته، ثمّ أصبح بعد ذلك، فلم يجد شيئا، فقام غضبا ليقطعها، فتمثّل له الشّيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه
стр. 53
الشّجرة الّتي تعبد من دون الله تعالى.
قال: كذبت، ما لك إلى ذلك من سبيل، فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض، وخنقه حتّى كاد يقتله. قال: أتدري من أنا؟ أنا الشّيطان، جئت أوّل مرّة غضبا لله، فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدّينارين، فتركتها، فلمّا جئت غضبا للدّينارين، سلّطت عليك.
قال القرشيّ: وحدّثنا بشر بن الوليد الكنديّ، ثنا محمّد بن طلحة، عن زيد بن مجاهد، قال: لإبليس خمسة من ولده، قد جعل كلّ واحد منهم على شيء من أمره، ثمّ سمّاهم، فذكر: ثبر، والأعور، ومسوط، وداسم، وزكنبور.
فأمّا ثبر: فهو صاحب المصيبات الّذي يأمر بالثّبور، وشقّ الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهليّة.
وأمّا الأعور: فهو صاحب الزّنا الّذي يأمر به، ويزيّنه.
وأمّا مسوط: فهو صاحب الكذب الّذي يسمع فيلقى الرّجل، فيخبره بالخبر، فيذهب الرّجل إلى القوم، فيقول لهم: قد رأيت رجلا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه حدّثني بكذا وكذا.
وأمّا داسم: فهو الّذي يدخل مع الرّجل إلى أهله، يريه العيب فيهم، ويغضّبه عليهم.
وأمّا زكنبور: فهو صاحب السّوق الّذي يركز رايته في السّوق.
أخبرنا محمّد بن القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمّد بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا سنيد، عن مخلد بن الحسين، قال: ما ندب الله العباد إلى شيء إلّا اعترض فيه إبليس بأمرين، ما يبالي بأيّهما ظفر: إمّا غلوّ فيه، وإمّا تقصير عنه.
وبالإسناد قال محمّد بن إسحاق: وثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل،
стр. 54
سمعت حيوة بن شريحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: إنّ إبليس موثق فيه الأرض السّفلى، فإذا هو تحرّك، كان كلّ شرّ في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحرّكه.
قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: قلت: وفتن الشّيطان، ومكايده كثيرة في غضون هذا الكتاب، منها ما يليق بكلّ موضع منه إن شاء الله تعالى، ولكثرة فتن الشّيطان وتشبّثها بالقلوب، عزّت السّلامة، فإنّ من يدعو إلى ما يحثّ عليه الطّبع كمداد سفينة منحدرة، فيا سرعة انحدارها، ولمّا ركّب الهوى في هاروت وماروت، لم يستمسكا، فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان، تعجّبت من سلامته.
وأخبرنا محمّد بن أبي منصور، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن عليّ التّميمي، ثنا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني ابن سريج، قال: ثنا عتبة بن عبد الواحد، عن مالك بن مغول، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السّماء، قالت الملائكة: سبحان الّذي نجّى هذا العبد من الشّيطان، يا ويحه، كيف نجا؟!
ذكر الإعلام بان مع كل إنسان شيطانا:
أخبرنا أبو الحصين الشّيبانيّ، نا أبو عليّ المذهب، نا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا هارون، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي قسيط، أنّه حدّثه أنّ عروة بن الزّبير، حدّثه أنّ عائشة زوج النّبيّ ﷺ حدّثته، أنّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا، قالت: فغرت عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: «ما لك يا عائشة، أغرت؟». فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: «أوقد جاءك شيطانك؟». قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟! قال: «نعم». قلت: ومع كلّ إنسان؟ قال:
«نعم». قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربّي أعانني عليه حتّى أسلم».
انفرد به مسلم.
стр. 55
ويجيء بلفظ آخر: «أعانني عليه فأسلم» (١).
قال الخطّابيّ: عامّة الرّواة يقولون: «فأسلم»، على مذهب الفعل الماضي، إلّا سفيان بن عيينة، فإنّه يقول: «فأسلم من شرّه»، وكان يقول: الشّيطان لا يسلم.
قال الشّيخ: وقول ابن عيينة حسن، وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشّيطان، إلّا أنّ حديث ابن مسعود كأنّه يريد قول ابن عيينة، وهو ما:
أخبرنا به ابن الحصين بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا يحيى، عن سفيان، ثني منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود يرفعه:
«ما منكم من أحد إلّا وقد وكّل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة». قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: «وإيّاي، ولكنّ الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلّا بحقّ».
وفي رواية: «فلا يأمرني إلّا بخير» (٢)
قال الشّيخ: انفرد به مسلم، واسم أبي الجعد رافع، وظاهره: إسلام الشّياطين، ويحتمل القول الآخر.
بيان أنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم:
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرّزّاق، ثنا معمر، عن الزّهريّ، عليّ بن الحسين، عن صفيّة بنت حيي زوج النّبيّ ﷺ قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدّثته، ثمّ قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النّبيّ ﷺ : «على رسلكما، إنّها صفيّة بنت حيي». قالا:
стр. 56
سبحان الله يا رسول الله! قال: «إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّا»، أو قال: «شيئا» (١). الحديث في «الصّحيحين».
