← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تلاعب الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهي عنه العلم والعلم بعيد عنهم فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه. وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان. أنبأنا ابن ناصر عن أبي علي بن البنا قال: كان عندنا بسوق السلاح رجل كان يقول القرآن حجاب، والرسول حجاب ليس إلا عبد رب فافتتن جماعة به فأهملوا العبادات واختفى مخافة القتل. أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الجبائي ثنا أحمد بن سليمان النجاد ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا هشام بن يونس ثنا المحاربي عن بكر بن حنش عن ضرار بن عمرو قال: إن قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه وخالفوا السنة فهلكوا فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح. نقد مسالك الصوفية في تركهم الاشتغال بالعلم وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة. وهذا جهل من قائله لأن الشريعة كلها حقائق. فإن كانوا يريدون بذلك الرخصة والعزيمة فكلاهما شريعة. وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع. وعن أبي الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم يقول: جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وبيده محبرة وكتاب فقال لسهل: جئت أن أكتب شيئا ينفعني اله له. فقال: اكتب، إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل: قال يا أبا محمد أفدني فائدة. فقال: الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما، والعلم كله حجة إلا ما كان عملا، والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتاب والسنة. وتقوم السنة على التقوى. وعن سهل بن عبد

стр. 387

الله أنه قال: احفظوا السواد على البياض فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق. وعن سهل بن عبد الله أنه قال: ما من طريق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا. وعن أبي بكر الدقاق قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: كل باطن يخالف ظاهرا فهو باطل. وعن أبي بكر الدقاق أنه قال: كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر. قال المصنف ﵀: وقد نبه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء فقال: من قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان. وقال ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة اسما وقالوا المراد منها الحقيقة. قال: وهذا قبيح لأن الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع. ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء قال المصنف ﵀: قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس وقال ما المقصود إلا العمل ودفنوا كتبهم. فقد روي أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر، وقال: نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال. ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها. وقال: يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي فلما اهتديت بك استغنيت عنك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب ما أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت أبا الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم عن

стр. 388

أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال أحمد بن محمد بن إسماعيل: أبو الحسين الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث وأنه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب. ولقد أخبرت أنه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة. فأول ما سمع عن أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير. أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي قال: سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول سمعت أبا طاهر الجنايدي يقول: لقد كان موسى بن هرون يقرأ علينا فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول لقد أديته. أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون: ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن جميع ذلك وأنفقها علىالفقراء. قال: فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: أحرمت وأنا غلام حدث وخرجت إلى مكة على الوحدة حين لم يبق لي شيء أرجع إليه. وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة والتقطع في الأسفار والخروج عن ملكي. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا إسماعيل الحيري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول: سمعت الشبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ قرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه. قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور وأن تلبيس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل. ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايدة حسن لهم دفن الكتب وإتلافها وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة

стр. 389

المصحف وكتابة الحديث فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها وكانوا يكتبونها في العسب والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صوتا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء. وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن وقال: «لا تكتبوا عني سوى القرآن». فلما كثرت الأحاديث رأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة. فروي عن أبي هريرة ﵁ أنه شكى إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال: «ابسط رداءك فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال ضمه إليك. فقال أبو هريرة فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ ». وفي رواية أنه قال: «استعن على حفظك بيمينك»، يعني بالكتابة. وروى عنه ﷺ عبد الله بن عمرو أنه قال: «قيدوا العلم. فقلت: يا رسول الله وما تقييده؟ قال ك الكتابة». وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال: «قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج». قال المصنف ﵀: واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله ﷺ وحركاته وأفعاله واجتمعت الشريعة من رواية هذا برواية هذا. وقد قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني». وقال: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها». وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان. وقد كان أحمد بن حنبل ﵁ يحدث بالحديث فيقال له: امله علينا. فيقول: لا بل من الكتاب. وقد قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب. فإذا كانت الصحابة قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة ههنا وكلمة من هنا وصححوا ما صح وزيفوا ما لم يصح وجرحوا الرواة وعدلوا وهذبوا السنن وصنفوا ثم من

стр. 390

يغسل ذلك فيضيع التعب ولا يعرف حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا. فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الأمة. وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث أنه قال لابنه: ما كتبت عن فلان؟ فذكر له أن النبي ﵊: «كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى» فقال الإمام أحمد بن حنبل: إنا لله سنة من سنن رسول الله لم تبلغني. وهذا قوله مع إكثاره وجمعه، فكيف بمن لم يكتب وإذا غسل أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت على ما يعتمد في الفتاوى والحوادث على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى. (فصل) قال المصنف ﵀: ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها، أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل. فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم. وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده فإن قال تشغلني عن العبادة. قيل جوابك من ثلاثة أوجه: أحدها أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات. والثاني: أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات. واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء وجلاؤها النظر في كتب العلم. وقد كان يوسف بن أسباط دفن كتبه ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط، والثالث أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب

стр. 391

فهلا وهبتها لمبتدئ من الطلاب ممن لم يصل إلى مقامك أو وقفتها على المنتفعين بها أو بعتها وتصدقت بثمنها أما إتلافها فلا يحل بحال. وقد روى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن رجل أوصى أن تدفن كتبه فقال: ما يعجبني أن يدفن العلم. وأنبأنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت نا عبيد الله بن عبد العزيز البرداعي نا محمد بن عبد الله السحير ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النحاس قال: سمعت المروزي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعرف لدفن الكتب معنى. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم من تشاغل بالعلم قال المصنف ﵀: لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم وبين ظان أن العلم هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد وسموا ذلك العلم: العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي نا علي بن أبي علي البصري ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال سمعت جعفرا الخلدي يقول: لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا أحدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال: إيش هذا معك؟ فأريته إياه فقال: ويحك، تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق؟ ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس. قال المصنف ﵀: وبلغني عن أب سعيد الكندي قال: كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون فسقطت الدواة يوما من كمي فقال لي بعض الصوفية: استر عورتك. أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر الخطيب نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد الصفار قال: كان بيدي محبرة فقال لي الشبلي: غيب سوادك عني يطفيني سواد قلبي.

