← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أن يذل نفسه» ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة. وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله» كل هذا للإبقاء على جاه النفس. ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر. وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال: قلت لأبي يزيد: هل سألت الله تعالى عن المعرفة، يقال عزت عليه أن يعرفها سواه. فقلت: هذا إقرار بالجهل، فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهلة وإن تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به. وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة. قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات. وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي. قال أبو حامد: فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام. قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب

стр. 422

صلاح القلوب بفعل المعاصي، وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة. وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك، ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن بكويه قال: سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول: كان علي بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته. قلت: واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع. وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس. والشرع لا ينكر عليه هذا. وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه. وقد جاء في الحديث «الأكل في السوق دناءة» فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه. فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس. وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين. وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بامرأة فأحبلها. فقيل له: لم تعزل. فقال بلغني أن العزل مكروه.

стр. 423

فقيل له: وما بلغك أن الزنا حرام. وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى اصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير. ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء، فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء، فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال: يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي، قد أماتني موتات وقال لي مالك منا إلا الذكر الذي لسائر الناس. وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي. فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل. فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا: السباع تدخل القرية بالليل. وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين. فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول: أين أنت يا سبع. فما شككنا أن الأسد قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب. فلما كان قريب الصبح. جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه. فسألته أي شيء كان ذلك الحال. قال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه. قلت: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين. وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين، وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة.

стр. 424

ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع. وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع؟ أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها. ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال: رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخلق أوحشتني، ومن النفس والمال والدنيا افقرتني. ويقول: ما معك إلا علم وذكر. قال فقلت له: إن رضيت وإلا فانطح برأسك الحائط. أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له، وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول: جثتي - تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا. قال السراج: فقال بعض الناس: لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له. فقلت: إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله : ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قلت: لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل. وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد، وجعله قواما للآدمي، والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح، فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمة الواضع، واعتذار السراج له أقبح من فعله. لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص، ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق، ويظن بذلك جواز الفساد، والفساد لا يجوز في شريعة، وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا. وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع: قال أبو جعفر الدراج: خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه

стр. 425

ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا، فلما رجع قلت له: في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع، فقال: أخذته؟ رده، ثم قال لي بعد ذلك: خذه واشتر به شيئا، فقلت له: بحق معبودك ما أمر هذه القطع؟ فقال: لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي، فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابم باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه. قال المصنف ﵀: قلت، لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل، ولو قدرنا جوازها، فاين أنفة النفس من ذل الطلب؟. أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم». قال أحمد: وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». قلت: انفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى». - والمرة - القوة، وأصلها من شدة فتل الحبل. يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله. فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب. قال الشافعي ﵁: لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب.

стр. 426

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر بن الثابت أنبأنا أبو سعد الماليني قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول: قام أبي ليله فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار، فسمعته يقول: لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار. فما زال على تلك الحال حتى أصبح، فلما أصبح قال لي: يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا لله إلا ديكا يساوي دانقين. قال المصنف ﵀: هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان أحدهما: مخاطرته بنفسه، فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية. والثاني: أنه منع عينه حظها من النوم. وقد قال ﷺ : «إن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا». وقال: «إذا نعس أحدكم فليرقد». ومر بحبل قد مدته زينب فإذا فترت أمسكت به، فأمر بحله. وقال: «ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد». وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا. أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحن أحداث، فأضافنا ليلة فقلنا بشرط ألا تدخل علينا أباك، فقال لا يدخل. فدخلنا داره فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة - ثمان شموع - فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه، فقال: يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع، ثم قال: أين غلامي أبو العباس؟ فتقدم إليه فقال: غنني الصوت الذي كنت تغني: ولما بلغ الحيرة حادي جملي حارا: فقلت احطط بها رحليولا نحفل بمن سارا فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج. أخبرنا ابن ناصر ثنا هبة الله

стр. 427

بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار قال: خرج الشبلي يوم عيد وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة وهو يقول: للناس فطر وعيد … إني فريد وحيد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا التنوخي ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال: وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له: تنح. فلم يبرح فقال له الثانية: تنح يا شيطان عنا. فلم يبرح فقال له الثالثة: تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك. وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى، فقال الشبلي: طرحوا اللحم للبزاة … على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ … خلعوا منهم الرسن لو أرادوا صلاحنا … ستروا وجهك الحسن قال ابن عقيل: من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع. لأنه يقول ما خلق الله هذا الإنسان إلا للافتتان به، وليس كذلك وإنما خلقه للاعتبار والامتحان فإن الشمس خلقت لتضيء لا لتعبد. وبإسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي ابن ولد كان اسمه عليا فجزت أمه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟ فقال: جزت هذه شعرها على مفقود، ألا أحلق أنا لحيتي على موجود. وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال: ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار. قال: وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار. وقال بعضهم: دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه

стр. 428

بالنار. قال السراج: إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله. قلت: اعتذار السراج عنه أعجب من فعله، قال السراج: وحكي عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا، وسمع قارئا يقرأ: ﴿اخسؤوا فيها﴾، فقال: ليتني كنت واحدا منهم، قلت: وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى والله لا يكلمهم، ثم لو كلمهم كلام إهانة فأي شيء هذا حتى يطلب، قال السراج: وقال الشبلي يوما في مجلسه: إن لله عباد لو بزقوا على جهنم لأطفؤوها. قلت: وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاها من إناء واحد. وبإسناد عن أبي علي الدقاق يقول: بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم. قال المصنف ﵀: وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه وهو سبب للعمى ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال. وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال: كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي، فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي، فلما دخل داره فقال: انزع الصوف. فنزعته فلفه وطرح القلنوسة عليه ودعى بنار فأحرقهما. قلت: وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة وقال: ما أعزك أحد إلا أذله الله. وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار فأين أثر الفقه؟ وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال: حدثني من كان جالسا أنه قال: تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة في الطريق فأردت أخذها فقلت لقطة فتركتها، ثم ذكرت الحديث الذي يروي: «لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا» فأخذتها وتركتها في