قال الخطّابيّ: وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كلّ أمر من المكروه، ممّا تجري به الظّنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السّلامة من النّاس بإظهار البراءة من الرّيب.
ويحكى في هذا عن الشّافعيّ ﵁ أنّه قال: خاف النّبيّ ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمر، فيكفرا، وإنّما قاله ﷺ شفقة منه عليهما، لا على نفسه.
ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم:
قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: قد أمر الله تعالى بالتّعوّذ من الشّيطان الرّجيم عند التّلاوة، فقال تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) [النحل: ٩٨]، وعند السّحر، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١) [الفلق: ١]، إلى آخر السّورة، فإذا أمر بالتّحرّز من شرّه في هذين الأمرين، فكيف في غيرهما؟!
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا سيّار، ثنا جعفر، ثنا أبو التّيّاح، قال: قلت لعبد الرّحمن بن خنيش: أدركت النّبيّ ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة كادته الشّياطين؟
فقال: إنّ الشّياطين تحدّرت تلك اللّيلة على رسول الله ﷺ من الأودية والشّعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله ﷺ ، فهبط إليه جبريل ﵇، فقال: «يا محمّد، قل. قال: ما أقول؟ قال: قل أعوذ بكلمات الله التّامّات من شرّ ما خلق وذرأ، ومن شرّ ما ينزل من السّماء، ومن شرّ ما يعرج فيها، ومن شرّ فتن اللّيل
стр. 57
والنّهار، ومن شرّ كلّ طارق إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (١). قال: فطفئت نارهم، وهزمهم الله تعالى.
أنبأنا إسماعيل بن أحمد السّمرقنديّ، نا عاصم بن الحسن، نا أبو الحسين بن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشيّ، حدّثني أبو سلمة المخزوميّ، ثنا ابن أبي فديك، عن الضّحّاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الشّيطان يأتي أحدكم، فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله ﵎، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإنّ ذلك يذهب عنه» (٢).
قال القرشيّ: ثنا هنّاد بن السّري، ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السّائب، عن مرّة الهمذاني، عن ابن مسعود ﵁ يرفعه، قال: «إنّ للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان، فإيعاد بالشّرّ، وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، فمن وجد من ذلك شيئا، فليعلم أنّه من الله، وليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوّذ من الشّيطان». ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾
الآية. [البقرة: ٢٦٨] (٣).
قال الشّيخ ﵀: وقد رواه جرير، عن عطاء، فوقفه على ابن مسعود.
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرّزّاق، نا سفيان، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعوّذ الحسن والحسين، فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التّامّة من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة». ثمّ يقول: «هكذا كان أبي
стр. 58
إبراهيم ﷺ يعوّذ إسماعيل وإسحاق» (١). أخرجاه في «الصّحيح».
قال أبو بكر بن الأنباري: الهامّة: واحد الهوامّ. ويقال: هي كلّ نسمة تهمّ بسوء.
واللّامّة: الملمّة.
وإنّما قال: «لامّة» ليوافق لفظ «هامّة»، فيكون ذلك أخفّ على اللّسان.
أخبرنا محمّد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا إبراهيم بن عمر البرمكي، نا أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الزّبيبيّ، ثنا محمّد بن خلف، ثنا عبد الله بن محمّد، ثنا فضيل بن عبد الوهّاب، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، قال: قال مطرف: نظرت، فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله ، وبين إبليس، فمن شاء أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس.
وحكي عن بعض السّلف أنّه قال لتلميذه: ما تصنع بالشّيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال: أجاهد. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهد. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهد. قال: هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم، فنبحك كلبها، أو منعك من العبور، ما تصنع؟ قال: أكابده، وأردّه جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم، يكفّه عنك.
قال الشّيخ ﵀: واعلم أنّ مثل إبليس مع المتّقي والمخلّط كرجل جالس بين يديه طعام، فمرّ به كلب، فقال له: اخسأ، فذهب، فمرّ بآخر بين يديه طعام ولحم، فكلّما خسأه لم يبرح، فالأوّل مثل المتّقي يمرّ به الشّيطان، فيكفيه في طرده الذّكر، والثّاني مثل المخلّط لا يفارقه الشّيطان لمكان تخليطه، نعوذ بالله من الشّيطان.
стр. 59
الباب الرابع في معنى التلبيس والغرور
قال المصنّف: التّلبيس: إظهار الباطل في صورة الحقّ.
والغرور: نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا، والرّديء جيدا.
وسببه: وجود شبهة أوجبت ذلك، وإنّما يدخل إبليس على النّاس بقدر ما يمكنه، ويزيد تمكّنه منهم ويقلّ، على مقدار يقظتهم، وغفلتهم، وجهلهم، وعلمهم.
واعلم أنّ القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسّور أبواب، وفيه ثلم (١)، وساكنه العقل، والملائكة تتردّد إلى ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض فيه الهوى، والشّياطين تختلف إلى ذلك الرّبض من غير مانع، والحرب قائمة بين أهل الحصن، وأهل الرّبض، والشّياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس، والعبور من بعض الثّلم.
فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الّذي قد وكّل بحفظه، وجميع الثّلم، وألّا يفتر عن الحراسة لحظة، فإنّ العدوّ ما يفتر.
قال رجل للحسن البصريّ: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة.
