← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

من صَدَقةٍ، فعَجَزَ. ولا تنفَسِخُ بموت السَّيِّدِ وأدَّى البدلَ إلى ورَثته على نُجومِهِ، وإن أعتَقَه بعضُهم لا يصح، وإن أعتقوه عَتَقَ مجّانًا. === منْ صَدَقةٍ) تصدَّق بها عليه (فعَجَزَ) لأن المِلْك قد تبدُّل، وتَبَدُّلُ الملكِ كتبدلِ العين. أشار إلى ذلك النبي ﷺ في حديث بَرِيْرَة حيث قال في اللحم الذي تُصدِّق به عليها: «هو لها صَدَقَةٌ ولنا هدية» (١) ، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها، حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث يَطيْبُ له ما أَخذه من الزكاة حالة الفقر، وكابن السبيل إذا أخذ الصدقَةَ ثم وصل إلى ماله ومعه شيء منها، حيث يَطيبُ له، لأن المُحَرَّمَ على الغني هو الأخذ، وهو ليس بموجود ممن أخذ حالة الحاجة ثم استغنى. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عينَ ما أخذه من الزكاة لا يَطيبُ له، لأن المِلْك لم يتبدَّل. (ولا تنفَسِخُ) الكتابة (بموت السيد) لأنها حقُ العبد، فلا تبطلُ بموت سيده كالتدبير، وأُمُوميَّة الولد، وأجل الدَّين إذا مات الطالب (وأدى) المكاتب (البدل إلى ورثته على نجومه) لأن النجوم أجل الكتابة، وهو حق المطلوب، فلا يبطل بموت الطالب، كأجل الدَّين بخلاف موت المطلوب، لأن ذمته خَرِبت وانتقل الدين إلى تركته وهو عين. وهذا إذا كاتبه وهو صحيح، وأما إذا كاتبه وهو مريض فلا يَصِحُ تأجيله إلا من الثلث. (وإن أعتَقَه) أي المكاتب (بعضُهم) أي بعض الورثة (لا يصح) لأنه لم يَملِكْه، إذ لم يقبل النقلَ من مِلك إلى ملك، ولا عِتقَ بدون المِلْك (وإن أعتقوه عَتَقَ مجّاناً) والقياس: أن لا يعتِق، لأنهم لم يملكوه، ولهذا لا يكون للإناث منهم الولاء فيه، ولو ملكوه لكان الولاء لهنَّ. ووجه الاستحسان: أنّ هذا إبراءٌ عن بدل الكِتَابة، لأنه حقُهم، وقد جرى فيه الإِرث، أو إقرار بالاستيفاء منه، فتبرأ ذمته فيعتق، كما لو أبرأه المولى عن بدل الكِتَابة كله. ويشترط أن يُعتِقُوه في مجلسٍ واحدٍ، حتى لو أعتَقَه بعضهم في مجلس وبعضهم في مجلسٍ آخر لم يَعتِقْ على الصحيح.

стр. 982

كِتَابُ الأَيْمَانِ === كتاب الأيْمَان اليمين في اللغة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿لأخَذْنَا منه باليمينِ﴾ (١) ، والجَارِحةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وأصحاب اليمين﴾ (٢) ، والحَلِفُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لهم﴾ (٣) . وفي الشريعة: تقوية الخبَرِ بذكر الله، أو بالتعليق. وسببها: قصدُ الحالف إظهارَ صِدْقه في قلب السامع، أو حمل نفسه على الفعل أو الترك. وشرطها: كونُ الحالف مكلفاً. ورُكنها: اللفظ الذي ينعقد به اليمين. وحكمها: البَرُّ حال بقاءِ اليمينِ، والكفَّارة عند فوات البَرِّ. وهي نوعان: يمين بالله، ويمين بغيره. فالأُولى مشروعة بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: ﴿وتَااِ لأكِيْدَنَّ أصنامَكُم﴾ (٤) و ﴿تَااِ لقدْ آثَرَكَ اعلينا﴾ (٥) . وبالسنة وهو قوله ﵊: «والله لأغزون قريشاً» (٦) ، وبالإجماع. وكذا بغير «الله» مشروعة: وهي تعليق الجزاء بالشرط، نحو: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ أو فأنتَ حرٌ وما أشبه ذلك، لأنه التزمَ حُكماً بالشرط وله ولاية إلزامه (٧) . وهو ليس بيمين وصفاً وإنَّما سُمِّيَ يميناً في عرف الفقهاء لحصول ما هو المقصود باليمين بالله، من الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يميناً. حتى لو حلف أن لا يحلِفَ فعلَّق بالطلاق ونحوه يحنَث. والحَلِفُ بغير الله مكروه لقوله ﵊: «من حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرك». رواه أحمد والترمذي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر.

стр. 983

هي ثلاثٌ: فحَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكٍ ماضٍ، كاذبًا عمدًا، غَمُوسٌ، يأثمُ به. وظانًّا أنه حقٌّ، وهو ضِدُّه لغوٌ، يُرجى عَفْوُه === (هي) أي اليمين التي اعتبرها الشارع ورتب عليها الأحكام (ثلاثَ:) وإلا فمطلق اليمين أكثر من الثلاث، كاليمين على الفعل الماضي صادقاً. والمراد بترتب الأحكام عليها ترتُّبَ المُؤاخذة على الغَمُوس، وعدَمَها على اللغو، والكفارة على المُنعقدة. (فَحَلِفُه) مبتدأ (على فِعْلٍ) أراد به المصدر أعم من أن يكون قائماً بالعقلاء أو بغيرهم، نحو: واللَّهِ لقد هَبَّتِ الريح (أو تَرْكٍ) أي عدمِ فعلٍ (ماضٍ). وفي «الإيضاح» و «التحفة»: أن اليمين الغَمُوس يكون على الحال أيضاً، نحو: والله ما لهذا عليَّ دينٌ، وهو يعلمُ خلافَه. والتحقيق أنه داخلٌ في ماضٍ حكماً. (كاذباً عمداً) حالان من الضمير في حَلِفِه (غَمُوسٌ) خبر المبتدأ. وسميت هذه اليمين غموساً لانغِماس صاحبها في الإثم، ثم في النار (يأثم به) أي بهذا الحلف، لما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «الكَبَائرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفْس، واليمينُ الغَمُوس». وروى ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أبي أُمَامَة قال: قال رسول الله ﷺ «من حَلَفَ على يمينٍ هو فيها فَاجرٌ ليقتَطِعَ بها مال امرءٍ مسلمٍ حَرَّم الله عليه الجنة، وأدخله الله النار». ورواه الشيخان من حديث ابن مسعود بلفظ: «لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان». وروى أبو داود من حديث عِمران بن حُصَيْن قال: قال رسول الله ﷺ «من حَلَف على يمينٍ مَصْبُورةٍ كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار». والمَصْبُورة: اللازم من جهة الحكم، ذكره الخطَّابي. وفي «الصحاح»: تبوأت منزلاً، أي نَزَلْت. وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «من حَلَفَ كاذباً أدخَلَه الله النارِ» فغيرٌ معروفٍ. (وظانّاً) عطفٌ على كاذباً، أي حَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكِ ماضٍ حالَ كونِه ظاناً (أنه حقٌ، وهو ضِدُّه) أي غير حقٍ (لغوٌ) رُوِي هذا عن ابن عباس وعن زُرَارة بن أبي أوْفَى. وفي «المعرفة» للبيهقي: نحوه عن عائشة قالت: هو حَلِفُ الرجل على علمه، ثم لا يجده على ذلك. وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن مجاهد قال: هو أنَّ الرجل يَحلِفُ على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك. وهو أيضاً قول مالك. (يُرجى عفوه) كذا قال محمد، وعبارته: فهذه يمينٌ نَرجُو أن لا يُؤاخِذَ الله بها صاحبها.

стр. 984

وعلى آتٍ مُنعَقِدَةٌ. وكفَّر فيه فقط إن حَنِثَ === فإن قيل: ما معنى تعليق نفي المؤاخذةِ بالرجاء. وعدم المؤاخذة باللغو منصوصٌ عليه لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ باللغوِ في أيْمَانِكم﴾ (١) ؟. أجيب بأن المنصوصَ عليه عدم المؤاخذة بما هو لغو في نفس الأمر، والمعلقُ بالرجاء عدم المؤاخذة بما هو لغو على هذا التفسير، لأنه قيل في تفسير اللغو أقوال أُخر. فروى البخاري في «صحيحه» عن هشام بن عروة عن عائشة في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اباللغوِ في أيْمَانِكُم﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وهو رواية عن أبي حنيفة وقول محمد والشافعي. ورُوِي عن الشافعي أنه فسّر اللغو بالخالي عن القصد، سواء كان في الماضي أو الآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين. وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله. لما روى أبو داود عن عطاءٍ قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: كـ: لا والله: وبلى والله». وتأويله عندنا فيما يكون خبراً عن الماضي، فإن اللغو ما يكون خالياً عن الفائدة. والخبرُ الماضي خالٍ عن فائدة اليمين التي هي الحظر أو الإيجاب، فكان لغواً. فأما الخبرُ في المستقبل فإن عَدِمَ القصد لا يَعْدَم فائدة اليمين. وقد ورد الشرع بأن الهزل والجِدّ في اليمين سواء. وقال الشَّعبي ومَسْرُوق: اليمين اللغو أن يحلِفَ على (معصية فيتركها لاغياً بيمينه. وعن سعيد بن جُبَيْر: هو الرجل يحلف على) (٢) الحَرَام بأن يُحَرِّمَ على نفسه ما أحلَّ الله له من قولٍ أو عملٍ، فلا يُؤَاخِذُ اللهاُ بتركه. وعن النّخَعي والحسن: أن الرجل يحلِف على الشيء ثم ينسى. (وعلى) فعل أو ترك (آتٍ) أي مستقبل (مُنعَقِدَةٌ) وإعادةُ «على» لطول الفصل. وهذا أولى مما قال في «شرح الوقاية». ولو قال: وآت بلا لفظ «على» ليكون عطفاً على ماضٍ، لكان أولى كما لا يخفى. (وكفَّر فيه) أي في الحَلِفِ على آت (فقط) أي ولم يُكفِّر في الغَمُوس (إن حَنِثَ) لأن الكفارة لرفع الذنب الحاصل بالحِنْث، وذنبُه حصل بأصل يمينه، فيجب

стр. 985

ولو سَهْوًا أو كَرْهًا، حَلَفَ أو حَنِثَ. === عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعي: يُكفِّر في الغموس أيضاً وهو قول الزهري، لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اباللغو في أيْمانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما كُسَبتْ قُلوُبكم﴾ والغَمُوسُ مكسوبةٌ بالقلب. ولنا قوله تعالى: ﴿ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما عقَّدتُم الأَيمانَ فكفَّارَتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكين﴾ (١) حيث رُتِّبَت الكفارة على المعقودةِ والغموس غير معقودة. ومذهبنا قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن المُسيَّب، والحسن البصري، والأوزَاعِي، والثوري، والليث، وأبي عُبيد، ومالك، وأحمد. وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد جيد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل قال فيه: «خمسٌ ليس لهنَّ كفارة: الشرك بالله، وقتلُ النفس بغير حق، ونَهْبُ مؤمن، والفِرارُ من الزَّحف، ويمينٌ صابرةٌ يقتطع بها مالاً بغير حق». ويؤكده قول ابن مسعود: كُنّا نَعُدُّ اليمين الغموس من الأيْمَان التي لا كفارة فيها. (ولو سَهْواً) وفي معناه النسيان، بل أولى (أو كَرْهاً) بخلاف النائم، فإنه لا يصح يمينه كما في «المجمع» (حَلَفَ أو حَنِثَ) خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في الحَلِفِ بطريق السهو أو الإكراه. وخلافاً للشافعي في أصح القولين، ولأحمد في رواية في الحنث بطريق السهو أو الإكراه، لقوله ﵊: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ والنِّسيانُ وما استُكْرهوا عليه» (٢) . ولنا أن الشرط هو الفعلُ وقد وجد. والفعل الحقيقي لا يصير معدوماً بالنسيان والإكْرَاه، ولقوله ﵊ حين حَلّف المشركون صفوان وابنه: «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم»، فبين أن اليمينَ طوعاً وكَرهاً سواء. وقوله: «رُفِعَ» محمول على رفع الإثم، وهو لا يقتضي عدم الكفَّارة كما حُقق في فعل الخطأ والنسيان في الصلاة، ومحظورات الإحرام. ويُتَصور النسيان في الحلف بأن حلف أن لا يحلف، فنسي فحلف. وأما السهو فمعناه الخطأ، كأن يريد أن يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء. وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «ثلاث جِدُّهن جِدّ وهَزلُهن جِدّ: النكاح، والطلاق، واليمين» فغير معروف. وإنما المعروف ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث أبي هريرة، وحسنه الترمذي

стр. 986

والقَسَمُ بالله أو باسم من أسمائه: كالرحمنِ، والرحيمِ، والحقِّ، أو بصفةٍ يُحلفُ بها من صفاته: كعِزَّةِ الله، وجلاله، وكبريائه، وعظمته، وقدرته، لا بغير الله كالنبي، والقرآن، والكعبة، ولا بِصِفَةٍ لا يُحلف بها عرفًا كرحمتِهِ، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه. === وصححه الحاكم بلفظ: «النكاح والطلاق والرجعة». وقد رواه ابن عَدِي فقال: «الطلاق والنكاح والعتَاق». (والقَسَمُ بالله) أي ثابت بهذا اللفظ الشريف (أو باسم من أسمائه) المنيفة (كالرحمن، والرحيم، والحق) والخالق، والذي لا إله إلا هو رب السماوات والأرض ورب العالمين، سواء تعارف الناس الحَلِفَ به أو لم يتعارفوا (أو بصفة يُحلف بها) عرفاً (من صفاته: كعزة الله، وجلاله وكبريائه، وعظمته، وقدرته) المراد بالاسم هنا اللفظ الدال على الذات مع صفة، وبالصفة اللفظ الدال على الصفة دون الذات. (لا بغير الله) أي لا يصح القَسَمُ بغير الله (كالنبي، والقرآن، والكعبة) لحديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنَّ الله تعالى نَهَاكم أن تحلِفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فلْيَحْلِف بالله أو ليصْمُت». وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «من كان منكم حالفاً فليحلفْ بالله أو ليذرْ» فغير معروف بهذا اللفظ. ولعل نَهْيَه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا أنداداً﴾ (١) ، وقد ورد: «مَنْ حَلفَ فليَحْلِف برب الكعبة». رواه أحمد والبيهقي. (ولا بصفة لا يُحلف بها عرفاً كرحمتِهِ، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه) وهو اختيار مشايخ ما وراء النهر، وهو الأصح. لأن مبنى الأيمان على عُرْفِ أهل الزمان. والحَلِفُ بها غير متعارف، ولأن الرحمةَ قد يراد بها أثرها وهو الجنة، قال الله تعالى: ﴿ففي رحمةِ اهم فيها خالدون﴾ (٢) . والغضب والسَّخط يراد بهما النار، فيكون حالفاً بغير الله. وقال مالك: لا ينعقد اليمينُ بصفات الفعل، وبه قال أحمد في رواية، لأن اليمينَ ينعقد لحُرْمة اسم الله تعالى، ومع الاشتراك لا حرمة له. وفي «المبسوط»: قال مشايخنا العراقيون: الحَلِفُ بصفاتِ الذات كالقدرة، والعظمة، والعزة، والجلال، والكبرياء يمين،

