← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وعندهما عقدُ لؤلؤٍ لم يُرصَّع حُلِيٌّ، وبه يُفْتَى. ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ فوقه، حَنِثَ، لا مَنْ جَعَل فوقه فراشًا آخر، أو حَلَفَ لا يَجلِسُ على الأرض، فجلس على بِساطٍ، أو حصيرٍ. ولو حالَ بينَه وبينها لباسه حنِثَ، كمن حَلَفَ لا === (وعندهما) وكذا عند مالك والشافعي وأحمد (عقدُ لؤلؤٍ) وياقوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وزُمُردٍ وبَلَخْش (١) (لم يُرصّع) أي لم يركب بذهب وفضة (حُليّ) يحنث بلُبْسه إذا حلف لا يَلبَس حُلياً (وبه يُفْتَى) لأن التَّحلي به على الانفراد معتاد، ولقوله تعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجونَ منه حِلْيَةً تلبَسُونَها﴾ (٢) . وإنما يُستخرج من البحر اللؤلؤ. وقال أبو حنيفة: لا يَحنث، لأن العادة لم تَجْرِ بالتحلِّي باللؤلؤ ونحوه إلا مرصَّعاً، والمعتبر في اليمين العُرف لا الحقيقة. ولعل هذا اختلافُ عصر وزمانٍ لا حجةٍ وبرهان، فكان في زمانه لا يُتَحلَّى به إلا مرصعاً، وفي زمانهما تُعورِف التحلي بالسَّاذج (٣) منه كالمُرَصَّع، ولهذا كان المفتى به قولهما. (ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ) بكسر القاف: سِتْرٌ فيه رقم ونقش (فوقه) أي فوق الفراش (حَنِثَ) لأن القِرام تبعٌ للفِراش، فيُعدّ بنومه عليه نائماً على الفِرَاش (لا) يحنثُ (مَنْ جَعَل فوقه) أي فوق الفراش (فراشاً آخر) لأنه لا يعد نائماً على الفراش الأسفل. وقال أبو يوسف: يحنَث، وبه قال الشافعي، لأنه نائم عليهما حقيقة وعرفاً. وصار كمن حلف لا يكلم فلاناً فسلَّم على جَمْع هو فيهم. ولنا أنّ مثل الشيء لا يكون تبعاً له، فانقطعت النِّسبة عن الفراش الأول، فكان نائماً على الثاني، وصار كمن فرش ثوباً على فراش حرير، فقعد عليه حيث لا يحرم عليه، ويؤيده أيضاً قوله: (أو حَلَفَ) أي ولا يحنَث مَنْ حلف (لا يَجلِسُ على الأرض فجلس على بِساطٍ أو حصيرٍ) فوقها، لأنه لا يُسمى جالساً على الأرض عادة (ولو حالَ بينه وبينها لباسه حنِثَ) لأن لباسَه تبع له، فلا يعتبر حائلاً (كمن حَلَفَ لا

стр. 1017

يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاط فوقه، بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه. ولا يفعلْه يقعُ على الأبد، ويفعَلْه على فعله مرةً. وبـ: عليَّ المَشي إلى بيتِ الله، أو إلى الكعبةِ يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشيًا، ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ، ولا شيء بـ: عليّ الخروجُ أو الذهابُ إلى بيتِ اللهِ، === يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاطٍ فوقه) فإنه يحنث، لأنه يُعدّ جالساً على السرير عادة (بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه) فإنه لا يحنَث، لأنه لا يُعد جالساً على السرير الأسفل (ولا يفعلْه يقعُ على الأبد) أي آخر عُمُرِه، لأنه نفى الفعلَ مطلقاً، فيقتضي عدمه في جميع العمر، ضرورة عموم النفي، إذ وجوده في جزء منه ينافي العدم في جميعه. (ويفعَلْه) يقع (على فعله مرةً) واحدةً، لأن الفعل يقتضي مصدراً مُنكّراً، والنَّكرةُ في النَّفي تعم، وفي الإثبات تخص. والواحد هو المُتَيقَّن لعدم اقتضائه التكرار. وإنما يحنث بوقوعِ اليأس عن الفعل، وذا بهلاك الفاعل أو محل الفعل (وبـ: عليَّ المَشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة) أو إلى مكة، وقول الشارح: أو بمكة ليس في محله: ولعله بكة فتصَحَّفَت على النُّساخ (يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشياً) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. والقياس أن لا يجب عليه شيء لأنه التزم المشي وهو ليس بقُربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم. ووجه الاستحسان أن هذه العبارة كنايةٌ عن إِيجاب الإحرام شرعاً، فصار كما لو قال: عليّ الإحرام بحجةٍ أو عُمرةٍ ماشياً. (ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ) لما روى الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد عن الحسن، عن عِمران بن حُصين قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبةً إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلة، وقال: «إن من المثلة أن ينذرَ الرجلُ أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحجَ ماشياً فليُهد هدياً. وروى أحمد في «مسنده» عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسأل النبي ﷺ فقال: «إن الله غنيٌ عن نذر أختك لتركب وتلهد بدنة». وقد سبق تحقيق هذا البحث في كتاب الحج. (ولا شيء بـ: عليّ الخروج أو) عليّ (الذهاب) أو السفر، أو المُضي، أو السير (إلى بيت الله) باتفاق أئمتنا، لأن التزام الإحرام بهذه الأَلفاظ غير متعارف. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية أشْهَب عن مالك: يلزمه الحج والعمرة كما في: عليّ

стр. 1018

أو المَشْيُ إلى الحرامِ، أو المسجدِ الحرامِ، أو الصَّفَا والمَرْوةِ. ولا يَعتِق عبدٌ قيل له: إن لم أحجّ العامَ فأنت حُرٌّ، فَشَهِدا بِنَحْرِهِ بكوفة. حَنِثَ بصومِ سَاعةٍ في: لا يصوم، === المشيُ إلى مكة، (أو المشي) أي ولا شيء بـ: عليّ المشي (إلى الحرام أو) إلى (المسجد الحرام) عند أبي حنيفة، لأن التزام الإحرام غير متعارف بهذا الكلام. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: يلزمه الحج والعُمرة، لأن الحرم والمسجد الحرام شامل للبيت، فكان ذكرُه كذكرِهِ. (أو) إلى (الصفا والمروة) أو بقعة أخرى من الحرم كالمُزدلفة، وعرفات ومنى باتفاق أئمتنا. وبه قال مالك لما تقدم. وقال الشافعي وأحمد وأَصْبَغ من المالكية: يلزمه المشيُ إليها بحج أو عمرة. ولو نَذَر المشي إلى مسجد النبي ﷺ أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وهو قول الشافعي في «الأم». وقال مالك وأحمد: ينعقد نذره، وهو قول الشافعي، لقوله ﷺ «لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (١) . ولنا أنهما لا يُقصدَان بالنُّسك، فأشبها سائر المساجد. والمقصود من الحديث تخصيص القُربة وفضيلتها في هذه المساجد. (ولا يَعتِق) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (عبد قيل له) أي قال السيد له: (إن لم أحجّ العامَ فأنت حر) ثم قال السيد: حججت، وأنكر العبد وأتى بشاهدين (فَشَهِدا بِنَحْرِهِ) أي بأن السيد نحر أضحية (بكوفة) وقال محمد: يعتق، لأن هذه شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحققُ الشرط. ولهما: أن هذه شهادة على النفي، فلا تقبل، كما شهدا أنه لم يحج. (وحَنِثَ بصومِ سَاعةٍ) ثم أفطَرَ (في: لا يصوم) لوجود الشرط وهو الإمساك عن المفطرات مع النية على قصد التقرب، فإذا أصبح صائماً فقد وجد ذلك. ولذا يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر. ووجود الإفطار بعد ذلك لا يرفع الحِنْث المتقرر. وفي «شرح الوقاية»: فإن قلت: الصوم الشرعي: هو صوم اليوم، واللفظ إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي يُحمل على المعنى الشرعي. قلت: الشرع قد أطلقه على

стр. 1019

لا لو ضمّ يومًا أو صومًا حتى يَتمّ يومًا. وبركعةٍ في: لا يُصلي، لا بما دونها، ولو ضمَّ صلاةً فَبِشَفعٍ، لا بأقل. وبولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا. وعَتَقَ الحيُّ في: إن ولدْتِ فهو حرٌ، إن ولدْتِ ميتًا ثم حيًّا. وفي: لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ وقضاه زُيُوفًا، أوَ نَبَهْرَجةً، === ما دون اليوم في قوله تعالى: ﴿أتمو الصيامَ إلى الليل﴾ (١) . انتهى. ولا يخفى أن الصيام الشرعي لكونه مغياً إلى الليل لا يتم بدون اليوم. (لا) أي لا يحنث (لو ضمّ يوماً أو صوماً) أي بأن حَلَفَ لا يصومُ يوماً، أو لا يصومُ صوماً (حتى يتم يوماً) لأنه في الأول ذكر اليومَ وهو صريح في تقدير المدة، وفي الثاني أكَّد الصومَ، ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم المعتبر شرعاً، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. (و) حَنِثَ (بركعة في: لا يصلي) واختلف المشايخ فقال بعضهم: يحنث بالسجدة، وقال بعضهم: برفع الرأس منها (لا بما دونها). والقياس أن يَحنَثَ بالافتتاح اعتباراً بالشروع في الصوم. ووجه الاستحسان أن الصلاة عبارة عن: القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، فما لم يتحقق كلها لم يُسم صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى رُكوعاً ولا سجوداً، وإنما يقال: صلى ركعة. (ولو ضم صلاة) بأن حَلَفَ لا يُصلي صلاة (فَبِشَفعٍ) يحنث (لا بأقل) لأنه أكّد الصلاة، فتنصرف إلى الكاملة، وأقلها عندنا ركعتان للنهي عن البُتيراء. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحنث بركعة، لأن الركعة الواحدة صلاة عندهما، وقالا أيضاً: يحنث بالشروع، لأنه يُسمى مصلياً. (و) حنث (بولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا) لأن الولد الميْتَ ولدٌ حقيقةً وعرفاً وشرعاً، ولهذا تنقضي به العدة، ويكون الدم الذي بعده نِفاساً، وتصير الأمة به أمَ ولدٍ (وعَتَقَ الحي) عند أبي حنيفة (في: إن ولدْتِ فهو حرٌ إن ولدْتِ ميتاً ثم حيًّا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت، فتنحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميتَ ليس بمحلٍ للحُرية وهي الجزاء. ولأبي حنيفة ﵀: أنه لما جعل الحريةَ وصفاً للمولودِ، تقيد اليمينُ بولادةِ الحيّ، نظراً إلى هذا الوصف، إذ الميت لا يقبله. وأن الحياة تثبتُ فيه مقتضىً، صوناً لكلام العاقل عن اللغو، ألا ترى أنه لو قال: إن ولدْتِ ولداً ميْتاً فهو حر كان لغواً. (وفي لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ) كلمة «في» متعلقةٌ بالفعل المتأخِرِ، وهو قوله الآتي: «بَرَّ» (وقضاه زُيُوفَاً أو نَبَهْرَجةً) الزُّيوف: ما زيّفه بيت المال، ولكنه يروج فيما بين

стр. 1020

أو مُستَحقَّة، أو باعه به شيئًا وقبضَه، بَرَّ. ولو كان سَتُّوقة أو رَصَاصًا أو وهب له لا. وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهمًا دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقًا، لا بِبَعْضِه دُوْنَ باقيه === التجار. والنَّبَهْرجة: ما يُبهرِجُه التُّجار. والمُسامحُ منهم يتجوَّزه، والمُسْتقضي منهم لا يتجوَّزه لغشٍ فيه. (أو) قضاه (مُستحقة) للغير (أو باعه) أي المديون الدائن (به) بدينه (شيئاً وقبضَه) أي الدائنُ ذلك الشيء (بَرَّ) في يمينه، لأن الزُّيوفَ والنَّبَهْرجةَ دراهم حقيقة، إلا أنها معيبة، والعَيْب لا يُعدِمُ الجنسية، ولهذا لو تجوّز بهما صار مُستوفياً، وكذا لو تجوّز بهما في رأس مال السَّلَم وبدل الصرف يجوز، ولولا أنهما من جنس حقه لما جاز، ولأن قبضَ الدراهمِ المُستحقة صحيح، حتى لو أجازه المستحق في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز، ولأن قضاء الدَّين طريقه المُقاصّة، وقد تحققت بمجرد البيع. وهذا لأن الديون تُقضى بأمثالها. وقال الشافعي: يبر في النَّبهرجةِ والزُّيوفِ، ولا يبر في البيع. وقال مالك: لا يبر فيهما، ويبر في البيع إن كان بقيمة حقه، ويحنثُ إن كان بأقل منها. (ولو كان) الذي قضاه بأن ظَهَرَ المدفوع (سَتُّوقة) بفتح السين، أردأ من النَّبهرجة (أو رُصاصاً) بضم أوله (١) (أو وهب له) أي وهب الدائنُ الدين للمديون (لا) يبر، لأن السَّتُّوقة والرُّصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تَجَوَّز بهما لم يجز إلا برضا الآخر بطريق الاستبدال. ولو تَجَوَّز بهما في الصرف والسَّلَم. لا يجوز لحرمة الاستبدال فيهما، حتى لو افترقا يَبطُل العقد والتَّجوُّز لغوٌ، لأن القضاءَ فعل المديون، والهبة إسقاط من رب الدين، فلا قضاء. (وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهماً دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقاً) لوجود شرط الحِنْثِ، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة، لأنه أضاف القبضَ إلى دينٍ مُعرَّف بالإضافة إليه، فيتناول كله (لا ببعضه) أي لا يحنثُ بقبض بعضِ دينه (دُوْنَ باقيه) حتى يقبِضَه، لعدم وجود الشرط، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة إذا لم يَقبض باقيه، ووجود الشرط إذا قبض باقيه، فإذا قبضَ بعضه في أول النهار وبعضه في آخره حِنث

стр. 1021

أو كُلّه بوزنين لم يَتَخلَّلهما إلا عَمَلُ الوزن. ولا في إن كان لي إلا مئة، فكذا ولم يملك إلا خمسين، ولا في لا يَشَمُّ ريْحَانًا إن شمّ وردًا أو ياسمينًا والبَنَفسج والورد على الوَرَقِ. === لوجود الشرط (أو كله) أي ولا يقبض كله (بوزنين) أو أكثر (لم يتخللهما) عمل (إلا عمل الوزن)، وقال زفر: يحنث في هذه الصورة لوجود التفريق حقيقةً. ولنا أن هذا لا يُعد تفريقاً في العادة، فصار كمن حلف لا يَلبَسُ هذا الثوب، وهو عليه، فنزعه في الحال، ولأنه قد يتعذرُ وزنُ الكلِّ دُفعة واحدة، فيصير هذا القَدْر مستثنى من اليمين. (ولا) يحنث (في إن كان لي إلا مئة) أو غير مئة، أو سوى مئة (فكذا) أي فعبده حر مثلاً (ولم يملك إلا خمسين) أو ما هو دون المئة، لأن المقصود من هذا اليمين في العُرْف نَفْيُ ما زاد على المئة، فلا يحنث بِمِلكها أو بِمِلك بعضها. (ولا) يحنث (في لا يَشَمُّ ريحاناً إن شمّ ورداً أو ياسميناً) لأن الرَّيحان اسم لما تكون لساقه رائحة طيبة، والورد لما تكون لورقه رائحة طيبة لا لساقه، والياسمين ليست لساقه رائحة طيبة كذا في «المبسوط». وقيل: «لا يحنث بشم الورد والياسمين لأنهما من جملة الأشجار. والريحان اسم لما ليس له شجر، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿والنَّجمُ والشَّجرُ يسجدان﴾ إلى قوله: ﴿والحبَّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَان﴾ (١) فقد جعل الرَّيحان غيره، فعرفنا أن ما له شجر ليس بريحان وإن كان له رائحة طيبة. (وكذا في العرف لا يُطلق اسم الرَّيحان على الورد والياسمين، وإنما يُطلق على ما نبت من بَذْر وله رائحة طيبة مما لا شجر له) (٢) . (والبَنَفسج) بفتح الباء (والورد) محمولان (على الوَرَقِ) لا على دهنهما، حتى لو حلف لا يشتري بَنفسجاً أو ورداً ولا نية له فاشترى ورقَهما يحنث، ولو اشترى دهنهما لا يحنث للعرف. وقيل: يختص الحِنْثُ بشراء دُهنه، والياسمين كالورد لا يتناول الدُّهن، لأن دُهنه لا يُسمى ياسميناً بل زنبقاً.