стр. 392

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت عبد الله العزال المذكر قال سمعت علي بن مهدي يقول: وقفت ببغداد على حلقة الشبلي فنظر إلي ومعي محبرة فأنشأ يقول: تسربلت للحرب ثوب الغرق … وجبت البلاد لوجد القلق ففيك هتكت قناع الغوى … وعنك نطقت لدى من نطق إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق قال المصنف ﵀: قلت، من أكبر المعاندة لله الصد عن سبيل الله وأوضح سبيل الله العلم لأنه دليل على الله وبيان لأحكام الله وشرعه وإيضاح لما يحبه ويكرهه فالمنع منه معاداة لله ولشرعه ولكن الناهين عن ذلك ما تفطنوا لما فعلوا. أخبرنا ابن حبيب قال نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: اشتغلوا بتعلم العلم ولا يغرنكم كلام الصوفية فإني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعتي والكاغد في حزة سراويلي وكنت أذهب خفية إلى أهل العلم، فإذا علموا بي خاصموني. وقالوا: لا تفلح. ثم احتاجوا إلي بعد ذلك. وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول: هذه سرج الإسلام. وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنه فقال له رجل: إلى متى يا أبا عبد الله؟ فقال: المحبرة إلى المقبرة. وقال في قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» فقال أحمد: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. وقال أيضا: إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون؟. وقيل له: إن رجلا قال في أصحاب الحديث أنهم كانوا قوم سوء فقال أحمد: هو زنديق وقد قال

стр. 393

الإمام الشافعي ﵀: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال يوسف بن أسباط: بطلبة الحديث يدفع الله البلاء عن أهل الأرض. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن علي ثنا ابن جهضم ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: رأيت كأن القيامة قد قامت والخلق مجتمعون إذ نادى مناد: الصلاة جامعة، فاصطف الناس صفوفا فأتاني ملك فتأملته فإذا بين عينيه مكتوب جبريل أمين الله. فقلت أين النبي ﷺ ؟ فقال مشغول بنصب الموائد لأخوانه الصوفية، فقلت وأنا من الصوفية فقيل نعم، ولكن شغلك كثرة الحديث. قال المصنف ﵀: معاذ الله أن ينكر جبريل التشاغل بالعلم. وفي إسناد هذه الحكاية ابن جهضم وكان كذابا ولعلها عمله. وأما ابن مسروق فأخبرني القزاز نا أبو بكر الخطيب حدثني علي بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف قال سمعت الدارقطني يقول: أبو العباس بن مسروق ليس بالقوي يأتي بالمعضلات. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم قال المصنف ﵀: اعلم أن هؤلاء القوم لما تركوا العلم وانفردوا بالرياضيات على مقتضى آرائهم لم يصبروا عن الكلام في العلوم فتكلموا بواقعاتهم فوقعت الأغاليظ القبيحة منهم فتارة يتكلمون في تفسير القرآن وتارة في الحديث وتارة في الفقه وغير ذلك ويسوقون العلوم إلى مقتضى علمهم الذي انفردوا به والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه يردون على المتخرصين ويبينون غلط الغالطين.

стр. 394

ذكره نبذة من كلامهم في القرآن أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان البجلي قال: سمعت جعفر بن محمد الخلدي قال: حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله كيسان عن قوله : ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ فقال الجنيد: لا تنس العمل به. وسأله عن قوله تعالى: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ فقال له الجنيد: تركوا العمل به، فقال لا يفضض الله فاك. قلت: أنا قوله - لا تنس العمل به - فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر. لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك إنما هو خبلا لا نهي وتقديره - فما تنس - إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء وكذلك قوله: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله : ﴿وبما كنتم تدرسون﴾. لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه. أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد ثنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله : ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾. فقال: لمن كان لله قلبه. وأخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن الجهم جهضم ثنا محمد بن جرير قال سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله: ﴿فنجيناك من الغم﴾ قال: نجيناك من الغم بقومك وفتناك بنا على من سوانا. قال المصنف ﵀: وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه. وجعل محبته تفتن غاية في القباحة. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي الحافظ نا أبو حازم عمر بن إبراهيم

стр. 395

العبدري قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله : ﴿فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم﴾ فقال الروح النظر إلى وجه الله . والريحان الاستماع لكلامه. وجنة نعيم: هو أن لا يحجب فيها عن الله . قلت: هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فقال في فاتحة الكتاب عنهم أنهم قالوا إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فتحناك به من خطابنا فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد. قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل: وقال في قول الإنسان (آمين) أي قاصدون نحوك. قال المصنف ﵀: وهذ قبيح لأنه ليس من أم لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة. قال في قوله: ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ قال قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب. وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم. وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق. قلت: إنما الآية على وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قلبتموهم وهؤلاء قد فسروها على ما يوجب المدح. وقال محمد بن علي: ﴿يحب التوابين﴾: من توبتهم. وقال النووي: ﴿يقبض ويبسط﴾: أي يقبضك بإياه ويبسطك لإياه. وقال في قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾: أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان. وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الحبر ومعناه

