لَا بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ.
===
والنهي عن بيع أحدهما لمعنى مجاورٍ للبيع غير متصلٍ به، وهو الإضرار بالصغير، فلا يفسُد العقد كالنهيّ عن السَّوْم على سَوْم غيره.
(لَا بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ) أي لا يكره، لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، عن أنس بن مالك: أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبيّ ﷺ فسأله، فقال: «أما في بيتك شيءٌ»؟ قال: بلى، حِلْسٌ ـ أي كساء ـ نَلْبَسُ بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ ـ أي قدح ـ نشرب فيه الماء. قال: «ائتني بهما»، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ وقال: «مَنْ يشتري هذين؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: «من يزيد على درهم» مرتين أو ثلاثاً ـ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه فأخذ الدّرهمين فأعطاهما الأنصاريّ. وقال: «اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قَدُوماً فائتني به»، فأتاه به فشدّ فيه رسول الله ﷺ عُوداً بيده ثمّ قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرَينَّك خمسة عشر يوماً». فذهب الرّجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله ﷺ : «هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نُكْتَةً في وجهك يوم القيامة».
قال الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكنز»: ومن مشايخ بُخَارَى مَنْ جعل بيع الوفاء، كبيع المُكَره، منهم الإمام ظهير الدّين، والصدر الشهيد حُسَام الدِّين، والصدر السعيد تاج الإسلام. وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بدينٍ لك، على أَني متى قضيت الدّين فهو لي. فجعلوه فاسداً باعتبار شَرْط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين، فيفيد الملك عند اتصال القبض وينقض بيع المشتري كبيع المُكْره، لأنّ الفساد باعتبار عدم الرِّضا فكان حكمه كحكم بيع المكره في جميع ما ذكرنا.
ومنهم مَنْ جعله رهناً، منهم: السيد الإمام أبو شجاع، وعليّ السُّغْدِيّ، والإمام القاضي الحسن المَاتُرِيدِي. قالوا: لَمّا شرط عليه أخذه عند قضاء الدين كان بمعنى الرّهن، لأنه هو الذي يُؤْخَذُ عند قضاء الدّين، والعبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ، حتّى جُعِلَت الكَفَالَة بشرط براءة الأصيل حَوَالَة، وبالعكس كفالة، والاستصناع عند ضَرْب الأجل سَلَماً، فإذا كان رهناً لا يملكه ولا ينتفع به. وأيّ شيءٍ أُكِلَ من زوائده يضمن ويستردّه عند قضاء الدين. ولو استأجره البائع، لا تلزمه أجرته، كالرّاهن إذا استأجر المرهون وانتفع به وسقط الدين بهلاكه، فيثبت به جميع أحكام الرّهن. ومن
стр. 1087
فَصْلْ الإِقَالَةُ
الإقالَةُ فَسْخٌ في حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ، فَتَبْطُلُ بَعْدَ وِلَادَةِ المَبِيعَةِ، وبَيْعٌ في حَقِّ الثَّالِثِ، فَيَجِبُ بِهَا الشُّفْعَةُ.
===
مشايخ سَمَرْقَنْد من جعله بيعاً جائزاً مفيداً بعض أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النَّسَفِيّ، فقال: اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان فجعلوه بيعاً جائزاً مفيداً لبعض الأحكام ـ وهو الانتفاع به ـ دون البعض، وهو البيع لحاجة النّاس إليه ولتعاملهم فيه، والقواعد قد تترك بالتعامل. وجوّز الاستصناع لذلك، وقال صاحب «النهاية»: وعليه الفتوى.
ومن المشايخ من جعله باطلاً واعتبره بالهازل. وقال في «الكافي»: والصحيح أنّ العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر إِنْ كانا اشترطا الفسخ في البيع، فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع، وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو بالبيع الجائز. وعندهما: هذا البيع عبارة عن بيعٍ غير لازمٍ فكذلك. وإن ذكرا البيع من غير شرطٍ ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالميعاد، لأنّ المواعيد قد تكون لازمةً.
قال رسول الله ﷺ : «العِدَةُ دينٌ» (١) . فيجعل هذا الميعاد لازماً لحاجة النّاس إليه. وقال جلال الدين في «حواشي الهداية»: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بألفِ درهمٍ على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين إليّ. ثم قال: ويُسمّى هذا بيع الوفاء، وهذا البيع موجودٌ في المِصْر يُتَعَامَلُ به ويسمّونه بيع الأمانة. والله تعالى أعلم.
فصلٌ الإقَالَةُ
(الإقالَةُ) مندوبة لِمَا في «سنن أبي داود وابن ماجه»، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أقال مسلماً بيعتَهُ، أقال اللهاُ عثرتَه». زاد ابن ماجه: «يوم القيامة». وفي رواية البَيْهَقِيّ: «من أقال نادماً». وهي تصح بايجابٍ كـ: أقلتك، وقَبُولٍ في المجلس من الآخر، وبتعاطٍ أيضاً. (فَسْخٌ في حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ) عند أبي حنيفة إلا أن لا يمكن جعلها فسخاً (فَتَبْطُلُ) الإقالة (بَعْدَ وِلَادَةِ المَبِيعَةِ) بعد القبض، لأنّ الزّيادة المنفصلة تمنع الفسخ بخلاف المتَّصلة عند أبي حنيفة ﵀ (وَبَيْعٌ) جديدٌ (في حَقِّ الثَّالِثِ) إنْ وُجِدَ كالشفيع، (فَيَجِبُ بها) أي بالإقالة (الشُّفْعَةُ) للشفيع
стр. 1088
وَصَحَّتْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الأوّلِ، وإنْ شَرَطَ غَيْرَ جِنْسِهِ، أوْ أكْثَرَ مِنْه، وكذا الأَقلّ، إِلَّا إِذَا تَعَيَّبَ.
===
الذي سُلِّمَ الشُّفْعَة في البيع لأنه ثالثٌ، وكذا الاستبراء في إقالة الأَمة.
وقال أبو يوسف، والشافعيّ في القديم، ومالك: بيع في حقّ الكل بعد القبض (إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً، بأن كانت قبل القبض في المنقول، أو كانت بعد هلاك أحد العِوَضيْن في المقايضة، فيجعلها أبو يوسف) (١) فسخاً إلاّ إذا تعذّر جعلُها فسخاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار، فتبطل الإقالة، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، والفسخ يكون بالثَّمن الأوّل وقد سمّيا ثمناً آخر، فتبطل الإقالة ويبقى البيع الأول على حاله.
وقال محمد والشّافعي في الجديد، وزُفَرُ: فسخٌ في حقّ الكلّ إن كانت بالثّمن الأوّل أو بأقلّ، إلاّ إذا تعذَّر جعلها فسخاً (بأن تقايلا بعد القبض بالثّمن الأول بعد الزِّيادة المنفصلة، أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثَّمن الأوّل، فيجعل بيعاً إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار)، فتبطل الإقالة ويبقى البيع على حاله.
(وَصَحَّتْ) الإقالة (بِمِثْلِ الثَّمَنِ الأوّلِ) جنساً وقدراً (وإنْ شَرَطَ غَيْرَ جِنْسِهِ) كما لو كان الثَّمن دراهم وأقال على دنانير، لأنّ غير جنس الثَّمن ليس ثابتاً في المفسوخ ورفع ما ليس ثابتاً محالٌ، فيكون تسمية غير جنس الثَّمن في الإقالة شرطاً فاسداً، والإقالة لا تبطل بالشُّروط الفاسدة، (أوْ) إنْ شَرَطَ (أكْثَرَ مِنْه) أي من الثَّمن لأنّ الزِّيادة يتعذّر الفسخ عليها، لأنّها لم تكن ثابتة في المفسوخ، فيكون تسميتها شرطاً فاسداً فيلغو. وهذا يؤيد قول أبي حنيفة ومحمد: أَنّ الإقالة فسخٌ، إذ لو كانت بيعاً لبطلت بالشرط الفاسد كالبيع.
(وكذا) تصحُّ الإِقالة بِمثل الثمن الأَوّل وإِن شَرَط (الأَقلّ)، فلو تقايلا بخمس مئة والمبيع بحاله لم يتعيّب وكان الثمن أَلفاً صحت الإِقالة بأَلف، لأَنه لا يمكنُ تصحيحُهما بخمس مئة فيبطُل ذكر الخمس مئة، وتبقى الإِقالة، فيجب على البائع ردّ الأَلف على المشتري (إِلاَّ إِذا تعيَّب) المبيع: بأَن حدث به عيبٌ عند المشتري، فإنّ الإقالة تصحّ بالأقلّ حينئذٍ ويكون المحطوط من الثَّمن بإزاء العيب، وهذا كله عند أبي
стр. 1089
وَلَمْ يَمْنَعْهَا هَلَاكُ الثَّمَنِ بَلْ هَلَاكُ المَبِيعِ، وَهَلَاكُ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بِقَدرِهِ.
فَصْلْ [فِي التَّوْلِيَةِ والمُرَابَحَةِ]
التَّوْلِيَةُ أنْ يَشْتَرِطَ في البَيْع أنّهُ بِمَا شَرَى،
===
حنيفة. وأمّا عندهما، ففي أكثر من الثّمن يكون بيعاً، لأن البيع أصلٌ عند أبي يوسف وكان جعلها بيعاً ممكناً، وبالزيادة ظهر قصد البيع فيجعل بيعاً عند محمد، وكذا في أقلّ من الثّمن يكون بيعاً عند أبي يوسف لأنّه الأصل عنده، وفسخاً بالثّمن الأوّل عند محمد لأنه سكوت عن بعض الثَّمن الأوَّل، وهو لو أقال وسكت عن الثَّمن الأوَّل يكون فسخاً، فهذا أحقّ.
(وَلَمْ يَمْنَعْهَا) أي الإقالة (هَلَاكُ الثَّمَنِ بَلْ) يمنعها (هَلَاكُ المَبِيعِ) لأنّ الإقالة رفع البيع، ورفعه يستدعي قيامه، وقيامه بالمبيع دون الثّمن. ولهذا لو هلك المبيع قبل القبض يبطل البيع، ولو هلك الثمن قبله لا يبطل. (وَهَلَاكُ بَعْضِهُ) أي المبيع (يَمْنَعُ) من الإقالة (بقدره) اعتباراً للجزء بالكلّ، فتجوز الإقالة في الباقي، ويمتنع في الهالك. ولو باع بشرط الإقالة، إذا ردّ البائع الثَّمن عند أكثر المشايخ له حكم الرَّهن، فلا يباح للمشتري أن ينتفع به بدون إذن البائع، ويسقط الدّين بهلاكه. وعند بعض المشايخ: هو باطلٌ لأنّه تلاعب.
وقال نجم الدين النَّسَفِي: اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان على جوازه لحاجة النّاس إليه وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل كما في الاستصناع. وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وفي «الخَانِيَّة»: الصحيح أنّ العقد إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر فإنْ ذُكِرَ الشرط فيه يفسد، وإن ذُكِرَ قبله أو بعده على وجه المواعدة يصحّ العقد، ويلزم الوفاء بالعهد لحاجة الناس.
فصلٌ
(في التَّوْلِيَةِ والمُرَابَحَةِ)
(التَّوْلِيَةُ) لُغَةً: جعل الشيء والياً لغيره.
وشرعاً: (أنْ يَشْتَرِطَ) البائع (في البَيْعِ أنّهُ بِمَا شَرَى) أَي بقدره وجنسه لا بنفسه، لأنّ نفس ما شرى به صار ملكاً للبائع الأوَّل، فلا يمكن البيع به إلاّ إذ صار ملكاً للمشتري. ولو قال: «بما قام عليه» بدل قوله: «بما شرى»، لكان أولى، لأنّ الصبغ
стр. 1090
والمُرَابَحَةُ بِهِ مَعَ فَضْلٍ. وشَرْطُهُمَا شِرَاؤُهُ بِمِثْلِيّ.
وَلَهُ ضَمُّ أُجْرَةِ القِصَارَةِ وَالحَمْلِ وَنَحْوِهِمَا،
===
والقِصَارة ونحوهما يُضَمُّ إلى الثَّمن الأوّل (والمُرَابَحَةُ بِهِ) أي بما شرى، فهي أن يشترط البائع في البيع أنّه بما شرى (مَعَ فَضْلٍ) وأمّا إذا كان بأقلّ من الثَّمن فوضيعةٌ. وهما بيعان جائزان لتعامل النّاس بهما من غير نكير، ولِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن مَعْمَر، عن رَبِيعَة ابن أبي عبد الرّحمنِ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «التَّوْلِيَةُ، والإقَالَةُ، والشَّرِكَةُ سواءٌ لا بأس به». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن الحسن وابن سيرين وطاوس أنهّم قالوا: التَّوْلِيَةُ بيعٌ.
وفي البخاري عن عائشة أنّ أبا بكرٍ قال للنبيّ ﷺ : خذ بأبي أنت وأمي (يا رسول الله) (١) إحدى راحلتيّ هاتين. فقال رسول الله ﷺ : «بالثَّمن». وفي «سيرة ابن إسحاق»: فلمّا قرّب أبو بكر ﵁ الرَّاحلتين إلى رسول الله ﷺ قدّم أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أركب بعيراً ليس لي». فقال: هي لك يا رسول الله. قال: «لا، ولكن بالثَّمن الذي ابتعتها به». قال: كذا وكذا، قال: «أخذتها بذلك». قال: هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا.
وفي «طبقات ابن سعد»: وكان أبو بكر قد اشتراهما من نَعَمِ بني قشير بثمان مئة درهمٍ، فأخذ إحداهما وهي القصوى (٢) . ولأنّ شرائط الجواز متحقّقة فيهما، وقد مسّت الحاجة إليهما، لأن غير الفَطِن في الشِّراء يحتاج إلى أنْ يعتمد على فعل الماهر فيه، فيشتري عنه بمثل ما اشترى وبزيادة ربحٍ، لئلا يُغْبَنَ بأكثر ممّا لو لم يعتمد على فعله، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن التّهمةِ والخيانة، إذ لو لم يبنيا على ذلك فات المقصود.
(وشَرْطُهُمَا) أي المُرَابَحِةِ والتّوْلِيَةِ، وكذا الوضيعة (شِرَاؤُهُ) أي شراء البائع المبيع (بِمثْلِيّ) أي كيليّ، أو وزنيّ، أو عدديّ متقارب، (وَلَهُ) أي للبائع (ضَمُّ أجْرَةِ القِصَارَةِ وَالحَمْلِ وَنَحْوِهِمَا) أي نحو القِصَارة ممّا زاد في عين المبيع، ونحو الحمل مما زاد في قيمته، لأنّ ما زاد في عين الشيء أو في قيمته ملحقٌ به.
стр. 1091
وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيّ بِكَذَا، فَإنْ ظَهَرَ خِيَانَتُهُ في المُرَابَحَةِ أَخَذَهُ بِثَمَنِةِ أوْ رَدَّهُ. وَفي التَّوْلِيَةِ حُطَّ. وَعِنْدَ أبِي يُوسُفَ حُطَّ فِيهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خُيِّرَ فِيهِمَا.
فَصْلْ فِي الرّبَا
الرِّبَا
===
وإنّما كان الحمل مما يزيد في قيمة المبيع، لأنّ القيمة تختلف باختلاف المكان فيضمّ أجر الفَتْل والطِّرَاز والصَّبْغ والغسل والخياطة ونحوها. والأَصل أَنَّ ما جرى عُرْف التجّار على إِلحاقه برأس المال يُلحق به، وما لا فلا. وأَما أُجرة الدَّلاّل (١) فلا تضم اتفاقاً، وتضم نفقة المبيع وكسوته لا نفقة المشتري على نفسه في سفره من وقت شرائه للمبيع. وقيّد بالأُجرة لأَنه لو فعل القصارة أو الحمل أَوْ نحوهما بيده لا يُضم.
(وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيّ بِكَذَا) ولا يقول: شريت بكذا، تحرّزاً عن الكذب، إذ المُشْتَرى به ما ذُكِرَ ثمناً في العقد. ((فَإنْ ظَهَرَ خِيَانَتُهُ في المُرَابَحَةِ)) (٢) بإقرار البائع أو بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادّعاها المشتري (أَخَذَهُ) أَي المبيع (بِثَمَنِهِ) كلّه (أوْ رَدَّهُ) بالفسخ.
(وَ) إنْ ظهر له خيانةٌ (في التَّوْلِيَةِ حُطَّ) قَدْر الخيانة من الثَّمن ولا يُفْسَخ، هذا عند أبي حنيفة، (وَعِنْدَ أبِي يُوسُفَ حُطَّ فِيهِمَا) أي في المُرَابَحَةِ والتَّوّلِيَةِ، وهو قول الشّافعي في «المختصر» وأحمد (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وهو قولٌ للشَّافعيّ (خُيِّرَ فِيهِمَا) بين الأخذ بكل الثَّمن والفسخ. ولو اشترى بألفٍ مؤجَّلَةٍ، وباع بربح مئة، أو باع توليةً بلا بيانٍ، خُيِّرَ المشتري بين أخذه بكلّ الثَّمن وبين رَدّه اتفاقاً.
وفي «المُحِيطِ»: من اشترى شيئاً وصار مغبوناً غبناً فاحشاً، له أن يردّه على البائع بحكم الغبن. وقال القاضي أبو عليّ النَّسَفِيّ: فيه روايتان عن أصحابنا ويُفْتَى برواية الرَّدِّ رفقاً بالناس. وكان صدر الإسلام أبو اليُسْر يفتي بأنّ البائع إن قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو قال: متاعي يساوي كذا، فاشترى بناءً على ذلك فظهر بخلافه، له الرّدّ بحكم التغرير. وإن لم يقل ذلك، فليس له الرّدّ. وبعضهم لا يفتون بالرّدّ بكلّ حالٍ. والصحيح أن يُفْتَى بالرّدّ إذا وُجِدَ التغرير، وبدونه لا يُفْتَى. والله تعالى أعلم.
فصلٌ في الرِّبا
(الرِّبَا) لغةً: الفضل والزيادة. يقال هذا يربو على هذا، أي يفضُل، ومنه قوله
стр. 1092
فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ شُرِطَ لأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ في المُعَاوَضَةِ.
===
تعالى: ﴿وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رباً لِيَرْبُوَا في أمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) ، وسُمِّيَ المكان المرتفع رَبوةً لفضله على سائر البقاع.
وشرعاً: (فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ) أي لا يقابله عوض في معاوضة مالٍ بمالٍ (شُرِطَ لأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ في المُعَاوَضَةِ).
في «شرح الوِقَاية»: أي فَضْلَ أحد المتجانسين على الآخر بالمعيار الشرعيّ، أي الكيل والوزن. فَفَضْل قَفِيزَي (٢) شعيرٍ على قفيز بُرَ لا يكون رباً، وكذا فضل عشرة أذرعٍ من الثوب الهروي (٣) على خمسة أذرعٍ منه لا يكون رباً. وقال: خالٍ عن عِوَضٍ، ليحترز عن بيع كُرِّ (٤) بُرَ وكُرّ شعيرٍ بكُرّي بُرَ وكُرّي شعيرٍ، فإن للثاني فضلاً عن الأول، لكنّه غير خالٍ عن العوض بصرف الجنس إلى خلاف الجنس. وقال: شُرِطَ لأحد المتعاقدين، لأنه لو شُرِطَ لغيرهما لا يكون رباً. وقال: في المعاوضة، لأنّ الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس برباً. انتهى.
وفي «جمع العلوم»: الرِّبا شرعاً: عبارة عن عقدٍ فاسدٍ وإن لم يكن فيه زيادة، لأنّ بيع الدّرهم بالدّرهم نَسَاءً ربا وإن لم يتحقق فيه الزِّيادة. أقول: ولا يبعد عدّ النَّساء زيادةً مجازاً.
ثم ثبوت حرمة الرّبا بالكتاب نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٥) . وبالسَّنَّةِ نحو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود: أنّ رسول الله ﷺ لعن آكل الرّبا ومُؤْكِلَهُ وشاهدَه وكاتِبَه. وبإجماع الأَمَّة. قال الإِسْبِيجَابِيّ: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النَّسَاء يكفر، واختلفوا في ربا الفضل، فإن ابن عباس لا يرى الرّبا إلاّ في النَّسِيئة. وعنه أنه رجع إلى قول غيره.
والحاصل:
أنّ الأصل في حُرمة الربا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٦) ، ومعناه اللُّغَويّ: الذي هو مطلق الفضل. والزيادة ليست مراداً بالإجماع،
стр. 1093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فكان النَّصُ مجملاً وقد ورد بيانه بقوله ﵇: «الذَّهب بالذَّهبِ، والفضةُ بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتَّمرُ بالتَّمر، والملحُ بالملح، مثلا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإن اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». رواه الستة من حديث عُبَادة بن الصَّامت إلاّ البخاريّ. وأخرجه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ عن النبي ﷺ مثله سواء، وزاد بعد قوله: «يداً بيدٍ»: «فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخِذُ والمُعْطِي فيه سواءٌ». والتقدير في هذه الرِّواية: بيعوا مثلاً بمثل.
وروى محمد بن الحسن في أول بيوع «الأصل» قال: حدّثنا أبو حنيفة عن عَطِيّة العَوْفِي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الذَّهبُ بالذَّهب مثلاً بمثلٍ يداً بيدٍ، والفضل ربا، والفضةُ بالفضة. مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، والفضل ربا»، وهكذا إلى آخر الأشياء الستة. فالتقدير بيعها مثلاً بمثلٍ، أو يباع مثلاً بمثلٍ، وهو خبرٌ بمعنى الأمر بل آكَدٌ منه تحقيقاً لمعنى البيع.
وفي روايةٍ لأبي داود عن عُبَادة بن الصَّامت أنّ رسول الله ﷺ قال: «الذّهبُ بالذّهب تِبْرُها (١) وعَيْنُها، والفضة بالفضة تِبْرُها وعَيْنُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُدْيٌ بمُدْيٍ (٢) ، (والشعيرُ بالشعير مُدْيٌ بمُدْيٍ) (٣) ، والتَّمْرُ بالتَّمْر مُدْيٌ بمُدْي، والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يداً بيد، وأمّا نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البُر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيدٍ، وأمّا نسيئة فلا». وفي «القاموس»: المُدْيُ: ـ بضم ـ مكيال الشام ومصر، وهو غير المُدّ، جمعه أمْدَاء (٤) .
وبرواية الطَّحَاويّ عنه: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذَّهبَ بالذَّهب ولا الوَرِقَ (٥) بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُّرِ، ولا الشعيرَ بالشعير، (ولا التّمرَ بالتّمر) (٦) ، ولا الملحَ
стр. 1094
وَعِلَّتُهُ القَدْرُ، أي: الكَيْلُ أوْ الوَزْنُ، مَعَ الجِنْسِ.
===
بالملح إلاّ سواءً بسواءٍ، عيناً بعينٍ، ولكن بيعوا الذَّهبَ بالوَرِقِ، والوَرِقَ بالذَّهب، والبُرَّ بالشعير، والشعيرَ بالبُرِّ، والتّمرَ بالمِلْح، والمِلْحَ بالتّمر، يداً بيدٍ كيف شئتم». وقد اتّفق القائسون أنّ الحكم ليس مقصوراً على الأشياء الستة بل النَّص معلّلٌ بالاتفاق خلافاً لداود الظاهري نافي القياس، وعثمان البَتِّيّ. لكن اختلفوا في العلّة، فقال علماؤنا:
(وَعلَّتُهُ) أي علَّة وجوب المساواة وحرمة الفضل، أو علة كون المال رِبَوِيّاً (القَدْرُ: أي الكَيْلُ أوْ الوَزْنُ مَعَ الجِنْسِ) فَلَا ربا فيما لا يدخل تحت كَيلٍ أو وزنٍ، كالحَفْنَةِ من القمح، والذَّرَّة من الذَّهب، ولا في مكيلٍ أو موزونٍ مع خلاف جنسه، وبه قال أحمد في رواية.
وقال مالك: علَّتُه الاقتيات والإدّخار مع الجنس، لأنّه ﷺ خَصَّ بالذّكر كل مقتاتٍ ومُدَّخَرٍ. وقال الشّافعيّ في القديم: علته الطُّعم مع الكيل أو الوزن؛ وفي الجديد: علته الطُّعم في الأشياء الأربعة، والثَّمنيّة في الذَّهب والفضة، والجنسية شرطٌ لا تعمل العلّة بدونه، وبه قال مالك وأحمد في رواية، لِمَا روى مسلم من حديث مَعْمَر بن عبد الله أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الطَّعَامُ بالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ».
وفي رواية «لا تبيعوا الطَّعامَ بالطَّعام إلاّ مِثْلاً بمثلٍ»، وفي رواية: «إلاّ سواءً بسواءٍ». ونَصبهما على الحال. ووجه الدَّلالة: أن الطَّعام مشتقٌ من الطعم ومتى ترتّب الحكم على اسمٍ مشتقٍ كان مأخذ الاشتقاق علّة له. والطَّعْمُ بالفتح: ما يؤدِّيه الذَّوق من حلاوةٍ ومرارةٍ وما بينهما. وبالضمّ: الطَّعام.
ولنا ما رُوِّينَا عن أبي سعيد الخُدْري وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : «الذّهبُ بالذّهب، والفِضَّةُ بالفضة» إلى أن قال: «مِثْلاً بِمِثْلٍ … » الحديثَ. ووجه الدَّلالة أنّه ﷺ أوجب المماثلة في الجنس الواحد تتميماً للفائدة في حقّ العاقديّن، إذ لو كان أحدُ العِوَضَيْن أقلّ من الآخر لكانت الفائدة تامّة لأحد العاقديْن دون الآخر. والمماثلة باعتبار الصورة القَدْرُ، وباعتبار المعنى الجِنْسُ.
وروى الشيخان عن سعيد بن المُسَيَّب أنّ أبا سعيد الخُدْرِيّ وأبا هُرَيْرَة حدّثاه: أنّ رسول الله ﷺ بعث سَوَادَ بن غَزِيَّة وأمّره على خَيْبَرَ. فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جَنِيبٍ ـ يعني طيبِ ـ فقال له رسول الله ﷺ : «أَكُلُّ تمر خَيْبَرَ هكذا»؟ قال: لا والله يا رسول الله إنّا نشتري الصَّاع بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة من الجَمْعِ. فقال ﷺ : «لا تفعل، ولكن بع
стр. 1095
وَالبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالمِلْحُ كَيْلِيٌّ، والذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَزْنِيُّ، وَغَيْرُهَا عَلَى العُرْفِ. فَإِنْ وُجِدَ الوَصْفَانِ حَرُمَ الفَضْلُ والنَّسَاءُ،
===
هذا، واشترِ بثمنه من هذا، وكذلك الميزان». انتهى. والجَمْعُ: تمرٌ رديءٌ مخلوطٌ.
وفي رواية لهما: قال أبو سعيد: جاء بلالٌ إلى النبيّ ﷺ بتمر بَرْنِي (١) . فقال: «من أين هذا»؟ قال: كان عندنا تمرٌ رديءٌ فبعت منه صاعين بصاعٍ. فقال: «أوْهِ (٢) عينُ الرِّبا. لا تفعل، ولكن إذا أردت أنْ تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به. ووجه الدَّلالة أنه اشترط في الجنس المماثلة، وهي لا تتحقق إلاّ بالكيل (أو الوزن) (٣) ، ثم (قاس عليه الميزان، أي ما يدخل تحت الوزن. لكن) (٤) قال البيهقي: الأشبه أنّ قوله: «وكذلك الميزان» من قول أبي سعيد. انتهى.
والظاهر أنّه مرفوعٌ لِمَا في الصحيحين: «لا تفعل بِع الجَمْع بالدّراهم، ثم ابتع بالدّراهم جَنِيباً». وقال: «في الميزان مثل ذلك». فإنّ ضمير «قال» إمّا إليه ﷺ ، فهو ظاهرٌ، وإمّا إلى أبي سعيد، فيُفِد أنه نقل في الميزان مثلما نقل في المكيال. والله تعالى أعلم بالأحوال. وفي «الكفاية»: اختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم والمقصود. فالحِنْطَة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسماً ومعنًى. وعند مالك جنسٌ واحدٌ.
(وَالبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالمِلْحُ كَيْلِيٌّ) وإن ترك النّاس الكيل فيه (والذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَزْنِيّ) وإن ترك النّاس الوزن فيه (وَغَيْرُهَا) أي غير المذكورات. وفي نسخة أُخْرَى: وغيرهما، أي غير ما ذكرناه من كَيْلِيّ ووزنيّ (عَلَى العُرْفِ) يُبْنَى عملاً بالأدنى عند عدم الأقوى. وعن أبي يوسف: أنّ العُرْفَ يعتبر فيهما أيضاً، لأنّ النّص فيهما إنّما كان لأنّه العادة في ذلك الوقت، فكانت العادة هي المنظور إليها، وقد تبدَّلت، فلو باع حِنْطَةً بجنسها متساوياً وزناً، أو ذهباً بجنسه متساوياً كيلاً لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وإن تعارفوا ذلك، لتوهُّمِ الفضل على ما هو المعيار فيه، كما لو باعه مجازفةً.
(فَإِنْ وُجِدَ الوَصْفَانِ) أي القَدْر والجنس (حَرُمَ الفَضْلُ والنَّسَاءُ) بوجود علّة حرمتهما، فلا يجوز بيعُ الجَصِّ بمثله متفاضلاً لوجود الكيل مع الجنس، ولا بيع
стр. 1096
فإنْ عَدِمَا حَلَّا. وإنْ وُجِدَ أحَدُهُمَا حَرُمَ النَّسَاءُ فَقَطْ.
وَلَا يَجُوزُ الكَيْلِيُّ بِمْثِلهِ إلّا مُتَسَاويًا كَيْلًا، وَالوَزْنِيُّ إلَّا مُتَسَاويَا وَزْنًا.
===
الحديدِ بمثله متفاضلاً لوجود الوزن مع الجنس (فإنْ عَدِمَا) أي فُقِد الوصفان (حَلاَّ) أي الفضل والنَّسَاءِ لعدم علّة حرمتهما مع أنّ الأصل الإباحة.
(وإنْ وُجدَ أحَدُهُمَا) أي أحد الوصفين بأن وُجِدَ القَدْر دون الجنس كالحِنْطة بالشعير، أو الجنس دون القَدْر كثوبٍ هَرَوِيّ (١) بجنسه، وحيوانٍ بجنسه، (حَرُمَ النَّسَاءُ فَقَطْ) أي دون الفضل. فحرمة ربا الفضل بالوصفين، وحرمة ربا النَّسَاءِ بأحدهما. وقال مالك: لا يجوز بيع حيوانٍ باثنين من جنسه يُقْصَدُ بهما أمرٌ واحدٌ من ذبحٍ وغيره. وقال الشّافعيّ: ما عدا الذّهبَ والفضّةَ والمأكولَ والمشروبَ لا يَحْرُمُ فيه شيء من جهة الرِّبا. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن جابر أنّ رسول الله ﷺ قال: «في الحيوان اثنان بواحدٍ لا بأس به يداً بيدٍ، ولا يصْلُحُ نَسَاء». وفي رواية: «لا خَيْرَ فيه نَسَاء».
