والذِّمِّيُّ في البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ، إلّا في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ، فَهُمَا كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا. وَدرهَمٌ نُثِرَ فَوَقَعَ في ثَوْبِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ، إنْ أعَدَّهُ لَهُ أوْ كَفَّهُ، وإلّا
===
الأئمة لجواز بيع الكلب ونحوه أن يكون مُعَلَّماً أو قابلاً للتّعليم. وقال الشّافعي: لا يصحّ بيع الكلب مطلقاً، لأنّه نجس العين كالخنزير، وكذا عندنا في روايةٍ، وهو قول أحمد وبعض أصحاب مالك، والمشهور من مذهبه الجواز. وأمّا اقتناء الكلب لصيدٍ أو لحفظ الزّرع أو المواشي أو البيوت فجائزة بالإجماع. لهم: ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الأنصاريّ: «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البَغِيِّ (١) ، وحُلْوَان الكاهن» (٢) . ولنا: ما روى أبو حنيفة في «مسنده» عن الهَيْثَم، عن عِكْرَمَةَ، عن ابن عبّاس قال: رخّص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد.
(والذِّمِّي في) أحكام (البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ) لأنّه مكلفٌ بموجب المعاملات، فما جاز للمسلم من البِياعات جاز له، وما لا فلا، كالرِّبا (إلاّ في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ فَهُمَا) في عقد الذِّمِّيّ (كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا) فيكون الخمر عندهم مِثْلياً والخنزير قيمياً، لما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْريّ، عن إبراهيم بن عبد الأعْلى الجُعْفِيّ، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: بلغ عمر بن الخطَّاب أنّ عُمَّاله يأخذون الجِزْية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً. فقال له بلال: إنهم ليفعلون ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولُّوهم بيعها، فإن اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.
ورواه أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»، وقال: كانوا يأخذون من أهل الذِّمة الخمر والخِنزير في جزية رؤوسهم، وخَراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتوّلى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر. ورخّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذِّمة المتولين بيعها، لأنها مالٌ لهم وليس بمالٍ للمسلمين. انتهى.
وسُوَيْد بن غَفَلة، بفتح المعجمة والفاء: أبو أميّة الجُعْفِيّ، وُلِدَ عام الفيل، قَدِمَ المدينة حين دفنوا النبيّ ﷺ ، سمع من أبي بكر وعمر.
(وَدرهَمٌ نُثِرَ فَوَقَعَ في ثَوْبِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ) أي الدرهم للرجل (إنْ أعَدَّهُ) أي أعدّ الرجل الثوب (لَهُ) أي لوقوع الدّرهم، (أوْ) إن (كَفَّهُ) أي جمع الرّجل الثوب بعد وقوع الدرهم فيه، لأن الحكم لا يُضاف إلى السبب الصالح إلاّ بالقصد، وقد وُجِدَ ما يدل عليه وهو إعداد الثوب أو جمعه. (وإلاّ) أي وإن لم يعدّ الرجل الثوب ولم يجمعه على
стр. 1122
فَلِلآخِذِ، وَاعْتُبِرَ بِهِ سَائِرُ المُبَاحَاتِ.
[فَصْلْ في الصَّرْف]
الصَّرْفُ بَيْعُ الثَّمَنِ بالثَّمَنِ جِنْسًا بِجِنْسٍ، أوْ بِغَيْرِ جِنْسٍ. وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الافْتِرَاقِ،
===
الدرهم (فَلِلآخِذِ) أي فالدرهم لآخذه لأنّه مباحٌ سبقت يده.
(وَاعْتُبِرَ) ـ أنت، أو هو بصيغة المجهول الماضي ـ (بِهِ) أي بهذا الذي قلناه في الدّرهم الذي نثر (سَائِرُ المُبَاحَاتِ) فلو أفرخ طير أو باض في أرض رجلٍ، إن كانت أرضه مهيّأة لذلك فهو له، وإلاّ فلآخذه، بخلاف ما لو عَسَل النحل في أرضه، فإنه يملك عسله وإن لم يعدّ أرضه، لأنّ العسل ممّا يحصُل من الأرض فيكون تبعاً لها كالشجر النابت فيها والتراب المجتمع بجريان الماء فيها، ولهذا يجب في العسل العُشْر إذا أُخذ من الأرض العُشْرِية.
(فَصْلٌ في الصَّرْفِ)
(الصَّرْفُ) لغةً: النقل والرّدّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) ، وسُمِّيَ به لأنه يحتاج فيه إلى نقل بَدَلَيْهِ من يدٍ إِلى يدٍ.
وشرعاً: (بَيْعُ الثَّمَنِ) أي المخلوق للثمنية وهو الذّهب والفضة مطلقاً (بالثَّمَنِ جِنْساً بِجِنْسٍ) كذهبٍ بذهبٍ، أو فضةٍ بفضةٍ، فيشترط فيه التّساوي وزناً، وإن اختلفا جودةً وصياغةً لِمَا تقدّم من إهدار الشّارع اعتبار الجودة عند المقابلة بالجنسِ. (أوْ) جنساً (بِغَيْرِ جِنْسٍ) كذهبٍ بفضةٍ أو فضةٍ بذهبٍ، فلا يشترط فيه التّساوي وزناً بل جاز فيه التّفاضل لقوله ﵊: «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ» (٢) .
(وَيُشْتَرَطُ) في الصَّرْف سواء كان بالجنس أو بغيره (التَّقَابُضُ) من الطرفين باليد لا بالتخلية (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) بالأبدان بإجماع العلماء، ولما روى مالك في «الموطّأ» عن عمر أنّه قال: لا تبيعوا الذَّهب بالذّهب إلاّ مِثْلاً بمثلٍ، ولا تبيعوا الوَرِقَ بالذّهب أحدهما غائبٌ والآخر حاضرٌ (٣) ، وإن استنظرك أن يلج بيته فلا تنظره إلاّ يداً بيدٍ، هاتِ وهاتِ، إنّي أخشى عليكما الرِّبا.
стр. 1123
وَإنْ وَقَعَ فى البَعْضِ صَحَّ فِيهِ فى إنَاءِ فِضَّةِ وصَارَ مُشْتَرَكًا. وَكَذَا في السَّيْفِ المُحَلَّى إنْ خُلِّصَتْ الحِلْيَةُ بِلَا ضَرَرٍ.
وَيُصْرَفُ القَبْضُ إلى ثَمَنِهَا،
===
(وَإنْ وَقَعَ) التَّقَابُض (في البَعْضِ صَحَّ) العقد (فِيهِ) أي في ذلك البعض، وبطل في الباقي (في إنَاءِ فِضَّةٍ) أي حال كون ذلك البعض في إناء الفضة. يعني أَنْ من باع إناء فضةٍ وقبض بعض ثمنه ثم افترقا، بطل البيع فيما لم يقبض ثمنه وصحّ فيما قبض، (وصَارَ) الإناء (مُشْتَرَكاً) بينهما لأنّ هذا العقد صرْفٌ كلّه، والتّقابض في المجلس شرطٌ في الصرف، وقد وُجِدَ في البعض دون البعض، فيصحّ فيما وجد فيه، ويبطل فيما لم يوجد، وهذا الفساد طاراء لأنّه لعارض الافتراق لا عن قبضٍ، فلا يتعدّى إلى ما لم يوجد فيه. قيّد البعض بكونه في إناء، لأنّه لو كان في نُقْرة (١) لم يكن الحكم لزوم اشتراكهما، لأنّ النُّقْرة تتبعض بلا ضررٍ بخلاف الإناء. وليس الصحة في بعض الإناء الذي نقد ثمنه، والبطلان في بعضه الذي لم ينقد ثمنه من تفريق الصَّفْقة، لأنّ هذا تفريقٌ من جهة الشَّرع باشتراط القبض، فصار كهلاك أحد العبدين.
(وَكَذَا) يصحّ العقد (في السَّيْفِ المُحَلَّى) إذا بِيع وَوَزْنُ حليته مثلاً خمسون بمئة، ونقد المشتري خمسين (إنْ خُلِّصَتْ الحِلْيَةُ بِلَا ضَرَرٍ وَيُصْرَفُ القَبْضُ إلى ثَمَنِهَا) أي ثمن الحِلْيَة وإن لم يبيّن أنّه ثمنها، لأنّ قبض حصة الحِلْية واجبٌ في المجلس لحق الشّرع، وقبض حصة السيف غير واجبٍ فيه، والتَّسليم مطلقٌ. فيجعل المنقود من حصة الحلية، لأنّ الظاهر من حال المسلم العاقل أن يؤدي الواجب ولا يُخِلَّ به.
وكذا لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، لأنّ المثنّى قد يعبّر به عن الواحد كما في قوله تعالى: ﴿يَخُرْجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ (٢) والمراد أحدهما، لأنّهما يخرجان من المالح لا من العذب. وفي قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (٣) والنّاسي صاحب موسى بدليل ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ (٤) ، وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٥) والداعي كان موسى ﵇. وفي قوله ﵊ لمالك ابن الحُوَيْرِث وابن عمّ له: «إذا سافرتما … » أي إذا كنتما في سفر، (وفي روايةٍ:
стр. 1124
وَإنْ لَمْ يُقْبَضْ شَيْءٌ بَطَلَ فيها، وإنْ لَمْ تُخَلَّصْ، بَطَلَ أصْلًا.
===
«إذا سافرتم) (١) فأذّنا وأقيما» (٢) . والمراد أحدهما، فيحمل ما نحن فيه على ذلك نظراً إلى ظاهر حال المسلم هنالك. بخلاف ما لو صرّح وقال: خذها من ثمن السيف، فإِنّ الظاهر حينئذٍ عارضه التَّصريح بخلافه.
(وَإنْ) افترقا و (لَمْ يُقْبَضْ شَيْءٌ) والحال أَنّ الحِلْية تتخلص بلا ضررٍ (بَطَلَ) العقد (فيها) أي في الحِلْية، لأنّ العقد فيها صرف، وقد فات شَرْطُه وهو القبض في المجلس. قيّد البطلان بكونه في الحِلْية، لأن العقد حينئذٍ يصحّ في السيف لأنه مقدورٌ على تسليمه، ويمكن إفراده بالبيع لكونه يتخلّص بلا ضررٍ، كالطَّوق والأمة. فأمّا إذا بِيعت أمةٌ مع طوْقٍ بنقدٍ ونسيئةٍ، فسد العقد فيهما عند أبي حنيفة، وفي الطوق عندهما. (وإنْ لَمْ تُخَلَّصْ) الحلْية إلاَّ بضررٍ، والحال أَنه لم يُقْبَضْ شَيءٌ (بَطَلَ) العقد (أصْلاً) أي في الحِلْية وفي السيف. أمّا في الحِلْية، فلِفَقْد شرط الصَّرْف وهو القبض في المجلس، وأمّا في السيف فَلِتَعَذُّر تسليمه بدون الضّرر.
ولو باع درهمين وديناراً بدرهمٍ ودينارين جاز بأن يُصْرفَ كلّ جنسٍ بخلاف جنسه تصحيحاً للعقد، كما لو باع كُرَّ (٣) بُرَ وكُرَّ شعيرٍ بِكُرَّيْ بُرّ وكُرَّيْ شعير. وأفسده الشَّافعي وزُفَر.
ولو باع ما غالبه فضةٌ أو ذهبٌ بخالصه لم يجز إلاّ متساوياً وزناً، لأنّ العبرة للغالب، فكان كل منهما له حكم خالصه، ولهذا لا يستقرض إلاّ وزناً. ولو باع ما غالبه غش بآخر من جنسه متفاضلاً جاز، ويكون الغِش في كل واحدٍ منهما متقابلاً بالخالص الذي في مقابله، لكن بشرط التَّقابض قبل الافتراق لوجود الفضّة أو الذّهب في الكلِّ من الجانبين مع عدم التخلّص إلاّ بضرر.
ولو باعه بخالصة من فضة، أو ذهب لا يجوز إلاّ أن يكون الخالص أكثر ممّا في غالب الغِش منه، كبيع الزيتون بالزيت، والشَّيْرَج (٤) بالسِّمْسِم. ويجوز التبايع والاستقراض برائج المغشوش وزناً إن كان رواجه به، أو عدّاً إن راج به، أَوْ بهما إن راج بهما، لأنّ المعتبر فيما لا نصّ فيه العادةُ، والله تعالى أعلم.
стр. 1125
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
هي تَمَلُّكُ العَقَارِ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَبْرًا بِمِثْلِ ثَمَنِهِ. وَتَثْبُتُ بِقَدْرِ رُؤوسِ الشُّفَعَاءِ، لَا المِلْكِ لِلخَلِيطِ في نَفْسِ المَبِيعِ. ثُمَّ لِلْخَلِيطِ في حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ
===
كتاب الشُّفْعَةِ
(هي) لغةً: الضم، ومنه الشفع في الصلاة لِضَمِّ ركعةٍ إلى أخرى. والشفع هو ضد الوتر. والشفيع لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في الطلب، وشفاعة المذنبين لأنّها تضمهم إلى الفائزين.
وشرعاً: (تَمَلُّكُ العَقَارِ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَبْراً بِمِثْلِ ثَمَنِهِ) الذي اشتراه به، لِمَا في «صحيح مسلم» عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشُّفْعَةُ في كلّ شِرْكٍ: (في أرض، أو) (١) رَبْعٍ (٢) ، أو حائطٍ (٣) لا يَصْلُحُ أن يبيع حتّى يعرض على شريكه فيأخذ أوْ يدع، فإن أَبَى فشريكه أحقّ به حتّى يُؤْذِنَهُ».
(وَتَثْبُتُ) الشّفعة (بِقَدْرِ رُؤوسِ الشُّفَعَاءِ) عندنا (لَا) بقدر (المِلْكِ) كما قال مالك والشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ. فلو كانت دار بين ثلاثة: لأحدهم نصفها، والآخر ثلثها، والآخر سدسها، فباع صاحب النّصف نصيبه وطلب الشريكان الشّفعة، فإنّ القاضي يقضي بها نصفين عندنا لكل واحدٍ نصفٌ، وأثلاثاً عندهم: لصاحب الثلث ثلثان، ولصاحب السدس ثلث. لأنّ الشّفعة من حقوق الملك لكونها لتكميل المنفعة، فيقدر بقدره، كالربح، والغلة، والولد، والثّمرة.
ولنا: إنّ التّساوي في سبب الاستحقاق يوجب التّساوي في الاستحقاق، والشّركاء متساوون في سبب الشّفعة، ولهذا لو انفرد واحدٌ منهم أخذ الكلّ وإنّ قلّ نصيبه، فيستوون في الاستحقاق، كما لو استوت الأنصباء والربح ونحوه متولّدات من الملك فيستحقّ بقدره، (لِلخَلِيطِ) متعلّق بـ: «تثبت» (في نَفْسِ المَبِيعِ) متعلّق بالخليط وهو الشريك الذي لم يقاسم، ولو كان ذمياً لمساواة المسلم في سببها، وهو أمر دنيوي وهما فيه سواء. (ثُمَّ لِلْخَلِيطِ) أي الشريك (في حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ) ـ بكسر المعجمة ـ وهو النصيب في الماء، ومنه قوله تعالى:
стр. 1126
والطَّرِيقِ خَاصَّيْنِ، كَشِرْبِ نَهْرٍ لا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، وَطَرِيقٍ لا يَنْفُذُ، ثُمَّ لِجَارٍ مُلَاصِقٍ، بَابُهُ في سِكَّةٍ أخْرَى.
===
﴿لَهَا شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) .
(والطَّرِيقِ) أي وكالممر (خَاصَّيْنِ) حال (كَشِرب نَهْرٍ لا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) بضمتين جمع سفينة (وَطَرِيقٍ لا يَنْفُذُ) وقيل: مفوّضٌ إلى المجتهد في كل عصر.
(ثُمَّ لِجَارٍ مُلَاصِقٍ) و (بَابُهُ في سِكَّةٍ أخْرَى) قيّد به لأنه لو كان بابه في سكة الدّار لكان خليطاً في حقّ المبيع. والحاصل أنّها له وإن كان بابه في سكة أخرى، أو للجار المقابل في السكة الغير النافذة. فعندنا الشّفْعة لكل واحدٍ من هذه الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثَّوْرِيّ، وعبد الله بن المبارك كما ذكر التّرمذي في «جامعه». وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا شُفْعَة للجار لِمَا روى البخاري عن أبي سَلَمَة، عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله بالشفعة في كلّ ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفَت الطُّرق، فلا شفعة. وفي رواية «الشُّفْعة فيما لم يقسم» إلى آخره. وفي لفظ له: إنّما جعل النّبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود … الحديثَ. ولأنّ الشُّفْعة تثبت على خلاف القياس لما فيها من تملّك مال الغير بغير رضاه، فيقتصر على مورد النّص، وهو ما لم يقسم.
ولنا: ما في البخاري عن أبي رَافِعِ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «الجار أحقّ بسَقَبِهِ». وما روى أبو داود في البيوع، والترمذي في الأحكام وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائي في الشروط (عن قَتَادة) (٢) عن الحسن، عن سَمُرَة (٣) أنّ النّبيّ ﷺ قال: «جار الدّار أحقُّ بدار الجار أو الأرض». ورواه أحمد في «مسنده»، والطَّبَرَانِيّ في «معجمه»، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، وفي بعض ألفاظهم: «الجار أحقُّ بشفعة الدَّار». وفي رواية لأبي داود في «سننه» عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحقّ بشفعة جاره، يُنْتَظَرُ بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً». فإن قيل: المراد بما رويتم الجار الذي يكون شريكاً، لِمَا أخرجه البُخَاري عن عمرو بن الشَّرِيد قال: وقفت على سعد بن أبي وقّاصٍ، فجاء المِسْور بن مَخْرَمَةَ فوضع يده على إحدى مَنْكِبيّ، إذ جاء أبو رَافعٍ مولى رسول الله ﷺ فقال: يا سعد ابْتَعْ مني بَيْتَيَّ في
стр. 1127
ويَطْلُبُهَا
===
دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعُهما. فقال المِسْور: والله لتَبْتَاعَنَّهُمَا. فقال سعد: والله لا أزيدك على آربعة الآفٍ مُنجَّمةً أو مُقَطَّعَةً. قال أبو رافعٍ: لقد أُعْطِيتُ بها خمس مئة دينارٍ، ولولا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ» ما أعْطَيْتُكها بأربعة آلافٍ، وأنا أُعْطَى بها خمس مئة دينارٍ، فأعطاها إيّاه.
أجيب بأنّ هذا مُعَارَضٌ بما أخرجه النَّسائيّ وابن ماجه عن عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه أنّ رجلاً قال: يا رسول الله: أرضي ليس فيها لأحدٍ شِرْكٌ ولا قِسْمٌ إلاّ الجُوَار، فقال: «الجار أحقّ بِصَقَبهِ». وفي غريب الحديث: الصَقَبُ بفتحتين: ما قَرُب من الدَّار، والسين لغة في الصاد. وأُجِيبَ عن حديث جابر: بأنّ تخصيص ما لم يقسم بالذّكر لا يدلُّ على نفي الحكم عمّا عداه، وقوله: «إذا وقعت الحدود وصرفت الطُّرق فلا شفعة»، من كلام الرّاوي، فلا يكون حجةً في عدم استحقاق الشُّفعة للجار مع ما روينا من مرفوع الأخبار. ولو سلّم أنه من كلام النبيّ ﷺ فمعناه: لا شفعة بسبب القسمة دفعاً لتوهم أنّ القسمة تثبت بها الشفعة كالبيع، لما فيها من معنى التمليك من كلّ واحدٍ من الشريكين للآخر.
وفي «معاني الآثار»: إن قيل: لِمَ أوْجَبْتَ الشّفعة على هذا الترتيب ولم تَجْعَلْهَا لهم جميعاً إذا حضروا وطلبوا؟ قيل: لأنّ الشّريك في المبيع خليطٌ فيه وفي الطريق، فمعه من أسباب الشفعة مثلما مع الشريك في الطريق، وسبب آخر ليس مع الشريك في الطريق (١) ، فكان أولى منه ومع الشّريك في الطريق شركةٌ فيها ومُلازَقةٌ (٢) للمبيع، ومع الجار ملازقة للمبيع فقط، فكان الشّريك في الطريق أولى من الجار. وفي «شرح مختصر القُدُورِيّ»: ولو سلّم الشريك في المبيع الشفعة وجبت للشريك في الطريق، فإن سلّمها وجبت للجار.
(ويَطْلُبُهَا) أي ويطلب الشفيع الشفعة لأنّها حقٌّ ضعيفٌ يبطل بالإعراض، فلا بدّ فيه من الطلب بما يفهم منه طلب الشُّفعة، ولو كان ماضياً في الأصحّ كـ: طلبت الشفعة إذا طلبها، أو: أنا طالبها، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر، والفقيه أبي الليث، والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل، لأنّ الاعتبار للمعنى. وقال بعضهم: يقول: أطلب الشفعة وآخذها، ولا يقول: طلبتها وأخذتها. فإن قال ذلك بطلت شفعته لأنّ ذلك كذبٌ محضٌ. قلنا: يُذكر للحال عرفاً كبعت واشتريت.
стр. 1128
في مَجْلِسِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ طَلَبُ مُوَاثَبَةٍ، ثُمَّ يُشْهِدُ عَلَى طَلَبِهِ عِنْدَ العَقَارِ أوْ ذِي يَدٍ مِنْ بَائِعٍ، أوْ المُشْتَرِي، فَإِنْ أخَّرَ أحَدَهُمَا بَطَلَتْ.
ثُمَّ يَطْلُبُ عِنْدَ القَاضِي، وَبَتأْخِيرِه شَهْرًا تَبْطُلُ عِنْدَ مُحَمّدٍ، وَبِهِ
===
(في مَجْلِسِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ) ليعلم بذلك عدم إعراضه عنه، وهذا عند أبي حنيفة إذا أخبره رجلان، أو رجل وامرأتان، أو عدل. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أخبره واحدٌ، حراً كان أو عبداً، وصبياً كان أو امرأةً. وهي نظير اختلافهم في عزل الوكيل. وقوله: في مجلس علمه بالبيع رواية هشام عن محمّد أنّه يشترط الطلب في مجلس العلم، إن طلب فيه صحّ، وإن قام عنه قَبْلَه بطلت، وبه أخذ الكَرْخِيّ. وفي ظاهر الرواية: كما علم بالبيع من غير مهلة، واختارها العامة، سواء كان عنده أحد أو لم يكن، لقوله ﵊ «الشُّفعة كحلّ العِقَال». رواه ابن ماجه في «سننه» عن ابن عمر.
(وَهُوَ) أي طلب الشفيع في مجلس علمه (طَلَبُ مُوَاثَبَةٍ) سُمِّي به للدلالة على غاية التعجيل، حتّى كأنّ الشفيع ليثب ويطلب. روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن شُرَيْح أنّه قال: إنما الشّفعة لمن واثبها.
(ثُمَّ يُشْهِدُ) الشفيع (عَلَى طَلَبِهِ).
قال قاضيخان: إذا صدر منه طلب المواثبة يحتاج إلى طلب الإشهاد. (وإنما سُمّى الثاني طلب الإشهاد) (١) لأنّ الإشهاد شرط، بل ليمكنه إثبات الطلب عند إنكار الخصم. وكيفية هذا الطلب: أنْ ينهض من مجلس علمه، ويُشْهِدَ على طلبه، (عِنْدَ العَقَارِ) لتعلّق الحق به. (أوْ) عند (ذِي يَدٍ مِنْ بَائِعٍ) بأن كان لم يسلّم العقار إلى المشتري، لأن له حينئذٍ يداً فكان خصماً. (أوْ) عند (المُشْتَرِي) ولم يكن ذا يد، لأنّ الملك له. ويقول الشفيع: إنّ فلاناً اشترى هذه الدار وأَنا شفيعُها وكنت طلبت الشفعة، وأَنا الآن أطلبها فاشهدوا على ذلك.
(فَإنْ أخَّرَ) الشفيع (أحَدَهُمَا) أي أحد هذين الطلبين (بَطَلَتْ) الشفعة. أمّا الطلب الأوّل فلأن مجرد السكوت فيه ساعةً دليل الإعراض، ودليلُ الشيء كصريحه. وأمّا الطلب الثّاني فلأن مدتَه مقدرةٌ بالتمكن منه نفياً للضرر عن المشتري.
(ثُمَّ يَطْلُبُ) الشفيع (عِنْدَ القَاضِي) ويسمّى طلب الخصومة، وبتأخيره لا يبطل طلب الشُّفعة عند أبي حنيفة ﵀، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀. وفي «الهداية»، «والكافي»: وعليه الفتوى. (وَبَتأْخِيرِه شَهْراً) من غير عذر مرضٍ أو حبسٍ. وفي نسخة: وتأخيره شهراً (تَبْطُلُ عِنْدَ مُحَمّدٍ) وهو قول زُفَر، واختيار الكَرْخِي (وَبِهِ) أي بقول محمد
стр. 1129
يُفْتَي.
فَإِذَا طَلَبَ سَأَلَ القَاضِي الخَصْمَ، فَإنْ أَقَرَّ بِمِلْكِ مَا يَشْفَعُ بِهِ، أوَ نَكَلَ عَنِ الحَلِفِ عَلَى العِلْم بأنّهُ مَالِكُهُ، أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ، سَأَلَهُ عَنِ الشِّرَاءِ، فَإِنَّ أقَرَّ بِهِ، أوْ نَكَلَ عِنِ الحَلِفِ، أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ، قَضَى لَهُ بِهَا،
===
(يُفْتَى) اليوم. والمعنى: أنّ تصحيح صاحب «الذخيرة» والمُفْتِي قاضيخان في «جامعه الصغير» أصحّ من تصحيح غيرهما.
(فَإِذَا طَلَبَ) الشفيع عند القاضي (سَأَلَ القَاضِي الخَصْمَ) عن ملك الشفيع ما يشفع به، فإن أنكر الخصم أنه مِلْكه كلّف القاضي الشفيع بإقامة البيّنة على أنه ملكه. وقال زُفَر ـ وهو رواية عن أبي يوسف ـ لا يكلّف على ذلك، لأنّ اليد دليل الملك. فإن عجز الشفيع عن إقامة البيّنة استحلف القاضي الخصم عند أبي يوسف أنّه ما يعلم أنّ الشفيع مالك لما يطلب به الشفعة، (وعند محمد استحلفه على البتات، فيحلف بالله ما الشفيع بمالكٍ لِمَا يطلب به الشّفعة) (١) .
(فَإنْ أَقَرَّ) الخصم (بِمِلْكِ) الشفيع (مَا يَشْفَعُ بِهِ أوَ نَكَلَ) الخصم (عَنِ الحَلِفِ عَلَى العِلْمِ) على أحد (القولين) (٢) (بأنّهُ) أي الشفيع (مَالِكُهُ) أي مالك لما يشفع، به (أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) على ملكه (لِمَا شفع، ثبت ملكه لما) (٢) يشفع به وحينئذٍ (سَأَلَهُ) أي القاضي الخصم (عَنِ الشِّرَاءِ) فإن أنكر، أَمَر القاضي الشفيع بإقامة البينة، فإن عجز الشَّفيع عن البينة استحلف الخصم إن كان المشتري: بالله ما اشتريت هذه الدّار، وإن كان البائع: بالله مابعت هذه الدّار (فَإِنَّ أقَرَّ) الخصم (بِهِ) أي بالشّراء (أوْ نَكَلَ عِنِ الحَلِفِ أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) على الشِّراء (قَضَى) القاضي (لَهُ) أي للشفيع (بِهَا) أي بالشُّفعة لثبوتها.
وينبغي للقاضي قبل سؤال الخصم أن يسأل الشفيع عن موضع الدّار من مصرها، ومحلّتها، وحدودها، لأنه ادعى حقاً فيها، فصار كما لو ادّعى ملك رقبتها. فإذا بيّن (سأله هل قبض المشتري الدّار أم لا؟ لأنه إذا لم يقبضها لا تصحّ دعواه على المشتري حتّى يحضر البائع، فإذا بيّن) (١) سأله عن سبب شفعته، وحدود ما يشفع به. لأنّ الناس يختلفون فيه، فلعلّ دعواه سبب غير صالحٍ، أو لعله محجوبٌ بغيره. فإذا بيّن سبباً صالحاً وأنه غير محجوب بغيره سأله متى علم؟ وكيف صنع حين علم؟ لأنّ
стр. 1130
فَلَزِمَهُ إحْضَارُ الثَمَّنِ، وَيَحْبِسُ الدّارَ لَهُ.
وَلَا يَسْمَعُ البَيِّنَةَ عَلَى بَائِعٍ حَتَّى يَحْضُرَ المُشْتَرِي، فَيَفْسَخُ بِحُضُورِهِ، وَيَقْضِي بِالشُّفْعَةِ وَالعُهْدَةِ عَلَى البَائِعِ.
وَلِلشَّفِيعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَالعَيْبِ، وَإنْ شَرَطَ المُشْتَرِي البَرَاءَةَ مِنْهُ.
===
الشّفعة تبطُل بطول الزّمان، وبالإعراض وبما يدلّ عليه، فإذا بيّن سأله عن طلبه الإشهاد كيف كان؟ وعند من أشهد؟ وهل كان الذي أشهد عنده أقرب من غيره؟ فإذا بيّن ولم يخلّ بشيءٍ من الشروط، تمّت دعواه، فيسأل الخصم حينئذٍ كما مرّ.
(فَلَزِمَهُ) أي إذا قضى القاضي بالشُّفعة لزم الشفيع (إحْضَارُ الثَمَّنِ) من غير مهلةٍ (وَيَحْبِسُ) المشتري (الدّارَ لَهُ) أي لأجل الثَّمن حتّى يدفعه الشفيع إليه (وَلَا يَسْمَعُ) القاضي (البَيِّنَةَ عَلَى بَائِعٍ) لم يسلّم العَقَار إلى المشتري (حَتَّى يَحْضُرَ المُشْتَرِي فَيَفْسَخ) القاضي البيع (بِحُضُورِهِ وَيَقْضِي بِالشُّفْعَةِ) لأنّ الملك للمشتري واليد للبائع والقاضي يقضي بهما للشفيع، فلا بدّ من حضورهما.
قيّد بالبائع، لأنّ المشتري الذي سلّم البائع إليه العَقَار إذا خاصمه الشفيع لا يشترط في سماع البيّنة عليه حضور البائع، لأنّ حكم العقد في حقّ البائع قد انتهى بالتسليم إلى المشتري، فصار البائع كأجنبيٍ آخر. وقيّدنا البائع بكونه لم يسلّم العقار إلى المشتري، لأنّ الذي سلّمه إليه لا يسمع القاضي البيّنة عليه أصلاً، ولا يكون خصماً للشفيع. وفي قوله: «فيفسخ بحضوره» إشارةٌ إلى علّةٍ أخرى، وهي أنّ البيع إذا كان ينفسخ في حقّ المشتري، فلا بد من حضوره ليقضي بالفسخ عليه.
(وَالعُهْدَةِ) أي ويقضي بعهدة الحقوق فيما أخذ الشفيع بمخاصمة البائع (عَلَى البَائِعِ) فعليه التّسليم وضمان الثّمن عند الدَّرَك (١) . وقال الشّافعي: العهدة على المشتري سواءٌ أخذها من يد البائع أو المشتري، لأنّ حقوق العقد عنده ترجع إلى المالك.
(وَلِلشَّفِيعِ) إذَا قضى القاضي له بالشّفعة ولم يكن رأى المبيع (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَ) له إذا وجد به عيباً خيار (العَيْبِ) فيردّ إن شاء (وَإنْ شَرَطَ المُشْتَرِي) للبائع (البَرَاءَةَ مِنْهُ) من العيب، لأن الأخذ بالشُّفعة بمنزلة الشِّراء. ألا ترى أنه مبادلة مالٍ بمالٍ؟ فيثبت للشفيع فيه خيار الرّؤية والعيب كما في الشراء، ولا يسقط مَا لَهُ من خيار الرّؤية برؤية
стр. 1131
والقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي في الثَّمَنِ، وَبَيِّنَةُ الشَّفِيعِ أَحَقُّ مِنْ بَيِّنَتِهِ.
وَلَوِ ادّعى المُشْتَرِي ثَمَنًا، وَبَائِعُهُ أَقَلَّ مِنْهُ، أخَذَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ القَبْضِ، وَبَقَوْلِ المُشْتَرِي بَعْدَهُ، وَفي حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ، أوْ في زِيَادَتِهِ بِأَقَلِّهِما، وَفي حَطِّ الكُلِّ بالكُلِّ.
وَفي الشِّرَاء بِثَمَنٍ مِثْلِيٍّ بِمْثِلهِ،
===
المشتري، ولا ما له من خيار العيب بشرط المشتري للبائع البراءةَ منه، لأنه لا يملك إسقاط حقّ الشّفيع.
(والقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) أي إذا اختلف مع الشفيع (في الثَّمَنِ) لأنّ الشفيع يدّعي استحقاق العَقَار عليه عند نقد الأقلّ وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه (وَبَيِّنَةُ الشَّفِيعِ) إذا أقام كلّ منهما بيّنة على صحة قوله (أَحَقُّ مِنْ بَيِّنَتِهِ) أي المشتري وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ﵀: بيّنة المشتري، أحقّ، لأنها أكثر إثباتاً، فصارت كبيّنة البائع إذا اختلف مع المشتري في قدر الثَّمن. ولهما: أنه لا تنافي بين البيّنتين في حقّ الشّفيع لاحتمال أنّه اشترى مرةً بالأقلِّ ومرةً بالأكثر، وللشفيع أن يأخذ بأيّهما شاء.
(وَلَوِ ادّعى المُشْتَرِي ثَمَناً، وَ) ادّعى (بَائِعُهُ) ثمناً (أَقَلَّ مِنْهُ أخَذَ) الشفيع العَقَار (بِقَوْلِهِ) أي بقول البائع (قَبْلَ القَبْضِ) أي قبل قبض البائع الثّمن، لأنّ الثّمن إن كان كما قال البائع فظاهر، وإن كان كما قال المشتري فقد حطّ البائع من الثمن، والحطّ عن المشتري حطٌّ عن الشفيع. قيّد ما ادّعاه البائع بكونه أقلّ مما قال المشتري، لأنّه لو كان أكثرَ تَحَالَفَا وترادّا، وأيهما نكل ظهر أَنّ الثَّمن ما يقوله الآخر، فيأخذها الشفيع بذلك لأنّ النكول بمنزلة الإقرار ممّا يدعيه صاحبه، وإن حلفا فسخ القاضي العقد بينهما وأخذها الشفيع بما قال البائع، لأنّ فسخ البيع لا يوجب بطلان حقّ الشفيع، كما لو ردّ عليه بعيب بقضاء قاضٍ.
(وَ) أخذ الشَّفيع العَقار (بَقَوْلِ المُشْتَرِي بَعْدَهُ) أي بعد قبض البائع الثّمن، (وَ) أخذ الشفيع (في حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ) سواء كان الحطّ قبل أخذ الشفيع أو بعده (أوْ في زِيَادَتِهِ) أي زيادة المشتري الثَّمن (بِأَقَلِّهِما) متعلّق بـ «أخذ». وإنّما أخذ فيهما بالأقلّ، لأنّ الحطّ من الثمن والزيادة فيه يلتحقان عندنا بأصل العقد، إلاّ أنّ الزِّيادة لا تظهر في حقّ الشفيع لتضرّره بها، وتظهر في حقّ المشتري لولايته على نفسه.
(وَ) أخذ الشفيع (في حَطِّ الكُلِّ بالكُلِّ) لأنّ حطّ الكل لا يلتحق بأصل العقد، إذ لو التحق به لكان هبةً أو بيعاً بلا ثمنٍ وهو فاسدٌ، ولا شفعة فيهما. (وَ) أخذ الشفيع (في الشِّرَاء بِثَمَنٍ مِثْلِيَ) كيليّ، أو وزنيّ، أو عدديّ متقارب (بِمْثِلهِ) الباء
стр. 1132
وَفي بِثَمَنِ غَيْرِهِ بِقِيمَةِ الثَّمَنِ. فَفِي عَقَارٍ بِعَقَارٍ، أُخِذَ كُلٌّ بِقِيمَةِ الآخَرِ، وَفِي ثَمَنٍ مُؤَجّلٍ بِحَالٍّ، أوْ طَلَبَ في الحَال، وَأَخَذَ بَعْدَ الأَجَلِ.
وَفي بِنَاءِ المُشْتَرَى وَغَرْسِهِ بالثَّمَنِ وَقِيمَتِهِمَا مَقْلُوعَيِنْ، أوْ كُلِّفَ المُشْتَري قَلْعَهُمَا، وَلَيْسَتْ إلّا في بَيْعٍ أوْ في هِبَةٍ بِعِوَضٍ، وَلَا في شَجَرٍ، وَلَا في ثَمَرٍ بِيعَا قَصْدًا،
===
الأولى متعلقة بالشراء، والثانية بـ: «أخذ» المقدّر.
(وَ) أخذ الشفيع (في) الشّراء (بِثَمَنِ غَيْرِهِ) أي غير المثلي (بِقِيمَةِ الثَّمَنِ) لأنّ الشرع جعل للشفيع ولاية التّملّكَ على المشتري بمثل ما يملك به. والمثل نوعان: كامل: وهو صورة ومعنًى، وقاصر: وهو المِثْل معنًى. والمثليّ من النوع الأول، وغيره من النوع الثّاني، فيراعى في أخذ الشُّفعة ذلك كما في الاتلاف.
(فَفِي) شراء (عَقَارٍ بِعَقَارٍ أُخِذَ كُلٌّ) من العقارين بالشفعة (بِقِيمَةِ الآخَرِ) لأنّ كلاً منهما ثمن للآخر وهو من ذوات القيمة.
(وَفِي ثَمَنٍ) أي وأخذ الشفيع في بيع عَقارٍ بثمنٍ (مُؤَجّلٍ بِحَالَ) كل من الجارين متعلّقٌ بـ: «أخذ» المقدّر (أوْ طَلَبَ) الشفعة عطف على أخذ المقدّر (في الحَالِ) بتخفيف اللام بمعنى الوقت (وَأَخَذَ بَعْدَ الأَجَلِ) الذي وقع العقد عليه حتّى لو لم يطلب (في الحال بطلت) (١) شفعته، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف أخيراً. (وَ) أخذ الشفيع (في بِنَاءِ المُشْتَرَى وَغَرْسِهِ بالثَّمَنِ وَقِيَمتِهِمَا) أي البناء والغرس (مَقْلُوعيْنِ أوْ كُلِّفَ المُشْتَري قَلْعَهُمَا) وعند أبي يوسف ﵀: لا يكلّفه ولكنه إن شاء أخذ بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعين، وإن شاء ترك.
(وَلَيْسَتْ) الشّفعة (إلاّ في بَيْعٍ) أي بسبب بيعٍ (أوْ في هِبَةٍ بِعِوَضٍ) أي مصاحبة بعوضٍ فلا شفعة في دارٍ تزوّج الرجل عليها، أو خالع المرأة بها، أو استأجر بها داراً أو غيرها، أو صالح بها عن دمِ عمدٍ، أو أعتق عليها عبداً. وقال الشّافعيّ: يجب فيها الشّفعة لأنّ كلاً منها عقد معاوضة فثبتت الشُّفعة في العَقار المملوك بسببه كالبيع. ولنا: أنّها تملكات بسببٍ لا يثبت فيها خيار الشرط، فلا يجب فيها الشّفعة، كالملك بالهبة المحضة، والوصية، والميراث.
(وَلَا في شَجَرٍ) عطفٌ على ما قبله بالمعنى، أي ولا شفعة في نكاحٍ، ولا خلع إلى أخر العقود التي ليست ببيع ولا هبةٍ بعوضٍ (وَلَا في ثَمَرٍ) بالمثلثة (بِيعَا) أي الشجر والثمر (قَصْداً) أي بدون أرضٍ، فإنهما لو بيعا معها كان فيهما الشفعة تبعاً لها. وكذا لا
стр. 1133
وَلَا في البَيْعِ بِخِيَارٍ إلّا بَعْدَ سُقُوطِهِ، وَلَا في البَيْعِ الفَاسِدِ إلّا بَعْدَ سُقُوطِ فَسْخِهِ، وَلَا في رَدٍّ بِخِيارٍ إلّا خِيَارِ عَيْبٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَلَا لِمَنْ بَاعَ أوْ بِيعَ لَهُ، أو ضَمِنَ الدَّرَكَ،
===
شفعة في بناءٍ بِيع قصداً، وفيه الشفعة لو بيع مع الأرض، لأنّ هذه الأشياء نقلية، ولا شفعة في نقليّ لأن الشفعة إنّما وجبت في العَقَار، لدفع ضرر سوء الجوار على الدّوام. والملك في النقليّ لا يدوم مثل دوامه في العقار كما أشار إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة». فإنّ جار البادية يتحوّل (١) .
(وَلَا) شفعة (في البَيْعِ) بسبب البيع (بِخِيَارٍ) للبائع، لأنّ خِياره يمنع خروج المبيع عن ملكه (إلاّ بَعْدَ سُقُوطِهِ) أي سقوط الخيار بأن أسقط البائع، لأنّ المانع من خروج المبيع عن ملكه قد زال، فصار البيع كأنّه وقع لازماً من الأصل. قيدّنا الخيار بكونه للبائع كما هو الظاهر من البيع بخيار، لأنّ خيار المشتري يوجب الشّفعة. أمّا عند أبي يوسف ومحمد فلأنّ المشتري صار مالكاً. أمّا عند أبي حنيفة ﵀ فيخرج المبيع عن ملك البائع، وحقّ الشفعة. يعتمد انقطاع حقّ البائع لا ثبوت الملك للمشتري، حتّى لو أقرّ البائع بالبيع وأنكر المشتري تجب الشفعة.
(وَلَا) شفعة (في البَيْعِ) أي في عَقار البيع (الفَاسِدِ) أمّا قبل قبض المبيع، فلعدم زوال الملك عنه. وأمّا بعد قبضه، فلاحتماله للفسخ، لأن كلّ واحدٍ من المتعاقدين بسبيلٍ من فسخه، إذ فسخه حقّ الشّرع، وفي إثبات الشّفعة إسقاط حقّ فسخه، وفي إسقاط حقّ فسخه تقرير فساده (إلاّ بَعْدَ سُقُوطِ فَسْخِهِ) فإن باعه المشتري من آخَر فإنّ فيه الشفعة، لأنّ امتناع حقّ الشفعة إنّما كان لثبوت حقّ الفسخ وقد سقط، فصار كما لو كان في البيع خِيار البائع فأسقطه.
(وَلَا) شفعة (في رَد) أي بسبب ردّ عقار (بِخِيارٍ) سواء كان خيار رؤية أو شرط أو عيب (إلاّ) في ردَ بسببِ (خِيَارِ عَيْبٍ بِلَا قَضَاءٍ) لأنّ الشّفعة ثبتت فيه خلافاً لزُفَر (وَلَا) شفعة (لِمَنْ بَاعَ) سواء كان وكيلاً أو أصيلاً، لأنّ أخذه بالشفعة سعيٌّ في نقض ما تمّ به، وهو الملك للمشتري، وسعيُ الإنسان في نقض ما تمّ به مردودٌ.
(أوْ بِيعَ لَهُ) أي ولا شفعة لمن بيع لأجله وهو المُوَكِّلُ بالبيع، لأنّ تمام البيع له، إذ لولا توكيله لَمَا جاز ذلك البيع.
(أو ضَمِنَ الدَّرَكَ) أي ولا شفعة لمن ضمن عن البائع ما يلحقه في ذلك البيع،
стр. 1134
بَلْ لِمَنْ شَرَى أو اشْتُرِيَ لَهُ.
[مُبْطِلاتُ الشُّفْعَةِ]
وَيُبْطِلُهَا تَسْلِيمُهَا بَعْدَ البَيْعِ لَا قَبْلَهُ، وَالصُلْحُ مَعَ بُطْلَانِهِ، وَمَوْتُ الشَّفِيعِ لَا المُشْتَرِي، وَبَيْعُ مَا يَشْفَعُ بِهِ قَبْل القَضَاءِ.
===
لأنّ في ضمانه تقريراً للبيع فكان كالبائع. (بَلْ) الشّفعة (لِمَنْ) أي الشفيع (شَرَى أو اشْتُرِيَ لَهُ) وأجاز، لأنّ الشّفعة تبطل بإظهار الشّفيع الرّغبة عن المشفوع، ولا تبطل بإظهار الرّغبة فيه. وفي الشراء إظهار الرّغبة فيه، فلا يكون إبطالاً للشّفعة. وفي البيع إظهار الرغبة عنه، فيكون إبطالاً لها. وفائدة ذلك أنه لو كان المشتري أو الموكَّل بالشِّراء شريكاً في الدَّار ولها شريك آخر، فلكل منهما الشفعة. ولو كان هو شريكاً وللدار جارٌ، فلا شفعة للجار.
(مُبْطِلاتُ الشُّفْعةِ)
(وَيُبْطِلُهَا) أي الشفعة (تَسْلِيمُهَا بَعْدَ البَيْعِ) لأنّ الشفيع أسقط حقّه بعد تقرر سببه (لَا قَبْلَهُ) أي لا يُبطِل الشفعة تسليمُها قبل البيع، لأنّه أسقطها قبل وجود سببها إن كان سببها البيع، وقبل وجود شرطه إن كان سببها اتصال الأَملاك، والبيع شرطه، وهو الصحيح. (وَ) يبطلها (الصُلْحُ) أي صلح الشفيع عن شفعة على عَوِضٍ (مَعَ بُطْلَانِهِ) أي بطلان الصلح، لأنّه أسقطها باختياره فيردّ العوض لأنّه أخذه بغير استحقاقٍ، لأنّ المال لا يستحقّ إلا بمقابلة ملك، وحقّ الشفعة ليس بملك بل حقّ تملُّكٍ، فلا يصحّ الاعتياض عنه.
(وَ) يُبْطِلُها (مَوْتُ الشَّفِيعِ) بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، ولا ينتقل حقّ الأخذ بالشفعة إلى وارثه. وقال مالك والشّافعيّ: ينتقل لأنّه حقّ ثبت لإزالة الضَّرر عن المال فكان موروثاً. ولنا: أَنّ حقّ الشفعة حقُ تملكٍ وهو وصفٌ قائمٌ بالشفيع، فلا ينتقل إلى وارثه بعد موته.
قيّدنا بـ: قَبْل القضاء بالشفعة، لأنّ موت الشفيع لو كان بعد القضاء قبل نَقْد الثّمن وقبض المبيع لا يُبْطِلُ شفعته والبيع لازمٌ لوارثه (لَا المُشْتَرِي) أي لا يُبْطِل الشّفعةَ موتُ المشتري، لأنّ المُسْتَحَقَّ باقٍ، وبموت المُسْتَحَقّ عليه لم يتغير الاستحقاق، بخلاف موت المُسْتَحِقّ وهو الشفيع، لأنّ السبب الذي يأخذ به وهو ملكه زال بموته، والثابت للوارث جُوَارٌ أو شركةٌ حادثة بعد البيع فلا تستحقّ به الشفعة.
(وَ) يُبطلها (بَيْعُ) الشّفيع (مَا يَشْفَعُ بِهِ) بلا خِيار للبائع (قَبْل القَضَاءِ) له
стр. 1135
وشفَعَ حِصَّةَ أحَدِ المُشْتَرِينَ لَا أَحَدِ البَاعَةِ. فإن سَلَّمَ شَرَاءَ زَيْدٍ، فَظَهَرَ شِرِاءُ غَيْرِهِ. أوْ الشَّراءَ بِأَلْفٍ فَظَهَرَ بِأَقَلَّ، أوْ بِمِثْلِيّ، لَا تَسْقُطُ. لَا إنْ ظَهَرَ بِقِيمِيّ قِيمَتُهُ ألْفٌ أوْ أكَثَرُ.
===
بالشّفعة، لأن الاستحقاق بالجِوار أو بالشركة، وقد زال قبل التملك. قيّدنا بعدم خِيار البائع، لأنّ الشفيع لو باع ما يشفع به على أنه بالخِيار لا تبطل شفعتُه، لأنّ ملكه لم يَزل فوجد سبب الشفعة وهو الاتصال بملكه.
(وشَفَعَ) أي أخذ الشفيع بالشفعة (حِصَّةَ أحَدِ المُشْتَرِينَ) من بائعٍ واحدٍ، لأن هذا الأخذ ليس فيه ضرر التفريق لقيام الشفيع مقام المأخوذ حصته. والصحيح أن لا فرق بين قبل القبض وبعده. (لَا أَحَدِ البَاعَةِ) أي ولا يأخذ الشفيع حصّة أحد البائعين من مشترٍ واحدٍ، بل إمّا أن يأخذ المشفوع كلّه أو يترك كلّه، لأنّ في أخذ حصة أحد الباعة إضراراً بالمشتري بتفريق الصَّفْقة عليه.
(فإِن سَلَّمَ)، أَي إِذا أخبر بأَن المشتري زيدٌ فسلّم (شَرَاءَ زَيْدٍ فَظَهَرَ شِرِاءُ غَيْرِهِ، أوْ) بلغه أَنّ الثمن ألف فسلّم (الشَّراءَ بِأَلْفٍ فَظَهَرَ) أَنَّه (بِأَقَلَّ أوْ بِمِثْلِيّ)، قيمته ألفٌ أو أكثر (لَا تَسْقُطُ) الشفعة.
أَمّا إذا ظهر أنّ المشتري غير زيدٍ فلتفاوت النّاس في الجوار والشركة، وأمّا إذا ظهر أنّ الثمن أقل أو أنه مِثْليّ فلأنّ تسليمه في كثرة الثّمن لا يدلّ على تسليمه في قِلَّته، وتسليمه في أحد الجنسين لا يكون تسليماً في الآخَر إذ رُبّما يتعذّر عليه ما سلّم فيه ويسهل عليه الآخَر.
(لَا إنْ ظَهَرَ) أنّ الشراء (بِقِيِميّ قِيمَتُهُ ألْفٌ أوْ أكَثَرُ) فإن شفعته تسقط، لأنه إنما يأخذ القيميّ بقيمة دراهمٍ أو دنانير. ولو بلغه أنّ المشتري زيدٌ فظهر أنّه زيدٌ وعمرٌو فله أن يأخذ نصيب عمرو، لأنّ التسليم لم يوجد في حقّه. ولو باعها إلاّ ذراعاً من جانب الشفيع بطول الحد الذي يليه امتنعت الشفعة لانقطاع الجوار، وهذه حيلةٌ لإسقاط الشفعة.
وإن ابتاع سهماً منها ثم ابتاع بقيتها تجب الشفعة في السهم الأوّل فقط، لأنّ الشَّفيع جارٌ إلاّ أن المشتري في الثّاني شريكٌ، لأنه حين اشترى الباقي كان شريكاً بشراء الجزء الأوّل، واستحقاق الشفيع الجزء الأوّل لا يبطل شفعة المشتري في الجزء الثّاني قبل الخصومة، لكونه في ملكه بعد فيتقدّم على الجوار. وإن ابتاعها بثمنٍ غالٍ ثم دفع ثوباً عن الثَّمن يؤخذ بالثَّمَن لا بالثوب، لأنّه عقدٌ آخر والثمن هو العوض عن الدّار. وهذه حيلة لتقليل الرّغبة في الشفعة، وهي تعم الجوار والشركة،
стр. 1136
كِتَابُ القِسْمَةِ
هِيَ تَعْيِينُ الحَقِّ الشَائِع. وَغَلَبَ فِيَها الإفْرَازُ في المِثْلِيّ،
===
والله تعالى أعلم.
كتاب القِسْمَةِ
(هِيَ) لغةً: اسمٌ للاقتسام. وشرعاً: (تَعْيِينُ الحَقِّ الشَائِع). وجوازها بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأمة. أمّا الكتاب تلويحاً فقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾ (١) ، وتصريحاً قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢) الآية. ولا يُعلم الخُمْس من الأربعة أخماس إلاّ بالقسمة، وقوله سبحانه ﴿ونَبِّئْهُمْ أنْ المَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) الآية، ﴿وَلَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤) ، والمناوبة في الشِّرْب قِسمةٌ فيه.
وأمّا السُّنَّة فإنه ﷺ قسَم غنائم خَيْبَر بخَيْبَر، وغنائم أوْطَاس بأَوطاس، وغنائم بني المصُطَلِق بمياههم. وروى أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه عن عبد الله بن محمّد بن عُقَيْل (٥) ، عن جابر بن عبد الله أنّ امرأة سعد بن الرّبيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه، فعمد أخوه بقبض ما ترك سعد، وإنّما تنكح النّساء على أموالهن. فقال رسول الله ﷺ : «ادعي إليّ أخاه». فجاء، فقال: «ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثُّمن، ولك ما بقي». وأمّا الإجماع فلتوارث الأمة القسمة من غير نكير أحد من الأئمة.
ثُمَّ سببها طلب أحد الشّركاء الانتفاع بنصيبه بالخصوص على الخلوص، ويشتمل على الإفراز والمبادلة في المِثْلِيَّات والقِيْمِيَّات، لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه فهو يأخذه عوضاً عمّا بقي من حقّه في نصيب صاحبه فكان مبادلةً وإفرازاً.
(وَغَلَبَ) على المبادلة (فِيَها الإفْرَازُ) أي تَميُّز عينِ حقّه (في المِثْلِيّ) وهو الكيليّ، والوزنيّ، والعدديّ المتقارِب، لعدم التّفاوت بين أبعاض كلّ من هذه الأمور،
стр. 1137
والمُبَادَلِةُ في غِيْرِ المِثْلِيّ. فَيَأْخُذُ كُلٌّ حِصَّتَهُ بِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ ثَمَّةَ لَا هُنَا.
وَنُدِبَ نَصْبُ قَاسِم يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِلَا أجْرٍ، وَإنْ نُصبَ بِأَجْرٍ صَحَّ، وَهُوَ عَدَدُ الرَّؤُوسِ.
===
لأنّ ما يأخذه الشريك مِثْل حقّه صورةً ومعنى، فأمكن أن يُجْعَل عين حقّه كما في القرض وقضاء الدين.
(و) غلب فيها (المُبَادَلِةُ في غِيْرِ المِثْلِيّ) وهو الثياب، والحيوان، والعَقَار لوجود التّفاوت بين أبعاضها، فلا يمكن أن يُجْعَلَ كأنّه أخذ عين حقّه (فَيَأْخُذُ كُلٌّ) من الشّركاء (حِصَّتَهُ بِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ) يعني شريكه. وفي بعض النسخ: بغيبة الآخر (ثَمَّةَ) أي في المثلي، وهو بفتح المثلثة: اسم إشارة للمكان. ولو كانت القسمة فيه مبادلة لم يؤخذ لعدم العلم برضا صاحبه، لأنّ رضا العاقدين شرطٌ للمبادلة، (لَا هُنَا) أي لا يأخذ أحدٌ من الشّركاء في غير المثليّ حصته بغيبة صاحبه. ولو كانت القسمة فيه إفرازاً لكان له ذلك.
(وَنُدِبَ نَصْبُ قَاسِم) بين النّاس (يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِلَا أجْرٍ) لأنّ منفعتها تعود إلى العامة، فيكون كفايته من بيت المال، كنفقة القضاة والمقاتلة والمُفْتِينَ (وَإنْ نُصِبَ) قاسمٌ (بِأَجْرٍ) على المتقاسمين (صَحَّ) لأنّ النفع لهم، والأول أوفق للناس (١) وأبعد عن التهمة، (وَهُوَ) أي الأجر إذا نُصِّبَ قاسمٌ بأجر (عَدَدُ الرَّؤُوسِ) عند أبي حنيفة ﵀، وعلى قدر الأنصباء عند أبي يوسف ومحمد والشّافعيّ ﵏، وهو رواية أبي حنيفة ﵀، لأنه مُؤْنَةٌ للملك فيقدر بِقَدْره كأجرة الكيّال، والوزّان، وحفر البئر المشتركة، ونفقة المملوك المشترك. وهذا لأنّ منفعة نصيب صاحب الكثير أكثر من منفعة صاحب القليل، والغُرْم بالغُنْم.
ولأبي حنيفة ﵀: أَنْ الأجر مقابل للتميز، وأَنّه لا يتفاوت. وربّما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل وقد ينعكس الأمر، فيتَعذَّرُ اعتبارُهُ فيتعلّق الحكم بأصل التميز. وأجرة حفر البئر بمقابلة نقل التراب ونفقة المملوك لابقاء الملك، وحاجة صاحب الكثير إلى ذلك أكثر من حاجة صاحب القليل. وأمّا أجرة الكيّال، والوزّان، فقال بعض المشايخ: هو على الخلاف إن كان الكيل والوزن للقسمة، لأنّ الكيّال والوزّان بمنزلة القاسم، وإن لم تكن لها بأن اشتريا مكيلاً، أو موزوناً مجازفةً أثلاثاً، أو أرباعاً، وأمرا إنساناً بكيله ليصير الكلّ معلوم القدر، فالأجر بقدر الأنصباء، لأنّ
стр. 1138
وَيجِبُ كَوْنُهُ عَدْلًا، عَالِمًا بِهَا، وَلَا يُعَيَّنُ واحدٌ، وَلَا يَشْتَرِكُ القُسَّامُ.
وَقُسِمَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمْ إنْ انْتَفَعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ، وَبِطَلَبِ ذِي الكَثِيرِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ الآخَرُ لِقِلَّةِ حِصَّتِهِ.
وَلَا يُقْسَمُ إلّا بِطَلَبِهِمْ إنْ تَضَرَّرَ كُلٌّ لِلْقِلَّة،
===
الأجر في الكيل والوزن للعمل وهو لصاحب الكثير أكثر.
(وَيجِبُ كَوْنُهُ) أي القاسم (عَدْلاً) ديِّناً أميناً (عَالِماً بِهَا) أي بالقسمة، لأنّه يعتمد على قوله، وذا بالعدالة والأمانة، ولا بدّ من قدرته على القسمة وهي بالعلم بها.
(وَلَا يُعَيَّنُ) قاسمٌ (واحدٌ) إذا كان الأجر على المتقاسمين، لأنّه يتحكّم بالزّيادة على أجر مثله فيتضرّر به النّاس. (وَلَا يَشْتَرِكُ القُسَّامُ) لئلا يتواضعوا على مغالاة الأجر فيحصل الإضرار بالنّاس، بخلاف ما إذا (لم) (١) يشتركوا، فإنْ كل قاسم يسارع حينئذٍ إلى الأجر اليسير حذراً من الفوت فيرخص الأجر.
(وَقُسِمَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمْ) جبراً على الآبي (إنْ انْتَفَعَ كُلٌّ) منهم (بِحِصَّتِهِ) لأنّ في القسمة تكميلَ المنفعة فكانت حقاً لازماً فيما يقبلها بعد طلب أحدهم. (وَ) قسم (بِطَلَبِ ذِي الكَثِيرِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ الآخَرُ) أي ذو القليل (لِقِلَّةِ حِصَّتِهِ) كذا ذكر الخَصَّاف. ووجهه: أَنْ صاحب الكثير مُنْتَفِعٌ بنصيبه فاعْتُبر طلبه، وصاحب القليل غير مَنْتَفِعٍ بنصيبه فلم يُعْتَبَرُ طلبه.
وتوضيحه أن الأوّل يطلب من القاضي أن يخصّه بالانتفاع بملكه، ويمنع غيره من الانتفاع بملكه، وهذا طلب انصاف لا تعنت، فعلى القاضي أن يجيبه إلى ذلك. ولا يُعْتَبر تضرّر الآخَر، لأنه يريد أنْ ينتفع بملك شريكه، وله أنْ يمنع غيره من الانتفاع بملكه. وأما الثّاني فمتعنتٌ في طلب القسمة، والقاضي يجيب المتعنت بالرَّدّ. وتَعَذُّر الانتفاع بنصيبه لِقِلته لا لمعنى من جانب صاحب الكثير. ثمّ العكس والإطلاق روايتان، والأصح الأول كما في «المبسوط» وغيره.
(وَلَا يُقْسَمُ) المشترك فيه بين المشتركين (٢) (إلاّ بِطَلَبِهِمْ) كلِّهم (إنْ تَضَرَّرَ كُلٌّ) أي كل واحدٍ منهم (لِلّقِلَّة) أي لقلة حصته، لأنّ الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذه القسمة تفويتها. وإنما جازت بطلبهم لأنّ الحق لهم وهم أعرف لشأنهم.
وفي «شرح الكَنْزِ»: لكن القاضي لا يباشر ذلك وإن طلبوا منه، لأنّ القاضي لا يشتغل بما لا فائدة فيه، ولا سيما إذا كان فيه ضرر أو إضاعة مالٍ، لأنّ ذلك حرامٌ،
стр. 1139
وَلَا الجِنْسَانِ، وَالرَّقِيقُ، وَالجَوَاهِرُ، وَالحَمَّامُ إلّا بِرِضَاهُمْ. وَدُورٌ مَشْتَرَكَةٌ، أوْ دَارٌ وَضَيْعَةٌ، أو دَارٌ وَحَانُوتٌ، قُسِمَ كُلٌّ وَحْدَهَا،
وَصَحَّتْ بالتَّرَاضِي
===
ولا يمنعهم من ذلك لأن القاضي لا يمنع مَنْ أقدم على إتلاف ماله.
(وَلَا) يُقْسَمُ (الجِنْسَانِ) من العروض، (وَ) لا (الرَّقِيقُ)، (وَ) لا (الجَوَاهِرُ)، (وَ) لا (الحَمَّامُ) وفي معناه البئر والرَّحى (إلاّ بِرِضَاهُمْ) أمّا الجنسان فلأنّه لا اختلاط بينهما، فلا تقع القسمة فيهما تميزاً بل معاوضة، وسبيلها التّراضي دون جبر القاضي. وأمّا الرّقيق فقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشّافعيّ ﵏: يقسم لاتحاد الجنس وكون التفاوت في القيمة (١) ، وهو لا يمنع صِحة القسمة كما في الإبل والغنم، ولذا يقسم الرقيق في الغنيمة بين الغانمين كسائر الأموال.
ولأبي حنيفة: أَنّ التّفاوت في الرّقيق أظهر منه في الأجناس المختلفة، فإنها قد تتفاوت في المالية، والرقيق يتفاوت تفاوتاً فاحشاً. ثمَّ قسمة الجبر لا تجري في الأجناس المختلفة فكذا في الرقيق، وهذا لأنّ حق الغانمين في المالية دون العين، حتّى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها بينهم، فكان المعتبر إيصال مقدار من المالية إلى كلّ واحدٍ.
وأمّا شركة الملك فحقّ الشُّركاء في العين والمالية، وللإمام حقّ التمييز بالقسمة على طريق المعادلة وليس له ولاية المعاوضة. فإذا تعذّر اعتبار المعادلة هنا بطريق التمييز لا يثبت للقاضي ولاية الإجبار على القسمة. وأمّا الجواهر فلأنّ جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرّقيق. وأمّا الحمَّام ونحوها من البئر والرّحى والحائط بين دارين، فلأنّ القسمة لتكميل المنفعة، وإذا لم يبق كل نصيبٍ مُنَتفعاً به بعد القسمة انتفاعاً مقصوداً، لا يتحقق معنى القسمة، فلا يقسم القاضي. بخلاف التَّراضي لالتزامهم الضرر.
(وَدُورٌ) سواء كانت في مِصْر أو مصرين، وهو مبتدأ (مَشْتَرَكَةٌ) ـ بفتح الراء ـ صفته (أوْ دَارٌ وَضَيْعَةٌ، أو دَارٌ وَحَانُوتٌ) عطف، والخبرُ (قُسِمَ كُلٌّ) أي كل واحدة (وَحْدَهَا) ولم يجمع نصيب أحدهم في أحدها. أمّا الدّار والضيعة، والدّار والحانوت فبالاتفاق لاختلاف الجنس. وأمّا الدّور فما ذُكِر قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: تُقْسَمُ الدّور بعضها في بعضٍ إذا كانت في مصرٍ واحدٍ، وكانت القسمة خيراً لهم.
(وَصَحَّتْ) قسمة الدُّور المشتركة وما ذُكِرَ معها (بالتَّرَاضِي) على جمع نصيب أحد الشُّركاء في أحدها، لأنّ في القسمة معنى المبادلة فتصحّ بالتّراضي كسائر
стр. 1140
إلّا عِنْدَ صِغَرِ أَحَدِهِمْ. وَقُسِمَ نَقْليٌّ يَدَّعُونَ إِرْثَهُ بَيْنَهُمْ، وَعَقَارٌ يَدَّعُونَ شِرَاءَهُ أوْ مِلْكَهُ مُطْلقًا، فَإِنِ ادَّعَوا إرْثَهُ عَنْ زَيْدٍ لا، حَتَّى يُبَرْهِنُوا عَلَى مَوْتِهِ وعَدَدِ وَرَثَتِهِ، وَلَا إنْ بَرْهَنُوا أَنَّهُ مَعَهُمْ، حَتَّى يُبَرْهِنُوا أَنَّهُ لَهُمْ، وَلَا إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ مَعَ الَوارِثِ الطِفْلِ، أوْ الغَائِبِ
===
المعاوضات. (إلاّ عِنْدَ صِغَرِ أَحَدِهِمْ) فلا يصحّ إلاّ بأمر القاضي، لأنّ تصرّف الصغير لا ينفذ ولا ولاية لهم عليه.
(وَقُسِمَ نَقْليٌّ) أي منقولٌ (يَدَّعُونَ إِرْثَهُ بَيْنَهُمْ) لأنّ في القسمة نظراً لاحتياجه إلى الحفظ، ولأنه مضمونٌ على مَنْ وقع في يده. (وَ) قُسمَ (عَقَارٌ) في أيديهم (يَدَّعُونَ شِرَاءَهُ) في ظاهر الرواية، (أوْ مِلْكَهُ مُطْلقاً) بأن لم يذكروا كيفية انتقاله إليهم في الأصحّ، لأنّ القضاء بالقسمة فيه يقتصر عليهم ولا يتعدَّى إلى غيرهم إذا لم يُقرّوا أَنّ أصل الملك لغيرهم، (فَإنّ ادَّعَوا إرْثَهُ) أي العَقَار الذي في أيديهم (عَنْ زَيْدٍ) مثلاً بأن ذكروا مُوَرثهم (لا) أي لا يقسم العَقَار الذي ادّعَوا إرثه (حَتَّى يُبَرْهِنُوا) أي يقيموا البيّنة (عَلَى مَوْتِهِ وعَدَدِ وَرَثَتِهِ) وهذا عند أبي حنيفة ﵀.
وقالا: يقسم القاضي العَقار بينهم بأقرارهم ويكتب ذلك في صك القسمة، لأنّه في أيديهم، واليد دليل الملك وقد أخبروا بالإرث من أبيهم. والأصل في إخبار المسلمِ الصدقُ، ولا منازع لهم فيما أخبروا، فيثبت المُخْبَرُ به. فإذا سألوا القاضي أن يقسم بينهم ملكهم فعليه أن يجيبهم إلى ذلك، تمكيناً لكل واحدٍ منهم من الانتفاع بنصيبه، كما في المنقول الموروث، والعَقَار المشترى. والبيّنة إنّما تكون على المُنكِر، ولا مُنْكر هنا ولا منازع لهم، فلا يفيد البيّنة. ولكن يذكر القاضي في كتاب القسمة أَنّها وقعت منه باعترافهم ليتذكر بالنظر فيه أَنّ حُكْم القسمة مقتصرٌ عليهم غير متعدٍ إلى غيرهم، حتّى لا يكون ذلك قضاء على شريك آخَر لهم، ولا على مالكٍ لها.
ولأبي حنيفة ﵀ أَنْ المّيت يصير مقضيّاً عليه بقسمة القاضي، وقولهم ليس بحجة عليه فلا بدّ من إقامة البيّنة ليثبت بها القضاء على الميت، ويصير بعضهم مدعياً والبعض الآخر خصماً له عن الميّت.
(وَلَا) يُقْسم العَقَار (إنْ بَرْهَنُوا أَنَّهُ مَعَهُمْ) أي في أيديهم (حَتَّى يُبَرْهِنُوا أَنَّهُ لَهُمْ) أي ملكهم، لاحتمال أن يكون في أيديهم وهو ملك لغيرهم.
(وَلَا) يُقْسَم العَقَار بإقرار الحاضرين (إنْ كَانَ) جميعه أو (شَيْءٌ مِنْهُ مَعَ الَوارِثِ الطِفْلِ، أوْ) مع (الغَائِبِ) لأنّ في هذه القسمة قضاءً على الغائب، أو الصغير بإخراج شيءٍ ممّا في يده من غير خصمٍ حاضرٍ عنه. ولا فرق في هذا الفصل بين إقامة البيّنة وعدمها في الصحيح. ولو كان الحاضر كبيراً وصغيراً نَصَبَ القاضي عن الصغير وصياً وقسَم إذا أقيمت البيّنة، لأن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الصغير، ووصي الصغير
стр. 1141
وَلَا يُدْخِلُ الدَّراهِمَ في القِسْمَةِ إلّا بِرِضَاهُمْ.
وَإنْ وَقَعَ مَسِيلُ قِسْمٍ أوْ طَرِيقُهُ في قِسْمٍ آخَرَ، صُرِفَ عَنْهُ إنْ أمْكَنَ،
===
قائم مقامه، فكأنّ الصغير بالغٌ حاضرٌ.
وكيفية القسمة أن يصوّر القاسم ما يقسمه على القِرْطَاس ليمكنه حفظه، ويعدّله أي يسوّيه على السهام بأن ينظر إلى أقلّ السهام فيجزئه عليه، حتّى إن كان الأقل ثلثاً جعله أثلاثاً، وإن كان سُدُساً جعله أسداساً. ويُذْرِعُه ليعرف قَدْره، ويقوّم البناء، إذ ربّما يحتاج إليه، ويقرر كل نصيب بطريقه وشِرْبه، حتّى لا يكون لنصيب أحدهم تعلُّقٌ بنصيب الآخر. ويلقّب الأنصباء بالأوّل، والذي يليه بالثَّاني، والذي يليه بالثَّالث وعلى هذا. ثمّ يكتب أسامي الشّركاء في بطاقات ويطوي كلّ بطاقةٍ ويجعلها في قطعةٍ من طين، ثمّ يدلكها بين كفيه حتى تصير مستديرةً كالبندقة، ثم يُقرع، فمَن خرج اسمه أولاً فله السهم الأوّل، ومن خرج اسمه ثانياً فله السهم الثّاني.
(وَلَا يُدْخِلُ) القاسم (الدَّراهِمَ) التي ليست من الشركة (في القِسْمَةِ) لأنّ القسمة من حقوق الشركة ولا شركة في الدّراهم، لأنّ الجنسين المشتركين لا يقسمان فكيف بغير المشتركين (إلاّ بِرِضَاهُمْ) لِمَا في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز دخول الدّراهم فيها بالتّراضي دون جبر القاضي.
وصورته: دارٌ بين جماعةٍ أرادوا قسمتها وفي أَحد الجانبين فضل بناء وأراد بعض الشُّركاء أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أنْ يكون عوضه من الأرض فإنه يجعل عوضه منها. ولا يكلَّف الذي يقع البناء في نصيبه أن يردّ بأدائه دراهم إلاّ إذا تعذر فحينئذٍ له ذلك، لطلبهم القسمة منهم وعدم إمكانها بدون الدّراهم. واختار محمد قسمة السُّفْلِ والعُلْوِ المجردين بالقيمة، وبه يُفْتَى، يعني يقوّم كل واحدٍ على حدة ويقسم بالقيمة، لأنهما صارا كالجنسين فلا يمكن التعديل إلاّ بالقيمة.
وفي رواية عن أبي حنيفة ﵀: أنه يجعل السُّفْل ضعف العُلْو لما شاهد من عادة أهل الكوفة في تفضيل السُّفْل على العُلْو. وسوّى أبو يوسف ﵀ بينهما، فجعل ذراعاً من السُّفل بذراعٍ من العُلْو، لَمَّا رأى في بغداد من التسوية بينهما في منفعة السُّكْنى. قلنا: بعض البلدان يكون قيمة العُلْو فيها أكثر من قيمةِ السُّفْل كما بمكة وبمصر، وفي بعضها يكون بالعكس كما في الكوفة. وفي كل موضع يكثر فيه الندى يختار العُلْو على السُّفْل، وفي كل موضع يشتدّ البرد ويكثر الريح يختار السُّفل على العلو، وربّما يختلف باختلاف الأوقات فلا يمكن اعتبار المعادلة إلاّ بالقيمة.
(وَإنْ وَقَعَ) في القسمة (مَسِيلُ قِسْمٍ) بكسر فسكون، أي نصيب (أوْ طَرِيقُهُ في قِسْمٍ آخَرَ) لم يشترط في القسمة (صُرِفَ عَنْهُ إنْ أمْكَنَ) صرفه لإمكان تحقّق
стр. 1142
وَإلّا فُسِخَتْ.
وإنْ أقَرَّ بالاسْتِيفَاءِ ثُمَّ ادَّعَى أنّ بعضَ حِصَّتِهِ وَقَعَ في يَدِ صَاحِبِهِ غَلطًا، صُدِّقَ بِالحُجَّةِ. وَشَهَادَةُ القَاسِمَيْنِ حُجَّةٌ.
وَفُسِخَتْ إن اسْتُحِقَّ بَعْضُ مُشَاعٍ في الكُلِّ، لَا بَعْضٌ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، بَلْ يَرْجِعُ.
[أَحكام المُهَايأَة]
وَصَحَّتِ المُهَايَأةُ
===
معنى القسمة، وهو قطع الشركة وتكميل المنفعة من غير المضرة (وَإلاّ) أي وأن لم يمكن صرفه عنه (فُسِخَتْ) القسمة، واستؤنفت على وجهٍ يمكن لكل واحدٍ أن يجعل لنفسه مَسِيلاً وطريقاً، لأنها وقعت مختلّة لبقاء الاختلاط وعدم حصول المقصود بها.
(وإنْ أقَرَّ) أحدهم (بالاسْتِيَفاءِ) أي بأن استوفى حِصَّته (ثُمَّ ادَّعَى أنّ بعضَ حِصَّتِهِ وَقَعَ في يَدِ صَاحِبِهِ غَلطاً صُدِّقَ) في دعواه لكن (بِالحُجَّةِ) لأن القسمة بعد تمامها عقدٌ لازمٌ، فمدَّعِي الغلط فيها يدّعى لنفسه حقَّ فسخها بعد ما ظهر سبب لزومها، فلا يقبل قوله إلا بالبيّنة. فإن لم يكن له بيّنة يستحلف الشركاء لأنهم لو أقرّوا بذلك لزمهم، فإذا أنكروا حلفوا عليه رجاء النكول منهم. فمن حلف منهم لم يكن عليه سبيل، ومن نكل جُمِعَ بين نصيبه ونصيب المدّعي وقُسِم ذلك بينهما على قدر نصيبهما، لأنّ الناكل كالمقر، وإقرار المقرّ حجةٌ عليه دون غيره.
(وَشَهَادَةُ القَاسِمَيْنِ) الذين توليا القسمة على أحد المقسوم عليهم أَنّه استوفى نصيبه (حُجَّةٌ) أي مقبولةٌ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا تقبل، وهو قول مالك والشّافعي وأبي يوسف أولاً. وسواء في ذلك قاسِما القاضي وغيرهما.
(وَفُسِخَتْ) القسمة (إن اسْتُحِقَّ بَعْضُ مُشَاعٍ في الكُلِّ) أي كلّ الأنصباء، لأنها لو بقيت لتضرر المستحقّ بتفرّق ملكه في الأنصباء (لَا بَعْضٌ) أي لا تفسخ القسمة إِنْ استحقّ بعض شائع (مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا بَلْ يَرْجِعُ) بقسمته في نصيب شريكه، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة. وذكر أبو سليمان قول محمد مع أبي يوسف، وذكره أبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصحّ. وأمّا استحقاق بعض معين فلا خلاف في عدم الفسخ.
(أَحكام المهايأَة)
(وَصَحَّتِ المُهَايَأةُ) أي قسمة المنافع، وهي مفاعلة بإبدال المهمزة ألفاً من
стр. 1143
في سُكْنى هَذَا بَعْضًا مِنْ دَارٍ، وَهَذَا بَعْضًا، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ: هَذَا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمًا، كَسُكْنَى بيتٍ صَغِيرٍ، وَعَبْدَيْنِ: هَذَا هَذَا العَبُد، والآخَرُ الآخَر.
===
التهيئة أو التهيؤ. كأن أحدهما يهيءّ الدّار مثلاً لانتفاع صاحبه. أو يتهيأ للانتفاع بها إذا فَرَغ صاحبه. وهي جائزةٌ لما رُوِيَ أنه ﵊ قَسَم في غزوة بدر كل بعير بين ثلاثة نفرٍ، وكانوا يتناوبون في الرُّكوب.
والتهايؤ على وجوهٍ: تهايؤٌ (في سُكْنى هَذَا بَعْضاً مِنْ دَارٍ، وَهَذَا بَعْضاً) منها. وهو جائزٌ بالاتفاق، لأنّ القسمة على هذا الوجه جائزةٌ فكذا التهايؤ عليه. (وَ) تهايؤٌ في (خِدْمَةِ عَبْدٍ هَذَا يَوْماً، وَهَذَا يَوْماً، كَسُكْنَى بِيتٍ صَغِيرٍ) هذا يوماً، وهذا يوماً.
وهو جائزٌ بالاتفاق أَيضاً، لأنّ التهايؤ قد يكون من حيث الزّمانُ، وقد يكون من حيث المكانُ والأول متعيّن هنا.
(وَ) تهايؤٌ في (عَبْدَيْنِ هَذَا) أي هذا السيد له (هَذَا العَبْد، والآخَرُ) أي والسيد الآخر له العبد (الآخَر) وهو جائزٌ عند أبي يوسف ومحمد، لأنّ القسمة على هذا الوجه (جائزة) (١) جبراً من القاضي وبالتّراضي، فكذا المهايأة. وقيل: لا تصحّ عند أبي حنيفة وهو مروي عنه، لأنّ الرقيق لا يجري فيه جبر القاضي على القسمة عنده. والأصحّ أَنها تصحّ عنده من القاضي، لأنّ منافع الرّقيق من حيث الخدمَة، فلا تتفاوت، بخلاف أعيان الرقيق فإنها تتفاوت تفاوتاً فاحشاً. ولو طلب أحدُهما القسمة، والآخَرُ المهايأة يقسم.
واعلم أنّ التهايؤ قد يكون في الدّار الواحدة والدّارين، وفي العبد الواحد والعبدين، وفي الدّابة الواحدة وفي الدَّابتين، من حيث المنفعةُ، أو من حيثُ الاستغلال. فإنْ كان في غلّة دارٍ أو دارين، أو خدمة عبد أو عبدين، أو سُكْنى دار أو دارين يصحّ اتفاقاً. وإن كان في غلّة عبدٍ أو غلّة بغلٍ لا يصحّ اتقافاً. وإن كان في غلّة عبدين، أو غلّة بغلين، أو ركوب بغلٍ أو بغلين، لا يصحّ عند أبي حنيفة خلافاً لهما. قال أبو المكارم: فهذه اثنتا عشرة مسألة في ست منها تصحّ المهايأة اتفاقاً، وفي اثنتين لا تصحّ اتفاقاً، وفي الأربعة خلافٌ. انتهى.
وكذا لا تصحّ المهايأة في ثمر شجر، أو لبن غنم على أن يأخذ كلّ واحدٍ منهم طائفة يستثمرها، أو طائفة يرعاها وينتفع بألبانها، لأنها تختصّ بالمنافع دون الأعيان. فالضرورة تتحقّق في المنافع، لأنّه لا يمكن قسمتها بعد وجودها لسرعة فنائها
стр. 1144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وانقضائها. وهذه أعيانٌ باقيةٌ يمكن قسمتها فلم تتحقق الضرورة.
والحيلة أنْ يبيع حِصّته من الآخر ثم يشتري كلّها بعد مضيّ نوبته، أو ينتفع باللبن بوزنٍ معلومٍ استقراضاً لنصيب صاحبه. نعم هو قرض المشاع، لكنّه جائزٌ، والله أعلم.
стр. 1145
كِتَابُ الهِبَة
هِيَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ. وَتَصِحُّ بـ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَنَحْوِهِمَا.
بِـ وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ في مَجْلِسِهَا، وَلَوْ بِلَا إذْنٍ. وَبَعْدَهُ بِإذْنٍ
===
كتابُ الهِبَةِ
(هِيَ) لغةً: مصدرٌ محذوف الأول معوَّض عنه هاء التأنيث، وأصله وَهَب، كالعِدَةِ والوَعْد. ومعناها: إيصال ما ينفع، مالاً كان أو غيره. قال الله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا من لَدُنْكَ رحمةً﴾ (١) ، ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلياً﴾ (٢) .
وشرعاً: (تَمْلِيكُ عَيْنٍ) فخرج الإعارة والإجارة لأنها تمليك منفعة (بِلَا عِوَضٍ) فخرج البيع لأنّه تمليك عين بعوضٍ.
ودليل مشروعيتها قوله تعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكَمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (٣) أباح الأكل بالوصف الحميد. وما روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لو دعيت إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت، ولو أُهْدِيَ إليّ ذراعٌ أو كُرَاعٌ لقبلت». وذراع اليد معروفٌ، والكُراع بالضم: مستدق السّاق من البقر والغنم. وما روى مالك في «الموطأ» مرسلاً عن عطاء بن عبد الله الخُرَاسَانِيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغِلُّ، وتهادوا تحابُّوا وتذهب الشحناء». والغِلُّ بالكسر: الغِش والحسد والحقد. والشحناء: العداوة.
(وَتَصِحُّ) الهبة (بـ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَنَحْوِهِمَا) مِنْ: أعطيتك، وأطعمتك هذا الطعام، وأعْمَرْتُك هذا الشيء، وجعلته لك عُمْرَى (٤) . وذلك لأنّ النُّحْل والعطية يستعملان في التّمليك بغير عِوَضٍ. قال رسول الله ﷺ : «أكلَّ ولدك نَحَلْته مثل هذا»؟ قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : «فارجعه». رواه الستة عن النُّعْمَان بن بشير. وروى الجماعة إلاّ البخاري: «مَنْ أَعْمَرَ رجلاً عُمرَى فهي له ولعَقِبِهِ». فقد قطع قوله حقّه فيها: «وهي لمَنْ أَعْمَرَ ولعَقِبِهِ».
(وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ في مَجْلِسِهَا وَلَوْ بِلَا إذْنٍ) استحساناً، (وَ) بالقبض (بَعْدَهُ) أي بعد مجلسها (بِإذْنٍ). وقال مالك: يثبت الملك قبل القبض بمجرد الإيجاب والقبول،
стр. 1146
ولا تَصِحُّ في مُشَاعٍ يُقْسَمُ.
===
وبه قال أبو ثور والشَّافعي في القديم، وعلى هذا الخلاف الصدقة.
ولنا، وهو قول الشّافعي في الجديد وأكثر الفقهاء: ما روى مالك في «الموطأ» في كتاب القضاء عن ابن شِهَاب، عن عُرْوَة، عن عائشة أنها قالت: إنّ أبا بكر كان نَحَلَها جُذَاذ عشرين وَسْقاً بالعالية، فلمّا حضرته الوفاة قال: ما من النّاس أحد أحبّ إليّ غِنَى بعدي منكِ، ولا أعزّ عليّ فقراً منكِ، وإني كنت نَحَلْتُك جُذَاذ عشرين وَسْقاً (١) فلو كنت حُزْتِيهِ كان لكِ فإنّما هو اليوم مال وارثٍ، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. وفي رواية: يا بُنَيّة إني كنت نحلتك نحلاً من خيبر، وإنّي أخاف أن أكون آثرتك على ولديّ فإن لم تكوني حُزْتِيهِ فرديه على ولديّ. فقالت: لو كانت لي خيبر بُجِذَاذِها لرددتُها.
والِجُذَاذ بضم الجيم وبكسرها وبمعجمتين: ما قطع من الشيء. وما روى عبد الرّزّاق في «مصنفه» عن عمر بن الخطّاب أَنه قال: لا نُحْل إلاَّ لمن حازه فَقَبَضَه. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أيما رجلٍ نحل من قد بلغ الحوز فلم يدفعه إليه فتلك النّجْلة باطلةٌ. وأَما ما في «الهداية»: لقوله ﵊: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» فغير معروف.
(ولَا تَصِحُّ) الهبة (في مُشَاعٍ يُقْسم) أي يحتمل القسمة، سواء وهبه من شريكه أو من غيره. قيّد به لأنّ المُشاع الذي لا يحتمل القِسمة، تصحّ هبته. ثم كلّ شيءٍ يضرّه التبعيض ويوجب نقصاناً في ماليته لا يحتمل القسمة كعبدٍ واحدٍ، ودابةٍ واحدةٍ، والبيت الصغير، والحمّام الصغير، وما ليس كذلك يحتملها.
وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: تصحّ هبة المشاع سواء احتمل القسمة أو لا، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاّ أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢) ، فإِنّه يقتضي بعمومه أنّ الصَّدَاق إذا كان عيناً يتنصّف بالطَّلاق قبل الدخول، ويُنْدَبُ كل واحدٍ من الزَّوجين إلى ترك الكلّ للآخَر، وذلك هبة المُشاع. ولِمَا في «صحيح البخاري» من أنّ وفد هوازن لمّا جاءوا يطلبون من النّبيّ ﷺ أن يردّ عليهم ما غَنِمَه منهم، قال رسول الله ﷺ : «ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم». وهذه هبة مشاعٍ.
وأُجِيبَ عن الآية: بأنّ العفو حقيقة في الدَّيْنِ دون العين، وإسقاط الدّين جائزٌ، مشاعاً كان أو غير مشاعٍ، لأنه غير محتاج إلى القبض. وفي العين كلّ واحدٍ منهما مندوبٌ إلى العفو عندنا، ولكن بأن يهَب نصيبه لصاحبه بعد القِسمة، وليس في الآية
стр. 1147
فإنْ قَسَمَ وَسَلَّمَ صَحَّ. وَكَذَا هِبَةُ لَبَنٍ في ضَرْعٍ، وَنَحْوِهِ، وَلَا دَقِيقٍ في بُرّ وَإنْ طُحِنَ وَسُلِّمَ.
===
ما يمنع ذلك. وعن حديث وفد هَوَازِن: بأن ذلك كان بعد القسمة. واعتمادنا في المسألة على إجماع الخلفاء الراشدين، فقد رُوِّيَنا عن أبي بكر ما مرّ آنفاً. وعن عمر أنه قال: ما بال أحدكم يتصدّق على ولده بصدقةٍ لا يَحُوزْها ولا يقسمها، يقول: إن أنا مِتُّ كان له، وإن مات هو رجعت إليّ. وايم الله لا يتصدّق منكم رجلٌ على ولده بصدقةٍ لم يَحُزْها ولم يقسمها ثم مات إلاّ صارت إرثاً لورثته. وهكذا نُقِلَ عن عثمان، وعن علي: مَنْ وهب ثلث كذا، أو ربع كذا، لا يجوز حتّى تقاسم.
(فإنْ قَسَمَ) الكلَّ قبل التّسليم (وَسَلَّمَ) أي الجزء الموهوب (صَحَّ) عقد الهبة، لأنّ تمام الهبة بالقبض وعنده لا شيوع، والمؤثّر هو الشيوع عند القبض لا عند العقد، حتّى لو وهب الكلّ وسلّم النصف لا يجوز. ولو وهب النصف (ثم النصف) (١) الآخر وسلم الكلّ جاز.
(وَكَذَا) أي وكهبة المشاع في عدم الصّحة (هِبَةُ لَبَنٍ في ضَرْعٍ، وَ) هبة (نَحْوِهِ) من صوف على ظهر غنمٍ، وزرعٍ أو نخلٍ في أرضٍ، وتمرٍ في نخلٍ، فإنّها لا تصحّ لأنّها متصلةٌ بملك الواهب اتصال خِلْقَةٍ فكانت بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، فلا تتمّ الهبة فيها بدون الإفراز والحِيَازة، فإن فصلت عن ملك الواهب وقبضها الموهوب له تصحّ، لأنّ امتناع الجواز لاتصال الموهوب بملك الواهب مع إمكان فصله منه، وقد زال ذلك الاتصال.
(وَلَا) تصحّ هبة (دَقِيقٍ في بُرّ وَإنْ طُحِنَ) البر (وَسُلِّمَ) الدّقيق، ولا دهن في سِمْسِم، ولا سمن في لبنٍ وإن اسْتُخْرِجَ وسُلِّم، لأنّ الموهوب معدومٌ وهو ليس بمحلٍ للملك، بخلاف المشاع الذي يحتمل القسمة، لأنّه محلٌ للتمليك، وبخلاف اللبن في الضَّرع ونحوه، لأنه بمنزلة المشاع، وامتناع الجواز فيه ليس لكونه معدوماً بل لاتصاله بملك الواهب.
وخلاصة الفرق بين المسألتين: أَنَّ اللبن ونحوه موجودٌ بصورته عند العقد بخلاف الدّقيق، فإنه إنّما يوجد بالطحن وكذا السمن والخلّ (٢) .
ولا تصحّ هبة الدين لغير المديون لعدم تصوّر القبض إلاّ إذا أمره بقبضه له وكالةً، ثم بقبضه لنفسه، فحينئذٍ تصحّ لوجود القبض. وتتوقف هبة الدين للمديون على
стр. 1148
وَهِبَةُ مَا مَعَ المَوْهُوبِ لَهُ تَامَّةٌ، كَهِبَةِ الأبِ لِطِفْلِهِ وَقَبْضُهُ عَاقِلًا، وَقَبْضُ مَنْ يُرَبِّيهِ وَهُوَ مَعَهُ، وَالزَّوْجِ بَعْدَ الزِّفَافِ مُعْتَبَرٌ في هِبَةِ الأجْنَبِيِّ لَهَا.
===
قَبوله، فإن قَبِله امتنع الرُّجوع فيه، لأنّه سقط عنه. وإِن قال: لا أقبلها (١) ، فالدَّينُ عليه بحاله. وأمّا الإبراء فيتمّ من غير قبوله، ولكن للمديون أن يردّ قبل موته. وعن زفر: إنه سّوى بينهما، وقال: تتمّ الهبة والإبراء قبل القبول. ولو قال: إن أديت نصفه فلك نصفه، أو أنت بريءٌ من النصف الباقي، كان الإبراء باطلاً.
(وَهِبَةُ مَا) مبتدأ مضاف إلى «ما»، أي: شيءٍ أو الشيء الذي (مَعَ المَوْهُوبِ لَهُ) صفة «ما» أو صِلتها (تَامَّةٌ) خبر المبتدأ، يعني: أَنْ هبة الوديعة للمودَع، والعَارِيَّة للمستعير، والمغصوب للغاصب غير محتاجة إلى قبضٍ جديدٍ، لأن الموهوب حينئذٍ في يد الموهوب له حقيقةً، فلا يحتاج إلى قبضٍ آخر (كَهِبَةِ الأبِ) أي كما أَنَّ هبة الأب (لِطِفْلِهِ) تامّة بالعقد، ولا تحتاج إلى قبضٍ جديدٍ.
ولا فرق بين ما في يده أو يد مودَعه، لأنّ يد المودَع كيد المودِع بخلاف ما إذا كان مرهوناً أو مغصوباً. وكذا هبة الأمّ لطفلها إذا كان في عيالها والأب ميتٌ (ولا وصي له) (٢) ، لأنّ قبض الأمّ بمنزلة قبض الأب لو كان حياً، وكذا كلّ مَنْ يعوله كالعمّ والأخ، لأنّ هذا مَحْضُ نفعٍ للطفل، ولأنه لما كان له تأديبه وتسليمه في حرفة، كان له التصرّف النافع فينفرد بتمليكه، ويملكه بمجرّد الهبة إذا كان في يده كما في الأب.
(وَقَبْضُهُ) مبتدأٌ، أي قبض الطفل ما وُهِبَ له (عَاقِلاً) أي مميزاً، حال (وَقَبْضُ مَنْ يُرَبِّيهِ) قريباً كان أو أجنبيّاً (وَهُوَ مَعَهُ) أي والحال أَنّ الطفل في حِجْر من يربّيه، (وَ) قبض (الزَّوْجِ) ما وُهِبَ لزوجته الصغيرة (بَعْدَ الزِّفَافِ) بكسر الزاي، وهو الذّهاب بها إلى بيت الزّوج (مُعْتَبَرٌ) هذا خبر المبتدأ الذي هو قبضه وما عطف عليه. وقد وَهِم من قال: إن قبضه مجرورٌ عطفاً على هبة الأب.
(في هِبَةِ الأجْنَبِيِّ) متعلَّق بمعتبر (لَهَا) أي للمرأة. وفي نسخةٍ: له، أي للطفل، وهو أظهر. وفي بعض النسخ لم يقع فيها معتبر، فيكون قبضه حينئذٍ مجروراً بالعطف على هبة الأب، وفي هبة الأجنبي في محل النصب على الحال من قبض. وقال الشّافعيّ: لا يصحّ قبض الصغير لنفسه وإن كان عاقلاً وهو القياس، لأنه لا يعتبر بعقله قبل البلوغ، لأنّ الولاية عليه لا تزول عنه قبله.
ولنا، وهو وجه الاستحسان: أَنَّ عدم اعتبار عقله قبل البلوغ للنظر له، ودفع الضرر عنه، وذلك فيما كان متردّداً بين النفع والضَّرر. وأمّا النّفع المحض فيعتبر عقله
стр. 1149
وَصَحَّ هِبَةُ اثْنَيِنْ دَارًا لِوَاحِدٍ وعَكْسُهُ، لا كَتَصَدُّقِ عَشَرَةٍ عَلَى غَنِيَّيْنِ. وَصَحَّ عَلَى فَقِيرَيْنِ.
[الرُّجُوعُ عَنِ الهِبَةِ]
ويَصِحُّ الرُّجُوعُ عِنْهَا بِتَرَاضٍ أوْ حُكْمِ قَاضٍ.
===
فيه ويلحق بالبالغ كما في كسبه للمباحات. وأمّا قبض من يُرَبّي الطفل إذا وهب له أجنبيّ، فلأنّ له عليه ولايةً معتبرةً. ألا ترى أنه لا يتمكن أجنبيّ آخر من نزعه منه، فيملك ما يتمحّض نفعاً في حقّه.
وأمّا قبض الزّوج بعد الزِّفاف ما وهب أجنبيٌّ لزوجته الصغيرة، فلأنّه حينئذٍ له عليها ولاية لكونه يعولها، ولأنّها لمّا زُفَّت إليه أقام الأب الزّوج مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها، وقَبْضُ الهبة من باب الحفظ. ولكن لا تنعدم ولاية الأب بهذا، حتّى لو قبض لها صحَّ أيضاً لقيام ولايته.
(وَصَحَّ هِبَةُ اثْنَيْنِ دَاراً لِوَاحِدٍ) أي لشخصٍ واحدٍ، فاللاّم متعلّقة بهبة. وإنّما تصحّ لأنّهما سلّماها جملةً، (وهو قبضها جملةً) (١) ، ولا شيوع في ذلك. (وعَكْسُهُ) وهو هبة واحدٍ داراً لاثنين (لا) أي لا تصحّ، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: تصحّ (كَتَصَدُّقِ عَشَرَةٍ) أي كما لا يصحّ لواحدٍ أن يتصدّق بعشرةٍ (عَلَى غَنِيَّيْنِ، وَصَحَّ) له التصدّق بها (عَلَى فَقِيريْنِ) وهبتها لهما، وهذا عند أبي حنيفة في رواية «الجامع الصغير». وعندهما: تصح على غَنِيَّيْنِ أيضاً. ويأمر أبو يوسف بقسمة ما وهبه لابنه وبنته أنصافاً لا أثلاثاً كما أمر به محمد، لأنّ تخصيص أحدهما بهبة شيءٍ مكروهٌ، والعدلُ التّسوية.
وقد قال رسول الله ﷺ لِمَنْ وهب لأحد ولديه دون الآخر: «لا تُشْهِدْنِي على جَورٍ». والعدل عند أبي يوسف أنْ يجعل لكل واحدٍ مثل الآخر، وعند محمد أن يجعل الثلثين للابن والثلث للبنت، لأنّ الشّرع جعل ميراثهما كذلك فكان هو العدل. وله: إن العدل هو التّسوية لغةً، والإنصاف من النصف فيُصار إليه. ولو قال: جميع مالي أو ما أملكه لفلانٍ، كان هذا هبة له.
(الرُّجُوعُ عَنِ الهِبَةِ)
(ويَصِحُّ) لِمَنْ وهب هبة لأجنبيّ (الرُّجُوعُ عِنْهَا بِتَرَاضٍ أوْ حُكْمِ قَاضٍ) لكن بكراهةٍ. وقال مالك والشّافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرّجوع في الهبة إلاّ
стр. 1150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
للوالد فيما وهب لولده. لهم: ما روى أصحاب السنن الأربعة ـ وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ ـ عن ابن عبّاس وابن عمر أن النّبيّ ﷺ قال: «لا يحلّ لرجلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً (أو يهب هبةً) (١) فيرجع فيها، إلاّ الوالد فيما يُعطِي لولده. ومَثَلُ الذي يُعْطِي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شَبِع قاء ثمّ عاد في قيئه». وما رواه الجماعة إلاّ الترمذي من حديث أبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر أنّ النّبيّ ﷺ قال: «العائد في هبته كالعائد في قَيئه». وعنه أيضاً: «العائدُ في هبته كالكلب يعود في قيئه». ولأنّها عقد تمليك فيلزم كالبيع. وإنما ثبت حقّ الرّجوع للوالد، لأنّ إخراجه عن ملكه لم يتمّ، لأن الولد من كسب الوالد.
ولنا: ما روى ابن ماجه من حديث أبي هُرَيْرَة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثَب منها»، أي لم يعوض عنها. وأخرجه الدّارَقُطْنِيّ في «سننه»، وابن أبي شَيْبَةَ في «مصنفه»، ورواه الحاكم في «مستدركه» من حديث ابن عمرَ قال: صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطَّبَرَانِيّ في «معجمه» من حديث ابن عبّاس، ولفظه: أَنّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ وهب هبةً فهو أحقُ بهبته ما لم يُثَب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه». وما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان، عن منصور، عن إبراهيم قال: قال عمر: من وهب هبةً لذي رحمٍ، فليس له أنْ يرجع فيها. ومن وهب لغير ذي رحمٍ، فله أن يرجع فيها إلاّ أنْ يُثَاب منها.
وأُجيب عمّا رَوَوْهُ بأنّ المراد نفي الاستبداد بالرّجوع، أي لا ينفرد أحدٌ بالرُّجوع في هبته من غير قاضٍ، ولا تراضٍ إلاّ الوالد إذ احتاج إلى ذلك، فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته. ويسمّى ذلك رجوعاً باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعاً في الحكم. أو المراد: لا يحلّ له الرُّجوع ديانةً ومروءةً لا أنّه لا يحلّ له قضاءً وحكومةً، كقوله ﵊: «لا يحلّ لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان، وجاره إلى جنبه طاوياً» (٢) ، أي لا يليق ذلك ديانةً ومروءةً وإنْ كان جائزاً قضاءً وحكومةً.
стр. 1151
وَيَمْنَعُهُ زَيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَمَوْتُ أحَدِهِمَا، وَعِوَضٌ أُضِيفَ إلَيْهَا وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيّ،
===
ولأنّ التشبيه بالكلب لاستقباح الرُّجوع واستقذاره لا لحرمته. ويؤيّد ذلك ما روى البخاري: أنّ عمر (١) لمّا سأل رسول الله ﷺ عن شراء فرسٍ حَمَلَ عليه (٢) في سبيل الله، قال ﵊: «لا تبتعه ولا تَعُدْ في صدقتك، فإنّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة»، فكما لم يكن التشبيه بالكلب موجباً لحرمة ابتياع ما تصدّق به، لم يكن التشبيه بالكلب موجباً لحرمة الرُّجوع في الهبة. وشرطنا في صحة الرُّجوع تراضيهما أو حكم القاضي، لأنّه لو استردّها بغير ذلك كان غاصباً، حتّى لو هلكت في يده يضمن قيمتَها للموهوب له.
(وَيَمْنَعُهُ) أي الرُّجوع في الهبة سبعةُ أشياءَ أحدها: (زَيَادَةٌ) في نفس الموهوب (مُتَّصِلَةٌ) كالغرس والبناء في الأرض الموهوبة، والسّمن المورث زيادة في قيمة الموهوب، إذ لا وجه للرَّجوع بدون الزِّيادة لعدم الانفصال ولا معها، لأنّ الرّجوع إنّما يصحّ للموهوب، والزّيادة ليست بموهوبةٍ. قيّد بالزيادة، لأنّ النقصان لا يمنع. وقيّدها بالمتصلة، لأنّ المنفصلة لا تمنع، كما لو كانت الهبة أمةً فولدت عند الموهوب له من زوجٍ أو فُجُور، لأنّ الرّجوع في الأصل دون الزِّيادة ممكنٌ. وقيّدنا بكونها في نفس الموهوب، لأنّها لو كانت في قيمته كقراءةٍ أو كتابةٍ ونحوهما لا تمنع، لأنها حينئذٍ لرغبة النّاس فيه، إِذْ العين بحالها.
(وَ) ثانيها: (مَوْتُ أحَدِهِمَا) أي الواهب والموهوب له. أمّا موت الموهوب له، فلأنّ الملك قد انتقل إلى وارثه، فكأنّه انتقل في حال حياته. وأمّا موت الواهب فلأنّ وارثه لم يهَب، والرُّجوع إنما هو للواهب.
(وَ) ثالثها: (عِوَضٌ أُضِيفَ إلَيْهَا) أي إلى الهبة. ولا بدَّ أن يذكر لفظاً يعلم الواهب منه أَنّ ذلك عوض هبته، كأنْ يقول: هذا عوض هبتك، أو جزاؤها، أو بدلها، أو في مقابلتها. (وَلَوْ) كَانَ العوض (مِنْ أَجْنَبِيّ) لأنّه لإسقاط حقّ الرُّجوع في الشّرع فيصحّ من الأجنبيّ، كبَدَل الخُلْع. وأمّا لو لم يضف العوض إلى الهبة: بأن وهب للواهِب شيئاً (ولم يقل هذا عوض هبتك أو نحوه) (٣) كان ذلك هبةً مبتدأة لا تعويضاً،
стр. 1152
وَخُرُوجُهَا مِنْ مِلْكِ المَوْهُوبِ لَهُ، وَالزَّوْجِيَّةُ وَقْتَ الهِبَةِ، وَالقَرَابَةُ المَحْرَمِيَّةُ، وَهَلَاكُ المَوْهُوبِ.
وَضَابِطُهَا حُرُوفُ: دَمْعٍ خَزِقَه.
===
فكان لكل واحدٍ منهما الرُّجوع.
وفي «المَبْسُوطِ»: وهذا سواء كان العوض قليلاً، أو كثيراً، من جنس الهبة، أو من غير جنسها. ويشترط في العوض شرائط الهبة من القبض، والإفراز، وأن يكون من غير مال الهبة، خلافاً لزفر إذ ملك الموهوب له تمّ في الهبة بالقبض فالتحق بسائر أمواله. ولنا: أَنّ الواهب ما قصد بهبته تحصيل ذلك البعض منها، لأنّه كان سالماً له، بل قصد إلى عوضٍ آخر. وإنّ حقّه من الرّجوع كان ثابتاً في الكلّ، فإذا وصل إليه بعضه لا يسقط حقّه في الباقي.
(وَ) رابعها: (خُرُوجُهَا) أي الهبة (مِنْ مِلْكِ المَوْهُوبِ لَهُ) ببيعٍ أو هبةٍ أو وَقْفٍ، لأنّ تبدّل الملك كتبدّل العين، وقد تبدّل الملك بتجدّد السبب.
(وَ) خامسها: (الزَّوْجِيَّةُ وَقْتَ الهِبَةِ) لأنّ هبة أحد الزَّوجين للآخر تحقّق ما بينهما من الأُلفْة والمودة، فكان المقصود منها الصلة وقد (حصل) (١) .
قيّد بوقت الهِبَة، لأنّه لو تزوّجها بعدما وهب لها كان له الرّجوع، ولو تزوّجها بعدما وهبت له، كان لها الرّجوع. ولو وهب لزوجته أو وهبت له ثم أبانها، فليس له ولا لها الرُّجوع.
(وَ) سادسها: (القَرَابَةُ المَحْرَمِيَّةُ) لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في «سُننهما»، والحاكم في «مستدركه» ـ. وقال: صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه ـ عن عبد الله بن جعفر، (عن عبد الله) (١) بن المبارك، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن قَتَادة عن الحَسَن، عن سَمُرَة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا كانت الهبة لذي رَحِمٍ مَحْرِم لم يرجع فيها». وقال الإمام: رواة هذا الحديث كلهم ثقات. ولأنّ المقصود منها مع القريب المحرم صلة الرَّحم وقد حصل، وفي الرّجوع قطعها فلا يرجع.
(وَ) سابعها: (هَلَاكُ المَوْهُوبِ) لأن الرّجوع في شيءٍ يستدعي قيام المرجوع فيه، وهلاكُه ينافيه. ولو ادّعى الموهوب له هلاكه صدّق بلا حَلِفٍ، لأنّه منكرٌ لوجوب الرّدّ عليه، فأشبه المودَع.
(وَضَابِطُهَا):
أي ضابط الأمور السبعة التي تمنع الرُّجوع (حُرُوفُ: دَمْعٍ خَزِقَه)
стр. 1153
وهو فَسْخٌ مِنَ الأَصْلِ لَا هِبَةً لِلْوَاهِبِ. وَهِيَ بِشَرْطِ العِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً، فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهَا، وتَبْطُلُ بالشُّيُوعِ. وَبَيْعٌ انْتِهَاءً، فَتُرَدُّ بِالعَيْبِ والرُّؤْيَةِ، وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ وَإِنْ اسْتَثْنَى الحَمْلَ ثُمَّ وَهَبَهَا صَحَّتْ. وإنْ دَبَّرَهُ ثُمَّ وَهَبَهَا لَا.
[أحكام العُمْرى]
وَصَحَّت العُمْرَى، وَهِيَ: جَعْلُ دَارِهُ لَهُ مُدَّةَ عُمُرِهِ بِشَرْطِ أنْ تُرَدَّ إذَا مَاتَ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ.
===
فالدّال: الزّيادة. والميم: موت الواهب، أو الموهوب له. والعين: العوض. والخاء: الخروج عن ملك الموهوب له. الزاي: الزّوجية. والقاف: القرابة. والهاء هلاك الموهوب.
(وَهُوَ) أي الرّجوع في الهبة سواء كان بالقضاء أو بالتّراضي (فَسْخٌ مِنَ الأَصْلِ) فيعود الملك القديم ولا يشترط فيه قبض الواهب: ويصحّ في الشائع. (لَا هِبَةً) أي ليس الرجوع بهبةٍ مبتدأةٍ (لِلْوَاهِبِ) كما قال زُفَر، إذا كان الرّجوع بتراضيهما. (وَهِيَ) أي الهبة (بِشَرْطِ العِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاء، فَيُشْتَرَطُ قَبْصُهَا. وتَبْطُلُ بالشُّيُوعِ) كالهبة بلا عِوضٍ (وَبَيْعٌ انْتِهَاءً فَتُرَدُّ بِالعَيْبِ والرُّؤْيَةِ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ) كالبيع المحض. وقال زُفَر: بيعٌ ابتداءً وانتهاءً. وفي «جامع المَحْبُوبِيّ»: هذا إذا ذكر بكلمة «على»، أمّا لو ذكر بحرف الباء بأن قال: وهبتك هذا الثوب بألف درهم وقَبِله الآخر، يكون بيعاً ابتداءً وانتهاءً بلا خلاف.
(وَإنْ اسْتَثْنَى) الواهب (الحَمْلَ ثُمَّ وَهَبَهَا) أي الأمة، بأن قال: هذه الأمة إلاّ حملها هبةٌ لك (صَحَّتْ) الهبة فيهما وبطل الاستثناء، وعند أحمد وأبي ثور: تصحّ الهِبة في الأمة دون الولد ولا يبطل الاستثناء، لأنّه تبرّعٌ بالأم دون الولد، فأشبه العتق واستثناء الولد المنفصل. وأُجيب بأنّ الحمل كالجزء، فلا يصحّ الهبة في الأم بدونه، بخلاف الولد المنفصل. وما ذكر من العتق ممنوعٌ عندنا. (وإنْ دَبَّرَهُ) أي الحمل (ثُمَّ وَهَبَهَا) أي الأمة (لَا) أي لا تصحّ الهبة.
(أَحكام العُمْرى)
(وَصَحَّت العُمْرَى: وَهِيَ جَعْلُ دَارِهُ لَهُ) أي الآخر (مُدَّةَ عُمُرِه) أي عُمُر الآخر (بِشَرْطِ أنْ تُرَدَّ) الدَّار (إذَا مَاتَ) ذلك الآخر. وصورتها أن يقول: أعْمَرْتُك داري هذه، أو هي لك عُمْري ما عِشْتَ، أو مدّة حياتك، أو ما حييتَ، فإذا مِتَّ فهي رَدّ عليّ (وَبَطَلَ الشَّرْطُ) وهو ردُّ الدَّار إذا مات المُعْمَرُ. وبهذا قال الشافعيّ في الجديد، وأحمد، وهو قول ابن عبّاس وابن عمر، ورُوِيَ عن عليّ وشُرَيْح ومجاهد وطاوس والثوْرِيّ.
стр. 1154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال مالك، والليث، والشّافعيّ ـ في القديم ـ: العُمْرَى تمليك المنافع دون العين، فيكون للمُعْمَر السُكْنَى، فإذا مات رُدَّت إلى المُعْمِر لأنّها عَارِيَّة مؤقتةٌ. وإن قال: له ولعقبِه، كانت سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المُعْمِر لأنّ هذا تمليكٌ مؤقتٌ، وتمليك العين لا يتأقّت، ولِمَا في «صحيح مسلم» عن جابر قال: إنما العُمْرَى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبِك، فأمّا إذا قال: هي لك ما عشتَ، فإنها ترجع إلى صاحبها. قال مَعْمَر: كان الزّهْري يُفْتِي به. وعن ابن الأعْرَابِيّ: لم يختلف العرب في العُمْرَى والرُّقْبَى على أَنَّها ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له.
ولنا: ما روى الشيخان عن أبي سَلَمَة، عن جابر أنّ النّبيّ ﷺ كان يقول: العُمْرَى لمن وُهِبَتْ له». وفيهما عن أبي هريرة مرفوعاً: «العُمْرَى جائزةٌ». وما روى مسلم عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر قال: أَعْمَرَت امرأةٌ بالمدينة حائطاً لها ابناً لها. ثم تُوُفِّي، وتوفيت بعده وترك ولداً وله إخوةٌ بنون للمُعْمِرَة، فقال ولد المُعْمِرة: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المُعْمَر: بل كان لأبينا حياتَه وموتَه. فاختصموا إلى طارقٍ مولى عثمان. فدعا جابراً، فشهد أنّ رسول الله ﷺ قضى بالعُمْرى لصاحبها، فقضى بذلك طارقٌ. ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابرٌ. فأمضى طارقٌ ذلك الحائط لبني المُعْمَر حتّى اليوم. وما في «صحيح مسلم» أيضاً عن جابر قال رسول الله ﷺ : «أمسِكوا عليكم أموالكم ولا تُفسِدوها، فإنّه من أعْمَر عُمْرى فإنها للذي أُعْمِرَهَا حياً وميِّتاً ولِعَقِبِهِ».
وما في «سنن أبي داود» عن عُرْوَة، عن جابر أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من أعمر عُمْرَى، فهي له ولعقبِه يرِثُها مَنْ يرثه من عقِبه». وفيها أيضاً عن طارق المَكِيّ، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ في امرأةٍ من الأنصار أعطاها ابنها حديقةً من نخلٍ فماتت، فقال ابنها: إنّما أعطيتها حياتها، وله اخوةٌ، فقال النّبيّ ﷺ : «هي لها حياتَها وموتَها». قال: كنت تصدّقت بها عليها، قال: «ذلك أبعد لك». قال ابن القَطَّان: (يقال) (١) : إسناده كلهم ثقات. وطارق المَكِّيّ هو قاضي مكّة مولى عثمان بن عفان، وهو ثقةٌ. قال أبو زُرْعَة: ورواه أحمد بسندٍ كل رجاله ثقات، وهو: حدّثنا رَوْحٌ: حدّثنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن حُمَيْد بن قَيْس، عن محمد بن إبراهيم، عن جابر: أنّ رجلاً من الأنصار أعطى أُمّه حديقةً من نخلٍ حياتَها، فماتت، وله إخوةٌ، فقالوا: نحن فيه شَرْعٌ
стр. 1155
[أَحْكَامُ الرُّقْبَى]
وَلَا تَصِحُّ الرُّقْبَى، وَهِيَ: إنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ.
وَالصَّدَقَةُ لَا تَصِحُّ إلّا بالْقَبْضِ، وَلَا في شَائِعٍ يُقْسَمُ. وَلَا عَوْدَ فِيهَا.
===
سَوَاءٌ، فأبى، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها بينهم ميراثاً. وأمّا قول ابن الأعرابيّ: إنها عند العرب تمليك المنافع، فلا يضرّ لأنّ الشارع نقلها إلى تمليك الرَّقبة.
(أَحكام الرُّقبى)
(وَلَا تَصِحُّ الرُّقْبَى) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك (وَهِيَ) أن يقول شخصٌ لآخر: أرقبتك هذه الدَّار، أو هي لك رُقْبَى، أو هي لك حياتَك على أني (إنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ) وإنْ مِتَّ قبلي فهي لي. وسُمِّيت بذلك لأنّ كلّ واحدٍ يَرْقُب موت صاحبه. وقال أبو يوسف: يصحّ، وهو قول الشّافعي وأحمد، لأنّها تشتمل على شرط ردّ الدّار بعد الموت، فيكون بمنزلة العُمْرَى. ولما في «سنن أبي داود» عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «العُمْرَى جائزةٌ لأهلها، والرُّقبْى جائزةٌ لأهلها». وفيها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أعمر شيئاً فهو لمُعْمِره حياتَه ومماتَه، ولا ترقبوا. فمن أرقب شيئاً، فهو سبيلُه». وفي «سنن النَّسائي» عن ابن عبّاس مرفوعاً: «مَنْ أعمر عُمْرَى فهي لِمَنْ أعمرها جائزةٌ، ومَنْ أرقب رُقْبَى فهو لِمَنْ أرقبها جائزةٌ». وفيها، وفي ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً: «لا عُمْرَى ولا رُقْبَى، فَمَنْ أعمر شيئاً أو أرقبه، فهو له حياتَه ومماتَه».
ولنا: أنّه تعليق التمليك بالخطر وهي موت المُمَلِّك، وذلك باطلٌ. وإذا لم يصحّ عند أبي حنيفة ومحمد يكون عَارِيَّةً، لأنّ هذا العقد يتضمن إطلاق الانتفاع. وقد حكم الإتْقَانِيّ شارح «الهِدَاية» بصحة قول أبي يوسف لِمَا روينا من الأخبار.
(وَالصَّدَقَةُ لَا تَصِحُّ إلاّ بالْقَبْضِ) لأنّها تبرُّع كالهِبة، (وَلَا) تصحّ (في شَائِعٍ يُقْسَمُ) لِمَا مرّ في الهبة (وَلَا عَوْدَ فِيهَا) لأنّ المقصود بها الثَّواب، وقد حصل، بخلاف الهبة، فلا رجوع في الهبة لفقير استحساناً. (وفي القياس يرجع لأنه ملكه بطريق الهبة، وفي أسباب الملك الغنيّ والفقير سواء، كالبيع وغيره. ووجه الاستحسان: أَنّ) (١) المقصود بها الثَّواب دون العوض، إذ لو كان قصده العوض لاختار للهبة من يكون أقدر على آدائه. ولَمَا اختار الفقير مع عجزه عن آدائه، فعرفنا أنّ
стр. 1156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مقصوده الثّواب وقد ناله. ولو تصدّق على غنيّ لا يعود استحساناً. والقياس أن يعود، وبه قال بعض أصحابنا، لأنّ الصّدقة في حقّ الغنيّ هبةٌ، لأنّها إنّما يقصد منها العوض دون الثّواب، كما أَنَّ الهبة في حقّ الفقير صدقةٌ، لأنّها إنّما يقصد منها الثواب دون العوض. ووجه الاستحسان: أَنْ لفظ الصّدقة ممّا يدلّ على أنّه لم يَقْصِد العوض، ومراعاة لفظه أولى من مراعاة حال التملك.
ثُمَّ التصدّق على الغنيّ قد يكون قربةً استُحِقّ بها الثواب، لكونه غنياً يملك نصاباً وله عيالٌ كثيرةٌ، والنّاس يتصدّقون على مثل هذا لِنَيْل الثواب. ألا ترى أنّ عند اشتباه الحال يتأدّى الواجب من الزكاة بالتصدّق عليه، ولا رجوع فيه بالاتفاق، فكذلك عند العلم بحاله لا يثبت له حقّ الرّجوع عليه. ثم الصّدقة فيما يُقْسَمُ، وكذا الهبة على غنيين باطلةٌ عند أبي حنيفة. وقالا: جائزةٌ. وكذا الصّدقة على فقيرين باطلةٌ في رواية «الأصل» عن أبي حنيفة. وفي رواية «الجامع الصغير»: إذا تصدّق على محتاجيْن بعشرة دراهمٍ، أو وهبها لهم جاز. قيل: وهو الصحيح. ولو تصدّق بها على غنيَّيْن أو وهبها، لم يجز. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كله، والله أعلم بالصواب.
стр. 1157
كِتَابُ الإِجَارَةِ
هِي بَيْعُ نَفْعٍ مَعْلُومٍ بِعِوَضِ، كَذَا، دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ.
===
كتاب الإجَارة
(هِي): لُغَةً: اسمٌ للأَجْرِ مِنْ أجَرَ يَأْجِرُ ـ بكسر الجيم وضمها (١) ـ وهو العِوض. قال الله تعالى: ﴿لو شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً﴾ (٢) ، وسُمِّي الثوابُ أَجْرًا لأَنه سبحانه عوض العبد به.
وشرعاً: (بَيْعُ نَفْعٍ مَعْلُومٍ) غيرِ حرام كالغناء والنوح، ولا عبادةٍ كالأَذان وقراءة القرآن (بِعِوَضٍ، كَذَا) أَي معلومٍ (دَيْنٍ) كالنقود والمَكِيل والموزون (أَوْ عَيْنٍ) كالثِيَاب والدَّوَابِّ. ويُشْترطُ كونُ العِوض معلوماً، لقوله ﵊: «مَنْ استأَجَرَ أَجِيْرَاً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ». رواه محمد بن الحسن في «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن أَبي سعيدٍ، وأَبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . وفي روايةِ عبد الرزاق له: «فَلْيُسَمِّ له أَجْرَه». وفي لفظٍ: «فَلْيُبَيِّن». ولأن الجهالة في المعقود عليه وبدَلِه تُفْضي إِلَى المُنازعة، كجهالةِ المُثَمَّن والثَّمَن في البيع.
وهي جائِزةٌ بالإِجْمَاع (٣) . وبقولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأَجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ (٥) . وبما رَوَى الشيخان من حديث ابن عباس: أَنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. ومن حديث عائشةَ في الهجرة قالت: استأجَرَ النبيُّ ﷺ وأَبو بَكْرٍ رَجُلاً من بني الدِّيل هادياً خِرِّيتَاً وهو على دِين كفار قريش، فدفعا إِليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال .. الحديث. والخِرِّيت ـ بكسر المعجمة وتشديد الراء وتحتية ساكنة فمثناة: الماهر بالهداية. ومن حديث أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَعْطُوا الأَجَيْرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رواه البخاري وابن ماجه.
ومحل عقد الإِجارة عِنْدنا المنافعُ، وهو قول مالك وأَحمد وأَكثر أَصحاب الشافعي. وقال بعضُ أَصْحابه: العين، لأَنها الموجودة، والعقد يضاف إِليها.
ولنا أَنْ المعقودَ عليه هو المُسْتَوْفَى بالعقد، وذلك المنافع لا الأَعيان، وإِضافة
стр. 1158
ويُعْلَمُ النَّفْعُ بِذِكْرِ المُدَّةِ وإِنْ طَالَتْ، لَكِنْ في الوقْفِ، لا تَصِحُّ فوق ثلاث سِنِيْن. وبِذِكْر العَمَلِ كَصَبْغِ ثَوْبٍ، وبِإِشَارَةٍ كَنَقْل هذا إلى ثَمَّةَ.
ولا تَجِبُ الأُجْرَةُ بالعَقْدِ،
===
العَقْد إِلَى العَيْن لأَنَّهَا مَحْلُّ المنفعة. وعند مالك وهو مذهب الشافعي وأَحْمَد يجعل المنافع المعدومة موجودةً حُكْمَاً ضرورةَ تصحيح العَقْد. ومِنْ فروع كون المنافع كالأَعْيَان عند مالك والشافعي، وعدمه عندنا: أَنه لو آجَرَ ما استأجره بأَكْثَر مِمَّا استأجر يتصدَّقُ بالفَضْل عندنا إِنْ اتحد الجِنْس في الأُجْرَتَيْن، لأَنَّه رِبْح ما لم يُضْمن فيملكه خبيثاً فيؤمر بالتصدقِ به. وعندهما يَطِيب له، لأَنه لما قبض العين دخلت المنفعة في مِلْكه، فيملك بدَلها بالغاً ما بَلَغ.
(ويُعْلَمُ النَّفْعُ بِذِكْرِ المُدَّةِ) أَي بيانها (وإِنْ طَالَتْ) على المذهب، لأَن المدة إِذَا كانت معلومةً كَان قَدْرُ المنفعة معلوماً إِذَا كانت المنفعة لا تتفاوت، كالدُّور للسُّكْنَى، والأَرَاضي للزراعة (لَكِنْ في الوقْفِ) الذي لم يشترط الواقف مدة الإِجَارة (لا تَصِحُّ) المدة الطويلة عند مشايخ بَلْخ، كَيْلَا يدّعي المستأجر المِلك والمدة الطويلة (فوق ثلاث سِنِيْن) وهو المختار. وقيل: تصح ولكْن يرفع إِلى الحاكمِ حتى يُبْطلها، وبه يُفْتي الفقيه أبو الليث. والحيلة في تصحيح أَكثر من ثلاث سنين أَنْ تُرفع إِلى حاكمٍ يصححها. وإمَّا لو شرَط الواقف مدة اتُّبِع شرطُهُ طَالَتِ المدة أَوْ قصرت.
(وبِذِكْر العَمَلِ) أَي ويُعْلَم النفع بِذِكْر العمل تَارةً (كَصَبْغِ ثَوْبٍ) أَحمر أَوْ أَصفر، أَوْ خياطة قَباء (١) أَوْ نحوه، أَوْ حَمْل قَدْر معلومٍ مسافةً معلومةً، إِذَا بَيَّنَ الثوب، ولونَ الصبغ وقَدْرَهِ، وجنس الخياطة، والمحمول، إِذْ بذلك تصير المنفعةُ معلومةً.
(وبِإِشَارَة) تارةً (كَنَقْل هذا) الطعام (إلى ثَمَّةَ) أَي ذلك المقام، لأَنه إِذَا رأَى ما ينقله وعلِم الموضع الذي ينقل إِليه، كانت المنفعة معلومةً فيصح العقد.
(فصل متى تجب الأُجرة)
(ولا تَجِبُ الأُجْرَةُ) أَي لا تملك (بالعَقْدِ) سواءٍ كانت عَيْنَاً أَوْ دَيْنَاً، كذا ذكر محمد في: «الجامع». وذكر في الإِجَارة: إِنْ كانت عيناً لا تملك بالعقد، وإِنْ كانت دَيْناً تملك به، وتكون بمنزلةِ الدَّيْن المؤجل. وعامَّة المشايخ على ما في «الجامع».
стр. 1159
بَل بِتَعْجِيْلِهَا أَو بشَرْطِهِ، أَو باسْتِيفَاءِ النَّفْعِ، أَو التَّمَكُّن مِنْه، فَتَجِبُ لِدَارٍ قُبِضَتْ ولَمْ يَسْكُنْهَا، وتَسْقُطُ بالغَصْبِ بَقَدْرِ فَوْتِ تَمَكُّنَهِ.
وللمُؤْجِرِ طَلَبُ الأُجْرَةِ للدَّارِ والأَرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ، وللدَّابَّةِ لِكُلِّ مَرْحَلةٍ، وللقِصَارة والخِيَاطَةِ إِذَا
===
وقال الشافعي وأَحمد: تملك بنفس العقد، ويجب تسليمها عند تسليم الدَّار والدَّابَّة إِلى المستأجر (بَلْ) تملك الأُجْرة (بِتَعْجِيْلِهَا) أَي بتقديمها ودفعها إِليه، (أَوْ بشَرْطِهِ) أَي بشَرط تعجيلها في العقد (أَوْ باسْتِيفَاءِ النَّفْعِ) تحقيقاً للتسوية، (أَوْ التَّمَكُّن مِنْه) أَي مِنْ استيفاء النفع إِقامةً للتمكن مِنْ الشيء مُقَام ذلك الشيءِ.
(فَتَجِبُ) الأُجرة (لِدَارٍ قُبِضَتْ ولَمْ يَسْكُنْهَا) لأَنَّ تسليم عين المنفعة لَمَّا لم يُمْكن، أُقِيْم تَسليمُ محلِّهَا مُقَامهَا، إذ التَّمَكُنُ مِنْ الانتفاع يَثْبُت به.
(وتَسْقُطُ) الأُجْرة (بالغَصْبِ) من المستأجر (بَقَدْرِ (فَوْتِ) (١) تَمَكُّنهِ) حتى إِنْ فَات تمكُّنُهُ في جميع المدة سقطت جميع الأُجْرة، وإِنْ فات (٢) في بعضها سقَط بحسابه، لأَن تسليم المحل إِنَّمَا أُقيم مُقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإِذَا فات التمكن فَات التسليم وانفسخ العَقْد بقدر ذلك الفوات وسقَطَ مِنْ الأُجْرَة بقَدْره، ذكَره صاحب «الهداية».
وذكر الفضلي والقاضي فخر الدين في «الفَتَاوى»: أَنَّ الإِجارة لا تَنْفسخ، ولكن تسقط الأُجْرة ما دامت في يد الغاصِب، وكذا إِذَا غرِقت الأَرْضُ قبل زَرْعها. وإِنْ اصْطَلَمَتْهُ (٣) آفَةٌ سماويةٌ لزِمه الأَجرُ تامًّا في رواية محمد، لأَنه زرعها. وقيل: يلزمه أَجر ما مضى من المدة فقط. وبه يُفْتى إِنْ لم يتمكن من زرع مِثْله في الضرر ثانياً. ذكره قاضيخان، وبه قال شيخ الإِسلام المعروف بخَواهِر زاده.
(وللمُؤْجِرِ طَلَبُ الأُجْرَةِ للدَّارِ والأَرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ) لأَنه منفعةٌ مقصودةٌ، إِلاَّ أَنْ يبيِّن وقتَ الاستحقاق في العقدِ فيكون بمنزلةِ التأجيل، (و) له طَلَبُ الأَجر (للدَّابَّةِ لِكُلِّ مَرْحَلةٍ (٤) ) لأَنها سيرٌ مقصود، (و) (له) (١) طَلَبُ الأَجْر (للقِصَارة والخِيَاطَةِ إِذَا
стр. 1160
تَمَّتْ، وللخُبْزِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ التَّنُّوْرِ، فإِذَا احْتَرَقَ بَعْدَما أُخْرِجَ، فَلَهُ الأَجْرُ، وقَبْلَهُ لا. ولا غُرْمَ فِيْهِمَا.
===
تَمَّتْ) لأَن العمل في البعض غيرُ مُنْتَفَعٍ به فلا يستوجِب به أَجْراً. وقال أبو حنيفة ـ أَوْلاً ـ وهو قول زُفَرَ: لا يجِب شيءٌ من الأُجرة إلاَّ بعد استيفاء جميع المنفعة، سواء كان العقد على المُدَّة، كما في إِجَارة الدَّار والأَرْض، أَوْ على قَطْع المسافة، كما في كَرْي (١) الدابة إِلى مكة، أَوْ على العمل، كما في القِصَارة والخياطة والصِّبَاغة.
وإنْ كانت حِصة ما اسْتُوْفي مِنْ العَمَل معلومةً، سواء عمِل في غير بيت المستأجر، أَوْ في بيته على ما في «التجريد»، و «الهداية»، ويطلبه القَصَّار والخَياط بعد الفراغ لو عمل في بيته. ثُم رجع وقال: إِنْ وقعت الإِجارة على المدة، أَوْ على قَطْع المسافة يجِب إيفاء الأَجر بحِصَّة ما اسْتُوفِي مِنْ المنافع إِذَا كان لِما اسْتُوفيَ حِصَّةٌ مَعْلومَةٌ من الأَجَر، ففي الدار يجب الإيفاء يوماً فيوماً، وفي قَطْع المسافة مرحلةً فمرحلةً. وفي الإِجارة التي تنعقد على العَمَل ـ ويبقَى للعامل أثرٌ في العين ـ لا يجِب إِيفاء الأَجر إلاَّ بعد إيفاء العمل كله، ويستحق (حِصَّة) (٢) ما خاط لو عمل في بيت المستأجر على ما هو المشهور، كما في «المبسوط» وغيره، فإنه حينئذٍ كالدار والدابة.
(و) للمُؤجِر طلب الأَجر (للخُبْزِ) بالضم ويجوز فتحه (بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ التَّنُّوْرِ) لأَن تمامه بذِلك (فإِذَا احْتَرَقَ) الخبز (بَعْدَما أُخْرِجَ) من التنور من غير فِعْلِهِ (فَلَهُ الأَجْرُ) لوجود تمام العمل. (و) إِذَا احترق (قَبْلَهُ) أَي قبل إِخْراجه مِنْ التنور (لا) أَي لا أَجر له لعدم وجود تمام العمل. وفي «النِّهاية»: إنَّ رواياتِ الكتب من «المبسوط»، و «الذخيرة»، و «المغني»، و «الجامع» لفخر الإِسلام، و «قاضيخان»، والتُّمُرْتَاشِي، و «الفوائد الظهيرية»: أَنَّ العامل في بيت المستأجر يستحق الأَجْر بِقَدْر عملِهِ، حتى لو سرَق الثوب فله من الأَجر بِقْدر عمله، لأَنَّ كل جزءٍ من العمل يصير مُسلَّماً إِلى صاحب الثوب بالفراغ منه. وفي «الهداية»: أَنه لا يستحق الأَجر إِلا بالتَّمَامِ.
(ولا غُرْمَ فِيْهِمَا) أَي في حالتي الاحتراق بعدَ الإِخراج وقبْلَه على الأَجير، لأَنه لم توجد منه جناية، وهذا عند أَبي حنيفة. وعندهما: على الأَجير الغُرْم، لأَنه أَجِير مشترك، والعين في يده مضمونةٌ عندهما. هكذا حكى القُدُورِي الخلاف في شرحه. وفي «شَرْح الوافي»: ولا ضمان عليه بالهلاك عند الكلِّ: أَمَّا عند أَبي حنيفةَ فلأَنَّه لم