стр. 987

وقوله: لعَمْرُ الله، وَايْمُ الله، وعَهْدِ الله، وميثاقِهِ، === والحَلِفُ بصفات الفعل كالرحمة، والسَّخط، والغضب، والرضاء لا يكون يميناً. وقالوا: صفة الذات: ما يجوز أن يُوصَف بها ولا يجوز أن يوصف بضدها، كالقدرة. وصفة الفعل: ما يجوز أن يوصَف بها وبضدها كالرضا، فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر. انتهى. واتفقوا على أنه لا يُحلف بعلمه، إما لأنه غير متعارَف، وإما لأن العلم يُذكر بمعنى المعلوم. وفي «المحيط»: لو قال: يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعله يُكْفَر، لأنه وصفَ الله تعالى بالعلم بوجود شيء قبل وجوده، فصار كما لو وَصَفَه بالجهل. والأصح: أنه لا يُكْفر، لأنه قصد بهذا الكلام إثبات صدقِهِ في خبره لا وصف الله به. ويجوز أن يحلف بجميع أسمائه وإن لم يتعارف الناس بها على الصحيح، لأن اليمين باسم الله ثبت بقوله ﵊: «من كان حالفاً فليحلف بالله» (١) ، والحلفُ بسائر أسمائه حَلِفٌ بالله. وما ثبت بالنص أو بدلالته لا يراعى فيه العُرْف. وقال بعضهم: كل اسم لا يسمى به غير الله، كالرحمن فهو يمين، وما يسمى به غير الله كالحكيم، والعليم، والقادر، والرحيم، فإن أراد به يميناً فهو يمين، وإن لم يردْ به يميناً لا يكون يميناً. (وقوله) مبتدأ (لعَمْرُ الله) أي لبقائه، وهو بفتح العين أذ لا يُستعمل في القسم بضمها، وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي أو يميني. قال الله تعالى: ﴿لعَمْرُكَ إنَّهم لفي سَكْرتِهم يعمهون﴾ (٢) ، (وَايْمُ الله) وهو عند الفرَّاء جمع يمين، فأَصْلُه أَيْمُن سقطت نونُهُ وهمزتُه في الوصل للتخفيف. وعند سِيْبَوَيْه: كلمة اشتُقت من اليمين، ساكنة الأول فاجتلبت الهمزة للنطق به. وقيل: أيم صلة أي زائدة، والمعنى والله، وهو حلف متعارف بها. فقد قال ﷺ حين طعن الناس في إمارة أسامة بن زيد: «إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وَأَيم الله إنْ كان لخليقاً بالإمارة». رواه البخاري. (وعَهْدِ الله وميثاقِه) وكذا ذمته وأمانته. والواو في هذه الألفاظ للقسم، فما بعدها

стр. 988

وأُقسِم، وأَحَلِفُ، وأَشهد، وإن لم يَقُل: باللهِ، وعليَّ نَذْرٌ، أو يمينٌ، أو عهدٌ وإن لم يُضَف إلى الله. وإن فَعَلَ كذا فَهُو كَافِرٌ، وإن لم يَكْفُر علَّقَهُ بماضٍ أو آتٍ، === مجرور بها. وقال الشافعي: لا يكون هذا النوع يميناً إلا بالنية. ولنا أنَّ العهد غلب استعماله في اليمين، والميثاق، والذمة. والأمانة بمعناه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوفوا بِعَهْدِ الله إذا عَاهدْتُم﴾ (١) ثم قال: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأَيمانَ بعد تَوْكِيْدِها﴾ (١). لكن قد ورد: «من حَلَفَ بالأمانَةِ فليس مِنّا». رواه أبو داود عن بُرَيْدَة. (وأُقسِم، وأَحلف، وأَشهد، وإن لم يقل: بالله) الواو في هذا وما بعده للعطف لا للقسم، لأن الحالف يقول: أُقسِمُ لأفعلنَّ. وقال زفر والشافعي: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، نوى اليمينَ أو لم ينوه. (وعليَّ نَذْرٌ) وقال مالك: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، ونوى اليمين. ولنا ما في السنن من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر نذراً لم يُسمِّه، فكفارتُه كفارةُ يمين». وأما ما في «الهداية» من قوله ﵊: «من نَذَر وسَمى فعليه الوفاء بما سَمَّى» فغير معروف. (أو) عليَّ (يمين أو) عليَّ (عهدٌ وإن لم يُضَف إلى الله) لأن معناه عليَّ موجب يمين وموجب عهد (وإن فَعَلَ كذا فَهُو كَافِرٌ) وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: لا يكون يميناً، لأنه علق بالفعل ما هو معصية، فصار كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان. ولنا أن تعليقَ الكفرِ بفعلٍ، تحريمٌ لذلك الفعل، وتحريم الحلال يمين كما سيأتي. والفرق بين هو كافر وبين هو زان أنه لا يكون زانياً عند الله بمجرد قوله: هو زان، ويكون كافراً بقوله: هو كافر. فقول القائل: إن فعل كذا فهو كافر يمينٌ. (وإن لم يَكْفُر) سواء (علقهُ بماضٍ أو آتٍ) رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف. وقال محمد بن مقاتل: يَكْفُر إذا علقه بماضٍ، لأنه علق الكفر بموجود، والتعليق بالموجود تنجيز، فصار كما لو قال ابتداءً: هو كافر. والصحيح أنه إِذَا كان عالماً أنه يمين لا يَكفُر فيهما، وإن كان جاهلاً أو عنده أنه يكفر في الماضي أو بمباشرة الشرط في المستقبل

стр. 989

وسَوْكَنْدِ ميخُورَمْ بَخْدَايْ قَسَمٌ، وحقًا، وحقّ الله، وحُرْمَته وسَوْكَنْد خُورَمْ بَخُدَاي يابطلاق زن، وإن فعله فعليه غَضَبُه، أو سخطُه، أو لعنتُه، أو أنا زانٍ، أو سارقٌ، أو شاربُ خَمْر، أو آكِلُ ربًا. === يَكفر فيهما، لأنه لما أقدم على الفعل وعنده أنه يَكفر، فقد رضي بالكفر. وكذا لو قال: إنْ فَعَل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الله، أو من النبي، أو من الإسلام، أو من القرآن، أو من القبلة، أو الكعبة، كان يميناً عندنا، ونفاه مالك والشافعي لما تقدم. ولنا ما رُوِي عن ابن عباس أنه قال: من حلف بالتهود والتنصر فهو يمين. وأما ما في الصحيحين من قوله ﵊: «من حَلَفَ على يمين بمِلّة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال». فالظاهر أنه خَرَج مَخرَج الغالب، فإن الغالب ممن يحلف بمثل هذه الأيمان أن يكون من أهل الجهل لا يُعْرف منه إلا لزومُ الكفر على تقدير الحِنْث، لا من أهل العلم والخبر، فإن تمّ هذا وإلا فهي شاهد لمن أطلق القول بكفره. (وسَوْكَنْدِ ميخُورَمْ بَخُدَايْ) أي أقسم بالله بلسان الفارسي، وكذا الحكم بسائر ألسنة العجم (قَسَمٌ) هذا خبر المبتدأ الذي هو قوله: لعَمْرُ الله وما عُطف عليه (وحقاً) أي قوله: حقاً (وحق الله وحرمته وسَوْكَنْد خُورَمْ بَخُدَاي) أي بصيغة الاستقبال (يابطلاق زن) يعني سَوْكَنْد خُورَمْ بطلاق زن (وإن فعله) أي كذا (فعليه غَضَبُه) أي غضب الله (أو سخطُه، أو لعنتُه) أو حرم الله عليه الجنة أو عذَّبه بالنار (أو أنا زانٍ، أو سارق، أو شارب خمر، أو آكل رباً) أي لا يكون قَسَماً. أما حقاً فلأنه يراد به تحقيق الوعيد، وأما حق الله فلأنه يراد به واحدُ الحقوق، ومنه قوله ﵊ لمعاذ: «هل تدري ما حقُّ الله على عباده» (١) . وأما الغضب والسَّخط واللعنة، فلأنه يرادُ بها آثارُها وهي النار، ولأنه دعاء على نفسه، قال الله تعالى: ﴿ويَدْعُ الإنسانُ بالشَّرِ دَعَاءَه بالخير﴾ (٢) . ولأن واحداً من هذه الأمور لم يْتعارف الحَلِفُ به. وقيد بحق الله لأنه لو قال: والحق يكون قسماً، لأنه من أسمائه سبحانه. وأما قوله: أنا زان ونحوه فلعدم استلزام وجود الشرط وجودَ ما فعله جزاء من الزنا ونحوه، لتوقفه على فعل مستأنف.

стр. 990

وحُرُوفُ القَسَمِ: الواو، والباء، والتاء. وقد تُضمَر: كـ: اللهِ لأفعلنَّ. === (وحُرُوفُ القَسَمِ: الواو، والباء، والتاء) كقوله: واللَّهِ، وباللَّهِ، وتالله. لأن كل ذلك معهودٌ في الأَيمان ومذكور في القرآن، قال الله تعالى: ﴿والله رَبِّنا ما كُنّا مشركين﴾ (١) ، ﴿يَحْلِفون بالله ما قالوا﴾ (٢) ، ﴿تاالله تفتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣) . وأصل هذه الحروف الباء، ولذا تدخل على الظاهر والمضمر نحو بالله، وبه. ويجوز إظهار الفعل معها نحو: حلفت بالله، وأُقسِمُ بالله. والواو ملحَقَة بها، ولهذا لا تدخل على المُضمَر، ولا يجوز إظهار الفعل معها. والتاءُ ملحقة بالواو وتدخل على لفظة «الله» خاصة. ورواية تَرَبَّ (٤) الكعبة شاذة. (وقد تُضمَر) حروف القسم (كـ: الله لأفعلن) وفي نُسخة: لا أَفعله. وينصب الاسم حينئذٍ على إسقاط الخافض واتصال فعل الحلف به كقوله تعالى: ﴿واختَار مُوسَى قَوْمَه﴾ (٥) وهو أكثر استعمالاً، أو يُخفض على إضمار الخافض وبقاء أثره، وهو قليل شاذ. وحُكِيَ الرفع أيضاً نحو: الله لأفعلنّ على إضمار المبتدأ أو خبره وهو الأولى، لأن الاسم الكريم أعرَفُ المعارِفِ، فهو أولى بكونه مبتدأ، والتقدير: الله قسمي، أو قسمي اللهاُ لأفعلن. ولو قال: واللهاِ والرحمنِ يكون يمينين، إلا أن يريد تِكرار الأول في ظاهر الرواية، وعليه أكثر المشايخ. وروى الحسن عن أبي حنيفة يكون يميناً واحداً وبه أخذ مشايخ سمرقند. ولو قال: والله والله فهو يمينان كذا ذكروه، وفيه أنه أولى بأن يصلح ثانِيه للتأكيد مما قبله. ولو قال: والله ووالله فيمينٌ واحد استحساناً. ولو قال: والله لا أكلمك والله لا أكلمك فيمينان. وروى الحسن إن نوى بالثاني الخبر عن الأول صُدِّق ديانة. هذا، وإن وصل إن شاء الله بحلِفِهِ بَرّ، لما روينا في الطلاق من قوله ﵊: «من حَلَفَ على يمينٍ فقال: إن شاء الله فقد استثنى». رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر. وكذا إذا نَذَرَ وقال: إن شاء اللهاُ مُتَّصِلاً لا يلزمه شيء. قال محمد: بلغنا ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وكذا قال موسى

