← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد كان سفيان الثوري ﵁ يقول: ما أخاف من إهانتهم لي إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم. وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم. ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم أن الأمراء كانوا قديما يميلون إلى سماع الحجج في الأصول فأظهر الناس علم الكلام. ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه فمال الناس إلى الجدل. ثم بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما عرف أو ينتهي في العلم فى يبقى له في الوقف حظ لأنه إنما جعل لمن يتعلم إلا أن يكون ذلك الشخص معيدا أو مدرسا فإن شغله دائم ومن ذلك ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات فبعضهم يلبس الحرير ويتحلى بالذهب ويحال على المكث فيأخذه إلى غير ذلك من المعاصي. وسبب انبساط هؤلاء مختلف. فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين وهو يتفقه ليستر نفسه أو ليأخذ من الوقف أو ليرأس أو ليناظر. ومنهم من عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحب الشهوات وليس عنده

стр. 142

صارف عن ذلك لأن نفس الجدل والمناظرة تحرك الكبر والعجب وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف وأكثر القوم في بعد عن هذا وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه فحينئذ يسرح الهوى بلا زاد. ومنهم من يلبس عليه إبليس بأنه عالم وفقيه ومفت والعلم يدفع عن أربابه وهيهات فإن العلم أولى أن يحاجه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء. وقد قال الحسن البصري: إنما الفقيه من يخشى الله . قال ابن عقيل: رأيت فقيها خراسانيا عليه حرير وخواتم ذهب فقلت له. ما هذا فقال خلع السطان وكمد الأعداء فقلت له بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلما لأن إبليس عدوك وإذا بلغ منك مبلغك ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك وهل خلع السطان سائغة لنهي الرحمن يا مسكين. خلع عليك السطان فانخلعت به من الإيمان وقد كان ينبغي أن يلخع بك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى رماكم الله بخزيه حيث هونتم أمره هكذا ليتك قلت هذه رعونات الطبع الآن تمت محنتك لأن عدوانك دليل على فساد باطنك. ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع. والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله قال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ وقال: ﴿فاقصص القصص﴾ وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده. وربما اعتمد على ما أكثره محال فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا فهو ممدوح وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق.

стр. 143

ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء. وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر ﵁. وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص. ثم خست هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عن الحضور وعندهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن. وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب القصاص والمذكرين. إلا أنا نذكر هنا جملة فمن ذلك: أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ولبس عليهم إبليس: بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر وهذا افتيات منهم على الشريعة لأنها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة ثم نسوا قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق. ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد الإشارة إلى محبة الله ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويضل. ومن ذلك من يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل فتسمح النفس بفضل بكاء وخشوع فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة. ومن كان صادقا لم يسلم صدقة من رياء يخالطه. ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان والألحان التي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة والقارئ يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه فتشبه السكر

стр. 144

ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب لما في النفوس من دفائن الهوى ثم يخرجون فيقولون كان المجلس طيبا ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز. ومنهم من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة ومن مات غريبا فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع، ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه فليس عليه إبليس: إنك من جملة الموصوفين بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق. وكشف هذا التلبيس أن الوصف علم والسلوك غير العلم. ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد. وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل وزليخا ويوسف ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا وتعرف المرأة حق زوجها وتحفظ صلاتها هيهات هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف. ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ولا يبين للعامة المقصود فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم. ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفاهرة والملابس الفاخرة فيفسد القلوب بقوله وفعله. فصل وقد يكون الوعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان فيجب أن يعظم وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ولو صح قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق.

стр. 145

فصل ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء وترى النساء يكثرن الصياح وجدا على زعمهن فلا ينكر ذلك عليهن جمعا للقلوب عليه ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون به الأمراء والظلمة والأخذ من أصحاب المكوس والتكسب في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى لفراق الأحبة فيبكي النسوة ولا يحث على الصبر. وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا يعظ وإنما يعظ متيقظ فيحمله على السكوت والانقطاع وذلك من دسائس إبليس لأنه يمنع فعل الخير ويقول إنك تلتذ بما تورده وتجد بذلك سد باب الخير. وعن ثابت قال: كان الحسن في مجلس فقيل للعلاء تكلم فقال أو هناك أنا ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال ثم تكلم الحسن وإننا هناك يود الشيطان أنكم أخذتموها عنه فلم يأمر أحدا بخير ولم ينهه عن شر. ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب قال المصنف: قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب. وبما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه. فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مراده لغيرها. فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل ولا من الفقه ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه. ومع هذا ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس أنكم علماء الإسلام لأن

стр. 146

النحو واللغة من علوم الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز. ولعمري أن هذا لا ينكر ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب وهو أمر لازم وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه وإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل وليس بمهم مع ترك المهم غلط وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن. ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنا. ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل. فصل ومما ظنوه صوابا وهو خطأ ما أخبرنا به أبو الحسين بن فارس قال: قيل لفقيه العرب هل يجب على الرجل إذا أشهد الوضوء قال: نعم. قال والإشهاد أن يمذي الرجل. قال المصنف: وذكر من هذا الجنس مسائل كثيرة وهذا غاية في الخطأ لأنه متى كان الاسم مشتركا بين مسميين كان إطلاق الفتوى على أحدهما دون الآخر خطأ مثاله أن يقول: المستفتي. ما تقول: في وطء الرجل زوجته في قرئها. فإن القرء يقع عند اللغويين على الإطهار وعلى الحيض. فيقول الفقيه: يجوز إشارة إلى الطهر أو لا يجوز إشارة إلى الحيض خطأ. وكذلك لو قال السائل: هل يجوز للصائم أن يأكل بعد طلوع الفجر. لم يجز على إطلاق الجواب. فما ذكره فقيه العرب هو خطأ من وجهين أحدهما أنه لم يستفصل في المحتملات والثاني أنه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات وترك الأظهر. وقد استحسنوا هذا وقلة الفقه أوجبت هذا الزلل.