وهذا الحصن مستنير بالذّكر، مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يتراءى فيها صور كلّ ما يمرّ به، فأوّل ما يفعل الشّيطان في الربض، إكثار الدّخان، فتسودّ حيطان الحصن، وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يردّ الدّخان، وصقل الذّكر يجلو المرآة، وللعدوّ حملات، فتراه يحمل فيدخل الحصن، فيكرّ عليه الحارس فيخرج، وربّما دخل فعاث، وربّما أقام لغفلة
стр. 60
الحارس، وربّما ركدت الرّيح الطّاردة للدّخان، فتسودّ حيطان الحصن، وتصدأ المرآة، فيمرّ الشّيطان، ولا يدري به، وربّما جرح الحارس لغفلته، وأسر، واستخدم، وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته، وربّما صار كالفقيه في الشّرّ.
قال بعض السّلف: رأيت الشّيطان، فقال لي: قد كنت ألقى النّاس، فأعلّمهم، فصرت ألقاهم فأتعلّم منهم، وربّما هجم الشّيطان على الذّكيّ الفطن، ومعه عروس الهوى، قد جلاها، فيتشاغل الفطن بالنّظر إليها، فيستأسره، وأقوى القيد الّذي يوثق به الأسرى الجهل، وأوسطه في القوى الهوى، وأضعفه الغفلة، وما دام درع الإيمان على المؤمن، فإنّ نبل العدوّ لا يقع في مقتل.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، نا أبو محمّد بن حيّان، ثنا أحمد بن محمّد بن يعقوب، ثنا محمّد بن يوسف الجوهريّ، ثنا أبو غسان النهديّ، قال: سمعت الحسين بن صالح ﵀ يقول: إنّ الشّيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين بابا من الشّرّ.
أنبأنا عليّ بن عبد الله، نا محمّد بن محمّد النّديم، نا عمّي عبد الواحد بن أحمد، ثني أحمد بن الحسن العدل، ثنا أبو جعفر محمّد بن صالح، ثنا جبارة بن مغلس الحماني، ثنا حمّاد بن شعيب، عن الأعمش قال: حدّثنا رجل كان يكلّم الجنّ، قالوا: ليس علينا أشدّ ممّن يتّبع السّنّة، وأمّا أصحاب الأهواء، فإنّا نلعب بهم لعبا.
стр. 61
الباب الخامس في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات
ذكر تلبيسه على السوفسطائية:
قال الشّيخ: هؤلاء قوم ينسبون إلى رجل يقال له: سوفسطا، زعموا أنّ الأشياء لا حقيقة لها، وأنّ ما نستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده، ويجوز أن يكون على غير ما نشاهده.
وقد أورد العلماء عليهم بأن قالوا: لمقالتكم هذه حقيقة أم لا؟
فإن قلتم: لا حقيقة لها، وجوّزتم عليها البطلان، فكيف يجوز أن تدعو إلى ما لا حقيقة له؟! فكأنّكم تقرّون بهذا القول أنّه لا يحلّ قبول قولكم.
وإن قلتم: لها حقيقة. فقد تركتم مذهبكم.
وقد ذكر مذهب هؤلاء أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب: «الآراء والدّيانات».
فقال: رأيت كثيرا من المتكلّمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا بيّنا؛ لأنّهم ناظروهم وجادلوهم، وراموا بالحجاج والمناظرة الرّدّ عليهم، وهم لم يثبتوا حقيقة، ولا أقرّوا بمشاهدة، فكيف تكلّم من يقول: لا أدري، أتكلّمني أم لا؟ وكيف تناظر من يزعم أنّه لا يدري، أموجود هو أم معدوم؟! وكيف تخاطب من يدّعي أنّ المخاطبة بمنزلة السّكوت في الإبانة، وأنّ الصّحيح بمنزلة الفاسد؟
قال: ثمّ إنّه إنّما يناظر من يقرّ بضرورة، أو يعترف بأمر، فيجعل ما يقرّ سببا إلى تصحيح
стр. 62
ما يجحده، فأمّا من لا يقرّ بذلك، فمجادلته مطروحة.
قال الشّيخ: وقد ردّ هذا الكلام أبو الوفاء بن عقيل، فقال: إنّ أقواما قالوا: كيف نكلّم هؤلاء، وغاية ما يمكن المجادلة أن يقرب المعقول إلى المحسوس، ويستشهد بالشّاهد، فيستدلّ به على الغائب، وهؤلاء لا يقولون بالمحسوسات، فبم يكلمون؟!
قال: وهذا كلام ضيّق العطن، ولا ينبغي أن يؤيس من معالجة هؤلاء، فإنّ ما اعتراهم ليس بأكثر من الوسواس، ولا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم؛ فإنّهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج، وما مثلنا ومثلهم إلّا كرجل رزق ولدا أحول، فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتّى إنّه لم يشكّ أنّ في السّماء قمرين، فقال له أبوه: القمر واحد، وإنّما السّوء في عينيك، غضّ عينك الحولاء وانظر، فلمّا فعل، قال: أرى قمرا واحدا؛ لأنّي عصبت إحدى عينيّ، فغاب أحدهما، فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال له أبوه: إن كان ذلك، كما ذكرت، فغضّ الصّحيحة، ففعل، فرأى قمرين، فعلم صحّة ما قال أبوه.