стр. 991

[كَفَّارةُ اليَمِينِ] وكفارته: عِتقُ رقبةٍ، أو إطعامُ عشرة مساكين - كما هي في الظِّهار - أو كِسْوَتُهم، لكلٍ ثوبٌ يستُر عامَّة بَدَنِه، === ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إن شاء اللَّهُ صابراً﴾ (١) ولم يصبر، ولم يُعدّ مُخْلِفاً لوعده. والاتصال شرط عمل الاستثناء في الإبطال، فلو انقطع بتنفّس أو سعال ونحوه لا يضر. وعن ابن عباس أنه كان يُجَوِّز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقيل: إلى سنة لقوله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّك إذا نَسِيْتَ﴾ (٢) أي: إذا نسيتَ الاستثناء موصولاً فاستثن بمفصول. ورُوِي أن محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» كان عند المنصور، فكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة كان حاضراً، فأراد أن يغري الخليفة عليه، فقال: إن هذا الشيخ يخالفُ جدَّكَ في الاستثناء المنفصل، فقال: أَبَلَغَ مِنْ قدرك أن تخالف جدي؟ فقال: إن هذا يريد أن يُفسدَ عليك مُلكك، لأنه لو جاز الاستثناء المنفصل، فبارك الله لك في عُهُودِكَ إذاً، فإن الناس يُبَايِعونك ويَحلِفون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولايخشَون، فقال: نِعْمَ ما قلت، وغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده. وأما تأويل قوله تعالى: ﴿واذْكُر رَبَّك إذا نَسِيْتَ﴾ أي إذا لم تَذْكُر إن شاء الله في أول كلامك فاذكره في آخره موصولاً به. كذا ذكره بعضهم. وعندي أنه خاصٌ بما بين العبد وربه في نحو قوله: ﴿إني فاعلٌ ذلك غَداً﴾ (٣) ولم يستثن نسياناً، فمتى جاء في ذكره ينبغي أن يستثنىِ ولو في آخِر عمره مرةً. وقيل: المعنى اذكر ربَّك إذا نسيت غيره ولو نفسك، فإن كمال الذكر هو الفَناءُ والاستغراق في نحو شهود المذكور المعبَّر عنه بكمال الحضور. (كَفَّاَرة اليَمِينِ) (وكفارته) أي كفارة القَسَم واحد من ثلاثة. ويتعينُ بفعل العبد أَحدها (عِتقُ رقبة) أي عبد أو أَمة (أو إطعامُ عشرة مساكين كما هي في الظِّهَار) الظاهر أنه قيد للأَخير، ويُحتمل أن يكون لهما. وفي نُسخة: كما هما في الظهار، أي كالعِتْق والإطعام في كفارة الظهار. وقد تقدم أنه يطعم كل مسكين نِصف صاعٍ من بُرّ، أو صاعاً من غيره. (أو كِسْوَتُهم لكل) من العشرة (ثوبٌ يستُر عامة بَدَنِه) قميص أو إزار

стр. 992

فلمْ تَجُز السَّرَاويل، فإن عَجَزَ عنها وقتَ الأداءِ، صامَ ثلاثةَ أيامٍ وِلاءً بلا حِنْثٍ. === ورداء، أو قَبَاء أو كِسَاء على الصحيح. وفي «المحيط»: وهو ظاهر الرواية. وفي «المبسوط»: أدنى الكِسوة ما يجوز فيه الصلاة، وهو مرويٌ عن محمد ﵀. (فلمْ تجز السَّرَاويل) أي فقط، وإلا فهو جائزٌ مع انضمام الرداء اتفاقاً. وعن محمد: لا يجوز السراويل للمرأة، لأن المعتبر رد العُرْي بقدر ما تجوز به الصلاة. والسراويل تجوز فيه الصلاة للرجل دون المرأة. وقال مالك والليث: أدناها للرجل ثوب، وللمرأة ثوبان: درع وخِمار. والمراد بالدرع القميص. وقال الشافعي: ما يُطلق عليه اسم الكسوة: كالسراويل، والإزار والمِقْنَعَة (١) ، والطَّيْلَسَان (٢) . وعن ابن عمر لا يجزاء أقل من ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء. وعن أبي موسى الأشعري: ثوبان. وذلك لقوله تعالى: ﴿فَكفَّارتُه إطعامُ عَشَرةِ مساكينَ من أوْسَطِ ما تُطْعِمُون أهلِيْكُم أو كِسْوتُهم أو تحريرُ رَقَبةٍ﴾ (٣) ففي الآية بدأ بالإطعام لأنه أهون على الأنام، فيكون تَرِّقياً في الكلام. وعكَس الفقهاءُ إيماءً إلى بيان الأفضل، فتأمل. (فإن عَجَزَ عنها) أي عن العِتق والإطعام والكسوة. وفي نُسخة: فإن عَدِمها (وقتَ الأداء) وعند الشافعي: وقت الوجوب (صام ثلاثة أيام وِلاء) أي متتابعات. وقال مالك والشافعي في قول واحد في رواية: يُخير بين التتابع وعدمه، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فمنْ لمْ يَجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيام﴾. ولنا قراءة ابن مسعود: «فصيامُ ثلاثةِ أيام مُتتابعات» وهي كالخبر المشهور، فإنه إنما يقْرَأ سماعاً من رسول الله ﷺ فصارت قراءته كالرواية المشهورة عن النبي ﷺ فصحت الزيادة والتقييد بها. ولم تَجُزْ الكفّارة (بلا حِنْثٍ) أي لم تُجزاء قبل الحنثِ، سواء كانت بالمال أو بالصوم. وقال مالك وأحمد: تُجزاء. وقال الشافعي: إن كانت بالمال تُجزاء، وإن كانت بالصوم لا تجزاء (٤) ، (وفي وجه تجزاء) (٥) .

стр. 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وكان ابن عمر وسليمان وأبو الدرداء يُكفِّرُون قبل الحنث، وكذلك الحسن وابن سيرين. رواه ابن أبي شَيبة. وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليُكفِّر عن يمينه وليأت الذي هو خير»، وكلمة الفاء للتعقيب. وما روى أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة عن النبي ﷺ أنه قال: «يا عبد الرحمن إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»،. وكلمة «ثُم» للتراخي. ولنا أن الكفارة لِسَتْر الجناية ولا جناية قبل الحنث، لأن عقدَ اليمينِ بدون الحنثِ ليس بذنبٍ إجماعاً، لأنه أَمْرٌ مشروع، فإن في عقدِ اليمين تعظيمَ اسم الله تعالى، والمشروع لا يوصف بالذنب، وإنّما الذنبُ في هتك حرمة اسم الله تعالى بالحنث، فاستحال (١) التكفير قبل الحنث كالطهارة قبل الحدث، فلا يصح كفارة اليمين قبل الحنث، كما لا يصح كفارة القتل قبل الجرح. وأجيب عما رَوَوْا بأنه يقتضي وجوب تقديم الكفارة على الحِنْث، ولا قائل به. وبأن الحديث الأول معارَضٌ برواية مسلم له أيضاً بلفظ: «فليأت الذي هو خير وليُكفِّر عن يمينه». ورُوي في الصحيحين فيهما بالتقديم والتأخير من حديث أبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وعديّ بن حاتم. وبأن الفاء الجزائية تفيد تعقيب ما قبلها في الجملة، كما حُقِّق في قوله تعالى: ﴿إذا قُمتُم إلى الصلاة فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وأيدِيَكُم﴾ (٢) والواو تدل على الجمعية، فلا دلالة على تقديم أحد الجزأين على الآخر، كما في: ادخلِ السوق فاشترِ لحماً وفاكهةً، فإنّ المقصود تعقيب دخول السوق لكل من الأمرين. وأما الحديث الثاني فمعارَضٌ بما أخرجه الإمام أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم السَرَقُسْطي في كتاب «غريب الحديث» عن أبي حازم عن أبي هريرة: أن رجلاً أَعْتَمَ عنده ـ أي أمسى ـ فسأل صِبْيَتُه أُمَّهُم الطعام، فقالت: حتى يجيء أبوكم، فنام الصِّبْيَة، فجاء أبوهم فقال: أَشْهَيْتِ (٣) الصِّبْيَة؟، فقالت: لا، كنت أنتظر مجيئك،

стр. 994

ومَنْ حَلَفَ على معصيةٍ، كعدمِ الكلامِ مع أبَويْهِ، حَنِثَ وكفَّرَ === فَحَلَفَ أن لا يَطْعَمَ، ثم قال بعد ذلك: أيقظيهم وجيئي بالطعام، فسمى الله وأكل، ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره بالذي صنع، فقال النبي ﷺ «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأته ثم ليكفِّر عن يمينه». قال السَرَقُسْطي: أَشْهَيْتِ الصبية: أي أطعمتهم شهوتهم. و «ثم» قد تجيء للتشريك في الحكم ولا تقتضي الترتيب، كما في قوله : ﴿وبَدَأ خَلْق الإنسان من طِيْنٍ ثم جَعَلَ نَسْلَه﴾ (١) … الآية، كذا في «القاموس». فإن قيل: تعليلكم وتأويلكم مَرْدودان لمخالفتهما النصَّ، وهو قوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُمْ بما عَقَّدتُم الأيْمَان فكفارتُه﴾ الآية، والفاء للوصل والتعقيب، فيقتضي جواز التكفير بعد اليمين متصلاً بها، وكذا قوله: ﴿ذلك كفارةُ أيْمَانِكُم إذا حَلَفتُم﴾ (٢) ، رتَّبها على الحَلِفِ لا على الحنث. قلنا: الحِنث مضمرٌ في النص، بدلالة ما قلنا في قوله تعالى: ﴿فمنْ كان منكم مَرِيضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر﴾ (٣) ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: «إذا حلفتم وحنثتم». (ومَنْ حَلَفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبَويْهِ) أو أحدهما (حَنِثَ) أي ينبغي أن يحنَثَ في الحال (وكفَّرَ) في الحال بالصوم والمال، لما روينا من الحديث، فإن ظاهرَه يقتضي وجوب الحِنْث إذا لم يكن المحلوفُ عليه معصية، وكان الحِنْثُ خيراً من البِرِّ، فأولى أن يجب عليه الحنثُ إذا كان معصية. والحاصل: أنه يجب البرُّ في الحَلِفِ على فِعْل الفرض وتَرْك المعصية، ويجب الحنث في عكسه، لقوله ﷺ «مَنْ حَلَفَ أن يطيعَ الله فليُطعْه، ومَنْ حَلَفَ أن يعصيه فلا يعْصِه» ويرجَّح البر في الحَلِفِ على فعل المباح، لقوله: ﴿واحفَظوا أيْمَانَكم﴾ (٢) أي عن الحنث. ويرجَّح الحنث في الحلِفِ على ترك فعل القُرْبة لقوله ﵊: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفّرت

стр. 995

ولا كفارة في حَلِفِ كافرٍ وإن حَنِثَ مُسْلِمًا. مَنْ حَرَّمَ مِلكَه لا يَحْرُم عليه، وإن استَبَاحَه كفَّرَ === عن يميني وأتيتُ الذي هو خير». رواه الشيخان، وفي لفظ: «أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني». ولعل معنى: «كفرت عن يميني» في اللفظ الأول: نويت التكفير عن يميني، أو قدم للاهتمام. والله تعالى أعلم بحقيقة المرام. ثم اليمين في الحديث بمعنى المقسم عليه، فذُكرَ الكل وأُريد البعض. وقيل: ذكر اسم الحال وأُريد المحل، لأن المحلوف عليه محل اليمين. (ولا كفارة في حَلِفِ كافر وإن حَنِثَ مُسْلِماً) وقال الشافعي: يلزمه الكفارة بالمال دون الصوم إذا حنث كافراً، لأنه أهل لليمين، ولهذا يُستحلف في الدعاوى والخصومات. ولنا قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلوا أئمةَ الكفرِ إنّهم لا أيْمَانَ لهم﴾ (١) ولأنه ليس بأهل لليمين، لأن المقصود منها البِرُّ تعظيماً لاسم الله تعالى، والكافر ليس من أهله، لأنه هتك حرمة اسم الله تعالى بإصراره على الكفر، والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان. (ومَنْ حَرَّمَ) على نفسه (مِلكَه) من طعام، أو ثوب، أو أَمة، أو غير ذلك (لا يَحْرُم عليه) لأن ذلك قلب المشروع، ولا قدرة له عليه (وإن استَبَاحَه) أي عامله معاملة المباح، بأن أكل الطعام، أو لبس الثوب، أو وطء الأمة (كفَّرَ) كفارة يمين. وكذا لو قال: طعام فلان، أو ثوبه، أو أمته عليَّ حرام، فهو يمينٌ، لأن ظاهِرَه الإنشاء، إلا أن يريد به الإخبار عن الحرمة. وقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه، لأنه ليس بيمين إلا في حق الجواري، والنساء في معناهن، فيقتصر على مورده في لزوم الكفارة، لأن تحريمَ الحلال قلبُ المشروع، واليمين عقد مشروع، فلا ينعقد بلفظٍ هو قلب المشروع كقلبه (٢) ، وهو تحليل الحرام، ولأن ذا ليس إلى العبد، فإن المُحلِّل والمحرِّم هو الله سبحانه، فيلغو. ولنا قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيُّ لم تُحرِّم ما أحلَّ اللَّهُ لك تَبْتَغي مرضاتَ أزْواجِكَ وا غفورٌ رحيمٌ قد فَرَضَ الكم تَحِلَّة أيْمَانِكُم﴾ (٣) وسبب نزول هذه الآية ما في

стр. 996

فَصْلٌ في الحَلِفِ في الفعلِ أو التَّركِ مِن الدُّخولَ والخُرُوجِ وغَيْرِهما مَنْ حَلَفَ لا يدخلُ بيتًا يحنَثُ بدخول صُفَّة، === البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ شَرِبَ عند زينبَ بنت جحشٍ عسلاً، فعلمت به عائشة فتواصت هي وحفصة أيَّةٌ، وفي رواية: أيَّتُنا، دخل عليها النبي ﷺ فلْتقل: إني أجدُ منك ريحَ المَغَافِير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: «لا بل شربت عسلاً عند زينب ولن أعود». وفيه أيضاً عن عائشة أن التي سقته العسلَ حفصة، وأَن التي تواصت هي وإياها سَوْدَة والمغافير: بالغين المعجمة، جمع مُغفُور بضم الميم والفاء: صَمْغُ بعضِ الشجر يُحَلُّ بالماء وله رائحة كريهة. وكان رسول الله ﷺ يَكره أن يُوجد منه الروايح، فصدَّق ﵊ القائلة له ذلك من أزواجه، وحرَّم العسل على نفسه. وقال الخطَّابي: والأكثر على أن الآية إنما نزلت في تحريم مارية القُبطية حين حرَّمها على نفسه. وذلك أنه روي أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي، فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين. وقيل: خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه إِلى شهرٍ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية. انتهى. والأول أولى بالاعتبار، لأنه رواية صاحب القضية، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فالتمسك به ظاهر، وكذا بالثاني لأن العبرة بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ثبت يميناً بهذه الآية، فكذا التحريمُ المضاف إلى سائر المباحات دلالة. فإن قيل: روي أنه قال: «والله لا أذوقه» فلذلك سُمِّي تحريماً ولزمته التَّحِلة. أُجيب بأنه لم يُذكر في الآية ولا في الحديث الصحيح، فلا يجوز أن يُحكم به، ويُقيَّدُ به حُكْمُ النص. فصلٌ في الحَلِفِ في الفعلِ أو الترك من الدخول والخروج وغيرهما (مَنْ حَلَفَ لا يدخلُ بيتاً) وهو ما أُعد للبيتُوتة (يحنَث بدخول صُفَّة) لأنها تُبنى للبيتُوتة فيها في بعض الأوقات، فصارت كالبيت الصيفي. قال شمس الأئمة: إلا

