← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رسول الله. فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي». اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه. قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا». أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا ولاد بن علي الكوفي نا محمد بن علي بن دحم الشيباني ثنا أحمد بن حازم ثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني ابن أبن أبي ليلى ثنا سعيد بن جثيم عن القعقاع بن عمارة عن أبي الخليل عن أبي الشائعة عن جندب الأزدي قال: لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن. قال المصنف: وفي رواية أخرى أن عليا ﵁ لما حكم أتاه من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فدخلا عليه فقالا له لا حكم إلا لله. فقال علي لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتنا واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا ولئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك وجه الله. واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فأخرجوا بنا. فكتب إليهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. أما بعد فإن هذين الرجلين اللذين ارتضيا حكمين فقد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما ونحن على الأمر الأول. فكتبوا إليه إنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك. وإلا فقد بذناك على سواء والسلام ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا هل سمعت من أبيك حديثا تحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه قال نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من

стр. 107

الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول. قالوا أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله قال نعم فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل. وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى ونزلوا تحت نخل مواقير بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه. فقال أحدهم أخذتها بغير حدها وبغير ثمنها فلفظها من فيه. واخترط أحدهم سفيه فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا هذا فساد في الأرض فلقى صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه. قال فبعث إليهم علي ﵁ أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول. فقال علي ﵁ لأصحابه دونكم القوم. فما لبثوا أن قتلوهم وكان وقت القتال يقول بعضهم لبعض تهيأ للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة، وخرج على علي ﵁ بعدهم جماعة منهم فبعث إليهم من قاتلهم ثم اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلوا أنا شرينا أنفسنا لله والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم إخواننا وأرحنا منهم العباد. أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزار نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف نا الحسين بن الفهم نا محمد بن سعد عن أشياخ له. فقالوا انتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ونريح العباد منهم فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية وقال عمر وأنا لكم بعمرو فتواثقوا ألا ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة فلما كانت الليلة التي عزم على قتل علي ﵁ فيها خرج علي ﵁ لصلاة الصبح فضربه فأصاب

стр. 108

جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه. فقال علي ﵁ لا يفوتنكم الرجل فأخذ: فقالت أم كلثوم يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين بأس قال فلم تبكين إذن ثم قال والله لقد سمعته يعني فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه. فلما مات علي ﵁ أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم. في عينيه بمسمار محمي فلم يجزع فجعل يقرأ: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق﴾ حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع. فقيل له لم تجزع فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله وكان رجلا أسمر في جبهته أثر السجود لعنة الله عليه. قال المصنف: قلت، ولما أراد الحسن ﵁ أن يصالح معاوية خرج عليه من الخوارج الجراح بن سنان. وقال أشركت كما أشرك أبوك ثم طعنه في أصل فخذه. وما زالت الخوارج تخرج على الأمراء ولهم مذاهب مختلفة. وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون نحن مشركون ما دمنا في دار الشرك فإذا خرجنا فنحن مسلمون. قالوا ومخالفونا في المذهب مشركون. ومرتكبوا الكبائر مشركون والقاعدون عن موافقتنا في القتال كفرة وأباح هؤلاء قتل النساء والصبيان من المسلمين وحكموا عليهم بالشرك وكان تجدة بن عامر الثقفي من القوم فخالف نافع بن الأزرق وقال بتحريم دماء المسلمين وأموالهم. وزعم أن أصحاب الذنوب من موافقيه يعذبون في غير نار جهنم وأن جهنم لا يعذب بها إلا مخالفوه في مذهبه: وقال إبراهيم الخوارج قوم كفار وتحل لنا مناكحتهم وموارثتهم كما كان الناس في بدء الإسلام. وكان بعضهم يقول لو أن رجلا أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار. لأن الله أوعد على ذلك النار. قال المصنف: ولهم قصص تطول ومذاهب عجيبة لهم لم أر التطويل بذكرها وإنما المقصود النظر في حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين عملوا بواقعاتهم واعتقدوا أن عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه على الخطأ ومن

стр. 109

معه من المهاجرين والأنصار على الخطأ وأنهم علىالصواب. واستحلوا دماء الأطفال ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها وتعبوا في العبادات وسهروا وجزع ابن ملجم عند قطع لسانه من فوات الذكر. واستحل قتل علي كرم الله وجهه. ثم أشهروا السيوف على المسلمين ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي ﵁، فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله ﷺ اعدل فما عدلت وما كان إبليس ليهتدي إلى هذه المخازي نعوذ بالله من الخذلان. أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن ملك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن بن ملك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم فيكم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية». أخرجاه في الصحيحين. أخبرنا سعد الله بن علي نا أبو بكر الطرثيثي ثنا هبة الله بن الحسن الطبري نا أحمد بن عبيد ثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا أحمد بن سنان ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن الأعمش عن عبد الله بن أبي أوفى وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول الخوارج كلاب أهل النار. رأي الخوارج قال المصنف: ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فإذا اجتمعا كان إماما نبطيا ومن رأى هؤلاء أحدث

стр. 110

المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى العقل وأن العدل ما يقتضيه ثم حدث القدرية في زمن الصحابة وصار معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم إلى القول بالقدر ونسج على منوال معبد الجهني واصل بن عطاء وانضم إليه عمرو بن عبيد. وفي ذلك الزمان حدثت سنة المرجئة حين قالوا لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ثم طالعت المعتزلة مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ كتب الفلاسفة في زمان المأمون واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان والمكان والكون. وأول مسألة أظهروها القول بخلق القرآن. وحينئذ سمي هذا الفصل فصل علم الكلام. وتلت هذه المسألة مسائل الصفات مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر. فقال قوم هي معاني زائدة على الذات ونفتها المعتزلة وقالوا عالم لذاته قادر لذاته. وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات. ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول والله الهادي لما يشاء. ذكر تلبيسه على الرافضة قال المصنف: وكما لبس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب. حمل آخرين على الغلو في حبه. فزاده على الحد فمنهم من كان يقول هو الإله، ومنهم من يقول هو خير من الأنبياء، ومنهم من حمله على سب أبي بكر وعمر حتى إن بعضهم كفر أب بكر وعمر إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن تضييع الزمان بذكرها. وإنما نشير إلى بعضها. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال حدث