стр. 429

فمي ومشيت غير بعيد فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم، فقال له واحد: متى يجد العبد حقيقة الصدق؟ فقال: إذا رمى القطعة من الشدق. فأخرجتها من فمي ورميتها. قال المصنف ﵀: لا تختلف الفقهاء أن رميه إياها لا يجوز، والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال، وقد حكى أبو حامد الغزالي أن شقيقا البلخي جاء أبو القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور، فقال له: أي شيء معك؟ قال: لوزات دفعها أخ لي. وقال: أحب أن تفطر عليها. فقال: يا شقيق، وأنت تحدث نفسك أن تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا. فأغلق الباب في وجهي ودخل. قال المصنف ﵀: انظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز بل مندوب لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه واستعداد الشيء قبل مجيء وقته حزم، ولذلك قال الله : ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ وقد ادخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة وجاء عمر ﵁ بنصف ماله وادخر الباقي ولم ينكر عليه، فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد. وبإسناد أحمد بن إسحاق العماني قال: رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه، فقلت له: يا صابر، ما بلغ صبرك؟ قال: إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها، فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها. وقد حكي لنا عن آخر، أنه فقأ إحدى عينيه وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف. قلت: كان قصده أن ينظر إلى الدنيا بفرد عين، ونحن نسأل سلامة العقول. وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول: هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء. وقال: كنت أخدم في الخلاء فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه قالت لي نفسي: أذهبت عمرك في هذا؟ فقلت: أنت تأنفين من خدمة عباد الله. فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها، وجعلت أدخل النجاسة في فمي،

стр. 430

فجاؤوا وأخرجوني وغسلوني. قلت: انظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وإدخالها في فيه، وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب، وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة. وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم. وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول: دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته. قال السوسي: أخذنا منها قملة فوزناها فإذا نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته. قلت: انظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هذا من اعتقد هذا رياضته. وبإسناد عن أبي عبد الله بن ملقح يقول: كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعا شديدا فقال: يا رب إما أن تطعمني وإما أن ترميني بشرف المسجد. فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحت رجله آجرة فجرى دمه، وكان يمسح الدم ويقول: إيش تبالي بقتل العالم. قلت: قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط، هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية. وبإسناد عن غلام خليل قال: رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول: أشهدكم على الله هوذا يقتلني، وسقط ميتا. رأي بعض الصوفية في الملامتية وفي الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع. قال: وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه، وفعلهم هذا من أقبح الأشياء، ولقد قال رسول الله ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله». وقال في حق ماعز: «هلا سترته بثوبك يا هذا». واجتاز على رسول الله ﷺ بعض أصحابه وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له: «إنها صفية». وقد علم الناس التجافي عن ما يوجب

стр. 431

سوء الظن فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض. وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته فرأى الناس وهم راجعون فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به. وقد قدمنا هذه. وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له إني لمست امرأة وقبلتها. فقال: تب إلى الله ولا تحدث أحدا بذلك. وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله. قال: «ألم تصل معنا؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما؟». وقال رجل لبعض الصحابة: إني فعلت كذا وكذا من الذنوب. فقال: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك. فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس. من اندس في الصوفية من أهل الإباحة وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول، كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله ومنهم من يقر به ولكن يجحد النبوة ويرى أن ما جاء به الأنبياء محال، وهؤلاء لما أرادوا أمراح أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس، كمذهب التصوف فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة وليس لهؤلاء إلا السيف لعنهم الله. والقسم الثاني: قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين: القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه. القسم الثالث: قوم عرضت لهم شبهات فعملوا بمقتضاها. والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرافضي

стр. 432

اسم أبي بكر وعمر ويقولون العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم فإن أنكر عليم عالم قالوا لأتباعهم هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول فإن جد في خلافهم قالوا: هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود، ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم، فقد بطل إنكارهم العلم، وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات. الشبهة الأولى: أنهم قالوا إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة، وأقواما بالشقاوة، والسعيد لا يشقى، والشقي لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة، وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لاتعاب النفس في عمل ولا نكفها عن ملذوذ لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة. والجواب عن هذه الشبهة أن يقال لهم هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن أن أقيموا الصلاة قال القائل لماذا إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة وكذلك إذا قال ولا تقربوا الزنا يقول القائل لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة الشقاوة مقضيتان قد فرغ منهما، وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول، ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته؟ وما يفضي إلى رد الكتب. وتجهيل الرسل محال باطل، ولهذا كان رد الرسول ﷺ على أصحابه حين قالوا: ألا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق». واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره فعليه يقع الثواب والعقاب، فإذا خالف تبين لنا أن الله قضى في السابق بأن يخالفه وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه. ولهذا يقتل القائل ولا يعتذر له بالقدر، وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل لأن الأمر والنهي حال ظاهر

стр. 433

والمقدر مكن ذلك أمر باطن وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف ما لا نعمله من المقضي وقول: «فكل ميسر لما خلق له» إشارة إلى أسباب القدر، فإنه من قضي له بالعلم يسر له طلبه وحبه وفهمه، ومن حكم له بالجهل نزع حب العلم من قلبه، وكذلك من قضي له بولد يسر له النكاح، ومن لم يقض له بولد لم ييسر له. الشبهة الثانية: أنهم قالوا إن الله مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة. وجواب هذه الشبهة أن تجيب أولا - الجواب الأول -، ونقول هذا رد على الشرع فيما أمر به فكأنا قلنا للرسول وللمرسل لا فائدة فيما أمرتنا به ثم نتكلم عن الشبهة فنقول من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا فما عرف الله ﷻ لأنه مقدس عن الأعراض والأغراض ومن انتفاع أو ضرر وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا كما قال : ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه﴾ ﴿ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه﴾ وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب وكما أن للبدن مصالح من الأغذية ومضار فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح، هذا مذهب من علل وأكثر العلماء قالوا أفعاله لا تعلل، وجواب آخر، وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته، فكذلك أوجب طاعته، فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره. الشبهة الثالثة: قالوا قد ثبت سعة رحمة الله وهي لا تعجز عنا فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها. فالجواب كالجواب الأول: لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك وبالغت في ذكر