стр. 1022

فَصْلٌ في حَلِفِ القَوْلِ حنث في: لا يكلِّمُه إن كلّمه نائمًا، بشرطِ إيقاظِه === فصلٌ في حَلِفِ القول (حنِث في: لا يكلِّمُه إن كلّمه نائماً) وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية (بشرط إيقاظه) أي بتكليمه، لأن النائم كالغائب، فإذا لم ينتبه كان بمنزلة من ناداه من بعيد، بحيث لا يَسمعُ صوتَه فلا يحنث، وإذا انتبه علمنا أنه أسمعه صوتَه، فيكون مكلِّماً له، فإن ناداه نائماً بحيث يسمع لو كان منتبهاً لا يحنث في الأظهر. وقيل: هو على الخلاف، فعند أبي حنيفة يحنث لأنه يجعلُ النائمَ كالمنتبه، وعندهما لا يحنث. ولو كتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً لا يحنث، وبه قال الشافعي في الجديد واختاره المُزَنيّ، لأنه لا يُسمى كلاماً في العُرف. وقال مالك وأحمد والشافعي في القديم: يحنث، لأن الله تعالى استثنى الرسالة من الكلام فقال: ﴿وما كان لبَشرٍ أن يُكلِّمَه الله إلا وحياً أو مِنْ وراء حجابٍ أو يُرسلَ رسولاً﴾ (١) والاستثناء إخراج من الجنس. وأُجيبَ بأن مبنى الأَيمان على العرف. والآية جاز أن يكون الاستثناء فيها منقطعاً. ولو ناداه المحلوفُ عليه فقال: لبيك، يحنث. ولو سلّم في الصلاة والمحلوف عليه معه فيها، قيل: إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، وإن كان على يساره يحنث (٢) ، لأن الأولى واقعة في الصلاة، بخلاف الثانية. وقيل: لا يحنث في المسألتين وهو الصحيح، لأنه من أفعال الصلاة وليس بكلام عُرفاً. وإن كان الحالف مقتدياً فعلى هذا التفصيل عندهما. وعند محمد يحنث، سواء كان على يمينه أو يساره، بناء على أنه يخرج بسلامِ الإمام عنده، وبه قال مالك. والأظهر عند الشافعي أنه يحنث بالسلام في الصلاة على أي حال كان إلا أن لا ينويه. ولو قرع المحلوف عليه الباب فقال (الحالف (٣) ): من هذا، يحنث. ولو فتح عليه في الصلاة لا يحنث، وخارجها يحنث، كذا أطلقوه. والظاهر أنه يُقيد بما إذا نوى الفتح دون القراءة.

стр. 1023

وفي: لا يُكلمه إلا بإذنه، إن أذِنَ ولم يعلم به فكلَّمه. وفي: لا يكلمُ صاحبَ هذا الثوب، فَبَاعه وكَلَّمه. وفي: لا يُكَلِّم هذا الشاب فكلَّمه شيخًا. وفي: هذا حُرٌّ إن بِعْتُه أو اشتريته، إن عَقَد بالخِيار === (و) حَنِثَ (في لا يُكلمه إلا بإذنه، إن أذِنَ ولم يعلم به فكلَّمه) وهو قول مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي، لأن الإذن من الأذان وهو: الإعلام لغةً، قال الله تعالى: ﴿وأَذَانٌ من اورسولهِ﴾ (١) أي إعلام. أو من الوقوع في الإذن، وكل ذلك لا يتحقق إلا بعد العلم. وقال أبو يوسف في رواية: لا يحنث، وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأن غرضه أن لا يكلِّمَه إلا برضاه (٢) فرضي ولم يعلم الحالف، فكلمه لا يحنث، فكذا هذا. وأُجيب بأن الرضا من أعمال القلب فيتم به، ولا كذلك الإذن. (و) حَنِثَ (في: لا يكلمُ صاحبَ هذا الثوب، فَبَاعه وكَلَّمه) لأن الإنسان لا يُعادي لمعنى في ثوبه، فتعلقت اليمين به. وصار كما لو قال: لا أكلم هذا وأشار إلى صاحب الثوب، كذا قاله الشارح. وفيه أن الإنسان قد يعادي لمعنى في ثوبه، بأن لبس مغصوباً أو حريراً أو نحو ذلك، إلا أنه يحنث، لأنه ببيعِهِ لا يخرجُ عن كونِهِ صاحبَ الثوب في الجملة، على أن مَبْنَى الأيمان على عُرْف الأزمان. (و) حَنِثَ (في: لا يكلم هذا الشاب فكلَّمه) وقد صار (شيخاً) أو كهلاً، لأن الوصف المذكور ليس بداعٍ إلى اليمين، ولا يَصلُح مانعاً من الكلام، فيلغو ويتعلق اليمين بالذات. (و) حَنِثَ (في هذا حر إن بعته) مشيراً إلى عبده، فعتق ببيعِهِ بيعاً فاسداً، أو موقوفاً، أو بالخيار لنفسه، وبه قال مالك والشافعي في وجه، لوجود شرط العتق الذي هو البيع. وقال أحمد: لا يعتق. وأما إن باعه بيعاً لازماً أو باطلاً لم يعتق. أما في الباتِّ فلأنه كما تم البيع زال الملك، (والجزاء لا ينزل في غير الملك) (٣) ، وأما في الباطل فلعدم الشرط وهو البيع، إذ الباطل ليس ببيع. (أو) هذا حرٌّ إن (اشتريته، إن عقد) شِرَءاه (بالخيار) لنفسه، وبه قال أحمد والشافعي في وجه. وقال مالك: لا يعتِق وهو

стр. 1024

وفي: إن لم أَبِعْه فكذا، فأعَتَق أو دبَّر. وبِفِعْل وكيلِهِ في حَلِفِ النِّكاح، والطَّلاق، والخُلع، والعِتقِ، والكتابةِ، والصُّلْحِ عن دمِ عمدٍ، والهبةِ، والصَّدقةِ، والقرْضِ، والاستقراض، والإيداعِ، والاستيداعِ، والاستعارة، والإعارة، والذَّبْح، وضَرْب العبد، وقضاءِ الدين وقبضِه، والبناءِ، والخياطة، والكِسوة، والحمل، لا في البيع والشراء، والإجارةِ، والاستئجارِ، والصُّلحِ عن مال، والخُصومةِ، والقِسمةِ، وضَرْب الولد. === وجه في مذهب الشافعي. (و) حَنِثَ (في إن لم أبعه فكذا، فأعتق أو دبَّر) لأن الشرط قد تحقق وهو عدم البيع لفوات محله، كما لو مات الحالف أو العبد، ولا خلاف فيه على الصحيح. (و) حَنِثَ (بفعل وكيلِهِ في حَلِفِ النكاح، والطلاق، والخُلع، والعِتقِ، والكتابةِ، والصلحِ عن دمِ عمدٍ، والهبةِ، والصدقة، والقرْضِ، والاستقراض، والإيداعِ، والاستيداعِ، والاستعارة، والإعارة، والذبح، وضرب العبد، وقضاءِ الدين وقبضه، والبناءِ، والخياطة، والكِسوة، والحمل) لأن ما كان من هذه الأشياء حكمياً أي غير حسي، كان الوكيل فيه سفيراً ومعبِّراً، ولذا لا يُستغنى عن إضافتها إلى الموكِّل، ولو باشَرَه بغير إِذنه لا ينفذ عليه، فصارت مباشرة الوكيل كمباشرته. وما كان منها حسياً كذبح الشاة وضَرْب العبد، فإن المالك له ولاية ذلك ومنفعته راجعةٌ إليه، فيُجعل مباشِراً، إذ لا حقوقَ لهذا الفعل ترجع إلى المأمور. ولو قال الحالف في الحكمي: نويت أن لا أفعل ذلك بنفسي صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر وهو العموم. ولو قاله الحالف في الحسي صدق دِيَانةً وقضاءً، لأن النسبة إلى الأمر باعتبار السبب (١) مجاز، فإذا نوى الفعل بنفسه فقد نوى حقيقة كلامه. (لا في البيع) أي لا يحنثُ بفعل وكيله في حلف البيع (والشراء، والإجارةِ، والاستئجارِ، والصُّلحِ عن مال، والخُصومةِ، والقِسمةِ، وضرب الولد) لأن الفعل لم يوجد من الموكل حقيقةً ـ وهو ظاهرٌ ـ ولا حكماً، ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، بل إلى الوكيل. فلو قال: نويت أن آمر به غيري حَنِثَ بالتوكيل أيضاً، لأنه شدّد على نفسه. ولو كان مِثلُ الحالف لا يُباشر هذه الأشياء يحنث بالأمر، لأن اليمينَ يتقيد

стр. 1025

ولا في: لا يتكلمُ فقرأ القرآنَ، أو سبَّح، أو هَلَّل، أو كَبّر في صلاِته أو خارجها. ويوم أُكَلِّمُه على المَلَوين. وصحَ نِيَّةُ النهار، وليلة أُكَلِّمُه على الليل. وإلا أنْ للغايةِ كحتّى، === بالعرف وبمقصودِ الحالف. والفرق بين ضرب العبد وضرب الولد أنّ الضربَ فعلٌ حِسيٌ لا يحكم بنقله عن الوكيل إلى الموكِّل إلا إذا صح التوكيل. وصحة التوكيل تكون في الأموال، فيصح في العبد دون الولد، ألا ترى أنَّ من حلف لا يضرب رجلاً حراً، فأمر به فضُرِبَ لا يحنث، لأنَّه لا يَمْلِكُ ضربه، فلا يصحُ أمره، إلا أن يكون الآمر قاضياً أو والياً، لأنهما يملكان ضَرْب الأحرار حداً أو تعزيراً. (ولا) يحنث (في) حلفه (لا يتكلمُ فقرأ القرآن، أو سبح، أو هلل، أو كبر في صلاته) اتفاقاً (أو خارجها) وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده وقول أحمد، لأنه لا يُعد متكلماً في العُرف بل قارئاً. والقرآن كلام الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿حتى يسمعَ كلامَ الله﴾ (١) أو مسبحاً أو مهللاً، أو مكبِّراً. ولا في الشرع، لقوله ﷺ «إنَّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنّ مما أحدثَ أنْ لا يُتَكلَّم في الصلاة». متفق عليه. واختار القُدُوري: أنه إذا قرأ في الصلاة لا يحنث، وإذا قرأ خارجها يحنث. وقال الشافعي: لا يحنث بقراءة القرآن في الصلاة وخارجها، ويحنث بالتسبيح، والتهليل، والتكبير في الصلاة وخارجها. (ويوم أُكَلِّمُه) محمولٌ (على المَلَوين) أي الليل والنهار لما تقدم في كتاب الطلاق من أن اليوم إذا قُرِن بغير ممتد يُراد به مطلق الوقت، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يُولِّهم يومئذٍ دُبُرَه﴾ (٢) (وصحَ نِيَّةُ النهار) دِيَانةً وقضاءً، لأنه نوى الحقيقة المستعملة. وعند أبي يوسف: لا يصح قضاءً، لأنه نوى التخصيص في كلامه، وفيه تخفيفٌ عليه. (وليلة أُكَلِّمُه على الليل) خاصة، لأن الليل ضد النهار، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي جَعَلَ اللَّيْل والنَّهار خِلْفَةً﴾ (٣) والنهار مختصٌ بزمانِ الضوء، فيكون الليلُ مختصاً بزمان الظلمة. (وإلا أنْ للغاية كحتّى) لأن حقيقة «إلا» للاستثناء وهو متعذر فيها هنا مع أن لعدمِ مجانسةِ ما بعدها لما قبلها، وبين الاستثناء والغاية مناسبة من حيث إِنْ ما بعدهما مخالفٌ لما قبلهما.

стр. 1026

ففي: إن كلَّمتُه إلا أنْ يَقْدُمَ زيدٌ، أو حتى، حَنِثَ إن كلَّمه قبل قُدُومِهِ. وفي: لا يُكلِّم عبدَه أو امرأته أو صديقَه، أو لا يدخل دَارَه إن زالت إضافَتُه وكلّمَه، لا يحنَث في العبد. أَشار إليه بهذا أولًا، وفي غيره إن أشار بهذا حَنِثَ، وإلا فلا. وحينٍ وزمانٍ بلا نية نِصفُ سَنة، نَكَّرَ أو عَرَّف === (ففي إن كلَّمتُه إلا أنْ يقدم زيد أو حتى) يقدم زيد (حَنِثَ إن كلَّمه قبل قُدُومِهِ) لا إن كلَّمه بعد قدومه، لأن اليمينَ باقيةٌ قبل الغاية ومنتهية بعدها (وفي لا يكلم عبده) أي عبد فلان أو عبد نفسه (أو امرأته أو صديقه) بخلاف قوله: زوجة فلان أو صديقه كما في «المبسوط»، (أو لا يدخل داره) أو لا يأكل طعامه، أو لا يلبَس ثوبه، أو لا يركب دابته (إن زالت إضافته) ببيعِ العبد والدارِ ونحوهما، وبطلاق المرأة، وعداوة الصديق (وكلّمَه، لا يحنَث في العبد) ونحوه مما هو مُشتملٌ على إضافة مِلكٍ، كالدار في لا يدخل داره، والطعام في لا يأكل طعامه. (أَشار إليه بهذا أولاً) لأن شرط الحِنث كلامه لعبد مملوكٍ لمن أضيف إليه ولم يوجد. أما إذا لم يُعيِّن العبد بإشارته أو غيرها فظاهر وهو وفاقاً، وأما إذا عَيَّنه فلأَن العبد لسقوط منزلته لا يُعادى لذاته، بل لِمَنْ أضيف إليه، فتكون الإضافة فيه معتبرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزُفَر: يحنث في المعيَّن، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الإشارة لقطعها شركة الأغيار أبلغ من الإضافة، فاعتبرت ولغت الإضافة، وانعقدت اليمينُ على ذات العبد. (وفي غيره) أي وفي غير العبد مما هو مشتمل على إضافة نسبة كامرأته وصديقِهِ (إن أشار بهذا) أو بهذه أو عَيّن (حَنِثَ) لأن الحرَ يُهجر لذاته (وإلا) أي لم يشر ولم يُعين (فلا) أي فلا يحنث، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يحنث. (وحينٍ وزمانٍ بلا نية نِصفُ سَنة) سواء (نَكَّرَ) بأن قال: لا أكلمُه حيناً أو زماناً (أو عَرَّف) بأن قال: لا أكلمُه الحين أو الزمان، وبه قال أحمد. وقال مالك: سنة. وقال الشافعي: أدنى مدة، وهو ساعة، لأنه المُتيقَّن. ولنا أن الحين يطلق على الساعة، قال الله تعالى: ﴿فسبحانَ احِينَ تُمسونَ وحينَ تُصبحونَ﴾ (١) (وبه أخذ الشافعي) (٢) . وعلى أربعين سنة، قال الله تعالى: ﴿هل