أنبأنا محمّد بن ناصر، نا الحسن بن أحمد بن البنّاء، ثنا ابن دودان، نا أبو عبيد الله المرزباني، ثني أبو عبد الله الحكيمي، ثني يموت بن المزرع، ثني محمّد بن عيسى النّظّام، قال: مات بن لصالح بن عبد القدّوس، فمضى إليه أبو الهذيل، ومعه النّظّام، وهو غلام حدث كالمتوجّع له، فرآه منحرفا، فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجها، إذا كان النّاس عندك كالزّرع، فقال له صالح: يا أبا الهذيل، إنّما أجزع عليه؛ لأنّه لم يقرأ كتاب الشّكوك، فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشّكوك؟ قال: هو كتاب وضعه من قرأه، يشكّ فيما قد كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، وفيما لم يكن حتّى يظنّ أنّه قد كان، فقال له النّظّام:
فشكّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمت، وإن كان قد مات فشكّ - أيضا - في أنّه قد قرأ الكتاب، وإن كان لم يقرأه.
стр. 63
وحكى أبو القاسم البلخي أنّ رجلا من السّوفسطائيّة، كان يختلف إلى بعض المتكلّمين، فأتاه مرّة، فناظره، فأمر المتكلّم بأخذ دابّته، فلمّا خرج لم يرها، فرجع، فقال:
سرقت دابّتي، فقال: ويحك! لعلّك لم تأت راكبا. قال: بلى. قال: فكّر. قال: هذا أمر أتيقّنه. فجعل يقول له: تذكر. فقال: ويحك! ما هذا موضع تذكّر، أنا لا أشكّ أنّني جئت راكبا. قال: فكيف تدّعي أنّه لا حقيقة لشيء، وأنّ حال اليقظان كحال النّائم؟ فوجم السّوفسطائيّ، ورجع عن مذهبه.
[ذكر تلبيس إبليس على فرق الفلاسفة]:
قال النوبختي: قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنّه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها كلّ قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإنّ العسل يجده صاحب المرّة الصّفراء مرّا، ويجده غيره حلوا.
قالوا: وكذلك العالم، هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللّون جسم عند من اعتقده جسما، وعرض عند من اعتقده عرضا.
قالوا: فلو توهّمنا عدم المعتقدين، وقف الأمر على وجود من يعتقد، وهؤلاء من جنس السّوفسطائيّة، فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا.
قلنا: دعواكم صحّة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل، شاهد عليكم، ومن شهد على قولهم بالبطلان من وجه، فقد كفي خصمه بتبيين فساد مذهبه.
وممّا يقال لهم: أتثبتون للمشاهدة حقيقة؟! فإن قالوا: لا، لحقوا بالأوّلين، وإن قالوا:
حقيقتها على حسب الاعتقاد، فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها، وصار الكلام معهم كالكلام مع الأوّلين.
стр. 64
قال النّوبختي: ومن هؤلاء من قال: إنّ العالم في ذوب وسيلان، قالوا: ولا يمكن للإنسان أن يتفكّر في الشّيء الواحد مرّتين؛ لتغيّر الأشياء دائما، فيقال لهم: كيف علم هذا، وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم، وربّما كان أحدكم الّذي يجيبه الآن غير الّذي كلّمه؟
ذكر تلبيسه على الدهرية:
قال المصنّف: قد أوهم إبليس خلقا كثيرا، أنّه لا إله، ولا صانع، وأنّ هذه الأشياء كانت بلا مكوّن، وهؤلاء لمّا لم يدركوا الصّانع بالحسّ، ولم يستعملوا في معرفته العقل، جحدوه، وهل يشكّ ذو عقل في وجود صانع، فإنّ الإنسان لو مرّ بقاع ليس فيه بنيان، ثمّ عاد فرأى حائطا مبنيّا، علم أنّه لا بدّ له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السّقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة، والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدلّ على صانع؟ وما أحسن ما قال بعض العرب: إنّ البعرة تدلّ على البعير، فهيكل علويّ بهذه اللّطافة، ومركز سفليّ بهذه الكثافة، أما يدلّان على اللّطيف الخبير؟
ثمّ لو تأمّل الإنسان نفسه، لكفت دليلا، ولشفت غليلا، فإنّ في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب.
ومن تأمّل تحديد الأسنان لتقطع، وتقريض الأضراس لتطحن، واللّسان يقلب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطّعام ينضجه، ثمّ ينفذ إلى كلّ جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء.
وهذه الأصابع الّتي هيّئت فيها العقد لتطوى وتنفتح، فيمكن العمل بها، ولم تجوّف لكثرة عملها، إذ لو جوّفت لصدمها الشّيء القويّ فكسرها، وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضمّت.
وأخفى في البدن ما فيه قوامه، وهي النّفس الّتي إذا ذهبت، فسد العقل الّذي يرشد إلى
стр. 65
المصالح، وكلّ شيء من هذه الأشياء ينادي: أفي الله شكّ؟! وإنّما يخبط الجاحد؛ لأنّه طلبه من حيث الحسّ، ومن النّاس من جحده؛ لأنّه لمّا أثبت وجوده من حيث الجملة، لم يدركه من حيث التّفصيل، فجحد أصل الوجود، ولو أعمل هذا فكره، لعلم أنّ لنا أشياء لا تدرك إلّا جملة؛ كالنّفس والعقل.