(وَلَا يَجُوزُ) بيع (الكَيْلِيّ بِمْثِلِهِ إلاّ مُتَسَاوياً كَيْلاً) وإن تعارفوا فيه الوزن، (وَ) لا (الوَزْنِيّ) بمثله (إلاّ متساوياً وَزْناً) وإن تعارفوا فيه الكيل، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لقوله ﷺ في حديث عُبَادة: «مِثْلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ». ووجه الدّلالة: أنه ﷺ شرط في جواز بيع المَكِيل بجنسه، والموزون بجنسه المساواة بما اعتبر فيه من القدر، وحصول المساواة بغير ذلك لا تعرف بها المساواة في ذلك، فلا يجوز، كما لو باع مجازفةً. ويكفي التَّعيين في بيع المال الرِّبَوي بمثله، ولا يُشْتَرَطُ التَّقابض قبل التَّفرق عندنا، وشرَطه مالك والشافعيّ كالصَّرْف لِمَا روينا من قوله: «يداً بيد». والمراد به القبض، وإنما كنّى عنه بها لأنها آلته. ولأنّه المراد في النقدين، فكذا في غيرهما. ولأنّه إذا لم يقبض في المجلس يتعاقب القبض، وللنقد مَزِيّة على غيره، فتتحقق شبهة الرِّبا، وهي مانعةٌ كالحقيقة، كما في الحالّ والمؤجَّل.
ولنا أنّه باع عيناً بعينٍ فلا يُشْتَرَطُ فيهما التّقابض، كما لو باع ثوباً بثوبٍ أو بثوبين وافترقا لا عن قبض. وهذا لأنّ المطلوب من العقد التّمكن من التصرّف، وذا يترتّب على التّعيين. غير أنه (٢) في النقود لا يتحقّق إلا بالتقابض. فاشتراطه (٣) في الصَّرْف للتعيين لا لنفسه، وغير النقود يتعيّن بالتعيين، فلا حاجة إلى التَّقابض. والمراد من قوله ﷺ : «يداً بيدٍ»، عيناً بعين، إذ اليد آلة التّعيين فلم يكن حَمْلُه على القبض
стр. 1097
وَالجَيِّدُ والرَّدِيءُ سَوَاءٌ.
وَجَازَ بَيْعُ حَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيِنْ، وَفَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ بأَعْيَانِهِمَا.
===
أولى، بل حمله على هذا أحقّ، لِمَا في رواية عُبَادة بن الصَّامت «عيناً بعينٍ». وتَعَاقُب القبض لا يعتبر (تفاوتاً) (١) في المالية عُرْفاً بخلاف الحالّ والمؤجَّل، لكن ما في «الصحيحين» عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذَّهبُ بالوَرِقِ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ … » الحديثَ، يُرَجَّح حَمْله على القبض؟ كيف ومعنى هاءَ: خُذْ، وهو من أسماء الأفعال، ومنه قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابِيَه﴾ (٢) ، كذا حققّه بعض المتأخرين.
(وَالجَيِّدُ والرَّدِيءُ سَوَاءٌ) لإطلاق الحديث، ولحديث: «جيدها ورديئها سواءٌ» (٣) ، لأنّ الجودة لا يجوز الاعتياض عنها لأنّ بيع قَفيزِ حِنْطةٍ جيدةٍ بقَفيزِ حنطةٍ رديئةٍ ودرهمٍ لا يجوز بالإجماع. وما لا يجوز الاعتياض عنه بالبيع، لا يكونُ مالاً متقوّماً كالخمر.
(وَجَازَ بَيْعُ حَفْنَةٍ) من كيليّ (بِحَفْنَتَيْنِ) وتفاحةٍ بتفاحتين، وبيضةٍ ببيضتين، وجَوزةٍ بجوزتين، وتمرةٍ بتمرتين، لانعدام علة الرِّبَا بانعدام جزئها وهو القَدْر، إذ المراد بالمماثلة القدر بالنّص، ولا تقدير في الشَّرع بحفنة ولا حفنتين. ولذا يُضمن الحَفنة والحفنتان بالقيمة عندنا، كما لو باع ما دون نصف صاعٍ بما دون نصف صاعٍ جاز، لأنّه لا تقدير في الشّرع بما دون نصف الصَّاع. بخلاف ما دون نصف صاعٍ بنصف صاعٍ أو أكثر، فإنّه لا يجوز إلاّ مثلاً بمثلٍ لوجود القدر من أحد الجانبين، لوقوع التقدير بنصف الصاع في الشرع، كما في صدقة الفطر. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يجوز ذلك إلاّ في روايةٍ عن مالك، ورواية عن أحمد، وروى المُعَلَّى عن محمد أنّه كَرِه التَّمرة بالتَّمرتين، وقال: كلُّ شيءٍ حَرُمَ في الكثير، فالقليلِ منه حرام. وإلى هذه الرواية مال بعض المحققّين.
(وَ) جاز (فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ بأَعْيَانِهِمَا) أي الفَلْسُ والفَلْسَيْن بأنْ كان كلٌّ من الفَلْسِ
стр. 1098
وَالَّلحْمُ بِالحَيَوَانِ وَالدَّقيقُ بِجِنْسِهِ كَيْلًا،
===
والفَلْسِيْنِ معّيناً، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك والشّافعيّ في الأصحّ. وعند محمد وأحمد: لا يجوز، كبيع درهمٍ بدرهمين. قيّد بأعيانهما، لأنهما لو كانا أو أحدهما بغير عينه لم يجز بالاتفاق. أمّا إن كانا بغير أعيانهما فلأنه بيع الكالاء بالكالاء، أعني النسيئة بالنسيئة، وهو منهيٌ عنه، وأمّا إن كان أحدهما بغير عينه فلأنّ الجنس بانفراده يُحَرِّمُ النَّسَاء.
(وَ) جَازَ (اللحْمُ بِالحَيَوَانِ) من غير جنسه، ومن جنسه أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمُزَنِيّ من أصحاب الشّافعيّ. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلاّ إذا كان اللحمُ أكثرَ ممّا في الحيوان، ليكون اللّحمُ مُقَابَلاً باللحم والزائدُ مُقَابَلاً بالسَّقَطِ (١) ، لأنّه لو لم يكن كذلك لتحقّق الرِّبا من حيث زيادةُ السَّقَطِ، أو من حيث زيادةُ اللّحم، وصار كَبَيْع دُهن السِّمْسم بالسِّمْسم، فإنه لا يجوز إلاّ بطريق الاعتبار.
وقال مالك والشافعي (وأحمد) (٢) : لا يجوز بجنسه أصلاً، لا بطريق الاعتبار ولا بغيره، ومذهب مالك وأَحمد أَنّه يجوز بغير جنسه، والأَصحّ في مذهب الشَّافعيّ أنه لا يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في «الموطأ»، وأبو داود في «المراسيل» عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللَّحم بالحيوان، وهو مع قوله ﷺ في الحديث الآخر: «إذا اختلفت الأنواع، فبيعوا كيف شئتم» (٣) دليل مالك وأحمد.
ولأبي حنيفة أنّه بيع موزونٍ بغير موزون فيصحّ كيفما كان، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأنّ الحيوان ليس بموزونٍ بل هو عدديٌّ متفاوتٌ. والمراد بالنهي في حديث ابن المُسَيَّب ما إذا كان أحدُهما نسيئةً، لِمَا في «السنن الأربعة» عن سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النبيّ ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرج عن الحَجَّاج بن أَرْطَاة، عن أبي الزُبَيْر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الحيوان اثنين بواحد لا يصحّ نَسَاءً ولا بأس به يداً بيدٍ». وقال: حديثٌ حسن.
(وَ) جاز (الدَّقيقُ بِجِنْسِهِ) والنُّخَالة بجنسها (كَيْلاً) ونصّ الشّافعيّ في القديم
стр. 1099
والرُّطَبُ بالرُّطَبِ، وَبالتَّمْرِ،
===
والجديد: أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق (كيلاً) (١) . وحكى البُوَيْطِي والمُزَنِيّ عن الشَّافعي جوازه، وهو مذهب أحمد. وقيّد بالكيل لأنّ بيع الدقيق بالدقيق وزناً لا يجوز، لأنّ الدقيق كيليّ، ولهذا لا يجوز بيع الحِنْطة بالدقيق وزناً، ولو كان وزنياً لجاز.
(و) جاز (الرُّطبُ بالرُّطَبِ) اتفاقاً (وَ) كذا التَّمْرُ بالتَّمْرِ والرُّطب (بالتَّمْرِ) وعكسه مِثْلاً بمثلٍ وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمر، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لِمَا روى مالك في «المُوَطأ» عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سُفْيَان، عن زيد بن أبي عَيَّاش، عن سعد بن أبي وَقَّاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شِرى التّمر بالرُّطَبِ، فقال ﷺ : «أينقص الرُّطَب إذ يَبِس»؟ قالوا: نعم. فنهاه عن ذلك. ومن طريق مالك رواه أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فأفسد ﷺ البيع، وأشار إلى أنّ العلّة النُّقصان عند الجفاف، وبه تبيّن أن شرط جواز العقد المماثلة في أَعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفاف وذا لا يُعْرَفُ بالمساواة كيلاً في الحال، لأنّ قَفِيز الرُّطَب ربّما يصير نصف قفيز عند الجفاف. وكان ذلك كبيع الدّقيق بالحِنْطَة حيث لا يجوز للتّفاوت بعد الطَّحن. ولأبي حنيفة قوله ﷺ حين أُهْدِيَ له رُطَبٌ: «أَكُلُّ تمر خَيْبَر هكذا»؟ فسمّى الرُّطَب تمراً، كذا قيل. وهو إنما يتمّ في الجملة إذا كان المهدي رُطَباً، وليس كذلك بل كان تمراً، لِمَا في «الصحيحين» أنّ رسول الله ﷺ بعث أَخا بني عَدِيّ الأنصاري، فاستعمله على خيبر. فَقَدِمَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال ﷺ : «أَكُلُّ تمر خَيبرَ هكذا»؟ فقال: لا … الحديثَ.
وله أيضاً قوله ﷺ في حديث عُبَادَة بن الصَّامت: «والتّمر بالتّمر مثلاً بمثلٍ، والملح بالملح مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» (٢) وذلك إنّ الرُّطَب إن كان تمراً جاز البيع بأوّل الحديث، وهو قوله: «التَّمر بالتَّمر»، وإن كان غير تمرٍ فبِآخِره وهو قوله: «إذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم».
وهذا حسنٌ في باب المُناظرة لدفع الخصم، كما قال أبو حنيفة حين دخل بغداد، وكانوا أشدّاء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه فأجاب بما تقدّم فأورد عليه الحديث السابق، فقال: هذا الحديث دائرٌ على زيد ابن أبي عَيَّاشٍ، فهو مِمَّنْ لا يُقبل حديثه. وقد أُجِيبَ بأنّه على تقدير صحة السند فالمراد منه النسيئة، لِمَا في «سنن أبي
стр. 1100
وَالعِنَبُ بِالزَّبِيبِ، وَالبُرُّ رَطْبًا أوْ مَبْلُولًا بِمِثْلِهِ أوْ باليَابِسِ المُنْقَعِ، وَالتَّمْرُ والزَّبِيبُ المنْقَعُ بالمُنْقَعِ مِنْهُمَا مُتَسَاوِيًا. وَلَحْمُ حَيَوَانٍ بِلَحْمِ حَيَوَانٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا. وَكَذَا اللّبَنُ،
===
داود» عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبد الله بن يزيد: أنّ أبا عَيّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وَقّاص يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرُّطب بالتّمر نسيئةً. وكذا رواه الطّحاوي. وإذا صحّت الزِّيادة يجب قَبولها على المختار عند المحدثين، وإن كان الأكثر لم يروها لكن قد ردّ ترديده بين كونه تمراً أو لا، بأنّ ههنا قسماً ثالثاً، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحِنْطَةِ المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرُّطب بالتَّمر لا يسوِّيهما الكيل، وإنما يسوّى في حال اعتدال البدلين وهو أن يَجِفَّ.
وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التّساوي حال العقد، وعروض النَّقص بعد ذلك لا يمنع. لكن فيه أنّ التعليل في مَعْرِض النّص غير مقبول. وأمّا ما ذكره الشارح بأنّ التفاوت بين الرُّطَب والتَّمر بأصل الخلقة فيكون ساقط الاعتبار، كالتفاوت بين الجيد والرديء، ففي غاية من السقوط.
(وَ) جاز (العِنَبُ بِالزَّبِيبِ) عند أبي حنيفة خلافاً لمَن تقدّم، والوجه ما بيّنَّاه في الرُّطب والتّمر من الجانبين. وقيل: لا يجوز اتفاقاً كالحِنْطَة المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة.
(وَ) جاز (البُرُّ) حال كونه (رَطْباً) أي غير يابسٍ، (أوْ) حال كونه (مَبْلُولاً بِمِثْلِهِ أوْ باليَابِسِ المُنْقَعِ) فيجوز البُرّ الرَّطْب بمثله وباليابس، والبُرُّ المبلول بمثله وباليابس. (وَ) جاز (التَّمْرُ) المُنْقَعُ (والزَّبِيبُ المنْقَعُ) اسم مفعول من أنقعه في الخابية إذا ألقاه فيها ليبتلّ ويخرج منه الحلاوة، واسم الشراب: نقيعٌ (بالمُنْقَعِ مِنْهُمَا) أي بمثله وباليابس «فمن» هنا بمعنى الباء، أي جاز بيع التّمر المُنْقَعِ بمثله وباليابس، والزبيب المُنْقَعِ بمثله وباليابس (مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنّهما يعتبران التَّساوي في الحال، إذ التّساوي شرط صحة العقد، فيشترط عند العقد لا بعده، إلاّ أنّ أبا يوسف ترك هذا الأصل في بيع الرُّطَبِ بالتمر لحديث سعد، ففي الباقي على أصله. وقال محمد: لا يجوز بشيء من ذلك، لأنه يَعتبرُ المماثلة في أعدل الأحوال، وهو حال اليُبْس، ولم يوجد في هذه الصُّورة.
(وَ) جاز (لَحْمُ حَيَوَانٍ بِلِحْمِ حَيَوَانٍ آخَرَ) ولو غير جنسه (مُتَفَاضِلاً وَكَذَا اللّبَنُ) أي جاز لبن حيوان بلبن حيوانٍ آخر من غير جنسه متفاضلاً. وعن الشافعيّ: إن اللّحمين واللَّبَنَيْنِ جنسٌ واحدٌ لاتحاد المقصود منهما، وهو التغذّي والتَّقوِّي. وظاهر مذهبه وهو
стр. 1101
وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ العِنَبِ، وَشَحْمُ البَطْنِ بِالأَلْيَةِ أوْ بِاللَّحْمِ، وَالخُبْزُ بِالبُرِّ والدَّقيقِ،
===
اختيار المُزَنِيّ: أنّ اللّحوم أجناسٌ مختلفةٌ كمذهبنا، وكذا الأصحّ من مذهبه في الألبان أنها أجناسٌ مختلفةٌ، لأنّ أصولها مختلفةُ الأجناس، حتّى لا يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ في الزكاة، ومختلفةُ الأسماء باعتبار الإضافة كدقيق البُرّ مع دقيق الشعير، ومختلفةُ المقصود فإنّ بعض الناس يرغب في بعض اللُّحوم والألبان دون البعض، وقد ينفعه البعض ويضرّه البعض.