стр. 147

فصل ولما كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهلية ولم يجد الطبع صادا عما وضع عليه من مطالعة الأحاديث ومعرفة سير السلف الصالح سالت بهم الطباع إلى هوة الهوى فانبثت شرع البطالة يعبث فقل أن ترى منهم متشاغلا بالتقوى أو ناظرا في مطعم فإن النحو يغلب طلبه على السلاطين فيأكل النحاة من أموالهم الحرام كما كان أبو علي الفارسي في ظل عضد الدولة وغيره. وقد يظنون جواز الشيء وهو غير جائز لقلة فقههم كما جرى للزجاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري. قال: كنت أؤدب القاسم بن عبد الله فأقول له إن بلغت إلى مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي: فيقول: ما أحببت. فأقول له: أن تعطيني عشرين ألف دينار. وكانت غاية أمنيتي فما مضت إلا سنون حتى ولي القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له. وقد صرت نديمة فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته. فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق. لم أرك أذكرتني بالنذر. فقلت عولت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق. فقال لي: إنه المعتضد. ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا. فقلت افعل. فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستعجل عليها ولا تمتنع من مسائلتي شيئا تخاطب فيه صحيحا كان أو محالا إلى أن يحصل لك مال النذر ففعلت ذلك وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعا فيوقع فيها وربما قال لي كم ضمن لك على هذا فأقول كذا وكذا فيقول غبنت هذا يساوي كذا وكذا فاستزد فاراجع القوم ولا أزال أماكسهم ويزيدونني حتى أبلغ الحد الذي رسمه. قال: فعرضت عليه شيئا عظيما فحصل عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مدة مديدة. فقال لي بعد شهور. يا أبا إسحاق حصل مال النذر: فقلت: لا فسكت وكنت أعرض ثم يسألني في كل شهر أو نحوه هل حصل المال فأقول لا خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل

стр. 148

عندي ضعف المال. وسألني يوما فاستحييت من الكذب المتصل. فقلت: قد حصل ذلك بسعادة الوزير فقال فرجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك. قال ثم أخذ الدواة ووقع لي إلى خازنة بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ولم أدر كيف أقع منه فلما كان الغد جئته وجلست على رسمي فأومأ إلي هات ما معك ليستدعي مني الرقاع على الرسم فقلت ما أخذت من أحد رقعة لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير فقال يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك أعرض علي رسمك وخذ بلا حساب. فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات وقد تأثلت مالي هذا. قال المصنف: انظروا ما يصنع قلة الفقه فإن هذا الرجل الكبير القدر في معرفته النحو واللغة لو علم أن هذا الذي جرى له لم يجز شرعا ما حكاه وتبجح به. فإن إيصال الظلامات واجب ولا يجوز أخذ البرطيل عليها ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة وبهذا تبين مرتبة الفقه على غيره. ذكر تلبيس إبليس على الشعراء قال المصنف: وقد لبس عليهم فأراهم أنهم من أهل الأدب وأنهم قد خصوا بفطنة تميزوا بها عن غيرهم. ومن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم. فتراهم يهيمون في كل واد من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش وأقل أحوالهم. أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهيجوه فيعطيه اتقاه شره أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياء من الحاضرين. وجميع ذلك من جنس المصادرة.

стр. 149

وترى خلقا من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير. والكذب في المدح خارجا عن الحد. ويحكون اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر وغير ذلك. ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء ففعلنا كذا وكذا - هيهات هيهات ليس الأدب إلا ما الله باستعمال التقوى له. ولا قدر للفطن في أمور الدنيا ولا تحسن العبارة عند الله إذا لم يتقه. وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا فكفروا وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم: لئن سمت همتي في الفضل عاليةفإن حظي ببطن الأرض ملتصق كم يفعل الدهر بي ما لا أسر بهوكم يسيء زمان جائر حنق وقد نسي هؤلاء أن معاصيهم تضيق أرزاقهم فقد رأوا أنفسهم مستحقين للنعم مستوجبين للسلامة من البلاء ولم يتلمحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشرع فقد ضلت فطنتهم في هذه الغفلة. ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء قال المصنف: إن أقواما علت هممهم فحصلوا علوم الشرع من القرآن والحديث والفقه والأدب وغير ذلك. فأتاهم إبليس يخفي التلبيس فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لما نالوا وأفادوا غيرهم. فمنهم من يستفزه لطول عنائه في الطلب فحسن له اللذات وقال له إلى متى هذا التعب فأرح جوارحك من كلف التكاليف وافسح لنفسك في مشتهاها. فإن وقعت في زلة فالعلم يدفع عنك العقوبة. وأورد عليه فضل العلماء. فإن خذل هذا العبد وقبل هذا التلبيس يهلك وإن وفق فينبغي له أن يقول: جوابك من ثلاثة أوجه. أحدها إنه إنما فضل العلماء بالعمل ولولا العمل به ما كان له معنى. وإذا لم أعمل به كنت كمن لم يفهم المقصود به ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطعام وأطعم الجياع ولم يأكل فلم ينفعه ذلك من جوعه. والثاني أن يعارضه بما ورد في ذم من لم يعمل بالعلم لقوله ﷺ : «أشد