ولم يمتنع أحد من إثبات وجودهما، وهي الغاية إلّا إثبات الخلق جملة، وكيف يقال:
كيف هو؟ أو ما هو؟ ولا كيفيّة له، ولا ماهيّة؟
ومن الأدلّة القطعيّة على وجوده أنّ العالم حادث، بدليل أنّه لا يخلو من الحوادث، وكلّ ما ينفكّ عن الحوادث حادث، ولا بدّ لحدوث هذا الحادث من مسبّب وهو الخالق سبحانه.
وللملحدين اعتراض يتطاولون به على قولنا: لا بدّ للصّنعة من صانع، فيقولون: إنّما تعلّقتم في هذا بالشّاهد، وإليه نقاضيكم.
فنقول: كما أنّه لا بدّ للصّنعة من صانع، فلا بدّ للصّورة الواقعة من الصّانع من مادّة تقع الصّورة فيها؛ كالخشب لصورة الباب، والحديد لصورة الفأس.
قالوا: فدليلكم الّذي تثبتون به الصّانع، يوجب قدم العالم.
فالجواب: أنّه لا حاجة بنا إلى مادّة؛ بل نقول: إنّ الصّانع اخترع الأشياء اختراعا، فإنّا نعلم أنّ الصّورة والأشكال المتجدّدة في الجسم؛ كصورة الدّولاب، ليس لها مادّة، وقد اخترعها، ولا بدّ لها من مصوّر، فقد أريناكم صورة، وهي شيء جاءت لا من شيء، ولا يمكنكم أن ترونا صنعة جاءت لا من صانع.
ذكر تلبيسه على الطبائعيين:
قال المصنّف: لمّا رأى إبليس قلّة موافقته على جحد الصّانع، لكون العقول شاهدة
стр. 66
بأنّه لا بدّ للمصنوع من صانع، حسّن لأقوام أنّ هذه المخلوقات فعل الطّبيعة، وقال: ما من شيء يخلق إلّا من اجتماع الطّبائع الأربع فيه.
فدلّ على أنّها الفاعلة، وجواب هذا نقول: اجتماع الطّبائع دليل على وجودها، لا على فعلها، ثمّ قد ثبت أنّ الطّبائع لا تفعل إلّا باجتماعها وامتزاجها، وذلك يخالف طبيعتها، فدلّ على أنّها مقهورة.
وقد سلّموا أنّها ليست بحيّة، ولا عالمة، ولا قادرة، ومعلوم أنّ الفعل المنسّق المنتظم، لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالما وليس قادرا؟
فإن قالوا: ولو كان الفاعل حكيما، لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرّة، فعلم أنّه بالطّبع.
قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة، الّتي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأمّا الخلل المشار إليه، فيمكن أن يكون للابتلاء، والرّدع، والعقوبة، أو في طيّه منافع لا نعلمها.
ثمّ أين فعل الطّبيعة من شمس تطلع في نيسان، على أنواع من الحبوب، فترطّب الحصرمة (١)، والخلالة (٢)، وتنشّف البرّة وتيبّسها، ولو فعلت طبعا لأيبست الكلّ، أو رطّبتة؟ فلم يبق إلّا أنّ الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادّخار، والنّضج في هذه للتّناول.
والعجب أنّ الّذي أوصل إليها اليبس في أكنّة (٣)، لا يلقى جرمها، والّذي رطّبها يلقى
стр. 67
جرمها، ثمّ إنّها تبيّض ورد الخشخاش (١)، وتحمّر الشّقائق (٢)، وتحمّض الرّمّان، وتحلّي العنب، والماء واحد، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
ذكر تلبيسه على الثنوية:
وهم قوم قالوا: صانع العالم اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشّرّ ظلمة، وهما قديمان لا يزالا، ولن يزالا قويّين حسّاسين، سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النّفس والصّورة، متضادّان في الفعل والتّدبير، فجوهر النّور فاضل، حسن، نيّر، صاف، نقيّ، طيّب الرّيح، حسن المنظر، ونفسه نفس خيّرة كريمة حكيمة نفّاعة، منها الخير، واللّذّة، والسّرور، والصّلاح، وليس فيها شيء من الضّرر، ولا من الشّرّ، وجوهر الظّلمة على ضدّ ذلك من الكدر، والنّقص، ونتن الرّيح، وقبح المنظر، ونفسه نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرّارة، منها الشّرّ والفساد.
كذا حكاه النوبختي عنهم، قال: وزعم بعضهم أنّ النّور لم يزل فوق الظّلمة.
وقال بعضهم: بل كلّ واحد إلى جانب الآخر.
وقال أكثرهم: النّور لم يزل مرتفعا في ناحية الشّمال، والظّلمة منحطّة في ناحية الجنوب، ولم يزل كلّ واحد منهما مباينا لصاحبه.
وقال النوبختي: وزعموا أنّ كلّ واحد منهما له أجناس خمسة: أربعة منها أبدان، وخامس هو الرّوح، وأبدان النّور أربعة: النّار، والرّيح، والتّراب، والماء، وروحه الشّبح،
стр. 68
ولم تزل تتحرّك في هذه الأبدان، وأبدان الظّلمة أربعة: الحريق، والظّلمة، والسّموم، والضّباب، وروحها الدّخان، وسمّوا أبدان النّور ملائكة، وسمّوا أبدان الظّلمة شياطين وعفاريت.