стр. 434

عقابه ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويأخذون بالزلل وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة، فالخليل يقول يوم القيامة نفسي نفسي، والكليم يقول نفسي نفسي، وهذا عمر ﵁ يقول: الويل لعمر إن لم يغفر له. واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها فمن أسبابها التوبة من الزلل كما أن من رجا أن يحصد الزرع، وقد قال الله : ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾ يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق وأما المصرون على الذنوب وهم يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد، وقد قال ﵊: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». وقد قال معروف الكرخي: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق. واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا. الشبهة الرابعة: إن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء قالوا ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر فتركوا العمل. وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل. ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات، وإنما المراد من الرياضة كف النفس

стр. 435

عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه، وقد مدح الله من نهى النفس عن الهوى وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله : ﴿والكاظمين الغيظ﴾ وما قال والفاقدين الغيظ، والكظم رد الغيظ يقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ فمن ادعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شره شهوة النفس والغضب لا إزالة أصلها والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى. الشبهة الخامسة: إن قوما منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم قالوا وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم حتى إنهم قالوا أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع النبي فلم يقشعر جلده فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخابيث كمال الإيمان. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه إلى الريدونية كانوا يستحلون الحرمات فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس، وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة وما مثل هذا الطبع إلا كالماء

стр. 436

يجري بسفينة النفس والعقل مداد ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر ومن ادعى تغير طبعه كذب ومن قال إني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق، كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا فأين تأثير العقل والهوى يقودهم، وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء، وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح المرأة وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن ثم يدعون السلامة وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه وأين الخلاص من جولان الفكر الرديء، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالآخر. يشير إلى الشيخ والعجوز. وبإسناد عن ابن شاهين قال: ومن الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة فيقول أحدهم للمرأة تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا. قلت: وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس قال: روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار استتري مني زمانا ثم قال لها كوني كيف شئت. قال الترمذي: كان ذلك منه حين وجد شهوته قلت. أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر، ثم يقدر أن جميع ذلك ارتفع عنه أليس نهى الشرع عن النظر والنظر باق وهو عام وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي نصر النصراباذي أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقد قال أبو علي الروزباري وسئل عمن يقول وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال قد وصل ولكن إلى سقر. وبإسناد عن الجريري يقول: سمعت أبا القسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت

стр. 437

ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها لأنه أوكد معرفتي به وأقوى في حالي. وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة باطنة لا يدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه. الشبهة السادسة: أن أقواما بالغوا في الرياضة فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى المقصود وقد وصلنا فما يضرنا شيء ومن وصل إلى الكعبة انقطع عن السير فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق وجوابهم هو جواب الذين قبلهم. قال ابن عقيل: اعلم أن الناس شردوا على الله وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة. فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن العبادة وجعلوا تلك وسائل على زعمهم ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات وقال هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف وهذا نوع شرك لأن الله لما عرف أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها وقال لأهل المعرفة: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للانساك والاستقبال فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله﴾ وقال: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية.

стр. 438

وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه. قال: أخبرني جماعة من أهل العلم أن بشراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادي شيخ الصوفية هناك يجتمعون إليه ويتكلم على الخطرات والوساوس ويحضر حلقته ألوف من الناس وأنه فاره فهم حاذق. فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب قال: فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ولم يختلط بمأتمهن غيرهن: فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت: قد تعزيت. فقال لها: ههنا غير. فقالت: لا غير. قال: فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم، وتعذيبها بعذاب الهموم، ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار، وتصفو الأرواح ويقع الاخلافات وتنز البركات. قال: فقلن النساء إذا شئت. قال فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم فلما كان سحر خرجوا. قال المحسن: قوله ههنا غير أي ههنا غير موافق المذهب. فقالت: لا غير أي ليس مخالف وقوله نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء، وقوله لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا إلهيا. وقوله اخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن. قال المحسن: وهذا عندي عظيم، ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون عن الكذب ما حكيته لعظمة عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام، قال: وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم فكفوا. ذم ابن عقيل للصوفية وحكايته أفعالهم: نقد مسالك الصوفية في تأويلاتهم ولما قل علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا ثم تشبه بهم من ليس منهم وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا وكان الصالح منهم نادرا ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشائخهم. وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي قال: كنا عند مالك فذكرت

стр. 439

له صوفيين في بلادنا. فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا. قال ويحك ومسلمين هم. قال فضحك حتى استلقى قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأينا ضاحكا قط. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق. وعنه أيضا أنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا وأنشد الشافعي. ودعوا الذين إذا أتوك تنسكواوإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف وبإسناد عن حاتم قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق قال: وأنا أرق لهم. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني. قال السلمي: هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى: يقول صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص. وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول: حدثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: سمعت عاصما يقول: ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث. وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول: قال لي وكيع: لم تركت حديث هشام؟ قال: صحبت قوما من الصوفية وكنت بهم معجبا. فقالوا: إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتم: قال إن فيهم حمقا. وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال: الخوارج أحب إلي من الصوفية. وبإسناد

стр. 440

عن يحيى بن معاذ يقول: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين، والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين. وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب. إن الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ما كان يتكلم به وببسطام على أبي يزيد وأخرجوه، وأخرجوا أبا سليمان الداراني. وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري. وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكا بالسنة ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري قال: جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى وقف بباب الرباط وقال: يعز علي لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط. قلت: على هذا كان أشياخنا. فأما في زماننا هذا فقد اصطلح الذئب والغنم. قال ابن عقيل: نقلته من خطه وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم فعلها. منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة وهي الأربطة فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء، وعولوا على الترقيع المعتمد بن التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون بألوان الحرير. واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة على أزواجهن ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال كالعداد والأجناد وأرباب المكوس، ويستصحبون المردان في السماعات يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة، ويستحلون بل يوجبون اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه، ويسمون الطرب وجدا، والدعوة وقتا، واقتسام ثياب الناس حكما، ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلا عن إلزام دعوة أخرى يقولون أنها وجبت واعتقاد ذلك كفر وفعله فسوق. ويعتقدون أن

стр. 441

الغناء بالقضبان قربة وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخذة مجاب اعتقادا منهم أنه قربة وهذا كفر أيضا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا والناس بين تحريمه وكراهيته ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم فإن عولوا إلى مرتبة شيخه قيل الشيخ لا يعترض عليه. فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا. فإن قبل أمردا قيل رحمة، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة، وإن قسم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة. وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف وأن المجانين والصبيان يضرب على أيديهم وكذلك البهائم. والضرب بدل من الخطاب، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبو بكر الصديق ﵁. وقد قال: إن اعوججت فقوموني. ولم يقل فسلموا إلي. ثم انظر إلى الرسول صلوات الله عليه كيف اعترضوا عليه. فهذا عمر يقول: ما بالنا تقصر وقد أمنا. وآخر يقول: تنهانا عن الوصال وتواصل؟ وآخر يقول: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ! ثم إن الله تعالى تقول له الملائكة: ﴿أتجعل فيها﴾. ويقول موسى: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾، وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين، وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين كما قال تعالى: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾، ولعل هذه الكلمة من القائلين منهم بأن العبد إذا عرف لم يضره ما فعل. وهذه نهاية الزندقة لأن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عليه التكليف كأحوال الأنبياء يضايقون في الصغائر. فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرغ الخالين من الإثبات. وإنما هم

стр. 442

زنادقة جمعوا بين مدارع العمال مرقعات وصوف، وبين أعمال الخلعاء الملحدة أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع. ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة. فأول ما وضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة. وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق. فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين. وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع. وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت. وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ربي فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار وأنفقت عليهم لأجلها الأموال. لأن الفقهاء كالأطباء في ثمن الدواء صعبة والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات. وبغضهم الفقراء أكبر الزندقة لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم. والحق يثقل كما تثقل الزكاة. وما أخف البذل على المغنيات وإعطاء الشعراء على المدائح. وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر «بشيء سموه الحشيش والمعجون والغناء المحرم» سموه السماع والوجد والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام كفى الله الشريعة شر هذه الطائفة الجامعة بين دهمئة في اللبس وطيبة في العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع ولذلك خفوا على القلوب ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات. قال ابن عقيل فإن قال قائل هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق قال فقلت لهم لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم لم يدم لهم عيش والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على الموائد ومخانيث بغداد ودمائة المغنيات لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع وهل يخدع الناس إلا بطريقة أو لسان فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم

стр. 443

ولا طريقة فبم ذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال. واعلم أن حمل التكليف صعب ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر عن أوامر الشرع ونواهيه وما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان يحبون البطالات وسماع الأصوات وما كان السلف كذلك بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم وفي الباب الآخر أرباب جد. قال: ونصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية والوقوف على الظواهر أحسن من توغل المنتخلة وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح. قال ابن عقيل: والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه. فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارة والنبوات. فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميتا عن ميت. فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع. ومتى أزرى على طريق سقط الأخذ به. ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول، ومن مصرح بذلك فقد كفر. فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع. وما يؤمن هذا القائل: حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله : ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾. وهذا هو الظاهر لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا. قال والخوارج على الشريعة كثير إلا أن الله يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظها لأصلها،

стр. 444

وبالفقهاء لمعانيها: وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع. قال ابن عقيل: والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية قال وأنا أقول وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ومال طبع إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها فإن طابت نفس الزوج سمى بالديوث وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لا يضيق الخنق ولا يحجر على الطباع. ويقال: تبات فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته. ولم يقنعوا هذا لعب وخطأ حتى قالوا هذا من مقامات الرجال وجرت على هذه السنون وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب. هذا كله من كلام ابن عقيل ﵁ فلقد كان ناقدا مجيدا متلمحا فقيها. أنشدنا أبو علي عبيد الله الزغواني قال أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قالا أنشدنا أبو بكر العتبري لنفسه في الصوفية: تأملت اختبر المدعين … بين الموالي وبين العبيد فألفيت أكثرهم كالسراب … يروقك منظره من بعيد فناديت يا قوم من تعبدون … فكل أشار بقدر الوجود فبعض أشار إلى نفسه … واقسم ما فوقها من مزيد وبعض إلى خرقة رقعت … وبعض إلى ركوة من جلود آخر يعبد أهواءه … وما عابد للهوى بالرشيد ومجتهد وقته ريه … فان فات بات بليل عنيد وذو كلف باستماع السما … ع البسط وبين النشيد

стр. 445

يئن إذا أومضت رنة … ويزرأ منها بثوب جديد يخرق خلقانه عامدا … ليعتاض منها بثوب جديد ويرمي بهيكله في السعير … لقلع الثريد وبلع العصيد فيا للرجال ألا تعجبون … لشيطان إخواننا ذا المزيد يخبطهم بفنون الجنون … وما للمجانين غير القيود وأقسم ما عرفوا ذا الجلال … وما عرفوه بغير الجحود ولولا الوفاء لأهل الوفاء … سلقتهم بلسان حديد فمالي يطالبني بالوصا … ل من ليس يعلم ما في الصدود اضن بودي ويسخو به … وقد كنت اسخوا به للودود ولكن إذا لم أجد صاحبا … يسر صديقي ويشجو الحسود عطفت بودي مني إليه … فغاب نحوسي وآب السعود فما بال قومي على جهلهم … بعز الفريد وأنس الوحيد إذا أبصروني بكوا رحمة … ونيران أحقادهم في وقود لأني بعدت عن المدعين … ولو صدقوا كنت غير البعيد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبا الحسين بن عبد الجبار الصيرفي نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري قال أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي قال أنشدنا الحسن بن علي بن سيار: رأيت قوما عليهم سمة … الخير بحمل الركآء مبتهلة اعتزلوا الناس في جوامعهم … سألت عنهم فقيل متكلة صوفية للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه بزله فقلت إذ ذاك هؤلاء هم ال … ناس ومن دون هؤلاء رزله فلم أزل خادما لهم زمنا … حتى تبينت أنهم سفله

стр. 446

أن أكلوا كان أكلهم سرفا … أو لبسوا كان شهرة مثله سل شيخهم والكبير محتبرا … عن فرضه لا تخاله عقله واسأله عن وصف شادن غنج … مدلل لا تراه قد جهله علمهم بينهم إذا جلسوا … كعلم راعي الرعاع والرذلة الوقت والحال والحقيقة وال … برهان والعكس عندهم مثله فدلبسوا الصوف كي يروا صلحا … وهم أشرار الذباب والحفلة وجانبوا الكسب والمعاش لكي … يستأصلوا الناس شرها أكله وليس من عفة ولادعة … لكن تعجيل راحة العطلة فقل لمن مال باختداعهم … اليهم تب فإنهم بطله واستغفر الله من كلامهم … ولا تعاود لعشرة الجهلة قال الصوري وأنشدني بعض شيوخنا أهل التصوف قد مضوا … صار التصوف مخرقة صار التصوف صيحة … وتواجدا ومطبقة كذبتك نفسك ليس ذا … سنن الطريق الملحقة حتى تكون بعين من … منه العيون المحدقة تجري عليك صروفه … وهموم سرك مطرقة أنشدنا محمد بن ناصر قال أنشدنا أبو زكريا التبريزي لأبي العلاء المعري: زعموا بأنهم صفوا لملكيهم … كذبوك ما صافوا ولكن صافوا شجر الخلاف قلوبهم ويح لها … غرضي خلاف الحق لا الصفصاف