стр. 396

الأمر وتقديرها من دخل الحرم فأمنوه. وهؤلاء قد فسروها على الخبر ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس وذكر في قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ قال أبو تراب: هي الدعاوى الفاسدة. ﴿والجار ذي القربى﴾ قال سهل: هو القلب. ﴿والجار الجنب﴾ النفس (ةابن السبيل) الجوارح. وقال في قوله ﴿وهم بها﴾ قال أبو بكر الوراق: الهمان لها ويوسف ما هم بها. قلت: هذا خلاف لصريح القرآن وقوله: ﴿ما هذا بشرا﴾. قال محمد بن علي: ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة. وقال الزنجاني: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم. وقال في قوله: ﴿فلله المكر جميعا﴾ قال الحسين: لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال. أو للحدث اقتران مع القدم. قال المصنف ﵀: ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب. ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك. وقال في قوله (لعمرك) أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا. قلت: وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان. وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية، فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه. ومن أراد الزيادة فلينظر

стр. 397

في ذلك الكتاب. وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال: للصوفية استنباط منها قوله: ﴿أدعو إلى الله على بصيرة﴾ قال الواسطي: معناه لا أرى نفسي. وقال الشبلي: لو اطلعت على الكل مما سوانا لوليت منهم فرارا إلينا. قلت: هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف. وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات. وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله : ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ قال: إنما عنى الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام، إنما عنى بعبادته حبه والاغترار به. قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين، وقد قال شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل، ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم، فقال: ﴿واجنبني وبني﴾ ومعلوم أن العرب أولاده وقد عبد أكثرهم الأصنام. أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين قال: وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز فقالت في قوله: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ فقال هم لآيات لي، فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله لأولي الألباب. وهذا تبديل للقرآن وقالوا ﴿ولسليمان الريح﴾ قالوا: ولي سليمان. وأخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: قال أبو حمزة الخراساني: قد يقطع بأقوام في الجنة فيقال: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه.

стр. 398

قال المصنف ﵀: انظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المغنم به مكرا، وإضافة المكر بهذا إلى الله . وعلى مقنضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله . فما أجرأ هذا القائل على مثل هذ الألفاظ القباح. وهل يجوز أن يوصف الله بالمكر على ما نعقله من معنى المكر. وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين. وإني لأتعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده. وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا: حدثنا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الحربي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا بشر بن الوليد ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ». أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فليبوأ مقعده من النار». قال المصنف ﵀: وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر إني لأقشعر من ذكرها لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال: أخبرنا أبو عبد الله بن خفيف قال سمعت رويما يقول: اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ فقالوا: ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا فقالوا: نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم فتكلم كل واحد من حيث هو. وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته

стр. 399

فقام وخرج إلى صحن الدار فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق مكتوب فأخذه وحمله إليهم وقال: يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم. انظروا ما في هذه الرسالة: فإذا فيها مكتوب مكار مكار وكلكم تدعون حبه وأحرم البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم. قال المصنف ﵀: قلت، هذه بعيدة الصحة وابن خفيف لا يوثق به وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق، وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة. وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر. فأما أن يقال عنه مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة. وقد أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال: سمعت رويما يقول: إن الله غيب أشياء في أشياء مكره في علمه. وغيب خداعه في لطفه وغيب عقوباته في باب كراماته. قلت: وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة. أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت خالي يقول قال الحسن بن علوية: خرج أبو يزيد لزيارة أخ له فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر فقال: سيدي، إيش هذا المكر الخفي، وعزتك ما عبدتك لهذا ثم رجع ولم يعبر. قال السهلكي: وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكر أن أبا يزيد قال: من عرف الله صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا. قلت: وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم. وكل هذ منبعه من قلة العلم وسوء الفهم. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو الفرج الورياني ثنا أحمد بن الحسن بن محمد ثني محمد بن جعفر الوراق ثنا أحمد بن العباس المهلبي قال سمعت طيفور وهو أبو يزيد يقول العارفون: في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت. وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا. فقيل له كيف ذلك؟

стр. 400

قال: إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا. قال: وقال أبو يزيد: في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق فأنت أبدا عبد السوق. قال المصنف ﵀: تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله قبيح وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة. ومن أين له أن من اختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله ﵎ ولايراه أبدا؟ نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي. فمن أين له علمها وكيف يكون كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب: جمعني الله وإياك في سوق الجنة. أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله ! لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط وليعلم أن الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه، فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لأنها ثمرات علمه ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه. ورأيت بخط ابن عقيل: جاز أبو يزيد على مقابر اليهود فقال: ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام جرت عليهم القضايا اعف عنهم. قال المصنف ﵀: وهذا قلة علم وهو أن قوله - كف عظام - احتقار للآدمي فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام. وقوله - جرت عليهم القضايا - فكذلك جرى على فرعون. وقوله - اعف عنهم - جهل بالشريعة لأن الله أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا فلو قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه، ومحمد ﷺ في أمه، فنعوذ بالله من قلة العلم. أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قوري الحوبياني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج قال: كان ابن سالم يقول: عبر أبو يزيد على مقبرة

стр. 401

اليهود فقال: معذورين. ومر بقبر المسلمين فقال: مغرورين. قال المصنف ﵀: وفسره السراج فقال: كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة من غير فعل كان موجودا في الأزل وأن الله جعل نصيبهم السخط فذلك عذر. قال المصنف ﵀: وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره. ومن كلامهم في الحديث وغيره: أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل يقول: فلان ضعيف وفلان ثقة فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتب العلماء. فالتفت أبي إليه وقال له: ويحك، هذه نصيحة وليست هذه غيبة. أنبأنا يحيى بن علي المدبر نا أحمد بن علي بن ثابت نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول: كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل فقال أظهر أحوال أهل العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة. فقال له يوسف بن الحسين: استحييت إليك يا أبا محمد، كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض. فبكى عبد الرحمن وقال: يا أبا يعقوب، لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه. قلت: عفا الله عن ابن أبي حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب. ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل؟ ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم وتسمية ذلك غيبة حديث سوء. ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه؟ وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا.