стр. 1027

ومعها ما نوى. والدَّهْر لم يُدْر مُنكَّرًا، وللأبد معرَّفًا، وأَيام مُنكَّرة ثلاثةٌ، وأيام كثيرة، والأيام، والشهور عشرة. وفي: أَوّلُ عبدٍ أشتريه حرٌّ، إنْ اشترى عبدًا عتَقَ، وإن اشترى === أَتَى على الإنسانِ حينٌ من الدَّهر﴾ (١) والمراد بالإنسان آدم، وبالحين أربعون سنة، وهي مدة كونِه مُلقى بين مكة والطائف، حال كونه من طين إلى أن تنفخ فيه الروح، وفسره بعضهم بِسَنة، وبه أخذ مالك. وعلى ستة أشهر. قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلها كلّ حين﴾ (٢) قال سعيد بن جُبير، وقَتَادة، والحسن، وهو رواية عن ابن عباس: هي النخلة تمكث من الأطلاع إلى الأصرام ستة أشهر، فحملناه عليه لأنه الوسط، فإِنَّ خيرَ الأمور أوسطها، والزمان بمعناه. (ومعها) أي ومع النية (ما نوى) مُنكَّراً أو معرَّفاً، لأنه نَوى محتملَ كلامه. (والدهر لم يُدْر) عند أبي حنيفة، أي تتوقف فيه حال كونه (مُنكَّراً) قال: لا أدري ماهو في حكم التقدير، لأن الدهر مخالف للحين والزمن، إذ مُعَرَّفِهِ يقع على الأبد، بخلاف الحين والزمان، فلم يلحق بهما قياساً. والعُرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿وما يُهلِكُنا إلا الدَّهر﴾ (٣) ، وقال ﷺ «لا تَسبُوا الدهر، فإِنَّ الله هو الدهر» (٤) أي خالقه فكان مجملاً، والتوقف في المجمل علامة كمال العلم (٥) . وعندهما: يحمل المنكر على ستة أشهر. وعند مالك: على سنة. وعند الشافعي: على أدنى مدة. (وللأبد) أي جميع العمر (معرَّفاً) باتفاق إذا لم يقترن بِنِيّة، لأنه تعالى قال: ﴿هل أتى على الإنسانِ حِيْنٌ من الدَّهر﴾ (٣) فقد جعل الحينَ جُزءاً من الدهر، فيبعد أن يُسوّى بينهما في التقدير. (وأَيام مُنكَّرة ثلاثة) لأنها أَقلّ الجمع المُنكَّر. ولو حلف لا يتزوج نساءً، ولا يشتري عبيداً يقع على الثلاثة بلا خلاف. (وأيام كثيرة، والأيام، والشهور) والسِّنون، والجُمع، والدّهور، والأزمنة (عشرة) عند أبي حنيفة. وعندهما: أيام كثيرة والأيام كلاهما سبعة، والشهور ستة، والسِّنون وغيرها للأبد. (وفي أول عبد أشتريه حر، إنْ اشترى عبدًا عتَقَ) وهو ظاهر (وإن اشترى

стр. 1028

عبدين ثُمَّ آخَر، فلا أصلًا، فإن ضُمَّ وحده عَتَقَ الثالثُ. وفي: آخِر عبدٍ، إن اشترى عبداً ومات لم يعتِق، فإن اشترى عبدًا ثم آخر، ثم مات عَتَقَ الآخَرُ يوم شَرَى من كلِّ ماله. وعندهما: يوم مات من ثُلُثه. ولا يصيرُ الزوج فارًا لو علَّق الثلاث به، خِلافًا لهما. وبـ: كلِ عبدٍ بشَّرني بكذا، فهو حرٌّ، عَتَقَ أوّلُ === عبدين) معاً (ثم آخر، فلا أصلاً) أي فلا يَعتِقُ واحدٌ منهما، لأن الأول اسم لمفرد سابق، وهو موجود في المسألة الأولى دون الثانية (فإن ضمّ) كلمة (وحده) بأن قال: أول عبد اشتريه وحده فهو حر، فاشترى عبدين معاً ثم آخر وحده (عَتَقَ الثالثُ) لأن معنى وحدَه منفرد، والثالثُ متصفٌ بهذه الصفة وهي الانفراد في الشراء. (وفي آخر عبدٍ) أشتريه فهو حر (إن اشترى عبداً ومات) المشتري (لم يعتِق) العبدُ لأنه ليس بآخر عبد، فإن الآخر لا بد له من سابق ولا سابق لهذا. (فإن اشترى عبداً ثم آخر، ثم مات) المشتري (عتق الآخر) لاتصافِهِ بالآخرية، لأن له سابقاً. وهذا الحكم ظاهرٌ، وإنما ذَكَرَه ليَبنِي عليه قوله: (يوم شَرَى) يعني أنَّ عِتقَه يكونُ من يوم الشراءِ، لاستناد العتق إليه (من كل ماله) إن كان الشراءُ في الصحة، وهذا عند أبي حنيفة. (وعندهما:) عتق (يوم مات من ثُلُثه) سواء كان الشراءُ في الصحة أو في المرض، لأن الآخرية ـ وهي الشرط ـ تثبت بعدم شراء غيره بعده. وهذا يتحقق عند موت السيد فيفتقر العِتقُ على زمان موته. ولأبي حنيفة أن الآخرية تثبت للثاني كما اشتراه، إلا أنّ هذه الصفة يعرض عليها الزوال، لاحتمال شراء غيره بعده، فإذا مات ولم يوجد من يُبطلها، تبين أنه كان آخراً منذ اشتراه، فيعتق من ذلك الوقت. (ولا يصيرُ الزوج فاراً) عند أبي حنيفة، فلا ترث منه (لو علق الثلاث به) أي بالآخر بأن قال: آخرُ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ ثلاثاً، فتزوج امرأة، ثم أخرى في صحته ثم مات، لأن طلاقها عنده يستند إلى وقت تزوُّجِها، ثم إن كان دخل بها فلها مَهر للدخولِ بشُبهة، ونِصْفُ مهر للطلاقِ قبل الدخول، وعدتها بالحِيَضِ، ولا حِدَاد عليها (خِلافاً لهما) فإنّ عندهما يكون الزوج فاراً، فترث منه، لأنها تطلق في آخر حياته، ولها مهر واحد، وتعتدُّ بأبعد الأجلين من عدة الطلاق والوفاة، ولو كان الطلاقُ رجعياً تعتدُّ بعدةِ الوفاة، وعليها الحِدَاد. (وبكل عبدٍ بشَّرني بكذا فهو حر) الباء في بـ: كل تتعلق بقوله: (عَتَقَ أول

стр. 1029

ثلاثةٍ بشَّروه، متفرقين، والكلُ إنْ بشروه معًا. وسَقَطَ بشراءِ أبيه لكفارتِهِ هي، لا بشراء عبد حَلَفَ بعتقه، ولا مستولدة بنكاح عَلَّقَ === ثلاثة) مِثْله، وكان الأظهر أن يقول: أول جماعة (بشَّروه) أي من عبيده (متفرقين) لأن البِشَارة اسم لخبر سار صدق، ليس للمبشَّر به علم، سُمِّي بذلك لأن بَشَرَة الوجه تتغير به، وتقيدت بالسَّار من العرف (والكلُ) عطف على الأول أي وعتقَ الكل (إنْ بشروه معاً) لتحقق البِشَارة منهم، قال الله تعالى: ﴿وبَشَّرُوه بِغُلامٍ عليمٍ﴾ (١) فنسبها إلى جماعة، ولو كان التعليق على الإِخبار مكان البِشارة بأن قال: كل من أخبرني، والباقي بحاله عتق الكل. وذلك لما رُوي أنه ﷺ مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن فقال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنْزِلَ، فليقرأ بقراءةِ ابن أم عبد» (٢) فابتدر إليه أبو بكر وعمر ﵄ بالبِشَارة، فسبق أبو بكر، فكان ابن مسعود يقول: متى ذكره: بشَّرني أبو بكر وأخبرني عمر. (وسَقَطَ بشراءِ أبيه لكفارتِهِ هي) أي كفارته، وهي فاعلُ سقط، فكان الأولى أن يقول: ويسقط بشراء إبيه كفارة ابنه، وكذا حكم كلِّ ذي رحمٍ محرمٍ منه. وقال زفر، ومالك، والشافعي، وأحمد: لا تسقط وهو القياس، وهو قول أبي حنيفة أولاً، فصاحباه معه في قوله الآخر. ووجهه أنَّ الشارعَ جعل شراء القريب إعتاقاً، لما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لن يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكاً فيشتَريْه فيعتِقَهُ»، وذلك لأنه ﷺ أخبر أن الابن قادرٌ على إعتاق الأب، فيكون قادراً تصديقاً له ﵊ فيما أخبر. ولا يقدِرُ على إعتاقه قبل الشراء، لعدم الملك ولا بعده، لأنه يَعتِقُ به عليه، فيكون نفس الشراء إعتاقاً، فإذا نوى بالشِّراء الكفَّارة يصير إعتاقاً عنها، فيصح ويجزيه، لأنه ﵊ لم يشترط غير الشراء، فإذا اشترى أباه بنية الكفارة كانت النية مُقَارِنَةً لعلةِ العتق، فيعتق عنها. (لا) أي لا تسقط (بشراء عبد حَلَفَ بعتقه) إذا نوى بالشراء كفارته، لأن النيةَ لم تَقترن بعلةِ العتق، وهي اليمين. (ولا) بشراء (مستولدة بنكاح) حال كونه (عَلَّقَ

стр. 1030

عِتْقها عن كفارته بشرائها. وتَعتِقُ بـ: إِنْ تسرَّيتُ أمةً فهي حرة، من تسرَّاها وهي مِلكه يومَ حَلَف، لا مَنْ شَرَاها فتسرَّاها. وَعَتَقَ بـ: كلّ مملوكٍ لي حرٌّ، أمهاتُ أولادِهِ ومُدَبَّرُوه وعبيدُه، لا مكاتَبُوه إلا بنيَّتِهم بـ: هذا حرٌ، أو: هذا وهذا لعبيده ثالِثُهم. وخُيِّرَ في الأُوْليين كالطَّلَاقِ. ولَامٌ دَخَلَ على فعل يقع عن غيره كبيعٍ، وشراءٍ، وإجارة، وخياطةٍ، وصياغة وبناء === عتقها عن كفارته بشرائها) بأن قال لأمة غيره التي استولدها بنكاحه: إنّ اشترَيتُك فأنت حرةٌ عن كفارة يميني، ثم اشتراها، فإنها تعتق لوجود الشرط، ولا يجزئه عن الكفارة، لأن حريتَها مستحقة بالاستيلاد، فلا تضاف إلى اليمين من كل وجه (وتَعتِقُ بـ: إِنْ تسرَّيتُ أمةً فهي حرة، مَنْ تسرَّاها وهي مِلكُه يومَ حَلَف) وبه قال مالك والشافعي وأحمد. ويثبت التَّسَري عندنا بالتحصين، وهو منعها من الخروج، وتبوئتها ليلاً مع الوطء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وفي وجه ثانٍ بالوطء مع الإنزال والتحصين، وفي وجه ثالث بالوطء وحده، وبه قال أحمد. وقال أبو يوسف: يشترط مع الوطء طلب الولد، حتى لو وطء وعزل عنها لا تكون سُرِّيَّة عنده. (لا مَنْ شَرَاها) بعد قوله: إن تَسرَّيتُ أَمة فهي حرة، (فتسرَّاها)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقال زُفَر: تعتق لأن التسري لا يصح إلا في المِلك فذِكرُ التسرَّي كذكره. (وَعَتَقَ بكلِ مملوكٍ لي حرٌّ أمهاتُ أولادِهِ ومُدَبَّرُوه وعبيدُه) لأنه تَمَلَّكَهم رقبةً ويداً (لا مكاتبوه) أي لا يعتق بكلِّ مملوكٍ لي حرٌّ مكاتبوه (إلا بنيتِهم) لأن مِلكَ المولى فيهم ناقصٌ، لخروجه عن ملكه يداً، فلا يدخلون في مطلق المملوك وهو الكامل إلا بالنية. (و) عتق (بهذا حرٌ أو هذا وهذا) بالواو (لعبيده ثالِثُهم) في الحال (وخُيِّرَ في الأُوْليين كالطلاق) بأن قال لنسائه: هذه طالق أو هذه وهذه، حيث تطلق الثالثة ويُخير في الأُوْليين، لأن الكلام لإيجاب الإعتاق في أحد الأوليين، وتشريكُ الثالث فيما سِيْقَ له الكلام، فصار بمنزلة أحدهما حر. وهذا، فالمعطوف عليه هو المأخوذُ من صدر الكلام لأحد المذكورين بالتعيين. (ولَامٌ دخل على فعل) أي تعلق بفعل (يقع عن غيره) أي غير فاعله، بأن كان مما يجري فيه النيابة والتوكيل، وهو كل فعل يُملك بالعقد (كبيع، وشراء، وإجارة، وخياطة، وصياغة) وفي نُسخة بالموحدة، وفي أخرى بالنون والعين المهملة (وبناء

стр. 1031

اقتضى أمْرَهَ لِيَخُصَّه به، فلم يحنَث في: إن بعتُ لك ثوبًا، إنْ باعَه بلا أمرِهِ، مَلَكَه أو لا. وإن دخل على عينٍ أو فعلٍ لا يقعُ عن غيره كأكل، وشُرب، ودخول وضرب الولد اقتضى ملكه، فحنِثَ في: إن بِعتُ ثوبًا لك، إن باعَ ثوبَه بلا أمره. وفي كل عِرْس لى فكذا، بعد قول عِرْسِه: نَكَحْتَ عليَّ، طلُقت هي، وصح نِيَّةُ غيرها دِيَانةً. === اقتضى) ذلك اللام (أمره) أي توكيله بالفعل (ليخُصَّه به) لأن اللام للاختصاص، وأقوى وجوهه المِلك، فإذا دخلت على الفعل أوجبت ملكَه، وذا بأن يفعله بأمره ليقع ذلك الفعل له (فلم يحنث في: إن بعتُ لك ثوباً، إنْ باعَه بلا أمرِهِ) من المخاطب سواء (مَلَكَه) المخاطب (أو لا) لأن تقدير الكلام: إن بعتُ ثوباً بأمرك، ولم يوجد الأمر. (وإن دخل على عينٍ أو) على (فعل لا يقعُ عن غيره) وهو كل فعل لا يُملك بالعقد (كأكل، وشُرب، ودخول وضَرْبِ الولدِ، اقتضى) دخول اللام (ملكه) ذلك العين لا أمره بالفعل (فحنث في: إن بِعتُ ثوباً لك، إن باعَ ثوبَه بلا أمره) من المخاطب وكذا حَنِثَ في: إن أكلت لك طعاماً وأكل طعامه بلا أمره، سواء علم به أو لا، لأن اللام لما دخلت على العين أوجبت ملكه، ولما دخلت على الفعل الذي لا يقع عن غيره أوجبت أيضاً مِلك العين، لأن هذا الفعل لمّا كان مما لا يُملك بالعقد، وجب صَرْف اللام فيه إلى ما يُملك بالعقد، وهو العين، وقيّد الضرب بالولد لأن ضرب العبد يحتمل النيابة والوكالة، فصار نظير الإجارة دون الأكل والشرب. (وفي كل عِرْس لي فكذا، بعد قول عِرْسِه: نَكَحْتَ عليَّ، طلُقت هي) أي عِرْسُه، يعني أن مَنْ قالت امرأتُه: تزوجت عليّ، فقال: كل امرأة لي طالق تطلق امرأته. وعن أبي يوسف أنها لا تطلق، لأن كلامه خرج جواباً لكلامها، فيتقيد به، وكلامها كان في تزويج غيرها، ولأنه قَصَدَ إِرضاءها وذلك بطلاق غيرها، فيتقيد به. وفي «جامع السَّرَخْسِي»: قول أبي يوسف أصح عندي. ووجه الظاهر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أن العمل بالعموم واجبٌ ما أمكن، وقد أمكن ههنا فيعمل به، وذلك أنه زاد على الجواب، إذ جوابه أن يقول: إن فعلتُ فهي طالق، فكان ذلك مبتدئاً. وجاز أن يكون فائدتها إيحاش المرأة وإغضابها وإلحاق الغيظ بها، حين اعترضت عليه فيما أحله الشرع له. (وصح نيةُ غيرها دِيَانة) لأنه نوى محتمَل كلامِهِ، لا قضاءً لأنه نوى تخصيصَ العامّ وهو خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم بحقائق الظواهر والضمائر.