وبعضهم يقول: الظّلمة تتوالد شياطين، والنّور يتوالد ملائكة، وأنّ النّور لا يقدر على الشّرّ، ولا يجوز منه، والظّلمة لا تقدر على الخير، ولا تجوز منه، وذكر لهم مذاهب مختلفة فيما يتعلّق بالنّور والظّلمة، ومذاهب سخيفة، منها أنّه فرض عليهم ألّا يدّخروا إلّا قوت يوم.
وقال بعضهم: على الإنسان صوم سبع العمر، وترك الكذب، والبخل، والسّحر، وعبادة الأوثان، والزّنا، والسّرقة، وألا يؤذي ذا روح في مذاهب طريفة اخترعوها بواقعاتهم الباردة.
وذكر يحيى بن بشر النّهاونديّ أنّ قوما منهم يقال لهم: الدّيصانيّة، زعموا أنّ طينة العالم كانت طينة خشنة، وكانت تحاكي جسم الباري الّذي هو النّور زمانا، فتأذّى بها، فلمّا ظال عليهم ذلك، قصد تنحيتها عنه، فتوحّل فيها، واختلط بها، فتركّب منها هذا العالم النّوري والظّلمي، فما كان من جهة الصّلاح فمن النّور، وما كان من جهة الفساد فمن الظّلمة، وهؤلاء يغتالون النّاس، ويخنقونهم، ويزعمون أنّهم يخلّصون بذلك النّور من الظّلمة، مذاهب سخيفة.
والّذي حملهم على هذا أنّهم رأوا في العالم شرّا واختلافا، فقالوا: لا يكون من أصل واحد شيئان مختلفان، كما لا يكون من النّار التّبريد والتّسخين.
وقد ردّ العلماء عليهم في قولهم: إنّ الصّانع اثنان، فقالوا: لو كان اثنين لم يخل أن يكونا قادرين، أو عاجزين، أو أحدهما قادرا، والثّاني عاجزا، لا يجوز أن يكونا عاجزين؛ لأنّ العجز يمنع ثبوت الألوهيّة، ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزا، فبقي أن يقال: هما
стр. 69
قادران، فتصوّر أنّ أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر تسكينه، ومن المحال وجود ما يريدانه، فإن تمّ أحدهما ثبت عجز الآخر، وردّوا عليهم في قولهم إنّ النّور يفعل الخير، والظّلمة تفعل الشّرّ، فإنّه لو هرب مظلوم فاستتر بالظّلمة، فهذا خير قد صدر من شرّ، ولا ينبغي مدّ النّفس في الكلام مع هؤلاء، فإنّ مذهبهم خرافات.
ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم:
إنّما تمكّن إبليس من التّلبيس على الفلاسفة من جهة أنّهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلّموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء.
فمنهم: من قال بقول الدّهريّة (ألّا صانع للعالم)، حكاه النوبختي وغيره عنهم، وحكى النهاونديّ أنّ أرسطاطاليس وأصحابه زعموا أنّ الأرض كوكب في جوف هذا الفلك، وأنّ في كلّ كوكب عوالم كما في هذه الأرض، وأنهارا وأشجارا، وأنكروا الصّانع، وأكثرهم أثبت علّة قديمة للعالم، ثمّ قال بقدم العالم، وأنّه لم يزل موجودا مع الله تعالى، ومعلولا له، ومساويا غير متأخّر عنه بالزّمان، مساواة المعلول للعلّة، والنّور للشّمس بالذّات والرّتبة، لا بالزّمان، فيقال لهم: لم أنكرتم أن يكون العالم حادثا بإرادة قديمة، اقتضت وجوده في الوقت الّذي وجد فيه؟
فإن قالوا: فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري، وبين المخلوقات زمان.
قلنا: الزّمان مخلوق، وليس قبل الزّمان زمان. ثمّ يقال لهم: هل الحقّ سبحانه قادر على أن يجعل سمك الفلك الأعلى أكثر ممّا هو بذراع أو أقلّ ممّا هو بذراع؟
فإن قالوا: لا يمكن، فهو تعجيز؛ ولأنّ ما لا يمكن أن يكون أبرّ منه، ولا أصغر، فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب يستغني عن علّة، وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا: الله صانع العالم، وهذا تجوّز عندهم لا حقيقة؛ لأنّ الفاعل مريد لما يفعله،
стр. 70
وعندهم أنّ العالم ظهر ضروريّا لا أنّ الله فعله.
ومن مذاهبهم أنّ العالم باق أبدا كما لا بداية لوجوده، فلا نهاية.
قالوا: لأنّه معلول علّة قديمة، وكان المعلول مع العلّة، ومتى كان العالم ممكن الوجود، لم يكن قديما، ولا معلولا.
وقد قال جالينوس: لو كانت الشّمس - مثلا - تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدّة الطّويلة، فيقال له: قد يفسد الشّيء بنفسه بغتة لا بالذّبول، ثمّ من أين له أنّها لا تذبل؟ فإنّها عندهم بمقدار الأرض مئة وسبعين مرّة، أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبل، لم يبن ذلك للحسّ.
ثمّ نحن نعلم أنّ الذّهب والياقوت يقبلان الفساد، وقد يبقيان سنين، ولا يحسّ نقصانهما، وإنّما الإيجاد والإعدام بإرادة القادر، والقادر لا يتغيّر في نفسه، ولا تحدث له صفة، وإنّما يتغيّر الفعل بإرادة قديمة.