стр. 111

أبو يعقوب إسحاق بن محمد النخعي عن عبيد الله بن محمد بن عائشة وأبي عثمان المازني وغيرهما وسمعت عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي يقول إسحاق بن محمد النخعي الأحمر كان يقول: إن عليا هو الله: تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون الإسحاقية ينسبون إليه: قال الخطيب ووقع إلي كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه في الرد على الغلاة: وكان النوبختي هذا من متكلمي الشيعة الأمامية: فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال وقد كان ممن جرد الجنون في الغلو في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر كان يزعم أن عليا هو الله : وأنه يظهر في كل وقت فهو الحسن في وقت وكذلك هو الحسين: وهو الذي بعث محمدا ﷺ . قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين: وقال بعضهم ارتدا بعد موت رسول الله ﷺ : ومنهم من يقول بالتبرئ من غير علي. وقد روينا أن الشيعة طالبت زيد بن علي بالتبرؤ ممن خالف عليا في إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا الرافضة ومنهم طائفة يقال لها: الجناحية وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين يقولون إن روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله وأنه لم يمت: وهو المنتظر: ومنهم طائفة يقال لها الغرابية يثبتون شركة علي في النبوة. وطائفة يقال لها المفوضة يقولون إن الله خلق محمدا ثم فوض خلق العالم إليه. وطائفة يقال لها الذمامية يذمون جبريل ويقولون كان مأمورا بالنزول على علي فنزل على محمد: ومنهم من يقول أن أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها. وقد روينا عن السفاح أنه خطب يوما فقام رجل من آل علي ﵁. فقال يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال ومن ظلمك قال أنا من أولاد علي ﵁ والذي ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة قال ودام

стр. 112

على ظلمكم قال نعم. قال ومن قال بعده قال عمر ﵁ قال ودام على ظلمكم قال نعم ومن قام بعده قال عثمان قال ودام على ظلمكم قال نعم. قال ومن قام بعده فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانا يهرب إليه. قال ابن عقيل الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة وذلك أن الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنا وإنما نثق في ذلك بنقل السلف وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم. فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله فإذا قال قائل أنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها وما هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفى. فإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم. فإذا قالت الرافضة أن القوم استحلوا هذا بعده خابت آمالنا في الشرع. لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول. وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من اتباع ذوي العقول. ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله. فطاحت الاعتقادات. وضعفت النفوس. عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات فهذا من أعظم المحن على الشريعة. قال المصنف: وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه. وقد ذكرت منها جملة في كتاب الموضوعات. منها أن الشمس غابت ففاتت عليا صلاة العصر فردت له الشمس. وهذا من حيث النقل موضوع: لم يروه ثقة ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد فلا يرد الوقت. وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل. وهذا

стр. 113

من حيث النقل كذب. ومن حيث المعنى قلة فهم. لأن الغسل عن حدث الموت فكيف يصح قبله ثم لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند. ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها وخرافات تخالف الإجماع. فنقلت منها مسائل من خط ابن عقيل. قال نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الإمامية. منها أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نبات الأرض. فأما الصوف والجلود والوبر فلا. وأن الاستجمار لا يجزئ في البول بل في الغائط خاصة. ولا يجزئ مسح الرأس إلا بباقي البلل الذي في اليد فإن استأنف للرأس بللا مستأنفا لم يجزه حتى لو نشفت يده من البلل احتاج إلى استئناف الطهارة. وانفردوا بتحريم من زني بها وهي تحت زوج أبدا فلو طلقها زوجها لم تحل للزاني بها بنكاح أبدا. وحرموا الكتابيات وأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع وإن وجد شرطه. وأن الطلاق لا يقع إلا بحضور شاهدين عدلين. وأن من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف الليل وجب عليه إذا استيقظ القضاء وأن يصبح صائما كفارة لذلك التفريط. وأن المرأة إذا جزت شعرها فعليها الكفارة مثل قتل الخطأ. وأن من شق ثوبه في موت ابن له أو زوجة فعليه كفارة يمين. وأن من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم لزمه الصدقة بخمسة دراهم. وأن شارب الخمر إذا حد ثانية قتل في الثالثة. ويحد شارب الفقاع كشارب الخمر، وأن قطع يد السارق من أصول الأصابع ويبقى له الكف فإن سرق مرة أخرى قطعت الرجل اليسرى. فإن سرق الثالثة خلد في الحبس إلى أن يموت. وحرموا السمك الجري (كذا) وذبائح أهل الكتاب. واشترطوا في الذبح استقبال القبلة. في مسائل كثيرة يطول ذكرها خرقوا فيها الإجماع وسول لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس. بل إلى الواقعات ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى. وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء والجماعة لطلبهم إماما معصوما وابتلوا بسب الصحابة.

стр. 114

وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصفيه. وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قالا أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة نا أبو ظاهر المخلص ثنا البغوي ثنا محمد بن عباد المكي ثنا محمد بن طلحة المديني عن عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا». قال المصنف: والمراد بالعدل الفريضة والصرف النافلة، أخبرنا أبو البركات بن علي البزار نا أبو بكر الطرثيثي نا هبة الله بن الحسن الطبري نا عبيد الله بن محمد بن أحمد نا علي بن محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي ثنا أبي ثنا الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سويد بن غفلة قال مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فدخلت على علي بن أبي طالب فقلت يا أمير المؤمنين مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما له أهل ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك. قال علي: أعوذ بالله أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي ائتمنني النبي عليه. لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل أخوا رسول الله وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما ثم نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتى دخل المسجد فصعد المنبر وجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته وهو ينظر فيها وهي بيضاء حتى اجتمع لنا الناس: ثم قام فنشهد بخطبة موجزة بليغة. ثم قال ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمون بما أنا عنه متنزه. ومما قالوه

стр. 115

بريء. وعلى ما قالوا معاقب أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي ولا يبغضهما إلا فاجر شقي صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ ولا كان رسول الله ﷺ يرى غير رأيهما. ولا يحب كحبهما أحدا مضى رسول الله ﷺ وهو راض عنهما. ومضيا والمؤمنون عنهما راضون. أمره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة الرسول ﷺ فلما قبض الله نبيه واختار له ما عنده. ولاه المؤمنون ذلك. وفوضوا إليه الزكاة ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين. وأنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره يود لو أن منا أحدا كفاه ذلك. وكان والله خير من أبقى أرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأسنه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رافة ورحمة وبإبراهيم عفوا ووقارا فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتى مضى على ذلك رحمة الله عليه. ثم ولي الأمر بعده عمر ﵁ وكنت فيمن رضي. فأقام الأمر على منهاج رسول الله ﷺ وصاحبه. يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل أثر أمه وكان والله رفيقا رحيما بالضعفاء ناصرا للمظلومين على الظالمين. لا يأخذه في الله لومة لائم وضرب الله الحق على لسانه وجعل الصدق من شأنه: حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه أعز الله بإسلامه الإسلام. وجعل هجرته للدين قواما وألقى له في قلوب المنافقين الرهبة. وفي قلوب المؤمنين المحبة. شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظا غليظا على الأعداء. فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضي في سبيلهما فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء. ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا اشد العقوبة إلا فمن

стр. 116

أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري. إلا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄ ثم الله أعلم بالخير أين هو. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم. أخبرنا سعد الله بن علي نا الطرثيثي نا هبة الله الطبري نا محمد بن عبد الرحمن نا البغوي ثنا سويد بن سعيد ثنا محمد بن حازم عن أبي خباب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي كرم الله وجهه قال: يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄ أينما أدركتموهم فاقتلوهم أشد القتل فإنهم مشركون. ذكر تلبيس إبليس على الباطنية قال المصنف: الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بالمرة فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم. بل يزعمون أن الله حق وأن محمدا رسول الله والدين الصحيح لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة ولهم ثمانية أسماء. الاسم الأول الباطنية: سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر وأنها بصورتها توهم الجهال صورا حلية وهي عند العقلاء رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأن من تقاعد عقله من الغوص على الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع. ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه قالوا وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع

стр. 117

عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ ومرادهم أن ينزعوا من العقائد موجب الظواهر ليقدروا بالتحكم بدعوى الباطل على أبطال الشرائع. الاسم الثاني الإسماعيلية: نسبوا إلى زعيم لهم يقال له محمد بن إسماعيل بن جعفر ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه. لأنه سابع. واحتجوا بأن السموات سبع والأرضين سبع وأيام الأسبوع سبعة. فدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة. وعلى هذا فيما يتعلق بالمنصور فيقولون العباس ثم ابنه عبد الله ثم ابنه علي ثم ابنه محمد بن علي ثم إبراهيم ثم السفاح ثم المنصور. وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه قال: قال علي بن محمد عن أبيه إن رجلا من الراوندية كان يقال له الأبلق وكان أبرص. فبكى بالعلو ودعا الراوندية إليه وزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثم الأئمة واحدا بعد واحد إلى أن صارت إلى إبراهيم بن محمد. واستحلوا الحرمات فكان الرجل منهم يدعو الجماعة إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقتلهم وصلبهم. فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم وعبدوا أبا جعفر وصعدوا الخضراء وألقوا نفوسهم كأنهم يطيرون فلا يبلغون الأرض إلا وقد هلكوا وخرج جماعتهم على الناس في السلاح وأقبلوا يصيحون يا أبا جعفر أنت أنت. الاسم الثالث السبعية: لقبوا بذلك لأمرين، أحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة سبعة على ما بينا وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار وهو المراد بالقيامة وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل ثم المشتري ثم المريخ. ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد. ثم القمر. الاسم الرابع البابكية: قال المصنف وهو اسم لطائفة منهم تبعوا رجلا يقال له بابك الخرمي وكان من الباطنية وأصله أنه ولد زنى فظهر في بعض الجبال

стр. 118

بناحية أذربيجان سنة إحدى ومائتين وتبعه خلق كثير واستفحل أمرهم واستباح المحظورات وكان إذا علم أن عند أحد بنتا جميلة أو أختا جميلة طلبها فإن بعثها إليه وإلا قتله وأخذها ومكث على هذا عشرين سنة فقتل ثمانين ألفا وقيل خمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان وحاربه السلطان وهزم خلقا من الجيوش حتى بعث المعتصم أفسين فحاربه فجاء ببابك وأخيه في سنة ثلاث وعشرين ومائتين فلما دخلا قال لبابك أخوه يا بابك قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد. فقال سترى صبري فأمر المعتصم بقطع يديه ورجليه فلما قطعوا مسح بالدم وجهه فقال المعتصم أنت في الشجاعة كذا وكذا ما بالك قد مسحت وجهك بالدم أجزعا من الموت فقال لا. ولكني لما قطعت أطرافي نزف الدم. فخفت أن يقال عني إنه اصفر وجهه جزعا من الموت قال فيظن ذلك بي فسترت وجهي بالدم كيلا يرى ذلك مني. ثم بعد ذلك ضربت عنقه وأضرمت عليه النار وفعل مثل ذلك بأخيه فما فيهما من صاح ولا تأوه ولا أظهر جزعا لعنهما الله وقد بقي من البابكية جماعة يقال أن لهم ليلة في السنة تجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون السرج ثم يتناهضون للنساء فيثب كل رجل منهم إلى امرأة ويزعمون أن من احتوى على امرأة يستحلها بالاصطياد لأن الصيد مباح. الاسم الخامس المحمرة: قال المصنف: سموا بذلك لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك ولبسوها. الاسم السادس القرامطة: قال المصنف وللمؤرخين في سبب تسميتهم بهذا قولان: أحدهما أن رجلا من ناحية خوزستان قدم سواد الكوفة فأظهر الزهد ودعا إلى إمام من أهل بيت الرسول ﷺ ونزل على رجل يقال له كرميته لقب بهذا لحمرة عينيه وهو بالنبطية حاد العين فأخذه أمير تلك الناحية فحبسه وترك مفتاح البيت تحت رأسه ونام فرقت له جارية فأخذت المفتاح ففتحت البيت وأخرجته وردت المفتاح إلى مكانه. فلما طلب فلم يوجد زاد

стр. 119

افتتان الناس به فخرج إلى الشام فسمي كرميته باسم الذي كان نازلا عليه ثم خفف فقيل قرمط ثم توارث مكانه أهله وأولاده. والثاني أن القوم قد لقبوا بهذا نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط كان أحد دعاتهم في الابتداء فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطية وكان هذا الرجل من أهل الكوفة وكان يميل إلى الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية في فريق وهو متوجه إلى قرية وبين يديه بقر يسوقها. فقال حمدان لذلك الراعي وهو لا يعرفه أين مقصدك فذكر قرية حمدان فقال له اركب بقرة من هذه لئلا تتعب فقال إني لم أؤمر بذلك فقال وكأنك لا تعمل إلا بأمر قال نعم قال وبأمر من تعمل قال بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة. فقال ذلك إذن هو الله رب العالمين. فقال صدقت قال له فما غرضك في هذه القرية التي تقصدها قال أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ومن الضلالة إلى الهدى ومن الشقاء إلى السعادة. وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر وأملكهم ما يستغنون به عن الكد: فقال له حمدان أنقذني أنقذك الله وأفض علي من العلم ما تحييني به فما أشد احتياجي إلى مثل هذا فقال ما أمرت أن أخرج السر المخزون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه. فقال اذكر عهدك فإني ملتزم به فقال له أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا نفس سري أيضا فالتزم حمدان عهده ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه فاستجاب له ثم انتدب للدعاء وصار أصلا من أصول هذه البدعة فسمي أتباعه القرامطة والقرمطية. ثم لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه وكان أشدهم بأسا رجل يقال له أبو سعيد ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين وقوي أمره وقتل ما لا يحصى من المسلمين وخرب المساجد وأحرق المصاحف. وفتك بالحاج وسن لأهله وأصحابه وأخبرهم بمحالات. وكان إذا قاتل يقول وعدت النصر في هذه الساعة. فلما مات بنوا على قبره قبة وجعلوا على رأسها طائرا من جص.