стр. 1032

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ البَيْعِ هُوَ === كتاب البَيْعِ اعلم أنّ المقصود من بيان كتاب البيع بيانُ الحلالِ الذي هو بيعٌ (١) شرعاً، والحرام الذي هو الرِّبا، ونحوه من العقود الفاسدة. ولهذا قيل لمحمد رحمه الله تعالى: ألا تصنِّف شيئاً في الزُّهد؟ فقال: قد صنّفت كتاب البيع. ومراده: بَيَّنْتُ فيه ما يَحِلُّ وما يَحْرُم. وليس الزُّهد إلاّ اجتناب الحرام، والرغبة في الحلال، كما يشير إليه قوله ﷺ حيث ذكر الرّجل يُطيل السّفر، أشعثَ أغبرَ يقول: يا ربُّ، يا ربُّ، ومَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُسْتَجَابُ لذلك؟ (٢) ثمَّ (هُوَ) في اللّغة مشتركٌ بين إخراج الشيء عن المِلْكِ بمالٍ، وبين ضِدّه، وهو إدخال الشيء في الملك بمالٍ. ومن هذا القبيل حديث: «لا يَبِعْ أحدُكم على بيع أخيه» (٣) ، أي: لا يشتري على شرائه. كذا في «الصّحاح». ولا يَبْعُد أن يكون البيع في الحديث على بابه. وهو يتعدّى إلى المفعول الثّاني بنفسه، وبحرف الجر نحو: بعتُ هذا فلاناً، وبعته منه. وكذا لفظ الشِّراء مشتركٌ بين فعل المشتري وفعل البائع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٤) ، أي: باعوه. وهذا إذا كان الضمير للإخوة، وأمّا إذا كان للسَّيَّارة (٥) ، فالشراء على بابه. وكذا قوله تعالى: ﴿ولَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٦) ، أي: باعوا حظّها أو اشتَرَوه.

стр. 1033

مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ بِتَرَاضٍ. وَيَنْعَقِدُ بإيجَابٍ وَقَبُولٍ، === وأمّا قوله تعالى: ﴿إنّ اللَّه اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (١) فعلى حقيقته، وكذا قوله تعالى: ﴿أوَلَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ (٢) ، أي: استبدلوه واختاروه عليه. وفي الشَّرع: (مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ) أي على وجه التمليك (بِتَرَاضٍ) لقوله تعالى: ﴿إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) . وهو عقدٌ مشروعٌ بقوله تعالى: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤) ؛ وبالسُّنَّة وهي كثيرةٌ شهيرةٌ؛ وبإجماع الأمّة على جوازه، وأنّه أحد أسباب المِلك، وبأنّه ﷺ بُعثَ والنَّاس يتبايعون فأقرّهم عليه حتى قال: «يا معشر التُّجَّار إنْ بيعكم هذا يحضره اللّغو والكذب، فشُوبُوه (٥) بالصَّدقة» (٦) . وقد باع واشترى بمباشرة وتوكيلٍ. وقد صحّ عند أرباب السِّيَر أنّ النَّبيّ ﷺ اتَّجر لخديجة، لكن قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بُعِثَ على رأس الأربعين، وخرج تاجراً إلى الشام لخديجة لَمّا بلغ خمساً وعشرين سنةً، قبل أنْ يتزوّجها بشهرين وخمسةٍ وعشرين يوماً. وكان أبو بكر تاجراً في البَزِّ، وعمرُ في الطَّعام، وعثمانُ في الَبزِّ (٧) والتَّمْر، وعبّاس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التِّجارة، ثُمَّ الزِّراعة (٨) ، ثُمَّ الصّناعة. وعندي أنّ أفضلها الكتابة. (وَيَنْعَقِدُ) البيع (بإيجَابٍ) أَي: إثباتٍ؛ والمراد به ما يُذْكَر أولاً من كلام المتعاقدين، لأنه يُثِبتُ خِيار القبول للآخر. (وَقَبُولٍ) وهو ما يُذْكَر آخِراً من كلامهما، أو ما يقوم مَقَامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهمٍ، فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً. والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقَبُول، ولا بدَّ أن يكون أحدهما يدلّ

стр. 1034

وبِلَفْظَيْ مَاضٍ، وَبِتَعَاطٍ مُطْلقًا. وَإذَا أَوْجَبَ وَاحِدٌ، قَبِلَ الآخَرُ كَلَّ المَبِيعِ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرَكَ، === على الإيجاب كـ: أعطيتك، و: جعلت لك هذا بكذا، والآخر على القَبول كـ: أخذت، و: رضيت، و: أجزت. ويُشْتَرطُ سماع المتعاقدين كلامَهما (وبِلَفْظَي ماضٍ) كـ: بعتُ، و: اشتريتُ. وإنما شُرِطَ الماضي فيهما لأنّ البيع إنشاء تصرفٍ، والإنشاء يُعْرَفُ بالشَّرع، لأنّ الواضع لم يضع له لفظاً خاصّاً؛ والشَّرعُ يَستعمل فيهِ اللّفظَ الذي وُضِعَ للإخبار عن الماضي، لأنه يستدعي سَبْقَ المُخْبَر عنه ليكون الكلام صحيحاً، فكان الماضي أدلَّ من غيره على تحقّق الوجود، فكان أشبهَ (١) بالإنشاء المحصِّل للوجود. (وَبِتَعَاطٍ) أي: وينعقد أيضاً بمعاطاةٍ وهي ههنا إعطاء البائع المبيعَ للمشتري على وجه البيع والتَّمليك، وإعطاء المشتري الثمنَ للبائع كذلك، بلا إيجابٍ وقَبُولٍ. (مُطْلقاً)، أي: سواء كان المبيع خسيساً، وهو: ما تكون قيمته دون نصاب السَّرِقة، أو نفيساً وهو: ما تكون قيمته مثل نصابها أو أكثر، وبه قال الخُرَاسَانِيُّونَ. وقال الكَرْخِيّ والعِرَاقِيُّونَ: ينعقد به في الخسيس للعادة دون النفيس لعدمها. وأُجِيبَ: بأنّ جواز أصل البيع إنَّما هو باعتبار الرِّضا من الجانبين، إلاّ أنّ الرِّضا لَمّا كان باطنياً، أُقِيمَ الإيجاب والقَبُول مُقَامه لدلالتهما عليه، والتعاطي أدلّ عليه منهما، لأنهما قد يوجدان بغير رضاهما أو أحدهما. ومذهب الشَّافعيّ وأحمد: أنّ البيع لا ينعقد بالتَّعاطي، لأنّ الأفعال لا دلالة لها بالوضع على مقاصد النّاس. لكن قد يُقَال: إنّ في القرائن من الفوائد ما تدلّ على المقاصد. وقال مالك: ينعقد بكل ما يعدّه النّاس بيعاً، لأنّ المقصود المبادلةُ بالرّضا، فمتى حصلت ثبت حكم البيع، ولأنّ الشّارع لم يَثْبُتْ عنه اشتراطُ اللفظ، فوجب الرّجوع إلى العُرْفِ المعروف الذي هو التّعاطي مطلقاً. واخْتُلِفَ في التّعاطي بأحد الجانبين مع بيان الثمن، والأظهرُ جوازه لتعارف النّاس عليه، وكذا بدون بيان الثمن إذا كان معلوماً. قال الطَّرَابُلْسِيّ: وهو الصحيح. وقد أشار محمد في «الجامع الصغير» إلى أنّ تسليم المبيع يكفي. (وَإذَا أَوْجَبَ وَاحِدٌ) من المتعاقدين البيع (قَبِلَ الآخَرُ)، واحداً كان الآخر أو متعدّداً، (كَلَّ المَبِيع بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرَكَ)، وليس للعاقد إن كان واحداً، ولا لواحدٍ إن

стр. 1035

إلّا إذَا بَيَّن ثَمَنَ كُلٍّ. وَمَا لَمْ يَقْبَلْ بَطَلَ الإيجَابُ، إنْ رَجَعَ المُوجِبُ، أوْ قَامَ أحَدُهُمَا، وَإذَا وُجِدَا لَزِمَ. === كان العاقد متعدّداً، أن يقبل في بعض المبيع ببعض الثمن لتفرُّق الصَّفْقَةِ عليه، فإنّ رضاء المُوجِبِ ببيع ذلك البعض وحدَه غيرُ معلومٍ، والرضا بِبَيْع المجموع ليس رضا ببيع بعضه وحدَه، إذ قد يَضُمُّ الرَّديء إلى الجيّد ويبيعهما جميعاً معاً، فيفوت غرضُه. (إلاّ إذَا بَيَّنَ) المُوجِبُ (ثَمَنَ كُلَ) ممّا قَبِلَ الآخر وما ترك، لأنّ ذلك دليلٌ على رضاه بالتفريق، ولأنّ الإيجاب حينئذٍ في معنى إيجابات متعدّدة. أمّا إذا كرَّر في البيان لفظ البيع، بأنْ قال: بعتك هذين بألفٍ: بعت هذا بخمس مئة، وبعت هذا بخمس مئة، فباتفاقٍ. وأمّا إذا لم يكرر بأن قال: بعتك هذين بألفٍ: كلَّ واحدٍ بخمس مئة، فعند أبي يوسف ومحمد جاز، خلافاً لأبي حنيفة. والمختار قولُهما. وكذا جاز إذا رَضِي الآخر في المجلس إن كان المبيع ممّا ينقسم الثّمن عليه بالأجزاء، كعبدٍ واحدٍ، أو مكيلٍ، أو موزون. (وَمَا لَمْ يَقْبَلْ) الآخر (بَطَلَ الإيجَابُ، إنْ رَجَعَ المُوجِبُ)، مشترياً كان أو بائعاً، (أوْ) إنْ (قَامَ أحَدُهُمَا) أي أحد العاقدين عن المجلس. أمّا إن رجع المُوجِب، فلأنّ الإيجاب لَمَّا لم يُفِد حكم البيع بدون القَبُول، كان للموجب أن يرجع قبله لخُلُوِّ رجوعِهِ عن إبطال حقّ غيره، فإذا رجع بَطَلَ إيجابه. وأمّا إنْ قام أحد العاقدين عن المجلس، فلأنّ القيام دليل الرّجوع، ولهما ذلك قبل القَبول، لأنه لو لم يثبت الخيار، يلزمه حكم العقد من غير رضاه، وهذا يسمى خيارَ القَبول. (وَإذَا وُجِدَا) أي الإيجاب والقبول في البيع الصحيح (لَزِمَ) ولا خيار لواحدٍ من العاقدين. وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد، ومختارُ النَّخَعِيّ والثَّوْري. قال شارح: وقال الشافعيّ: لا يلزم، بل لأحدهما الخيار ما دام المجلس، وبه قال أحمد. لنا ما روى مالك من حديث ابن عمر أنّ النَّبيّ ﷺ قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتَّى يستوفِيَه». ووجه الدلالة أنّه ﷺ عبَّر عن المنع من البيع باستيفاء المبيع، فإذا استوفى جاز البيع، سواء استوفى في المجلس أو بعده. والبيعُ لا يجوز إلاّ بعد ثبوت الملك. وقوله عليه الصلاة السلام لحَبَّان بن مُنْقِذ ـ وكان يُغْبَنُ (١) في البيع ـ: «إذا ابتعت فقل: لا خِلَابة، وليَ الخيارُ ثلاثةَ أيامٍ» (٢) . والخِلابة بكسر الخاء المعجمة:

стр. 1036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الخداعة. فإنّه يدلّ على لزوم البيع بالإيجاب والقبول؛ ولأنّ في إثبات الخيار لأحد المتبايعين إبطالُ حقّ الآخر، وهو غير جائزٍ لقوله ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار» (١) ، ولأنّ البيع عقد معاوضة، فيلزم بالإيجاب والقبول كالنِّكاح. وأمّا ما رواه أصحاب الكتب السِّتَّة ـ واللفظ للشيخين ـ عن نافع، عن عبد الله ابن عمر أنّ النَّبيّ ﷺ قال: «البَيِّعَانِ كلّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا، إلاّ بيع الخيار (أو يكون بيعهما بيعَ خيار)» (٢) . وفي لفظ لهما: «إذا تبايع المتبايعان بالبيع، فكلَّ واحدٍ منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرّقا»، أو قال: «يكون بيعهما على الخِيَار، فإذا كان بيعهما على خيار فقد وَجَبَ». فقال محمد بن الحسن ـ وهو منقول عن إبراهيم النَّخَعِيّ ـ: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالخيار فيه خيار القَبول. فإنّ أحدهما إذا أوجب كان لكلَ منهما قبل القبول الخيارُ، ما داما في المجلس ولم يأخذْ أحدُهما في عملٍ آخر. وفي لفظ الحديث إشارةٌ إليه، فإنهما متبايعان حالةَ البيع حقيقةً. وعلى هذا، فالتفرّق بالأقوال لا بالأبدان، كما في قوله تعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) . فإنّ الزَّوج إذا طلّق امرأته على مالٍ تحصل الفُرْقة بقبولها. وقال أبو يوسف: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالتفرُّقِ فيه التفرُّقُ بالأبدان بعد الإيجاب قبل القَبُول. انتهى. والمراد بقوله: «إلاّ بيع الخيار» (أي: إلاّ المتبايعين بيع الخيار، أو) (٤) إلاّ إذا تبايعا بيع الخيار. والمعنى أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترتُ، فيكون هذا إلزاماً للبيع، وَيَسْقُطُ خيارُهما، وإن كان المجلس قائماً. وحَمَلَ بعضهم الخيارَ على خيار الشّرط، وهو بعيد لرواية الترمذيّ: «البَيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقَا أو يختار». وفي لفظ: «أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»، بدل «أو يختار». وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً وأحبّ أن يكون له، فَارَقَ صاحبه فمشى قليلاً، ثم رجع، فَحُمِلَ على التفرّق بالأبدان. ويدلّ عليه زيادة أبي داود والترمذيّ: «ولا يَحِلّ