стр. 150

الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» وحكايته ﷺ عن رجل يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه. وقول أبي الدرداء ﵁ ويل لمن يعلم مرة وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات. والثالث أن يذكر له عقاب من هلك من العلماء التاركين للعمل بالعلم كإبليس وبلعام. ويكفي في ذم العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾. نقد مسالك الكاملين من العلماء وقد لبس إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة أخرى. فحسن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنظير، والرياء لطلب الرياسة فتارة يريهم أن هذا كالحق الواجب لهم. وتارة يقوي حب ذلك عندهم فلا يتركونه معه علمهم بأنه خطأ - وعلاج هذا لمن وفق إدمان النظر في إثم الكبر والحسد والرياء وإعلام النفس أن العلم لا يدفع شر هذه المكتسبات بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجة بها. ومن نظر في سير السلف من العلماء العاملين استقر نفسه فلم يتكبر. ومن عرف الله لم يراء ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته لم يحسد. وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة فيقول: طلبكم للرفعة ليس بتكبر لأنكم نواب الشرع فإنكم تطلبون إعزاز الدين ودحض أهل البدع

стр. 151

وإطلاقكم اللسان في الحساد غضب للشرع إذ الحساد قد ذموا من قام به وما تظنونه رياء فليس برياء لأن من تخاشع منكم وتباكى اقتدى به الناس كما يقتدون بالطبيب إذا اجتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف. وكشف هذا التلبيس: أن لو تكبر متكبر على غيرهم من جنسهم وصعد في المجلس فوقه أو قل حاسد عنه شيئا لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه وإن كان المذكور من نواب الشرع فعلم أنه إنما لم يغضب لنفسه بل للعلم. وأما الرياء فلا عذر فيه لأحد ولا يصلح أن يجعل طريقا لدعاية الناس وقد كان أيوب السختياني إذا حدث بحديث فرق ومسح وجهه وقال. ما أشد الزكام، وبعد هذا فالأعمال بالنيات والناقد بصير وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه. وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه: أحدها الفرح فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب، والثاني لسروره بثلب المسلمين، والثالث أنه لا ينكر. وقد لبس إبليس على الكاملين في العلوم فيسهرون ليلهم ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم ويريهم إبليس أن المقصود نشر الدين ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذكر وعلو الصيت والرياسة وطلب الرحلة من الآفاق إلى المصنف. وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انتفع بمصنفاته الناس من غير تردد إلى أو قرئت على نظيره في العلم فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم وقد قال بعض السلف ما من علم علمته إلا أحببت أن يستفيده الناس من غير أن ينسب إلي. ومنهم من يفرح بكثرة الاتباع ويلبس عليه إبليس بأن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم وإنما مراده كثرة الأصحاب واستطارة الذكر ومن ذلك العجب بكلماتهم

стр. 152

وعلمهم وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممن هو أعلم منه ثقل ذلك عليه. وما هذه صفة المخلص في التعليم لأن مثل المخلص مثل الأطباء الذين يداوون المرضى لله فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب منهم فرح الآخر. وقد ذكرنا آنفا حديث ابن أبي ليلى ونعيده بإسناد آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه. قال المصنف: وقد يتخلص العلماء الكاملون من تلبيسان إبليس الظاهرة فيأتيهم بخفي من تلبيسه. بأن يقول له: ما لقيت مثلك ما أعرفك بمداخلي ومخارجي فإن سكن إلى هذا هلك بالعجب وإن سلم من المسألة له سلم. وقد قال السرى السقطي: لو أن رجلا دخل بستانا فيه من جميع ما خلق الله من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر بلغته وقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كأن في أيديها أسيرا: والله الهادي لا إله إلا هو.

стр. 153

الباب السابع:- في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين قال المصنف: قد لبس عليهم إبليس من وجوه كثيرة نذكر أمهاتها. فالوجه الأول أنه يريهم أن الله يحبهم ولولا ذلك ما ولاهم سلطانه ولا جعلهم نوابا عنه في عباده. وينكشف هذا التلبيس بأنهم إن كانوا نوابا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه وليتبعوا مراضيه. فحينئذ يحبهم لطاعته. فأما صورة والملك والسلطنة فإنه قد أعطاها خلقا ممن يبغضه وقد بسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه. وسلط جماعة من أولئك على الأولياء والصالحين فقتلوهم وقهروهم فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم. ودخل ذلك في قوله تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ والثاني أنه يقول لهم الولاية تفتقر إلى هيبة فيتكبرون عن طلب العلم ومجالسه العلماء بآرائهم فيتلفون الدين والمعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين فإذا خالطوا مؤثري الدنيا الجهال بالشرع سرق الطبع من خصالهم مع ما عنده منها ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجره عنها وذلك سبب الهلاك. والثالث أنه يخوفهم الأعداء ويأمرهم بتشديد الحجاب فلا يصل إليهم أهل المظالم. ويتوانى من جعل بصدد رفع المظالم.

стр. 154

وقد روى أبو مريم الأسدي عن النبي ﷺ قال: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره». والرابع أنهم يستعملون من لا يصلح ممن لا علم عنده ولا تقوى. فيجتلب الدعاء عليهم بظلمة الناس. ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة ويحد من لا يجب عليه الحد. ويظنون أنهم يتخلصون من الله مما جعلوه في عنق الوافي - هيهات إن العامل على الزكاة إذا وكل الفساق بتفرقتها فخانوا ضمن. والخامس أنه يحسن لهم العمل برأيهم فيقطعون من لا يجوز قطعه ويقتلون من لا يحل قتله. ويوهمهم أن هذه سياسة وتحت هذا من المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا. وهذا من أقبح التلبيس لأن الشريعة سياسة إلهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق قال الله : ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. وقال: ﴿لا معقب لحكمه﴾. فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة. وهذا يزاحم الكفر. وقد روينا عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه فأمر بتغريقها لئلا يشتغل قلبه عن تدبير الملك. وهذا هو الجنون المطبق لأن قتل مسلم بلا جرم لا يحل. واعتقاده أن هذا جائز كفر وإن اعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة فلا مصلحة فيما يخالف الشرع. والسادس أنه يحسن لهم الانبساط في الأموال ظانين أنها بحكمهم. وهذا تلبيس يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره. وإنما له من المال بقدر عمله فلا وجه للانبساط قال ابن عقيل: زقد روي عن حماد الراوية أنه أنشد الوليد بن يزيد أبياتا فأعطاه