стр. 447

أنشدنا ابن ناصر أبو بكر قال أنشدنا أبو اسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم: أرى جيل التصوف شر جيل … فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه … كلوا أكل البهائم وأرقصوا لي

стр. 448

الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات قد بينا فيما تقدم أن إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه. ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء فإن كان رمضان قال: رأيت ليلة القدر وإن كان في غيره قال قد فتحت لي أبواب السماء. وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس. والعاقل لا يساكن شيئا من هذا ولو كان كرامة. وقد ذكرنا في باب الزهاد عن مالك بن دينار وحبيب العجمي أنهما قالا: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز ولقد استعوى بعض ضعفاء الزهاد بأن أراه ما يشبه الكرامة حتى ادعى النبوة. فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: ثنا محمد بن المبارك بن مسلم عن عبد الرحمن بن حسان قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق وكان مولى لأبي الجلاس وكان له أب بالغوطة تعرض له إبليس وكان متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرأيت عليه زهادة وكان إذا أخذ في التحميد لم يصغ السامعون إلى كلام أحسن من كلامه قال: فكتب إلى أبيه يا أبتاه اعجل علي فإني رأيت أشياء أتخوف منها أن تكون من الشياطين. قال: فزاده أبوه غيا وكتب له: يا بني أقبل على ما أمرت به، إن الله يقول: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم﴾

стр. 449

ولست بأفاك ولا أثيم فامض لما أمرت به. وكان يجيء إلى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر له أمره ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى يرضى قبل وإلا كتم عليه، وكان يريهم الأعاجيب. كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح. وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول: اخرجوا حتى أريكم الملائكة. فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على خيل، فتبعه بشر كثير وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة فقال له: إني نبي. فقال له القاسم: كذبت يا عدو الله. فقال له أبو إدريس: بئس ما صنعت إذ لم تلن له حتى تأخذه. الآن يفر. وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه. وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة فاتهم عامة عسكرة بالحارث أن يكونوا يرون رأيه وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس واختفى وكان الصحابة يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل. فقال: إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر. قال فانظر. فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه فقال: إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك وهذا هو الدين المستقيم. فأمر أن لا يحجب عنه متى أراد الدخول فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به. ثم قال له: ائذن لي. فقال: إلى أين؟ قال إلى البصرة فأكون أول داع لك بها. قال: فاذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك وهو بالصنيبرة. فلما دنا من سرادقه صاح: النصيحة النصيحة. فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟ قال: نصيحة لأمير المؤمنين. فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه. فدخل وعنده أصحابه. قال: فصاح: النصيحة. قال: وما نصيحتك؟ قال: اخلني لا يكن عندك أحد. فأخرج من في البيت وقال له: ادنني. قال: ادن. فدنا وعبد الملك على السرير. قال: ما عندك؟ قال: الحارث. فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض ثم قال: أين هو؟ قال: يا أمير المؤمنين ببيت المقدس، قد عرفت مداخله ومخارجه.

стр. 450

وقص عليه قصته وكيف صنع به. فقال: أنت صاحبه وأنت أمير بيت المقدس وأميرنا ههنا فمرني بما شئت. قال: يا أمير المؤمنين، ابعث معي قوما لا يفهمون الكلام. فأمر أربعين رجلا من فرغانة فقال: انطلقوا مع هذا فما أمركم به من شيء فأطيعوه. قال: وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلانا هو الأمير عليك حتى يخرج، فأطعه فيما أمرك به. فلما تقدم بيت المقدس أعطاه الكتاب فقال: مرني بما شئت. فقال: اجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس وادفع كل شمعة إلى رجل ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياه، فإذا قلت: أسرجوا أسرجوا جميعا فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياه بالشمع. وتقدم البصري إلى منزل الحارث فأتى الباب، فقال للحاجب: استأذن لي على نبي الله. قال: في هذه الساعة؟ ما يؤذن عليه حتى يصبح. قال: أعلمه أني ما رجعت إلا شوقا إليه قبل أن أصل. فدخل عليه وأعلمه بكلامه فأمره بفتح الباب. قال: ثم صاح البصري: أسرجوا الشموع. فأسرجت حتى كانت كأنها النهار ثم قال: من مر بكم فاضبطوه كائنا من كان. دخل هو إلى الموضع الذي يعرفه فطلبه فلم يجده فقال أصحاب الحارث هيهات تريدون تقتلون نبي الله قد رفع إلى السماء. قال: فطلبه في شق قد هيأه سربا، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اربطوه. فربطوه. فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله. فقال رجل من الفرغانيين أولئك العجم هذا كرامتنا فهات كرامتك أنت. وساروا به حتى أتوا به عبد الملك فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فلما صار إلى ضلع من أضلاعه فانكفأت الحربة عنه فجعل الناس يصيحون ويقولون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة ثم مشى إليه وأقبل يتجسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذها فقتله. قال الوليد: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك بن مروان فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقلته. قال: ولم؟ قال: إنما كان به المذهب فلو جوعته ذهب عنه. وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء: فلما حمل الحارث على البريد وجعلت في عنقه جامعة من حديد وجمعت يده إلى عنقه فأشرف على عقبة بيت المقدس تلى هذه الآية: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما

стр. 451

يوحي إلي ربي﴾. فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض فوثب الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه ثم ساروا به فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده على الأرض فأعادوها عليه فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوفوه الله ويعلموه أن هذا من الشيطان فأبى أن يقبل منهم فصلب. وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت فتكلم الناس وقالوا ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل. ثم أتاه حرسه برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه. وسمعت من قال: قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة لما انثنت: أذكرت الله حين طعنته؟ قال: نسيت. قال: فاذكر الله ثم اطعنه. ذكر الله ثم طعنه فأنفذها. المغترين بما يشبه الكرامات وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران قال: قال لي فرقد: يا أبا عمران قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي وهي ستة دراهم وقد أهل الهلال وليست عندي فدعوت فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم فأخذتها فوزنتها فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص. فقال: تصدق بها فإنها ليست لك. قلت: أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة. فانظروا إلى كلام الفقهاء وبعد الاغترار عنهم. وكيف أخبره أنها لقطة ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة. وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار. وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه أكرم بأخذها وإنفاقها. وبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يوما إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر وسواك من فضة رأسه ألين من الخز فاستكت بالسواك وتوضأت بالماء وتركتهما وانصرفت. قلت: في هذه الحكاية لا يوثق بروايته فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال

стр. 452

السواك الفضة لا يجوز ولكن قل علمه فاستعمله. وإن ظن أنه كرامة والله تعالى لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعا إلا أن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال حدثني أبي قال: كان السرمقاني المقري يقرأ على علي بن العلاف وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة وقد نزل إلى دجلة وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه وجعل يأكله فشق ذلك عليه وأتى إلى رئيس الرؤساء فأخبره بحاله فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأتي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحا من غير أن يعلمه ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزا سميدا ومعها دجاجة وحلوى سكرا ففعل الغلام ذلك وكان يحمله على الدوام. فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحا في القبلة ورأى الباب مغلقا فتعجب وقال في نفسه: هذا من الجنة، ويجب كتمانه وأن لا أتحدث به فإن من شرط الكرامة كتمانها وأنشدني: من أطلعوه على سر فباح بهلم يأمنوه على الأسرار ما عاشا فلما استوت حالته وأخصب جسمه سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به وقصد المزاح معه. فأخذ يوري ولا يصرح، ويكني ولا يفصح. ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامة إذ لا طريق لمخلوق عليه. فقال له ابن العلاف: يجب أن تدعو لابن المسلمة فإنه هو الذي فعل ذلك. فنغص عيشه بأخباره وبانت عليه شواهد الانكسار. تحذير العقلاء بما يشبه الكرامات ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه. روينا بإسناد عن أبي الطيب يقول: سمعت زهرون يقول: كلمني الطير وذاك أني كنت في البادية فتهت فرأيت طائرا أبيض فقال لي زهرون أنت تائه. فقلت: يا شيطان غرغيري. فقال لي: أنت

стр. 453

تائه. فقلت: يا شيطان غرغيري. فوثب في الثالثة فصار على كتفي. وقال: ما أنا بشيطان، أنت تائه أرسلت إليك ثم غاب عني. وبإسناد عن محمد بن عبد الله القرشي قال حدثني محمد بن يحيى بن عمرو قال حدثتني زلفى قالت: قلت لرابعة العدوية: يا عمة، لم لا تأذنين للناس يدخولن عليك؟ قالت: وما أرجو من الناس إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل. قال القرشي: وزادني غير أبي حاتم أنها قالت: يبلغني أنهم يقولون إني أجد الدراهم تحت مصلاي، ويطبخ لي القدر بغير نار. ولو رأيت مثل هذا فزعت منه. قالت: فقلت لها إن الناس يكثرون فيك القول، يقولون إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب، فهل تجدين شيئا فيه؟ قالت: يا ابنة أخي لو وجدت في منزلي شيئا ما مسسته ولا وضعت يدي عليه. قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس قال: قال محمد بن عمرو: وحدثتني زلفى عن رابعة إنها أصبحت يوما صائمة في يوم بارد. قالت: فنازعتني نفسي إلى شيء من الطعام السخن أفطر عليه وكان عندي شحم فقلت: لو كان عندي بصل أو كراث عالجته. فإذا عصفور قد جاء فسقط على المثقب في منقاره بصلة، فلما رأيته أضربت عما أردت وخفت أن يكون من الشيطان. وبالإسناد عن محمد بن يزيد قال: كانوا يرون لوهيب أنه من أهل الجنة، فإذا أخبر بها اشتد بكاؤه وقال: قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان. وبالإسناد عن أبي عثمان النيسابوري يقول: خرجنا مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور فجلسنا فتكلم الشيخ علينا فطابت أنفسنا ثم بصرنا فإذا بأيل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ فأبكاه ذلك بكاء شديدا. فلما سكن سألناه فقلت: يا أستاذ تكلمت علينا فطابت قلوبنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك. فقال: نعم، رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم فوقع في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي فخيل لي أني

стр. 454

مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه. قلت فما يؤمنني أن يكون الله تعالى يعطيني كل حظ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي. فهذا الذي أزعجني. الحكايات الموضوعة في الكرامات وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل. أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال نا محمد بن محمد الحافظ قال نا عبيد الله بن محمد الفقيه قال أحمد بن عبد الله بن الحسن الآدمي قال حدثني أبي قال: قال سهل بن عبد الله قال عمرو بن واصل كذا في الرواية والصواب قال عمرو بن واصل قال سهل بن عبد الله: صحبت رجلا من الأولياء في طريق مكة فنالته فاقة ثلاثة أيام فعدل إلى مسجد في أصل جبل وإذا فيه بئر عليها بكرة وحبل ودلو ومطهرة. وعند البئر شجرة رمان ليس فيها حمل. فأقام في المسجد إلى المغرب فلما دخل الوقت إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح وفي أرجلهم نعال الخوص قد دخلوا المسجد فسلموا وأذن أحدهم وأقام الصلاة وتقدم فصلى بهم. فلما فرغ من صلاته تقدم إلى الشجرة فإذا فيها أربعون رمانة غضة طريفة فأخذ كل واحد منهم رمانة وانصرف. قال وبت على فاقتي فلما كان في الوقت الذي أخذوا فيه الرمان أقبلوا أجمعين فلما صلوا وأخذوا الرمان قلت: يا قوم أنا أخوكم في الإسلام، وبي فاقة شديدة فلا كلمتموني ولا واسيتموني. فقال رئيسهم: إنا لا نكلم محجوبا بما معه فامض واطرح ما معك وراء هذا الجبل في الوادي وارجع إلينا حتى تنال ما ننال. قال فرقيت الجبل فلم تسمح نفسي برمي ما معي فدفنته ورجعت. فقال لي: رميت ما معك؟ قلت نعم، قال: فرأيت شيئا؟ قلت لا، قال: ما رميت شيئا إذن فارجع فارم به في الوادي. فرجعت ففعلت، فإذا قد غشيني مثل الدرع نور الولاية فرجعت فإذا في الشجرة رمانة فأكلتها واستقللت بها من الجوع والعطش ولم ألبث دون المضي إلى مكة فإذا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام فأقبلوا إلي

стр. 455

بأجمعهم يسألوني عن حالي ويسلمون علي. فقلت: قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا كما أغناكم الله عن كلامي أولا فما في لغير الله موضع. قال المصنف ﵀: عمرو بن واصل ضعفه ابن أبي حاتم. والآدمي وأبوه مجهولان. ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم اطرح ما معك لأن الأولياء لا يخالفون الشرع، والشرع قد نهى عن إضاعة المال. وقوله غشيني نور الولاية فهذه حكاية مصنوعة وحديث فارغ، ومثل هذه الحكاية لا يغتر بها من شم رائحة العلم إنما يغتر بها الجهال الذين لا بصيرة لهم. أخبرنا محمد بن ناصر قال نا السهلكي قال: سمعت محمد بن علي الواعظ قال: وفيما أفادني بعض الصوفية حاكيا عن الجنيد قال: قال أبو موسى الدبيلي: دخلت على أبي يزيد فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب، فقال لي تعال ثم قال: إن رجلا سألني عن الحياء فتكلمت عليه بشيء من علم الحياء فدار دورانا حتى صار كذا كما ترى وذاب. قال الجنيد: وقال أحمد بن حضرويه: بقي منه قطعة كقطعة جوهر فاتخذت منه فصا فكلما تكلمت بكلام القوم أو سمعت من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق منه شيء. قلت: وهذه من النحالة القبيحة التي وضعوها الجهال ولولا أن الجهالة يروونها مسندة فيظنونها شيئا لكان الإضراب عن ذكرها أولى. أنبأنا أبو بكر بن حبيب قال نا ابن أبي صادق قال ثنا ابن باكويه قال ثنا أبو حنيفة البغدادي قال ثنا عبد العزيز البغدادي قال: كنت أنظر في حكايات الصوفية فصعدت يوما السطح فسمعت قائلا يقول: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ فالتفت فلم أر شيئا فطرحت نفسي من السطح فوقفت في الهواء. قال المصنف ﵀: هذا كذب محال لا يشك فيه عاقل، فلو قدرنا صحته فإن طرح نفسه من السطح حرام، وظنه أن الله يتولى من فعل المنهي عنه فقد قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فكيف يكون صالحا وهو

стр. 456

يخالف ربه، وعلى تقدير ذلك فمن أخبره أنه منهم وقد تقدم قول عيسى صلوات الله عليه للشيطان لما قال له ألق نفسك. قال: إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه. مسالك الصوفية في الشطح والدعاوى: مخاريق الحلاج وابن الشباس وقد اندس في الصوفية أقوام وتشبهوا بهم وشطحوا في الكرامات وادعائها وأظهروا للعوام مخاريق صادوا بها قلوبهم وقد روينا عن الحلاج أنه كان يدفن شيئا من الخبر والشواء والحلوى في موضع من البرية ويطلع بعض أصحابه على ذلك فأصبح قال لأصحابه: إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة. فيقوم ويمشي والناس معه، فإذا جاؤوا إلى ذلك المكان قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك: نشتهي الآن كذا وكذا. فيتركهم الحلاج وينزوي عنهم إلى ذلك المكان فيصلي ركعتين ويأتيهم بذلك. وكان يمد يده إلى الهواء ويطرح الذهب في أيدي الناس ويمخرق. وقد قال بعض الحاضرين يوما: هذه الدراهم معروفة ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك وما زال يمخرق إلى وقت صلبه. حدثنا أبو منصور القزاز قال نا أبو بكر بن ثابت نا عبد الله بن أحمد بن عمار الصيرفي ثنا أبو عمرو بن حيوة قال: لما أخرج حسين الحلاج للقتل مضيت في جملة الناس فلم أزل أزاحم حتى رأيته. فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. وكان اعتقاد الحلاج اعتقادا قبيحا. وقد بينا في أول هذا الكتاب شيئا من اعتقاده وتخليطه وبينا أنه قتل بفتوى فقهاء عصره. وقد كان في المتأخرين من يطلي بدهن الطلق ويقعد في التنور ويظهر أن هذا كرامة. قال ابن عقيل: وكان ابن الشباس وأبوه قبله لهم طيور سوابق وأصدقاء في جميع البلاد فينزل بهم قوم فيرفع طائرا في الحال إلى قريتهم يخبر بخبر من له هناك بنزولهم ويستعمله من أحوالهم وما تجدد هناك بعدهم قبل أن يجتمع عليهم

стр. 457

ويستعلم حالهم فيكتب ذلك إليه الجواب ثم يجتمع بهم فيخبرهم بتلك الحوادث ويحدثهم بأحوالهم حديث من هو معهم ومعاشرهم في بلادهم ثم يحدثهم بما تجدد بعدهم وفي يومه ذلك فيقول: الساعة تجدد كذا وكذا. فيدهشون ويرجعون إلى رستاقهم فيجدون الأمر على ما قال ويتكرر هذا منه فيصير عندهم كالقطعي على أنه يعلم الغيب. قال: وما كان يفعله أنه يأخذ طير عصفور ويشد رجله تلفكا ويجعل التلفك بطاقة صغيرة ويشد في رجل حمامة تلفكا ويشد في طرف التلفك كتابا أكبر من ذلك ويجعله بين يديه ويجعل العصفور بيد ويأخذ غلاما له في السطح والحمامة بيد آخر فيه ما في تلك البطاقة الصغيرة ويطلق الطائر العصفور فينظر الناس الكتاب وهو طائر في الهواء فيروح الحمام إلى تلك القرية فيأخذه صديقه الذي هناك ثم يخبره بجميع أمور القرية وأصحابها فلما يتكامل مجلسه بالناس ويشير وينادي يا بارش كأنه يخاطب شيطانا اسمه بارش ويقول خذ هذا الكتاب إلى قرية فلان فقد جرت بينهم خصومة فاجتهد في إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد العصفور الذي في يده فيرفع الكتاب نحو السماء بحضرة الجماعة يرونه عيانا من غير أن يرون التلفك فإذا ارتفع الكتاب جذبه الغلام المقيد بالعصفور وقطع التلفك حتى لا يرى ويرسل العصفور إلى تلك القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل بالحمامة ثم يقول لغلامه هات الكتاب فيلقيه الغلام الذي في السطح الذي قد جاءه خبر ما في القرية التي هؤلاء منها ثم يكتب كتابا إلى دهقان تلك القرية فيشد به بلفكا ويجعله في رجل عصفور كما قدمنا ويطلقه حتى يعلو سطح المكان فيأخذه ذلك الغلام فيشده في رجل طير الحمام فيروح إلى تلك القرية بذلك الكتاب فيصلح بين الناس الذين قد أتاهم خبرهم بالمشاجرة فتخرج الجماعة من الذين من تلك القرية فيجدون كتاب الشيخ قد وصل لهم وقد اجتمع دهاقين القرية وأصلحوا بينهم فيجيء ذلك فيخبرهم فلا يشكون في ذلك أنه يعلم الغيب ويتحقق هذا في قلوب العوام. قال ابن عقيل: وإنما أوردت مثل هذا ليعلم أنه قد ارتفع القوم إلى التلاعب بالدين فأي بقاء للشريعة مع هذا الحال؟ قلت: وابن الشباس هذا