стр. 120

وقالوا إذا طار هذا الطائر خرج أبو سعيد من قبره وجعلوا عند القبر فرسا وخلعة ثياب وسلاحا وقد سول إبليس لهذه الجماعة أنه من مات وعلى قبره فرس حشر راكبا وإن لم يكن له فرس حشر ماشيا. وكان أصحاب أبي سعيد يصلون عليه إذا ذكروه ولا يصلون على رسول الله ﷺ فإذا سمعوا من يصلي على رسول الله ﷺ يقولون أتأكل رزق أبي سعيد وتصلي على أبي القاسم. وخلف بعده ابنه أبا طاهر ففعل مثل فعله وهجم على الكعبة فأخذ ما فيها من الذخائر وقلع الحجر الأسود فحمله إلى بلده وأوهم الناس أنه الله . الاسم السابع الخرمية: وخرم لفظ أعجمي ينبي عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان له. ومقصود هذا الاسم تسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات كيف كانت وطي بساط التكليف وحط أعباء الشرع عن العباد وقد كان هذا الاسم لقبا للمزدكية وهم أهل الإباحة من المجوس الذين تبعوا في أيام قباذ وأباحوا النساء المحرمات وأحلوا كل محظور فسموا هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم في نهاية هذا المذهب وإن خالفوهم في مقدماته. الاسم الثامن التعليمية: لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي وإفساد تصرف العقول ودعاء الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم وأنه لايدرك العلوم إلا بالتعليم. نقد مذهب الباطنية في ذكر السبب الباعث لهم على الدخول في هذه البدعة قال المصنف اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين

стр. 121

عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار وأنهم عجزوا عن مقاومته فقالوا سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلا وأتحفهم رأيا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب وهم الروافض فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق. ثم قالوا وطريقنا أن نختار رجلا ممن يساعد على المذهب ويزعم أنه من أهل البيت وأنه يجب على كل الخلق كافة متابعته ويتعين عليهم طاعته لكونه خليفة رسول الله ﷺ . والمعصوم من الخطأ والزلل من جهة الله : ثم لا تظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة: فإن قرب الدار يهتك الأستار. وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على حقيقة أمره. وقصدهم بهذا كله الملك والاستيلاء على أموال الناس: والانتقال منهم لما عاملوههم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديما فهذا غاية مقصودهم ومبدأ أمرهم. فصل قال المصنف: وللقوم حيل في استذلال الناس فهم يميزون من يجوز أن يطمع في استدراجه ممن لا يطمع فيه. فإذا طمعوا في شخص نظروا

стр. 122

في طبعه: فإن كان مائلا إلى الزهد دعوه إلى الأمانة والصدق وترك الشهوات. وإن كان مائلا إلى الخلاعة قرروا في نفسه أن العبادة بله. وأن الورع حماقة وإنما الفطنة في اتباع اللذات من هذه الدنيا الفانية. ويثبتون عند كل ذي مذهب ما يليق بمذهبه ثم يشككونه فيما يعتقدون فيستجيب لهم أما رجل أبله أو رجل من أبناء الأكاسرة وأولاد المجوس ممن قد انقطعت دولة أسلافه بدولة بدولة الإسلام أو رجل يميل إلا الاستيلاء ولا يساعده الزمان فيعدونه بنيل آماله. أو شخص يجب الترفع عن مقامات العوام ويروم بزعمه الاطلاع على الحقائق. أو رافضي يتدين بسبب الصحابة ﵃. أو ملحد من الفلاسفة والثنوية والمتحيرين في الدين أو من قد غلبت عليه حب اللذات. وثقل عليه التكليف. فصل في ذكر نبذة من مذاهبهم. قال أبو حامد الطوسي الباطنية قوم يدعون الإسلام ويميلون إلى الرفض. وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام. فمن مذهبهم القول بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني. قالوا: والسابق لا يوصف بوجود ولا عدم ولا هو موجود ولا هو معدوم ولا هو معلوم ولا هو مجهول. ولا هو موصوف ولا غير موصوف وحدث عن السابق الثاني وهو أول مبدع. ثم حديث النفس الكلية. وعندهم أن النبي ﵇ عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة الثاني قوة قدسية صافية. وزعموا أن جبريل ﵇ عبارة عن العقل الفائض عليه لا أنه شخص. واتفقوا على أنه لا بد لكل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر مساو للنبي ﵇ في العصمة. وأنكروا المعاد وقالوا معنى المعاد عود الشيء إلى أصله وتعود النفس إلى أصلها. وأما التكليف. فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات وقد ينكرون

стр. 123

هذا إذا حكى عنهم وإنما يقرون بأنه لا بد للإنسان من التكليف. فإذا اطلع على بواطن الظواهر ارتفعت التكاليف. ولما عجزوا عن صرف الناس عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها إذ لو صرحوا بالنفي المحض لقتلوا: فقالوا معنى الجنابة مبادرة المستجيب بإفشاء المستجيب بإفشاء السر. ومعنى الغسل. تجديد العهد على من فعل ذلك. ومعنى الزنا إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد: والصيام الإمساك عن كشف السر والكعبة هي النبي. والباب علي. والطوفان طوفان العلم أعرق به المتمسكون بالشبهة والسفينة الحرز الذي يحصن به من استجاب لدعوته. ونار إبراهيم عبارة عن غضب نمرود لا عن نار حقيقة. وذبح إسحاق معناه أخذ العهد عليه. وعصى موسى حجته، ويأجوج ومأجوج هم أهل الظاهر، وذكر غيره أنهم يقولون إن الله لما أوجد الأرواح ظهر لهم فيما بينهم كهم فلم يشكوا أنه واحد منهم فعرفوه فأول من عرفه سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وأول المنكرين الذي يسمي إبليس: عمر بن الخطاب. في خرافات ينبغي أن يصان الوقت العزيز عن التضييع بذكرها: ومثل هؤلاء لم يتمسكوا بشبهة فتكون معهم مناظرة وإنما اخترعوا بواقعاتهم ما أرادوا فإن اتفقت مناظرة لأحدهم فليقل له أعرفتم هذه الأشياء التي تذكرونها عن ضرورة أو عن نظر أو عن نقل عن الإمام المعصوم. فإن قلتم ضرورة، فكيف حالفكم ذوو العقول السليمة. ولو ساغ للإنسان أن يهدي بدعوى الضرورة في كل ما يهواه جاز لخصمه دعوى الضرورة

стр. 124

في نقض ما ادعاه. وإن قلتم بالنظر فالنظر عندكم باطل. لأنه تصرف بالعقل وقضايا العقول عندكم لا يوثق بها، وإن قلتم عن إمام معصوم قلنا فما الذي دعاكم إلى قبول قول بلا معجزة، وترك قول محمد ﷺ مع المعجزات. ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع من الإمام المعصوم له باطن غير ظاهر. ثم يقال لهم هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها؟ فإن قالوا يجب إظهارها قلنا فلم كتمها محمد ﷺ . وإن قالوا يجب إخفاؤها قلنا ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه. قال ابن عقيل هلك الإسلام بين طائفتين بين الباطنية والظاهرية فأما أهل البواطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى. حتى أسقطوا إيجاب الواجب. والنهي عن المنهي. وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من تأويله. فحملوا الأسماء والصفات على ما عقلوه. والحق بين المنزلتين. وهو أن تأخذ بالظاهر ما لم يصرفنا عنه دليل. ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع. قال المصنف: ولو لقيت مقدم هذه الطائفة المعروفة بالباطنية لم أكن سالكا معه طريق العلم. بل التوبيخ والازدراء على عقله وعقول أتباعه. بأن أقول أن للآمال طرقا تسلك ووجوها توصل. ووضع الأمل في وجه اليأس حمق ومعلوم أن هذه الملل التي قد طبقت الأرض أقر بها شريعة الإسلام التي تتظاهرون بها. وتطمعون في إفسادها قد تمكنت تمكنا يكون الطمع في تمحيقها فضلا عن إزالتها حمقا. فلها مجمع كل سنة بعرفة ومجمع كل أسبوع في الجوامع ومجمع كل يوم في المساجد. فمتى تحدثكم نفوسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتمحيق هذا الأمر الظاهر: في الآفاق يؤذن كل يوم على ما بين ألوف منابر بأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وغاية ما أنتم عليه حديث

стр. 125

في خلوة: أو متقدم في قلعة: إن نبس بكلمة يرمي رأسه وقتل الكلاب فمتى يحدث العاقل منكم نفسه بظهور ما أنتم عليه على هذا الأمر الكلي الذي طبق البلاد فما أعرف أحمق منكم إلى أن يجيء إلى باب المناظرة بالبراهين العقلية. قال المصنف: والتهبت جمرة الباطنية المتأخرين في سنة أربع وتسعين وأربعمائة فقتل جلال الدولة برقيارق خلقا منهم لما تحقق مذهبهم فبلغت عدة القتلى ثلثمائة ونيفا وتتبعت أموالهم فوجد لأحدهم سبعون بيتا من اللآلئ المحفور وكتب بذلك كتاب إلى الخليفة: فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب: وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا. وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب فيقصيه وينتهب ماله. وأول ما عرف من أحوال الباطنية في أيام الملك شاه جلال الدولة أنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة. ففطن بهم الشحنة فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم. ثم اغتالوا مؤذنا من أهل ساوة فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل فخافوه أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه فبلغ الخبر إلى نظام الملك فتقدم يأخذ من يتهم فيقتله فقتل المتهم وكان نجارا وكانت أول فتكة لهم فتكهم بنظام الملك. وكانوا يقولون قتلتم منا نجارا فقتلنا به نظام الملك. واستفحل أمرهم بأصبهان فلما مات الملك شاه وآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان ويقتلونه ويلقونه في البئر. وكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله أيسوا منه. وفتش الناس المواضع فوجدوا امرأة في

стр. 126

دار لا تبرح فوق الحصير. فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلا. فقتلوا المرأة وأحرقوا الدار والمحلة. وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقازق الذي فيه هذه الدار، فإذا مر إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه، فجد المسلمون في طلبهم بأصبهان وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأول قلعة تملكها الباطنية قلعة في ناحية يقال لها الروزباد من نواحي الديلم وكانت هذه القلعة لقماح صاحب ملكشاه وكان يستحفظها متهما بمذهب القوم. فأخذ ألفا ومائتي دينار وسلم إليهم القلعة في سنة ثلاث وثمانين في أيام ملكشاه وكان مقدمتها الحسن بن الصباح وأصله من مرو وكان كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام إذ كان صبيا ثم إلى مصر وتلقى من دعاتهم المذاهب وعاد داعية القوم ورأسا فيهم وحصلت له هذه القلعة وكانت سيرته في دعاته ألا يدعو إلا غبيا لا يفرق بين يمينه وشماله مثلا ومن لا يعرف أمور الدنيا ويطعمه الجوز والعسل والشونيز حتى ينبسط دماغه ثم يذكر له حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعليهم من الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه، ثم يقول إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في قتال بني أمية فما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك فيتركه بهذه المقالة طعمة للسيف، وكان ملكشاه قد أرسل إلى ابن الصباح ويدعوه إلى الطاعة ويتهدده أن خالفه ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء والأمراء، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر الجواب ما تراه، ثم قال لجماعة وقوف بين يديه أريد أن أنقذكم إلى مولاكم في حاجة فمن ينهض لها باشرأب كل منهم لذلك، فظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم فقال له اقتل نفسك فجذب سكينه وضرب بها

стр. 127

غلصمته فخر ميتا وقال لآخر ارم نفسك من القلعة فألقى نفسه فتمزق، ثم التفت إلى رسول السلطان فقال أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا هذا حد طاعتهم لي وهذا هو الجواب، فعاد الرسول إلى السطان ملكشاه فأخبره بما رأى فعجب من ذلك وترك كلامهم وصارت بأيديهم قلاع كثيرة ثم قتلوا جماعة من الأمراء والوزراء. قال المصنف: وقد ذكرنا من صفة القوم في التاريخ أحوالا عجيبة فلم نر التطويل بها هنا. وكم زنديق في قلبه حقد على الإسلام خرج فبالغ واجتهد فزخرف دعاوي يلقي بها من يصحبه: وكان غور مقصده في الاعتقاد الانسلال من ربقة الدين. وفي العمل نيل الملذات واستباحة المحظورات. فمنهم بابك الخرمي حصل له مقصوده من اللذات ولكن بعد أن قتل الناس وبالغ في الأذى ثم القرامطة وصاحب الزنج الذي خرج فاستغوى المماليك السودان ووعدهم الملك: فنهب وفتك وقتل وبالغ وكانت عواقبهم في الدنيا أقبح العواقب فما وفى ما نالوا بما نيل منهم ومنهم من لم يبرح على تعثيره ففاتته الدنيا والآخرة مثل ابن الراوندي والمعري. أنبأنا محمد بن أبي طاهر عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال كان ابن الراوندي ملازم الرافضة وأهل الإلحاد فإذا عوتب قال إنما أريد أن أعرف مذاهبهم ثم كاشف وناظر. قال المصنف: من تأمل حال ابن الراوندي وجده من كبار الملحدة وصنف كتابا سماه الدامغ زعم أنه يدمغ به هذه الشريعة فسبحان من دمغة فأخذه وهو في شرخ الشباب وكان يعترض على القرآن ويدعي عليه التناقض وعدم الفصاحة: وهو يعلم أن فصحاء العرب تحيرت عند سماعه فكيف بالألكن وأما

стр. 128

أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد: وكان يبالغ في عداوة الأنبياء ولم يزل متخبطا في تعثيره خائفا من القتل إلى أن مات بخسرانه. وما خلا زمان من خلف للفريقين إلا أن جمرة المنبسطين قد خبت بحمد الله. فليس إلا باطني مستتر ومتفلسف متكاتم هو أعثر الناس وأخسأهم قدرا. وأردأهم عيشا وقد شرحنا أحوال جماعة من الفريقين في التاريخ فلم نر التطويل بذلك والله الموفق.

стр. 129

الباب السادس:- في ذكر تلبيس إبليس على العلماء في فنون العلم قال المصنف: اعلم أن إبليس يدخل على الناس في التلبيس من طرق منها ظاهر الأمر. ولكن يغلب الإنسان في إيثار هواه فيغمض على علم يذلله. ومنها غامض وهو الذي يخفى على كثير من العلماء. ونحن نشير إلى فنون من تلبيسه يستدل بمذكورها على مغفلها إذ حصر الطرق يطول والله العاصم. ذكر تلبيسه على القراء فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراآت الشاذة وتحصيلها فيفني أكثر عمره في جمعها، وتصنيفها والإقراء بها ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة، وربما حمله حب التصدر حتى لا يرى بعين الجهل على أن يجلس بين يدي العلماء ويأخذ عنهم العلم ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم، قال الحسن البصري أنزل القرآن ليعمل به. فاتخذ الناس تلاوته عملا. يعني أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به. ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في مخرابه بالشاذ ويترك المتواتر المشهور. والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه وعنده أنه

стр. 130

متشاغل بالقرآن. ومنهم من يجمع القراآت فيقول ملك مالك ملاك وهذا لا يجوز لأنه إخراج للقرآن عن نظمه. ومنهم من يجمع السجدات والتهليلات والتكبيرات وذلك مكروه وقد صاروا يوقدون النيران الكثيرة للختمة فيجمعون بين تضييع المال والتشبه بالمجوس والتسبب إلى اجتماع النساء والرجال بالليل للفساد ويريهم إبليس أن في هذا إعزازا للإسلام. وهذا تلبيس عظيم لأن إعزاز الشرع باستعمال المشروع. ومن ذلك أن منهم من يتسامح بادعاء القراءة على من لم يقرأ عليه وربما كانت له إجازة منه. فقال أخبرنا تدليسا وهو يرى أن الأمر في ذلك قريب لكونه يروي القراآت ويراها فعل خير وينسى أن هذا كذب يلزمه إثم الكذابين. ومن ذلك أن المقرئ المجيد يأخذ على اثنين وثلاثة ويتحدث مع من يدخل عليه والقلب لا يطيق جمع هذه الأشياء ثم يكتب خطه بأنه قد قرأ على فلان بقراءة فلان. وقد كان بعض المحققين يقول ينبغي أن يجتمع اثنان أو ثلاثة ويأخذوا على واحد ومن ذلك أن أقواما من القراء يتبارون بكثرة القراءة وقد رأيت من مشايخهم من يجمع الناس ويقيم شخصا ويقرأ في النهار الطويل ثلاث ختمات فإن قصر عيب وإن أتم مدح. وتجتمع العوام لذلك ويحسنونه كما يفعلون في حق السعاة ويريهم إبليس أن في كثرة التلاوة ثوابا. وهذا من تلبيسه لأن القراءة ينبغي أن تكون لله تعالى لا للتحسين بها. وينبغي أن تكون على تمهل. وقال : ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾ وقال : ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ ومن ذلك أن جماعة من القراء أحدثوا قراءة الألحان وقد كانت إلى حد قريب. وعلى ذلك فقد كرهها أحمد بن حنبل وغيره ولم يكرهها الشافعي. أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو علي الحسين بن سعد الهمذاني نا أبو بكر أحمد بن علي بن

стр. 131

لال ثنا الفضل بن الفضل ثنا السياحي ثنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت. قال المصنف: وقلت إنما أشار الشافعي إلى ما كان في زمانه وكانوا يلحنون بسيرا فأما اليوم فقد صيروا ذلك على قانون الأغاني وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهته. فإن أخرج عن حد وضعه حرم ذلك ومن ذلك أن قواما من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب واحتجوا بقوله ﵊. لو جعل القرآن في إهاب ما احترق. وذلك من تلبيس إبليس عليهم لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من لم يعلم إذ زيادة العلم تقوى الحجة وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر. قال الله : ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ وقال في أزواج رسول الله ﷺ : ﴿من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾. وقد أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن بن زرقويه نا إسماعيل الصفار ثنا زكريا بن يحيى ثنا معروف الكرخي قال قال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات. وإن في الوادي لجبا يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات. وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات. يبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون: أي رب يبدأ بنا قبل عبدة

стр. 132

الأوثان. فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم. قال المصنف فلنقتصر على هذا الأنموذج فيما يتعلق بالقراء. ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث من ذلك أن قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة وهؤلاء على قسمين قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه وهم مشكورون على هذا القصد إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث (فإن قال قائل) فقد فعل هذا خلق كثير من السلف كيحيى بن معين وابن المديني والبخاري ومسلم فالجواب أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدين والفقه فيه وبين ما طلبوا من الحديث وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث فاتسع زمانهم للأمرين فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت والتصانيف فيه اتسعت وما في هذا الكتاب في تلك الكتب وإنما الطرق تختلف فقل أن يمكن أحدا أن يجمع بين الأمرين فترى المحدث يكتب ويسمع خمسين سنة ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين فقالوا: زوامل أسفار لا يدرون ما معهم. فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث كما روينا أن بعض المحدثين روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره فقال جماعة ممن حضر قد كنا إذ فضل عنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى جيراننا ونحن نستغفر الله. فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحبالى من السبايا.

стр. 133

قال الخطابي: وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي ﷺ نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة بإسكان اللام، قال وأخبرني: أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة قال فقلت له إنما هو الحلق جمع حلقة وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. فقال قد فرجت علي وكان من الصالحين. وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدثين لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى حتى أنه أخبر أبو منصور البزار نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال سمعت اليرقاني يقول قال أبو بكر الأبهري الفقيه قال كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد فجاءته امرأة فقالت: أيها الشيخ ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة فماتت فهل الماء طاهر أو نجس. فقال يحيى ويحك. كيف سقطت الدجاجة إلى البئر. قالت: لم تكن البئر مغطاة. فقال يحيى: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري فقلت يا هذه إن كان الماء تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر. قال المصنف: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة أقلها جزء وأكثرها التفسير وهو ألف جزء وما كان يعرف من الفقه شيئا وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ لئلا يرى بعين الجهل فكان فيهم من يصير بما يفتي به ضحكة فسئل بعضهم عن مسألة من الفرائض فكتب في الفتوى تقسم على فرائض الله . وأنبأنا محمد بن أبي منصور نا أحمد بن الحسين بن حبرون نا أحمد بن محمد العتيقي نا أبو عمر بن حياة نا سليمان بن إسحاق الحلاب ثنا إبراهيم الحربي قال بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن داود وهو يحدث وبين يديه مقدار ألف نفس فقالت له: حلفت بصدقة إزاري فقال لها بكم اشتريته قالت باثنين وعشرين

стр. 134

درهما قال اذهبي فصومي اثنين وعشرين يوما فلما مرت جعل يقول آه آه غلطنا والله أمرناها بكفارة الظهار. قال المصنف: قلت فانظروا إلى هاتين الفضيحتين فضيحة الجهل وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط. واعلم أن عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى الحكم وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل. ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان وإيثار ما ليس بمهم على المهم من تلبيس إبليس. القسم الثاني قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحا ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب فطافوا البلدان ليقول أحدهم لقيت فلانا ولي من الأسانيد ما ليس لغيري وعندي أحاديث ليست عند غيري. وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث وكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة وهي البستان الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه ويقول في مجموعاته حدثني فلان وفلان بالزقة ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث. وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والفرات ويقول حدثني فلان من وراء النهر يوهم أنه عبر خراسان في طلب الحديث. وكان يقول حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة ليعلم الناس قدر تعبه في طلب الحديث فما بورك له ومات في زمان الطلب. قال المصنف: وهذا كله من الإخلاص بمعزل وإنما مقصودهم الرساة والمباهاة ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه ليتفرد هو بالرواية وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشخصين

стр. 135

وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب. ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث قدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد ودليل مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه وما كان القدماء هكذا فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفا ثم يقول وفي حديث الشيخ ما فيه. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه ثنا بكر أن ابن أحمد الجيلي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثا المحاسبي عن الغيبة فقال احذرها فإنها شر مكتسب وما ظنك بشيء يسلبك حسناتك فيرضى به خصماءك ومن تبغضه في الدنيا كيف ترضى به خصمك يوم القيامة يأخذ من حسناتك أو تأخذ من سيئاته إذ ليس هناك درهم ولا دينار فاحذرها وتعرف منبعها فإن منبع غيبة الهمج والجهال من اشفاء الغيظ والحمية والحسد وسوء الظن وتلك مكشوفة غير خفية وأما غيبة العلماء فمنبعها من خدعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصح من الخبر ولو صح ما كان عونا على الغيبة وهو قوله أترغبون عن ذكره اذكروه بما فيه ليحذره الناس. ولو كان الخبر محفوظا صحيحا لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه وإنما إذا جاءك مسترشد فقال أريد أن أزوج كريمتي من فلان فعرفت منه بدعة أو أنه غير مأمون على حرم المسلمين صرفته عنه

стр. 136

بأحسن صرف أو يجيئك رجل آخر فيقول لك أريد أن أودع مالي فلانا وليس ذلك الرجل موضعا للأمانة فتصرفه عنه بأحسن الوجوه أو يقول لك يا رجل أريد أن أصلي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم فتصرفه عنه بأحسن الوجوه ولا تشف غيظك من غيبته. وأما منبع الغيبة من القراء والنساك فمن طريق التعجب يبدي عوار الأخ ثم يتصنع بالدعاء في ظهر الغيب فيتمكن من لحم أخيه المسلم ثم يتزين بالدعاء له وأما منبع الغيبة من الرؤساء والأساتذة فمن طريق إبداء الرحمة والشفقة حتى يقول مسكين فلان ابتلى بكذا وامتحن بكذا نعوذ بالله من الخذلان فيتصنع بإبداء الرحمة والشفقة على أخيه. ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه ويقول إنما أبديت لكم ذاك لتكثروا دعاءكم له ونعوذ بالله من الغيبة تعريضا أو تصريحا فاتق الغيبة فقد نطق القرآن بكراهتها فقال : ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار كثيرة. ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع وهذه جناية منهم على الشرع ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم وقد قال ﷺ : «من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». ومن هذا الفن تدليسهم في الرواية فتارة يقول أحدهم فلان عن فلان أو قال فلان عن فلان يوهم أنه سمع منه المنقطع ولم يسمع وهذا قبيح لأنه يجعل المنقطع في مرتبة المتصل ومنهم من يروي عن الضعيف والكذاب فينفي اسمه فربما سماه بغير اسمه وربما كناه وربما نسبه إلى جده لئلا يعرف وهذه جناية على الشرع لأنه يثبت حكما بما لا يثبت به فأما إذا كان المروي عنه ثقة فنسبه إلى جده أو اقتصر على كنيته لئلا يرى أنه قد ردد الرواية عنه أو يكون المروي عنه في مرتبة الراوي فيستحي الراوي من ذكره فهذا على الكراهة والبعد من الصواب قريب بشرط أن يكون المروي عنه ثقة والله الموفق.

стр. 137

ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء قال المصنف: كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فمازال الأمر يتناقض حتى قال المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسنن أبي داود ونحوها ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم لقلة التفاته إلى معرفة النقل وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة فكيف يستخرج من شيء لا يعرفه ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى تعرف ذلك فصنفت الكتب وتقررت السنن وعرف الصحيح من السقيم ولكن غلب على المتأخرين الكسل بالمرة عن أن يطالعوا علم الحديث حتى أني رأيت بعض الأكابر من الفقهاء يقول في تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ قال هذا ورأيته يحتج في مسألة فيقول دليلنا ما روى بعضهم أن رسول الله قال كذا ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتج به خصمه أن يقول هذا الحديث لا يعرف وهذا كله جناية على الإسلام. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء. أن جل اعتمادهم على تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب ولو صحت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتسع فيها الكلام فيتقدم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر فهم أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش على المناقضات طلبا للمفاخرات والمباهاة وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها البلوى.

стр. 138

ذكر تلبيسه عليهم بإدخالهم في الجدل كلام الفلاسفة واعتمادهم على تلك الأوضاع ومن ذلك إيثارهم للقياس على الحديث المستدل به في المسألة ليتسع لهم المجال في النظر. وإن استدل أحد منهم بالحديث هجن ومن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث. ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه. ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير. وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة. ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب. ومن لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنهم سلوك طريقهم. وينبغي أن يعلم أن الطبع لص فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم. فإذا نظر في سير القدماء زاحمهم وتأدب بأخلاقهم وقد كان بعض السلف يقول حديث يرق له قلبي أحب إلي من مائة قضية من قضايا شريح. وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب. ومن ذلك أنهم اقتصروا على المناظرة وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع فترى الفقيه المفتي يسأل عن آية أو حديث فلا يدري. وهذا عين فأين الأنفة من التقصير. ومن ذلك أن المجادلة إنما وضعت ليستبين الصواب. وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق. وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل وإذا خفي على أحدهم شيء نبهه الآخر لأن المقصود كان إظهار الحق فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل بعلة يظنها. فقيل له ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة فقال هذا الذي يظهر لي فإن ظهر لكم ما هو أولى من ذلك فاذكروه فإن المعترض لا يلزمني ذكر ذلك. وقد صدق في أنه لا يلزمه ولكن فيما ابتدع من الجدل. بل في باب النصح وإظهار الحق يلزمه ومن ذلك أن أحدهم يتبين له الصواب مع خصمه

стр. 139

ولا يرجع ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه. وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق. وهذا من أقبح القبيح لأن المناظرة إنما وضعت لبيان الحق. وقد قال الشافعي ﵀ ما ناظرت أحدا فأنكر الحجة إلا سقط من عيني. ولا قبلها إلا هبته: وما ناظرت أحدا فباليت مع من كانت الحجة إن كانت معه صرت إليه. ومن ذلك أن طلبهم للرياسة بالمناظرة تثير الكامن في النفس من حب الرياسة فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفا يوجب قهر خصمه له خرج إلى المكابرة فإن رأى خصمه قد استطال عليه بلفظ أخذته حمية الكبر فقابل ذلك بالسب فصارت المجادلة مخاذلة ومن ذلك ترخصهم في الغيبة بحجة الحكاية عن المناظرة فيقول أحدهم: تكلمت مع فلان فما قال شيئا. ويتكلم بما يوجب التشفي من غرض خصمه بتلك الحجة. ومن ذلك أن إبليس لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع ليس ثم غيره فإن ذكر لهم محدث قالوا ذاك لا يفهم شيئا وينسون أن الحديث هو الأصل فإن ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا هذا كلام الوعاظ ومن ذلك إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها وربما أفتوا بواقعاتهم المخالفة للنصوص ولو توقفوا في المشكلات كان أولى. فقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا محمد بن هبة الله الطبري ثنا محمد بن الحسين بن الفضل نا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قال: أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول قال يعقوب وثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا. يقول أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. قال المصنف: وقد روينا عن إبراهيم النخعي أن رجلا سأله عن مسألة