وقال مالك: اللحوم ثلاثة: الطيور، والدّواب أهليتها ووَحْشَيّتها، والبَحْرِيَات. وبه قال أحمد في إحدى الرِّوايات. وعنه روايتان أخريان كقولي الشافعيّ.
قيّد الحيوان بكونه من غير الجنس، لأنّه لو كان من الجنس كلحم البقر بلحم الجاموس، ولبن البقر بلبن الجاموس لم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، لأنهما جنس واحدٌ، ولهذا يُضَمُّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وكذا لحم المَعْزِ والضَّأْن (١) ولبنهما، ولحم العِرَاب (٢) والبُخْت (٣) ولبنهما، بخلاف شعر المعز وصوف الغنم، فإنهما جنسان لاختلاف الصورة والمقصود.
(وَكَذَا) جاز (خَلُّ الدَّقَلِ) وهو نوع من التمر رديء (بِخَلِّ العِنَبِ) متفاضلان لاخْتلاف أصليهما. وإنّما خُصَّ خَلُّ الدَّقَل بالذِّكر مع أَنّ الحكم في خلّ كلّ تمر مع خل العنب واحد، لأنّهم كانوا يجعلون الخلّ من الدَّقَل. (وَ) جاز (شَحْمُ البَطْنِ بِالأَلْيَةِ (٤) أوْ بِاللَّحْمِ) وكذا عكسه متفاضلاً سواء كانت من أجناس أو من جنسٍ واحدٍ من الحيوان، لأنهما أجناسٌ مختلفةٌ لاختلاف الأسامي والصّور والمقاصد كالشَّعر والصُّوف.
(وَ) جَازَ (الخُبْزُ بِالبُرِّ والدَّقيقِ) متفاضلان لأنّ الخبز عدديّ، وهو قول محمّد أو وزنيّ وهو قول أبي يوسف، والبُرّ كيليّ بالنّص وكذا الدّقيق لأنه جزؤه، فلم يجمعهما القَدْر من كل وجهٍ. وعن أبي حنيفة: أنّه لا يجوز، وبه قال الشَّافعيّ وأحمد، لأن في الخبز أجزاء الدّقيق، وذلك يورث شبهة المجانسة. والفتوى على الجواز.
стр. 1102
وَإنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نسِيئةً. لَا البُرُّ بالدّقيقِ أوْ بالسَّوِيقِ، وَلَا الدَّقِيقُ بالسَّوِيقِ، مُتَفَاضِلًا أوْ مُتَسَاوِيًا. وَلَا يَجُوزُ السِّمْسِمُ بِالحَلِّ إلّا أنْ يَكُونَ الحَلُّ أكْثَرَ مِمَّا في السِّمْسِمِ.
وَيُسْتَقْرَضُ الخُبْزُ وَزْنًا لا عَدَدًا.
===
(وَإنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أي جاز إن لم يكن أحد البَدَلَيْنِ الذين هما الخبز والبُرّ أو الخبز والدّقيق نسيئةً، وإن كان أحدهما (نِسَيَئةً) أمّا إن كان البُرّ هو النَّسيئة، فالجواز باتفاقٍ لإمكان ضبطه. وإن كان الخبز هو النَّسيئة، فعند أبي يوسف إذا ذكر وزناً معلوماً. ونوعاً معلوماً، وعليه الفتوى لحاجة النَّاس إليه.
(لَا البُرُّ) أي لا يجوز البُرُّ (بالدّقيقِ أوْ بالسَّوِيقِ) أي بدقيق البُرّ أو سويقه متفاضلاً أو متساوياً. أمّا متفاضلاً، فلأنّ كلّ واحدٍ من الدّقيق والسَّويق بُرٌّ من وجهٍ وإن اخْتُصَّ باسم، لأن كلّ واحدٍ منهما من أجزاء البُرّ، لأنّ الطَّحن لم يعمل إلا تفريق الأجزاء، والمجتَمِع لا يصير بالتّفريق جنساً آخر. وأمّا متساوياً، فلأنّ المعيار فيه الكيل، وهو غير مستوٍ بينهما وبين البُرّ لاكتنازهما وتخلخل البُرِّ؛ ويجوز عند مالكٍ وأحمد في روايةٍ بيع البُرِّ بالدّقيق وبالسَّويق كيلاً ووزناً.
(وَلَا الدَّقِيقُ بالسَّوِيقِ) أي دقيق البُرّ بسويقه (مُتَفَاضِلاً أوْ مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة لبقاء المجانسة من وجهٍ، إذ السَّويق أجزاء حِنْطة مَقْليّة، والدّقيق أجزاء حِنْطة غير مَقْليّة.
وبيع الحِنْطة المقليّة بغير المقليّة لا يجوز بحالٍ، فكذا بيع الدّقيق بالسّويق. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز الدّقيق بالسّويق كيفما كان، لأنّهما جنسان مختلفان لاختلاف اسميهما والمقصود منهما، لأنّ أحدهما يصلح لِمَا لا يصلح له الآخر. فإن الدّقيق يصلح للخبز والعصيد ونحوهما، ولا يصلح لشيء من ذلك السّويق، بل يلّت بالسّمن أو العسل ويؤكل.
(وَلَا يَجُوزُ السِّمْسِمُ بِالحَلِّ) ـ بفتح الحاء المهملة ـ وهو دُهْن السمسم المسمّى بالشَّيْرَج (إلاّ أنْ يَكُونَ الحَلُّ أكْثَرَ مِمَّا) أي من حَلّ أو من الذي (في السِّمْسِمِ) ليكون قدر الحَلّ بمثله والزائد بالثُّفْل (١) ، وكذا بيع الزَّيتون بزيته، والجوز بدُهنه، واللبن بسمنه، والسمن بزبده، والعنب بعصيره على ما في «الهداية» وغيره. وعند مالك والشّافعي وأحمد لا يجوز أصلاً.
(وَيُسْتَقْرَضُ الخُبْزُ وَزْناً لا عَدَداً) وهذا عند أبي يوسف في «الكافي»، وعليه
стр. 1103
وَلَا ربًا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ، وَبَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ في دَارِهِ.
===
الفتوى، لأنّه موزونٌ فيُعْلَمُ بالوزن لا بالعدد لتفاوت آحاده قدراً فلا يتحقَّق التّساوي. وعند أبي حنيفة لا يجوز مطلقاً وإن وزناً، فهو متفاوتٌ بتفاوت الخبز والخبّاز والتَّنُورِ والتقدّم والتأخر. والاستقراض إنّما يصحّ في المِثْليّ لأنّ من شرطه القدرة على أداء مِثْل المُسْتَقْرَضِ، وقد فات شرطُ صحّته فلا يصحّ. وأجاز محمد بالعدد أيضاً للتعامل، والقياس يُتْرَكُ بالتَّعامل كما في الاستصناع.
وفي مذهب الشَّافعي وجهان في استقراض الخبز: أحدهما كقول أبي حنيفة، وهو الأصحّ. والثاني الجواز وزناً وعدداً، وبه قال أحمد وهو اختيار ابن الصَّبَّاغ لحاجة النّاس إليه.
(لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب)
(وَلَا رباً بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ) لأنّ العبد وما في يده لسيده، هذا إذا لم يكن مأذوناً مديوناً. وكذا لا رباً بين السّيد وأمّ ولده، ولا بين المُدَبَّر وسيده، لأنْ كسب كلّ واحدٍ منهما لسيده بخلاف المُكَاتَب، لأنّه صار كالحرّ يداً وتصرّفاً.
(وَ) لا رباً (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيّ في دَارِهِ) أي دار الحرب.
وقال أبو يوسف ومالك والشّافعيّ وأحمد: يقع بينهما الرِّبا لإطلاق النّصوص الواردة. ولأبي حنيفة ومحمد: إنّ مال أهل الحرب مباحٌ في دارهم، فكان المُرَابي آخذاً بالرِّبا مالاً مباحاً بلا غدرٍ فيصحّ.
والمراد بالنصوص: الرِّبا في مالٍ محظورٍ، ومالِ الحربي في دار الحرب غير محظورٍ بخلاف المُسْتَأْمَنُ منهم، لأنَّ ماله صار محظوراً بِقَدْر الأمان. وما رواه مكحول عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «لا ربا بين المسلمِ والحربي في دار الحرب». ذكره محمد بن الحسن.
وأسند البُيْهَقِيّ في «المعرفة» في كتاب السِّيَر عن الشّافعيّ قال: قال أبو يوسف: إنّما قال أبو حنيفة هذا، لأنّ بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا ربا بين أهل الحرب». وأظنه قال: «وأهل الإسلام». قال الشّافعي: وهذا حديثٌ ليس له ثباتٌ، ولا حجّة فيه. وقال في «المَبْسُوطِ»: هذا مرسلٌ، ومكحول ثقةٌ، والمرسل من مثله مقبولٌ، والله تعالى أعلم.
стр. 1104
فَصْلْ [في بَيْعِ المَنْقُولِ]
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مُشْتَرىً مَنْقُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ،
===
فصلٌ في بيع المنقول
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مُشْتَرى مَنْقُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) لأنّ فيه غرراً، وهو انفساخ العقد بهلاكه. قيّد بالمنقول لأنّ بيع العقار يجوز قبل قبضه، لأنّه لا يُتوهم انفساخ العقد فيه بالهلاك وهو مقدور التّسليم. وقال محمد وزُفَرُ والشَّافعي: لا يجوز أيضاً، لأنّه مبيعٌ لم يقبض، فلا يصحّ بيعه كالمنقول. وقال أحمد: لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، وإلاّ جاز. وقال مالك: تجوز جميع التصرفات إن كان غير طعامٍ، لأنّه ﷺ قال في الطّعام: «يداً بيدٍ» (١) . وقبل القبض لا يتأتى ذلك. ولما روى هو عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتّى يستوفيه» (٢) .
ولنا ما روى أبو داود، وابن حِبّان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتاً في السُّوق ـ أي اشتريته ـ فلما استوجبته لقيني رجلٌ، فأعطاني فيه ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رَحْلِكَ، فإن رسول الله ﷺ نهى أنّ تباع السِّلع حيث تبتاع حتّى يحوزها التّجار إلى رحالهم.
وعن حَكِيم بن حِزَام قال قلت: يا رسول الله إني رجلٌ أبتاع هذه السّلع وأبيعها، فما يحل لي منهما وما يَحْرُمُ؟ قال: «لا تَبِيعَنَّ شيئاً حتى تقبضه». رواه الطَّحَاوِيّ عن حَكِيم بن حِزَام قال: قلت: أشتري طعاماً فأربح فيه قبل أن أقبضه، فسألت النبي ﷺ ، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وفي «الصحيحين» عن ابن عبّاس: الذي نهى عنه النّبيّ ﷺ هو الطَّعام قبل أنْ يقبض، قال: ولا أحسب كل شيءٍ إلاّ
стр. 1105
وَصَحَّ التَّصُرُّفُ في الثَّمَن قَبْلَهُ، وَصَحّ الحَطُّ عَنْهُ وَالمَزِيدُ فيهِ -إنْ بَقِيَ المَبِيعُ- وَفي المَبِيعِ، لَكِنّ الشَّفِيعَ يأْخُذُ بالأَقَلِّ. وَصَحَّ تَأجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ
===
مثله. انتهى.
والتخصيص على الشيء لا ينفي الحكم عمّا عداه. قيّد بالبيع، لأنّ المشتري لو وهبه، أو تصدّق به، أو أقرضه قبل قبضه يصحّ على الأصحّ، وهو قول محمد خلافاً لأبي يوسف. وقيّد بالمشتري لأنّ بيع المهر، أو الميراث، أو بدل الخُلْع، أو بدل العِتْق قبل القبض جائزٌ اتفاقاً، لأنّ العقد لا ينفسخ بِهَلاكه.
(وَصَحَّ التَّصُرُّفُ) أي تصرّف البائع (في الثَّمَن قَبْلَهُ)، أي قبل قبضه (وَصَحّ الحَطُّ عَنْهُ)، أي عن الثَّمن بأن نَقَّصَ منه. (وَ) صحَّ (المَزِيدُ فِيهِ) أي الذي زيد في الثَّمن على أنّ المزيد اسم مفعولٍ، أو الزِّيادة فيه على أنه مصدرٌ ميميٌّ سواء كان ذلك من المشتري أو من أجنبي، وسواء كان من جنس المزيد أو من غير جنسه (إنْ بَقِيَ المَبِيعُ) هذا شرطٌ لصحة الزِّيادة. والمراد ببقاء المبيع: بقاؤُه محلاً للمقابلة في حقّ المشتري حقيقةً، بأن لم يبعه المشتري ولم يتصدّق به ولم يهبه، أو وهبه ولم يسلّم، حتى لو باعه أو تصدّق به أو وهبه وسلّم: لا تصحّ الزِّيادة. وعن محمد تصحّ لبقاء المبيع، كذا في «المحيط».
(وَ) صحَّ المزيد (في المَبِيعِ) عطفٌ على فيه. أي وصحّ المزيد في المبيع سواء بقي المبيع أو هلك، ويكون لذلك المزيد حِصةٌ من الثّمن، حتّى لو هلك قبل قبضه سقط لحصته شيء من الثّمن، والأصل أنّ الزيادة والنُّقصان يلحقان بأصل العقد عندنا، فيصير العقد كأنّه ورد على ذلك القَدْر. وعند زُفَر والشَّافعيّ: لا يلحقان به بل يكونان هبةً مبتدأةً. قيّد زيادة الثّمن ببقاء المبيع، لأنّ الزّيادة تغيير العقد من وصفٍ مشروعٍ إلى وصفٍ مشروعٍ، فيستدعي قيام العقد، وقيامه بقيام المعقود عليه.
(لَكِنّ الشَّفِيعَ يأْخُذُ) العَقَار الذي حُطَّ من ثمنه والذي زيد فيه (بالأَقَلِّ) فيأخذ بما بقي في الحطّ وبدون الزِّيادة في المزيد، لأنّ حقّ الشّفيع تعلّق بالعقد الأوَّل، ولا يملك العاقدان التّصرّف فيه بما يرجع إلى إضراره، فلم تظهر الزّيادة في حقّه وظهر الحطّ فيه.
(وَصَحَّ تَأجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ) وسواء ثبت في الذّمة بعقدٍ أو باستهلاكٍ، حتّى لو باع شيئاً
стр. 1106
إلّا القَرْضَ.
[بَابُ الحُقُوقِ]
وَيَدْخُلُ البِنَاءُ وَالمَفَاتِيحُ والعُلْوُ والكَنِيفُ في بَيْعِ الدَّارِ
===
بثمنٍ حال ثمّ أجَّله أجلاً معلوماً صار مؤجلاً، لأنّ الحلول حقّ البائع فله إسقاطه بتأجيله تيسيراً على من عليه الثّمن، ولأنّه يملك إسقاط المطالبة مطلقاً بالإبراء، فلأَن يملك إسقاطها مدة معينةً بالتَّأجيل أولى. ولو أجّله إلى أجلٍ مجهولٍ، فإنْ كانت الجهالة فاحشةً كهبوب الرّيح لا يصحّ، وإنْ كانت متعارفة كالحمل والدِّيَاس (١) يصحّ كما في الكفالة
(إلاّ القَرْضَ) وهو ما ثبت في الذّمة باستقراضٍ، فإنّه لا يصحّ تأجيله حتى لو أجلّه مدةً معلومةً عِنْد الإقراض أوبعده لا يثبت الأجل وله المطالبة في الحال. وقال مالك: يصحّ تأجيل القرض كسائر الديون. وقال الشّافعيّ: لا يجوز (٢) تأجيل غير القرض كالقرض.