стр. 155

خمسين ألفا وجاريتين. قال وهذا مما يروى على وجه المدح لهم وهو غاية القدح فيهم لأنه تبذير في بيت مال المسلمين. وقد يزين لبعضهم منع المستحقين وهو نظير التبذير. والسابع أنه يحسن لهم الانبساط في المعاصي ويلبس عليهم أن حفظكم للسبيل وأمن البلاد بكم يمنع عنكم العقاب. وجواب هذا أن يقال: إنما وليتم لتحفظوا البلاد وتؤمنوا السبل. وهذا وجب عليهم. وما انبسطوا فيه من المعاصي منهي عنه فلا يرفع هذا ذلك. والثامن أنه يلبس على أكثرهم بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة. ولو حقق النظر لرأى اختلالا كثيرا. وقد روينا عن القاسم بن طلحة بن محمد الشاهد قال: رأيت علي بن عيسى الوزير وقد وكل بدور البطيخ رجلا برزق يطوف على باعة العنب فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له وإن اشترى سلتين فصاعدا طرح عليها الملح لئلا يتمكن من عملها خمرا. قال: وأدركت السلاطين يمنعون المنجمين من القعود في الطرق حتى لا يفشوا العمل بالنجوم. وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طرة ولا شعر إلى أن بدئ بحكم العجم. والتاسع أنه يحسن لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف وأخذ كل ما يملكه الخائن واستحلافه وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن. وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أن غلاما كتب له: أن قوما خانوا في مال الله ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم إلا أن أنا لهم بعذاب. فكتب إليه: لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم. والعاشر أنه يحسن لهم التصدق بعد الغضب. يريهم أن هذا يمحو ذلك. ويقول: إن درهما من الصدقة يمحو إثم عشرة من الغضب. وإن كانت الصدقة من الحلال لم يدفع أيضا إثم الغضب لأن إعطاء الفقير لا يمنع تعلق الذمة بحق آخر.

стр. 156

والحادي عشر: أنه يحسن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصالحين وسؤالهم الدعاء ويريهم أن هذا يخفف ذلك الإثم. وهذا الخير لا يدفع ذلك الشر. وفي الحديث عن الحسين بن زياد قال سمعت منيعا يقول مر تاجر بعشار فحسبوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر له ذلك. فقام مالك فمشى معه إلى السشار. فلما رأوه. قالوا يا أبا يحيى ألا بعثت إلينا حاجتك قال: حاجتي أن تخلو عن سفينة هذا الرجل. قالوا قد فعلنا قال وكان عندهم كوز يجعلون ما يأخذون من الناس من الدراهم فيه. فقالوا: ادع لنا يا أبا يحيى قال: قولوا للكوز يدعو لكم كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم: أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف. والثاني عشر: أن من الولاة من يعمل لمن فوقه فيأمره بالظلم ويلبس عليهم إبليس بأن الإثم على الأمير لا عليك. وهذا باطل لأنه معين على الظلم وكل معين على الظلم وكل معين على المعاصي عاص فإن رسول الله ﷺ لعن في الخمر عشرة. ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ومن هذا الفن أن يجبي المال لمن هو فوقه وقد علم أنه يبذلأ فيه ويخون فهذا معين على الظلم أيضا. وفي الحديث بإسناد مرفوع إلى جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والله الهادي إلى الصواب.

стр. 157

الباب الثامن:- ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات قال المصنف: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل. فهو يدخل منه على الجهال بأمان. وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم لأنت جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم. وقد قال الربيع بن حثيم. تفقه ثم اعتزل: فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم والعلم أفضل من النوافل فأراهم أن المقصود من العلم العمل. وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح وما علموا أن العمل عمل القلب وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزاة. وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة. قال المصنف: فلما مر عليهم هذا التلبيس وآثروا التعبد بالجوارح على العلم تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد. ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث من ذلك: أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء وذلك يؤذي الكبد وإنما

стр. 158

ينبغي أن يكون بمقدار. ومنهم من يقوم فيمشي ويتنحنح ويرفع قدما ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي بهذا وكلما زاد في هذا نزل البول - وبيان هذا أن الماء يرشح إلى المثانة ويجمع فيها فإذا تهيأ الإنسان للبول خرج ما اجتمع فإذا مشى وتنحنح وتوقف رشح شيء آخر فالرشح لا ينقطع وإنما يكفيه أن يحتلب ما في الذكر بين أصبعيه ثم يتبعه الماء. ومنهم من يحسن له استعمال الماء الكثير وإنما يجزيه بعد زوال العين سبع مرات على أشد المذاهب فإن استعمل الأحجار فيما لم يتعد المخرج أجزأه ثلاثة أحجار إذ أنقى بهن ومن لم يقنع بما قنع الشرع به فهو مبتدع شرعا لا متبع والله الموفق. ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء منهم من يلبس عليه في النية فتراه يقول: أرفع الحدث. ثم يقول: أستبيح الصلاة ثم يعيد فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع لأن النية بالقلب لا باللفظ فتكلف اللفظ أمر أملا يحتاج إليه ثم لا معنى لتكرار اللفظ. ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به. فيقول: من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال بعيد. وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل بالاحتمال. ومنهم من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة. الإسراف في الماء، وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب، والتعاطي على الشريعة إذا لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل. والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة أو فات أوله وهو الفضيلة أو فاتته الجماعة. وتلبيس إبليس على هذا: بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة. ولو تدبر أمره لعلم أنه مخالف وتفريط، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه ولا يحفظ لسانه من غيبة فليته قلب الأمر.