стр. 402

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه قال سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: من عرف أن الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله. قلت: هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم. أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون نا أحمد بن الحسن الشاهد قال: قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع أبا بكر الديف الصوفي وقال: سمعت الشبلي وقد سأله شاب: يا أبا بكر لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله؟ فقال الشبلي: أستحي أن أوجه إثباتا بعد نفي. فقال الشاب: أريد حجة أقوى من هذه. فقال: أخشى أني أؤخذ في كلمة الوجود ولا أصل إلى كلمة الإقرار. قال المصنف ﵀: انظروا إلى هذا العلم الدقيق فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها. وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وكان يقول إذا قام لصلاة الليل: لا إله إلا أنت. وذكر الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله فانظروا إلى هذا التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله ﷺ . أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا ابو علي الحسن بن محمد بن الفضل نا سهل بن علي الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال: بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن فقال: طعنه سم الموت. وسمع نباح كلب فقال: لبيك وسعديك. فقيل له في ذلك فقال: إن المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجر ولولاها ما أذن فلذلك قلت له طعنه سم الموت. والكلب يذكر الله بلا رياء فإنه قد قال: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾. قال المصنف ﵀: انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف.

стр. 403

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو يعقوب الخراط نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه فقلت له: نح يدك عن لحية الله. فرفع ذلك إلى الخليفة فطلبت وأخذت فلما دخلت عليه قال بلغني أنه نبح كلب فقلت لبيك ونادى المؤذن فقلت طعنه قال: نعم، قال الله : ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ فقلت لبيك لأنه ذكر الله. فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى. قال: وقولك للرجل، نح يدك عن لحية الله؟ قلت: نعم، أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له. قلت: عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات. أخبرنا ابن حبيب قال ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة، فقال: ويحك ما عرف الله من قال الله. والله لو عرفوه ما قالوه. قال ابن باكويه: وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البراداني يقول سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله: ما اسمك؟ قال آدم. قال ويلك، أتدري ما صنع آدم؟ باع ربه بلقمة. ثم كان يقول: سبحان من عذرني بالسوداء. قال ابن باكويه: وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول: كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة فقال: بع مالك، واقض دينك، وطلق امرأتك. ففعل، فقال: أيتم أولادك بأن تؤيسهم من التعلق بك. فقال قد فعلت فجاء بكسر قد جمعها. فقال اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال: سمعت بعض الفقراء يقول: سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول: لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا باكويه قال أخبرنا أحمد بن محمد احلفاي قال: رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر، فقال له: يا غلام ألا تغطي عورتك؟ فقال له: اسكت يا بطال، إن كنت على

стр. 404

الحق فلا تشهد إلا الحق، وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل، لأن الحق مشتغل بالحق، والباطل مشتغل بالباطل. أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه قال: حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي - وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية - قال وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال أن عددهم ألوف فاستعدت الصوفية على زوجها إلى القاضي فلما حضرا قالت له: أيها القاضي، إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك فإن رأيت أن تمنعه. قال: فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب - وحنق على مذاهب الصوفية - ثم قال لها: وكيف ليس له ذلك قالت: لأنه تزوج بي ومعناه قائم بي والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى فيجب عليه أن يصير حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه مني. فقال لي أبو سعيد: كيف ترى هذا الفقه؟ ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق. وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الأحياء أن بعضهم قال: للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام. قلت: فأظهروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة أن ظاهرها يخالف باطنها قال أبو حامد: ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له: لو سألت الله أن يرده عليك فقال: اعتراضي عليه فيما يقضي أشد علي من ذهاب ولدي. قلت: طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض

стр. 405

وقال أحمد الغزالي: دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي فقال له: أريد أن أسلم على يديك. فقال: لا ترد. فاجتمع الناس وقالوا: يا شيخ تمنعه من الإسلام. فقال له: تريد بلا بد؟ قال: نعم. قال له: برئت من نفسك ومالك. قال: نعم. قال: هذا الإسلام عندي، احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد يعلم لا لا المنافقين. يعني لا إله إلا الله. قلت: وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح. ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام. ما أخبرنا به أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرخسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال: كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسرخس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده فقال لهما حفص: أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الحج وإذا أسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب. فانصرفا فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك فلما قدم أسلم الحسن. قلت: وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن ولا يجوز تأخير ذلك لحظة وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام. وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع لمع المتصوفة قال: كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له: إذا أردت أن تشتكي فقل: أوه، فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن ولا تقل أفرج فإنه اسم من أسماء الشيطان. فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم. وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول: سمعت علي بن محمد المصري يقول: سمعت أيوب بن سليمان يقول: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمعت أبي يقول:

стр. 406

صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منه إلا هذين الحرفين: الوقت سيف، وأفضل العصمة أن لا تقدر. ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى قال المصنف ﵀: اعلم أن السلم يورث الخوف واحتقار النفس وطول الصمت وإذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم والدعاوى بعيدة عنهم كما قال أبو بكر: ليتني كنت شعرة في صدر مؤمن. وقال عمر عند موته: الويل لعمر إن لم يغفر له. وقال ابن مسعود: ليتني إذا مت لا أبعث. وقالت عائشة ﵂: ليتني كنت نسيا منسيا. وقال سفيان الثوري لحماد بن سلمة عند الموت: ترجو أن يغفر لمثلي. قال المصنف ﵀: وإنما صدر مثل هذا عن هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله وقوة العلم به تورث الخوف والخشية. قال الله : ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وقال ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» ولما بعد عن العلم أقوام من الصوفية لاحظوا أعمالهم واتفق لبعضهم من اللطف ما يشبه الكرامات فانبسطوا بالدعاوى. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي يقول: ثنا أبو بكر عمر بن يمن ثنا أبو عمر الرهاوي ثنا أحمد بن محمد الجزري قال سمعت أبا موسى الدئيلي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: وددت أن قد قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم. فسأله رجل ولم ذاك يا أبا يزيد؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق. أخبرني أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه ني إبراهيم بن محمد ني حسن بن علوية ني طيفور بن عيسى ني أبو موسى الشبلي

стр. 407

قال: سمعت أبا يزيد يقول: إذا كان يوم القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فأسأله أن يدخلني النار. فقيل له لم: قال حتى تعلم الخلائق أن بره ولطفه في النار مع أوليائه. قال المصنف ﵀: هذا الكلام من أقبح الأقوال لأنه يتضمن تحقير ما عظم الله أمره من النار فإنه بالغ في وصفها فقال: ﴿اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾ وقال: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن أعين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسماعيل ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم. قالوا له الصحابة: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» أخرجاه في الصحيحين. وفي إفراد مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا أبو علي التميمي نا أبو بكر بن مالة ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي بهز بن أسد ثنا جعفر بن سليمان ثنا علي بن زيد عن مطرف عن كعب قال: قال عمر بن الخطاب: يا كعب، خوفنا. فقال: يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما ترى. فأطرق عمر ﵁ مليا ثم أفاق قال: زدنا يا كعب. قلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها. فأطرق عمر مليا ثم أفاق فقال: زدنا يا كعب قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا

стр. 408

على ركبتيه ويقول: رب نفسي نفسي لا أسالك اليوم غير نفسي. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي ثنا إبراهيم بن عبد الله الجنيد ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوف فيقول يا جبرائيل ائتني بجهنم فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله حتى أن إبراهيم الخليل يقول: بخلتي لا أسألك إلا نفسي. ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي. وإن عيسى ليقول: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني. قلت: وقد روينا أن النبي ﷺ قال: «يا جبرائيل ما لي أرى ميكائيل لا يضحك؟ فقال: ما ضحك ميكائيل مذ خلقت النار وما جفت لي عين مذ خلقت جهنم مخافة أن أعصي الله فيجعلني فيها». وبكى عبد الله بن رواحة يوما فقالت امرأته: مالك تبكي؟ قال: أنبئت أني واردها ولم أنبأ أني صادر. قال المصنف ﵀: فإذا كانت هذه حالة الملائكة والأنبياء والصحابة وهم المطهرون من الأدناس وهذا انزعاجهم لأجل النار فكيف هانت عند هذا المدعى ثم أنه يقطع لنفسه بما لا يدري به من الولاية والنجاة وهل قطع بالنجاة إلا لقوم مخصوصين من الصحابة. وقد قال: «من قال إني في الجنة فهو في النار». وهذا محمد بن واسع يقول عند موته: يا أخوتاه، أتدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني. قلت: وهذا إن صح عن هذا المدعي فهذا غاية من تلبيس إبليس.

стр. 409

وقد كان ابن عقيل يقول: قد حكي عن أبي زيد أنه قال: وما النار؟ والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي. أو نحو هذا. قال: ومن قال هذا كائن من كان فهو زنديق يجب قتله، فإن الأهوان للشيء ثمرة الجحد لأن من يؤمن بالجن يقشعر في الظلمة ومن لا يؤمن لا ينزعج وربما قال يا جن خذوني. ومثل هذا القائل ينبغي أن يقرب إلى وجهه شمعة فإذا انزعج قيل له هذه جذوة من نار. أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول: سمعت طيفور الصغير يقول سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول: سمعت أبا يزيد يقول: سبحاني سبحاني ما أعظم شأني. ثم قال: حسبي من نفسي حسبي. قلت: هذا إن صح عنه فربما يكون الراوي لم يفهم لأنه يحتمل أن يكون قد ذكر تمجيد الحق نفسه فقال فيه (سبحاني) حكاية عن الله لا عن نفسه. وقد تأوله له الجنيد بشيء إن لم يرجع إلى ما قلته فليس بشيء. فأنبأنا ابن ناصر السهلكي نا محمد بن القاسم الفارسي سمعت الحسن بن علي المذكر سمعت جعفر الخلدي يقول: قيل للجنيد: إن أبا يزيد يقول: سبحاني سبحاني، أنا ربي الأعلى. فقال الجنيد: إن الرجل مستهلك في شهود الجلال فنطق بما استهلكه، أذهله الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق فنعته. قلت: وهذا من الخرافات. أنبأنا عبد الأول نا أحمد بن أبي نصر الكوفاني نا الحسن بن محمد بن فوزي نا عبد الله بن علي السراج قال: سمعت أحمد بن سالم البصري بالبصرة يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد لأنت فرعون قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ والرب يسمى به المخلوق، يقال رب الدار. وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني لا يجوز إلا لله. فقلت: قد صح عندك هذا عن أبي يزيد فقال: قد قال ذلك. فقلت: يحتمل أن يكون لهذا الكلام مقدمات يحكى بأن الله تعالى يقول سبحاني