стр. 458

كان يكنى أبا عبد الله والشباس هو أبوه كان يكنى أبا الحسن واسم الشباس علي بن الحسين بن محمد البغدادي توفي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مائة وكان الشباس وأبوه وعمه مستقرين بالبصرة. وكانت مذاهبهم تخفى على الناس إلا أن الأغلب أنهم كانوا من الباطنية وقد ذكرت في التاريخ عن ابن الشباس أن بعض أصحابه اكتشفت له نار بخيانته وزخارفه وكانت تخفى على الناس إلى أن كشفها بعض أصحابه من الباطنية للناس فلما كشفها للناس وبينها فكان ما حدث به عنه أنه قال: حضرنا يوما عنده فأخرج جديا مشويا فأمرنا بأكله وأن نكسر عظمه ولا تهشمها فلما فرغنا أمر بردها إلى التنور وترك على التنور طبقا ثم رفعه بعد ساعة فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا ولم نر للنار أثرا ولا للرماد ولا للعظام خبرا. قال فتلطفت حتى عرفت ذلك وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب وبينهما طبق نحاس بلولب فإذا أراد إزالة النار عنه فركه فينزل عليه فيسده وينفتح السرداب وإذ أراد أن يظهر النار أعاد الطبق إلى فم السرداب فترى للناس. قال المصنف ﵀: وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون يوهم أن الملائكة قد حضرت ويقول لهم تقدموا إلي وأخذ رجل في زمامنا إبريقا جديدا فترك فيه عسلا فتشرب في الخزف طعم العسل واستصحب الإبريق في سفره فكان إذا غرف به الماء من النهر سقى أصحابه وجدوا طعم العسل وما في هؤلاء من يعرف الله ولا يخاف في الله لومة لائم نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 459

الباب الثاني عشر في ذكر تلبيس إبليس على العوام قد بينا أن إبليس إنما يقوى تلبيسه على قدر قوة الجهل وقد أفتن فيما فتن به العوام وحضر ما فتنهم ولبس عليهم فيه لا يمكن ذكره لكثرته وإنما نذكر من الأمهات ما يستدل به على جنسه والله الموفق. فمن ذلك أنه يأتي إلى العامي فيحمله على التفكر في ذات الله وصفاته فيتشكك. وقد أخبر رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تسألون حتى تقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله» قال أبو هريرة: فوالله إني لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق هذا الله خلقنا فمن خلق الله. قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني ثم صحت - صدق رسول الله - الله الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وبإسناد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك، فيقول: من خلق السموات والأرض، فيقول الله: فيقول من خلق الله، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله». قال المصنف ﵀: وإنما وقعت هذه المحنة لغلبة الحس وهو أنه ما رأى شيئا إلا مفعولا. وليقل لهذا العامي الست تعلم أنه خلق الزمان لا في

стр. 460

الزمان ولا في المكان فإذا كانت هذه الأرض وما فيها لا في مكان ولا تحتها شيء وحسك ينفر من هذا لأنه ما ألف شيئا إلا في مكان فلا يطلب بالحس من لا يعرف بالحس. وشاور عقلك فإنه سليم المشاورة. وتارة يلبس إبليس على العوام عند سماع صفات الله فيحملونها على مقتضى الحس فيعتقدون التشبيه. تارة يلبس عليهم من جهة العصبية للمذاهب فترى العامي يلاعن ويقاتل في أمر لا يعرف حقيقته. فمنهم من يخص بعصبيته أبا بكر ﵁، ومنهم من يخص عليا. وكم قد جرى في هذا من الحروب وقد جرى في هذا بين أهل الكوخ وأهل باب البصرة على ممر السنين من القتل وإحراق المحال ما يطول ذكره وترى كثيرا ممن يخاصم في هذا يلبس الحرير ويشرب الخمر ويقتل النفس وأبو بكر وعلي بريئان منهم. وقد يحس العامي في نفسه نوع فهم فيسول له إبليس مخاصمة ربه فمنهم من يقول لربه كيف قضى وعاقب. ومنهم من يقول لم ضيق رزق المتقي وأوسع على العاصي. ومنهم طائفة تشكر على النعم فإذا جاء البلاء اعترض وكفر. ومنهم من يقول أي حكمة في هدم هذه الأجساد يعذبها بالفناء بعد بنائها. ومنهم من يستبعد البعث. ومن هؤلاء من يحتل عليه مقصوده أو يبتلى ببلاء فيكفر ويقول أنا ما أريد أصلي. وربما غلب فاجر نصراني مؤمنا فقتله أو ضربه فيقول العوام قد غلب الصليب. ولماذا نصلي إذا كان الأمر كذلك. وكل هذه الآفات تمكن بها منهم إبليس لبعدهم عن العلم والعلماء فلو أنهم استفهموا أهل العلم لأخبروهم أن الله حكيم ومالك فلا يبقى مع هذا اعتراض. تلبيسه عليهم في التفكير في ذات الله تعالى من حيث هي ومن العوام من يرضى عن عقل نفسه فلا يبالي بمخالفة العلماء فمتى خالفت فتواهم غرضه أخذ يرد عليهم ويقدح فيهم. وقد كان ابن عقيل يقول: قد عشت هذه السنين فلو أدخلت يدي في صنعة صانع لقال أفسدتها علي، فلو قلت أنا رجل عالم لقال بارك الله لك في علمك ليس هذا من
следующие страницы →