ولنا: أنّ القرض إعارةٌ وتبرّعٌ ابتداءءً ولهذا يصحّ بلفظ الإعارة، ومعاوضةٌ انتهاءً حتّى يلزمه ردّ مثله. فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كالإعارة، فإنّ المُعير وإنْ وقّت الإعارة، له أن يستردّها من ساعته، إذ لا جبر في التبرّع. وعلى اعتبار الانتهاء لا يصحّ التأجيل فيه لأنه مبادلة الدارهم بِمْثلِها نسيئةً، وهو حرامٌ.
(بَابُ الحُقُوقِ)
(وَيَدْخُلُ البِنَاءُ وَالمَفَاتِيحُ) المتصل أَغلاقها به (والعُلْوُ والكَنِيفُ (٣) في بَيْعِ الدَّارِ) لأنّ العَرْصَةَ (٤) أصلٌ في الدَّار لقرار البناء عليها. وإنّما دخل البناء وما اتّصل به في بيع الدّار بطريق التبعية لاتصاله بالعَرْصَة اتّصال قرار. فما لا يكون متَّصلاً بالبناء لا يدخل في بيع الدَّار إلاّ إذا جرى العرف أنّ البائع يسامح به، فإنّه يدخل بلا ذكرٍ، فيدخل العُلْو بلا ذكرٍ لاتّصاله بالبناء، ولا يدخل المِفْتاح في القياس لأنّه غير متّصلٍ بالبناء، فصار كثوبٍ موضوع في الدَّار، ويدخل في الاستحسان، إذ العادة أنّ البائع لا يمنعه عن المشترى بل يسلّمه مع الدّار إليه.
ولا يدخل الباب الموضوع ولا القفل ومفتاحه، ويدخل السُلَّم المتصل بالبناء، ولو كان من خشبٍ، ولا يدخل غير المتّصل إلاّ في عرف أهل مصر فإِنْه يدخل، ذكره الزَّيْلَعِيُّ. ويدخل الحجر الأَسفل من الرَّحى، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمد،
стр. 1107
لا الظُّلَّةُ، إِلَّا بِذِكْرِ كُلِّ حقٍ هُوَ لَهَا، أَوْ بِمَرَافِقِهَا، أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا.
والشَّجَرُ، لا الزَّرْعُ في بِيْعِ الأَرْضِ، وَلَا الثَّمَرُ في بَيْعِ الشَّجَرِ، ولا العُلْوُ في بَيْعِ بَيْتٍ إِلَّا بِشَرْطِهِ،
===
ويدخل الحجر الأعلى منها استحساناً، وهو الأَظهر في مذهب الشَّافعيّ.
(لا الظُّلَّةُ) أي لا تدخل الظُّلَّةُ في بيع الدَّار وهي: السُّدَّة التي فوق الباب على ما في «المغرب»، أو السَّابَاط (١) الذي يكون أحد طرفيه على الدار والطرف الآخر على دار أخرى أو على أسطوانات في السِّكَّة على ما في «جامع قاضيخان».
(إِلاَّ بِذِكْرِ كُلِّ حقٍ هُوَ لها) أي للدار، (أو: بِمَرَافِقِها) أي بذكر مرافقها، وهي حقوقها ومنافعها، (أو بكل قليلٍ) أي بذكر كلِّ قليلٍ (وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا) وهذا عند أَبِي حنيفة، وعندهما تدخل الظُّلَّة إن كان مفتحها في الدَّار لأَنها حينئذٍ من توابع الدَّار، فصارت كالكنيف والعُلْو. ولأبي حنيفة: أَنْ الظُّلَّة تابعةٌ للدَّار من حيث إِنّ قرار أحد طرفيها على بناء الدَّار، وليست بتابعة، لها من حيث إِنّ قرار طرفها الآخر على غير بنائها، فلا تدخل بلا ذكر الحقوق وتدخل بذكرها عملاً بالشبهين.
(و) يدخل (الشَّجَرُ) في بيع الأرض بلا ذكره صغيراً كان أو كبيراً ممَّا يُثْمِرُ أو ممَّا لا يُثْمِرُ (لا الزَّرْعُ) أي لا يدخل الزَّرع (في بِيْعِ الأَرْضِ) بلا ذكره، والفرق بينهما: أَنَّ اتصال الشَّجر بالأَرْض للقرار فكان كالبناء، واتصال الزَّرع بها لا للقرار فكان كالمتاع. وإنّما دخل الجنين في بيع أمه من غير ذكر، مع أنّ اتّصاله ليس للقرار، لأنْه جزءٌ منها.
(وَلَا) يدخل (الثَّمَرُ) وهو بالمثلثة (في بَيْعِ الشَّجَرِ) إِلاَّ بشرطه سواء كان لذلك الثَّمر قيمة وقت البيع أو لم يكن لقوله ﷺ : «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع. ومن باع نخلاً مؤبّراً (٢) ، فالثَّمرة للبائع إِلاَّ أن يشترط المبتاع». رواه أصحاب الكتب السَّتة. ولأنَّ اتصال الثَّمر بأصله وإن كان اتصال قرار كاتّصال الشجر بالأرض، إلاّ أنّ قطع الثَّمر له غايةٌ معلومةٌ، فصار في حكم المقطوع. ويقال للبائع: اقطع الثمر وسلِّم الشَّجر. وكذا إذا بيعت الأَرض وبها زرعٌ، يؤمر البائع بالحصاد والتسليم. وقال مالك والشَّافعي وأحمد: يترك الثَّمر حتّى يظهر صلاحه، ويترك الزَّرع حتّى يستحصد، لأنّ الواجب هو التّسليم المعتاد، ولم تجرِ العادة بقطع الثَّمر قبل بُدُوِّ صلاحه، ولا حصاد الزَّرع قبل استحصاده، وصار كما لو مضت مدَّة الإجارة وفي الأرض زرعٌ لم يدرك.
(وَلَا) يدخل (العُلْوُ في بَيْعِ بَيْتٍ) فوقه بيتٌ (إِلاَّ بِشَرْطِهِ) لا تبعاً ولا بذكر ما ذُكِرَ، لأَنَّ البيت اسم لمُسْقفٍ له دَهْليزٌ ويصلح للبيتوتة فيه، والشيء لا يكون تبعاً
стр. 1108
وَلَا بَيْعِ مَنْزِلٍ إِلَّا بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ كَالطَّرِيْقِ والشِّرْب وَالمَسِيلِ، وَتَدْخُلُ.
وَيُؤْخَذُ الوَلَدُ إن اسْتُحِقَّتْ أُمُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ أقَرَّ بِهَا، لَا.
===
لمثله ولا من حقوقه ومرافقه.
(وَلَا) في (بَيْعِ مَنْزِلٍ) فوقه بيت تبعاً (إِلاَّ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ) من الحقوق والمرافق، لأَنَّ المنزل اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ وصحنٍ مُسْقَفٍ ومطبخ. والدار اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ ومنازل وصحن غير مُسْقَفٍ، فكانت الدَّار أعمَّ منها لاشتمالها عليها، فاستتبعت العلو وإن لم يذكر الحقوق، لأنَّها اسمٌ لكل ما أدير عليه الحائط، والعُلْوُ مِمَّا أدير عليه الحائِطُ فيدخل.
والبيت اسمٌ لما يبات فيه والعلو مثله بلا تفاوتٍ، والشيء لا يستتبع مثله، وليس من أجزائه (١) وتوابعه ليدخل بذكر التوابع، والمنزل دون الدَّار وفوق البيت، فله منزلة بين المنزلتين. فتَوَفَّر على الشَّبَهَين حظهما، فيدخل العلو فيه تبعاً بذكر التَّوابع عملاً بشَبَهِهِ بالدَّار، ولا يدخل بدونه عملاً بشَبَهِهِ بالبيت.
وفي شرح «الوافي» قالوا: هذا على عرف أهل الكوفة، وأمَّا على عرفنا، فيدخل العُلْو في الكلِّ، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدَّار.
(كَالطَّرِيقِ) أي كما لا يدخل الطَّريق في بيع ما له طريق (والشِّرْبِ) في بيع ما له شِرْبٌ (وَالمَسِيلِ) في بيع ما له مسيلٌ إلا بذكر الحقوق أو الموافق، لأنّ كلّ واحدٍ منهما تبعٌ للمبيع من حيث إنّه خارجٌ عن حدوده ويقصد للانتفاع به فيه، وأصلٌ من حيث إنّه يُتَصَوَّرُ بدون المبيع. فكان تبعاً من وجهٍ دون وجهٍ، فلا يدخل إلاّ بذكر ما ذكر عملاً بالشبهين.
(وَتَدْخُلُ) هذه الثلاثة في الإجارة من غير ما ذكر، لأنّ الإجارة لم تشرع إلاّ للانتفاع، وهو لا يتحقق فيما له طريقٌ أو شِرْبٌ أو مَسيل إلاّ بطريقه أو شِرْبه أو مَسِيلِهِ. بخلاف البيع، فإنّه شُرِعَ لملك الرّقبة والانتفاع من ثمراته.
(وَيُؤْخَذُ الولد) الذي ولدته الأمَةُ عند المشتري لا بالاستيلاد (إن اسْتُحِقَّتْ أُمُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ) استُحقّت بأن (أقَرَّ) المشتري (بِهَا) لمدعيها (لَا) أي لا يؤخذ الولد، بل تؤخذ أمّه وحدها. ويدخل في البيع ملبوس الغلام والجارية لو كان خسيساً، للعُرْف، ولا يدخل لو كان نفيساً إلاّ بالشرط لعدم العُرْف.
стр. 1109
[بَيْعُ الفُضُولي]
وَلِمَالِكٍ بَاعَ غَيْرُهُ مِلْكَهُ فَسْخُهُ، وَلَهُ إجَازَتُهُ إنْ بَقِيَ العَاقِدَانِ وَالمَبِيعُ، وَكَذَا إنْ بَقِيَ الثَّمَنُ عَرْضًا،
===
(بَيْعُ الفُضُولي)
(وَلِمَالِكٍ بَاعَ غَيْرُهُ) بالرفع فاعل باع (مِلكَهُ) بالنصب على أنه مفعول باع أي ملك المالك. والمعنى: إذا باع شخصٌ ملك غيره انعقد بيعه، وبه قال مالك، وهو بيع الفُضُوليّ، ولمالكه (فَسْخُهُ) أي فسخ البيع، وهو مبتدأ خبره الظرف المقدّم.
(وَلَهُ) أي للمالك (إجَازَتُهُ إنْ بَقِيَ العَاقِدَانِ) والمقعود له وهو المالك (وَالمَبِيعُ وَكَذَا إنْ بَقِيَ الثَّمَنُ) حال كونه (عَرْضاً) (١) لأنّه مبيع من وجهٍ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ: لا ينعقد لأنّه أضاف ذلك المبيع إلى محلٍ لا ولاية له عليه، لأنّها تكون بالملك المطلق للتّصرفات، أو بإذن المالك الذي له ولاية التّصرّف، ولم يوجد واحدٌ منهما فيلغو.
والتّصرّف الشرعيّ كما يتوقّف على الأهل والمحل، يتوقّف على الولاية الشرعية، فإذا فاتت لا ينعقد. ولأنّ بيع الآبق لا ينعقد مع كونه مملوكاً لعدم القدرة على تسليمه، فما لا يملكه البائع أولى. ولنا ما رُوِيَ عن عُرْوَة وغيره: أنّ النّبيّ ﷺ دفع إلى عُرْوَة البَارِقِيّ ديناراً ليشتري به شاةً للأُضْحِيَةِ، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينارٍ، وجاء بشاةٍ ودينارٍ إلى النّبيّ ﷺ ، فقال ﵊: «بارك الله لك في صَفْقة يمينك» (٢) . ووجه الدّلالة: أنّ عُرْوَة باع الشاة الثانية من غير إذن النبيّ ﷺ ، وقد أجازه ﵊.
وروى الطَّبرانِيّ في «معجمه» والترمذيّ في «جامعه» مثل هذا عن حَكِيم بن حِزَام: إلاّ أنّ حكيماً أعطاه رسول الله ﷺ ديناراً ليشتري به أُضْحية، فاشترى أضْحِيةً، بدينارٍ فباعها بدينارين، ثم اشترى أضحية بدينارٍ (وجاءه بدينارٍ) (٣) وأضحيةٍ، فتصدّق رسول الله ﷺ بالدّينار ودعا له بالبركة. ولأنَّ هذا تصرّف صدر من أهله، لأنّه عاقلٌ بالغٌ، مضافاً إلى محله لأنّه مالٌ متقوّمٌ، ولا ضرر في انعقاده على المالك، لأنّه مخيّرٌ، فإن رأى فيه مصلحةً أجازه وإلاّ فسخه، فينعقد ويتوقّف نفوذه
стр. 1110
وَهُوَ مِلْكٌ لِلْمُجِيزِ وأمَانَةٌ عِنْدَ بَائِعِهِ، وَلَهُ فَسْخُهُ قَبْلَ الإجَازَةِ. وَجَازَ إعْتَاقُ المَشْتَرِي مِنَ الغَاصِبِ لَا بَيْعُهُ، إنْ أُجِيزَ بَيْعُ الغَاصِبِ.
===
على إجازة المالك، بل فيه نفعٌ له حيث سقط عنه مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن.
وفيه نفع العاقد من حيث صيانةُ كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري. فتثبت القدرة الشَّرعية تحصيلاً لهذه الوجوه على أَنْ الإذن ثابتٌ دلالةً، لأنّ كلّ عاقلٍ راضٍ بتحصيل التّصرّف النافع له. وكذا كل ما له مجيزٌ حالة وقوعه من العقود والفسوخ والنِّكاح والطَّلاق، فهو على الخلاف، وإن لم يكن له مجيزٌ حالة العقد لا يتوقّف ويقع. وإنّما شُرِطَ بقاء العاقدَيْن والمعقود عليه وله، لأنّ الإجازة تصرّفٌ في العقد فيفتقر إلى قيامه، وقيامه بقيام هذه الأشياء.
وخَصَّ المصنف بيع الفُضُولِيّ بالحكم، لأنّ شراءه لا يتوقّف على الإجازة، بل إن وجد نفاذاً على الفُضُولي نفذ عليه، وإن لم يجد نفاذاً عليه بأن كان محجوراً عليه يتوقّف. وقال الشّافعيّ في القديم: يتوقّف كالبيع، وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ. ولنا: أنّ الثَّمن في الشِّراء لازمٌ لذِمَّة المشتري بالتزامه فينفذ. بخلاف البيع، فإنّ قيامه بالمبيع وهو ملك لغيره، ويتضرر بلزوم العقد فيه، فيتوقّف على رضاه. ولم يفرّق بينهما صاحب «المواهب» حيث قال: ويجوز تصرف الفُضُوليّ من الإيجاب والقَبول عندنا.
(وَهُوَ) أي الثَّمن إذا أجاز المالك البيع (مِلْكٌ لِلْمُجِيزِ) وهو المالك (وأمَانَةٌ عِنْدَ بَائِعِهِ) وهو الفُضُوليّ لأنّه حينئذٍ بمنزلة الوكيل، لأنّ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة. (وَلَهُ) أي للبائع الفُضُوليّ، (فَسْخُهُ) أي البيع (قَبْلَ الإجَازَةِ) دفعاً للحقوق عن نفسه، بخلاف الفُضُوليّ في النِّكاح، فإنه ليس له الفسخ قبل الإجازة، لأنّ الحقوق لا ترجع إليه، لأنّه سفيرٌ محضٌ، فإذا حصل منه العقد انتهى أمره فصار كأجنبيّ.