стр. 159

وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد، قال: أفي الوضوء سرف، قال نعم وإن كنت على نهر جار»، وفي الحديث عن أبي عن النبي ﷺ ، قال: للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوه، أو قال: فاحذروه. وعن الحسن ﵁ قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالناس في الوضوء، وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة إن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك الفردوس وأسألك، فقال عبد الله، سل الجنة وتعوذ من النار، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور، وعن أبي شوذب قال: كان الحسن يعرض بابن سيرين يقول: يتوضأ أحدهم بقربه ويغتسل بمزادة صبا صبا، ودلكا دلكا، تعذيبا لأنفسهم. وخلافا لسنة نبيهم ﷺ ، وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أجل محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء. وقد قال ﷺ ، صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء، وقال في المني أمطه عنك بأذخره، قال: وفي الحذاء طهوره بأن يدلك بالأرض، وفي ذيل المرأة يطهره ما بعده، وقال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام. وكان يحمل ابنة أبي العاص بت الربيع في الصلاة. ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يرده. وقال ما أبقيت لنا طهور: وقال: يا صاحب الماء لا تخبره. وقد صالح رسول الله ﷺ الأعراب وركب الحمار معروريا. وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء. وتوضأ من سقاية المسجد. ومعلوم حال الأعراب الذين يأتي أحدهم من البادية كأنه بهيمة، أو ما سمعت أن أحدهم أقدم على البول في المسجد كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء، فأما قوله استنزهوا البول فإن للتنزه حدا معلوما وهو

стр. 160

أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء، فأما الاستنثار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع. قال المصنف: وكان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءا كثيرا في وضوئه ثم ترك ذلك فسأله رجل عن سبب تركه، فقال: نمت ليلة فإذا بهاتف يهتف بي يا أسود ما هذا. يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عن سعيد بن المسيب. قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم يرفع إلى السماء. قال: قلت لا أعود لا أعود، فأنا اليوم يكفيني كف ماء. ذكر تلبيسه عليهم في الأذان ومن ذلك التلحين في الأذان وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء كراهية شديدة لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء. ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطا فيختلط. وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى الأذان. وقد رأينا من يقوم بالليل كثيرا على المنارة فيعظ ويذكر. ومنهم من يقرأ سورا من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك من المنكرات. ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة من ذلك تلبيسه عليهم في الثياب التي يستتر بها فترى أحدهم يغسل الثوب الطاهر مرارا وربما لمسه مسلم فيغسله. ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة لا يرى غسلها في البيت يجزئ، ومنهم من يدليها في البئر كفعل اليهود وما كانت الصحابة تعمل هذا بل قد صلوا فغي ثياب فارس لما فتحوها واستعملوا أوطئتهم وأكسيتهم. ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة، ومنهم من ترك الصلاة جماعة لأجل مطر

стр. 161

يسير يخاف أن ينتضح عليه - ولا يظن ظان أنني أمتنع من النظافة والورع ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيعة للزمان هي التي ننهي عنها. ومن ذلك تلبيسه عليهم في نية الصلاة فمنهم من يقول أصلي صلاة كذا ثم يعيد هذا ظنا منه أنه قد نقض النية والنية لا تنقض وإن لم يرض اللفظ. ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه - فليت شعري ما الذي أحضر النية حينئذ وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة. وفي الموسوسين من يحلف بالله لا كبرت غير هذه المرة. وفيهم من يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق وهذه كلها تلبيسات إبليس. والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات وما جرى لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه شيء من هذا. وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء فقال ما بلغ نصحك إلى هذا. وكشف هذا التلبيس أن يقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة لأنك قمت لتؤدي الفريضة وهذه هي النية ومحلها القلب لا اللفظ إن كنت تريد تصحيح اللفظ فاللفظ لا يجب ثم قد قلته صحيحا فما وجه الإعادة أفتراك تظن وقد قلت إنك ما قلت هذا مرض. قال المصنف: وقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة أن رجلا لقيه فقال: إني أغسل العضو وأقول ما غسلته. وأكبر وأقول ما كبرت فقال له ابن عقيل. دع الصلاة فإنها ما تجب عليك. فقال قوم لابن عقيل: كيف تقول هذا. فقال لهم قال النبي ﷺ : «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. ومن يكبر ويقول ما كبرت فليس بعاقل والمجنون لا تجب عليه الصلاة».

стр. 162

قال المصنف: واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل وجهل بالتسرع. ومعلوم أن من دخل عليه عالم فقام له وقال: نويت أن أنتصب قائما لدخول هذا العالم لأجل علمه مقبلا عليه بوجهي: - صفة في عقله فإن هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم. فقيام الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه وإنما يطول زمان نظم هذه الألفاظ والألفاظ لا تلزم والوسواس جهل محض. وإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال. ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه فمن عرف هذا عرف النية. ثم إنه يجوز تقديمها على التكبير بزمان يسير ما لم يفسخها. فما وجه هذا التعب في إلصاقها بالتكبير على أنه إذا حصلها ولم يفسخها فقد التصقت بالتكبير. وعن مسور قال: أخرج إلي معن بن عبد الرحمن كتابا وحلف بالله أنه خط أبيه وإذا فيه قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله ﷺ ولا رأيت بعده أشد خوفا عليهم من أبي بكر. وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم. فصل ومن الموسوسين من إذا صحت له النية وكبر ذهل عن باقي صلاته كأن المقصود من الصلاة التكبير فقط. وهذا تلبيس يكشفه أن التكبير يراد للدخول في العبادة. فكيف تهمل العبادة وهي كالدار ويقتصر على التشاغل بحفظ الباب. فصل ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة

стр. 163

يسير فيستفتح ويستعيذ فيركع الإمام. وهذا تلبيس أيضا لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون والذي تركه من قراءة الفاتحة وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء فلا ينبغي أن يقدم عليه سنة. قال المصنف: وقد كنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا فرآني مرة أفعل هذا فقال: يا بني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنة فاشتغل بالواجب ودع السنن. ترك السنن وقد لبس إبليس على قوم فتركوا كثيرا من السنن لواقعات وقعت لهم. فمنهم من كان يتخلف عن الصف الأول ويقول إنما أراد قرب القلوب ومنهم من لم ينزل يدا على يد في الصلاة وقال أكره أن أظهر من الخشوع ما ليس في قلبي - وقد روينا هذين الفعلين عن بعض أكابر الصالحين. وهذا أمر أوجبه قلة العلم ففي الناس ما لهم في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا. وفي أفراد مسلم من حديثه عن النبي ﷺ أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وأما وضع اليد على اليد فسنة» روى أبو داود في سننه أن ابن الزبير قال: وضع اليد على اليد من السنة وإن ابن مسعود كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى. قال المصنف: ولا يكبرن عليك إنكارنا على من قال: أراد قرب القلوب ولا أضع يدا على يد وإن كان من الأكابر. فإن الشرع هو المنكر لا نحن. وقد قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه أن ابن المبارك يقول: كذا وكذا. فقال: إن ابن المبارك لم ينزل من المساء. وقيل له قال: إبراهيم بن أدهم. فقال:

стр. 164

جئتموني ببينات الطريق عليكم بالأصل. فلا ينبغي أن يترك الشرع لقول معظم في النفس فإن الشرع أعظم والخطأ في التأويل على الناس يجري. ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه. فصل وقد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول الحمد الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة. وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد. وتارة في إخراج ضاد المغضوب. ولقد رأيت من يقول المغضوب فيخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب: وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة وكل هذه الوساوس من إبليس. وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك ﵁ وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر فلما سلم قال يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة كصلاة رسول الله ﷺ أم شيء تنفلته. قال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات ﴿رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾». وفي إفراد مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص قال: «قلت لرسول الله ﷺ إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي. فقال رسول الله ﷺ : ذاك الشيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ثلاثا واتفل عن يسارك. ففعلت ذلك فأذهبه عني».

стр. 165

فصل وقد لبس إبليس على خلق كثير من الجهالة المتعبدين فرأوا أن العبادة هي القيام والقعود فحسب. وهم يدأبون في ذلك ويخلون في بعض واجباتهم ولا يعلمون وقد تأملت جماعة يسلمون إذا سلم الإمام وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء وذلك لا يحمله الإمام عنهم. ولبس على آخرين منهم فهم يطيلون الصلاة ويكثرون القراءة ويتركون المسنون في الصلاة ويرتكبون المكروه فيها. وقد دخلت على بعض المتعبدين وهو يتنفل بالنهار ويجهر بالقراءة فقلت له إن الجهر بالقراءة مكروه فقال لي أنا أطرد النوم عني بالجهر فقلت له إن السنن لا تترك لأجل سهرك ومتى غلبك النوم فنم فإن للنفس عليك حقا. وعن بريدة قال قال رسول الله ﷺ من جهر بالقراءة في النهار فارجموه بالبعر. الإكثار من صلاة الليل وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة. أو يقم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته. ولقد رأيت شيخا من المتعبدين يقال له حسين القزويني يمشي كثيرا من النهار في جامع المنصور فسألت عن سبب مشيه فقيل لي لئلا ينام. فقلت: هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل. أما الشرع فإن النبي ﷺ قال: «إن لنفسك عليك حقا فقم ونم» وكان يقول: «عليكم هديا قصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه». وعن أنس بن مالك قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال ما هذا قالوا لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: حلوه. ثم قال: ليصلي أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد». وعن عائشة قالت: «قال رسول

стр. 166

الله ﷺ : إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيذعب فيسب نفسه». قال المصنف: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وانفرد بالذي قبله البخاري. وأما العقل فإن النوم يجدد القوى التي قد كلت بالسهر فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه أقر في بدنه وعقله فنعوذ بالله من الجهل (فإن قال قائل) فقد رويت لنا أن جماعة من السلف كانوا يحيون الليل. فالجواب: أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في الجماعة. وكانوا يستعينون بالقائلة مع قلة المطعم وصح لهم ذلك. ثم لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ سهر ليلة لم ينم فيها فسنته هي المتبوعة. فصل وقد لبس إبليس على جماعة من قوام الليل فتحدثوا بذلك بالنهار. فربما قال أحدهم فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس أنه كان منتبها. فأقل ما في هذا إن سلم من الرياء أن ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقل الثواب. تلبيسه عليهم في القرآن وقد لبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعرفوا بذلك واجتمع إليهم ناس فصلوا بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم وذلك من دسائس إبليس وبه تقوى النفس على التعبد لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: «إن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». قال المصنف: أخرجاه في الصحيحين. وكان عامر بن عبد قيس يكره أن يروه يصلي وكان لا يتنقل في المسجد

стр. 167

وكان يصلي كل يوم ألف ركعة. وكان ابن أبي ليلى إذا صلى ودخل عليه داخل اضطجع. فصل وقد لبس على قوم من المتعبدين وكانوا يبكون والناس حولهم وهذا قد يقع عليه فلا يمكن دفعه فمن قدر على ستره فأظهر فقد تعرض للرياء. وعن عاصم قال كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج نشيجا ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله. وقد كان أيوب السختياني إذا غلبه البكاء قام. فصل وقد لبس على جماعة من المتعبدين فتراهم يصلون الليل والنهار ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن ولا في مطعم: والنظر في ذلك أولى بهم من كثرة التنفل. ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن وقد لبس على قوم بكثرة التلاوة فهم يهزون هزا من غير ترتيل ولا تثبت وهذه حالة ليست بمحمودة وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يوم أو في كل ركعة. وهذا يكون نادرا منهم ومن دوام عليه فإنه وإن كان جائزا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء وقد قال رسول الله ﷺ لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث. قال المصنف: وقد لبس إبليس على قوم من القراء فهم يقرأون القرآن في منارة المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزأين فيجتمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم وبين التعرض للرياء. ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان لأنه حين اجتماع الناس في المسجد.