стр. 1037

وَيُعْرَفُ المَبِيعُ بالإشَارَةِ، لا بِذِكْرِ القَدْرِ والْوَصْفِ، إلّا في السَّلَم، === له أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يستقيله»، أي: خشية أنْ يفسخ العقد. ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) ، وهذا عقدٌ قبل التخيير، وقوله تعالى: ﴿لا تأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) ، وبعد الإيجاب والقَبول تَصدُق تجارةً عن تراضٍ، غيرَ متوقفة على التخيير. فقد أباح الله تعالى أكل المشتري قبل التخيير. وقوله تعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) أَمْرٌ بالتَّوثُّق بالشَّهادة لئلا يقع التَّجاحد في البيع، فلو ثبت الخيار وعَدِمَ اللُّزوم قبله، لزم إبطال هذه النصوص. قال بعض المحققين: ولا مخلص له من هذا إلاّ أن يمنع لزومَ العقد قبل الخيار ويقول: إنما يُعرف لزومه شرعاً، وقد اعتُبِر فيه اختيار التّراضي بعد الإيجاب والقَبُول بالأحاديث التي رويناها. ثم قال: ولا مخلص لنا إلاّ بتسليم إمكان اعتبار الخيار في لزومِ العقد، وادّعاء أنه غير لازمٍ من الحديث المذكور بناءً على أن حقيقة المتبايعين المتشاغلان بأمر البيع، لا مَنْ تَمَّ البيع بينهما وانقضى، لأنه مجاز. والمتشاغلان يعني المتساومَيْنِ، يصدق عليهما عند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر، فيكون ذلك هو المراد، وهذا هو خيار القَبول. (وَيُعرَفُ المَبِيعُ بالإشَارَةِ) (إليه، أي) (٤) : إذا كان محسوساً، (لا بِذِكْرِ القَدْرِ والْوَصْفِ)، أي: لا حاجة بذكرهما حينئذٍ. والمعنى: يُشْتَرَطُ لصحة البيع معرفةُ المبيع بما ينفي جهالته، قطعاً للمنازعة. فإن كان حاضراً يُكْتَفى بالإشارة، لأن بها كفايةً في التَّعريف، فإذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة (٥) من الحِنْطَة، أو هذه الثياب ـ وهي مجهولة العدد ـ بهذه الدَّراهم، ـ وهي مرئية له ـ فَقَبِل، جاز البيع ولَزِم، لأن البّاقي جهالة القدر، وهي لا تضرّ لعدم منعها من التَّسليم والتَّسلُّم. (إلاّ في السَّلَمَ) فإن المبيع فيه لا بدّ من معرفة قدره ووصفه، على ما يجيء في بابه (٦) ، إن شاء الله سبحانه. وحاصله أنّ المبيع إذا كان غائباً، فإن كان مما يُعْرَف بالأُنْمُوذَجِ (٧) : كالكَيْلِي

стр. 1038

وَالثَّمَنُ بِأَحَدِهِمَا. وَيَصِحُّ البَيْعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ بِأَجَلٍ مَعْلومٍ، وَلَا يَضُرُّ الجُزَافُ إلاّ في الجِنْسِ بِالجِنْسِ. === من الحبوبَ، والوَزْنِيّ من السَّمْنِ والعسل، والعدديّ المتقارب: كالجوز واللّوز، فرؤية بعضه كرؤية كله. وإن لم يعرف به كالثياب والدَّواب، فلا بد من ذكر جميع أوصافه، قطعاً للمنازعة. وله خيار الرُّؤية، ويشترط معرفة قدر الثَّمن ووصفه لو كان في الذِّمة، إذا اختلف نقد البلد، قطعاً للمنازعة، لا معرفة قدر الثَّمن المشار إليه ووصفه، إذ الإشارة أبلغ أسباب التعريف. ونفينا تعيين النقدين المضروبين في البيع، فيجوز للمشتري دفع غير المعيَّن في العقد عندنا. وعيّنه زُفَر، ومالك، والشَّافعيّ بالتعيين في عقود المعاوضة وفسوخها كما يتعين في الهبة، والشَّركة، والوكالة، والغصب، والصّدقة. (وَ) يعرَف (الثَّمَنُ بِأَحَدِهِمَا) أي بالإشارةَ أو بذكر القدر والصفة. فيعرَف بالإشارة إنْ كان معيناً بها، وبذكر القدر والصفة إن لم يكن. (وَيَصِحُّ البَيْعُ بِثَمَنٍ حَالَ) وهو الأصل (وَمُؤَجَّلٍ بِأَجَلٍ مَعْلومٍ) لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ (١)، ولِمَا في البخاري عن عائشة من أنّه ﷺ اشترى طعاماً من يهوديّ إلى أجلٍ ورهنه درعاً له من حديد. وفي لفظٍ للصحيحين: طعاماً بنسيئةٍ (٢). ولقوله ﵊ (في السَّلم) (٣): «من أسلف في تمر، فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم» (٤). وعلى ذلك انعقد الإجماع. (وَلَا يَضُرُّ الجُزَافُ) بتثليث الجيم، والضم أشهر، وهو البيع بالحَدْس (٥)، أو بالظّن بلا كيلٍ ولا وزنٍ، وهو فارسيّ مُعَرَّب كَزاف بالكاف العَجَمّية (إلاّ في) بيع (الجِنْسِ بِالجِنْسِ) لِمَا روى الجماعة إلاّ البخاريّ من حديث عُبَادة بن الصامت أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه

стр. 1039

وَمُطْلَقُ الثَّمَنِ يُحْمَلُ عَلَى الأرْوَجِ، فَإنْ اسْتَوَى رَوَاجُ النُّقُودِ فَسَدَ إنْ اخْتَلَفَتْ مَالِيَّتُهَا. وَإنْ بيعَ ذُو أفْرَادٍ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَذَا، فَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ صَحَّ في وَاحِدٍ، وإلّا فَلَا أصْلًا. === الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». ولأنّ الجهالة في الجُزَافِ غير مانعةٍ من التَّسليم، فلا يضرّ كجهالة القيمة، بأنْ اشترى شيئاً بدرهمٍ ولم يدر قيمته. وإنّما امتنع الجُزَاف في الجنسِ بالجنس لِمَا فيه من احتمال الرِّبا، واحتماله ملحقٌ بحقيقته احتياطاً. وفي «الذَّخيرة»: أنّ هذا الاستثناء إذا كان شيئاً يدخل تحت الكيل ـ وأدناه نصف صاع ـ، وأمَّا إذا كان قليلاً لا يدخل تحته، فيجوز بيعه بجنسه جُزَافاً. (وَمُطْلَقُ الثَّمَنِ) وهو الذي لم يُقَيَّد في صلب العقد، أو في المجلس بوصفٍ، ولا بنقدِ بلدٍ نحو عشرة دراهم (يُحْمَلُ عَلَى الأرْوَجِ) أي أغلب ما يُتَعَامل به في كلِّ البلد سواء استوت ماليّة النقود، أو اختلفت، لأنّ ما غلب التعامل به معلومٌ بالعرف، والمعلوم بالعرف كالمعلوم بالنَّص. (فَإنْ اسْتَوَى رَوَاجُ النُّقُودِ فَسَدَ) البيع (إنْ اخْتَلَفَتْ مَالِيَّتُهَا) لأنّ مثل هذه الجهالة يفضي إلى المنازعة. وأمّا لو استوت الماليّة والرَّواج جاز البيع. (وَإنْ بيعَ ذو أفْرَادٍ كُلَّ وَاحِدٍ) منها (بِكَذَا) درهماً، (فَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ) تلك الأفراد بأنْ بيعت صُبْرةٌ (١) : كل قفيزٍ (٢) بدرهمٍ، أو بيع ثوبٌ: كل ذراعٍ بدرهمٍ (صَحَّ) البيع (في وَاحِدٍ) عند أبي حنيفة، وفي الكلّ عند أبي يوسف ومحمد، وبه يُفْتَى. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنّ المبيع معلومٌ بالإشارة فلا يحتاج إلى معرفة قدره، وما فيه من الجهالة لا يضرُّ لأن رفعها بيدهما بأنْ يكيلا الصُّبْرَة في المجلس. ولأبي حنيفة أنّ الثمن مجهولٌ لأن جملة الأفراد غير معلومةٍ، فيكون ما بإزائها من الثمن مجهولاً إلاّ أنّ الأقلّ ـ وهو الواحد ـ معلومٌ، فيصحّ البيع فيه ويفسد فيما عداه، إلاّ أن ترتفع الجهالة بتسمية جميع الأفراد، أو بالكيل في المجلس. (وإلاّ) أي وإنْ تفاوتت الأفراد في القيمة كما لو باع غنماً كلّ شاةٍ بدرهمٍ (فَلَا) يصحّ البيع (أصْلاً)، أي لا في جملة الأفراد، ولا في واحدٍ منها، وهذا عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما فيصحّ في الكلّ، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، والوجه ما

стр. 1040

وَإنْ بَاعَ صُبْرَةً عَلى أنَّهَا مِئَةُ صاعٍ بِمِئَةٍ، فإنْ نَقَصَ أَخَذَ المُشْتَرِي بالحِصَّةِ أوْ فَسَخَ، وَإنْ زَادَ فَللبَائِعِ. وَفِي المَذْرُوع أخَذَ الأَقَلَّ بِكُلِّ الثّمَنِ أوْ تَرَكَ، والأكْثَرُ لَهُ. وَإنْ قَالَ: كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَبِالْحِصَّةِ فِيهمَا. وَصَحَّ بَيْعُ البُّرِ فِي سُنْبُلِهِ، === مرّ إلاّ أنّ الأفراد هنا متفاوتة، فلا يجوز البيع في واحدٍ منها عند أبي حنيفة بخلاف الصُّبْرَة. (وَإنْ بَاعَ صُبْرَةً) أي كُوْمة طعامٍ بلا كيلٍ ولا وزنٍ (عَلىَ أنَّهَا مِئَةُ صاعٍ (١) بِمِئَةٍ) درهم، (فإنْ نَقَصَ) المبيع عن المئة (أَخَذَ المُشْتَرِيِ) الموجود (بالحِصَّةِ) لأنّ الكيل ذو جزءٍ، والثمن ينقسم على أجزاء المبيع، (أوْ فَسَخَ) البيع لأنّ الصَّفقة لَمَّا تفرّقت عليه لم يتمّ رضاؤه بالموجود، وبه قال مالك والشّافعي وأحمد. (وَإنْ زَادَ) على المئة (فَللبَائِعِ) ما زاد، لأنّه باقٍ على ملكه، فإنّ البيع وقع على قدرٍ معينٍ، وما يكون كذلك لا يتناول غيره. (وَفِي المَذْرُوع) بأنْ باع ثوباً على أنّه عشرة أذرعٍ بعشرةٍ، فوجد المشتري الثوب أقل من ذلك، (أَخَذَ) المشتري (الأقَّلَ بِكُلِّ الثّمَنِ أوْ تَرَكَ) لأنّ الذّراع وصفٌ للمذروع، والثمن لا ينقسم على الأوصاف، فكان كلُّ الثمن مقابَلاً بكل العين، غير أنّه ثبت الخيار للمشتري، لأنّه فاته وصفٌ مرغوبٌ فيه، وقع عليه العقد. (والأكْثَرُ لَهُ) أي للمشتري، ولا خيار للبائع، لأن الزّائد هنا صفة، فكان هذا بمنزلة ما إذا باع بشرط أنّه معيب، فإذا هو سليمٌ. (وَإنْ قَالَ): بعتك هذا الثوب على أنّه عشرة أذرعٍ (كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ) فوجده المشتري أقلّ أو أكثر (فَبِالْحِصَّةِ)، أي فيأخذ الكلّ بالحصّة (فِيهمَا) أي في الزّيادة والنقصان، وله الترك، لأنَّ الذِّراع وإنْ كان وصفاً، إلاّ أنه يصلح أن يكون أصلاً لأنه يُنتفع به بانفراده، فإذا سُمِّي له ثمنٌ صار أصلاً، وإنما كان الخيار للمشتري لتفرّق الصّفْقة عليه في النقصان، ولزيادة الثمن في الزِّيادة. وعن الشافعي في القديم قولان: أحدهما: يصحّ العقد وله الخيار كمذهبنا، والآخر: لا يصحّ. (وَصَحَّ بَيْعُ البُّرِ فِي سُنْبُلِهِ) وهو قول مالك وأحمد والشافعيّ في القديم، وقال في الجديد: لا يصحّ، لأنّه ﷺ نهى عن بيع الغرر (٢) ، وهذا منه، لأنه لا يدري قدر

стр. 1041

والبَاقِلاءِ وَنَحْوِهِ في قِشْرِهِ الأوَّلِ، === الحبّ. وأُجِيبَ بأنّ ذلك محمولٌ على نحو بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. وفي «المبسوط»: أو على بيعه في السُنْبُلِ قبل أنْ يشتدّ. (و) صحّ بيع (البَاقِلاءِ) بكسر القاف وتشديد اللاّم مقصوراً، وبتخفيفها ممدوداً (وَنَحْوِهِ) ممّا له قشران كالسِّمْسِم، والأرز، والحِمِّص الأخضر وسائر الحبوب المغلَّفة، والجوز واللّوز والفَسْتُق والبندق (في قِشْرِهِ الأوَّلِ)، وفي نُسخة: في قشره الخارج، وإنّما قال: الأوّل، لأنّ فيه خلافاً للشَّافِعيّ، أمّا في قِشره الثَّاني فيجوز إجماعاً. والمنصوص عن الشّافعيّ في بيع البَاقِلاء الأخضر أنّه لا يجوز. وقال مالك وأحمد وكثير من أصحاب الشَّافِعيّ: يجوز، وكذا الجوز واللّوز الرَّطِبَان، وأمّا اليابس منهما فيجوز بلا خلاف. لنا ما روى الجماعة إلاّ البخاريّ عن نافع عن ابن عمر «أنّ النبِيّ ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السُّنْبُلِ حتى يبيضّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري». يقال: زهى النّخلُ يزهو إذا بدت فيه الحمرة أو الصُّفرة. وما في «الصحيحين» عن أنس أن النّبيّ ﷺ نهى عن بيع الثِّمار حتّى يبدوَ صلاحُها، وعن بيع النَّخل حتّى يزهو، قيل: ما يزهو؟ قال: «يَحْمَارُّ أو يَصْفَارّ». وفي زكاة البُخَاريّ، عن ابن عمر أنّه ﷺ نهى عن بيع الثَّمر حتى يبدوَ صلاحُها، وكان إذا سُئِلَ عن صلاحها قال: «حتى تذهب عاهتها». وما روى أبو داود والترمذيّ وابن ماجه من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيْد، عن أنس أنّ النَّبِيّ ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحبّ حتى يشتدّ. قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث حمّاد بن سَلَمة. ورواه ابن حِبّانِ، في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي رواية: عن بيع الحبِّ حتّى يفرك. وقال البيهقي: إنْ كان بكسر الرّاء بإسناد الإفراك إلى الحبّ، وهو الأشبه، وافق قوله: حتى يشتدّ، وإن كان بفتح الرّاء على ما لم يُسَمَ فاعله، خالفه واقتضى تنقيته عن السُّنْبُلِ حتّى يجوز بيعه. ووجه الدّلالة أنّ حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، فظاهر الحديث يقتضي الجواز عند وجود الغاية. وعند الشّافعي لا يجوز حتى يخرج البُّرُ من سُنْبُلِه والباقلاء من قِشره الأوّل. قلنا: إنّه مالٌ مُنْتَفَعٌ به، لأنْه يُدَّخر في سنبله قال الله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ

стр. 1042

وبَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، أوْ قَدْ بَدَا، ويَجِبُ قَطْعُهَا. وَشَرْطُ تَرْكِهَا عَلَى الشَّجَرِ يُفْسِدُ البَيْعَ === فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ (١) فيجوز بيعه فيه، وبيع نحو الباقلاء في القشر كالشعير في سنبله. فإن قيل: يجوز بيع النّخل قبل الزَّهو عندكم، ومقتضى ما استدللتم به من الحديث أنه لا يجوز أُجِيبَ بأنّه محمولٌ على بيع التّمر على النَّخْل بشرط التَّرك إلى أن يحمرّ أو يصفرّ بدليل قوله ﷺ «أرأيت لو أذهَبَ اللَّه الثمرةَ، بم يستحلّ أحدكم مال أخيه» (٢) ؟ إذ الإذهاب إنّما يُتوهَّم إذا اشتراه قبل الإدراك بشرط التّرك. أو محمولٌ على السَّلَم، يعني لا يجوز السَّلَمُ فيه حتّى يوجد بين النّاس بدليل قوله ﷺ «إذا منع الله الثَّمر، فبم يستحلّ أحدكم مال أخيه» (٣) ؟ فيكون دليلاً لنا على اشتراط وجود المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين الحلول. (و) صَحّ (بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا) وقال مالك، والشَّافعيّ، وأحمد، وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وخَواهِرْ زَادَه من أصحابنا: لا يجوز. والحيلة في جوازه أن يُبَاع مع الشجرة فيكون تبعاً لها، والأصحّ الجواز عندنا لأنه منتفَع به في المال، فصار كبيع الطفل والجحش. (أوْ قَدْ بَدَا) صلاحها، وهذا بلا خلافٍ بين العلماء، وإنما الخلاف في تفسير بُدُوِّ صلاحها، فعندنا على ما في «المَبْسُوطِ»: هو أنْ يُؤمَنَ العاهة والفساد، وعلى ما في «الخُلَاصَة» عن «التجريد»: أنْ يكون منتفعاً به. وعند الشَّافعيّ: هو ظهور النُّضج ومباداء الحلاوة. (و) إذا صحّ بيع الثّمرة (يَجِبُ) على المشتري (قَطْعُهَا) في الحال ليتفرّغ ملك البائع عن ملكه، كبيع الشجرة دون الثّمر، وهذا إذا اشتراها مطلقاً، أو بشرط القطع. (وَشَرْطُ تَرْكِهَا) أي الثَّمرة (عَلَى الشَّجَرِ) وترك الزّرع في الأرض (يُفْسِدُ البَيْعَ). أمّا إذا لم يَبْدُ صلاحها، أو بدا ولم يَتَنَاهَ عظمها، فباتِّفاق. وأمّا إذا تناهى عظمها فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يفسد، لأنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، وهو شَغْل ملك الغير، أو لأنّه مشتملٌ على منهيٍ عنه، وهو صفقةٌ في صفقةٍ، لأنه إجارةٌ في بيع إن كان للمنفعة حصّةٌ من الثَّمن، وإعارةٌ في بيعٍ إن لم تكن لها. وقال محمد: لا يفسد

стр. 1043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === استحساناً. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد ومختار الطحاويّ لتعامل الناس به من غير نكير. وفي «الأسرار»: الفتوى على قول محمد. وفي «التُّحْفَةِ»: الفتوى على قولهما، لأنّ التّعامل لم يكن بشرط التّرك، وإنْ كان بالإذن بالتّرك من غير شرط. انتهى. وفي «الذَّخِيَرةِ»: قال أبو الليث: المخلص في طريق الإذن (أن يأذن) (١) للمشتري في التّرك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذوناً له في التّرك بإذنٍ جديدٍ. واحتجّ لنا بعض المحققين بما روينا من قوله ﵊: «من اشترى نخلاً قد أُبِّرَتْ (٢) فثمرتها للبائع، إلاّ أنْ يشترطَ المبتاع» (٣) . فجعلُه للمشتري بالشّرط يدلّ على جواز بيعه مطلقاً، لأنه لم يقيّد دخوله في البيع عند اشتراط المبتاع بكونه بدا صلاحه. واعْتُرضَ عليه بأنّ النّزاع في جواز بيعه مستقلاً لا تبعاً، لأنه لا خلاف فيه. واحتجّ أيضاً بما في «موطأ مالك» عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن قالت: ابتاع رجلٌ ثمر حائطٍ (٤) في زمن النَّبيّ ﷺ فعالجه وقام عليه حتّى تبيّن له النّقصان، فسأل ربّ الحائط أن يضع به أو يُقِيله، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمّ المشتري (٥) إلى النَّبيّ ﷺ فذكرت له ذلك. فقال: «تألَّى (٦) أن لا يفعل خيراً»، فسمع بذلك ربّ الحائط فأتى النّبيّ ﷺ فقال: هو له. ولولا صحة البيع لم تترتب الإقالة عليه. وأمّا النهي المذكور فهم قد تركوا ظاهره، فإنهم جوّزوا البيع قبل أن يبدو صلاحها بشرط القطع. وهذه معارضة صريحة لمنطوقه، فقد اتَّفقنا على أنه متروك الظاهر. هذا، وإذا رضي البائع ببقائها يطيب الفضل في الثّمرة للمشتري، لأنه حصل له

стр. 1044

كاسْتِثْنَاءِ قَدْرٍ مَعْلُومٍ. فَصْلْ [فِي خِيَارِ الشَّرْطِ] صَحَّ خِيَارُ الشَّرْطِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَهُمَا === بطريقٍ مباحٍ، وإن لم يرض وتركها المشتري، تصدّق بما زاد من ذات الثّمرة، لحصول الزّيادة بمعنى من الشجر بلا إذن المالك، فلا يطيب له. وتُعرف الزّيادة بالتقويم يوم البيع والتقويم يوم الإدراك، فالزيادة تفاوت بينهما. وإن تركها بعدما تناهى عظمها، لم يتصدّق بشيء، لأنها زادت جودة بتغير الطعم واللون، وذا من أثر الشمس والقمر لا ذاتاً. (كاسْتِثْنَاءِ قَدْرٍ) كما يَفْسُدُ البيع باستثناء مقدارٍ (مَعْلُومٍ) من الثمر، مقطوعةً أو غير مقطوعةٍ، لأنه ربَّما لا يبقى شيء بعد المستثنى، فيخلو العقد عن الفائدة، بخلاف ما إذا استثنى نخلاً معيناً، لأنّ الباقي معلومٌ بالمشاهدة. وفي «المواهب»: لو باع الثمرةَ واستثنى منها أرطالاً معلومةً صحَّ البيع في ظاهر الرواية، لأن الأصل أن ما جاز إفراده بالعقد جاز استثناؤه من العقد، كما لو استثنى جزءاً مُشاعاً، وما لا يجوز إفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه منه، كما لو استثنى عضواً من الشّاة ونحوها. وقيل: يفسد، وهو رواية الحسن، واختارها الطّحاويّ لجهالة ما بقي من بعد الاستثناء. فصلٌ (في خِيَارِ الشَّرْطِ) (صَحَّ) بالإجماع (خِيَارُ الشَّرْطِ)، والقياس أنْ لا يصحّ، لِمَا فيه من الغَرَر، ولظاهر نهيه ﵊ عن بيعٍ وشرطٍ (١) ، إلاّ أنّ النَّص ورد به، وهو ما رواه ابن ماجه في «سننه»: أنّ حَبَّان بن مُنْقِذ بن عمرو كان رجلاً قد أصابته آمَّةٌ (٢) في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التِّجارة، فكان لا يزال يُغْبَنُ، فأتى النَّبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فقال: «إذا أنت بايعت فقل: لا خِلَابة، ثم أنت في كلّ سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليالٍ، فإذا رضيت فأمسكها، وإن سخِطت فارددها على صاحبها». وحَبَّان بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ومُنْقِذ بالمعجمة، والخِلابة بكسر المعجمة: الخداعة. (لِكُلَ مِنْهُمَا) أي لكل من البائع والمشتري، (وَلَهُمَا) أي معاً، ولغيرهما بإذنهما.

стр. 1045

ثَلَاثَةَ أَيّامٍ أوْ أقَلَّ، لا أكْثَرَ. === وأفسد زُفَر العقد بالخيار لغير العاقد، وهو القياس. (ثَلَاثَةَ أَيّامٍ أوْ أقَلَّ) بالنصب فيهما على الظرفية. وقال سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمَة: يجوز الخيار للمشتري لا للبائع، لأنّه ثبت على خلاف القياس، فَيُقْتَصَرُ على مورد النّص وهو المشتري، لِمَا أخرجه الحاكم وسكت عنه، عن ابن عمر قال: كان حَبَّان بن مُنْقِذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفِعَ في رأسه مأمومةً ـ أي ضُرِبَ ـ فجعل له رسول الله ﷺ الخيار ثلاثة أيّامٍ فيما اشتراه، وكان قد ثقل لسانه، فقال رسول الله ﷺ : «بع ـ أي اشتر ـ فقل: لا خِلَابة»، وكنت أسمعه يقول: لا خِدابة لا خِدابة. يعني بإبدال اللام دالاً، لِثَقلِ لسانه، وبتكراره لإظهار بيانه. وكان يشتري الشيء ويجيء به إلى أهله فيقولون له: إنّ هذا غالٍ، فيقول: إن رسول الله ﷺ قد خَيَّرني في بيعي. أي: شرائي. وأجيب بأنّ خيار الشّرط إنّما جاز لحاجة النَّاس إليه لدفع الغبن بالتأمل والتفكر، وذلك يستوي فيه البائع والمشتري، على أنّ لفظ ابن ماجه: «إذا بايعت»، وهو يشتمل البيع والشراء. بل رواه البخاري في «تاريخه الأوسط»: «إذا بعت فقل: لا خِلابة». والأصل كونه على بابه، وإن جاز البيع بمعنى الشِّراء كما تقدّم. (لا أكْثَرَ) أي لا يصحّ خيار الشّرط أكثرَ من ثلاثة أيّام، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول زُفَر والشّافعي. وقال مالك: مدّةُ الخيار ما يمكن اختيار المبيع في مثله، ويختلف باختلاف الأشياء، فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يومٍ كالفاكهة لم يجز فيه أن يشترط أكثر من يوم، وإن كان فيه صفةٌ لا يمكن الوقوف عليها في ثلاثة أيّام، يجوز أن يشترط فيه أكثر من ثلاثة أيّام، لأنه شُرِعَ للحاجة إلى التأمّل، وهي تندفع بذلك. وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يصح أكثر من ثلاثة أيّام إذا كان مدّةً معلومةً، كالتّأجيل في الثمن، سواء طالت أو قصرت، ولحديث ابن عمر أنَّه أجاز الخيار إلى شهرين. ولأبي حنيفة: أنّ شرط الخيار يثبت بالحديث على خلاف القياس، فلا يزاد على المدّة المذكورة فيه، وذلك أنّ التقدير الشَّرعي إمّا أنْ يمنع النقصان والزيادة كما في الحدود، أو يمنع أحدَهما كأقلِّ الحيض وأكثره، وهو ههنا لا يمنع النقصان بالإجماع، فيمنع الزّيادة، وإلاّ لم يكن له فائدة. ولأنّه ﷺ ضرب الثلاثة لمن كان في غاية ضعف المعرفة، ولم يزد عليها.

стр. 1046

إلّا أنّه يَجُوزُ إنْ أَجَازَهَ في الثَلَاثَةِ، وَكَذَا إنْ شَرَطَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلى ثَلَاثَةٍ أوْ أكَثْرَ فَلَا بَيْعَ. وَلَا يَخْرُجُ مَبِيعٌ عَنْ مِلْكِ بَائِعِهِ مَع خِيَارِهِ، فَهُلْكُهُ في يَدِ المُشْتَرِي بالقِيَمة === (إلاّ أنّه) أي البيع بشرط الخيار إذا كان أكثر من ثلاثة أيّام (يَجُوزُ إنْ أَجَازَهَ) من له الخيار (في الثَلَاثَةِ) وقال الشّافعي وزُفَر: لا يجوز، لأنّ البيع انعقد فاسداً لفساد الشرط الثابت فيه، فلا ينقلب صحيحاً بإسقاطه، كما لو باع درهماً بدرهمين، ثم أسقطَ الدّرهم الزائد، وكما لو نكح امرأة وتحته أربعة نسوة، ثم طلّق الرابعة. ولأبي حنيفة: أنه بإجازته في الثَّلاثة أسقطَ المُفسد قبل تقرّره، فصار كما لو باع جذعاً في سقف ثم نزعه وسلّمه. وفي «المحيط»: شرط الخيار أبداً، أو مطلقاً، أو مؤقتاً بوقتٍ مجهولٍ فاسدٌ خلافاً لمالك وأحمد. (وَكَذَا) يجوز البيع (إنْ شَرَطَ أنَّهُ) أي المشتري (إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلى ثَلَاثَةِ) أيّام (أوْ أكَثْرَ فَلَا بَيْعَ) بينهما. أمّا إلى ثلاثة، فعند علمائنا الثلاثة، وأمّا إلى أكثر من الثلاثة، فعند محمد فقط، لكن إن نقد في الثَّلاثة صحَّ عند الثلاثة. والقياس أن لا يجوزَ البيعُ بهذا الشّرط، وهو قول زُفَر ومالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنه بيع شُرِط فيه إقالةٌ فاسدةٌ لتعلّقها بشرطٍ وهو عدم نقد الثمن في ثلاثة أيّام، فلا يجوز كالبيع بشرط إقالة صحيحة بل أوْلى. ولنا أنّه في معنى خيار الشرط في الحاجة والمقصود، لأنه يتخيرّ في الثلاثة بين الفسخ والإمضاء، وشرط الخيار جُوِّزَ لهذا المقصود. وفي «المُجْتَبَى»: ولو قال بعد البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيّام، صحَّ بالإجماع. ولو زاد على الثلاثة أو أطلق، فسد البيع عند أبي حنيفة وزُفَر والشَّافعي، كالشرط الفاسد إذا لحق بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كما في شرط الخيار. (وَلَا يَخْرُجُ مَبِيعٌ عَنْ مِلْكِ بَائِعِهِ مَعْ خِيَارِهِ) أي مع أنّ الخيار لبائعه، لأنه باشتراطه الخيار له لم يتمّ رضاه، ولا يخرج المبيع عن ملك مالكه إلا بعد تمام رضاه. ولهذا ينفذ عِتقُ البائع ويملك التصرف فيه دون المشتري، وإن قبضه بإذن البائع. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أحدها كمذهبنا، وهو قول مالك. وثانيها: أن المِلك ينتقل بنفس العقد، وهو قول أحمد. وثالثها: أنه موقوفٌ، فإن أمضى البيع تبيّن أن الملك قد انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبيّن أنه لم ينتقل. فإذا عرفت ذلك (فَهُلْكُهُ) أي فهلاك المبيع (في يَدِ المُشْتَرِي) في مدّة خيار البائع يوجب ضمانَة (بالقِيَمة)، لأنّ البائع ما رَضِيَ بقبضة إلاّ بجهة العقد، والمقبوض