(وَجَازَ إعْتَاقُ المَشْتَرِي مِنَ الغَاصِبِ) إن أجيز بيع الغاصب (لَا بَيْعُهُ) أي لا يجوز بيع المشتري من الغاصب (إنْ أُجِيزَ بَيْعُ الغَاصِبِ) يعني مَنْ اشترى عبداً من الغاصب فأعتقه ثم أجاز المولى ذلك الشّراء جاز العتق، وإن باعه المشتري فأجاز المولى الشَّراء الأول لم يجز الشراء الثاني، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمّد وزُفَر، وهو روايةٌ عن أبي يوسف ﵏: لا يجوز العتق أيضاً، وهو القياس وقول مالك والشّافعيّ. وهذه ثانية المسألتين اللّتين جرت المحاورة فيهما بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وقال أبو يوسف لمحمد: رويت لك إنّ العتق باطلٌ عند أبي حنيفة ﵀، وقال محمد: رويت لي أنّ العتق جائزٌ عنده. وحاصل الخلاف راجعٌ إلى أنّ إعتاق المشتري من الغاصب موقوفٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف
стр. 1111
فَصْلْ [في السَّلَمِ]
يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَوَصْفُهُ،
===
رحمهما الله على أن ينفذ الشِّراء بإجازة المالك، وباطلٌ عند محمد ﵀، لأنّ الإعتاق لا يصحّ إلاّ في الملك الكامل للمُعْتَقِ لِمَا روى أبو داود، والترمذي في الطّلاق ـ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ـ عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاقَ له فيما لا يملك». ولأبي حنيفة ﵀ وهو وجه الاستحسان: أَنّ ملك المشتري من الغاصب ثبت موقوفاً بتصرفٍ مطلقٍ موضوعٍ لإفادة الملك، فيتوقف الإعتاق بتوقّفه، وإذا نفذ نفذ بحقوقه.
فصلٌ (في السَّلَمِ)
(يَصِحُّ السَّلَمُ)؛ وهو لغةً: السَّلَف.
وشرعاً:
اسمٌ لعقدٍ يوجب المِلك في الثَّمن عاجلاً، وفي المُثَمَّنِ آجِلاً.
وهو مشروعٌ على خلاف القياس لكونه بيعَ معدومٍ، ولكنّه جائزٌ بالكتاب لِمَا روى الحاكم في «المُسْتَدْرَك» في تفسير سورة البقرة ـ وقال: صحيح على شرط الشيخين ـ عن ابن عبّاس أنه قال: أشهد أَنّ السَّلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله تعالى في الكتاب، وأذِنَ فيه. قال الله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذّيِنَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية.
ورواه الشَّافعيّ في «مسنده» بالسّند، وهو ما أخرجه الأئمة السّتة في كتبهم عن أبي المِنْهَال، عن ابن عبّاس قال: قدم النَّبيّ ﷺ المدينة والناس يُسْلِفُونَ في التّمر السّنة والسنتين والثلاث. فقال ﷺ : «مَنْ أسلف في تمرٍ (٢) ، فليُسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ». وما أخرجه البخاري عن عبد الله بن أبي أوْفَى أنه قال: إنّا كنّا لَنُسْلِف على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄ في الحِنْطَة، والشَّعير، والتّمر، والزبيب. وبالإجماع فإنّ الأمّة أجمعت على جواز السَّلم لحاجة النّاس وضرورتهم إليه.
وإنّما يصحّ السَّلم (فِيمَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَوَصْفُهُ) بكيلٍ أو وزنٍ، أو ذراعٍ، أو عدَ، بخلاف ما لا يُعْلم قدره ووصفه بكيلٍ، حيث لا يصحّ السَّلم فيه، لحديث ابن عبّاس.
стр. 1112
كالْمَكِيلِ والمَوْزُونِ مُثَمَّنًا، والمَذْرُوعِ كالثَّوْبِ مُبَيِّنًا طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَرُقْعَتَهُ، وَالمَعْدُودِ مُتَقَارِبًا،
===
ولأنّ ما لا يعلم قدره ووصفه مجهولٌ جهالةً تُفْضِي إلى المنازعة، فلا يصحّ السّلم فيه، وذلك (كالْمَكِيلِ) نحو البُرّ والشّعير وسائر الحبوب وغيرها. ولو أسلم في الحنطة وزناً اخْتُلِفَ فيه، والفتوى على جوازه لتعامل النّاس.
(والمَوْزُونِ) نحو الدُّهن (مُثَمَّناً) قيَّد به لأنّ الموزون الثّمن، وهو الدّارهم والدّنانير، لا يكون مُسْلماً فيه، لأنّه ثمنٌ. والمُسْلَم فيه مبيعٌ فلا يكون ثمناً. فعلماؤنا والشّافعي حصروا جواز الموزون بالمُثَمَّن (١) منه، وعَمَّمه مالك لظاهر قوله ﵊: «ووزنٍ معلوم»، ولأنّه يمكن ضبط النَّقدين بالصفة، فيجوز السّلم فيها.
ولنا: أنْهما خُلِقَا أثماناً، والمُسْلَم فيه مبيعٌ، والنّص مقَّيدٌ به، لأنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان.
ولو أسلم في الثَّمن بأن أسلم حنطة أو عروضاً في أحد النّقدين يكون باطلاً عند ابن أبَان، وبيعاً صحيحاً بثمنٍ مؤجّلٍ عند أبي بكر الأعْمَش حملاً لكلام العاقلين على الصِّحة، وهو إنّهما قصدا مبادلة الحنطة بالدّراهم. وقول ابن أبَان أصحّ، لأن المعقود عليه هو المُسْلَم فيه. وهذا الخلاف إذا اسلم غير شيءٍ من النقدين في أحدهما، وأمّا إذا أسلم أحدهما في الآخر، فإنه لا يجوز بالإجماع، لأنّ القدر بانفراده يحرّم النَّسَاء.
(والمَذْرُوعِ) أي وكالمذروع (كالثَّوْبِ مُبَيِّناً طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَرُقْعَتَهُ) أي رِقته وغِلَظه، لأنَّ مقدار المالية في الثياب يعلم بذكر هذه الأشياء، والتّفاوت بغيرها يسير فلا يضرّ، لأنه لا يُفْضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم، وهذا في غير الحرير. وأمّا في الحرير، فلا بدّ فيه من ذكر الوزن أيضاً، لأنّ قيمة الثوب منه يختلف باختلاف وزنه. وفي «المُجْتَبَى»: والقياس أنّه لا يجوز السَّلم في المذروعات لتعذّر ثبوتها في الذِّمة، ولهذا لا يضمن بالمثل في الاستهلاك كالجواهر، لكن تُرِكَ ذلك بإجماع الفقهاء. وفي «الخُلَاصَة»: ولو أطلق ذكر الذِّراع فله ذراعٌ وسط.
(وَالمَعْدُودِ) أي وكالمعدود (مُتَقَارِباً) وهو ما لا يتفاوت آحاده في القيمة
стр. 1113
فَيَصِحُّ في السَّمَكِ المَلِيحِ لَا في الحَيَوَانِ
===
ويُضْمَنُ بالمثل كالجوز والبيض، لأنّهما معلوما القَدْرِ بالعدد، والتّفاوت بين آحادهما بالصغر والكبر ساقط الاعتبار فيما بين النّاس. قيّد بالمتقارب لأنّ المتفاوت كالبطيخ والرمان والسَّفَرْجَل لا يصحّ فيه السلم عدداً لتفاوت آحاده في القيمة (فَيَصِحُّ) السَّلم (في السَّمَكِ) أي في الصِّغار واخْتُلِفَ في الكبار (المَلِيحِ) أي الذي قُدِّدَ (١) ومُلِّحَ، وإنَّما يصحّ السَّلم فيه بالوزن لا بالعدد، لتفاوت آحاده بالكبر والصغر. قيّد بالمليح لأنّ الطّري لا يصحّ السّلم فيه في غير حينه، لأنّه منقطعٌ من أيدي النّاس حتى لو كان في حينه جاز السَّلم فيه. وقيل: لا فرق بين الطَّريّ والمَلِيح. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح فيهما.
(لَا في الحَيَوَانِ) أي لا يصح السّلم في الحيوان، وهو قول الثَّوْرِيّ والأَوْزَاعِيّ، وقال الشّافعيّ وأحمد: يصحّ، وهو قول مالك إلاّ في الخَلِفاتِ ـ وهي: الحوامل من النُّوق ـ فإنّها مجهولةٌ لِمَا روى أبو داود في («سننه»، وأحمد بن حنبل) (٢) في «مسنده»، والبزَّار في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم ـ عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله ﷺ أمره أنْ يجهّز جيشاً فَنَفِدَتْ الإبل. فأمره أن يأخذ من قلائص (٣) الصّدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
و «من» ههنا بمعنى «على» كما في روايةٍ، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٤) ، ولأنّه مبيعٌ معلوم الصّفة، فيجوز السَّلم فيه، كالثياب؛ واعْتُرِضَ بما رواه ابن حِبّان في «صحيحه»، وعبد الرّزّاق في «مصنفه» من حديث ابن عبّاس، وأصحاب السنن الأربعة من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. وأُجيبِ بأنّه محمولٌ على أن يكون النَّسَاء في الحيوان من الطرفين.
وأمّا ما في «آثار الطَّحاويّ» بسنده إلى أبي رافعٍ أنّ رسول الله ﷺ استسلف من رجل بَكْراً (٥) ، فقدِمَتْ عليه إبلٌ من إبل الصّدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرّجل بَكْره، فرجع إليه أبو رافعٍ فقال: لم أجد فيها إلاّ جَمَلاً خِيَاراً
стр. 1114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رَباعِياً (١) فقال: «أعطه إيّاه إن خيار الناس أحسنهم قضاءً». فمحمولٌ على القرض.
ولنا: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» ـ وقال: صحيح الإسناد ـ والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس أنّ النّبي ﷺ نهى عن السَّلف في الحيوان. وما رواه محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة ﵀، عن حَمّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ قال: دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن خُوَيلدة البَكْرِيّ (٢) مالاً مضاربةً، فأسلم زيد إلى عِتْرِيس (٣) بن عُرْقُوب الشَّيْبَانِيّ في قلائص، فلمّا حلّت أخذ بعضاً وبقي بعض. فأعسر، عِتْرِيس وبلغه أنّ المال لعبد الله، فأتاه يسترفقه، (فقال عبد الله: اَفَعَلَ زيد؟ قال: نعم) (٤) ، فأرسل عبد الله إلى زيد وقال: اردُدْ ما أخذت وخذ رأس مالك، ولا تُسْلِمَنّ مالنَا في شيءٍ من الحيوان.
ولأن الحيوان يتفاوت آحاده تفاوتاً فاحشاً. فإنّك ترى عبدين أو أمَتَيْنِ متفقين في الأوصاف المشروطة، ومع ذلك، باختلاف الصَّباحة، والملاحة، والفصاحة، والكِيَاسة، وحسن السيرة، والصورة، يساوي أحدهما ألفاً والآخر ألوفاً. قال (الشاعر):
*أَلاَّ رُبَّ فَرْدٍ يَعْدِلُ الألْفَ زَائِداً ** وأَلْفٍ تَرَاهُمْ لا يُسَاوُونَ وَاحِداً
فلا يجوز السَّلم فيه كالجواهر، بخلاف الثياب، فإنها بصنع العبد، وهي إنّما تُصْنَع بآلةٍ، فإذا اتّحدت الآلة والصانع لم يبق إلاّ التفاوت اليسير، وهو لا يضر. وحديث عبد الله بن عمرو السّابق، قال ابن القطّان في كتابه: إنّه ضعيفٌ مضطربُ الإسناد. وبيَّنه، فلا يُحتجّ به.
ولا يصحّ السَّلم في اللّحم عند أبي حنيفة، ولو منزوعَ العظم، على الأصحّ في الروايتين عنه. ويصحّ عندهما كمالك والشَّافعيّ مطلقاً، إِنْ بيّن جنسه ونوعه، وسِنَّه، وصفته، وموضعه، وقدره، كشاةٍ خَصِي ثَنِيّ (٥) سمينٍ من الجنب، كذا رطلٍ بكذا، يصحّ. كما يصحّ في الأَلْية، والشَّحم، والسَّمك وزناً، وبه يُفْتَى.
стр. 1115
وأَطْرَافِهِ، وَجُلُودِهِ، وَالجَوَاهِرِ، وَلَا بِصَاعٍ وَلَا ذِرَاعٍ مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يُدْرَ قَدْرُهُ.
[شروط السَّلَم]
وشُرُوطُهُ بَيَانُ جِنْسِهِ، كَبُرٍّ. وَنَوْعِهِ، كَسَقِيَّةٍ. وَصِفَتِهِ كَجَيِّدٍ. وَقَدْرِهِ
===
(وَأطْرَافِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في أطراف الحيوان، كالرؤوس، والأكارِع، وهي جمع كُرَاع: وهو ما دون الرُّكبة في الدَّواب، وبه قال الشَّافعيّ في الأظهر، لأنّها عددية متفاوتة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وأمّا عندهما فيجوز كما في اللَّحم، وقيل: لا يجوز باتفاقٍ.
(وَجُلُودِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في الجلود عدداً غيرَ مُبَيَّن الطُّول والعرض والصِّفة. إذ التفاوت بين رأس ورأسٍ، وكُراعٍ وكُرَاعٍ معتبرٌ فيما بين النّاس، ويُمَاكِسُون (١) لأجله. ولو أسلم في الرؤوس والأكارِع وزناً اختلفوا فيه. وقال مالك والشافعيّ وأحمد ﵏ في روايةٍ: يجوز السَّلم في الجلود، والرؤوس والأكارِع عدداً ووزناً، لأنّها معلومة القدر والصّفة بالذّكر، ولأنّ الجلود في معنى الثياب لأنّها يُتخذ منها الفرو والخِفَاف.
قيَّدنا بالعدد غير المُبَيَّن الطول والعرض والصفة، لأنّ السَّلم فيها وزناً، يجوز، وكذا عدداً إذا بيّن طولها وعرضها.
(وَالجَوَاهِرِ) أي ولا يجوز السَّلم في الجواهر لأنّها عددية متفاوتة لتفاوت آحادها في الماليّة بالصغر والتدوير، بخلاف اللآلي الصِّغار التي تباع وزناً، فإنّها يصحّ السَّلم فيها لأنّها تُعلم بالوزن.
(وَلَا بِصَاعٍ) أي ولا يصحّ السّلم بمكيالٍ (وَلَا ذِرَاعٍ مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يُدْرَ قَدْرُهُ)،
لأنّ القدرة على التَّسليم وقت وجوبه شرطٌ، وهي لا تتحقّق إلاّ ببقاء ما عيّنه من المكيال والذّراع إلى وقت التَّسليم، وبقاؤه غير معلومٍ لاحتمال أنّه يضيع فيقع النِّزاع، وإنّما جاز البيع بهما لأنّ السَّلم يتأخر فيه التَّسليم، فيكون الضياع محتملاً بخلاف البيع.