стр. 410

لأنا لو سمعنا رجلا يقول: (لا إله إلا أنا) علمنا أنه يقرأ. وقد سألت جماعة من أهل بسطام من بيت أبي يزيد عن هذا فقالوا لا نعرف هذا. أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت عامر بن أحمد قال سمعت الكتاني يقول: حدثني أبو موسى الدئيلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: كنت أطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي. قال الشيرازي: وحدثنا إبراهيم بن محمد قال: سمعت الحسن بن علوية يقول: سمعت طيفور الصغير يقول سمعت أبا يزيد يقول: حججت أول حجة فرأيت البيت، وحججت الثانية فرأيت صاحب البيت ولم أر البيت. وحججت الثالثة فلم أر البيت ولا صاحب البيت. قال الشيرازي: وسمعت محمد بن داودية يقول: سمعت عبد الله بن سهل يقول: سمعت أبا موسى الدئيلي يقول: سمعت أبا يزيد: وسئل عن اللوح المحفوظ قال: أنا اللوح المحفوظ. قال الشيرازي: وسمعت المظفر بن عيسى المراغي يقول: سمعت سيرين يقول: سمعت أبا موسى الدئيلي يقول لأبي يزيد: بلغني أن ثلاثة قلوبهم على قلب جبريل قال أنا أولئك الثلاثة. فقلت: كيف؟ قال: قلبي واحد، وهمي واحد، وروحي واحد. قلت: وبلغني أن واحدا قلبه على قلب إسرافيل. قال: وأنا ذلك الواحد ومثلي مثل بحر مصطلم لا أول له ولا آخر. قال السهلكي: وقرأ رجل عند أبي يزيد: ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ فقال أبو يزيد: وحياته إن بطشي أشد من بطشه. وقيل لأبي يزيد: بلغنا إنك من السبعة. قال: أنا كل السبعة. وقيل له: إن الخلق كلها تحت لواء سيدنا محمد ﷺ . فقال: والله إن لوائي أعظم من لواء محمد. لوائي من نور تحته الجن والإنس كلهم مع النبيين. وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني، ليس مثلي في السماء يوجد ولا مثلي صفة في الأرض تعرف أنا هو وهو أنا وهو هو. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم

стр. 411

الحافظ ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا منصور بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: قيل لأبي يزيد: إنك من الأبدال السبعة الذين هم أوتاد الأرض، فقال: أنا كل السبعة. أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا الحسين محمد بن القاسم الفارسي قال سمعت أبا نصر بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول: سمعت أبا الحسين علي بن محمد الجرجاني يقول سمعت الحسن بن علي بن سلام يقول: دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير فالتفت إليهم فقال: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾. فقالوا: جن أبو يزيد. فتركوه. قال الفارسي: وسمعت أبا بكر أحمد بن محمد النيسابوري قال: سمعت أبا بكر أحمد بن إسرائيل قال: سمعت خالي علي بن الحسين يقول: سمعت الحسن بن علي بن حياة يقول سمعت عمي وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد قال سمعت أبي يقول: قال أبو زيد: رفع بي مرة حتى قمت بين يديه، فقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، قلت: يا عزيزي وأنا أحب أن يروني. فقال: يا أبا يزيد إني أريد أن أريكهم. فقلت: يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك، قربني بوحدانيتك، وألبسني ربانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فيكون أنت ذاك ولا أكون أنا هنا. ففعل بي ذلك واقامني وزينني ورفعني. ثم قال: اخرج إلى خلقي. فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة. أنبأنا ابن ناصر نا السهلكي قال: سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ يقول: سمعت محمد بن محمد الفقيه يقول سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت أبا موسى يقول حكي عن أبي يزيد أنه قال: أراد موسى ﵊ أن يرى الله تعالى. وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى هو أراد أن يراني. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق الحيري ثنا أبو

стр. 412

عبد الله بن باكويه ثنا أبو الطيب بن الفرغاني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: دخل علي أمس رجل من أهل بسطام فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول: اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري. قال المصنف ﵀: أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها. وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه: أحدها أنه قال: إن كان في سابق علمك، وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار وقد سمى الله منهم خلقا، كفرعون وأبي لهب فكيف يجوز أن يقال بعد القطع واليقين إن كان. والثاني قوله: تعظم خلقي فلو قال لأدفع عن المؤمنين ولكنه قال حتى لا تسع أحدا غيري، فأشفق على الكفار أيضا وهذا تعاط على رحمة الله . والثالث أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا مننفسه بالصبر وكلا الأمرين معدوم عنده. قلت: ثم قال: والله ولقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة، وكانت الملائكة يستحسنون قولي: والله يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب علي لأخرسني. قلت: لولا أن هذا الرجل نسب إلى التغير لكان ينبغي أن يرد عليه. وأين الخضر ومن اين له أن الملائكة تستحسن قوله؟ وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة. وقد بلغني عن ميمون بن عبده قال: بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها: وليس لي في شواك حظفكيفما ما شئت فامتحني فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب. قال المصنف ﵀: إنه ليقشعر جلدي من هذه أتراه على ما يتقاوى وإنما هذه ثمرة الجهل بالله ولو عرفه لم يسأله إلا العافية. وقد قال من عرف الله كل لسانه. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال: سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:

стр. 413

كنت أرد هذه الكرامات حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال كذا كان. قال: كنا في سميرية في دجلة فقالوا لأبي الحسين أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي فحرك شفتيه، فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية. فقيل لأبي الحسين: سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت فقال: قلت وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاث أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت قال أخبرني عبد الصمد بن محمد بن الخطيب ثنا الحسن بن الحسين الهمداني قال سمعت جعفرا الخلدي سمعت الجنيد يقول سمعت النوري يقول: كنت في الرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها. وقالوا: نخرج ونصطاد السمك. فقالوا لي: يا أبا الحسين، هات من عبادتك واجتهادك وما أنت عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص. فقلت لمولاي: إن لم تخرج إلي الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات. فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة فيها ولا نقصان. قال الجنيد: فقلت يا أبا الحسين، لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك؟ قال نعم. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه نا أبو يعقوب الخراط قال قال لي أبو الحسين النوري: كان في نفسي من هذه الكرامات شيء وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت وعزتك لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا. قال فبلغ ذلك الجنيد فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الرقي يقول سمعت علي بن محمد بن أبان قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول: أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه. قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصى وإلا فهو قبيح.

стр. 414

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثني أحمد الحلفاي قال سمعت الشبلي يقول: أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك. أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب. وأخبرنا أبو الوقت نا أحمد بن أبي نصر نا الحسن بن محمد بن فوري قالا نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني يقول: دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معي إلى أن خرجنا من الدار مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي. نا محمد بن ناصر أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول: دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه. فقالوا: كيف تجدك يا أبا بكر؟ فأنشأ يقول: إن سلطان حبه … قال لا أقبل الرشا فسلوه فديتهما … لقتلي تحرشا قال ابن عقيل وقد حكي عن الشبلي أنه قال أن الله قال: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ والله لا رضي محمد ﷺ وفي النار من أمته أحد. ثم قال أن محمدا يشفع في أمته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد. قال ابن عقيل: والدعوى الأولى على النبي ﷺ كاذبة فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجار. كيف وقد لعن في الخمر عشرة. فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع. ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد ﷺ كفر لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل الجنة كان من أهل النار فكيف وهو يشيد

стр. 415

لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى. قال ابن عقيل: والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق. أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا جعفر بن أحمد ثنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف سمعت أبا الحسين بن سمعون سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبا العباس بن عطاء سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرأت القرآن فما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتى ابتلاه، فسألت الله تعالى أن يبتليني فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد. قال وذهب ماله، وذهب عقله، وذهب ولده وأهله. فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها. وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته: حقا أقول لقد كلفتني شططاحملي هواك وصبري أن ذا عجب قلت: قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء. وفي سؤال البلاء معنى التقاوى وذاك من أقبح القبيح. و- الشطط - الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغيير، أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا محمد بن الحسين السلمي سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري يقول: دعوني وبلائي، ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه. وأسجد له ملائكته، وأمره بأمره فخالفه، إذا كان أول الدن دردى كيف يكون آخره. قال وقال الحصري: كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول الشيطان حتى يحضر كلام الحق. قال المصنف ﵀: قلت، أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب. وأما الثاني فمخالف لما أمر الله به فإنه قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر نا عباد بن

стр. 416

إبراهيم النسفي ثنا محمد بن الحسين السلمي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول: قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها سموا الطبع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عن الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة. واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا وصولا والسؤال عملا. وبذأ اللسان ملامة وما هذا طريق القوم. وقال ابن عقيل: عبرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة، أوقات. وقالوا في المردان شب وفي المعشوقة أخت. وفي الحبة مريدة وفي الرقص والطرب وجد، وفي مناخ اللهو والبطالة رباط. وهذا التغيير للأسماء لا يباح. بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة قلت: قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة وإنما نذكر ههنا من أمهات الأفعال وعجائبها. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال: ذكر عن أبي علي الكريتي - وكان أستاذ الجنيد - أنه اصابته جنابة. وكان عليه مرقعة ثخينة. فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج وقال: عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي. فلم تجف عليه شهرا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز بن علي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا الخلدي ثني جنيد قال سمعت أبا جعفر ابن التكريتي يقول: أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء، أو تدخل حماما، والا اعبأ على نفسك. فقلت واعجبا أنا أعامل الله

стр. 417

تعالى في طول عمري. يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه، وأجد الوقوف والباطؤ والتأخر. آليت لا أغتسل إلا في نهر. وآليت لا اغتسلت إلا في مرقعتي هذه، وآليت لا أعصرنها وآليت لا جففتها في شمس. أو كما قال. قلت: سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة لابن التكريتي وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل. حكوه عنه ليبين فضله وذلك جهل محض لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل. وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء. ولا يجوز أن يعاقب نفسه فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب: إلقاؤها في الماء البارد، وكونه في مرقعته لا يمكنه الحركة فيها كما يريد. ولعله بقي من مغابنة ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة وبقائها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم. وكل هذا الفعل خطأ وإثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قال أخبرنا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أحلت زوجها أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها. فلما قال لها أحمد: رأيت منك عجبا، أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد. قالت: لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي. وكلما نظرت إليك رجعت إلي حظوظ نفسي. فلما أراد أحمد الخروج من عند أبي يزيد قال له: أوصني. قال: تعلم الفتوة من زوجتك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه سمعت أبا بكر الفازي (وفاز قرية بطرسوس) سمعت أبا بكر السباك سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يأمره به، فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس فقال: إن التنور قد سجرناه فما تأمرنا فما أجابه، فأعاد مرة أو مرتين فقال له الثالثة: اذهب واقعد فيه ففعل ذلك. فقال أبو سليمان: الحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء

стр. 418

آمره به فقام وقاموا معه فجاؤوا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش. قال المصنف ﵀: هذه الحكاية بعيدة عن الصحة، ولو صحت كان دخوله النار معصية. وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا بلى. قال: فاجمعوا حطبا فجمعوا ثم دعا بنار فأضرمها ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. قال فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا فرجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة بالمعروف». أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ أخبرني الحسن بن جعفر بن علي أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجزري قال: قال أبو الخير الدئيلي: كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت له: اعطيني المنديل الذي دفعته إليك. قال: نعم. فدفعه إليها، قالت: كم الأجرة. قال: درهمان. قالت: ما معي الساعة شيء، وأنا قد ترددت إليك مرارا فلم أراك وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى. فقال لها خير: إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمي بهما في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما. فقالت المرأة: كيف تأخذ من دجلة؟ فقال لها خير: هذا التفتيش فضول منك، افعلي ما أمرتك به. قالت إن شاء الله. فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا، وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهمان فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت، وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها. فقلت له: رأيت كذا وكذا! فقال: أحب أن لا تبوح به في حياتي. فأجبته إلى ذلك. قال المصنف ﵀: صحة مثل ذلك تبعد، ولو صح لم يخرج هذا

стр. 419

الفعل من مخالفة الشرع، لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة. وفي الصحيح أن النبي ﷺ «نهى عن إضاعة المال» ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله لا يكرم مخالفا لشرعه. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول: دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال: طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت. فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي أن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت. قلت: من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها من حقها من الراحة. وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فالزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع. قال: وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل: قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس لعود نفسه بالحلم. قال: وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا. قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها. وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم. وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه. وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك. وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان، وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم. وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا.

стр. 420

قلت: وإني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا. وكيف يحل رمي المال في البحر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. وهل يحل سب مسلم بلا سبب. وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج؟ وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف. أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال: كان رجل من أهل بسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد لا يفارقه. فقال له ذات يوم: يا أستاذ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة. فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة. قال: ولم يا أستاذ؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. فقال له: أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب؟ قال: نعم، ولكنك لم تقبل. قال: بلى، أقبل وأعمل ما تقول. قال أبو يزيد: اذهب الساعة إلى الحجام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة، واملأها جوزا واجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك يا صبيان، من يصفعني صفعة أعطيته جوزة. وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه. فقال: يا أبا يزيد سبحان الله، تقول لي مثل هذا، ويحسن أن أفعل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك سبحان الله شرك. قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها. فقال: يا أبا يزيد، هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله. فقال أبو يزيد: ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك. قال: لا أطيق هذا. قال: إنك لا تقبل. قال المصنف ﵀: قلت، ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك، والمنع منه، وقد قال نبينا ﵊: «ليس للمؤمن

стр. 421

أن يذل نفسه» ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة. وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله» كل هذا للإبقاء على جاه النفس. ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر. وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال: قلت لأبي يزيد: هل سألت الله تعالى عن المعرفة، يقال عزت عليه أن يعرفها سواه. فقلت: هذا إقرار بالجهل، فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهلة وإن تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به. وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة. قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات. وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي. قال أبو حامد: فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام. قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب

стр. 422

صلاح القلوب بفعل المعاصي، وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة. وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك، ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن بكويه قال: سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول: كان علي بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته. قلت: واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع. وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس. والشرع لا ينكر عليه هذا. وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه. وقد جاء في الحديث «الأكل في السوق دناءة» فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه. فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس. وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين. وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بامرأة فأحبلها. فقيل له: لم تعزل. فقال بلغني أن العزل مكروه.

стр. 423

فقيل له: وما بلغك أن الزنا حرام. وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى اصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير. ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء، فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء، فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال: يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي، قد أماتني موتات وقال لي مالك منا إلا الذكر الذي لسائر الناس. وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي. فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل. فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا: السباع تدخل القرية بالليل. وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين. فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول: أين أنت يا سبع. فما شككنا أن الأسد قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب. فلما كان قريب الصبح. جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه. فسألته أي شيء كان ذلك الحال. قال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه. قلت: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين. وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين، وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة.

стр. 424

ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع. وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع؟ أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها. ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال: رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخلق أوحشتني، ومن النفس والمال والدنيا افقرتني. ويقول: ما معك إلا علم وذكر. قال فقلت له: إن رضيت وإلا فانطح برأسك الحائط. أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له، وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول: جثتي - تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا. قال السراج: فقال بعض الناس: لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له. فقلت: إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله : ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قلت: لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل. وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد، وجعله قواما للآدمي، والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح، فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمة الواضع، واعتذار السراج له أقبح من فعله. لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص، ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق، ويظن بذلك جواز الفساد، والفساد لا يجوز في شريعة، وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا. وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع: قال أبو جعفر الدراج: خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه

стр. 425

ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا، فلما رجع قلت له: في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع، فقال: أخذته؟ رده، ثم قال لي بعد ذلك: خذه واشتر به شيئا، فقلت له: بحق معبودك ما أمر هذه القطع؟ فقال: لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي، فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا. أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابم باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه. قال المصنف ﵀: قلت، لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل، ولو قدرنا جوازها، فاين أنفة النفس من ذل الطلب؟. أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم». قال أحمد: وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». قلت: انفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى». - والمرة - القوة، وأصلها من شدة فتل الحبل. يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله. فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب. قال الشافعي ﵁: لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب.
следующие страницы →