стр. 1047

كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. وَيَخْرُجُ مَع خِيارِ المُشْتَرِي، فَهُلْكة في يَدِهِ بالثَّمَنِ كَتَعَيُّبهِ، لَكِنْ لَا يَمْلِكُهُ المُشْتَرِي، === بجهة العقد يكون مضموناً بالقيمة (كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْم الشِّرَاءِ) (١) إذا لم يكن مثلياً وهلك في يد المشتري، لأنّ الأصل هو الضمان بالقيمة، وإنما يُعْدَل عنه عند تمام البيع، ولم يوجد. وهذا قول مالك، والوجه المشهور في مذهب الشّافعي. وفي وجه آخر يَضمَنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد. قيَّد بالهلاك لأنه لو تعيَّب في يد المشتري، كان البائع بالخيار، إن شاء ألزم البيع، وإن شاء فسخه، وضمن المشتري النقصان، لأنه مضمون عليه بجميع أجزائه كالمغصوب. ولو تعيب في يد البائع، فإن تعيّب (بفعله ينتقض البيع بقَدْرِهِ، وتسقط حِصَّته من الثمن، وإن تعيّب) (٢) لا بفعله، فالمشتري إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء فسخ كما في البيع المطلق عن خيار الشرط. وقيّد الهلاك بكونه في يد المشتري، لأنه لو كان في يد البائع انفسخ البيعُ بلا شيء كالبيع المطلق. (وَيَخْرُجُ) المبيع عن ملك بائعه (مَع خِيارِ المُشْتَرِي) لأنّ البيع من جهة بائعه لازمٌ، إذ الخيار شُرِعَ نظراً لمن هو له، فيعمل في حقّه دون الآخر. وفي مذهب الشَّافعيّ هنا أيضاً ثلاثة أوجه كما فيما إذا كان الخيار للبائع على ما تقدّم. (فَهُلْكُهُ في يَدِهِ) أي فضمان هُلْكِ المبيع في يد المشتري (بالثَّمَنِ كَتَعَيُّبهِ) أي كضمان تعيب المبيع في يد المشتري بعيب لا يرتفع في مدّة الخيار، فإنه بالثمن، سواء تعيّب بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماويّة. وقال زُفَر والشَّافِعيّ ـ في قولٍ: ضمانه بالقيمة كما لو كان الخيار للبائع. قيّدنا العيب بكونه لا يرتفع في مدة الخيار، لأنه لو كان يرتفع فيها كان على خياره، فإن ارتفع فيها فله الفسخ بعد ارتفاعه. وإن لم يرتفع لزم العقد لتعذّر الرّد. (لَكِنْ لَا يَمْلِكُهُ المُشْتَرِي) عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكه، وهو قول مالك وأحمد والشَّافِعيّ، لأنه لو لم يملكه لكان خارجاً من ملك البائع لا إلى

стр. 1048

فَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ المِلْكِ كَعِتْقِ قَرِيبِهِ وَنَحْوِهِ. والفَسْخُ لَا يَعْملُ إلّا أنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهُ في المُدَّةِ === مالك، ولم يعرف هذا بالشرع. ولأبي حنيفة أنّ الثمن لم يخرج عن ملك المشتري، لأنّ الخيار يعملُ في حقّ من هو له، فلو دخل المبيع في ملكه لدخل بلا عوضٍ، ولاجتمع في ملكه العوضُ وعِوَضُه (١) ، ولم يعرف هذا في الشّرع. وعُرف فيه الخروج عن ملك شخص لا إلى مالك في صور منها: ما إذا اشترى متولّي أمر الكعبة عبداً لخدمتها، فإنه يخرج عن ملك مالكه ولا يدخل في ملك أحد، ومنها: مال التركة إذا استغرقه الدّين، فإنه يخرج عن ملك الميت ولا يدخل في ملك الورثة، (ولا الغرماء) (٢) ، ومنها الوقف على ما سيجيء إن شاء الله تعالى. (فَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ المِلْكِ) للمشتري إذا كان الخيار له عند أبي حنيفة لعدم ملكه (كَعِتْقِ قَرِيبِه) بأن اشترى قريبه بالخيار، فإنه لا يعتِقُ في مدّته عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. (وَنَحْوِه) أي ونحو القريب في العتق بالشِّراء، وهو العبد الذي كان مشتريه بشرط الخيار قال: إن ملكتُ عبداً فهو حرّ، فإنه لا يعتق في مدّة الخيار عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. وإنّما قلنا أن مشتريه قال: إن ملكت، لأنه لو قال: إن اشتريت، يعتق في المدّة باتفاقٍ، أمّا عندهما فلوجود الملك، وأمّا عند أبي حنيفة فلأن المعلّق بالشرط كالمطلق عند وجود ذلك الشرط، وهو لو أطلق العتق بعد شرائه بالخيار، يعتق. (والفَسْخُ) أي فسخ من له خيار الشّرط بالقول، سواء كان بائعاً أو مشترياً أو أجنبياً، (لَا يَعْملُ) عند أبي حنيفة ومحمد (إلاّ أنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهُ) أي صاحب الفاسخ، وهو العاقد الذي لا خيار له (في المُدَّةِ) أي مدة الخيار، سواء كان غائباً أو حاضراً. وقال أبو يوسف: يعمل وإن لم يعلم صاحبه، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأن من له الخيار مسلّطٌ على الفسخ من جهةِ مَنْ لا خيار له، فلا يتوقف فسخه على علمه كالإجازة، وصار كالوكيل بالبيع فتصرّف فيما وُكِّلَ، وإن لم يعلم مُوَكِّله. ولهما (٣) : أنّ من لا خيار له قد يلحقه الضَّرر إذا فَسخ بغير علمه مَنْ لَهُ الخيار، فإنّ الخيار إذا كان للبائع ومضت المدّة يَظنّ المشتري أنّ البيع تمّ بناءً على الظاهر، فيتصرّف في المبيع، ثم يظهر أنه مِلكٌ لغيره، فيلحقه الضمان بالهلاك. وإذا كان

стр. 1049

بِخِلَافِ الإجَازَةِ، وَيَسْقُطُ الخِيَارُ بِمُضِيّ المُدَّةِ. وَمَا يَدُلَّ عَلَى الرِّضَى: كالْرّكُوبِ، وَالوَطْئِ، وَشِرَاءِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، أو أحَدِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى أنْ يُعَيِّن أحَدًا، صَحّ، لَا فِي الأكْثَرِ === للمشتري، فالبائع لا يطلب لسلعته مشترياً بناءً على أن البيع تمّ بِمُضِيّ المدّة، فإذا أخبره المشتري بعد ذلك أنه كان فسخ العقد تضرّر. وقال الكَرْخِيّ: وعلى هذا الخلاف خيار الرؤية، بخلاف خيارُ العيب، فإنه لا يصحّ فسخه بدون علم صاحبه باتفاقٍ. (بِخِلَافِ الإجَازَةِ) فإنها تعمل وإن لم يعلم صاحب المجيز، لأنه لا ضرر فيها عليه إذ العقد لازمٌ من طرفه. قيّدنا الفسخ بكونه بالقول لأنه لو كان بالفعل بأن أعتق أو وطاء أو باع (١) ، فإنّ العقد ينفسخ وإن لم يعلم صاحبه، لأنّ فسخه حينئذٍ حكمي، وهو لا يشترط فيه العلم كعزل الوكيل. وقَيَّد علم صاحبه بكونه في المدّة، لأنه لو كان بعدها، بأن فسخ حال غيبته، ومضت المدَّة قبل علمه، تمّ العقد. ثم اعلم أنّه يثبت الخيار لكلّ من العاقد والمشروط له من غير العاقدين (٢) ، فإن أجاز أحدهما البيع وفسخ الآخر، يُعتبر الأسبق منهما، ردّاً كان أو إجازة، لأنّ السابق إن كان ردّاً انفسخ العقد، والمفسوخ لا يُجَاز، وإن كان إجازة انبرم، وبعد انبرامه لا ينفرد أحد العاقدين بفسخه، فإن وُجِدَا معاً، فالفسخ أحقّ على الأصحّ. وقيل: تصرف العاقد أحقّ. (وَيَسْقُطُ الخِيَارُ بِمُضِيّ المُدَّةِ) لأنه لا يثبت إلاّ فيها، فيكون مقدَّراً بمُضِيها. (وَمَا) أي وبفعل ما (يَدُلَّ عَلَى الرِّضَى كَالْرُّكُوبِ) في الدّابة إذا كان له منه بدٌّ، أما ركوبها لينظر إلى سيرها فلا يُبْطِلُ خياره، لأنه لا بدّ له منه للامتحان. (وَالوَطْاءِ) أي كالوطاء في الأَمةِ، لأنه لا يَحِلّ في غير الملك. (وَشِرَاءِ أَحِد الثَّوْبَيْنِ أو أحَدِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى أنْ يُعَيِّنَ) المشتري (أحَداً) أي واحداً، ويشاء في ثلاثة أيّام. (صَحّ) ويسمّى هذا خيار التعيين. وقال زُفَر والشَّافعي رحمهما الله: لا يصحّ. (لَا فِي الأكْثَرِ) أي لا يصحّ شراء أحدٍ أكثرَ من ثلاثة على أن يعين واحداً، لأنّ الحاجة تندفع بالثلاثة لاشتمالها على الجيّد والرديء والوسط.

стр. 1050

وَشِرَاءُ عبْدَيْنِ بالْخِيَارِ في أحَدِهِمَا، صَحَّ إنْ فَصَّلَ الثَّمَنَ، وَعَيَّن مَحَلَّ الخِيَارِ. وَفَسَدَ البَيْعُ في الأوجُه البَاقِيَةِ. وَعَبْدٍ مَشْرِيٍّ بِشَرْطِ كَتْبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، أَخَذَ بِثَمَنِهِ أوْ تَرَكَ. وَيُوَرَّثُ خِيَارُ التَّعْيِيِن والعَيْبِ، لَا الشَّرْطِ والرُّؤْيَةِ. فَصْلٌ [فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ] صَحَّ شَراءُ مَا لَمْ يَرَهُ، === (وَشِرَاءِ عبْدَيْنِ) وكذا بيعهما (بالْخِيَارِ في أحَدِهِمَا، صَحَّ إنْ فَصَّلَ) البائع (الثَّمَنَ وَعَيّنَ مَحَلَّ الخِيَار) لأنّ المبيع معلومٌ، والثَّمن معلومٌ. قيّد بالعبدين، لأنّ شراء الكَيْلِيّ والوَزْنِيّ، أو العبد الواحد على أنّه بالخيار في نصفه جائز، سواء فصّل الثمن أو لم يفصّل، لأنّ النّصف من الشيء الواحد لا يتفاوت. (وَفَسَدَ البَيْعُ في الأَوجُه البَاقِيَةِ) وهي ما إذا لم يفصّل الثَّمن ولم يعيّن محل الخيار، أو فصّل ولم يعّين، أو عيّن ولم يفصّل، لجهالة الثَّمن والمبيع في الأول، وجهالة المبيع في الثاني، وجهالة الثَّمن في الثّالث. (وَعَبْدٍ مَشْرِيًّ) كمَرْمِيّ اسم مفعول من الشراء. وفي نسخة: مشترىً. (بِشَرْطِ كَتْبِهِ) أي بشرط أنه كَاتِبٌ (وَلَمْ يُوجَدْ) الشَّرط، (أَخَذَ) المشتري ذلك العبدَ (بِثَمَنِهِ أوْ تَرَكَ) وهو قول الشّافعيّ، لأن الكِتَابة وصفٌ مرغوبٌ فيه، فيُسْتَحَقُّ بالشرط، ويثبت بفواته الخيار للمشتري، لأنه لم يرض بالعبد دونه، ويُكْتَفَى بأدنى ما يُطْلَقُ عليه اسم الكاتب لوجود الشرط. نصّ عليه محمد في «الزيادات»، وهو قول الشّافعي. (وَيُوَرَّثُ خِيَارُ التَّعْيِيِنِ و) خيار (العَيْبِ) أي يثبت كل منهما ابتداء لوارثٍ: هو له ـ لاستحقاقه ـ المطالبةُ بعده. (لَا الشَّرَطِ) أي لا يورّث خيار الشرط، (و) لا خيار (الرُّؤْيَةِ). وقال مالك والشَّافعيّ: يورّث خيار الشّرط، لأنه حقّ في المبيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب وخيار التعيين. ولنا: أنّ خيار الإنسان لا ينتقل إلى غيره بل ينقطع بموته، وإنما يورّث ما يحتمل الانتقال، وأمّا خيار العيب فإنّ المورِّث استحق المبيع سليماً فكذا وارثه. وخيار التعيين فإنه يثبت للوارث ابتداءً في ضمن اختلاط ملكه بملك البائع. وتوضيحه أن الثابت بالشَّرط لا يورَّث ويسقط، ولكنه وَرِثَ المبيع مجهولاً مختلطاً بملك الغير، فيثبت له خيار التعيين ابتداءً، كمن اختلط ماله بمال رجلٍ يثبت له خيار التعيين. فصلٌ (في خيار الرؤية) (صَحَّ شَراءُ مَا لَمْ يَرَهُ) سواء ذُكِرَ وصفه أو لم يُذْكَر، كمن اشترى زيتاً في

стр. 1051

وَلِمُشْتَريهِ خِيَارُهُ عِنْدَهَا إلى أنْ يُوجَدَ مُبْطِلُهُ، === زِقَ (١) ، أو بُرّاً في عِدْلٍ (٢) ، أو دَرَّةً (٣) في حُقَّةٍ (٤) ، أو ثوباً في كُمَ واتَّفقا على أنّه موجودٌ في مِلكه ولم يَرَ المشتري شيئاً من ذلك. (وَلِمُشْتَريهِ خِيَارُهُ) أي خيار ما لم يره. وفي نسخة: الخيار. (عِنْدَهَا) أي عند الرُّؤية (إلى أنْ يُوجَدَ مُبْطِلُهُ) أي مبطل خيار الرُّؤية، وهو ما يدلّ على الرِّضا. وقال الشافعيّ: لا يَصِحّ شراء ما لم يره إن لم يكن جنسه معلوماً للمشتري، وإن كان معلوماً يجوز على قوله القديم، ولا يجوز على قوله الجديد. واختار كثيرٌ من الشَّافعية الجواز منهم القَفَّال. وعن مالك الجواز وعدمه. وقال بعض أصحابه: لا يصحّ بلا ذِكْر صفةٍ ولا تقدُّم رؤيةٍ. لهما في عدم الجواز: نهيُه ﵊ عن بيع الغَرَر (٥) . والغَرَرُ ما يكون مستورَ العاقبة، وهو موجودٌ فيما لم يره، ونهيُه ﵊ عن بيع ما ليس عند الإنسان (٦) . والمراد ما ليس بحاضرٍ مَرْئِيَ للمشتري، لإجماعنا على أنّ المشتري إن كان رآه، فالعقد جائز وإن لم يكن حاضراً عند العقد. ولنا العمومات المجوِّزة للبيع مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧) وما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في «سُنَنَيْهِما» مرسلاً: حدَّثنا إسماعيل بن (عَيّاش، عن) (٨) أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مَكْحُول رفعه إلى النّبيّ ﷺ : «من اشترى شيئاً لم يره، فله الخيار إذا رآه، إنْ شاء أخذ، وإن شاء ترك». قال الدَّارَقُطْنِيّ: أبو بكر بن أبي مريم ضعيفٌ. وأُجِيبَ: بأن تضعيف ابن أبي مريم لجهالة عدالته، لا يُنَافي علم غير المضعِّف بها (٩) . وقد رواه أيضاً الحسن البَصْرِيّ، وسَلَمَةُ بن المُحَبَّق عن النّبيّ ﷺ . وروى الدَّارَقُطْنِيّ مسنداً عن دَاهِرِ بن نوحٍ، عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكُرْدِيّ، عن وَهْب

стр. 1052

وَإِنْ رَضِيَ قَبْلَهَا، لا لِبَائِعِهِ. === اليَشْكُرِيّ، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة عن النّبيّ ﷺ قال: «من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه». قال الكُرْدِيّ: وأخبرني الفُضَيْل بن عِيَاض، عن هِشَام، عن ابن سيرين (١) ، عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيّ ﷺ بمثله. قال عمر وأخَبرني القاسم بن الحكم، عن أبي حنيفة (عن الهَيْثَم) (٢) ، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبي ﷺ بمثله. لكن قال الدَّارَقُطْنِيّ: وعمر بن إبراهيم هذا يَضَعُ الأحاديث، ولم يروه غيره، أي مسنداً، وإنّما يُعْرَف هذا عن ابن سيرين من قوله. وقال ابن القَطَّانِ في كتابه: والراوي عن الكُرْدِيّ دَاهِر بن نوح، وهو لا يُعْرف، ولعلَّ الجِنَاية منه. هذا، وتأويل النَّهي عن بيع ما ليس عند الإنسان: بيع ما ليس في ملكه، بدليل قصة الحديث. قال حكِيمُ بن حِزَام: فقلت يا رسول الله يأتيني الرَّجل يطلب مني بيعةً ليست عندي، فأبيعها منه، ثُمَّ أدخل السُّوق فأستجيدها، فأشتري بها، فأسلِّمُها إليه. فقال ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٣) . والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين: كالطير في الهواء، والسمك في الماء. إذا عُرِفَ هذا فيخيّرُ المشتري فقط (وَإِنْ) كان (رَضِيَ قَبْلَهَا) «إنْ» هذه وصلية أي: وللمشتري أنْ يردّ المبيع عند الرُّؤية وإن رَضِيَ قبل الرّؤية، بأنْ قال بعد تمام العقد: رضيت بذلك المبيع على أي وصفٍ كان، لأنّ هذا الخيار تعلّق ثبوته بالرّؤية فكان عدماً قبلها، (فلا يصحّ إسقاطه قبلها) (٤) . ثمَّ لا رواية في الرَّدِّ قبل الرّؤية، واختَلَف فيه المشايخ فقيل: لا يملكه المشتري كالإجازة، وقيل: يملكه، وهو ظاهر مذهب أصحابنا. (لا لِبَائِعِهِ) أي لا خيار لبائع ما لم يره. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: (له الخيار) (٥) قياساً على المشتري، ثمّ رجع إلى أنّه لا خيار له. لِمَا روى الطّحَاوِيّ والبَيْهَقِيّ عن عَلْقَمَة بن أبي وَقَّاص: أنّ طَلْحَةَ اشترى من عثمان مالاً، فقيل لعثمان: إنك قد غُبِنْتَ فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أره. قال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت

стр. 1053

وَيُبْطِلُهُ وَخِيَارَ الشَّرْطِ تَعَيُّبُهُ وَتَصَرُّفٌ يُوجِبُ حَقًّا لِغَيْرِهِ: كَالْبَيْعِ بِلَا خِيَارٍ، قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَبَعْدَهَا. وَمَا لَا يُوجِبُهُ: كَالْبَيْعِ بِخِيَارٍ، وَمُسَاوَمَةٍ، وَهِبَةٍ بَلَا تَسْلِيم، يُبْطِلُ بَعْدَهَا فَقَطْ. وَيُعَتَبَرُ رُؤْيَةُ المَقْصُودِ كَوَجْهِ الأمَةِ، === ما لم أره. فحكَّما بينهما جُبَيْرَ بن مُطْعِم، فقضى أنّ الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان، (وكان ذلك بمحضر من الصحابة) (١) ، فقد اتَّفقوا على جواز الشِّراء. (وَيُبْطِلُهُ) أي ويبطل خيار الرُّؤية (وَ) يبطل (خِيَارَ الشَّرْطِ) أيضاً (تَعَيُّبُهُ) أي المبيع بتعد أو غيره عند المشتري دفعاً للضَّرر عن البائع، لأنّه خرج عن ملكه سليماً، فلا يعود إليه معيباً. (وَتَصَرُّفٌ) من المشتري، وهو بالرفع عطف على تعيبه (يُوجِبُ) ذلك التّصرف (حَقّاً لِغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِلَا خِيَارٍ) والإعتاق والتّدبير والرّهن والإجارة (قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَبَعْدَهَا) أَمّا قبل الرّؤية، فلتعذّر الفسخ في هذه التّصرفات لوقوعها صحيحة لابتناء صحتها على قيام الملك، وقد وُجِدَ، وبعد صحتها لا يمكن رفعها، وأمّا بعد الرّؤية لأنها دليلٌ على الرضا. (وَمَا) أي وتصرف من المشتري، وهو مبتدأ صفته (لَا يُوجِبُهُ) أي لا يوجب حقّاً لغير المشتري (كَالْبَيْعِ بِخِيَارٍ وَمُسَاوَمَةٍ) بعدها، أي كمساومة لسلعة، وهو عرض المبيع للبيع (وَهِبَةٍ بَلَا تَسْلِيم يُبْطِلُ) خيار الرّؤية خبر المبتدأ (بَعْدَهَا) أي بعد الرّؤية لوجود ما يدلّ على الرضا، (فَقَطْ) أي ولا يبطل خيار الرّؤية قبلها، لإنها لا تزيد على صريح الرضا، وهو لا يبطل خيار الرّؤية قبلها. إلاّ أنّه إذا تعلّق به حقّ الغير، صار ذلك الحقّ مانعاً من الفسخ، ولاحقّ هنا. ويُبْطِلُ خيار الرّؤية أيضاً قبضُ المبيع بعد الرُّؤية، لأنه يدلّ على الرّضا، لأنه مؤكدٌ لحكم العقد فشابه البيع. ثم اعلم أنّ قوله: كالبيع بلا خيارٍ، يعني للبائع، سواء كان بلا خيارٍ أصلاً، أو بخيارٍ للمشتري أو لغيره، لأنّ البيع حينئذٍ من جانبه باتٌ لازمٌ. وإنّ قوله: كالبيع بخيار، يعني للبائع، لأنّ البيع من جانبه حينئذٍ غير باتٍ، وإنّ قوله في المسألة الأولى الرّؤية، وبعدها منصوب (يبطله، كما إنّ قوله في مقابلها: بعدها فقط منصوبٌ) (٢) يبطل. (وَيُعَتَبَرُ رُؤْيَةُ المَقْصُودِ) لأنه بها يحصل العلم بالمبيع، ولا يشترط رؤية غيره، ولا يُكْتَفَى بها وحدها حتّى لو رأى سائر أعضائه دون ما هو المقصود، كان باقياً على خياره (كَوَجْهِ الأمَةِ) والعبد، وإنّما كان المقصود في الرقيق وجهه، لأن سائر

стр. 1054

والدَّابَّةِ، وَكَفَلِهَا، ومَوْضِعِ عَلَمِ المُعْلَمِ، وَظَاهِرِ غَيْرِهِ، وبُيُوتٍ مَقْصُودَةٍ وَنَظَرِ وَكِيلِهِ بِالشِّرَاءِ أوْ القَبْضِ، لَا نَظَرُ رَسُولِهِ. وَجَسُّ الأعْمَى وَشَمُّهُ وَذَوْقُهُ، وَوَصْفُ العَقَارِ عِنْدَهُ. === الأعضاء فيه تبعٌ لوجهه، لأنّ القيمة فيه تتفاوت بتفاوته مع التّساوي في سائر الأعضاء. (والدَّابَّةِ) أي، ووجهها (وَكَفَلِهَا) (١) هذا هو الصحيح. وقال محمد: يكفي رؤية الوجه اعتباراً بالرقيق. وقال بعض المشايخ، وهو مذهب الشَّافعي: لا بدّ: من رؤية الوجه والكَفَل والقوائم، وأما فيما يُطعَم من السَّمنِ والعسل ونحوهما فلا بد من الذَّوق، لأنّ العلم بما هو المقصود لا يحصل إلاّ به. (ومَوْضِعِ (٢) عَلَمِ (٣) ) الثوب (المُعْلَمِ) لأنّ ماليَّتَه تتفاوت بحسبه (وَظَاهِرِ غَيْرِهِ) أي غير المُعْلَم لأنّ برؤية ظاهره يُعْلَمُ حال البقية، إذ لا تتفاوت أطراف الثّوب الواحد إلاّ يسيراً، وذا غير معتبر. وأطلق المصنّف، وهو مقيدٌ بما إذا كان مطويّا. وفي «المحيط»: قيل: هذا في عرفهم، أمّا في عرفنا فما لم ير الباطنَ لا يسقط خياره. وعند الشّافعيّ لا بدّ من نشره ورؤية كلّه في قولٍ، وهو قول زُفَر لأنْه ليس بمثلي، فلا يُعْرَفُ كله بدون ذلك. (وبُيُوتٍ) في الدّار (مَقْصُودَةٍ) هذا قول زُفَر وهو الأصحّ، لأنّ بيوتها تختلف بالشتوية والصيفية، والعُلْوية والسُّفلية. وعامة الروايات على أنه يكفي رؤية صحن الدَّار دون بيوتها، وكذا رؤية خارجها، وهو مبنيّ على عادة أهل الكوفة في ذلك الزَّمان. فإنّ دُورهم كانت على نمطٍ واحدٍ لا تختلف إلاّ بالكبر والصغر، وبكونها جديدة أو عتيقة، وذلك يظهر برؤية خارجها، وأمّا اليوم فلا بدّ من النظر إلى داخلها لتفاوت بيوتها ومرافقها. وفي «المُحِيط»: وبعضهم شرط رؤية الكلّ، وهو الأظهر كما قال الشّافعيّ. (وَ) يعتبر (نَظَرُ وَكِيلِهِ بِالشِّرَاءِ أوْ القَبْضِ لَا نَظَرُ رَسُولِهِ) أمّا نظر وكيله بالشراء فباتفاقٍ، وأمّا نظر وكيله بالقبض فعند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: الوكيل بالقبض والرسول سواء، وللمشتري أن يردّه إذا رآه. (وَ) يعتبر (جَسُّ الأعْمَى) فيما يُعْرَفُ بالجسّ كشاة اللّحم (وَشَمُّهُ) فيما يُعْرَفُ بالشَّمِّ كالمسك وماء الورد (وَذَوْقُهُ) فيما يُعْرَفُ بالذَّوقِ. (وَ) يُعْتَبَرُ (وَصْفُ العَقَارِ) للأعمى (عِنْدَهُ) أي عند العَقَار.

стр. 1055

وَمَنْ رَأَى شَيْئًا ثُمَّ شَرَى، فَلَهَ الخِيَارُ إنْ تَغَيَّرَ، وَالقَوْلُ لِلْبَائِعِ في عَدَمِ تَغَيُّرِهِ، وَلِلْمُشْتَرِي في عَدَمِ رُؤْيَتِهِ. فَصْلْ [فِي خِيَارِ العَيْبِ] وَلِمُشْتَرٍ وَجَدَ بِمَشْرِيِّهِ عَيْبًا نَقَّصَ ثَمَنَهُ عِنْدَ التُّجَّار رَدُّهُ، أوْ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ كُلِّه. === (وَمَنْ رَأَى شَيْئاً ثُمَّ شَرَى) ما رآه بعد مدّة (فَلَهَ الخِيَارُ إنْ تَغَيَّرَ) المُشْتَرَى، لأنّ تلك الرُّؤية لم تقع مُعلِمة بأوصافه، فصار كأنه لم يره. قيّد بتغيره لأنه لو لم يتغيّر لم يكن له الخيار، لأنّ العلم بأوصافه حاصلٌ له بالرُّؤية السابقة، وقد رَضِيَ به ما دام على تلك الصفة. (وَالقَوْلُ لِلْبَائِعِ) مع يمينه (في عَدَمِ تَغَيُّرِهِ) إن اختلفا في تغيّره وكانت المدّة قريبة يُعلم أنّه لا يتغيّر في مثلها، لأنّ الأصل بقاء ما كان على حاله، فلا يصدّق المشتري في دعوى التغيّر إلاّ ببينةٍ، إلاّ إذا بعدت المدّة بأن رأى أمةً شابةً، ثمَّ اشتراها بعد عشرين سنة، لأنّ الظاهر يشهد له (وَ) القول (لِلْمُشْتَرِي) مع يمينه (في عَدَمِ رُؤْيَتِهِ) إن اختلفا فيها لأنّها أمرٌ حادثٌ، والمشتري ينكره، فيكون القول له. ولو اشترى شيئاً مُغيَّباً في الأرض، كالجزر والفُجل والبصل والثوم وأصول الزَّعْفَرَان وما أشبه ذلك، يجوز، وبه قال مالك وأحمد، وله الخيار إذا رأى جميعه. ورؤية بعضه لا تبطل خياره عند أبي حنيفة، لأنّ هذه الأشياء تتفاوت بالصغر والكبر، والجودة والرداءة. وقال أبو يوسف ومحمد: رؤية بعض أحد هذه الأشياء كرؤية كلّه، لأنّ بعض الواحد منها يستدلُّ به في العادة على جميعه، فصارت كالمكيل والموزون والعددي المتقارب. فصلٌ (في خِيَارِ العَيْبِ) (وَلِمُشْتَرٍ) خبر مقدم (وَجَدَ بِمَشْرِيِّهِ) أي بمشتراه (عَيْباً نَقَّصَ) بفتح القاف المشدّدة (ثَمَنَهُ عِنْدَ التُّجَّار) يعني وقبضه غير عالم بالعيب (رَدُّهُ) مبتدأ الخبر المقدّم (أوْ أَخْذُهُ) بصيغة المصدر، أي أخذ المشتري (بِثَمَنِهِ (كلّه) (١) ) قيّد النقص بكونه عند التّجار، لأنّ المرجع في معرفة ذلك إليهم. وفي «الذَّخيرة»: كلّ شيءٍ إذا رجع إلى أهل صنعته يعدُّونه عيباً، فهو عيبٌ وإن لم يُوجب نقصاً في العين ولا في منافعها، لأنّه عندهم يوجب نقص ثمنه. نظيره الظُّفَر الأسود إن كان يُنقِص الثمن، فهو عيبٌ كما في
следующие страницы →