стр. 140

فقال: ما وجدت من تسأله غيري. وعن مالك بن أنس ﵁ قال. ما أفتيت حتى سألت سبعين شيخا هل ترون لي أن أفتي. فقالوا نعم. فقيل له فلو نهوك قال لو نهوني انتهيت. وقال رجل لأحمد بن حنبل: إني حلفت ولا أدري كيف حلفت قال ليتك إذ دريت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك. قال المصنف: وإنما كانت هذه سجية السلف لخشيتهم الله وخوفهم منه ومن نظر في سيرتهم تأدب. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء. مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك. وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضاً فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه. الأول الأمير يقول لولا أني على صواب لأنكر علي الفقيه وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي. والثاني العامي أنه يقول لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانا الفقيه لا يبرح عنده. والثالث الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك. وقد لبس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول إنما ندخل لنشفع في مسلم وينكشف هذا التلبيس بأنه لو دخل غيره يشفع لما أعجبه ذلك وربما قدح في ذلك الشخص لتفرده بالسلطان. ومن تلبيس إبليس عليه في أخذ أموالهم فيقول لك فيها حق. ومعلوم أنها إن كانت من حرام لم يحل له منها شيء وإن كانت من شبهة فتركها أولى وإن كانت من مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين لا على وجه اتفاقه في إقامة الرعونة وربما اقتدى العوام بظاهر فعله واستباحوا ما لا يستباح. وقد لبس إبليس على قوم من العلماء. ينقطعون على السلطان إقبالا على التعبد والدين فيزين لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء فيجمع لهم آفتين غيبة الناس ومدح النفس. وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم.

стр. 141

وقد كان سفيان الثوري ﵁ يقول: ما أخاف من إهانتهم لي إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم. وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم. ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم أن الأمراء كانوا قديما يميلون إلى سماع الحجج في الأصول فأظهر الناس علم الكلام. ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه فمال الناس إلى الجدل. ثم بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما عرف أو ينتهي في العلم فى يبقى له في الوقف حظ لأنه إنما جعل لمن يتعلم إلا أن يكون ذلك الشخص معيدا أو مدرسا فإن شغله دائم ومن ذلك ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات فبعضهم يلبس الحرير ويتحلى بالذهب ويحال على المكث فيأخذه إلى غير ذلك من المعاصي. وسبب انبساط هؤلاء مختلف. فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين وهو يتفقه ليستر نفسه أو ليأخذ من الوقف أو ليرأس أو ليناظر. ومنهم من عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحب الشهوات وليس عنده

стр. 142

صارف عن ذلك لأن نفس الجدل والمناظرة تحرك الكبر والعجب وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف وأكثر القوم في بعد عن هذا وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه فحينئذ يسرح الهوى بلا زاد. ومنهم من يلبس عليه إبليس بأنه عالم وفقيه ومفت والعلم يدفع عن أربابه وهيهات فإن العلم أولى أن يحاجه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء. وقد قال الحسن البصري: إنما الفقيه من يخشى الله . قال ابن عقيل: رأيت فقيها خراسانيا عليه حرير وخواتم ذهب فقلت له. ما هذا فقال خلع السطان وكمد الأعداء فقلت له بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلما لأن إبليس عدوك وإذا بلغ منك مبلغك ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك وهل خلع السطان سائغة لنهي الرحمن يا مسكين. خلع عليك السطان فانخلعت به من الإيمان وقد كان ينبغي أن يلخع بك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى رماكم الله بخزيه حيث هونتم أمره هكذا ليتك قلت هذه رعونات الطبع الآن تمت محنتك لأن عدوانك دليل على فساد باطنك. ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع. والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله قال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ وقال: ﴿فاقصص القصص﴾ وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده. وربما اعتمد على ما أكثره محال فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا فهو ممدوح وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق.

стр. 143

ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء. وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر ﵁. وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص. ثم خست هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عن الحضور وعندهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن. وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب القصاص والمذكرين. إلا أنا نذكر هنا جملة فمن ذلك: أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ولبس عليهم إبليس: بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر وهذا افتيات منهم على الشريعة لأنها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة ثم نسوا قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق. ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد الإشارة إلى محبة الله ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويضل. ومن ذلك من يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل فتسمح النفس بفضل بكاء وخشوع فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة. ومن كان صادقا لم يسلم صدقة من رياء يخالطه. ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان والألحان التي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة والقارئ يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه فتشبه السكر

стр. 144

ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب لما في النفوس من دفائن الهوى ثم يخرجون فيقولون كان المجلس طيبا ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز. ومنهم من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة ومن مات غريبا فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع، ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه فليس عليه إبليس: إنك من جملة الموصوفين بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق. وكشف هذا التلبيس أن الوصف علم والسلوك غير العلم. ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد. وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل وزليخا ويوسف ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا وتعرف المرأة حق زوجها وتحفظ صلاتها هيهات هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف. ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ولا يبين للعامة المقصود فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم. ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفاهرة والملابس الفاخرة فيفسد القلوب بقوله وفعله. فصل وقد يكون الوعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان فيجب أن يعظم وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ولو صح قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق.

стр. 145

فصل ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء وترى النساء يكثرن الصياح وجدا على زعمهن فلا ينكر ذلك عليهن جمعا للقلوب عليه ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون به الأمراء والظلمة والأخذ من أصحاب المكوس والتكسب في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى لفراق الأحبة فيبكي النسوة ولا يحث على الصبر. وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا يعظ وإنما يعظ متيقظ فيحمله على السكوت والانقطاع وذلك من دسائس إبليس لأنه يمنع فعل الخير ويقول إنك تلتذ بما تورده وتجد بذلك سد باب الخير. وعن ثابت قال: كان الحسن في مجلس فقيل للعلاء تكلم فقال أو هناك أنا ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال ثم تكلم الحسن وإننا هناك يود الشيطان أنكم أخذتموها عنه فلم يأمر أحدا بخير ولم ينهه عن شر. ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب قال المصنف: قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب. وبما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه. فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مراده لغيرها. فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل ولا من الفقه ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه. ومع هذا ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس أنكم علماء الإسلام لأن
следующие страницы →