стр. 168

قال المصنف: ومن أعجب ما رأيت فيهم رجلا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاء الختمة ليعلم الناس أني ختمت الختمة. وما هذه طريقة السلف فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم وكان عمل الربيع بن خثيم كله سرا فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه. وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرا ولا يدري متى يختم. قال المصنف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء والله أعلم بالصواب وهو الموفق. ذكر تلبيسه عليهم في الصوم قال المصنف: وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم. وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها إلا أن الآفة فيه من وجهين أحدهما أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لزوجك عليك حقا». فكم من فرض يضيع بهذا النفل. والثاني أنه يفوت الفضيلة فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصلاة صلاة داود ﵊ كان يصوم يوما». وبالإسناد عن عبد الله بن عمرو قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: «ألم أحدث عنك أنك تقوم الليل، وأنت الذي تقول لأقومن الليل ولأصومن النهار. قال أحسبه قال: نعم يا رسول الله قد قلت ذلك. فقال: فقم ونم وصم وأفطر. وصم من كل شهر ثلاثة أيام، ولك مثل صيام الدهر. قال: قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: فصم يوما وأفطر يومين، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوما وأفطر يوما وهو أعدل الصوم وهو صيام داود ﵇. قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك» أخرجاه في الصحيحين.

стр. 169

فإن قال قائل: فقد بلغنا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يسردون الصوم فالجواب، أنهم كانوا يقدرون على الجمع بين ذلك وبين القيام بحقوق العائلة ولعل أكثرهم لم تكن له عائلة ولا حاجة إلى الكسب، ثم أن فيهم من فعل هذا في آخر عمره على أن قول رسول الله ﷺ ، لا أفضل من ذلك قطع هذا الحديث. وقد داوم جماعة من القدماء على الصوم مع خشونة المطعم وقلته ومنهم من ذهبت عينه، ومنهم من نشف دماغه، وهذا تفريط في حق النفس الواجب وحمل عليها ما لا تطيق فلا يجوز. فصل وقد يشيع عن المتعبد أنه يصوم الدهر فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلا وإن أفطر أخفى إفطاره لئلا ينكسر جاهه وهذا من خفي الرياء، ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي من قد علم أنه يصوم ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به، ومنهم من يخبر بما قد صام فيقول اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت، ويلبس عليه بأنك إنما تخبر ليقتدي بك والله أعلم بالمقاصد. قال سفيان الثوري ﵁: إن العبد ليعمل العمل في السر فلا يزال به الشيطان حتى يتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية وفيهم من عادته صوم الإثنين والخميس فإذا دعي إلى طعام، قال: اليوم الخميس، ولو قال أنا صائم كانت محنة وإنما قوله اليوم الخميس معناه أني أصوم كل خميس، وفي هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون، ومنهم من يلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة وقد خيل له إبليس أن صومك يدفع إثمك وكل هذا من التلبيس.

стр. 170

ذكر تلبيسه عليهم في الحج قال المصنف: قد يسقط الإنسان الفرض بالحج مرة ثم يعود لا عن رضاء الوالدين وهذا خطأ. وربما خرج وعليه ديون أو مظالم وربما خرج للنزهة وربما حج بمال فيه شبهة. ومنهم من يجب أن يتلقى ويقال الحاج وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض الطهارة والصلاة ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية. وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم وإنما المراد من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان. وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى. وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجاته فيقول لي عشرون وقفة، وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليه ممن كان وربما قال أن لي اليوم عشرين سنة مجاورا. وكم قد رأيت في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقاءه على الماء ويضايقهم في الطريق. وقد لبس إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا ويظنون أن الحج يدفع عنهم. وقد لبس إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها فرأيت جماعة يتصنعون في إحرامهم فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون في الشمس أياما فتكشط جلودهم وتنتفخ رؤوسهم ويتزينون بين الناس بذلك. وفي إفراد البخاري من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يطوف بالكعبة بزمام فقطعه» وفي لفظ آخر «رأى رجلا يقود إنسانا بخزامة في أنفه فقطعها بيده ثم أمر في أن يقوده بيده». قال المصنف: وهذا الحديث يتضمن النهي عن الابتداع في الدين وإن قصدت بذلك الطاعة. تلبيسه عليهم في التوكل وقد لبس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو

стр. 171

التوكل وهم على غاية الخطأ. قال رجل للإمام أحمد بن حنبل ﵁ أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل من غير زاد. فقال له أحمد فاخرج في غير القافلة. قال لا إلا معهم: قال فعلى جراب الناس توكلت؟ فنسأل الله أن يوفقنا. ذكر تلبيس إبليس على الغزاة قال المصنف: قد لبس إبليس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال فلان غاز وربما كان المقصود أن يقال شجاع أو كان طلب الغنيمة وإنما الأعمال بالنيات. وعن أبي موسى قال: «جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : «من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»». أخرجاه في الصحيحين. وعن ابن مسعود ﵁ قال: إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل فلان شهيدا فإن الرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه. وبالإسناد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أول الناس يقضي فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. فقال: ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن فقال كذبت ولكنك تعملت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل أنت تحبه أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد

стр. 172

فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». انفرد بإخراجه مسلم. وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرازي قال سمعت عبدة بن سليمان يقول: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل فقتله. فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا قلت فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص. كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس له ومدحهم إياه فستر نفسه. وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل فإذا غنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر. فصل وقد لبس إبليس على المجاهد إذا غنم. فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه فأما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدري أن الغلول من الغنائم معصية. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا. فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له فلما نزلنا قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه. فلما قلنا له هنيئا له الشهادة يا

стр. 173

رسول الله فقال كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم قال ففزع الناس. فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبته يوم خيبر فقال رسول الله ﷺ شراك من نار أو شرا كان من نار». فصل وقد يكون الغازي عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه. وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل. وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم. روينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال: لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه فقال له هل أخذت منه شيئا فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم لتحمدوني ولا أغريكم لتقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن قيس. ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وهم قسمان عالم وجاهل، فدخول إبليس على العالم من طريقين: الطريق الأول: التزيين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل. روينا بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سلمان يقول: سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم الجمعة فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، قال: فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم فيعرض لي تزين فيأمر بي فاقتل على غير صحيح فجلست وسكت.

стр. 174

والطريق الثاني: الغضب للنفس: وربما كان ابتداء، وربما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المنكر من الإهانة فتصير خصومة لنفسه كما قال عمر بن عبد العزيز لرجل: «لولا أني غضبان لعاقبتك» وإنما أراد أنك أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب الله ولي. فصل فأما إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا فإن الشيطان يتلاعب به وإنما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه، لأنه ربما نهى عن شيء جائز بالإجماع، وربما أنكر ما تأول فيه صاحبه وتبع فيه بعض المذاهب، وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب أهل المنكر وقذفهم فإن أجابوه بكلمة تصعب عليه صار غضبه لنفسه: وربما كشف ما قد أمر الشرع بستره وقد سئل أحمد بن حنبل عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر قال: إذا كان مغطى فلا تكسره. وقال في رواية أخرى: اكسره. وهذا محمول على أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه فيتبين والأولى على أنه لا يتبين. وسئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه فقال: ولا عليك ما غاب عنك فلا تفتش. وربما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم وقد قال أحمد بن حنبل: إن علمت أن السطان يقيم الحدود فارفع إليه.

стр. 175

فصل ومن تلبيس إبليس على المنكر أنه إذا أنكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب أصحاب المنكر سب الخلق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يعلم من لا يعلم والستر على المسلم واجب مهما أمكن. وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم على قوم ما يتيقن ما عندهم ويضربهم الضرب المبرح ويكسر الأواني وكل هذا يوجبه الجهل. فأما العالم إذا أنكر فأنت منه على أمان. وقد كان السلف يتلطفون في الإنكار ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. وكان يمر بقوم يلعبون فيقول: يا أخواني ما تقولون فيمن أراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره. فانتبه رجل منهم فقال: يا قوم إنما يعلمنا هذا فتاب وصحبه. فصل وأولى الناس بالتلطف في الإنكار على الأمراء فيصلح أن يقال لهم: إن الله قد رفعكم فاعرفوا قدر نعمته. فإن النعم تدوم بالشكر فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي. فصل وقد لبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكرا فلا ينكره ويقول إنما يأمر وينهي من قد صلح وأنا ليس بصالح فكيف آمر غيري. وهذا غلط لأنه يجب عليه أن يأمر وينهي ولو كانت تلك المعصية فيه. إلا أنه متى أنكر متنزها

стр. 176

عن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن متنزها لم يكد يعمل إنكاره فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره. قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الاقفالي في أيام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر من اطلاعه في التنور وتبعه: وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة ولا يدنس بقبول عطاء صوام النهار قوام الليل أرباب بكاء فإذا تبعه مخلط رده وقال متى لقينا الجيش بمخلط انهزم الجيش.

стр. 177

الباب التاسع:- في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس: بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا فيخرج على وجهه إلى الجبال فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي. كيف لا وقد سمع عن فلان أنه هام على وجهه وعن فلان أنه تعبد في جبل وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي وربما كانت عليه مظالم لم يخرج منها، وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة. ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع، وإن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه فإن النبي ﷺ نهى أن يبيت الرجل وحده وأن التعرض لتركه الجماعة والجمعة خسران لا ربح والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل.

стр. 178

وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق والعقوق من الكبائر، وأما من سمع عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين، ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطأ من كانوا، وقد قال بعض السلف: خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا. تلبيسه على الزهاد ومن تلبيسه على الزهاد: إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك: أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد. وكم قد رد إلى الصواب من متعبد. فصل ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير، ومنهم من لا يذوق الفاكهة، ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول ﷺ ولا طريق أصحابه وأتباعهم. وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فإذا وجدوا أكلوا. وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحبه ويأكل الدجاج ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد، ويختار الماء البائت فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي. وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد. وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج. وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته ولا بد من الرفق بها ليصل بها إلى المقصود فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات فإن ذلك يؤذي البدن والدين.

стр. 179

ثم إن الناس يختلفون في طباعهم فإن الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك. وأهل السواد إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ لم نلمهم أيضا ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه لأن هذه عادة القوم. فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه. فإن تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل فهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس. وقد ظن قوم أن الخبز القفاز يكفي في قوام البدن ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤدي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل. وقد جعل أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إلى الحموضة فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها فقد آذاها إلا أن يكفها عن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فإن ذلك يفسدها. فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هذا ولا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فإن اتباع الشارع وصحابته أولى. وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في المتدين إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب. وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد فهلا عبدوا على عقل وشرع. فصل ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم

стр. 180

والملبس فحسب. فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أي ديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة. تلبيسه على العباد وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء. فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث الشعر ليستدل به على الزهد. وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة ومثل هذه الظواهر لا تخفى. وإنما نشير إلى خفي الرياء. وقد قال النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» ومتى لم يرد بالعمل وجه الله لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقا لا تتعب. واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله ، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجانه منه صعبة. وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمت في اثنتين وعشرين سنة. وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة. قلت: ما طعمك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت: أحببت أن أعلم. قال: في كل ليلة حمصة. قلت: فما الذي يهيج من
следующие страницы →