(شُرُوط السَّلَمِ)
(وشُرُوطُهُ) أي السَّلم. وفي بعض النسخ: وشرطه (بَيَانُ جِنْسِهِ) أي جنس المُسْلَم فيه (كَبُرَ) أو شعيرٍ. (وَ) بيان (نَوْعِهِ كَسَقِيَّةٍ) بفتح فكسر فتشديد التحتيّة، أي حنطة مَسْقِيّة سَيْحاً (٢). (وَ) بيان (صِفَتِهِ كَجَيِّدٍ، وَ) بيان (قَدْرِهِ) ككذا كيلاً بمكيالٍ معروفٍ، أو كذا وزناً بميزان معروفٍ، لأنّ المُسْلَم فيه قد يختلف بالجنس والنوع والصّفة والقدر، فلا بدّ من بيان هذه الأشياء لقطع المنازعة.
стр. 1116
وَأجَلِهِ، وأقَلُّهُ شَهْرٌ. وَقَدْرِ رَأسِ المَالِ في الكَيْلِيّ، وَالوَزْنِيّ، وَالعَدَدَيّ. وَمَكَانِ إيفَاءِ مُسْلَمٍ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ.
===
(وَ) بيان (أجَلِهِ) فلا يجوز السّلم في حالَ ولا مؤجّلٍ بأجلٍ مجهولٍ. وقال الشّافعيّ: يجوز السّلم في الحالّ، وبه قال عطاءٌ وأبو ثور، واختاره ابن المُنْذِر، لأنّه مبادلة مالٍ بمالٍ فلا يكون الأجل فيه شرطاً كالبيع. ولنا: ما مرّ من قوله ﵊: «من أسلف في شيءٍ فليُسْلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ» (١) . (وأقَلُّهُ) أي أقلّ الأجل في السّلم (شَهْرٌ) كذا رُويَ عن محمد، وهو الأصحّ، وعليه الفتوى.
(وَ) من شروط السَّلم بيان (قَدْر رَأسِ المَالِ في) رأس المال (الكَيْلِيّ، وَ) في رأس المال (الوَزْنِيّ، وَ) في رأس المال (العَدَدَيّ). ولو قال: وقدر رأس المال الكيليّ … إلى آخره لكان أولى. ثم ما ذكره إن كان رأس المال عند العقد غيرَ مشارٍ إليه فباتفاقٍ، وإن كان مشاراً إليه، فعند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما. حتّى لو قال: أسلمت (٢) إليك هذه الدَّراهم في كُرِّ (٣) بُرّ، ولم يبيّن وزن الدَّراهم. أو قال: أسلمت إليك هذا البُرَّ في مَنّ (٤) زعفران ولم يبيَّن قدر البُرّ، لا يصحّ عنده، ويصحّ عندهما. وأمّا رأس المال الذِّراعي إذا كان مشاراً إليه عند العقد، لا يُشْتَرطُ بيانُ قدره باتفاق.
(وَ) من شروطه بيان (مَكَانِ إيفَاءِ مُسْلَمٍ) أي مُسْلَمٍ فيه (لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ) (٥) وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وَوَجْهٌ في مذهب الشَّافعيّ. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يشترط مكان الإيفاء، ولكنْ إِنْ شرطا مكاناً صحّ، وإن لم يُشْتَرط يتعيّن مكان العقد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ أولاً، والأصحّ في مذهب الشَّافعي، لأنّ التسليم وجب بالعقد، فيتعيّن له مكان العقد كما في البيع.
ولأبي حنيفة ﵀: إنَّ تعيّن مكان العقد إمّا بالتعيين صريحاً أو بضرورة وجوب التّسليم في الحالّ، ولم يوجد واحدٌ منهما بخلاف البيع، فإنه
стр. 1117
وَقَبْصِ رَأْسِ المَالِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ شَرْطُ بَقَائِهِ،
===
واجب التّسليم في الحالّ، فيتعيّن له موضع بالعقد. وقيّد المُسْلَم فيه بأن يكون لحمله مُؤْنة، لأنه لو لم يكن كذلك، كالمسك والزَّعْفَران، والكَافُورِ القليلة لا يحتاج فيه إلى بيان الإيفاء عندهم، لأنّ قيمته لا تختلف باختلاف المكان.
(وَقَبْصِ رَأْسِ المَالِ) أي مال السَّلَم (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) أي افتراق العاقدين بالأبدان (شَرْطُ بَقَائِهِ) خبرٌ لمبتدأ مقدمٍ، أي شرط بقاء السَّلم صحيحاً، وبه قال الشّافعيّ. ولهذا صحّ السَّلم مع تأخير التّسليم إلى آخر المجلس. ولو مكثا إلى الليل، أو سارا فَرْسَخاً (١) ، أو نام أحدهما. وجوّز مالك تأخيره اليوم واليومين والثلاث بشرط. وقيل: لا يجوز، فإنْ أخَّر أكثر بغير شرطٍ فقولان. ولا فرق بين كون رأس المال ممّا لا يتعيّن كالنُّقود، أو ممّا يتعيّن كالعروض. أمّا إن كان ممّا لا يتعيّن فلئلا يفترقا عن دينٍ بدينٍ، وهو بيع الكالاء بالكالاء، أي النّسيئة بالنّسيئة، لِمَا رواه ابن أبي شَيْبَة، وإسحاق بن رَاهُويَه، والبزَّار في «مسانيدهم» من حديث موسى بن عُبَيْدة، عن عبد الله بن دِينارٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ . ولفظ البزَّار ـ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، وعن بيع الكالاء بالكالاء، وعن بيع عاجلٍ بآجلٍ».
فالغرر: أن تبيع ما ليس عندك. والكالاء بالكالاء: دينٌ بدينٍ. والعاجل بالآجل: أن يكون له عليك ألف درهمٍ مؤجّلةً، فيتعجّل عنها بخمس مئة. وأمّا إن كان من العروض، فلأنّ السَّلم أَخْذُ عاجلٍ بآجل، والمُسْلَم فيه آجلٌ، فوجب أنْ يكون رأس المال عاجلاً، ليكون حُكْمُه على وَفْق اسمه. ولو أبى المُسْلَم إليه قبض رأس المال أُجْبِرَ عليه.
ومِن شروط السَّلم: وجود المُسْلَم فيه من وقت العقد إلى وقت التَّسليم، حتّى لو كان موجوداً حال العقد، معدوماً وقت التّسليم لا يجوز بالإجماع. ولو كان معدوماً حال العقد موجوداً وقت التّسليم، أو معدوماً بينهما لا يجوز عندنا، وهو قول الأوْزَاعِيّ. والمعتبر وجوده في السّوق الذي يُبَاع فيه في ذلك المصر. وقال مالك والشّافعيّ: يُشْتَرط وجوده حال حلوله فقط.
ولنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه ـ واللفظ له ـ عن أبي إسحاق، عن النَّجْرَانيّ (٢)
стр. 1118
فَلَوْ كَانَ دَيْنًا وعَيْنًا بَطَلَ في حِصَّةِ الدَّيْنِ. وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المَالِ، والمُسْلَم فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ
===
قلت لعبد الله بن عمر: أُسْلِمُ في نخلٍ قبل أنْ يُطْلِع؟ قال: لا. قلت: لِمَ؟ قال: إن رجلاً أسلم في حديقة نخلٍ على عهد رسول الله ﷺ قبل أن يُطْلِع النخل، فلم يُطِلْع النخل شيئاً ذلك العام، فقال المشتري: أؤخرك حتى يُطْلِعَ. فقال البائع: إنّما بعتك النّخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال للبائع: أَخذ من نخلك شيئاً»؟ قال: لا. قال: «بم تستحلّ ماله؟ اردد عليه ما أخذت منه، ولا تُسْلِمُوا في نخلٍ حتى يبدوَ صلاحُه». وفيه مجهولٌ كما علمت.
وما في البخاري عن أبي البَخْتَرِي قال: سألت ابن عمر عن السّلم في النّخل، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع الوَرِق نسأً بناجزٍ. وسألت ابن عبّاس عن السّلم في النّخل، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع النّخل حتَّى يُؤْكَلَ منه.
فقد ثبت عن هذين الصّحابيين الكبيرين في العلم والتتبع أنهما فَهِمَا من نهيه عن بيع النّخل حتّى يصلح، بيعَ السّلم، فقد دلّ الحديث على اشتراط وجوده عند العقد، والاتفاق على اشتراطه عند المَحَلّ (١) .
(فَلَوْ كَانَ) رأس المال (دَيْناً وعَيْناً) من جنس واحد: بأن أسلم مئة درهم نقداً، ومئة درهم ديناً على المُسْلَم إليه في الكُرِّ (٢) (بَطَلَ) السّلم (في حِصَّةِ الدَّيْنِ) لأنّه دين بدينٍ، وصحّ في حصة النقد لوجود قبض رأس المال في المجلس. وقال زُفَر: يشيع الفساد ويبطُل العقد في حصة العين أيضاً، لأنّ هذا الفساد في صلب العقد. (وَلَا يَجُوزُ) أي لا يصحّ (التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المَالِ) قبل قبضه، (وَ) لا التَّصرُّف في (المُسْلَم فيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) باستبدالٍ، أو توليةٍ، أو شركةٍ، أو إقالةٍ بخلاف ارتهانٍ أو حَوالةٍ.
أمّا في رأس المال، فلأنّ قبضه في المجلس حقّ الله تعالى، وفي التَّصرّف فيه قبل قبضه تعرّض لتفويت ذلك. وأمّا في المُسْلَم فيه، فلما أخرجه أبو داود، وابن ماجه والترمذي في «عِلَله الكبير» ـ وقال: لا أعرفه إلاّ من هذا الوجه، وهو حسنٌ ـ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرِفْه إلى غيره». وما روى عبد الرَّزّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن ابن عمر أنه قال: إذا أسلفت في شيءٍ، فلا تأخذ إلاّ رأس مالك أو الذي أسلفت فيه.
стр. 1119
[فَصْلْ فِي الاسْتِصْنَاع]
وَالاسْتِصْنَاعُ بأجَلٍ سَلَمٌ، تَعَامَلُوا فِيهِ أوْ لَا،
===
ولو أسلم في رُطَبٍ فأخذ مثله تمراً، أو بالعكس، صحّ عند أبي حنيفة ﵀، نظراً إلى التَّساوي في الحال، ولم يصحّ عندهما نظراً إلى التَّفاوت في المآل. ولو أخذ دقيقاً، أو سَوِيقاً، أو مَقْلِيّاً عن بُرّ، أو أخذ دقيقاً عن سويقٍ أو بالعكس لا يصحّ لاختلاف الجنس فكان استبدالاً. وإن تقايلا عقد السَّلم مَنَعْنَا ربَّ السّلم شراء شيءٍ من المُسْلَم إليه برأس المال استحساناً. ولم يمنعه زُفَر قياساً، لأنه لمّا بطل السَّلم بقي رأس المال ديناً في ذمته، فيصحّ الاستبدال به كسائر الديون.
ولنا قوله ﷺ : «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرفه إلى غيره». رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، ولفظه: «فلا يأخذ إلاّ ما أسلم فيه، أو رأس ماله».
(فصلٌ في الاستصناع)
(والاسْتِصْنَاعُ) استفعالٌ من الصنع، وهو العمل من نحو خُفَ وَطَسْتٍ. وصورته: أن يقول لخفّافٍ: اخرز لي خُفّاً من أديمك (١) يوافق رجلي، ويريه رجله بكذا (بأجَلٍ) يضرب مثله للسَّلم (سَلَمٌ) فيعتبر فيه شروطُ السَّلَم سواء (تَعَامَلُوا فِيهِ) كالخفاف (أوْ لَا) كالثياب. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيما تعاملوا فيه استصناعٌ، لأنه بلفظه فيحمل عليه، ويكون ذلك الأجل للاستعجال لا للاستمهال، بخلاف ما لم يتعاملوا فيه لأنّه استصناعٌ فاسدٌ، فيحمل على السَّلم الصحيح.
ولأبي حنيفة: أنّ الاستصناع يحتمل السَّلم، فكان حَمْلُه عليه أولى، لأنّ جوازه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وجواز الاستصناع بالتّعامل. وقيّدنا الأجل بكونه يُضْرب مِثْلُه للسَّلم، لأنّه لو قال: على أن يفرغه غداً، أو بعد غدٍ لا يكون سَلَماً، لأنّ ذكر المدة حينئذٍ للفراغ من العمل للمطالبة. وقال زفر والشَّافعيّ: لا يصحّ الاستصناع، وهو القياس، لأنّه لا يمكن تجويزه إجارةً، لأنه استئجار على العمل في ملك الآخر إذ الأديم ملك الصانع. ولا بيعاً لأنه بيع ما ليس عنده، ولا سلماً لفقد شرائطه، ولكن جوّزناه استحساناً بالتّعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم بلا نكيرٍ، والتّعامل بهذه الصفة أصلٌ مندرجٌ في قوله ﵊: «لا
стр. 1120
وَبِلَا أَجَلٍ فِيمَا يُتَعَامَلُ فِيهِ بيعٌ، فَيُجْبَرُ الصَانِعُ عَلَى العَمَلِ وَلَا يَرْجِعُ الآمِرُ. والمَبِيعُ هُوَ العَيْنُ لا عَمَلهُ، فَلَوْ جَاءَ بِمَا صَنَعَهُ غَيْرُهُ، أوْ هُوَ قَبْلَ العَقْدِ، فأخَذهُ صَحَّ، ولا يَتَعَيَّن لَهُ بِلَا اخْتِيَارِهِ، فَصَحَّ بَيْعُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ الآمِرِ.
مَسَائِلُ شَتَّى
وَصَحَّ بَيْعُ الكَلْبِ والسِّباع، عُلِّمَتْ أوْ لَا.
===
تجتمع أمتي على ضلالة» (١) .
(وَ) الاستصناع (بِلَا أَجَلٍ فِيمَا يَتَعَامَلُ) النّاس (فِيهِ بيعٌ) لا عِدَةٌ. وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة، وإنّما ينعقد بالتّعاطي إذا جاء به الصانع مفروغاً منه، ولهذا ثبت الخيار لكل منهما. والصحيح عند الجمهور أنه بيعٌ، لأنّ محمداً سمَّاه شراءً، وذكر فيه القياس والاستحسان، وفصّل بين ما فيه تعامل وبين ما لا تعامل فيه. والمواعدة تجوز قياساً واستحساناً في الكلّ. قيل: وحكم الحاكم أحكم، والله أعلم.
لكن الصحيح أنه بيعٌ (فَيُجْبَرُ الصَانِعُ عَلَى العَمَلِ) ولو كان مواعدة لما أجبر (وَلَا يَرْجِعُ الآمِرُ) عنه، ولو كان مواعدة لكان له الرّجوع.