стр. 997

لا الكعْبَةِ أو مسجدٍ، أو بِيعَة، أو كنيسةٍ، أو دِهليز، أو ظُلَّةِ باب دار، كما في: لا يَدْخُل دارًا، فَدَخَلَ دارًا خَرِبَةً. وفي: هذه الدار، يَحنثُ إنْ دَخَلَهَا مُنهدمةً صحراءَ، أو بعدما بُنيت أخرى، أو وَقَف على سَطْحِها. وقيل: في عُرفنا لا يَحْنَثُ، كما لو جُعلت مَسْجدًا، أو بُستانًا، أو بيتًا، أو دَخَلَها بعد هدم الحمّام، === أن ينوي بيتاً غير الصُّفة، فيُصدَّق ديانة، لأنه خصَّ العام بنيتِهِ. (لا الكعْبَة) أي لا يحنَث بدخول الكعبة (أو مسجد، أو بِيْعَة) وهي معبد النصارى (أو كنيسة) وهي معبد اليهود (أو دِهليز) بكسر الدال: وهو ما بين الباب والدار (أو ظُلَّة باب دار) وهي الساباط (١) الذي يكون على باب الدار، لأن واحداً من هذه الأشياء لم يُبْنَ للبيتوتة، فلا يكون بيتاً. (كما) أي مثل ما لا يحنث (في: لا يدخل داراً) وكذا بيتاً، بل أولى (فَدَخَلَ داراً خَرِبَةً) لأن الدار وإن كانت اسماً للعَرْصة أدير عليها الحائط، إلا أنَّ البناء كالصُّفَّة فيها. ولذا يقال: دار عامرة، ودار غامرة. والصِّفة في المنكَّر من كل وجه معتبرة، ليحصل بها تمييزه، فتعلقت اليمين بدار موصوفة لصفة، فلا يحنثُ بعد زوال تلك الصفة. (وفي:) لا يدخل (هذه الدارَ، يَحنثُ إنْ دَخَلَهَا مُنهدمةً صحراءً، أو بعدما بُنيت أخرى) لأن الدار هنا معينةٌ والصِّفة في المُعينِ إذا لم تكنْ باعثةً على اليمينِ غير معتبرة، لعدم الاحتياج إليها وتعين الموصوف بدونها، فتعلقت اليمينُ بذاتِ الدار دون صفتها. (أو وقف) عطف على دَخَلَها، أي ويحنَث إن وقف (على سطحها) لأن سطح الدار منها، ولذا لا يجوز الوقوف للحائض والجُنب على سطح المسجد، وبه قال بعض الشافعية. (وقيل: في عُرفنا) أي في عرف العَجَم (لا يحنَث كما) أي مثل ما لا يَحْنَث (لو جُعلت) الدارُ التي حلف على دخولها (مسجداً، أو بُستاناً، أو بيتاً) أو نهراً، لأن اسمها تَبَدَّل، وَتَبَدُل الاسم كتبدل العين، فبقاء الاسم دليل بقاء المُسمَّى، وزوالُه دليل زواله. (أو دَخَلَها) أي الدار (بعد هدم الحمّام) الذي جعلته الدار، سواء بقي صحراء

стр. 998

و: كهذا البيت ودخله مُنْهدِمًا صحراء، أو بعدما بُني بيتًا آخَرَ، أو هذه الدارُ، فوقف في طاقِ الباب لو أُغلِقَ كان خارجًا، أو: لا يَسْكُنُها وهو ساكنُها، أو: لا يَلبَسه وهو لابِسُه، أو: لا يَرْكبه وهو رَاكبه، فأخَذَ في النُّقْلة ونَزَع ونَزَل بلا مُكثْ، أو لا يدخلُ، فقَعَدَ فيها إلا أن === أو جُعل دارًا أخرى، لأنه بالانهدام لم يَعُد له اسم الدار، وعودُه له ببنائه دارًا أخرى مُنزَّل مَنْزِلَة اسم آخر، نظرًا إلى تبدُّلِ السبب. (و: كهذا البيت) أي وكما لا يَحْنَث إذا حَلَفَ لا يدخل هذا البيت (ودخله) حالَ كونِهِ (منهدمًا صحراءَ) لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يُبات فيه حينئذ، ولو بقيت الحيطان دون السقف يحنَث، لأنه يبات فيه (أو) دَخَلَه (بعدما بُني بيتًا آخر) لأن اسم البيت لما عاد إليه بعد زواله عنه بالانهدام، صار بمنزلة اسم آخر، (أو) لا يدخل (هذه الدار) أو هذا البيت (فوقف في طاق الباب) للمحلوف عليه أو عتبة له وكان الباب بحيث (لو أُغلِقَ كان) ذلك الواقف (خارجًا) عن الدار أو البيت، فإنه لا يحنَث، لأن غَلْقَ باب الدار أو البيت لإحراز ما فيهما، فما كان داخلًا عنه فهو فيهما، وما لا فلا. وفي «الكافي شرح الوافي»: لو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له، فدخل في صحن داره لم يحنَث حتى يدخل البيت. قال: وهذا في عرفِهِم، أي المتقدمين، وأما في عُرفنا فالدار والبيت واحد، فيحنث إن دخل صحن الدار، وعليه الفتوى. (أو: لا يسكنها) أي الدار (وهو ساكنها، أو: لا يَلبَسه) أي الثوب (وهو لابسه، أو: لا يَرْكبه) أي المركوب (وهو رَاكبه فأخَذَ) أي فشرع فورًا (في النُّقْلة) عن الدار (ونَزَع) الثوب (ونَزَل) عن الدابة (بلا مُكثٍ) لا يحنث. وقال زُفَر: يحنث لوجود الشرط، وهو تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السُّكنى واللُّبس والرُّكوبِ وإن قلّ. ولنا أنّ اليمين تعقدُ للبِرَّ، فيُستثنى منها زمان تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السكنى، لأن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. وهذا لأن البِرَّ مأمور به، والحنثَ منهيٌ عنه لقوله تعالى: ﴿واحفظُوا أيْمَانَكم﴾ (١) . والظاهر أن يَقصِدَ المأمور به. قيد بقوله: بلا مُكث، لأنه لو مَكَثَ ساعة على حاله حَنِثَ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. (أو: لا يدخلُ) هذه الدار وهو فيها (فقَعَدَ فيها) ولو أيامًا لا يحنث (إلا أن

стр. 999

يَخرُجَ ثم يَدْخُل. وفي: لا يَسْكُنُ هذه الدارَ لا بد من خروجِهِ بأَهْلِه ومَتاعِهِ أَجْمَع، حتى يَحْنَث بوَتَدٍ بَقِيَ، === يَخرُجَ ثم يدخل) استحساناً، لأن الدخول مما لا يمتد، فإنه الانتقال من خارج إلى داخل، فلا يكون لدوامه حكم الابتداء. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعد بعد الذِّكْرَى﴾ (١) أي لا تَمْكُث قاعداً. وقوله ﵊: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النظرةَ، فإن الأولى لك والثانية عليك» (٢) ، بخلاف السُّكنى، واللُّبْس، والركوب، والقعود، والقيام والنظر ونحو ذلك مما يمتد، فإنه يكونُ لِدوامه حكم الابتداء. والقياس أن يَحنَثَ، وهو قول الشافعي، لأن للدوام حكم الابتداء، حتى لو نوى بالدخول الدوامَ صحت نيته، ولو لم يكن له حكمَ الابتداء لما صحت. (وفي: لا يسكن هذه الدار) أو المَحَلَّة، أو هذا البيت (لا بد) عند أبي حنيفة (من خروجه بأهله ومَتاعِهِ أجمع، حتى يَحنث بوَتَدٍ بَقِيَ) وبه قال أحمد. وقال مشايخنا: لا يحنَث ببقاء نحو الوتد والمِكْنَسَة، لأنه لا يُعد به ساكناً. وعند أبي يوسف: لا بد من خروجه بأهله وأكثر مَتَاعهِ وعليه الفتوى. كذا في «المحيط» و «الفوائد الظهيرية»، لأن نَقلَ الكلِ قد يتعذرُ، وببقاء الأقل لا يُعد ساكناً. وعند محمد: لا بد من خروجه بأهله ومتاعه الذي يقوم به ضَرُورَاتُهُ، لأن بقاءَ ما وراءَ ذلك ليس بِسُكْنى. وفي «شرح المجمع»: واستحسنه المشايخ وعليه الفتوى، وهو أصح ما يُفتى به من التصحيحين كما ذكره الطرابلسي. وقال أبو الليث (٣) : إن سَلَّم داره بإجارة أو رد المستأجر إلى المؤجِر لا يحنَث، سواء اتخذ داراً في موضع آخر أو لم يتخذ، لأنه لم يبق ساكناً. ولو كان في طلب مسكن آخر وترك الأمتعة فيها أياماً لا يَحنَث في الصحيح، لأن طلب المنزل من عمل النُّقلة، فصارت مدة الطلب مستثناة بحكم العرف إذا لم يُفرط في الطلب. وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وفي لا يدخل دار زيد ولا نية له حَنِث بالدخول (في المستأجرة

стр. 1000

بخلافِ المِصْرِ والقَرْيةِ. وحَنِث في لا يَخرُجُ لو حُمِلَ وأخرِج بأمرِهِ، لا إن أُخرجَ بلا أمرِهِ، مُكْرَهًا أو راضيًا. ومِثلُه لا يدخل أَقسَامًا وحكمًا. ولا في: لا يخرجُ إلّا إلى جنازةٍ.، إن خَرَجَ إليها ثم أتى إلى أَمرٍ آخر. === والمستعارة عندنا كالمملوكة. وخصّه مالك والشافعي بالدخول) (١) في المملوكة أو لا. وفي لا يدخل دار فلان وله دار يسكنها ودار غَلَّة، فدخل دار الغَلَّة لا يَحْنَث. وفي لا يدخل دار فلانة فدخل دارها وزَوْجُها يسكنها لا يحنَث، لأن الدار تُنسب إلى الساكن. ذكره الزَّيلعي. وشرط أبو يوسف للحنث إضافتها إليه وقت الحَلِفِ، كوقت الشرط، لأن أفهام الناس تقع على ما في مِلكِهِ يوم اليمين والحنث جميعاً في العادة. واكتفيا لحنثه بدخوله داراً يملِكُها بعد اليمين، لأنه عَقَد بيمينه على دار غيرِ مشارٍ إليها فلا يختص بالموجودة في الحال كما في قوله: لا أكلم عبد فلان، أو لا آكُل طعامه، أو لا ألبَس ثوبه. وأما ما ذكر من العادة فغير مستمرة، بل هي مشتركة. (بخلافِ المِصْر والقَرْيةِ) فإنه لو حلف لا يسكن هذا المصر فخرج منه وترك أهله ومتاعه فيه لا يَحْنَث فيما رُوي عن أبي يوسف. ونَقله أبو الليث في «أماليه»، لأنه لا يعد ساكناً فيها، لأن الرجل قد يكون ساكناً في مصرٍ وله في مصرٍ آخر أهل ومتاعٌ. والقرية قيل بمنزلة الدار، وقيل بمنزلة المصر، وهو المختار. (وحَنِث في لا يَخرُجُ لو حُمِلَ وأخرِج بأمرِهِ) لأن فعلَ المأمور يُضاف إلى الآمر، فصار كما إذا ركب دابة فخرجت (لا) يحنثُ (إن أُخرجَ بلا أمرِهِ) سواء كان (مُكْرَهاً) أي غير راضٍ (أو راضياً) لأنه لم يوجد منه خروج لا حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ ولا حكماً، لأنه لم يأمر به. وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية. (ومِثلُه) أي ومثل «لا يخرج» (لا يدخل أَقسَاماً) بفتح همزة، جمع قِسم بكسر أوله وهي ثلاثة بأمره وبلا أمره مكرهاً أو راضياً (وحكماً) وهو الحنث في الأول وعدمه في الآخرين. (ولا) يَحنَثُ (في لا يخرجُ إلا إلى جنازة، إن خَرَجَ إليها) وفي نُسخة: فخرج يريدها (ثم أتى إلى أَمرٍ آخر) لأن الخروج هو الانفصال من الباطن إلى الظاهر

стр. 1001

وحنِث في: لا يخرجُ إلى مكَّة، فخَرَجَ يُريدُها ورَجَعَ، لا في: لا يأتها حَتّى يدخُلَها. وذَهَابُه كخروجِهِ في الأَصحِّ. وفي: ليأتين مَكَّةَ ولم يأتِها، لا يحنَثُ إلا في آخِر حياتِه. وحنِث في: ليأتينَّه غدًا إن استطاع، إن لم يأته بلا مانعٍ، كَمَرَضٍ، أو === وهو موجود بالنسبة إلى الجنازة دون الأمر الآخر، فإن الموجود في حقه الإتيان، وهو الوصول، وهو ليس بخروج، والدوام على الخروج ليس بخروج أيضاً لعدم امتداده. (وحنِث في لا يخرجُ إلى مكّة، فخَرَجَ يُريدُها) وجاوز عمران مِصرِه (ورَجَعَ) لتحقُّقِ الشرط وهو الخروج إلى مكة، وإنما قيدنا بمجاوزة العمران، لأنه لو رجع قبل مجاوزتها لا يحنث، لأن الخروج (إلى مكة سفر، وهو لا يتحقق إلا بمجاوزة العمران، وذلك لأن الخروج) (١) انفصال عن الداخل إلى الخارج. وإذا انفصل عن وطنه قاصداً مكة فقد خرج إليها. قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يَخْرجْ من بيتِهِ مُهاجِراً إلى اورسوله﴾ الآية (٢) ، والمراد بها من مات قبل وصوله إليه (لا) يحنت (في) حَلِفِهِ (لا يأتيها) أي مكة (حَتّى يدخُلَها) لأن الإتيان هو الوصول قال الله تعالى: ﴿فأْتِيَاهُ فقولا إنَّا رَسُولا ربك﴾ (٣) . (وذَهَابه كخروجِهِ) فإذا حلف لا يذهب إلى مكة، فخرج يريدها حَنِثَ (في الأصح) وهو قول محمد بن سَلَمة. وقال نصر بن يحيى: هو كإتيانِهِ، فلا يحنَث حتى يدخلَها لقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إلى فِرْعونَ إنَّه طَغَى فَقَولا له﴾ (٤) ، ووجه الأول قوله تعالى: ﴿إنما يُريدُ الله ليُذهِبَ عنكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ﴾ (٥) ليُزِيله. وإذا كان الإذهاب بمعنى الإزالة، كان الذَّهاب بمعنى الزَّوال. وهذا الاختلاف إذا لم يَكُنْ له في الذهاب نية، فإن نوى الخروجَ أو الإتيانَ فعلى ما نوى، لأنه مُحتَملُ كلامِهِ. (وفي: ليأتين مكة ولم يأتها) ومضى عليه مدة (لا يحنَث إلا في آخر حياته) لأن شرطَ الحنث فوتُ الإتيان، وهو لا يتحقق إلا في آخر جزء الحياة، لأن البِرَّ مرجوٌ ما دَام حياً. (وحَنِثَ في: ليأتينه غداً إن استطاع) إتيانه (إن لم يأته بلا مانع كمرض أو

стр. 1002

سلطان، ودُيِّنَ نِيَّة الحقيقة. وشُرِطَ للبِرِّ في: لا تَخْرُج إلا بإذنه، لكل خروجٍ إذنٌ، لا في: إلا أن آذَنَ، === سلطان) لأن الاستطاعة في العُرْف سلامَةُ الأسباب، والآلات، وارتفاعُ الموانع الحسيَّة، فينصرف اللفظ إليها عند الإِطلاق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعلى النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَنْ استطاعَ إليه سبيلاً﴾ (١) وفسّره النبي ﷺ بِمِلك الزَّاد والرَّاحلة. وقوله سبحانه: ﴿وأعِدُّوا لهم ما استطعتم مِنْ قُوَّة﴾ (٢) وفسرها النبي ﷺ بالرمي. (ودُيِّنَ نِيَّةَ الحقيقة) أي صُدِّق دِيَانة إن قال: نويت حقيقة الاستطاعة، وهي القدرة الحقيقية التي يُحدثها الله تعالى للعبد حال قصد اكتسابه الفعل، بعد سلَامةِ الأسباب والآلات، ولا تكونُ إلا مقارِنَةً للفعل. قال الله تعالى: ﴿ولَنْ تَستطِيعُوا أنْ تَعدِلُوا بين النساء﴾ (٣) ، ﴿فما أسْطعاعُوا أن يَظهرُوه وما استطاعوا له نَقْباً﴾ (٤) وإنما صُدِّق دِيَانةً لأنه نوى محتمل كلامه لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر. وفي رواية صُدِّق قضاءً أيضاً لأنه نوى حقيقة كلامه، وهذا بناء على أنه إذا نوى حقيقة كلامه والظاهرُ لا يخالفه، يُصدَّق دِيَانة وقضاءً، وإن كان يُخالفها ففي تصديقه قضاءً روايتان. (وشُرِطَ للبِرِّ في: لا تَخْرُج) امرأته (إلا بإذنه، لكل خروجٍ إذنٌ) حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه يحنث، لأنه استُثني من المحلوف عليه خروجاً ملصوقاً بالإذن، فكل خروج لا يكون كذلك فهو داخل في اليمين. والحيلة في ذلك أن يقول لها: كلما أردت الخروج فقد أذنت لك. ولو قال: أردت إلا بإذني مرةً صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً لأن فيه تخفيفاً عليه (لا في) لا تخرج (إلا أن آذن) أي لا يُشترط لكل خروج إذن في: لا تخرج إلا إن أَذِن، حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه لا يحنث، لأن: «إلا أن» بمعنى حتى فيما يتوقت، قال الله تعالى: ﴿إلا أن يُحاط بكم﴾ (٥) ، أي حتى يُحاط بكم. ألا ترى أنه لا يَستقيمُ إظهار المصدر هنا، بخلاف إلا بإذني، فإنه يستقيم أن

стр. 1003

وللحِنْث في: إن خَرَجْتِ، وإن: ضَرَبْتِ لمُريْدةِ خروج، أو ضربِ عبدٍ، فِعْلُهُما فورًا. وفي: إن تغديتُ، بعد تَعَالَ تغَدَّ معي، تَغَدِّيهِ معه. === يقول: إلا خُروجاً بإذني، فعرفنا أنه (صفة المستثنى. وهنا لو قال: إلا خروجاً إن أذن لك، كان كلاماً مختلاً، فعرفنا أنه) (١) بمعنى التوقيت، فإن قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلُوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يُؤْذَنَ لكم﴾ (٢) فإنَّ الإذن لا بد منه في الدخول إلى بيت النبي في كل مرة. وأجيب بأن ذلك ثبت بآخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿إن ذلكم كان يُؤذي النبيَّ﴾ والإيذاء موجود في كل مرة، أو بدليل آخر من الأُصول، وهو أن الدخول في ملك الغير بغير إذنه حرام. ولو قال: أردت إلا أن آذن كل مرة صُدق ديانةً وقضاءً، لأن في ذلك تشديداً عليه. (وللحِنْث) عطف على للبِرِّ، أي وشرط للحنث (في: إن خرجت وإن ضربت) فأنت طالق (لمُريْدة خروج) في الأولى (أو ضربِ عبدٍ) في الثانية (فِعْلُهُما) أي فعل الخروج وفعل الضرب (فوراً) أي في الحال، وهو في أصل اللغة مصدر فارت القِدْر إذا غَلَت، استُعيرت للسرعة والحالة التي لا لبث فيها، حتى لو جلست ثم خرجت أو تركت ضَرْب العبدِ، ثم ضربته لم يحنث، لأن مرادَ المتكلِّمِ الخروجُ والضربُ في تلك الحالة، فيتقيد بها. والاعتبار بالعرف. (وفي إن تغديت) عطف على في إن خرجت. أي وشُرط للحنث في: إن تغديتُ، من غير أن يقول: معك أو معه، فعبدي حر (بعد) قول القائل (تَعَالَ تَغَدَّ معي، تغدّيه معه) فوراً. وقال زفر ومالك والشافعي: لا يشترط، لأنه عقد يمينَه على مطلق الغداء. ولنا أنه عقد كلامه على غداءٍ معين وهو الغداءُ المدعو إليه الذي بين يديه، لأن كلامه خرج مَخْرَج الجواب. والغداءُ في السؤال معين وكذا في جوابه. وقد تفرد بإظهار هذه اليمين الفورية أبو حنيفة. وكان الناس يقولون: اليمين على نوعين: مطلقة، ومؤقتة بوقت، فاستنبط أبو حنيفة من العرف هذه، وهي مطلقةٌ لفظاً مؤقتةٌ معنًى. وقيل: إنما أخذها من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين دعيا إلى نُصرة إنسان، فحلفا أن لا ينصراه، ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا.

стр. 1004

وكفى مُطْلَقُ التعدّي إنْ ضَمَّ اليومَ. وَمرْكَبُ المأذون ليس لمولاه في حَقِّ الحَلِفِ، إلا إذا لم يكن عليه دَينٌ مُستغرِقٌ، ونواه. ويُقيَّدُ الأكلُ من هذه النَّخْلةِ بِثَمَرِها، === (وكفى) في الحنث (مطلق التعدّي إن ضَمَّ اليومَ) بأن قال: إن تغديت اليومَ فعبدي حرٌ بعد قول القائل: تعال تغدّ معي، لأنه لما زاد على الجواب كان مبتدئاً لا مجيباً حذراً عن إلغاء الزيادة، فإن قيل: إن موسى ﵇ زاد في الجواب حين سئل عن العصا ولم يُجعل مبتدئاً بل جعل مُجيباً. أُجيب بأن السؤال في الآية لما كان بـ: «ما» وهي تقع للسؤال عن الذات، والسؤال عن الصفات، جمع بينهما ﵊ في الجواب ليكون مجيباً على كل تقدير. (ومَرْكَبُ) العبد (المأذون ليس لمولاه في حق الحَلِفِ) فلا يحنث مَنْ حَلَفَ لا يَركبُ مركب فلان، وهو سيد له عبيد، فركب الحالف مركب عبده المأذون. (إلا إذا لم يكن عليه دينٌ مُستغرِقٌ) لرقبته وكسبه، بأن لم يكن عليه دين أصلاً، أو كان دين لا يستغرق (ونواه) أي والحال أنه قد نوى الحالف مركب المأذون، فإنه يحنَث حينئذٍ وهذا عند أبي حنيفة، لأن الملك عنده للعبد إذا كان عليه دين مستغرق فلا يدخل في يمينه نواه أو لا، وللمولى إذا لم يكن عليه دين مستغرق لكنه يضاف إلى العبد، فيدخل إن نواه. وقال أبو يوسف: يحنث في الوجوه كلها إذا نواه، لأن الملك عنده للمولى إلا أنَّ الإضافة إليه قد اختلَّت لإضافته إلى العبد عُرفاً، فلا يدخل إلا بالنية. وقال محمد: يحنث في الوجوه كلها وإن لم ينو، لأن العبد وما في يده لمولاه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد. قيد بالمأذون لأن مركب المكاتب ليس مركباً لمولاه بالاتفاق. (ويُقَيّدُ الأكل) في: لا آكل (من هذه النخلة) ولها ثمر (بثمرها) فيحنث بطلْعِها وبُسرها ورُطَبِها ودِبسها الذي يسيل منه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأما لو لم يكن للنخلة ثَمَرٌ، فيتقيد الأكل بثمنها، إذ النخلةُ لا تُؤكل، فتعذر العملُ بالحقيقة، فيصير إلى المجاز، لكن شُرِط أن لا يتغير بصنعةٍ حَادِثَة، فلهذا لا يحنثِ بخَلها والدِّبس المطبوخ منها، لأن ذا مضاف إلى فعل حادث، فلم يبق منسوباً إلى الشجر، فلم يصح أن يدخل في المجاز. والكَرْم في معنى النخلة، فيحنَث بعنَبِه، وعصِيره، وزبِيبِه، دون دِبسه المطبوخ

стр. 1005

وهذا البُرَّ بأكله قَضْمًا، وهذا الدقيقِ بأكل خُبْزِهِ، فلا يَحنَثُ لو استفَّه كما هو. وأكلُ الشِّواءِ باللَّحْم، والطبخِ بما طُبِخَ من اللَّحْم، والرأسِ برأسٍ يُكْبَسُ في التَّتَانير، ويُبَاعُ في مِصْرِه. === منه. (وهذا البُرّ) أي ويُقَيَّد الأكل من هذا البر (بأكله قَضْماً) وهو الأكل بأطراف الأسنان، فلا يحنث بأكل خبزه ولا سَويْقِهِ، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو يوسف: يحنَث بخبزه لا بسويقه. وقال محمد: يحنث بهما. وأما القَضْم فَيْحنَث به عند الكل إلا أحمد. وفي «الفوائد الظهيرية»: إن هذا الخلاف إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى فيمينُه على ما نوى باتفاق، لأنه نوى حقيقة كلامه أو محتَمَله. (وهذا الدقيق) أي ويقيد الأكل من هذا الدقيق (بأكل خبزه) وعصيدته، لأن عينَ الدقيق غير مأكول، فانصرف يمينه إلى ما يُتخذ منه، وبه قال مالك وأحمد (فلا يَحنثُ لو استفَّه كما هو) لأن الحقيقة مهجورة في الاستعمال عادة، فسقط اعتبارها. وقيل: يحنث لأنه أكل الدقيق حقيقة. والصحيح: أنه لا يحنَث إلا إن نواه، فإنه يحنَث به لا بِخُبْزِهِ. (وأكلُ الشواء) هو بالرفع عطف على الأكل. أي ويقيد أكل الشواء (باللحم) لأنه المتبادر دون البيض المشوي، أو الباذنجان، أو الجوز، وهو قول أحمد، إلا أن ينوي كل مشوي، فتصح نيته لأن فيه تشديداً عليه (والطبخِ) عطف على الشواء، أي ويُقَيّدُ أكل الطبخ (بما طُبِخَ من اللحم) لأنه المفهوم في العرف، ولا بُدَّ أن يُطبخ بالماء، لأن المقلي اليابس لا يُسمى طبيخاً، (ولو أكل الخبز بالمَرَقة التي طُبخ فيها اللحم يحنث، لأنها تُسمى طبيخاً) (١) وفيها أجزاء اللحم. (والرأسِ) أي ويُقَيّد أكل الرأس (برأسٍ يُكبس في التنانير) أي يُدخل فيها (ويباع) ذلك الرأس المتعارف (في مصره) أي في بلده من الإبل والبقر والغنم. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: إذا حلف لا يأكل رأساً يحنث برأس الغنم والإبل والبقر، ثم رجع وقال: يحنَث برأس البقر والغنم خاصة. وقالا يحنَث برأس الغنم خاصة، وهذا اختلاف عصرٍ وزمانٍ لا اختلاف حجة وبرهان. كان العرف في زمانه أولاً في الثلاثة، ثم في

стр. 1006

والشَّحْمِ بشحمِ البطن، والخُبزِ بخبز البُرّ والشَّعير، لا خُبزِ الأرُزّ ببلدٍ لا يُعتادُ. والفاكهةِ بالتُّفَّاح، والمِشْمِش، والبِطِّيخ، لا العِنَب والرُّمَّان والرُّطَبِ والقِثَّاء والخِيَار. === البقر والغنم، وفي زمانهما في الغنم خاصة. وفي زماننا يفتى بحسب العادة كما ذكره المصنف، لأن كل رأس ليس بمراد للقطع بعدم إرادة رأس نحو الجراد والعصفور، فوجب الرجوع إلى العرف لأنه الأصل في مسائل الأَيمان. وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفرداً عن بدنه ولحمه. وعند مالك وأحمد على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان. وهذا إذا لم ينو نوعاً، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع، وعلى هذا الخلاف الشواء. (والشَّحْمِ) أي ويقيد أكل الشحم (بشحمِ البطن) حتى لو أكل شحم الظهر، وهو الذي خالطه لحمه لم يحنَث وهذا عند أبي حنيفة. وهو قول مالك والشافعي في الأصح. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بشحم الظهر أيضاً، وهو وجه في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الشحم المختلط بالعظم، والشحم على ظاهر الأَمعاء. ويؤيد قول صاحبيه أن الله تعالى استثنى شحم الظهور من الشَّحم حيث قال: ﴿ومن البقر والغنم حَرَّمنا عليهم شُحومَهُما إلا ما حَمَلَت ظُهُورُهما أو الحَوَايا أو ما اختَلَط بعَظْم﴾ (١) وحقيقة الاستثناء أن يكون المُستثنى من جنس المستثنى منه. (والخُبز) أي ويقيد أكلُ الخبزِ (بخبز البُرّ والشَّعير) لأنه هو المعتاد في غالب البلاد. وقال مالك والشافعي: يحنث بأي خبز كان (لا خبز الأرُزّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي على أشهر لغاته، وفيه لغات أُخر خمس. أي لا يقيد أكل الخبز بخبز الأرُزّ ولا بخبز الذرة (ببلد لا يُعتاد) فيه، أما لو كان ببلد يعتاد خُبز الأَرُز كطُبرستان أو خبز الذرة (كزَبِيد، يحنث به. وكذا لو كان من أهل بلد لا يعتادون أكل خبز الشعير، لا يحنث ولو اعتادوا أكل خبز الذرة والدُّخْن) (٢) كأهل الحجاز واليمن يحنث بأكله. (والفاكهةِ) أي ويقيد أكل الفاكهة (بالتفاح، والمِشْمِش، والبطِّيخ) والخوخ، والتين، والسفرجل، والكُمَّثْرى ونحو ذلك (لا العنب) أي لم يقيد أكلَ الفاكهة بالعنب (والرُّمَّان والرُّطَب والقِثَّاء والخِيَار).

стр. 1007

والشُّرْبُ من نهرٍ بالكَرْع منه، فلا يحنَثُ لو شرب منه بإناءٍ، بخلاف الحَلِفِ من مائه. === وقال أبو يوسف ومحمد: العنب والرُّمان والرطب فاكهة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. والأصل أن الفاكهة اسم لما يُتفكه به قبل الطعام أو بعده، زيادة على الغذاء الأصلي. وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواته، فيحنث بها، وغير موجود في القِثاء والخِيَار لأنهما من البقول، وأما العنب والرمان والرطب فهم يقولون: معنى التفكه موجود فيها، فإنها من أعز الفواكه، والتنعم بها فوق التنعم بغيرها. وأبو حنيفة يقول: إن العنب والرطب يؤكلان للغذاء حتى يُكْتفى بهما في بعض المواضع. والرُّمان قد يُستعمل للدواء فنقصت الثلاثة في معنى التفكه وهو التنعم. قال الله تعالى: ﴿انقلبوا فَكِهِيَن﴾ (١) أي متنعمين، فلا يتناولها مطلقُ اسمه. ألا ترى أن يابس هذه الأشياء ليس من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، وحبُّ الرُّمان من التوابل. والفاكهة لا يَختلفُ رطبها ويابسها في معنى التفكه، ولذا قال شمس الأئمة: البِطيخ ليس بفاكهة، لأن ما لا يكون يابسه فاكهة فرطبه كذلك، كالتين والمِشمِش والخوخ. وأيضاً أنه سبحانه عطفها على الفاكهة في آية وعطف عليها الفاكهة في أخرى، والعطف يقتضي المغايرة. قال الله تعالى: ﴿فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّان﴾ (٢) ، وقال الله تعالى: ﴿وعِنَباً وقَضباً وزيْتوناً ونَخْلاً وحدائقَ غُلباً وفاكهةً وأبًّا﴾ (٣) وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع. وفي «المحيط»: العبرة للعُرْف فما يؤكل عادة على سبيل التفكه، ويُعد فاكهة في العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا. (والشُرْبُ) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد الشرب إذا حَلَفَ لا يشرب (من نهرٍ) كدِجلة (بالكَرْع منه) وهو تناول الماء بالفم من موضعه كما تتناول الدابة، (فلا يحنَث لو شرب منه بإناء) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يحنث به كالكرع. وهذه المسألة مبنيةٌ على أنَّ الأَولى اعتبار الحقيقة المستعملة وهو قول أبي حنيفة ﵀، أو عموم المجاز المتعارف، وهو قولهما. (بخلاف الحَلِفِ) لا يشرب (من مائه) حيث يحنث بالشرب منه بإناء أو بغيره

стр. 1008

وتحليفُ الوالي رجلًا لِيُعلِمَه بكل داعرٍ أتى بحالِ ولايتِه والضَّرْبُ والكِسْوة، والكلام، والدخول عليه بالحياة === اتفاقاً، لأنه بعد الاغتراف منسوب إلى ذلك النهر وهو الشرط. ونظير المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في كوز آخر وشرب منه حيث لا يحنث باتفاق. ولو قال: من ماء هذا الكوز يحنث باتفاق. (وتحليفُ الوالي) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد تحليفُ الوالي (رجلاً لِيُعلِمَه بكل داعرٍ) بدال مهملة، أي مفسد فاجر (أتى) إلى البلد (بحال ولايته) متعلق بـ: يُقيَّد، وإنما يتقيد الحَلِفُ بذلك لأن غرض المُستحلِف دفعُ شر الدَّاعر وغيره بالضرب ونحوه، فلا يفيد إعلامه بعد زوال ولايته، لعدم قدرته على ذلك. وعن أبي يوسف: أنه لا يقيد بحالِ ولايته. وإعلامه بعد عزله مفيدٌ أيضاً لاحتمال أن يتولى بعد ذلك، فيؤدِّب الدَّاعر، أو أنه يَسعى في تأديبه عند من له الولاية، وبه قال الشافعي في قول واحمد في روايه. (والضرب) أي ويُقيد الضرب. (والكِسْوة، والكلام، والدخول عليه بالحياة) أي بحياة المحلوف عليه، حتى لو فعل به هذه الأشياء بعد موته لم يحنث الحالف، لأن هذه الأشياءَ لا تتحقق في الميت من الحالف، لأن الضرب هو الفعل المؤلم، ولا يتحقق في الميت الإيلام. والمراد بالكلام الإفهام وأنه يختصُ بالحيّ من الأنام، وبالكِسْوة عند الإِطلاق التمليك، ولا تمليك من الميت. وإن نوى به الستر صح، لأنه محتملُ كلامِهِ، فلو كفَّنه حنث. وبالدخول الزيارة عرفاً في موضع يجلس فيه للزيارة والتعظيم، حتى لو لم يقصده بالدخول بأن دخل على غيره أو لحاجة أُخرى لا يكون دخولاً عليه. فإن قيل: روى البخاري من حديث أبي طلحة أن النبي ﷺ يوم بدر أمر بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صَناديد قريش فقُذِفُوا في طَوِيّ من أطواءِ بدر خَبيثٍ مُخْثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقام بالعَرْصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلتهِ، فَشُدَّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نَرَى يَنْطلِقُ إلا لبعض حاجته، حتّى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وَعَدَنا ربُّنا حقاً، فهل وجدْتُم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلمُ من أجسادٍ لا أرواح لها فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسُ محمدٍ بيدِه ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم». والطَوِيّ: بفتح المهملة وكسر الواو وتشديد الياء: البئر المطوية بالحجارة. والرَّكي:

стр. 1009

لا الغُسْل. والقريبُ بما دون الشَّهْر في ليقضين دَيْنَه إلى قريب، والشَّهْر بعيدٌ === على وزنه: البئر. أجيب بأن عائشة تقول: إنما أراد رسول الله ﷺ بقوله: «ما أنتم بأسمع منهم» ما أنتم بأعلم منهم مستدلَّة بقوله تعالى: ﴿إنك لا تُسمع المَوْتَى﴾ (١) ﴿وما أنت بمُسمعٍ مَنْ في القُبور﴾ (٢) ولو سُلِّم فذلك من خصوصيات رسول الله ﷺ قال قتادة: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتحسيراً وتنديماً، كذا ذكره بعضهم. والأظهر أنهم يسمعون، لكنهم على الرد ما يقدرون، ولذا سُنَّ في مقبرة المسلمين التسليم عليهم والقراءة لديهم، لكن مبنى العُرف على سماع من (يكون حياً) (٣) شأنه الاستطاعة على رد الكلام. قال الشارح: فإن قيل: الميت يزار، قلنا: لا بل قَبْرُه. قال ﵊: «كنت نَهَيتُكم عن زيارة القبور فَزُوروها» (٤) . ولو دخل عليه وهو نائمٌ لا يكون زائراً، فههنا أولى. ولا يخفى أنه ورد: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً» (٥) . والتحقيق: أن الزيارة للقبور ظاهراً ولأَصحابها باطناً لما سبق من السلام والكلام. وأما قوله: لو دخل عليه وهو نائم لا يكون زائراً، فمحمول على العُرف وإلا فلا شك أنه قصد الزيارة وحصل له أجرها. ففي الأثر المشهور: «خير الزيارة فَقْد المزور». (لا الغُسْل) أي لا يقيد الغُسْل بالحياة في حَلِفِه لا يغسل، وكذا الحمل والمسّ لا يتقيد بحال حياته لتحقق الكل في حال حياته ومماته. ولو حلف ليضربنَّه بالسوط حتى يموت أو حتى يقتله يراد به (أشدُّ الضرب، لأنه المراد في العرف، وليضربنه بالسيف حتى يموت أو يقتله) (٦) الحقيقةُ وهو الموت. والله سبحانه أعلم. (والقريب) أي ويقيد القريب (بما دون الشهر في) حَلِفِهِ (ليقضين دَيْنَه إلى قريب، والشهر بعيد) ولم يقدرهما الشافعي وأحمد بشيءٍ لوقوعهما على القليل

стр. 1010

وما اصْطُبِغَ به فإدامٌ، وكذا المِلْحُ لا الشِّواء. === والكثير، وإنما حَكَما بحنثِه إذا مات قبل أن يقضيه مع التمكن. ولعلهما أخذا من قوله تعالى: ﴿إلى أجلٍ قريب﴾ (١) . ولنا أن كلاً منهما أمر إضافي فيعتبر فيهما العُرْف، وهو بما قلنا، إلا إذا كانت له نيةٌ فيُحمل عليه (وما اصْطُبِغَ به) بصيغة المفعول، أي غُمس فيه كالخل، والزيت، والمَرَق (فإدام) يحنث به إذا حلف لا يأكل بإدام (٢) . (وكذا الملح لا الشِّواء) قال ابن الأنباري: الإدام ما يُطَيِّبُ الخبز ويُصلِحُه ويَلَتذُّ به الآكل، وهو يعم المائع وغيره. وأما الصِّبْغ فمختص بالمائع وهو ما يغمس فيه الخبز ويلوث به. وفي «النهاية»: وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه: فالخل، والزيت، واللبن، والعسل، والزّبد وأمثالها مما يُصبغ به إدامٌ بالإجماع. والبِطيخ، والعنب، والتمر وأمثالها مما يؤكل وحده غالباً ليس بإدام باتفاق. واختلفوا في الجُبن، والبيض، واللحم، فجعلها محمد إداماً، وهو رواية عن أبي يوسف. وأبو حنيفة ﵀ غير إدام، وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً. ولمحمد أنها تؤكل مع الخبز غالباً، فكانت تبعاً له، ولأبي حنيفة أن حقيقة التبعية بالاختلاط، وعدم الأكل وحده. ووافق محمداً مالك والشافعي واختاره أبو الليث، لأن الإدام مُشتق من الموادمة وهي الموافقة. قال رسول الله ﷺ للمُغيرة حين خطب امرأةً: «انظر إليها، فإنه أحْرَى أنْ يُؤْدَم بينكما» (٣) ، أي يوافق. فما يُؤكل مع الخبز غالباً فهو موافقٌ له، فيكون إداماً. ويؤيده ما رُوي أنه ﵊ قال: «سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم» وقال: «سيد إدامِكم اللحم»، رواه ابن ماجه (٤) . والجوزُ واللوزُ والبقلُ وسائر الفواكه ليس مما يُؤكل مع الخبز، فليس إداماً، إلا إذا تَعَارف أهل بلد أكلها تبعاً للخُبز، كأكل أهل الحجاز الكُرَّاث مع الخبز، وأهل مصر البصل معه، وهذا إذا لم تكن له نية وأما إذا كانت،

стр. 1011

لا يَحْنثُ في: لا يأكلُ من هذا البُسر فأكله رُطَبًا، أو من هذا الرُّطَب، أو اللَّبن، فأكله تمرًا، أو شِئرَازًا أو بُسْرًا، فأكل رُطَبًا، أو لحمًا فأكل سمكًا أو لحمًا أو شحمًا، فأكل أَلْيَةً. === فعلى ما نوى بالإجماع. (ولا يَحْنثُ في) حَلِفِهِ (لا يأكلُ من هذا البُسر فأكله رُطَباً، أو) لا يأكلُ (من هذا الرُّطب، أو اللبن فأكله) أي أكل ذلك الرُّطب حال كونه (تمراً، أو) أكل ذلك اللبن حال كونه (شِيْرَازاً) وهو اللبن الخاثرُ إذا استُخْرِجَ ماؤه، لأن صفة البُسرية والرُّطبية واللبنية داعية إلى اليمين، فتُقيدُ بها، لأن الأصل أن كل ما دلّ على صفة، إن كانت داعيةً إلى اليمينِ تُعتبر في المُعرَّف والمُنكَّر، وإن كانت غير داعيةٍ تُعتبر في المُنكَّر دون المُعرَّف، (أو) لا يأكل (بُسْراً فأكل رُطباً) (أو لا يأكل رُطباً فأكل بُسراً) (١) لأنه لم يأكل المحلوف عليه. (أو) لا يأكل (لحماً فأكل سمكاً) لأنه خلاف العرف، إلا أن يَنْويَهُ، وكذا كل ما يعيشُ في الماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. والقياسُ أن يحنث، وهو قول مالك ورواية عن أحمد، لأن الله تعالى قال: ﴿لحماً طَرِياً﴾ (٢) والمراد به لحم السمك إجماعاً. وقد استدل الثوري أيضاً بالآية لمن استفتاه فيمن حَلَفَ لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، فجاء إلى أبي حنيفة ﵀ فأخبره فقال: ارجع إليه فَسْأَله فيمن حلف لا يجلسُ على بساط، فجلس على الأرض فسأله فقال: لا يحنث، فقال: أليس الله تعالى قال: ﴿والله جَعَلَ لكم الأرض بِسَاطاً﴾ (٣) فقال سفيان: كأنك السائل الذي سألني أمسِ، قال: نعم، فقال: سفيان: لا يحنث في هذا ولا في الأول، فرجع عن ذلك القول، فظهر أن تمسك أبي حنيفة إنما هو بالعرف. ((أو) لا يأكل (لحماً (٤) ) أو) لا يأكل (شحماً فأكل ألْيَةً) لأنها نوع ثالث، فإنها لا تُستَعمل استعمال اللحوم ولا استعمال الشحوم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: هي لحم، وبعضهم: هي شحم، وهو قول أحمد. وفي «المحيط»: حلف لا يأكلُ لحم الشاة، فأكل لحم العنز، وهو الأنثى من المَعِز، لا

стр. 1012

ولا في: لا يشتري رُطبًا، فاشترى كِبَاسةَ بُسر فيها رُطَب. وحَنِث لو حلف: لا يأكل رُطَبًا أو بُسرًا، أو لا رُطبًا ولا بُسرًا، فأكلُ مُذَنِّبًا. أو: لا يأكل لحمًا، فأكل كَبِدًا، أو كَرِشًا، أو لحمَ خنزير، أو إنسان. === يحنث. وقال أبو الليث: يحنث سواء كان الحالف مصرياً أو قروياً، وعليه الفتوى. انتهى. وفيه نظر لا يخفى. (ولا) يحنث (في لا يشتري رُطباً، فاشترى كِبَاسة بُسر) بكسر الكاف: عنقود النخل، أي عِذْقه (فيها رطب) لأن ما اشتراه غير ما حلف عليه والقليل تبعٌ للكثير. (وحنث) عند أبي حنيفة ﵀ (لو حلف لا يأكل رُطباً أو) لا يأكل (بُسراً، أو لا) يأكل (رُطباً ولا بُسراً، فأكل مُذَنِّباً) بكسر النون. وقال أبو يوسف وهو قول الإصطخري: لا يحنث إذا حلف لا يأكل رطباً فأكل بُسراً مذنِّباً، أو حلف لا يأكل بُسراً فأكل رُطباً مُذَنِّباً، لأن الرطب المُذنِّب لا يسمى بُسراً عرفاً، والبُسر المُذنِّب لا يُسمى رطباً عرفاً وهو المُعتبرُ في الأيمان، ولأن المغلوبَ في مقابلةِ الغالبِ كالمعدوم. ولأبي حنيفة وهو قول الشافعي وأحمد: إنْ أَكل الرُطب المذنِّب أو البُسر المذنِّب فهو آكل بسر أو رطب، فيحنث به وإن كان قليلاً. ولهذا لو ميَّزه فأكله لا يحنث إجماعاً. وجعل صاحب «الهداية» قول محمد مع أبي يوسف ـ وفي أكثر الكتب ـ أنه مع أبي حنيفة. وقيل: رُوي عن محمد الحِنْث وعدمه. والرُّطب المذنِّب ما يكون في ذَنَبِه قليل بسر، والبُسر المذنِّب عكسه. (أو لا يأكل لحماً) عطف على: لا يأكل رُطباً، أي وحنث لو حلف لا يأكل لحماً (فأكل كَبِداً) أو طحالاً (أو كَرِشاً) والأصح في مذهب الشافعي أنه لا يحنث، وبه قال أحمد، لأن لهذه الأشياء أسماء تخصها، فلا تكون لحماً عرفاً. ولنا أنها لحم حقيقة، فإن نُموها من الدم، وتستعمل استعمال اللحم. وفي «المحيط»: هذا في عُرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث، لأنها لا تُعدّ لحماً، ولا تُستعمل استعمال اللحوم. (أو) أكل (لحم خنزير، أو) لحم (إنسان) حنث وبه قال مالك وأحمد والشافعي في وجه، لأنه لحم حقيقة وإن كانت حراماً كالمغصوب. واليمينُ ينعقدُ على الحرام منعاً وحملاً، وإن وجب الحِنثُ في الحمل، بخلاف النذر بالمعصية، لقول رسول الله ﷺ «لا نَذْر في معصية الله» (١) . ونقل الزَّاهِدي عن العَتَّابي: أنه لا

стр. 1013

والغَدَاء: الأكلُ من طُلوع الفجر إلى الظهر، والعَشَاءِ منه إلى نِصف الليل، والسَّحُور منه إلى الفجر. وفي: إن لبِستُ، أو أكلتُ، أو شربتُ، ونوى عينًا لم يُصدَّق أصلًا. ولو ضَمّ ثوبًا، أو === يحنث، لأن أكله ليس بمُتَعارف، ومبنى الأيمان على العرف. وقال: هو الصحيح. وفي «الكافي»: وعليه الفتوى. وما قيل: من أنّ العرف العملي لا يُقَيِّدُ اللفظ، فغير صحيح. ولو أكل لَحْمَ الأَلية قيل: يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، وقيل: لا يحنث، وبه قال مالك. ولو أكل الرأس والأكارع يحنَث، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية. ولو أكل القلب يحنَث، وبه قال الشافعي في وجه، والله تعالى أعلم. (والغَدَاء) أي وأكل الغداء (الأكل من طُلوع الفجر إلى الظهر، والعَشَاءِ) أي وأكل العَشَاءِ الأكل (منه) أي من الظهر (إلى نِصف الليل، والسَّحور) الأكل (منه) أي من نصف الليل (إلى الفجر) وإنما قدّرنا مضافاً لما في «المغرب» من أنّ الغداء: اسم لطعام الغدوة، والعَشَاء بالفتح والمد: اسم لطعام العشي، فلا يصح تفسيره بالأكل إلا إذا كان بمعنى المأكول. وأما السّحور فإن كان بضم السين فهو اسم للأكل في ذلك الوقت، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان بفتحها فهو اسم لما يُؤكل، فيحتاج إليه. وأما العِشاء بكسر العين فيراد به ما بعد الظهر، لما في الصحيحين من رواية أبي هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، وفُسِّرت بأنها الظهر في بعض الروايات. وفي «شرح الطحاوي» للإِسبيجابي: وقت الغداء من طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ووقت العشاء منه إلى أن يمضيَ أكثر الليل، ووقت السّحور من مُضي أكثره إلى طلوع الفجر، ثم قال: هذا في عرفهم، وأما في عرفِنَا: فوقت العِشاء من بعد العصر. انتهى. ولا يَبعُد أن يحمل يمين كل أحد على ما عُرِف من عادته، إذ قد يَختلفُ العُرف فيما بين أهل بلدته. ولو أكل اللقمتين أَوْ أكثر لا يحنث، حتى يأكل أكثر من نصف الشِّبَع، وبه قال الشافعي. (وفي: إن لبِستُ، أو أكلت، أو شربت، ونوى عيناً) أي ثوباً معيناً، أو طعاماً معيناً، أو شراباً معيناً (لم يُصدَّق أصلاً) أي لا قضاءً ولا دِيَانة. وقال الشافعي: يُصدَّق ديانة وهو رواية عن أبي يوسف، ومختار الخَصَّاف. (ولو ضَمّ ثوباً) في إن لبستُ (أو

стр. 1014

طعامًا، أو شرابًا دُيّن. وتَصوُّر البِرِّ شَرْطُ صحةِ الحَلِف، خلافًا لأبي يوسف، فمَن حَلَف لأشربنَّ ماءَ هذا الكُوْز اليومَ، ولا ماءَ فيه أو كان فصُبَّ في يومه، لا يحنثُ. وإن أَطْلق عن الوقتِ فكذا في الأَوَّل دون الثاني. وفي نحو لَيَصْعَدَنَّ السماء، أو لَيَقْلِبَنَّ هذا الحجرَ، ذهبًا أو لَتَقْتُلَنَّ فلانًا عالمًا بِموتهِ انعقدَ لتصوُّرِ البِرِّ، === طعاماً) في إن أكلت (أو شراباً) في إن شربت (دُيّن) أي صُدِّق دِيَانة، لأن النَّكرة في حيز الشرط تَعم، فتصح نية التخصيص، ولا يُصدَّق قضاءً لأنه نوى خلاف الظاهر، وهو العموم، وفيه تخفيف عليه. (وتَصوُّر البرِّ شَرْطُ صحة الحَلِف) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك، ووجه في مذهب الشافعي (خلافاً لأبي يوسف) وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن محلَ اليمين خبرٌ في المستقبل قَدَر الحالف أو عَجَز. ولأبي حنيفة محل اليمين المعقودة خبرٌ فيه رجاء الصدق، لأنها تعقدُ للحظر أو الإيجاب، أو لإظهار معنى الصدق، وذلك لا يتحققُ فيما ليس فيه رجاء الصدق (فمَنْ حَلَف لأشربنَّ ماء هذا الكُوْز اليوم، ولا ماء فيه) سَواء عَلِمَ أنَّ فيه ماءً أو لم يعلم (أو كان) عطف على لا ماء، أي أو حلف لأشربنَّ ماء هذا الكوز اليوم وكان فيه ماء (فصب في يومه لا يحنث) عند أبي حنيفة ومحمد، لاستحالة البرِّ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن البرَّ في المؤقت يجب أن يكون في آخر الوقت، وهو مستحيل فيه. ويحنث عند أبي يوسف في آخر جزء من أجزاء ذلك اليوم، حتى يجب عليه الكفّارة إذا مضى ذلك اليوم. (وإن أطلق عن الوقت) بأن قال: لأشربنَّ ماء هذا الكوز بدون ذكراليوم (فكذا في الأول) أي لا يحنث فيما إذا لم يكن في الكوز ماء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن اليمين لم ينعقد لاستحالة البرَّ للحال، ويحنث عند أبي يوسف (دون الثاني) وهو ما إذا كان في الكوز ماء فصب، فإنه يحنث فيه باتفاق. أما عند أبي يوسف فظاهر، وأما عندهما فلأن البرَّ يجبُ عليه، كما فرغ من اليمين فإذا صب بعد ذلك فقد فات البرُ، فيحنث حينئذ، كما لو مات الحالف والماء باق. (وفي) الحَلِفِ على ممكن غير واقع بحسب العادة (نحو لَيَصْعدنَّ السماء، أو لَيَقْلِبن هذا الحجر ذهباً، أو ليقتُلنَّ فلاناً عالماً بموته) لأنه حينئذٍ يُراد قتله بعد إحياء الله تعالى، وهو ممكن غير واقع (انعقد) يمينُه (لتصوُّر البِرِّ) في الجُملة، فإِنَّ الصعودَ إلى

стр. 1015

وحَنِث للعَجْزِ، وإن لم يَعِلم فلا. ومَدُّ شعرها وخَنْقُها، وعصُّها كضربها. وقُطنٌ مَلَكه بعد: إنْ لبِسْتُ من غَزْلِكِ فهديٌ، فَنَزَلتْه ونُسِجَ ولبِسَ هديٌ. وخاتَمُ ذهب حَلْيٌ لا خاتمُ فضة === السماء ممكنٌ، لأن الملائكة يصعدون، وكذا صَعِدَ بعضُ الأنبياء، وكذا يحوّلُ الحجرَ ذهباً بتحويل الله تعالى، وكذا قتل فلان الذي علم بموته بأن يعيد الله تعالى فيه الحياة (وحنث) عَقِيبها إن كانت اليمينُ مطلقةً، وإن كانت مؤقتة فعند مُضيّ ذلك الوقت (للعجز) الثابت عادة، كما إذا مات الحالفُ، وهو وجه في مذهب الشافعي، لأنه مستحيل عادة، فأشبَه المستحيلَ حقيقةً. (وإن لم يعلم) بموته (فلا) ينعقدُ يمينُه، لأنه حينئذٍ يُراد به قتلُه مع تلك الحياة. ولمّا كان ميتاً كان قتلُه مع تلك الحياة ممتنعاً. وقال زفر: لا ينعقدُ اليمينُ في المسألتين إلحاقاً للمستحيلِ عادةً بالمستحيل حقيقة، للعجز عن تحقيق البرِّ في الصورتين. (ومدُّ شعرها) أي المرأة (وخنْقُها، وعصُّها كضربها) يحنث به إذا حَلَفَ لا يضربُها، لأن الضرْبَ اسم لفعل مؤلم وقد حصل، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: لا يحنث. وقال مالك: يحنث به، وبما يؤلم قلبَها: من سبّ أو شتمٍ. وقيل: هذا مقيَّدٌ بحال الغضب، بخلاف حال الملاعبة، لأن ذلك حينئذٍ ممازحة. (وقُطنٌ) مبتدأ (مَلَكه بعد) قوله: (إنْ لبِسْتُ من غَزْلِكِ فهديٌ) أي فهو صدقة على فقراء مكة (فَغَزَلتْه ونُسِجَ ولبِسَ هديٌ) خبر مبتدأ، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وهو قول الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون هَدْياً إلا إذا غَزَلته من قطن في مِلْكِه يوم الحلف. (وخاتمَ ذهبٌ حَلْي) بفتح وسكون: ما يُلبس للزينة، وجمعه حُلِيّ بضم فكسر فتشديد ياء. فحنث بلبسه إذا حَلَفَ لا يَلبَسُ حُلِياً، لأنه لا يُستعمل إلا للتزين، ولذا لا يحلُ للرجل، فكان كاملاً في معنى الحُلي، فدخل تحت اسمه (لا خاتَم فضة) أي ليس خاتم الفِضة بِحُلي، لأنه يُستعمل لغير التزيُّن، ولهذا حلّ للرجال، فلم يكن كاملاً في معنى الحُلي، فلم يدخل في مطلق اسمه. وفي «جامع قاضيخان»: قال مشايخنا إذا كان خاتم الفضة مصنوعاً على هيئة خاتم الرجال، بأن لم يكن فيه فص، حتى لو كان فيه فص حنث. انتهى. ولعله مقيدٌ بِفَصَ فيه زينة، وإلا فقد ثبت في شمائل رسول الله ﷺ أن خاتَمه له فَصٌّ.

стр. 1016

وعندهما عقدُ لؤلؤٍ لم يُرصَّع حُلِيٌّ، وبه يُفْتَى. ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ فوقه، حَنِثَ، لا مَنْ جَعَل فوقه فراشًا آخر، أو حَلَفَ لا يَجلِسُ على الأرض، فجلس على بِساطٍ، أو حصيرٍ. ولو حالَ بينَه وبينها لباسه حنِثَ، كمن حَلَفَ لا === (وعندهما) وكذا عند مالك والشافعي وأحمد (عقدُ لؤلؤٍ) وياقوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وزُمُردٍ وبَلَخْش (١) (لم يُرصّع) أي لم يركب بذهب وفضة (حُليّ) يحنث بلُبْسه إذا حلف لا يَلبَس حُلياً (وبه يُفْتَى) لأن التَّحلي به على الانفراد معتاد، ولقوله تعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجونَ منه حِلْيَةً تلبَسُونَها﴾ (٢) . وإنما يُستخرج من البحر اللؤلؤ. وقال أبو حنيفة: لا يَحنث، لأن العادة لم تَجْرِ بالتحلِّي باللؤلؤ ونحوه إلا مرصَّعاً، والمعتبر في اليمين العُرف لا الحقيقة. ولعل هذا اختلافُ عصر وزمانٍ لا حجةٍ وبرهان، فكان في زمانه لا يُتَحلَّى به إلا مرصعاً، وفي زمانهما تُعورِف التحلي بالسَّاذج (٣) منه كالمُرَصَّع، ولهذا كان المفتى به قولهما. (ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ) بكسر القاف: سِتْرٌ فيه رقم ونقش (فوقه) أي فوق الفراش (حَنِثَ) لأن القِرام تبعٌ للفِراش، فيُعدّ بنومه عليه نائماً على الفِرَاش (لا) يحنثُ (مَنْ جَعَل فوقه) أي فوق الفراش (فراشاً آخر) لأنه لا يعد نائماً على الفراش الأسفل. وقال أبو يوسف: يحنَث، وبه قال الشافعي، لأنه نائم عليهما حقيقة وعرفاً. وصار كمن حلف لا يكلم فلاناً فسلَّم على جَمْع هو فيهم. ولنا أنّ مثل الشيء لا يكون تبعاً له، فانقطعت النِّسبة عن الفراش الأول، فكان نائماً على الثاني، وصار كمن فرش ثوباً على فراش حرير، فقعد عليه حيث لا يحرم عليه، ويؤيده أيضاً قوله: (أو حَلَفَ) أي ولا يحنَث مَنْ حلف (لا يَجلِسُ على الأرض فجلس على بِساطٍ أو حصيرٍ) فوقها، لأنه لا يُسمى جالساً على الأرض عادة (ولو حالَ بينه وبينها لباسه حنِثَ) لأن لباسَه تبع له، فلا يعتبر حائلاً (كمن حَلَفَ لا

стр. 1017

يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاط فوقه، بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه. ولا يفعلْه يقعُ على الأبد، ويفعَلْه على فعله مرةً. وبـ: عليَّ المَشي إلى بيتِ الله، أو إلى الكعبةِ يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشيًا، ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ، ولا شيء بـ: عليّ الخروجُ أو الذهابُ إلى بيتِ اللهِ، === يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاطٍ فوقه) فإنه يحنث، لأنه يُعدّ جالساً على السرير عادة (بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه) فإنه لا يحنَث، لأنه لا يُعد جالساً على السرير الأسفل (ولا يفعلْه يقعُ على الأبد) أي آخر عُمُرِه، لأنه نفى الفعلَ مطلقاً، فيقتضي عدمه في جميع العمر، ضرورة عموم النفي، إذ وجوده في جزء منه ينافي العدم في جميعه. (ويفعَلْه) يقع (على فعله مرةً) واحدةً، لأن الفعل يقتضي مصدراً مُنكّراً، والنَّكرةُ في النَّفي تعم، وفي الإثبات تخص. والواحد هو المُتَيقَّن لعدم اقتضائه التكرار. وإنما يحنث بوقوعِ اليأس عن الفعل، وذا بهلاك الفاعل أو محل الفعل (وبـ: عليَّ المَشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة) أو إلى مكة، وقول الشارح: أو بمكة ليس في محله: ولعله بكة فتصَحَّفَت على النُّساخ (يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشياً) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. والقياس أن لا يجب عليه شيء لأنه التزم المشي وهو ليس بقُربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم. ووجه الاستحسان أن هذه العبارة كنايةٌ عن إِيجاب الإحرام شرعاً، فصار كما لو قال: عليّ الإحرام بحجةٍ أو عُمرةٍ ماشياً. (ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ) لما روى الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد عن الحسن، عن عِمران بن حُصين قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبةً إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلة، وقال: «إن من المثلة أن ينذرَ الرجلُ أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحجَ ماشياً فليُهد هدياً. وروى أحمد في «مسنده» عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسأل النبي ﷺ فقال: «إن الله غنيٌ عن نذر أختك لتركب وتلهد بدنة». وقد سبق تحقيق هذا البحث في كتاب الحج. (ولا شيء بـ: عليّ الخروج أو) عليّ (الذهاب) أو السفر، أو المُضي، أو السير (إلى بيت الله) باتفاق أئمتنا، لأن التزام الإحرام بهذه الأَلفاظ غير متعارف. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية أشْهَب عن مالك: يلزمه الحج والعمرة كما في: عليّ

стр. 1018

أو المَشْيُ إلى الحرامِ، أو المسجدِ الحرامِ، أو الصَّفَا والمَرْوةِ. ولا يَعتِق عبدٌ قيل له: إن لم أحجّ العامَ فأنت حُرٌّ، فَشَهِدا بِنَحْرِهِ بكوفة. حَنِثَ بصومِ سَاعةٍ في: لا يصوم، === المشيُ إلى مكة، (أو المشي) أي ولا شيء بـ: عليّ المشي (إلى الحرام أو) إلى (المسجد الحرام) عند أبي حنيفة، لأن التزام الإحرام غير متعارف بهذا الكلام. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: يلزمه الحج والعُمرة، لأن الحرم والمسجد الحرام شامل للبيت، فكان ذكرُه كذكرِهِ. (أو) إلى (الصفا والمروة) أو بقعة أخرى من الحرم كالمُزدلفة، وعرفات ومنى باتفاق أئمتنا. وبه قال مالك لما تقدم. وقال الشافعي وأحمد وأَصْبَغ من المالكية: يلزمه المشيُ إليها بحج أو عمرة. ولو نَذَر المشي إلى مسجد النبي ﷺ أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وهو قول الشافعي في «الأم». وقال مالك وأحمد: ينعقد نذره، وهو قول الشافعي، لقوله ﷺ «لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (١) . ولنا أنهما لا يُقصدَان بالنُّسك، فأشبها سائر المساجد. والمقصود من الحديث تخصيص القُربة وفضيلتها في هذه المساجد. (ولا يَعتِق) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (عبد قيل له) أي قال السيد له: (إن لم أحجّ العامَ فأنت حر) ثم قال السيد: حججت، وأنكر العبد وأتى بشاهدين (فَشَهِدا بِنَحْرِهِ) أي بأن السيد نحر أضحية (بكوفة) وقال محمد: يعتق، لأن هذه شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحققُ الشرط. ولهما: أن هذه شهادة على النفي، فلا تقبل، كما شهدا أنه لم يحج. (وحَنِثَ بصومِ سَاعةٍ) ثم أفطَرَ (في: لا يصوم) لوجود الشرط وهو الإمساك عن المفطرات مع النية على قصد التقرب، فإذا أصبح صائماً فقد وجد ذلك. ولذا يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر. ووجود الإفطار بعد ذلك لا يرفع الحِنْث المتقرر. وفي «شرح الوقاية»: فإن قلت: الصوم الشرعي: هو صوم اليوم، واللفظ إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي يُحمل على المعنى الشرعي. قلت: الشرع قد أطلقه على

стр. 1019

لا لو ضمّ يومًا أو صومًا حتى يَتمّ يومًا. وبركعةٍ في: لا يُصلي، لا بما دونها، ولو ضمَّ صلاةً فَبِشَفعٍ، لا بأقل. وبولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا. وعَتَقَ الحيُّ في: إن ولدْتِ فهو حرٌ، إن ولدْتِ ميتًا ثم حيًّا. وفي: لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ وقضاه زُيُوفًا، أوَ نَبَهْرَجةً، === ما دون اليوم في قوله تعالى: ﴿أتمو الصيامَ إلى الليل﴾ (١) . انتهى. ولا يخفى أن الصيام الشرعي لكونه مغياً إلى الليل لا يتم بدون اليوم. (لا) أي لا يحنث (لو ضمّ يوماً أو صوماً) أي بأن حَلَفَ لا يصومُ يوماً، أو لا يصومُ صوماً (حتى يتم يوماً) لأنه في الأول ذكر اليومَ وهو صريح في تقدير المدة، وفي الثاني أكَّد الصومَ، ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم المعتبر شرعاً، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. (و) حَنِثَ (بركعة في: لا يصلي) واختلف المشايخ فقال بعضهم: يحنث بالسجدة، وقال بعضهم: برفع الرأس منها (لا بما دونها). والقياس أن يَحنَثَ بالافتتاح اعتباراً بالشروع في الصوم. ووجه الاستحسان أن الصلاة عبارة عن: القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، فما لم يتحقق كلها لم يُسم صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى رُكوعاً ولا سجوداً، وإنما يقال: صلى ركعة. (ولو ضم صلاة) بأن حَلَفَ لا يُصلي صلاة (فَبِشَفعٍ) يحنث (لا بأقل) لأنه أكّد الصلاة، فتنصرف إلى الكاملة، وأقلها عندنا ركعتان للنهي عن البُتيراء. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحنث بركعة، لأن الركعة الواحدة صلاة عندهما، وقالا أيضاً: يحنث بالشروع، لأنه يُسمى مصلياً. (و) حنث (بولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا) لأن الولد الميْتَ ولدٌ حقيقةً وعرفاً وشرعاً، ولهذا تنقضي به العدة، ويكون الدم الذي بعده نِفاساً، وتصير الأمة به أمَ ولدٍ (وعَتَقَ الحي) عند أبي حنيفة (في: إن ولدْتِ فهو حرٌ إن ولدْتِ ميتاً ثم حيًّا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت، فتنحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميتَ ليس بمحلٍ للحُرية وهي الجزاء. ولأبي حنيفة ﵀: أنه لما جعل الحريةَ وصفاً للمولودِ، تقيد اليمينُ بولادةِ الحيّ، نظراً إلى هذا الوصف، إذ الميت لا يقبله. وأن الحياة تثبتُ فيه مقتضىً، صوناً لكلام العاقل عن اللغو، ألا ترى أنه لو قال: إن ولدْتِ ولداً ميْتاً فهو حر كان لغواً. (وفي لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ) كلمة «في» متعلقةٌ بالفعل المتأخِرِ، وهو قوله الآتي: «بَرَّ» (وقضاه زُيُوفَاً أو نَبَهْرَجةً) الزُّيوف: ما زيّفه بيت المال، ولكنه يروج فيما بين

стр. 1020

أو مُستَحقَّة، أو باعه به شيئًا وقبضَه، بَرَّ. ولو كان سَتُّوقة أو رَصَاصًا أو وهب له لا. وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهمًا دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقًا، لا بِبَعْضِه دُوْنَ باقيه === التجار. والنَّبَهْرجة: ما يُبهرِجُه التُّجار. والمُسامحُ منهم يتجوَّزه، والمُسْتقضي منهم لا يتجوَّزه لغشٍ فيه. (أو) قضاه (مُستحقة) للغير (أو باعه) أي المديون الدائن (به) بدينه (شيئاً وقبضَه) أي الدائنُ ذلك الشيء (بَرَّ) في يمينه، لأن الزُّيوفَ والنَّبَهْرجةَ دراهم حقيقة، إلا أنها معيبة، والعَيْب لا يُعدِمُ الجنسية، ولهذا لو تجوّز بهما صار مُستوفياً، وكذا لو تجوّز بهما في رأس مال السَّلَم وبدل الصرف يجوز، ولولا أنهما من جنس حقه لما جاز، ولأن قبضَ الدراهمِ المُستحقة صحيح، حتى لو أجازه المستحق في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز، ولأن قضاء الدَّين طريقه المُقاصّة، وقد تحققت بمجرد البيع. وهذا لأن الديون تُقضى بأمثالها. وقال الشافعي: يبر في النَّبهرجةِ والزُّيوفِ، ولا يبر في البيع. وقال مالك: لا يبر فيهما، ويبر في البيع إن كان بقيمة حقه، ويحنثُ إن كان بأقل منها. (ولو كان) الذي قضاه بأن ظَهَرَ المدفوع (سَتُّوقة) بفتح السين، أردأ من النَّبهرجة (أو رُصاصاً) بضم أوله (١) (أو وهب له) أي وهب الدائنُ الدين للمديون (لا) يبر، لأن السَّتُّوقة والرُّصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تَجَوَّز بهما لم يجز إلا برضا الآخر بطريق الاستبدال. ولو تَجَوَّز بهما في الصرف والسَّلَم. لا يجوز لحرمة الاستبدال فيهما، حتى لو افترقا يَبطُل العقد والتَّجوُّز لغوٌ، لأن القضاءَ فعل المديون، والهبة إسقاط من رب الدين، فلا قضاء. (وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهماً دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقاً) لوجود شرط الحِنْثِ، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة، لأنه أضاف القبضَ إلى دينٍ مُعرَّف بالإضافة إليه، فيتناول كله (لا ببعضه) أي لا يحنثُ بقبض بعضِ دينه (دُوْنَ باقيه) حتى يقبِضَه، لعدم وجود الشرط، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة إذا لم يَقبض باقيه، ووجود الشرط إذا قبض باقيه، فإذا قبضَ بعضه في أول النهار وبعضه في آخره حِنث
следующие страницы →