وحكى النوبختي في كتاب الآراء والديانات: أنّ سقراط كان يزعم أنّ أصول الأشياء ثلاثة: علّة فاعلة، والعنصر، والصّورة.
قال: والله تعالى هو الفعّال. والعنصر: هو الموضوع الأوّل للكون والفساد. والصّورة:
جوهر للجسم.
وقال آخر منهم: الله هو العلّة الفاعلة، والعنصر المنفعل.
وقال آخر منهم: العقل رتّب الأشياء هذا التّرتيب.
وقال آخر منهم: بل الطّبيعة فعلته.
وحكى يحيى بن بشير بن عمير النّهاوندي: أنّ قوما من الفلاسفة قالوا: لمّا شاهدنا العالم مجتمعا ومتفرّقا، ومتحرّكا وساكنا، علمنا أنّه محدث، ولا بدّ له من محدث، ثمّ رأينا
стр. 71
أنّ الإنسان يقع في الماء، ولا يحسن السّباحة، فيستغيث بذلك الصّانع المدبّر، فلا يغيثه، أو في النّار فعلمنا أنّ ذلك الصّانع معدوم.
قال: واختلف هؤلاء في عدم الصّانع المدبّر على ثلاث فرق: فرقة زعمت أنّه لمّا أكمل العالم، استحسنه، فخشي أن يزيد فيه، أو ينقص منه فيفسد، فأهلك نفسه، وخلا منه العالم، وبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما اتفق.
وقالت الفرقة الثانية: بل ظهر في ذات الباري تولول، فلم يزل تنجذب قوّته ونوره، حتّى صارت القوّة والنّور في ذلك التّولول وهو العالم، وساء نور الباري، وكان الباقي منه نور، وزعموا أنّه سيجذب النّور من العالم إليه حتّى يعود كما كان، ولضعفه عن مخلوقاته أهمل أمرهم فشاع الجور.
وقالت الفرقة الثالثة: بل الباري لمّا أتقن العالم، تفرّقت أجزاؤه فيه، فكلّ قوّته في العالم فهي من جوهر اللّاهوتيّة.
قال الشيخ ﵀: هذا الّذي ذكره النهاونديّ نقلته من نسخة بالنّظّاميّة، قد كتبت منذ مئتين وعشرين سنة، ولولا أنّه قد قيل، ونقل في ذكره بيان ما قد فعل إبليس في تلبيسه، لكان الأولى الإضراب عن ذكره؛ تعظيما لله أن يذكر بمثل هذا، ولكن قد بينّا وجه الفائدة في ذكره.
وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أنّ الله تعالى لا يعلم شيئا، وإنّما يعلم نفسه، وقد ثبت أنّ المخلوق يعلم نفسه، ويعلم خالقه، فقد زادت مرتبة المخلوق على رتبة الخالق.
قال المصنّف: وهذا أظهر فضيحة من أن يتكلّم عليه، فانظر إلى ما زيّنه إبليس لهؤلاء الحمقى مع ادّعائهم كمال العقل، وقد خالفهم أبو عليّ بن سيناء في هذا، فقال: بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكليّة، ولا يعلم الجزئيّات، وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة،
стр. 72
وكأنّهم استكثروا المعلومات، فالحمد لله الّذي جعلنا ممّن ينفي عن الله الجهل والنّقص، ونؤمن بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩].
وذهبوا إلى أنّ علم الله وقدرته هو ذاته، فرارا من أن يثبتوا قديمين، وجوابهم أن يقال:
إنّما هو قديم موجود واحد موصوف بصفات الكمال.
قال المصنف: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، وردّ الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنّة ونار جسمانيّين، وزعموا أنّ تلك أمثلة ضربت لعوامّ النّاس ليفهموا الثّواب والعقاب الرّوحانيّين، وزعموا أنّ النّفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديّا أبدا، إمّا في لذّة لا توصف، وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النّفس المتلوّثة، وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير النّاس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول، فيقال لهم: نحن لا ننكر وجود النّفس بعد الموت، ولذا سمّي عودها إعادة، ولا أنّ لها نعيما وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الأجساد؟ ولم ننكر اللّذّات والآلام الجسمانيّة في الجنّة والنّار، وقد جاء الشّرع بذلك؟!
فنحن نؤمن بالجمع بين السّعادتين، وبين الشّقاوتين (الرّوحانيّة والجسمانيّة)، وأمّا الحقائق في مقام الأمثال فتحكّم بلا دليل، فإن قالوا: الأبدان تنحلّ وتؤكل وتستحيل.
قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء، على أنّ الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له البدن من تراب غير التّراب الّذي خلق منه، لم يخرج عن كونه هو هو، كما أنّه تتبدّل أجزاؤه من الصّغر إلى الكبر بالهزال والسّمن.
فإن قالوا: لم يكن البدن بدنا حتّى يرقى من حالة إلى حالة، إلى أن صار لحما وعروقا.
قلنا: قدرة الله لا تقف على المفهوم المشاهد، ثمّ قد أخبرنا نبيّنا ﷺ أنّ الأجسام
стр. 73
تنبت في القبور قبل البعث.
وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزّاز، نا أبو محمّد الجوهريّ، نا عمر بن محمّد ابن الزّيّات، ثنا قاسم بن زكريا المطرز، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النّفختين أربعون». قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال:
أبيت. قال: «ثمّ ينزل الله ماء من السّماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلّا يبلى، إلّا عظما واحدا، وهو عجب الذّنب، منه خلق، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» (١)، أخرجاه في «الصّحيحين».
[مذهب الفلاسفة]:
وقد لبّس إبليس على أقوام من أهل ملّتنا، فدخل عليهم من باب قوّة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أنّ الصّواب اتّباع الفلاسفة؛ لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال، دلّت على نهاية الذّكاء، وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط، وأبقراط، وأفلاطون، وأرسطاطاليس، وجالينوس، وهؤلاء كانت لهم علوم هندسيّة، ومنطقيّة، وطبيعيّة، واستخرجوا بفطنهم أمورا خفيّة، إلّا أنّهم لمّا تكلّموا في الإلهيّات، خلطوا، ولذلك اختلفوا فيها، ولم يختلفوا في الحسّيّات والهندسيّات، وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم.
وسبب تخليطهم أنّ قوى البشر لا تدرك العلوم إلّا جملة، والرّجوع فيها إلى الشّرائع، وقد حكي لهؤلاء المتأخّرين في أمّتنا: أنّ أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصّانع، ويدافعون الشّرائع، ويعتقدونها نواميس وحيلا، فصدّقوا فيما حكي لهم عنهم، ورفضوا شعار الدّين،
стр. 74
وأهملوا الصّلوات، ولابسوا المحذورات، واستهانوا بحدود الشّرع، وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنّصارى، أعذر منهم؛ لكونهم متمسّكين بشرائع، دلّت عليها معجزات، والمبتدعة في الدّين أعذر منهم؛ لأنّهم يدّعون النّظر في الأدلّة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلّا علمهم بأنّ الفلاسفة كانوا حكماء، أتراهم ما علموا أنّ الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟!
وما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصّانع محال، فإنّ أكثر القوم يثبتون الصّانع، ولا ينكرون النّبوّات، وإنّما أهملوا النّظر فيها، وشذّ منهم قليل، فتبعوا الدّهريّة الّذين فسدت أفهامهم بالمرّة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمّتنا جماعة لم يكسبهم التّفلسف إلّا التّحيّر، فلا هم يعملون بمقتضاه، ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم رمضان، ويصلّي، ثمّ يأخذ في الاعتراض على الخالق، وعلى النّبوّات، ويتكلّم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلّا ضربه الفقر، فأضرّ به، فهو عامّة زمانه في تسخّط على الأقدار، والاعتراض على المقدّر حتّى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلّا من فوق الفلك.
وكان يقول أشعارا كثيرا في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدّنيا، قال:
أتراها صنعة من غير صانع … أم تراها رمية من غير رام
وقوله:
وا حيرتا من وجود ما تقدّمه … منّا اختيار ولا علم فيقتبس
كأنّه في عماء ما يخلّصنا … منه ذكاء ولا عقل ولا شرس
ونحن في ظلمة ما إنّ لها قمرا … فيها يضيء ولا شمس ولا قبس
مدلّهين حيارى قد تكنّفنا … جهل يجهّمنا في وجه عبس
فالفعل فيه لا ريب ولا عمل … والقول فيه كلام كلّه هوس
стр. 75
ولمّا كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا، والرّهبنة كذلك، مدّ بعض أهل ملّتنا يده إلى التّمسّك بهذا، وبعضهم مدّ يده إلى التّمسّك بهذه، فترى كثيرا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التّزهّد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتا على ملّتنا، وسلامة من عدوّنا، إنّه وليّ الإجابة.
[ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل]:
وهم قوم يقولون: إنّ لكلّ روحانيّ من الرّوحانيّات العلويّة هيكلا، أعني جرما من الأجرام السّماويّة، هو هيكله، ونسبته إلى الرّوحانيّ المختصّة به نسبة أبداننا إلى أرواحنا، فيكون هو مدبّره والمتصرّف فيه، فمن جملة الهياكل العلويّة: السّيّارات والثّوابت.
قالوا: ولا سبيل لها إلى الرّوحانيّ بعينه، فيتقرّب إلى هيكله بكلّ عبادة وقربان.
وقال آخرون منهم: لكلّ هيكل سماويّ شخص من الأشخاص السّفليّة على صورته وجوهره، فعمل هؤلاء الصّور، ونحتوا الأصنام، وبنوا لها بيوتا.
وقد ذكر يحيى بن بشر النّهاونديّ: أنّ قوما قالوا: الكواكب السّبعة وهي: (زحل، والمشتري، والمريخ، والشّمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر)، وهي المدبّرات لهذا العالم، وهي تصدر عن أمر الملإ الأعلى، ونصبوا لها الأصنام على صورتها، وقرّبوا لكلّ واحد منها ما يشبهه من الحيوان، فجعلوا لزحل جسما عظيما من الآنك أعمى يقرّب إليه بثور حسن، يؤتى به على بيت تحته محفور، وفوقه الدرابزين من حديد من تلك الحفرة، فيضرب الثّور حتّى يدخل البيت، ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد، فتغوص رجلاه ويداه هنالك، ثمّ توقد تحته النّار حتّى يحترق.
ويقول له المقرّبون: مقدّس أنت أيّها الإله الأعمى، المطبوع على الشّرّ الّذي لا يفعل خيرا، قرّبنا لك ما يشبهك، فتقبّل منّا، واكفنا شرّك، وشرّ أرواحك الخبيثة.