(والمَبِيعُ) في الاستصناع هو (العَيْنُ لا عَمَلهُ) أي عمل الصانع. وقال أبو سعيد الَبرْدَعِي: عمله، نظراً إلى أن الاستصناع مشتقٌ من الصنع وهو العمل. وقد أشار المصنف إلى ما يدلّ من الفروع على أنّ المبيع في الاستصناع العينُ بقوله:
(فَلَوْ جَاءَ بِمَا صَنَعَهُ غَيْرُهُ) قبل العقد أو بعده، (أوْ) بما صنعه (هُوَ قَبْلَ العَقْدِ) الظرف متعلقٌ بـ: «صَنَعَهُ» المقدّر (فَأَخَذَ) (٢) الآمر العين (صَحَّ) ولو كان المعقود عليه عمله لم يصحّ وبقوله: (ولا يَتَعَيَّنُ لَهُ) أي للآمر (بِلَا اخْتِيَارِهِ) إذ الذي يدخله خيارُ الرُّؤية بيعُ العين لا بيع العمل (فَصَحَّ) للصانع (بَيْعُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ الآمِرِ) أي المستصنع لعدم تعيّنه حينئذٍ، لأن تعيّنه باختيار الآمر، واختيار الآمر بعد رؤيته. ولا يثبت للمستصنع خيار الرّؤية إذا جاء به الصانع على الصفة المشروطة عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
مَسَائِلُ شَتَّى
(وَصَحَّ بَيْعُ الكَلْبِ) ولو كان عَقوراً (٣) (والسِّباعِ عُلِّمَتْ أوْ لَا) وشرط (شمس) (٤)
стр. 1121
والذِّمِّيُّ في البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ، إلّا في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ، فَهُمَا كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا. وَدرهَمٌ نُثِرَ فَوَقَعَ في ثَوْبِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ، إنْ أعَدَّهُ لَهُ أوْ كَفَّهُ، وإلّا
===
الأئمة لجواز بيع الكلب ونحوه أن يكون مُعَلَّماً أو قابلاً للتّعليم. وقال الشّافعي: لا يصحّ بيع الكلب مطلقاً، لأنّه نجس العين كالخنزير، وكذا عندنا في روايةٍ، وهو قول أحمد وبعض أصحاب مالك، والمشهور من مذهبه الجواز. وأمّا اقتناء الكلب لصيدٍ أو لحفظ الزّرع أو المواشي أو البيوت فجائزة بالإجماع. لهم: ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الأنصاريّ: «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البَغِيِّ (١) ، وحُلْوَان الكاهن» (٢) . ولنا: ما روى أبو حنيفة في «مسنده» عن الهَيْثَم، عن عِكْرَمَةَ، عن ابن عبّاس قال: رخّص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد.
(والذِّمِّي في) أحكام (البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ) لأنّه مكلفٌ بموجب المعاملات، فما جاز للمسلم من البِياعات جاز له، وما لا فلا، كالرِّبا (إلاّ في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ فَهُمَا) في عقد الذِّمِّيّ (كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا) فيكون الخمر عندهم مِثْلياً والخنزير قيمياً، لما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْريّ، عن إبراهيم بن عبد الأعْلى الجُعْفِيّ، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: بلغ عمر بن الخطَّاب أنّ عُمَّاله يأخذون الجِزْية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً. فقال له بلال: إنهم ليفعلون ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولُّوهم بيعها، فإن اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.
ورواه أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»، وقال: كانوا يأخذون من أهل الذِّمة الخمر والخِنزير في جزية رؤوسهم، وخَراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتوّلى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر. ورخّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذِّمة المتولين بيعها، لأنها مالٌ لهم وليس بمالٍ للمسلمين. انتهى.
وسُوَيْد بن غَفَلة، بفتح المعجمة والفاء: أبو أميّة الجُعْفِيّ، وُلِدَ عام الفيل، قَدِمَ المدينة حين دفنوا النبيّ ﷺ ، سمع من أبي بكر وعمر.
(وَدرهَمٌ نُثِرَ فَوَقَعَ في ثَوْبِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ) أي الدرهم للرجل (إنْ أعَدَّهُ) أي أعدّ الرجل الثوب (لَهُ) أي لوقوع الدّرهم، (أوْ) إن (كَفَّهُ) أي جمع الرّجل الثوب بعد وقوع الدرهم فيه، لأن الحكم لا يُضاف إلى السبب الصالح إلاّ بالقصد، وقد وُجِدَ ما يدل عليه وهو إعداد الثوب أو جمعه. (وإلاّ) أي وإن لم يعدّ الرجل الثوب ولم يجمعه على
стр. 1122
فَلِلآخِذِ، وَاعْتُبِرَ بِهِ سَائِرُ المُبَاحَاتِ.
[فَصْلْ في الصَّرْف]
الصَّرْفُ بَيْعُ الثَّمَنِ بالثَّمَنِ جِنْسًا بِجِنْسٍ، أوْ بِغَيْرِ جِنْسٍ. وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الافْتِرَاقِ،
===
الدرهم (فَلِلآخِذِ) أي فالدرهم لآخذه لأنّه مباحٌ سبقت يده.
(وَاعْتُبِرَ) ـ أنت، أو هو بصيغة المجهول الماضي ـ (بِهِ) أي بهذا الذي قلناه في الدّرهم الذي نثر (سَائِرُ المُبَاحَاتِ) فلو أفرخ طير أو باض في أرض رجلٍ، إن كانت أرضه مهيّأة لذلك فهو له، وإلاّ فلآخذه، بخلاف ما لو عَسَل النحل في أرضه، فإنه يملك عسله وإن لم يعدّ أرضه، لأنّ العسل ممّا يحصُل من الأرض فيكون تبعاً لها كالشجر النابت فيها والتراب المجتمع بجريان الماء فيها، ولهذا يجب في العسل العُشْر إذا أُخذ من الأرض العُشْرِية.
(فَصْلٌ في الصَّرْفِ)
(الصَّرْفُ) لغةً: النقل والرّدّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) ، وسُمِّيَ به لأنه يحتاج فيه إلى نقل بَدَلَيْهِ من يدٍ إِلى يدٍ.
وشرعاً: (بَيْعُ الثَّمَنِ) أي المخلوق للثمنية وهو الذّهب والفضة مطلقاً (بالثَّمَنِ جِنْساً بِجِنْسٍ) كذهبٍ بذهبٍ، أو فضةٍ بفضةٍ، فيشترط فيه التّساوي وزناً، وإن اختلفا جودةً وصياغةً لِمَا تقدّم من إهدار الشّارع اعتبار الجودة عند المقابلة بالجنسِ. (أوْ) جنساً (بِغَيْرِ جِنْسٍ) كذهبٍ بفضةٍ أو فضةٍ بذهبٍ، فلا يشترط فيه التّساوي وزناً بل جاز فيه التّفاضل لقوله ﵊: «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ» (٢) .
(وَيُشْتَرَطُ) في الصَّرْف سواء كان بالجنس أو بغيره (التَّقَابُضُ) من الطرفين باليد لا بالتخلية (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) بالأبدان بإجماع العلماء، ولما روى مالك في «الموطّأ» عن عمر أنّه قال: لا تبيعوا الذَّهب بالذّهب إلاّ مِثْلاً بمثلٍ، ولا تبيعوا الوَرِقَ بالذّهب أحدهما غائبٌ والآخر حاضرٌ (٣) ، وإن استنظرك أن يلج بيته فلا تنظره إلاّ يداً بيدٍ، هاتِ وهاتِ، إنّي أخشى عليكما الرِّبا.
стр. 1123
وَإنْ وَقَعَ فى البَعْضِ صَحَّ فِيهِ فى إنَاءِ فِضَّةِ وصَارَ مُشْتَرَكًا. وَكَذَا في السَّيْفِ المُحَلَّى إنْ خُلِّصَتْ الحِلْيَةُ بِلَا ضَرَرٍ.
وَيُصْرَفُ القَبْضُ إلى ثَمَنِهَا،
===
(وَإنْ وَقَعَ) التَّقَابُض (في البَعْضِ صَحَّ) العقد (فِيهِ) أي في ذلك البعض، وبطل في الباقي (في إنَاءِ فِضَّةٍ) أي حال كون ذلك البعض في إناء الفضة. يعني أَنْ من باع إناء فضةٍ وقبض بعض ثمنه ثم افترقا، بطل البيع فيما لم يقبض ثمنه وصحّ فيما قبض، (وصَارَ) الإناء (مُشْتَرَكاً) بينهما لأنّ هذا العقد صرْفٌ كلّه، والتّقابض في المجلس شرطٌ في الصرف، وقد وُجِدَ في البعض دون البعض، فيصحّ فيما وجد فيه، ويبطل فيما لم يوجد، وهذا الفساد طاراء لأنّه لعارض الافتراق لا عن قبضٍ، فلا يتعدّى إلى ما لم يوجد فيه. قيّد البعض بكونه في إناء، لأنّه لو كان في نُقْرة (١) لم يكن الحكم لزوم اشتراكهما، لأنّ النُّقْرة تتبعض بلا ضررٍ بخلاف الإناء. وليس الصحة في بعض الإناء الذي نقد ثمنه، والبطلان في بعضه الذي لم ينقد ثمنه من تفريق الصَّفْقة، لأنّ هذا تفريقٌ من جهة الشَّرع باشتراط القبض، فصار كهلاك أحد العبدين.
(وَكَذَا) يصحّ العقد (في السَّيْفِ المُحَلَّى) إذا بِيع وَوَزْنُ حليته مثلاً خمسون بمئة، ونقد المشتري خمسين (إنْ خُلِّصَتْ الحِلْيَةُ بِلَا ضَرَرٍ وَيُصْرَفُ القَبْضُ إلى ثَمَنِهَا) أي ثمن الحِلْيَة وإن لم يبيّن أنّه ثمنها، لأنّ قبض حصة الحِلْية واجبٌ في المجلس لحق الشّرع، وقبض حصة السيف غير واجبٍ فيه، والتَّسليم مطلقٌ. فيجعل المنقود من حصة الحلية، لأنّ الظاهر من حال المسلم العاقل أن يؤدي الواجب ولا يُخِلَّ به.
وكذا لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، لأنّ المثنّى قد يعبّر به عن الواحد كما في قوله تعالى: ﴿يَخُرْجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ (٢) والمراد أحدهما، لأنّهما يخرجان من المالح لا من العذب. وفي قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (٣) والنّاسي صاحب موسى بدليل ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ (٤) ، وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٥) والداعي كان موسى ﵇. وفي قوله ﵊ لمالك ابن الحُوَيْرِث وابن عمّ له: «إذا سافرتما … » أي إذا كنتما في سفر، (وفي روايةٍ:
стр. 1124
وَإنْ لَمْ يُقْبَضْ شَيْءٌ بَطَلَ فيها، وإنْ لَمْ تُخَلَّصْ، بَطَلَ أصْلًا.
===
«إذا سافرتم) (١) فأذّنا وأقيما» (٢) . والمراد أحدهما، فيحمل ما نحن فيه على ذلك نظراً إلى ظاهر حال المسلم هنالك. بخلاف ما لو صرّح وقال: خذها من ثمن السيف، فإِنّ الظاهر حينئذٍ عارضه التَّصريح بخلافه.
(وَإنْ) افترقا و (لَمْ يُقْبَضْ شَيْءٌ) والحال أَنّ الحِلْية تتخلص بلا ضررٍ (بَطَلَ) العقد (فيها) أي في الحِلْية، لأنّ العقد فيها صرف، وقد فات شَرْطُه وهو القبض في المجلس. قيّد البطلان بكونه في الحِلْية، لأن العقد حينئذٍ يصحّ في السيف لأنه مقدورٌ على تسليمه، ويمكن إفراده بالبيع لكونه يتخلّص بلا ضررٍ، كالطَّوق والأمة. فأمّا إذا بِيعت أمةٌ مع طوْقٍ بنقدٍ ونسيئةٍ، فسد العقد فيهما عند أبي حنيفة، وفي الطوق عندهما. (وإنْ لَمْ تُخَلَّصْ) الحلْية إلاَّ بضررٍ، والحال أَنه لم يُقْبَضْ شَيءٌ (بَطَلَ) العقد (أصْلاً) أي في الحِلْية وفي السيف. أمّا في الحِلْية، فلِفَقْد شرط الصَّرْف وهو القبض في المجلس، وأمّا في السيف فَلِتَعَذُّر تسليمه بدون الضّرر.
ولو باع درهمين وديناراً بدرهمٍ ودينارين جاز بأن يُصْرفَ كلّ جنسٍ بخلاف جنسه تصحيحاً للعقد، كما لو باع كُرَّ (٣) بُرَ وكُرَّ شعيرٍ بِكُرَّيْ بُرّ وكُرَّيْ شعير. وأفسده الشَّافعي وزُفَر.
ولو باع ما غالبه فضةٌ أو ذهبٌ بخالصه لم يجز إلاّ متساوياً وزناً، لأنّ العبرة للغالب، فكان كل منهما له حكم خالصه، ولهذا لا يستقرض إلاّ وزناً. ولو باع ما غالبه غش بآخر من جنسه متفاضلاً جاز، ويكون الغِش في كل واحدٍ منهما متقابلاً بالخالص الذي في مقابله، لكن بشرط التَّقابض قبل الافتراق لوجود الفضّة أو الذّهب في الكلِّ من الجانبين مع عدم التخلّص إلاّ بضرر.
ولو باعه بخالصة من فضة، أو ذهب لا يجوز إلاّ أن يكون الخالص أكثر ممّا في غالب الغِش منه، كبيع الزيتون بالزيت، والشَّيْرَج (٤) بالسِّمْسِم. ويجوز التبايع والاستقراض برائج المغشوش وزناً إن كان رواجه به، أو عدّاً إن راج به، أَوْ بهما إن راج بهما، لأنّ المعتبر فيما لا نصّ فيه العادةُ، والله تعالى أعلم.
стр. 1125
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
هي تَمَلُّكُ العَقَارِ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَبْرًا بِمِثْلِ ثَمَنِهِ. وَتَثْبُتُ بِقَدْرِ رُؤوسِ الشُّفَعَاءِ، لَا المِلْكِ لِلخَلِيطِ في نَفْسِ المَبِيعِ. ثُمَّ لِلْخَلِيطِ في حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ
===
كتاب الشُّفْعَةِ
(هي) لغةً: الضم، ومنه الشفع في الصلاة لِضَمِّ ركعةٍ إلى أخرى. والشفع هو ضد الوتر. والشفيع لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في الطلب، وشفاعة المذنبين لأنّها تضمهم إلى الفائزين.
وشرعاً: (تَمَلُّكُ العَقَارِ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَبْراً بِمِثْلِ ثَمَنِهِ) الذي اشتراه به، لِمَا في «صحيح مسلم» عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشُّفْعَةُ في كلّ شِرْكٍ: (في أرض، أو) (١) رَبْعٍ (٢) ، أو حائطٍ (٣) لا يَصْلُحُ أن يبيع حتّى يعرض على شريكه فيأخذ أوْ يدع، فإن أَبَى فشريكه أحقّ به حتّى يُؤْذِنَهُ».
(وَتَثْبُتُ) الشّفعة (بِقَدْرِ رُؤوسِ الشُّفَعَاءِ) عندنا (لَا) بقدر (المِلْكِ) كما قال مالك والشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ. فلو كانت دار بين ثلاثة: لأحدهم نصفها، والآخر ثلثها، والآخر سدسها، فباع صاحب النّصف نصيبه وطلب الشريكان الشّفعة، فإنّ القاضي يقضي بها نصفين عندنا لكل واحدٍ نصفٌ، وأثلاثاً عندهم: لصاحب الثلث ثلثان، ولصاحب السدس ثلث. لأنّ الشّفعة من حقوق الملك لكونها لتكميل المنفعة، فيقدر بقدره، كالربح، والغلة، والولد، والثّمرة.
ولنا: إنّ التّساوي في سبب الاستحقاق يوجب التّساوي في الاستحقاق، والشّركاء متساوون في سبب الشّفعة، ولهذا لو انفرد واحدٌ منهم أخذ الكلّ وإنّ قلّ نصيبه، فيستوون في الاستحقاق، كما لو استوت الأنصباء والربح ونحوه متولّدات من الملك فيستحقّ بقدره، (لِلخَلِيطِ) متعلّق بـ: «تثبت» (في نَفْسِ المَبِيعِ) متعلّق بالخليط وهو الشريك الذي لم يقاسم، ولو كان ذمياً لمساواة المسلم في سببها، وهو أمر دنيوي وهما فيه سواء. (ثُمَّ لِلْخَلِيطِ) أي الشريك (في حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ) ـ بكسر المعجمة ـ وهو النصيب في الماء، ومنه قوله تعالى: