إِن وَقَّتَّهَا وَرَجَعَ قَبْلَهُ، وكُرِهَ الرُّجُوْعُ قَبْلَهُ.
ولَوْ أَعَارَ للزَرْع لا يَأَخُذُ حَتَّى يُحْصَدَ، وَقَّتَ أَو لا.
وأُجْرَةُ رَدِّ المُسْتَعَارِ، والمُسْتَأْجَرِ، والمَغْصُوب على المستعير، والمُؤجِر، والغَاصِب.
===
بدينارين. وفي «المبسوط» يتملكهما به، إِلاَّ أَنْ يرفعهما المستعير ولا يُضَمِّنُهُ قيمتهما، فله ذلك لأَنه ملكه.
(إِنْ وَقَّتَهَا) المعير (وَرَجَعَ قَبْلَهُ).
وقال زُفَر: لا يضمن، لأَن التوقيت، والإِطلاق فيها سواء، لبطلان التأَجيل في العَوَارِي. ولنا أَنْ المعير بالتوقيت غارٌّ للمستعير، لأَنه نَصَّ على تَرْك الأَرض في يده وقرار بنائه وغرسه فيها المدة التي سَمَّاها، وللمغرور أَنْ يدفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغَارِّ.
(وكُرِهَ) للمُعير إِنْ كَانَ وَقَّتها (الرُّجُوْعُ) عن الإِعارة (قَبْلَهُ) أَي قبل الوقت الذي وَقَّتَها به. لأَن فيه خُلْفَ الوعد. قَيَّد الضمان بالمؤقتة، لأَن المُعِير لا يضمن للمستعير شيئاً من البناء أَوْ الغرس إنْ لم يوقت، لأَن المستعير حينئذٍ مغترٌّ لا مغرور، لأَنه اعتمد الإِطلاق في العَقْد. وقال مالك: ليس له الرجوع متى شاء، لأَنه غير متعدَ فيه، فلا يكون لصاحب الأَرض أَنْ يأَخذها ما لم يُفْرغْهَا المستعير.
قلنا: الأَرض على ملك صاحبها والعارِيَّة لا يتعلق بها لزوم. وقال ابن أَبي ليلى: البناء للمُعير، ويضمن قيمته مبنياً لصاحبه، لأَن دَفْع الضرر من الجانبين واجبٌ، وإِنما يندفع بهذا.
قلنا: صاحب الأَرض لم يرض (بالتزام) (١) قيمة البناء، ففي إِلزامه ضرر عليه، فلا يصار إِليه بدون تحقق الضرورة ولا ضرورة ههنا، لأَن دفع البناء وتمييز مِلْك أَحدهما عن الآخر مُمْكن.
(ولَوْ أَعَارَ) أَرْضَاً (للزَرْع لا يَأَخُذُ) المعير الأَرض (حَتَّى يُحْصَدَ) الزرع (وَقَّتَ أَوْ لا) لأَن للزرع نهايةً معلومةً فيترك إِليها بأَجْرِ المِثْل مراعاةً للحَقَّين، فكان أَولى من القَلْع. (وأُجْرَةُ رَدِّ المُسْتَعَارِ، والمُسْتَأْجَرِ، والمَغْصُوب على المستعير، والمُؤجِر، والغَاصِب) لما تقدم (٢) . والله أَعلم بالصواب وإِليه المرجع والمآب.
стр. 1192
كِتَابُ الوَديعَة
هي أَمَانَةٌ تُرِكَتْ للحِفْظِ، وضَمَانُهَا كالعَارِيَّةِ.
===
كتاب الوَدِيْعَةِ
(هي) لغةً: فَعِيلة بِمَعْنَى المفعولة، مشتقةٌ مِنْ الوَدْع وهو التَّرْك، وقد جاء في الحديث: «لَيَنْتَهِيَنَّ قومٌ عن وَدْعِهِمُ الجَمَاعَاتِ» (١) أَي عَنْ تركِهَا، وقراء قوله تعالى: «ما وَدَعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى» (٢)، بتخفيف الدَّال، أَي ما تركك وما أَبغضك.
وشَرْعَاً: (أَمَانَةٌ تُرِكَتْ للحِفْظِ) مالاً كان أَوْ غيره، بشرط أَنْ يكون قابلاً لإِثبات اليد ليمكن حِفْظه، حتى لو وُدِع الآبق أَوْ المال الساقط في البحر لم تصح. وكونِ (٣) المودَع مُكَلَّفاً، لوجوب الحِفْظ عليه.
(مشروعية الوديعة)
وشرعية الإِيداع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا﴾ (٤)، وأَداء الأَمانة لا يكون إِلاَّ بعدها (٥). ولأَن قبول الوَدِيعة من باب الإعانة، وهي مندوبةٌ، لقوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ (٦). وقوله ﵊: «واللَّهُ في عَوْنِ العبدِ ما دام العَبْدُ في عَوْن أَخِيْهِ» (٧).
(وضَمَانُهَا كالعَارِيَّةِ) فلا يضمن إِنْ هَلَكت من غير تَعَدَ، لما روى ابن ماجه في «سُننه» عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أَبيه، عن جَدِّه: أَنْ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَوْدَعَ وَدِيْعةً
стр. 1193
ولَهُ حِفْظُهَا بِنَفْسِهِ وبِمَنْ في عِيَالِهِ، وإِن نُهي. والسَّفَرُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ النَّهْي والخَوْفِ،
===
فلا ضمان عليه». وقال مالك ﵀: «إِذا سُرقت الوديعة من عند المُودَع ولم يُسرق له معها مالٌ، يَضْمن للتهمة. قلنا: هو مُتَبرِّعٌ في حفظها لصاحبها، والتبرع لا يوجِب ضماناً على المتبرع، لقوله ﵊: «ليس على المُسْتَوْدَع غير المُغِلّ ضمان» (١) . والمُغِلّ: الخائن، والإِغْلال: الخيانة.
(ولَهُ) أَي للمودَع (حِفْظُهَا) أَي الوديعة (بِنَفْسِهِ وبِمَنْ في عِيَالِهِ) من زوجته، وولده، ووالدَيْه، وأَجِيره الخَاصّ الذي استأَجره مشاهرةً، أَوْ مسانهةً. والعبرة في هذا الباب للمساكنة لا للنَّفقة. (وإِن (٢) نُهي) عن حِفْظها بهم. وقال الشافعي ﵀: ليس للمودَع أَنْ يدفعها إِلى مَنْ في عياله، لأَن مالكها رَضِي بِحِفْظه لا بِحِفْظ غيره.
ولنا أَنْ الواجب عليه أَنْ يَحْفظها حِفْظ مال نفسه، وهو يحفظه بعياله، لأَن المودَع لا يمكنه ملازمةُ بيته لحفظ الوديعة، ولا استصحابها معه في خروجه، فلم يكن له بُدٌّ من حِفْظها بِمَنْ في عياله. وفي «الذخيرة»: الدَّفْع إِلى مَنْ في العيال إِنَّما يجوز إِذا كان أَمِينَاً، ولو دفعها المودَع إِلى أَمينٍ من أُمَنائه ليس في عياله يجوز، وعليه الفتوى.
(و) للمودَع (السَّفَرُ بِهَا) أَي بالوديعة وإِن كان لها حمل (و) (٣) مُؤْنة (عِنْدَ عَدَمِ النَّهْي) من صاحب الوَدِيعة (و) عدم (الخَوْفِ) بأَن كان الطريق أَميناً لا يقصد فيه أَحدٌ بسوءٍ غالباً، ولو قصده يمكنه دَفْعُهُ بنفسه أَوْ برفقته. وقال أَبو يوسف ﵀: له السَّفَرُ بها إِنْ كانت المسافة قصيرةً، وإِنْ كانت طويلةً فليس له ذلك فيما له حمل ومُؤْنَة. وقال محمد ﵀: ليس له السفر بها فيما له حمل ومؤنة، إِذْ الظاهر من حال صاحبها أَنه لا يرضى بها، وصار كالوكيل بالبيع ليس له السفر بالمبيع، وإِن سافر به ضَمِن.
وقال الشافعي ﵀: ليس له ذلك مُطْلقاً، لأَنَّ المتعارَف هو الحفظ في الأَمصار دون المفازات والأَسفار. وقال مالك ﵀: ليس له ذلك إِذا قدر أَنْ يردها على صاحبها، أَوْ وكيله، أَوْ الحاكم، أَوْ أَمينه. ولأَبي حنيفة ﵀ أَنه أَمَرَه بالحفظ من غير تقييد فلا يتقيد بمكانٍ دون مكان، كما لا يتقيد بزمان دون زمان.
стр. 1194
ولوْ حَفِظَ بِغَيْرِهِم ضَمِنَ، إِلَّا إِذَا خَافَ الحَرْق أو الَغَرق، فَوَضَعَهَا عِنْدَ جَارِهِ أَو في فُلْكٍ آخَر.
فإِنْ حَبَسَهَا بَعْدَ طَلَبِ رَبِّهَا قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيم، أَو جَحدها، أَوْ خَلَط بِمَالِهِ حَتَّى لا يَتَمَيَّز،
===
قَيَّد «بعدم النهي وعدم الخَوْف»، لأَن المودَع ليس له السفر بالوديعة إِذا نهاهُ رَبُّهَا عنه بِلا خلافٍ بين العلماء.
(ولوْ حَفِظَ) المودَع (بِغَيْرِهِم) أَي بغير نَفْسِهِ وعياله (ضَمِنَ) لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره، والأَيدي تختلف بالأَمانة (إِلاَّ إِذَا خَافَ) المودَع على الوديعة (الحَرْق) بأَن وقع حريق في داره (أَوْ) خاف عليها (الغَرَق) بأَن كان في السفينة وهبت الريح (فَوَضَعَهَا عِنْدَ جَارِهِ) في خوف الحرق (أَوْ في فُلْكٍ آخَر) في خوف الغَرَق فإِنه لا يَضْمن، لأَنْ فِعْله هذا تَعَيَّنَ للحفظ فصار مَأَذوناً له دلالةً.
وفي «النهاية»: عن محمد: أَنْ المودَع إِذا دفع الوديعة إِلى وكيله وليس في عياله، أَوْ دفع إِلى أَمين من أُمنائه مِمَّنْ يثق به في مالهِ وليس في عياله، لا يضمن، لأَنَّه حَفِظَهَا مِثْل ما يحفظ ماله، ولا يجب عليه أَكثر من ذلك. ثم قال: وعليه الفتوى. وعزاه إِلى التُّمُرْتَاشِي، وهو إِلى الحَلْوَانِي، ثُم قال: وعن هذا لم يشترط في «التحفة» الحِفْظ بالعيال، بل قال: ويلزم المودَع إِذا قَبِل الوديعة حِفْظها على الوجه الذي يحفظ ماله.
(فإِنْ حَبَسَهَا) أَي المودَع ـ الوديعة ـ (بَعْدَ طَلَبِ رَبِّهَا) حال كون المودَع (قَادِرَاً عَلَى التَّسْلِيم، أَوْ جَحدها) مع ربِّها، سواء أَقَرَّ بها بعد الجحود أَوْ لا. قيدنا الجُحُود بكونه مع رب الوديعة، لأَنه لو كان مع غيره بأَن قال له أَجنبي: أَعندك وديعةٌ لفلان؟ فقال: ليس لفلان عندي وديعة، لا يضمن، خلافاً لِزُفر، وهو يقول: الجحود سبب الضَّمَان، سواء كان عند المالك أَوْ غيره، كالإِتلاف حقيقةً. ولنا أَنَّ الجحود عند الأَجنبي من باب الحِفْظ، لأَنه يقطع طمع الطامعين عنها، وبه قال مالك، والشافعي، وأَحمد.
(أَوْ خَلَط) المودَع الوديعة (بِمَالِهِ حَتَّى لا يَتَمَيَّز) كالحِنْطة بالحِنْطة، أَوْ تَعَسَّر تميزه، كالحِنْطة بالشعير، وكخلط المائع بغير جنسه: مثل خَلْط الزيت بالشَّيرَج (١) . وأَسْنَد الخَلْط إِلى المودَع، لأَنها لو اختلطت بماله بغير فعله كان شريكاً لصاحبها بالاتفاق، وسيذكر المصنف هذا. وقيد الخلط بعدم التميز، لأنه لو خَلَطها وكان
стр. 1195
أَو تَعَدَّى فَلَبِسَ، أَوْ رَكِبَ، أَوْ حَفِظ الوَدِيْعَةَ في دَارٍ أُمِرَ بِهِ في غَيْرِهَا، أَو جَهَّلَهَا عِنْدَ المَوْتِ، ضَمِنَ، وِإنْ أَزَالَ التَّعَدِّي زَالَ ضَمَانُهُ.
وإِن اختلطت بِلَا فِعْلِهِ اشْتَرَكَا، ولا يَدْفَعُ إِلى أَحَدِ المودِعينَ قِسْطَهُ بِغَيْبَةِ الآخَرِ، ولأحَدِ المودِعين دَفْعُهَا إِلى آخر فيما لا يُقْسَم،
===
يتيسر تميزها، كما لو خلط الدراهم البيض بالسود، والدراهم بالدنانير، والجوز باللوز، لم ينقطع حَقُّ المالك بالاتفاق، لتمكنه من الوصول إِلى عين ملكه بالإِخراج.
(أَوْ تَعَدَّى فَلَبِسَ) الثوب المودَع (أَوْ رَكِبَ) الدابة المودَعة (أَوْ حَفِظ الوَدِيْعَةَ في دَارٍ أُمِرَ بِهِ) أَي بالحفظ (في غَيْرِهَا، أَوْ جَهَّلَهَا) ـ بتشديد الهاء الأُولى ـ أَي لم يبين أَنها وديعةٌ (عِنْدَ المَوْتِ ضَمِنَ) مثلها لو مثليَّةً، وقيمتها لو قيميَّةً. هذا (١) جواب الشرط الذي هو: «فإِن حَبَسَهَا» وما عطف عليه، وخَيَّرَاهُ بين المشاركة والتضمين.
(وإِنْ أَزَالَ) المودَع (التَّعَدِّي) بأَن ترك لبس ثوبِ الوديعة، أَوْ ركوب دابَّتها (زَالَ ضَمَانُهُ). وقال الشافعي: لا يزول، وبه قال مالك في روايةٍ، وأَحمد، (وإِن اختلطت) الوديعة بِمَال المودَع (بِلَا فِعْلِهِ) كما لو انشق الكيس في صندوقه فاختلطت بِدَرَاهِمِه (اشْتَرَكَا) بِقَدْر ملكهما، ولا يضمن المودَع لعدم الصنع منه. وهذه شركة أَملاك حتى لو هلك بعضها هلك من مالهما، ويُقْسَمُ الباقي بينهما على قَدْر ما كان لِكُلَ منهما.
(ولا يَدْفَعُ) المودَع (إِلى أَحَدِ المودِعينَ قِسْطَهُ) من الوديعة (بِغَيْبَةِ الآخَرِ) ولو دفعه بغيبته يضمن، وهذا عند أَبي حنيفة، وهو مَرْوِيٌّ عن عليَ ﵁، وفيه حكِاية (وهي) (٢) : أَنْ رَجُلَيْن دَخَلا حَمَّاماً وأَوْدَعَا عِنْدَ الحَمَامي أَلْفَاً، فخرج أَحدُهُمَا وطلبها منه وأَعطاه إِيَّاهَا وذهب، ثُم خرج الآخَر فطالبه بها، فتحير الحمامي، فذهب إِلى أَبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال له أَبو حنيفة رحمه الله تعالى: قل له: كلاكما أَوْدَعتماني، فلا أُعْطِيك حتى يحضرَ صاحبُك، فانقطع الرجل وترك الحمامي.
وقال أَبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى: يدفع إِليه قِسْطه ولا يضمن، سواء كان من ذوات الأَمثال، أَوْ من ذوات القِيَم عِنْدَ بعض المشايخ، والصحيح أَنْ الاختلاف فيما هو من ذوات الأَمثال، وفيما عداه، كالثياب والدواب والعبيد ليس للحاضر أَنْ يأَخذ نصيبه بالاتفاق.
(ولأحَدِ المودِعين دَفْعُهَا إِلى آخر فيما لا يُقْسَم) كالعبد والثوب والحيوان، لأَن
стр. 1196
ودَفْعُ نِصْفِهَا فِيْمَا يُقْسَم.
وضَمِنَ دَافِعُ الكُلِّ لا قَابِضُهُ. ولا اعتِبارَ للنَّهْي عن الدَّفْع إِلى مَنْ لا بُدَّ لَهُ مِنْ حِفْظِهِ، ولا عَنْ الحِفْظِ في بَيْتٍ مِن دَارٍ، إِلَّا أَنْ يكونَ به خَلَلٌ ظَاهِرٌ.
===
المالك رضي بيد كل منهما على كلها، لأَنه أَودعهما مع عِلْمه بأَنهما لا يجتمعان الليل والنهار على حفظها (ودَفْعُ نِصْفِهَا فِيْمَا يُقْسَم) لأَن المالك لما أَودعهما مع علمه أَنهما لا يقدران على ترك اشتغالهما ولا يجتمعان في مكان واحد للحفظ، كان راضياً لقسمتها، وحفظ كل واحد منهما للنصف دلالةً. والثابت بالدلالة كالثابت بالنص.
(وضَمِنَ دَافِعُ الكُلِّ) إِلى الآخَرِ عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: لا يضمن دافع الكل إِلى الآخَرِ فيما يحتمل القسمة، كما لا يضمن فيما لا يحتملها، لأَن المالك رضي بأَمانتهما. (لا قَابِضُهُ) أَي لا يضمن عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى قابضُ الكُلِّ لتعديه بالقبض، لأنه مودَع المُوِدع، ومودَعُ المودِع لا يضمن عنده (١) .
(ولا اعتِبارَ للنَّهْي) أَي لِنَّهْي رَبِّ الودِيعة المودَع (عن الدَّفْع إِلى مَنْ لا بُدَّ لَهُ) للمودَع (مِنْ حِفْظِهِ) كَأَنْ قال: لا تدفعها إِلى امرأَتك، أَوْ أَحَدٍ من عيالك، فإِن هذا الشرط مفيدٌ، إِذْ قد يأمن الإِنسان الرجل على ماله ولا يأَتمن عليه عياله، إِلاَّ أَنه إِنما يلزم مراعاته بحسب الإِمكان، فإِذا لم يكن الحفظ بدونه صار النَّهْي عن الدفع إِليه كالنَّهْي عن حِفْظِهِ، فكان مناقضاً لأَصله فيبطل، فلا يضمن إِذا هلكت، استحساناً. ويضمن في القِياس، لأَنه اسْتَحْفَظَ (مَنْ اسْتُحْفِظَ) (٢) منه، ويؤيد وجه القياس قوله تعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ (٣) والمراد النِّساء، فإِذا كان هو منهياً عن دَفْع مال نَفْسه (٤) إِلى امرأَته، فما ظنك في مال غيره وَوَجْه الاستحسان ما تقدم، والله أَعلم.
(ولا) للنَّهْي (عَنْ الحِفْظِ في بَيْتٍ مِنْ دَارٍ) لأَن البيتين في دار واحدة قلما يختلفان في الحرز، فصار الشرط غير مفيد فلا يعتبر، كما لو قال: احفظها بيمينك دون يسارك، أَوْ: في هذه الصندوق في هذا البيت فحفظها في صندوق آخر (إِلاَّ أَنْ يكونَ به) أَي بذلك البيت الذي نهى عنه (خَلَلٌ ظَاهِرٌ) فإِنَّ النَّهْي معتبرٌ حينئذٍ، وكذا
стр. 1197
ولَوْ أَوْدَعَ المُوْدَعُ فَهَلَكَتْ، ضَمِن الأَوَّل.
ولَوْ أَوْدَعَ الغَاصِبُ ضَمَّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ.
===
إِذا نهاه عن الحِفْظ في دار أُخْرى اعتبر النَّهْيّ، حتى لو خالف ضَمِن.
(ولَوْ أَوْدَعَ المُوْدَعُ) الوديعة عند مَنْ ليس في عياله (فَهَلَكَتْ ضَمِن) المالك (الأَوَّل) عند أَبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما ضَمَّن أَيّهما شاء، كما قال مالك والشافعيّ. (ولَوْ أَوْدَعَ الغَاصِبُ) المَغْصُوبَ فَهَلَكَ (ضَمَّنَ) المالك (أَيَّهُمَا شَاءَ) باتفاقهم. ثُم مودَع الغَاصِب إِنْ لم يعلم أَنه غَاصِبٌ يَرْجِع إِلى الغَاصِب قولاً واحِداً، وإِن علم فكذا في الظاهر. وحكى أَبو اليُسْر أَنه لا يرجع، وإِليه أَشار شمس الأَئمة.
ثُم اعلم أَنَّ الإِيداع يكون بالإِيجاب والقبول تارةً: كَأَوْدَعْتُكَ هذا المال، وقول الآخر: قبلت، وبالدلالة أَخرى (١) ، كوَضْع المتاع عند الغير وهو ساكِتٌ، لأَنه يُعَدُّ قَبُولاً عُرْفَاً. ولو وَضَعَه عند جماعةٍ يتعين له حافِظاً آخرهُمْ قياماً وانصرافاً. ولا ضمانَ على مَنْ دَفَع ما عنده من الأَمانة إِلى سلطان جائرٍ هَدَّدَه على دَفْعهِ إِليه بِقَطْع يده، أَوْ ضربه خمسينَ سَوْطاً، لعدم قدرته على دَفْعِه، فلم يكن مُقَصِّراً في حفظه، والله سبحانه أَعلم.
стр. 1198
كِتَابُ الغَصْبِ
هُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ عَلَنًا، بِلَا إِذْنِ مَالِكِهِ، يُزِيْلُ يَدَهُ.
فلا غَصْبَ في العَقَار، حَتَّى لَوْ هَلَكَ في يَدِهِ لا يَضْمَنُ،
===
كتاب الغَصْب
(هُوَ) لغةً: أَخْذ الشيء ظُلْمَاً، أَوْ قَهْرَاً، مالاً كان أَوْ غيره. وقد سُمِّي المغصوبُ غَصْبَاً تسميةً للمَفْعُوْلِ بالمَصْدر.
وشَرْعاً: (أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوَّمٍ مُحْتَرَمٍ عَلَنَاً بِلَا إِذْنِ مَالِكِهِ، يُزِيلُ يَدَهُ) أَي على وَجْهٍ يزيل ذلك الأَخْذُ يدَ مالك المال عن المال، حتى كان استخدام العبد بغير إِذن مالكه، ولُبْس الثوب، والحمل على الدابة، غصباً بالاتفاق، لقصر يد المالك عنها وإِثْبات يده عليها، دون الجلوس على بساط غيره وفراشه بلا نقل عن محله.
فخرج بالأَخْذِ ما صار مع المغصوب بغير صنع الغاصب، كما لو غَصَب دابةً فتبعتها أُخْرى، فإِنه لا يضمنها. وبالمال نحو الميتة والحر، وبالمتقوَّم الخمر. وبالاحترام مال الحربي، وبالعلن السرقة، وبعدم إِذْن المالِك الوديعةُ، والعارية، والمستأجَر، والموهوب ونحوها. وقوله: «يزيل يده» للاحتراز عن أَخْذِ العَقار لعدم تحقق إِزالة اليد فيه، لأَنها إِنما تكون بالنقل والتحويل. ولأَن الغَصْب عندنا إِزالة اليدِ المُحِقَّة عن العين بإِثبات اليد المبطلة، أَوْ قصرها ومنعها عنه. وعند مالك والشافعي: إِثْبات اليد المبطَلة من غير شرط إِزالة المُحِقَّة.
وفائدة الخلاف تظهر في زوائد المغصوب، كالولد، وثمرة البستان، والسِّمَن، والجمال، فإِنها غير مغصوبة عندنا فلا تكون مضمونةً، سواء كانت متصلةً أَوْ منفصلة إِلاَّ بالتعدي عليها بالإتلاف، أَوْ المنع بعد طلب المالك. وأَما بدونهما فلا تكون مضمونةً لعدم إِزالتها وقصر يده عنها، لانعدام ثبوتها عليها، ومغصوبة عنده (١) فتكون مضمونة لإثبات اليد المُبْطِلة.
(فلا غَصْبَ في العَقَار) لما تقدم مِنْ أَنَّ الغَصْبَ فيما يُنْقل (حَتَّى لَوْ هَلَكَ) العَقار بآفةٍ سماويةٍ، أَوْ انهدم بناء الدار بسيل (في يَدِهِ) أَي يد آخِذِه قَهْرَاً من مالكه (لا يَضْمَنُ) وهذا عند أَبي حنيفة، وأَبي يوسف رحمهما الله تعالى. وقال محمد: في
стр. 1199
وما نَقَص بِفِعْلِهِ يُضْمَنُ.
واسْتِخْدَامُ العَبْدِ غَصْبٌ، لا جُلُوْسُهُ عَلَى البِسَاطِ.
===
العَقار الغَصْب، ويضمن بالهلاك في يد آخِذه قَهْراً عن مالكه، وهو قول أَبي يوسف أَولاً، وبه قال مالك والشَّافعيّ وأَحمد، لأَنه أَثبت يده على وَجْهٍ تضمن تفويت يد المالك عنه، فانعقد ذلك سبباً للضمان، كما في المنقول.
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنَّ الغَصْبَ إِزَالَةُ اليد المُحِقَّة بإِثبات اليد المبطلة، لأَن الواجب ضَمَانُ جَبْرٍ فيعتمد التفويت، وإِزالة يد المالك إِنَّما تكون بالنقل والتحويل، وذا لا يتصور في العَقَار، وإِنما يتصور فيه منع المالك عنه، ومنع المالك تَصَرفٌ فيه لا في المحل. وصار كما لو بَعُدَ المالك عن مواشيه حتى تَلِفَتْ بذلك.
وأَمَّا قوله ﷺ : «مَنْ غَصَبَ شِبْرَاً مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تعالى يومَ القيامةِ مِنْ سَبْع أَرَضين» (١) ، فلا يدل على أَنه يتحقق فيه الغَصْب الموجِب للضَّمَان، كإِطلاق لفظ البيع على بيع الحر في حديث: «مَنْ باع حراً». قال ابن الأَثير: طوقه من سبع أَرضين: أَي يخسف الله به الأَرض فتصير البقعةُ المغصوبة منها في عُنُقه كالطَّوْق. ويؤيده أَنه في روايةٍ للبخاري: «خسف به إِلى سَبْع أَرضين». وفي «مسند ابن أَبي شيبة»: «من غصب شِبْرَاً من أَرْضٍ جاءته إِسْطَامَاً في عنقه». والإِسْطَام: كالحَلَق من الحديد. وقيل: هو أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَهَا يومَ القيامة، أَي يُكَلَّفه، فيكون من طوق التكليف لا من طَوْق التقليد.
هذا، والحديث المذكور هو حجتنا في ذلك، فإِنه ﷺ بَيَّنَ جزاء غاصب العَقار الوعيد في العُقْبَى ولم يذكر الضمان في الدنيا، فذلك دليلٌ على أَنَّ المذكور جميع جزائه، ولو كان الضمان واجباً لكان الأَوْلى أَنْ يُبَيِّنَهُ، لأَنَّ الحاجة إِليه أَمْسّ.
(وما نَقَص) العَقار (بِفِعْلِهِ) أَوْ بِسُكْنَاه في الدار وزرعه في الأَرض (يُضْمَنُ) عندهم جميعاً، لأَنَّ هذا إِتلافٌ، والعقار يُضْمن بالإِتلاف اتفاقاً، كما إِذا نقل ترابه، لأنه فِعْلٌ في العين. وجاز أَنْ لا يضمن بالغَصْب، ويضمن بالإِتلاف كالحُرِّ.
(واسْتِخْدَامُ العَبْدِ) والحَمْلُ على الدابةِ (غَصْبٌ، لا جُلُوْسُهُ) أَي ليس جلوس الجالس (عَلَى البِسَاطِ) الذي لغيره غَصْبَاً له، لأَنه بجلوسه عليه لم يفعل فيه شيئاً يكون به مزيلاً لِيَدِ مالكه، وبسط البِسَاطِ فِعْلُ مالكه. فتبقى يده فيه ما بقي أَثَرُ فعله،
стр. 1200
وحُكْمُهُ الإِثْمُ لِمَنْ عَلِمَ، وَرَدُّ العَيْنِ قَائِمَةً، والغُرْمُ هَالِكَةً.
ويَجب المِثْلُ في المِثْلِيِّ، كالمَكِيل، والمَوْزُونِ، والعَدَديِّ المُتَقَارِبِ. فإِن انْقَطَعَ المِثْلُ فَقِيْمَتُهُ يَوْمَ يَخْتَصِمَان، وفي غَيْرِ المِثْلِيِّ قِيْمَتُهُ يَوْمَ الغَصْبِ، كالعَدَدِي المُتَفَاوِت.
فإِن ادَّعَى الهَلَاكَ حُبِسَ حتى
===
بخلاف استخدام العبد، والحمل على الدابة، فإِنه بالتصرف فيهما أَثبت يده عليهما، وذلك موجِبٌ لِقَصْر يد مالكهما عنهما.
(حُكْم الغَصْب)
(وحُكْمُهُ) أَي الغَصْب (الإِثْمُ لِمَنْ عَلِمَ) أَنْ ذلك الفعل غَصْب وأَقدم عليه بإِجماع الأُمة (وَرَدُّ العَيْنِ) في مكان غَصْبِهِ حال كونها (قَائِمَةً، والغُرْمُ) حال كونها (هَالِكَةً) لِمَنْ علم. ولِمَنْ لا يعلم: بأَن ظَنَّ أَنَّ المأخوذ مالُه، أَوْ اشترى عَيْنَاً فاسْتُحِقَّت، لأَن هذا حق العبد، وهو لا يتوقف على العلم والقصد بالإِجماع. أَما رَدُّ العين، فلقوله ﷺ : «لا يَحِلُ لأَحدٍ أَنْ يَأخذَ متاعَ أَخِيْهِ لاعِبَاً، أَوْ جَادّاً، فإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ إِليه» (١) . ولقوله ﷺ : «على اليد ما أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَه» (٢) . وأَما غُرْمه، فلأَنه يقوم مقام عينه عند العجز عنها، فإِن نقص ضَمِن اعتباراً للجزء بالكل.
(ويَجب) على الغاصب إِذا عَجَز عن رَدّ العين المغصوبة بِهلاكها في يده بفعله أَوْ بفعل غيره (المِثْلُ في المِثْلِيِّ، كالمَكِيل، والمَوْزُونِ، والعَدَدي المُتَقَارِبِ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) . وقال زفر: عليه ضمان قيمته.
(فإِن انْقَطَعَ المِثْلُ) عن أَيدي الناس بانتهائه، كالرُّطَب ونحوه، (فَقِيْمَتُهُ) تَجِبُ (يَوْمَ يَخْتَصِمَان) عند أَبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وبعض أَصحاب الشافعي. وقال أَبو يوسف رحمه الله تعالى: يوم الغَصْب. وقال محمد: يوم الانقطاع. وبه قال أَحمد وبعض أَصحاب الشافعي رحمه الله تعالى (وفي غَيْرِ المِثْلِي) تجب (قِيْمَتُهُ يَوْمَ الغَصْبِ، كالعَدَدِي المُتَفَاوِتِ) والثياب والدَّواب.
(فإِن ادَّعَى) الغاصب (الهَلَاكَ حُبِسَ) لأن الهلاك لِعَارِضٍ، والأَصل عَدَمُهُ (حتى
стр. 1201
يُعلم أَنه لو بقي لظهر، ثُم قُضِي عَلَيْهِ بالبَدَلِ. والقَوْلُ فِيْهِ للغَاصِب إِنْ لَمْ يُقِمِ حُجَّةً عَلَى الزِّيَادَةِ، فإِنْ ظَهَرَ وقِيْمَتُهُ أَكْثَرُ وَقَدْ ضَمِنَ بِقَوْلِهِ، أَخَذَهُ المَالِكُ وَرَدَّ بَدَلَهُ، أَوْ أَمْضَى الضَّمَانَ. وإِنْ ضَمِنَ لا بِقَوْلِهِ فَهُوَ لِلغَاصِبِ.
===
يعلم أَنه) أَي المغصوب (لو بقي لظهر ثُم قُضِي عَلَيْهِ بالبَدَلِ) لأَن الحق متعلق بالعين، وللناس أَغراض في الأَعيان فلا يقبل قول الغاصب في هلاكها حتى يحصل به (١) غلبة ظن: إِما بإِقامة بينة، وإِما مُضِيِّ مدة. ومدَّةُ ذلك موكولةٌ إِلى رَأي القاضي، فإِذا عَلِم الهَلاكَ سَقَط رَدُّ عَيْنه، ولزم رَدُّ بَدَلِه. وهذه المسأَلة تدل على أَنْ الموجِبَ الأَصلي رَدُّ العين.
(والقَوْلُ فِيْهِ) أَي في البدل (للغَاصِب) مع يمينه (إِنْ لَمْ يُقِم) المالكُ (حُجَّةً عَلَى الزِّيَادَةِ) لأَن المالك يَدَّعِي الزيادة في القيمة على الغاصب بلا حجة، وهو ينكرها، والقول قول المُنْكِر مع يمينه. ولو أَقام الغاصب البينةَ لا تقبل لأَنها تنفي الزيادة، والبينة على النَّفْي لا تُقْبَل.
(فإِنْ ظَهَرَ) المغصوب (وقِيْمَتُهُ أَكْثَرُ) مِمَّا ضَمِن الغاصب (وَقَدْ ضَمِنَ) الغاصب (بِقَوْلِهِ) أَي بقول نفسه مع يمينه (أَخَذَهُ المَالِكُ وَرَدَّ بَدَلَهُ) لأَن رضاه بهذا القَدْر لم يتم، لأَنه كان ادَّعِى الزيادة، وإِنَّما أَخذ دونها لعدم البينة له عليها. (أَوْ أَمْضَى الضَّمَانَ) وكذا لو ظهر المغصوبُ، وقيمتُهُ مِثْلُ ما ضَمِنه الغاصب، أَوْ دونه على الأَصح. وقال الكَرْخِي: لا خِيار للمالك في المِثْلِ والدُّون، لأَنه توفر عليه بدل مِلْكه بكماله.
(وإِنْ) ظهر المغصوبُ، وقيمتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِن الغاصب، وقد (ضَمِنَ) الغاصِبُ (لا بِقَوْلِهِ) بل بِقَوْل المالك، أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا، أَوْ بِنُكُول الغاصب عن اليمين (فَهُوَ لِلغَاصِبِ) ولا خيار للمالك، لأَنه رَضِي بالمبادلة فيه بهذا القدر حيث ادعاه ولم يدع زيادة عليه، وبه قال مالك. وعند الشافعي وأَحمد له الخِيار لعدم زوال ملكه عندهما عنه (٢) ، ولقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تكونَ تجارةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ (٣) فاللَّهُ تعالى جعل أَكْلَ مال الغير قسمين: قسم بالباطل، وقسم بالتجارة عن تراضٍ. وهذا ليس بتجارةٍ عن تراض، فيكون أَكْلاً بالباطل. والمَعْنَى فيه أَنْ الغَصْب عُدْوانٌ مَحْضٌ، لأَنه ليس فيه شبهةُ الإِباحة بوجهٍ ما،
стр. 1202
وإِنْ آجَرَ المَغْصُوبَ، أَو الأَمَانَةَ، أَو رَبِحَ الغاضب بالتصرُّف فيهما، تَصدَّقَ، إِلا أَنْ يَكُوْنَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيْرَ لَمْ يُشِر إِلَيْهِمَا أو أَشار وَنَقَدَ غَيْرَهُمَا.
===
فلا يكون موجِبَاً للمِلْك.
ولنا أَنْ المالك مَلَك بَدَل المغصوب بكماله، رَقَبَةً ويداً، فوجب أَنْ يزول مِلْكُهُ عن المُبْدَل إِلى مِلك مَنْ وجب عليه البَدَل، إِذا كان المُبدل محلاً للنقل من مِلْك إِلى مِلْك، دَفْعَاً للضرر عنه وتحقيقاً للعدل، كما في سائر المبادلات. وأَما الآية ففيها بيان أَنَّ الأَكل بالتجارة عن تراضٍ جائزٌ، لا أَنْ يكون الجواز مقصوراً عليه. ثُم معنى التجارة مُنْدَرِجٌ هنا من وجه، فإِن المالك هنا مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَصْبِر حتى تظهر العين فيأخذها، فحين طالبه بالقيمة مع عِلْمه أَنَّ من شرطه انعدامَ مِلْكه في العين، فقد صار راضياً بذلك. لأَن مَنْ طَلَبَ شيئاً لا يتوصل إِليه إِلا بِشَرْطٍ، كان راضياً بالشرْط كما يكون راضياً بِمَطْلُوبه.
(وإِنْ آجَرَ) الغَاصِبُ العبد (المَغْصُوبَ، أَوْ) آجَر الأَمينُ العبد (الأَمَانَةَ، أَوْ رَبِحَ الغاصب) أَوْ الأَمين (بالتصرُّف فيهما) أَي في المغصوب والأَمانة: بأَن اشترى الغاصِب أَوْ المودَع بأَلْفِ الغَصْبِ أَوْ الوَدِيْعَة أَمَةً، فباعَهَا بأَلفين (تَصَدَّقَ) المُؤجِر بالأُجرة، والرابح بالربح عند أَبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، خلافاً لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
(إِلا أَنْ يَكُوْنَا) أَي المغصوب والأَمانة اللَّذَين رَبِح الغاصب والأَمين بالتَّصَرُّفِ فيهما (دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيْرَ لَمْ يُشِر) المُتَصَرِّف (إِلَيْهِمَا) عند التصرف فيهما، سواء أَشار إِلى غيرهما، أَوْ لم يُشِر إِلى شيءٍ، (أَوْ أَشار) إِليهما (وَنَقَدَ غَيْرَهُمَا) فإِنَّه يَطِيْبُ له الرِّبح، لأَن الدراهم والدنانير لا تتعينان بالإشارة. والإشارة إِذا كانت لا تفيد التعيين يستوي وجودها وعدمها، بخلاف ما لو أَشار إِليهما ونَقَد منهما، لأن الإشارة تتأَكد بالنقد من المشار إِليه فيتحقق الخُبْث، (و) (١) بخلاف ما لو كان عَرْضاً (٢) ونحوه، لأن العقد يتعلق بعينه، حتى لو هلك قبل القبض يبطُل البيع فيتحقق الخُبْث.
وقال فخر الإسلام: قال مشايخنا: لا يَطِيب بِكُلِّ حال أَنْ يتناول من المُشْتَرَى قبل أَنْ يضمن، وبعد الضمان لا يَطِيْبُ الربح بِكُلِّ حالٍ، وهو المختار لإِطلاق الجواب في «الجامِعَيْن»، ومضاربة «المبسوط» بقوله: يتصدق بجميع الرِّبْح.
стр. 1203
وإِن غَصَبَ وغَيَّرَ فَزَالَ اسْمُهُ وأَعْظَمُ مَنَافعِه، ضَمِنَهُ ومَلَكَهُ بِلَا حِلٍّ قَبْل أَداء بَدَلِهِ، كَذَبْح شاةٍ وطَبْخِهَا، أَو جَعْلِ صُفْرٍ إِنَاءً،
===
وحاصله أَنه متى استفاد بالحرام مِلْكَاً من طريق الحقيقة ـ وهي فيما يَتَعَيَّن ـ، أَوْ الشُّبْهَةِ ـ وهي فيما لا يتعين ـ يَثْبُتُ الخُبْث، ولا يثبت في الدراهم إِذا استفاد بها الربح إِلاَّ الشبهة، لأَنه إِذا أَشار إِليها لم يتعيَّن إِلا في حكم جواز العقد لمعرفة القَدْر والنقد، وإِذا نقد منها استفاد به سلامة المُشْتَرَى. وإِذا أَشار فيما لا يتعين ولم ينقد استفاد بالإِشارة جواز العقد لمعرفة القَدْر والنقد. وإِذا نقد ولم يُشِر استفاد سلامة المشترى، فأَما أَنْ تصيرَ عينها عوضاً فلا، فثبت أَنه لا يثبت إِلاَّ الشبهة، وقد استوت الوجوه في الشبهة فاستوت في الخُبْث.
(وإِن غَصَبَ وغَيَّرَ) المغصوب (فَزَالَ اسْمُهُ) أَي اسم المغصوب (وأَعْظَمُ مَنَافعِه ضَمِنَهُ) الغاصب (ومَلَكَهُ بِلَا حِلَ) للانتفاع به (قَبْل أَداء بَدَلِهِ، كَذَبْح شاةٍ وطَبْخِهَا) أَي كَمَنْ غَصَب شاةً فذبحها وطبخها، أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ زَرَعَهَا (أَوْ جَعْلِ صُفْرٍ) أَي وكَجَعْلِ نُحْاسٍ (إِنَاءً) وحديدٍ سَيْفاً. وقال مالك والشافعيّ: لا ينقطع حَقُّ المالك، وبه قال أَحمد وأَبو يوسف رحمهما الله تعالى في رواية.
وفي «غاية البيان»: أَسْتَقْبِحُ أَنْ يجيءَ رَجُلٌ (مُعْدم) (١) إِلى كُرِّ (٢) حِنطة لإِنْسان فيطحنه، ثُم يَهَبهُ لابن له صغيرٍ ولا يكون لِرَبِّ الطعام على الدقيق سبيل. قال: وأُخَالِفُ أَبا حنيفة رحمه الله تعالى في هذا، وأَجْعَله بالخِيار إِنْ شاء ضَمَّنه مِثْلَ حنطته ودفع إِليه الدقيق، وإِن شاء أَخذ ذلك الدقيق ولم يُضَمِّنْهُ شيئاً. وكذلك إِنْ وهبه الغاصبُ، أَوْ باعه، أَوْ تَصَدَّق به، فإِنَّ ذلك باطِلٌ، ولرب الطعام أنْ يأخذَهُ بعينه، وكذلك لو غَصَب لَحْمَاً فشواه أَوْ طبخه.
قَيَّد «بتغيير الغاصب للمغصوب» لأَنه لو تَغَيَّر بنفسه كأَنْ صَار العِنَبُ زَبيباً، فإِنَّ المالك بالخِيار إِنْ شَاءَ أَخذه وإِنْ شاء ضَمَّن الغاصب. وقَيَّد «بزوال الاسم» لأَنْ مَنْ غَصَب شاةً وذبحها لم يَزُل اسم الشاة عنها ـ إِذْ يُقال: شاةٌ مذبوحةٌ ـ فمالِكُهَا بالخِيار: إِنْ شاء ضَمَّن الغاصبَ قيمتها وسَلَّمَهَا له، وإِن شاء ضَمَّنه نقصانها، لأَن ذبحها استهلاك من وَجْهٍ دون وَجْه، فيتخير المالك. وقَيَّد «بـ: أَعْظَم المنافع» لأَنه لو لم يكن الزائل أَعظمها، كَخَرْقِ الثَّوْب فَاحِشَاً أَوْ يَسِيْرَاً، فإِنَّ ضمان
стр. 1204
بِخِلَافِ الحَجَرَيْنِ فَهُمَا للمَالِك بلا شيءٍ.
ولَوْ خَرَقَ ثَوْبًا وفَوَّتَ بَعْضَ عَيْنِهِ، أَو بعضَ نَفْعِهِ، طَرَحَهُ المَالِكُ عَلَيْهِ وأَخَذَ قِيْمَتَهُ، أَو أَخَذَهُ وضَمِنَ نُقْصَانَهُ.
===
المغصوب لا يتعين، كما سيذكره المصنف.
ثم القياس ـ وهو قول زُفَر، وروايةُ أَبي الليث عن أَبي حنيفة رحمهم الله تعالى ـ أَنَّ للغاصب الانتفاعَ بهذا المغصوب قبل أَداء بَدَله، لأَن مِلْكه حدث بكسبه، والمِلْك مُبِيحٌ للتصرف، ولهذا لو وَهَبَهُ أَوْ باعه صَحَّ.
وَوَجْه الاستحسان مَا روى أَبو داود رحمه الله تعالى في «سُننه» في أَول البيوع عن عاصم بن كُلَيْب، عن أَبيه عن رَجُلٍ من الأَنصار قال: خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ في جَنَازةٍ، فرأَيتُ رسولَ الله ﷺ وهو عَلَى القَبْر يوصِي الحَافِرَ: أَوْسِع مِنْ قِبَلِ رِجْلَيه، أَوْسِع مِنْ قِبَل رَأْسِهِ، فلما رجع استقبله داعي امرأَة فجاء، فجيء بالطعام فوضع يده، ثُمَّ وضع القوم أَيديهم فَأَكَلُوا ورسولُ الله ﷺ يلوك لقمة في فيه. ثُمَّ قال: «إِني أَجد لحم شاة أَخذت بغير إِذن أَهلها. فقالت المرأَة: يا رسول الله، إِني أَرسلتُ إِلى البقيع، ليُشْتَرى لي شاةٌ فلم أَجِد، فأَرسلت إِلى جار لي قد اشترى شاةً أَنْ يرسلها إِليَّ بثمنها فلم يوجد، فأَرسلت إِلى امرأَته فأَرسلت إِليَّ بها.
فقال ﷺ : «أَطعميه الأُسارى».
فأَفاد هذا الأمرُ بالتَّصَدُّق زوالَ مِلْك المالك وحُرْمَةَ الانتفاع للغاصب قبل الإِرْضاء، ولأَن في إِباحة الانتفاع قبل إِرضاء المالك فتحاً لِبَابِ الغصب، فيَحْرُم حسماً لمادة الفساد، والله رؤوف بالعباد.
ونفاذ بيعه وهبته مع الحرمة لقيام الملك بجهة محظورة، كما في ملك الفاسد. ولو أَدَّى الغاصب المالك البدَل أُبيح له التناول، لأَن حق المالك صار مُوفّىً بالبدل فتحقق بينهما مبادلة بالتراضي، وكذا لو أَبرأَه، لأَن حقه يسقط بالبراءة، وكذا لو ضَمِنه المالك أَوْ الحاكم لوجود الرضاء منه، لأَن الحاكم لا يضمنه إِلا بعد طلبه فكان راضياً به.
(بِخِلَافِ الحَجَرَيْنِ) الذهب والفضة، فإِنَّ جَعْلهما إِناءً، أَوْ دنانير، أَوْ دراهم لا يزيل مِلْك مالكهما عنهما (فَهُمَا للمَالِك بلا شيءٍ) للغاصب عند أَبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأَحمد رحمهم الله تعالى. وقال أَبو يوسف ومحمد: يَمْلِكهما الغَاصِب وعليه مِثْلُهما.
(ولَوْ خَرَقَ) الغاصب (ثَوْبَاً) خَرْقاً فاحشاً: بأَن نَقَص ربع قيمته، أَوْ أَبطل عامة منفعته (وفَوَّتَ بَعْضَ عَيْنِهِ، أَوْ بعضَ نَفْعِهِ، طَرَحَهُ المَالِكُ عَلَيْهِ) أَي على الغاصب (وأَخَذَ قِيْمَتَهُ) لأَنه استهلكه مِنْ وَجْهٍ، (أَوْ أَخَذَهُ) المالكُ (وضَمِنَ) الغاصب (نُقْصَانَهُ)
стр. 1205
وفي الخَرْقِ اليَسِيْرِ ضَمِنَ ما نَقَصَ.
ومَنْ بَنَى في أَرْضِ غَيْرِهِ، أَو غَرَسَ، أُمِرَ بالقَلْعِ والرَّدِّ.
ولِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ قِيْمَةَ بناءٍ أَو شَجَرٍ أَمَرَ بِقَلْعِهِ إِن نَقَصَت بِهِ.
وإِنْ حَمَّرَ ضَمَّنَهُ أَبْيَضَ، أَو أَخَذَهُ وغُرِّمَ ما زَادَ الصَّبْغ،
===
لأَنه لم يخرج عن أَنْ يكونَ صَالِحَاً لِمَا كان صَالِحَاً له، وإِنما تَمَكَّنَ النقصان في قيمته فَيَضْمَن الغاصب ذلك النقصان. (وفي الخَرْقِ اليَسِيْرِ) وهو ما لا يَفُوت به شيءٌ من المنفعة، وإِنَّما يحصل به نُقْصَانٌ في المالية بسبب الجودة (ضَمِنَ) الغاصب (ما نَقَصَ) الثَّوْب، وكان الثوب لِمَالِكِه، لأَن العين قائم من وجه، وإِنما دخله عيب.
(ومَنْ بَنَى في أَرْضِ غَيْرِهِ، أَوْ غَرَسَ) فيها (أُمِرَ بالقَلْعِ والرَّدِّ) أَي بِقَلْع البناء والغرس، وَرَدِّ الأَرض، لقوله ﷺ : «ليس لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ». رواه أَبو داود، والترمذي، والنَّسائي رحمهم الله تعالى، وصَحَّحَهُ في «المُغْرِب» بتنوين عِرْق: لِذِي عِرْقٍ ظالم، وهو الذي يَغْرِس في الأَرْض غَرْسَاً على وجه الاغتصاب، وَوَصْف العِرْق بالظلم الذي هو صفةُ صاحِبِه مَجَازٌ. قال الأَكْمل: وقد رُوِي بالإِضافة: أَي ليس لعِرْقِ غاصبه ثبوتٌ، بل يؤمر بِقَلْعه. وفي «الصحاح»: العِرْق الظالم: أَنْ يجيء الرجل إِلى أَرض قد أَحياها غيرُهُ فيغرس فيها، أَوْ يزرع لِيَسْتَوْجِبَ به الأَرض.
(ولِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ قِيْمَةَ) البناء أَوْ الغرس فيضمن قيمة (بناءٍ أَوْ شَجَرٍ أَمَرَ بِقَلْعِهِ) أَي قيمة مستحَقَ للقلع. لأَن حقه في المقلوع: بأَن يعتبر قيمةَ الأَرض بدون الشجر أَوْ البناء عشرة دنانير مثلاً، ومع الشجر. أَوْ البناء المستحق قلعه خمسة عشرة، فيضمن له خمسة دنانير (إِنْ نَقَصَت) الأرض (بِهِ) أَي بالقلع أَوْ النقص. لأَن في ذلك نظراً للجانبين ودفعاً للضرر عنهما، فيملكه صاحبها عليه بقيمته، أَوْ يأَمره برفعه. ولا شيء له بنقص أَرضه لرضاه به. وإِن لم تنقص به يُخَيَّر صاحب الشجر بين قلعه ودَفْعه إِليه مما ذكرنا من قيمته. ولو جلس على ثوب غيره فقام غير عالم بجلوسه عليه فانشق منه، ضَمِن له نصف نقصه في ظاهر الرواية. وقيل: كله، كما لو شقَّه بجذبه من يد مالكه.
(وإِنْ حَمَّرَ) غاصب الثوب، أَوْ صَفَّره، أَوْ لَتَّ غاصب السويق بسمن (ضَمَّنَهُ) مالك الثوب قيمة ثوب (أَبْيَضَ) ومالك السويق مثل السويق، وسلَّم الثوب المصبوغ والسويق الملتوت للغاصب (أَوْ أَخَذَهُ وغُرِّمَ ما زَادَ الصَّبْغ) والسمن. وقال الشافعيّ وأَحمد: لمالك الثوب أَنْ يملكه ويأَمر الغاصب بإِزالة الصبغ بالغسل بالقدر الممكن،
стр. 1206
وإِنْ سَوَّدَ ضَمَّنَهُ أَبْيَضَ، أَو أَخَذَهُ، ولا شيءَ لِلْغَاصِب.
وإِنْ بَاعَ أَو أَعْتَقَ ثُمَّ ضَمِنَ، نَفَذَ البَيْعُ لا العِتْقُ.
===
ويضمِّنه نقصان الثوب إِنْ انتقص بذلك، لأَنه متعد في الصبغ، والتمييز ممكن، بخلاف السمن في السويق لتعذر التمييز.
ولنا أَنْ الصبغ مالٌ متقوَّم، كالثوب. وغَصْب الغاصب لا يسقِطُ حرمة ماله، فيجب صيانة مالهما ما أَمكن، وذا بإِيصال معنى مال أَحدهما إِليه وإِبقاء حقِّ الآخر في عين ماله كما قلنا. والجواب في اللَّتِّ كالجواب في الصبغ، إِلاَّ أَنْ السويق والسمن مِنْ ذوات الأَمثال، والثوب والصَّبْغ من ذوات القِيَم. ولو كان الثوب ينقص بالحُمْرة: كأَنْ كانت قيمته بدونها ثلاثينَ دِرْهماً، فصارت بها عشرين، فعن محمد ينظر إِلى ثوب تزيد فيه الحمرة، فإِن كانت الزيادة خمسة يأخذ رَبُّ الثوب ثوبه وخمسة دراهِمَ من الغاصب، لأَن صاحب الثوب استوجب عليه نقصان قيمة ثوبه عشرة دراهمَ، واستوجب عليه الغاصب قيمة صبغه خمسة، فالخمسة قِصَاص، ويرجع عليه بما بقي، وهي خمسة.
(وإِنْ سَوَّدَ) الغاصب الثوب (ضَمَّنَهُ) المالكُ قيمة ثوب (أَبْيَضَ، أَوْ أَخَذَهُ، ولا شيءَ لِلْغَاصِب) في مقابلة الصباغة عند أَبي حنيفة، وعندهما التسويد كالتحمير. وهذا الخلاف مبنيٌّ على أَنْ السواد عنده نقصانٌ، وعندهما زيادةٌ. وقيل: هذا اختلاف زمان، فأَبو حنيفة أَجاب على ما شاهد في عصره من عادة بني أُمية، وهي عدم لُبس السواد، وهما أَجابا على ما شاهدا في عصرهما من عادة بني العباس، وهي لُبس السواد. وقيل إِنْ كان المغصوب ثوباً ينقص السواد من قيمته، فالجواب ما قاله أَبو حنيفة، وإِن كان يزيد السواد في قيمته فالجواب ما قالا. وهذا تفصيلٌ حسنٌ لا ينبغي العدول عنه.
(وإِنْ بَاعَ) الغاصب (أَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ ضَمِنَ) القيمة (نَفَذَ البَيْعُ لا العِتْقُ) وبه قال أَحمد في رواية، لأَن الملك الناقص لا يكفي لثبوت العتق، ويكفي لنفاذ البيع. وقال مالك والشافعي وأَحمد ـ في رواية ـ: لا ينفذ بَيعُه، ولأَن عتقه كتصرفات الفضولي، وإِعتاق المشتري من غاصبٍ عبداً نافذٌ عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف بإِجازة المالك بيع الغاصب، هكذا يرويه محمد عن أَبي يوسف عن أَبي حنيفة كما ذكره قاضيخان في شرحه.
وقال أَبو سليمان: وكذا سمعنا من أَبي يوسف رواية عن أَبي حنيفة رحمه الله تعالى: أَنه لا ينفذ عِتْقُه. ووجه الاستحسان أَنَّ هذا بيعُ فضولي، فيكون موقوفاً، فبإِجازته
стр. 1207
وزَوَائِدُ الغَصْبِ مُتَّصِلَةً أَو مُنْفَصِلَةً، لا تُضْمَنُ إِنْ هَلَكَتْ إِلَّا بالتَّعَدِّي أَو المَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ. وخَمْرُ المِسْلِمِ وخِنْزِيْرُهُ، وَمَنَافِعُ الغَصْبِ لا تُضْمَنُ،
===
ينفذ من حين العتق، فينفذ إِعتاقه لمصادفة (١) ملكه. وكذا بتضمينه قيمته في رواية. وخالفنا زفر وأَبطل محمد إِعتاق المشتري كمالك والشافعي، وهو القياس، لأَن هذا عتقٌ تَرَتَّبَ على عِتْقٍ تَوَقَّفَ نفوذُهُ لحق المالك، فلا ينفذ بنفوذ العقد، كما لو حرره الغاصب وضمنه.
(وزَوَائِدُ الغَصْبِ) أَي المغصوب حال كونها (مُتَّصِلَةً) كالسمن والجمال (أَوْ مُنْفَصِلَةً) كالولد وثَمَر البستان أَمانةٌ في يد الغاصب (لا تُضْمَنُ إِنْ هَلَكَتْ، إِلاَّ بالتَّعَدِّي) أَي بتعدِّي الغاصب: بإِتلافه، أَوْ بِذَبْحِه، أَوْ أَكْله، أَوْ بَيْعِه وتسليمه (أَوْ المَنْعِ) أَي منع الغاصب (بَعْدَ الطَّلَبِ) أَي طلب المالك، وبه قال مالك. وقال الشافعيُّ وأَحمد: زوائد المغصوب مضمونة.
(وخَمْرُ المُسْلِمِ) مبتدأ (وخِنْزِيْرُهُ) عطف، سواء كان المُتْلِف مسلماً أَوْ ذِمِّياً لا يضمنان، لأَنهما ليسا بمتقوَّمَيْن في حق المسلم. قيد «بالمسلم» لأَن خمر الذِّمِي أَوْ خنزيره يضمن، وهو قول مالك، سواء كان المتلِف ذمياً أَوْ مسلماً إِلاَّ أَنْ المسلم لا يضمن الخمر بمثلها، لأَنه لا يملك تمليكها، بل بقيمتها. وقال الشافعي وأَحمد: لا يضمن خمر الذمي ولا خنزيره سواء كان المتلِف مسلماً أَوْ ذمياً.
(وَمَنَافِعُ الغَصْبِ) أَي المغصوب، عطف آخر (لا تُضْمَنُ) خبر المبتدأ، والمعنى لا تكون منافعه مضمونةً عندنا، سواء كان استوفاها بالسُّكْنى والركوب مثلاً، أَوْ عَطَّلها: بأَنْ أَمسكها مدةً ولم يستعملها ثم رَدَّهَا. وحكم الشافعي بضمانها، وكذلك مالك أَيضاً، وصَوَّبه ابن الحاجب.
وقال ابن القاسم: لا تُضْمن إِنْ عَطَّلَهَا، وإِن استغل أَوْ استعمل تضمن على المشهور عنه، وَرُوِي إِلاَّ في العبيد والدوابِّ، وَرُوي لا تضمن مطلقاً. وحجتنا في ذلك حديث عُمر وعلي ﵄، فإِنهما حَكما في ولد المغرور أَنه حُرٌّ بالقيمة، وأَوجبا على المغرور (٢) رَدَّ الجارية مع عُقْرها (٣) ، ولم يوجبا قيمة الخدمة، مع علمهما أَنْ المغرور كان يستخدمها، ومع طلب المُدَّعِي لجميع حقه، فلو كان
стр. 1208
بِخِلَاف السَّكَرِ والمُنَصَّفِ والمِعْزَفِ، فَتَجِبُ قِيْمَتُهُ لا لِلَّهْوِ.
===
ذلك واجباً لما حلَّ السكوت في بيانه، وبيان العُقْر منهما لا يكون بياناً لقيمة الخدمة، لأَن المستوفى بالوطاء في حكم جزء من العين ولهذا يتقوم عند الشبهة بخلاف المنفعة.
والمعنى فيه: أَنْ المنفعة ليست بمالٍ متقوم فلا يُضمن بالإتلاف، كالخمر والميتة. وإِذا كان المغصوب وَقْفَاً، أَوْ مالَ يتيمٍ، أَوْ مُعَدًّا للاستغلال، يضمن في اختيار المتأَخرين؛ قالوه صوناً لحقوق الضعفاء والمساكين عن أَطماع الجائرين، ولا بدع في اختلاف الأحكام باختلاف أَحوال الأَنام.
(بِخِلَاف السَّكَرِ) ـ بفتحتين ـ وهو النِّيء: هو ماء الرُّطَب إِذا اشتد، (و) بخلاف (المُنَصَّفِ) وهو ما إِذا ذهب نصفه بالطبخ من ماء العنب، (و) بخلاف (المِعْزَفِ) ـ بكسر الميم وفتح الزاي ـ وهو آلة اللهو، كالطُّنْبُور (١) والمِزْمَار، فإِنها تضمن بالإتلاف عند أَبي حنيفة، ويجوز بيعها. وقالا: لا تضمن، ولا يجوز بيعها، وهو قول مالك وأَحمد. وعند الشافعيّ فيه تفصيل. ثُم قيل: الخلاف في الدُّفِّ والطبل اللَّذَيْن يضربان للهو. وأَما طبل الغزاة والدُّفُّ الذي يباح ضَرْبُهُ للعُرْس فإِنهما يُضمنان بالإِتلاف بلا خلاف.
لهما أَنَّ هذه الأَشياء مُعَدَّةٌ للمعصية فبطل تقومها كالخمر، وأَنَّ إِتلافها أَمَر الشارع به، لقوله ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرَاً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (٢) ، وإِنكارها باليد إِتلافها، وهو لو أَتلفها بأَمر أُولي الأمر لا يضمن فبأَمر الشارع أَوْلى. ولأَبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنه أَتلف مالاً ينتفع به من وجه سوى اللهو، ولا تبطُل قيمته لأَجل اللهو، كالأَمة المُغَنِّية.
(فَتَجِبُ قِيْمَتُهُ) أَي قيمة كُلِّ واحدٍ من السَّكَر، والمُنَصَّف، والمِعْزَف (لا لِلَّهْوِ) كما في الجارية المغنية، والكبش النطوح، والحمامة الطَّيّارة، والديك المقاتل، فإِنه تجب قيمتها غير صالحة لهذه الأُمور. وفي «الجامع الصغير» لِصَدْر الإِسلام: الفتوى في عدم الضمان على قولهما، لكثرة الفساد بين الناس، حتى ذكر
стр. 1209
ومَنْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ، أَو فَتَحَ قَفَصَ طَائِرٍ لا يَضْمَنُ.
ومَنْ سَعَى بِغَيْرِ حَقٍّ، أَو قَالَ مَعَ حَاكِم يُغَرِّمُ: إِنَّه وَجَدَ مَالًا فَغَرَّمَهُ، يَضْمَنُ.
===
الصدر الشهيد أَنَّ البيت يهدم على مَنْ اعتاد الفِسْق وأَنواع الفساد، وأَنه لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، وبإِراقة العصير قبل أَنْ يشتد على مَنْ اعتاد الفِسْق.
(ومَنْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ) لغيره (أَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرٍ) لغيره فذهب ذلك العبد، أَوْ الطائر عَقِيب ذلك الفعل (لا يَضْمَنُ) عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وبه قال الشافعي في قولٍ، وقال في قولٍ آخَر يَضْمن، وهو قول مالك وأَحمد. وعن محمد يضمن في الطائر، سواء طار من فوره (أَوْ) (١) مَكَثَ ساعةً ثُم طار، لأَن الطائر مجبولٌ على النِّفَار. ولهما أَنه توسط فعل فاعل مختار، وهو العبد والطائر. قيدنا: ـ بالذهاب عقيب الفتح ـ لأَنه لو مَكَث ساعةً ثُم ذهب، لا يضمن عندنا وعند الشافعيّ، خلافاً لمحمد في روايةٍ، ولمالك وأَحمد.
(ومَنْ سَعَى) برجل إِلى سلطان (بِغَيْرِ حَقَ أَوْ قَالَ مَعَ حَاكِم) صفته أَنه (يُغَرِّمُ) على سبيل الاحتمال (إِنَّه وَجَدَ مَالاً) هذه الجملة مقول قال، والضمير المنصوب في «إِنه» عائد إِلى المقول عنه المفهوم من الكلام (فَغَرَّمَهُ) أَي غرم ذلك الحاكمُ المقول عنه (يَضْمَنُ) ذلك الساعي والقائل زجراً له، وهذا عند محمد، وعليه الفتوى. وقال أَبو حنيفة وأَبو يوسف: لا يضمن، لأَنه توسط فعل فاعل مختار، وهو السلطان والحاكم. والله تعالى أَعلم.
стр. 1210
كِتَابُ الرَّهْنِ
هُوَ حَبْسُ مَالٍ مُتَقَوَّمٍ بِحَقٍّ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ، كَالدَّيْنِ.
===
كتاب الرَّهْن
(هُوَ) لغةً: حَبْسُ الشَّيءِ، أَيِّ شيءٍ كَانَ، بأَيِّ سَبَبٍ كان. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةٌ﴾ (١) .
وشرعاً: (حَبْسُ مَالٍ مُتَقَوَّمٍ بِحَقَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ) أَي استيفاء الحق من المَرْهُون (كَالدَّيْنِ) فإِنه يمكن أَخْذُهُ من المرهون: بأَن يباع، بخلاف العين، لأَن الصورة مطلوبةٌ فيها ولا يمكن تَحْصِيْلُهَا مِنْ شيءٍ آخر.
(مشروعية الرهن)
والأصل في مشروعية الرَّهن قوله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولم تَجِدُوا كَاتِبَاً فَرِهَانٌ مَقْبُوْضَةٌ﴾ (٢) قراءة الجمهور بكسر الراء: جَمْع رَهْن ـ بفتحها ـ، كَعِبَاد جَمْع عَبْد. وقرأَ ابن كثير وأَبو عمرو: «فَرُهُنٌ» ـ بضم الراء والهاء ـ على أَنه جَمْع رَهْن، كَسُقُف في جمع سَقْف، أَوْ جمع رِهَان، وهو جمع رهن. وهذا أَمرٌ بصيغة الخبر معطوفٌ على قوله: «فاكْتُبُوه» (٣) ، أَوْ على قوله: ﴿وأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم﴾ (٤) ، وأَدنى ما يَثْبُت بصيغةِ الأَمر الجَوازُ.
وما أَخرجه الشيخان عن الأَسود، عن عائشة: أَنَّ النبيَّ ﷺ اشترى مِنْ يهوديّ طعاماً إِلى أَجَلٍ، ورَهَنَهُ دِرْعَاً له مِنْ حَدِيدٍ. وما أَخرجه الترمذيّ ـ وقال: حديث حسن صحيح ـ والنَّسائي وابن ماجه، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: قُبِض رسولُ الله ﷺ وإِنَّ دِرْعَهُ مَرْهونٌ عِنْدَ رَجُلٍ يهوديَ على ثلاثين صَاعَاً (٥) مِنْ شَعِيرٍ، أَخَذَهُ لِعِيَالِه. وما رواه أَبو داود ـ وقال: هو عندنا صحيح ـ أَنه ﷺ قال: «لَبَنُ الدَّرِّ يُحلب بنفقته إِذا كان مرهوناً، والظَّهْرُ يُرُكَب بنفقته إِذا كان مَرْهوناً، (و) (٦) على الذي يَحْلُب ويَرْكَب
стр. 1211
وَيَنْعَقِدُ بإِيْجَابٍ وقَبُولٍ، ويَلْزَمُ إِنْ سُلِّمَ مَحُوزًا،
===
النَّفقةُ». وإِجماع الأُمة فإِنهم مِنْ لَدُن زمنه ﷺ إِلى الآن يرهَنُون ويرتهنون من غير مُنْكِر، ولا مُخَالِف.
ثُم الرَّهْن جائزٌ في السفر والحَضَر. وحكى صاحب «الكشاف» عن مجاهد والضحاك أَنهما لم يُجَوِّزَاه إِلاَّ في السفر، أَخْذاً بظاهر الآية. ولنا ما أَخْرَجَهُ البخاري في البيوع عن قَتَادَةَ عن أَنس أَنه قال: ولقد رَهَن رسولُ الله ﷺ دِرعاً له بالمدينة عند يهوديّ، وأَخذ منه شعيراً لأَهله. ولأَن كل عَقْدٍ جازَ في السفر جاز في الحضر، أَصله البيع، وإِنما خُصَّ السَّفَر في الآية بالذِّكْر، لأَن الغالب أَنْ الإِنْسان لا يتمكن فيه من الكتابة والإِشهاد فيستوثق بالرهن، بخلاف الحضر.
(وَيَنْعَقِدُ) أَي الرَّهْن (بإِيْجَابٍ وقَبُولٍ) لأَنه عَقْدٌ فلا بد فيه منهما كغيره من العقود، وعليه عامة المشايخ. وقيل: الركن مُجَرَّدُ الإِيجاب، والقَبُول شَرْطٌ. وأَما القبض ـ فقال بعض أَصحابنا ـ شَرْط الجواز. والجمهور على أَنه شَرْط اللُّزوم، ولذا قال: (ويَلْزَمُ) أَي ويتم عَقْد الرَّهن بالقبض، وهو معنى قوله: (إِنْ سُلِّمَ) المرهون إِلى المُرْتَهِن (١) ، فالضمير (٢) في «يلزم» عائِدٌ إِلى الرَّهن بمعنى العقد المخصوص (٣) ، وفي «سُلِّم» عائدٌ إِليه بمعنى المرهون، هذا إِنْ كان (٤) بصيغة المجهول، وإِن كان بصيغة الفاعل فالضمير فيه للراهن.
وقال مالك: يلزم الرَّهن بنفس العقد، كالبيع. ولنا أَنه تعالى وصف الرَّهن بأَنها مقبوضةٌ، والنكرة إِذا وُصِفت عَمَّت. فتقتضي الآية أَنَّ كل رهنٍ مشروع هو بهذه الصفة، ولأَن المصدر إِذا ذُكِر بحرف الفاء في موضع الجزاء يُراد به الأَمر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٥) فكان هذا الأمْر بهذه الصفة، فينتفي جوازُه بدونها. (مَحُوزَاً) أَي مقسوماً، واحترز به عن رَهْن مُشَاعٍ (٦) ، فإِنه لا يجوز عندنا، خلافاً لمالك والشافعي، وسيأتي.
стр. 1212
مُفْرَغًا، مُمَيَّزًا. والتَّخْلِيَةُ تَسْلِيْمٌ كَمَا في البَيْعِ. وضَمِنَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ ومِنَ الدَّيْن، فَلَو هَلَكَ -وهُمَا سواءٌ- سقَطَ دَيْنُهُ، وإِنْ كَانت قِيْمتُهُ أَكْثَرَ فالفَضْلُ أَمَانَةٌ، وفي أَقَلَّ سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهِ، وَرَجَعَ المُرْتَهِنُ بالفَضْلِ،
===
(مُفْرَغَاً) عن الراهن ومتاعه، واحترز به عن المشغول بأَحدهما، فلو رَهَن داراً وسَلَّمها وهو أَوْ متاعُهُ فيها لا يلزم عقد الرهن، حتى يُسَلِّمها ثانياً بعد خروجه أَوْ متاعه عنها (مميَّزاً) أَي غير مُتَّصِل بغيره اتصالَ خِلْقة، واحترز به عن رَهْن الثمر على الشجر دون الشجر، لأَن المرهون إِذا اتصل بغير المرهون اتصالَ خِلْقة صار كالمُشاع.
(والتَّخْلِيَةُ) مبتدأ، أَي تخلية الراهن بين المَرْهون والمُرْتَهِن في الرَّهن (١) ، بِرَفْع المَوَانِع عن القبض (تَسْلِيْمٌ) للمرهون، لأَن القبض في الرهن بِحُكْم عَقْدٍ مشروعٍ فَيَكْفِي فيه التَّخْلِية (كَمَا في) قبض (البَيْعِ) في ظاهر الرواية. وعن أَبي يوسف وأَحمد أَنَّ التسليم في المنقول لا يكون إِلاَّ بالنقل.
(وضَمِنَ) المُرْتَهِنُ الرهن (بِأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ ومِنَ الدَّيْن) «مِنْ» فيهما (٢) لبيان الأقل، ولو قال: «بالأقل من قيمته ومِن الدَّين» لكان أَفضل، فتأَمل فإِنه مَوْضِعُ الزلل. (فَلَو هَلَكَ ـ وهُمَا (٣) سواءٌ ـ، سَقَطَ دَيْنُهُ) لأَنه صَار مُسْتَوْفِيَاً له حُكْماً.
(وإِنْ كَانت قِيْمتُهُ أَكْثَرَ) من الدَّين (فالفَضْلُ) على الدَّيْن (أَمَانَةٌ، وفي) ما لو كان قيمته (أَقَلَّ) من الدَّين (سَقَطَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهِ) لأَن الاستيفاء بِقَدْر المالية (وَرَجَعَ المُرْتَهِنُ بالفَضْلِ) وعند الشافعي وأَحمد الرَّهْن كله أَمانَةٌ في يد المرتَهِن لا يسقط شيءٌ من الدَّين بهلاكه، لقوله ﷺ في حديث رواه الدَّارقطني: «لا يَغْلَق (٤) الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذي رَهَنَهُ، له غُنْمُه وعليه غُرْمُهُ».
ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُسْتَدْرَكه» وصححه. وأَخرجه أَبو داود في «مراسيله» عن سعيد بن المسيَّب عن النبيّ ﷺ ، قال (٥) : وقوله: «وله غُنْمُه وعليه غُرْمُهُ» من كلام سعيد (لعله عن) (٦) الزهريّ. وقال: هذا هو الصحيح. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن المسيَّب أَنْ رسول الله ﷺ قال: «لا يَغْلَق الرهن مِمَّنْ رهنه».
стр. 1213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وادَّعَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ معنى: «لا يَغْلَق الرهن» ـ بالمعجمة ـ لا يصير الرهن مضموناً بالدَّين. ومعنى: «له غُنْمُه» للراهن الزائد، ومعنى «عليه غُرْمه» أَي على الراهن هلاكه. وعند مالك: إِنْ تَلِفَ بِأَمْرٍ ظاهرٍ ـ كموت وحريق ـ أَمانة (١) ، وإِلاَّ لا، وكذا إِنْ كان الرَّهن من الأَموال الظاهرة، كالحيوان والعَقار، يكونُ أَمانةً، لعدم التهمة عند دَعْوى الهلاك غَالِبَاً.
وإِن كان من الأَموال الباطنة، كالنقدين والحُلِيّ والعُروض، يكون مضموناً بتمام قيمته للتهمة.
وقال زفر: الرَّهْن مضمونٌ بقيمته ـ أَي بتمامها ـ مطلقاً. فلو رَهَن ثوباً قيمتُهُ عشرةٌ بعشرةٍ فهلَك عند المرتَهِن، سقط دَيْنُه، وإِن كانت قيمة الثوب خمسةً، رجع المرتَهِن على الراهن بخمسةٍ، وإِنْ كان قيمتُهُ خَمسةَ عَشَرَ، فالفضلُ أَمانةٌ عندنا، وعند زُفَر يرجع الراهنُ على المرتَهِن بخمسةٍ.
له (٢) ما رَوَى عبد الرزاق، وابن أَبي شيبة في مُصَنَّفَيْهِمَا عن عليَ أَنه قال: الراهِنُ والمرتَهِنُ يَتَرَادَّانِ الفَضْل بينهما في الرَّهْن. وما روى البَيْهَقِيّ عن عليَ: إِذا كان الرَّهْنُ أَفْضَلَ مِنْ القَرْض، أَوْ كانَ القَرْضُ أَفْضَلَ من الرَّهْن ثُم هلك، يَرُدَّانِ الفَضْل.
ولنا ما أَخرج البيهقي عن عمرَ أَنه قال ـ في الرجل يرتَهنُ الرَّهْنَ ويضيع: إِنْ كان أَقَلَّ مِمَّا فيه رَدَّ عليه تمامَ حَقِّه، وإِن كان أَكثرَ فهو أَمينٌ. وما رَوى ابن أَبي شيبة عن محمد بن الحنفية عن عليَ أَنه قال: إِذا كان الرَّهنُ أَكثرَ ممَّا رهنَ به فهلك، فهو بما فيه، لأَنَّه أَمينٌ في الفَضْل وإِذا كان أَقَلَّ مِمَّا رهن به فهلك، رَدَّ الراهنُ الفَضْلَ.
وما رُوِي أَيضاً عن عُمَرَ أَنه قال: إِذا كان الرَّهنُ أَكثر ممَّا رهن به فهو أَمين في الفضل، وإِذا كان أَقلَّ ردّ عليه. وما رُوي أَيضاً عن محمد بن الحنفية عن عليَ قال: إِذا كان أَقلَّ ردَّ الفَضْل، وإِنْ كان أَكثرَ فهو بِمَا فيه. وما رَوى أَبو داود في «مراسيله»، وابن أَبي شيبة في «مصنفه» عن ابن المبارك عن مصعب بن ثابت قال: سمعت عطاءً يُحَدِّث أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ رجلاً فَرَسَاً فَنَفَقَ (٣) في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتَهِن: «ذَهَبَ حَقُّكَ». ولا يجوز أَنْ يُقال: ذهب حَقُّكَ في الحبس، لأَنَّ هذا مِمَّا لا يُشْكل.
وفي «مراسيله» أَيضاً عن عليًّ بن سهل الرَّملي: حدثنا الوليد: حدثنا الأوْزَاعي، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ قال: «الرَّهْنُ بما فيه». قال ابن القَطَّان: مُرْسَلٌ صحيح. وما في آثار الطحاوي ـ بسند صحيح ـ عن أَبي الزِّناد قال: أَدْرَكْتُ
стр. 1214
ويَحْفَظ كالوَدِيْعة.
وَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ كالغَصْبِ، ولا يَصِحُّ فِيهمَا رَهْنٌ، وِإجَارَةٌ، وإِعَارَةٌ، وِإيْدَاعٌ. وفي المُؤجَرِ الأَوَّلُ،
===
مِنْ فقهائنا الذين يُنْتَهَى إِلى أَقوالهم، منهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزُّبَير، والقاسم ابن محمد، وأَبو بكر بن عبد الرحمن، وخَارِجَةُ بن زيد، وعبيد الله، في مشيخة سواهم مِنْ نُظَرَائهم أَهل فِقْه (وصلاح وفَضْل يُذْكَر بالجمع من أَقاويلهم في كتابه على هذه الصفة أَنَّهم) (١) قالوا: الرَّهن بِما فيه إِذا هلك وعميت قيمته. ويرفع ذلك منهم الثقة إِلى رسول الله ﷺ (قالوا: الرَّهنُ بما فيه) (٢) ، ولم يفهم أَحَدٌ من قوله ﷺ : «لا يَغْلق الرهن» نَفْيَ الضمان على المرتَهِن. وذَكَر الكَرْخي عن السلف، كطاوس وإِبراهيم وغيرهما أَنهم اتفقوا أَنَّ المراد به: لا يحبس الرَّهن عند المرتهن احتباساً لا يمكن فكاكه: بأَن يصير مملوكاً للمرتَهِن.
وأُجِيب عَمَّا رَوَوهُ أَنْ المراد بالتَرَادِّ الذي أَخذ به زُفَر الترادُّ حالة البيع، أَي إِذا باع المرتَهِن الرَّهْن يَردُّ ما زاد على الدين، فإِن كان الدين زائداً يردُّ الراهن. وعن أَبي يوسف أَنْ معنى الحديث الذي رواه الدَّارقطني: أَنْ الفَضْل في قيمة الرَّهن لربه، ولا يكون مضموناً ولا يُغْلَق، وإِن كان فيه نُقْصَان رَجَعَ المرتَهِن بالفضل.
وأَمَّا معنى «لا يَغْلَق الرَّهن» فقال ابن الأَثِيْر: يقال غَلِق الرَّهن يَغْلَق غلوقاً، إِذا بَقِي في يد المرتَهِن لا يَقْدِرُ راهِنُهُ على تخليصه. ومعنى قوله ﷺ : «لا يَغْلَق الرهن بما فيه» أَنه لا يستحقه المرتَهِن إِذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فِعْل الجاهلية أَنَّ الراهن إِذا لم يُؤَدِّ ما عليه في الوقت المَعَيَّن مَلَك المرتَهِن الرَّهْن، فأَبطله الشرع. ذكره الزُّهْري.
(ويَحْفَظ) المرتَهِنُ الرهن (كالوَدِيْعة) فيحفظه بنفسه، وزوجته، وولده، وخادمه على ما تقدم (وَإِنْ تَعَدَّى) المرتَهِن على الرهن (ضَمِنَ) جميع قيمته (كالغَصْبِ) فعليه رَدُّ ما زاد على الدَّين، لأَن الزيادة على قَدْر الدين أَمانة في يده، والأَمَانات تُضْمَن بالتعدي.
(ولا يَصِحُّ فِيهمَا) أَي الرَّهْن والوديعة (رَهْنٌ، وإِجَارَةٌ، وإِعَارَةٌ، وإِيْدَاعٌ) أَما الإِجارة والإِعارة فلأَن كُلاًّ من المرتَهِن والمودَع ليس له الانتفاع بالرَّهن والوديعة، فليس له تَسْلِيْط غَيرِهِ على ذلك. وأَما الرَّهْن والوديعة فلأَن كُلاًّ من الراهن والمودَع رضي بِيَدِ المُرتَهِن والمودَع دون غيره.
(و) لا يصح (في المُؤجَرِ الأَوَّلُ) وهو الرَّهْن، لأَن المستأْجِر لا يملك عَيْنَ
стр. 1215
وفي المُعَارِ الأَوَّلَانِ.
ولا يَبْطُلُ الرَّهْنُ لو فَعَلَ، لَكْن يُضْمَنُ كَمَا مَرَّ. وَجَعْلُ الخَاتَمِ في الخِنْصَرِ تَعَدٍّ، وفي أُصْبَعٍ أُخْرَى حِفْظٌ.
وإِذَا طَلَبَ دَيْنَهُ أُمِرَ بإِحْضَارِ رَهْنِهِ، إِلَّا إِذا وُضِعَ عِنْدَ عَدْلٍ، فَيُسَلِّمُ كُلَّ
===
المؤجَر، فلا يملك تسليط غيره بالاستيفاء منه. (و) لا يصح (في المُعَارِ الأَوَّلَانِ) وهما الرَّهن والإِجارة، لأَنهما لاِزمان، والإِعارة غيرُ لازمة، بل للمُعِير أَنْ يرجع فيها متى شاء. (ولا يَبْطُلُ الرَّهْنُ لو فَعَلَ) المِرْتَهِن شيئاً من هذه الأَمور الأَربعة التي ذَكَر أَنها لا تصح في الرهن والوديعة، لأَنها تصرّفٌ من المرتَهِن والرَّهْن لا يَبْطُلُ بتصرفه (لَكْن يُضْمَنُ) الرهن (كَمَا مَرَّ) لحصول التعدي فيه من المرتَهِن.
(وَجَعْلُ الخَاتَم في الخِنْصَرِ) اليُمْنَى أَوْ اليُسْرى (تَعَدَ) لأَنه يستعمل كذلك عادةً، والمرتَهِن غير مأَذون له في الاستعمال ولو كان متَضمِّنَاً للحفظ. إِذْ هو مأذونٌ بمجردِ الحِفْظ (و) جعل الخاتم (في أُصْبَعٍ أُخْرَى) غير الخِنْصِر (حِفْظٌ) من الرَّجل، لأَنه لا يُلْبس كذلك عادةً، فكان ذلك من الحفظ دون الاستعمال. والمراد ـ بعدم الضمان فيما يُعَدّ حفظاً لا استعمالاً ـ أَنْ لا يُضْمن ضمانَ الغصب، لا أَنْ لا يُضْمن أَصلاً، لأَن الرهن مضمونٌ بالدَّين فيسقط بهلاكِهِ الأَقلُّ من قيمته ومن الدين.
ولو قال المشتري للبائع: أَمسك هذا الثوب حتى أُوفِيَك الثمن، يكون رَهْنَاً عندنا، كـ: أَمْسِكْه بِدَيْنِك، أَوْ أَمْسكه بمالك، لأَن هذا كلام يُؤَدِّي معنى الرَّهن، وهو الحَبْس الدائم إِلى وَقْت الفِكَاك، والعبرة في العقود للمعاني وإِن اختلفت المَبَاني. وجعله أَبو يوسف وزُفَر أَمانةً، كمالكٍ والشافعي. لأَن قوله: «أَمسك» يَحتمل الرهنَ والإِيداعَ، والإِيداعُ أَقلّ الأَمْرَين فَيُحْمل عليه، بخلاف: أَمسك بِدَينك لتعيّن جهة الرهن حيث قابله الدَّين.
(وإِذَا طَلَبَ) المرتَهِن من الراهن (دَيْنَهُ أُمِرَ) المرتَهِن (بإِحْضَارِ رَهْنِهِ) أَوَّلاً، لأَن قبض الرهن استيفاء. فلو أُمِر الراهنُ بقضاء الدَّيْن قبل إِحضار المرتَهِن الرَّهْنَ ربما هلك الرَّهن بعد ذلك، أَوْ كان هالكاً قبل ذلك، فيصير المرتَهِنُ مستوفياً دَيْنَهُ مرتين.
(إِلاَّ إِذا) كان الرَّهن (وُضِعَ عِنْدَ عَدْلٍ) وغاب ذلك العَدْلُ ولم يدر أَين هو، أَوْ كان العَدْل أَوْدَع الرَّهْن عند مَنْ في عياله وغاب العَدْلُ، وطلب المرتَهِنُ دَيْنَهُ، والذي عنده الرَّهْنُ يقول: أَوْدَعني فلانٌ ولا أَدري لِمَنْ هو؟ فإِن الراهن حينئذٍ يُجْبَر على قضاء الدَّيْن ولا يكلف المرتَهِن بإِحضار الرهن، ولا يؤخر قضاء الدين إِلى إِحضاره، ولا يتراخى قبض الدين بسببه، (فَيُسَلِّمُ) الراهن المرتَهِن، بعد إِحضار المرتَهِن الرَّهن (كُلَّ
стр. 1216
دَينِهِ ثُمَّ رَهْنَهُ إِنْ طَلَبَ في غَيْرِ بَلَدِ العَقْدِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّهْنِ مُؤْنة حَمْلٍ، وعَلَيْهِ مُؤَنُ حِفْظِهِ، وَعَلَى الرَّاهِن مُؤَنُ تَبْقِيَتِه.
وجُعْلُ الآبق ومُدَاوَاةُ الجُرْحِ مُنْقَسِمٌ عَلَى المَضْمُوْنِ والأَمَانَةِ.
===
دَينِهِ) لَتَعَيّن حَقِّه، كما تعين حَقّ الراهن بإِحضار الرهن، تحقيقاً للتسوية، (ثُمَّ) يسلِّم المرتَهِن للراهن (رَهْنَهُ) كما في المَبِيع والثمن، فإِنَّ البائع يُحْضِر المبيع، ثُم المشتري يُسلم الثَّمن أَوَّلاً، وكذا يؤمر المرتَهِن بإِحضار الرَّهْن أَوَّلاً.
(إِنْ طَلَبَ) دينه (في غَيْرِ بَلَدِ العَقْدِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّهْنِ مُؤْنة حَمْلٍ) لأَن الأَمكنة فيما لا مؤنة فيه سواء، وأَما إِذا كان له مؤنة لم يكلف المرتَهِن إِحضار الرهن، لأَنَّ عين الرهن أَمانة عنده، فلا يكون عليه الرَّدّ، بل يكون عليه التسليم بمعنى التخلية، وليس النقل من بلد إِلى بلدٍ آخر من التسليم في شيءٍ، فصار ساقطاً عنه بِحُكْم العَقْد، فلا يصير عُذْراً في تأخير الدَّيْن، ولكن يَحْلف المرتَهِن بالله ما هَلَكَ الرَّهْن إِنْ طَلَبَ الراهِن الحَلِف، لأَنه غائِبٌ فيحتمل الهلاك فيبطُل الدين، فإِذا حَلَف أَعطاه دَيْنَه، ولا يُلْزَم المرتَهِن تمكينَ الرَّاهن مِنْ بيع الرَّهْن لإيفاء الدين من ثَمَنِهِ، لأَن حُكْم الرهن الحَبْس الدائم إِلى أَنْ يقضيه دَيْنَه.
(وعَلَيْهِ) أَي على المرتَهِن (مُؤَنُ حِفْظِهِ) أَي حِفْظ الرهن، كأُجرة البيت الذي فيه الرهن، في ظاهر الرواية، وكذا أُجرة حافظ، لأَن الإِمساك حَقُّه، والحفْظ واجبٌ عليه، فيكون عليه مَؤُنته (وَعَلَى الرَّاهِن مُؤنُ تَبْقِيَتِه) بضم الميم (وفتح الهمزة) (١) جمع مؤنة ـ وذلك سواء كان في الرهن فضل أَوْ لم يكن، لأَن الرهن باقٍ على ملكه فيكون ما يبقيه عليه (٢) ، لأَنه مُؤَنة مِلْكه كما في الوديعة، وهذا كنفقة مأكله، ومشربه، وكسوة الرقيق، وأَجرة راعيه، وسَقْي البستان، وكَرْي النهر، وتلقيح نخيله وجُداذه (٣) ، (وأمثال) (٤) ذلك حتى تجهيزه بعد الموت ودفنه.
(و) أَما (جُعْلُ (٥) الآبق) لرادِّه، (و) ثمن (مُدَاوَاةُ الجُرْحِ) ومعالجة المرض، وفداء أَرْش (٦) جناية الرَّهْن، فهو (مُنْقَسِمٌ عَلَى المَضْمُوْنِ والأَمَانَةِ) فما هو حِصَّةُ
стр. 1217
فَصلْ [في رَهنِ المُشاع]
لا يَصِحُّ رَهْنُ مُشَاعٍ، وتَمْرٍ عَلَى نَخْلٍ دُوْنَه، وزَرْعِ أَرْضٍ، أَو نَخْلِهَا دُوْنَهَا، والحُرِّ وفُرُوعهِ.
===
المضمون فعلى المرتَهِن، وما هو حِصَّة الأَمانة فعلى الراهن، ونمنع نحن ومالك تَصُّرفَ الراهن في الرهن ولو كان بلا ضَرَرٍ يحصل فيه، كَسُكْنَى الدار، وركوب الدابة، إِلاَّ بإِذن المرتَهِن، كما لا يجوز للمرتَهِن أَنْ ينتفع به بدون إِذنه اتفاقاً.
وأَجاز الشافعيُّ انتفاع الراهن بالرَّهْن إِنْ لم يضر بالمرتَهِن. ولو أَكل المرتَهِن نماءه، كاللبِن، والثمر، والولد بإِذنٍ من الراهن لم يسقط شيء من دَيْن المُرتَهِن، لأَنه أَتْلَفه بإِذن مالكه، ويرجع بحِصَّة النماء إِنْ هلك الأصل عنده، فيقسم الدَّين على قيمة النماء الذي أَكله، وعلى قيمة الأَصل، فما أَصاب النماء منه أَخذه المرتَهِن من الراهن، لأنه تَلِف على مِلْك الراهن بِفِعْل المرتَهِن، والفعل حَصَل بتسليطٍ من قِبَلِه فصار كأَنه أَخَذَه وأَتْلَفَه، فكان مضموناً عليه، فيكون للمرتَهِن حِصّةٌ من الدَّين. والله تعالى أَعلم.
فصل (في رهن المُشاع)
(لا يَصِحُّ رَهْنُ مُشَاعٍ) سواء كان فيما يُقْسم أَوْ فيما لا يُقْسَم، وسواء رَهَنَهُ الرَّاهن مِنْ شَريكه أَوْ غيرهِ وسلمه كلَّه إِليه، وعند مالك والشافعي صحيح. (و) لا يصح رَهْن (تَمْرٍ عَلَى نَخْلٍ دُوْنَه) أَي دون النَّخْل. (و) لا رهن (زَرْعِ أَرْضٍ، أَوْ) رهن (نَخْلِهَا) أَي نخل الأَرض (دُوْنَهَا) أَي دون الأَرض، لأَن المرهون مُتَّصِلٌ بما ليس بمرهون اتصال خلقةٍ، فكان بمنزلة المُشاع. وكذا لا يجوز رَهْنُ أَرضٍ دون نَخْلِهَا، أَوْ دون زَرْعِهَا، ولا رهنُ نَخْل دون ثمره، إِذْ لا يمكن قَبْض المرهون وَحْدَه فصار كالمُشَاع.
(و) لا يصحُ رَهْنُ (الحُرِّ وفُرُوعهِ) أَي المُدَبَّر (١) ، وأُم الولد (٢) ، والمُكَاتَب (٣) ، لأَن موجَب الرهن ثبوتُ يد الاستيفاء، وهو لا يتصور من هذه الأَعيان لقيام
стр. 1218
ولا بالأَمَانَاتِ. والمَبِيعِ في يَدِ البَائِعِ والقِصَاصِ.
وصَحَّ بِعَيْنٍ مَضْمُوْنَةٍ بالمِثْلِ أَو بالقِيْمَة، وبالدَّيْنِ ولو مَوْعُودًا، بأَن رَهَنَ لِيُقْرِضَهُ كذا، فَهُلْكُهُ في يَدِ المُرْتَهِن عَلَيْهِ بِمَا وَعَدَ،
===
(المانع) (١) . (ولا) يصح الرَّهن (بالأَمَانَاتِ) كالودائع، والعواري، ومال المضاربة (٢) ، ومال الشركة، لأَن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتَهِن وحق صاحب الأَمانة في العين مقصورٌ عليه، واستيفاء العين في عين أُخرى غير ممكن.
وحاصله أَنَّ الرَّهْن لا بد فيه من الضمان، ليقع مَضْمُوناً ويتحقق استيفاء الدين منه، ولا ضمان في الأمانات. (و) لا (المَبِيع في يَدِ البَائِعِ) لأَنه ليس بمضمون بِمِثْلٍ ولا بقيمةٍ، لكن يسقط بهلاكه الثمن الذي هو حق البائع، ويُسمى هذا مضموناً بغيره. (و) لا (القِصَاصِ) سواء كان في نَفْسٍ أَوْ فيما دونها، لِتَعَذُّر الاستيفاء من الرهن.
(وصَحَّ) الرَّهْن (بِعَيْنٍ مَضْمُوْنَةٍ) عند الهلاك (بالمِثْلِ)، إِنْ كانت مِثْلِيَّةً (أَوْ بالقِيْمَة) إِنْ كانت قِيْميَّةً، ويُسمى هذا مضموناً بنفسه، وذلك كالمغصوب، والمهر، وبَدَل الخُلْع (٣) ، والصلح عن دَم العمد، لأَن واحداً من هذه الأَشياء إِنْ كان باقِياً وجب تَسْلِيْمُهُ، وإِن كان هَالِكَاً وجب مِثْلُهُ أَوْ قِيْمَتُهُ، فكان الرهن بها رهناً بما هو مضمونٌ، فيصح عندنا وعند مالك. ولم يُجِزه الشافعيّ إِلاَّ بِدَيْنٍ لَازِمٍ لعدم إِمكان استيفاء العين من المرهون.
(و) صح الرهن (بالدَّيْنِ ولو مَوْعُوداً: بأَن رَهَنَ) رهناً (لِيُقْرِضَهُ كذا فَهُلْكُهُ) بالرفع مبتدأ، أَي فهلاك الرهن، وصفته (في يَدِ المُرْتَهِن) قبل أَنْ يقرضه (عَلَيْهِ) خبره، أَي على المُرْتَهِن (بِمَا وَعَدَ) به إِنْ كان مُسَاوِياً لقِيمة الرَّهْن أَوْ أَقل، وأَما إِذا كان أَكثر فلا يكونُ مضموناً بالدَّيْن بل بالقيمة.
وصورته أَنْ يقول: رَهنْتُكَ هذا لِتُقْرِضَنِي أَلْف درْهم، فقبض الواعد (٤) الرهن وهلَك في يده قبل أَنْ يُقْرِضه أَلفاً، فإِنه يهلك مضموناً على المُرْتَهِن، حتى يجبُ عليه تسليمُ الأَلْفِ إِلى الراهن بعد هلاكه، لأَن الموعود جُعِل هنا كالموجود باعتبار الحاجة، فكان حَاصِلاً بعد القرض حُكْمَاً، إِذْ الظاهر أَنَّ الخُلْف لا يجري في الوعد، فكان مُفْضياً إِلى الوجود غالباً، بخلاف الرهن بالدَّرَك: وهو أَنْ يأخذ المُشْتَري من
стр. 1219
وبِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وثَمَنِ الصَّرْفِ، والمُسْلَمِ فِيْهِ، فإِنْ هَلَكَ في المَجْلِسِ، فَقَد أُخِذَ، وإِن افْتَرَقَا قَبْلَ نَقْدٍ وهَلَك، بَطَلَا.
ويَتِمُّ الرَّهْنُ بِقَبْضِ عَدْلٍ، شُرِطَ وَضعُهُ عِنْدَهُ. ولا أَخْذَ لأَحَدِهِمَا منه، وهُلْكُهُ مَعَهُ هُلْكُ رَهْنٍ، فإِنْ وَكَّلَ العَدْلَ أَو غيرَهُ بِبَيْعِهِ صَحَّ. فإِنْ شُرِطَ في الرَّهْن لَمْ يَنْعَزِل بِالعَزْلِ
===
البائع رهناً بالثمن خوفاً من استحقاق (١) المبيع، فإِنه باطلٌ، إِذِ الظاهر أَنْ البائع يبيع مال نفسه.
(و) صح الرَّهن (بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (٢) ، وثَمَنِ الصَّرْفِ، والمُسْلَمِ فِيْهِ) خلافاً لِزُفَر (فإِنْ هَلَكَ) الرهن المذكور (في المَجْلِسِ) أَي مجلس العقدِ (فَقَد أُخِذَ) أَي تَمَّ العقد، وأَخَذَ المرتَهِنُ الرهن المذكور، يعني فصار المرتَهِنُ مستوفياً حَقَّه بهلاك الرهن عنده، وتَم الصرف، والسَّلَم، لوجود القبض حُكْمَاً (وإِن افْتَرَقَا) أَي المتعاقدان في الصَّرْف والسَّلَم (قَبْلَ نَقْدٍ) أَي نقد رأس المال وثمن الصرف. (و) قَبْل (هَلَك) أَي (هلاك) (٣) الرهن برأسِ المال وثمن الصرف (بَطَلَا) أَي السَّلَم والصَّرْف، لفوات القبض حقيقةً وحُكْمَاً. أَما الرَّهْن بالمُسْلَم فيه فلا يبطل إِنْ افترقا قبل النقد والهلاك.
(ويَتِمُّ الرَّهْنُ بِقَبْضِ عَدْلٍ شُرِطَ) في عقد الرهن (وَضعُهُ) أَي وَضْع الرهن (عِنْدَهُ) أَي العدل. وقال زُفَر وابن أَبي لَيْلَى: لا يَتِم (ولا أَخْذَ لأَحَدِهِمَا) أَي الراهن والمرتَهِنْ (منه) أي من العَدْل لتعلّق حقّ الراهن في الحِفْظ بيده وتعلق حق المرتهن. به استيفاءً ولا يُمَلَّكُ أَحَدَهُمَا لإِبطال حَقِّ الآخر (وهُلْكُهُ) أَي هلاك الرهن (مَعَهُ) أَي العَدْل (هُلْكُ رَهْنٍ) فيهلك في ضمان المُرْتَهِن، لأَن يَدَ العَادِل في حق المالية يَدُ المرتَهِن، والمالية هي المضمونة.
(فإِنْ وَكَّلَ) الراهن (العَدْلَ) أَوْ المرتهن (أَوْ غيرَهُ بِبَيْعِهِ) أَي المرهون عند حلول الدين (صَحَّ) التوكيل، لأَنه وَكَّلَهُ بِبَيْع مالِه، والرهن شُرِعَ وثيقةً لجانِب الاستيفاء، وبالتوكيل يصيرُ جانب الاستيفاء أَوثقَ، فكان التَوكيل بالجواز أَحَقّ (فإِنْ شُرِطَ) الوكالة (في) عقد (الرَّهْن) فليس للراهن أَنْ يعزِلَ الوكيل، وإِن عزله (لَمْ يَنْعَزِل بِالعَزْلِ) سواء كان الوكيلُ العَدْلَ أَوْ المُرْتَهِنَ أَوْ غيرَهما، لأَنه لَمَّا شُرِط في ضمان العَقْد صار وَصْفَاً
стр. 1220
وبِمَوْتِ أَحَدٍ إِلَّا بِمَوْتِ الوَكِيْلِ.
وإِذَا حَلَّ الأَجَلُ والرَّاهِنُ أَو وَارِثُه غَائِبٌ، أُجْبِرَ الوَكِيْلُ عَلَى البَيْعِ، كَوَكِيْلٍ بالخُصُوْمَةِ غَابَ مُوَكِّلُهُ، وأَبَاهَا. وإِذَا بَاعَ العَدْلُ فالثَّمَنُ رَهْنٌ فَهُلْكُه كَهُلْكِهِ.
===
مِنْ أَوصافه فيلزم كأَصْلِهِ، لأَن حُكْم التبع لا يفارق الأَصْل.
(و) لم ينعزل (بِمَوْتِ أَحَدٍ) راهناً كان أَوْ مُرْتَهِنَاً، لأَن التوكيل متى صار لازِمَاً تَبَعاً للرهن يبقى ببقائه، ولا يَبْطُل الأَصل بموتها فيبقى التبع في ضمنه (إِلاَّ بِمَوْتِ الوَكِيْلِ) والرهن على حاله، فإِن التوكيل الواقع في عقد الرهن بِبَيْع المرهون يَبْطل، ولا يقوم وارِثُ الوكيل ولا وَصِيُّه مقامه، لأَن المُوَكِّل رضي برأَي الوكيل لا برأي غيره. ويبيع الوكيل ـ ولو بغيبة ورثةِ الراهن ـ للإِيفاء كما في حال حياة الراهن بغير مَحْضَرٍ منه، فإِن لم يكن للراهن وَصيٌّ أَمر القَاضِي ببيعه وإِيفاء الدين مِنْ ثمنه نَظَراً للجانبين.
(وإِذَا حَلَّ الأَجَلُ والرَّاهِنُ أَوْ وَارِثُه غَائِبٌ) وأَبَى الوَكِيْلُ الذي وَكَّلَه الراهن بالبيع في عقد الرهن أَنْ يبيعه (أُجْبِرَ الوَكِيْلُ عَلَى البَيْعِ) للزوم التوكيل، سواء شرطاه في عقد الرهن أَوْ بعده. وكيفية الإجبار أَنْ يَحْبِسَهُ القاضي أَياماً لبيعه، ولا يَفْسُد البيع بهذا الإِجبار، لأَنه إِجبارٌ لْحَقَ فكان كَـ: لَا إِجبار، فإِن لَجَّ بعد الحبسِ فالقاضي يبيع عليه (كَوَكِيْلٍ بالخُصُوْمَةِ غَابَ مُوَكِّلُهُ) وطلب المُدَّعي الخصومة (وأَبَاهَا) الوكيل، فإِنه يُجبر على الخُصومة، لأَن المُدَّعِي إِنَّما خَلَّى سبيل الخصم اعتماداً على وكيله، وفي عدم مخاصمته إِبطالُ حَقِّه. والجامع أَنْ في امتناع الوكيل في كُلَ من المسأَلتين تفويتَ الحق على صاحبه.
(وإِذَا بَاعَ العَدْلُ) الرَّهْنَ (فالثَّمَنُ) وإِن كان غيرَ مقبوضٍ (رَهْنٌ) لأَن الرهن لَمَّا خرج عن الرهنية بصيرورته للمُشْتَري، انتقلت الرهنية إِلى ثمنه (فَهُلْكُه) أَي ثمن الرهن (كَهُلْكِهِ) أَي الرهن في سقوط الدين به، لقيامه مقامه.
ويصح رهن الذهب والفضة وكذا المَكِيل والموزون، لأَنهما محل الاستيفاء فيكون محلاً للرهن بالثمن، فإِن رهنت بجنسها هلكت بِمِثْلِها من الدَّين وزناً، والجودة ساقطةٌ عند أَبي حنيفة إِذا تفاوتا فيها، إِذْ لا عبرة بجودةٍ في الأَموال الربوية عند المقابلة في جنسها، فيصير مستوفياً لْحَقِّه باعتبار الوزن دون الجودة.
وهما اعتبراها فيضمن القيمة من خلاف جنسه ويكون رهناً مكانه، لأَنه لو صار مُسْتوفِياً لتضرر.
فلو رهن قلبَ فضةٍ وزنُه عشرة، وقيمته ثمانية بعشرة فهلك، فهو بالعشرة عند أَبي حنيفة، اعتباراً للوزن، وبه وفاء الدين. وضمَّنا المرتهن قيمته ذهباً وجعلاها رَهْنَاً
стр. 1221
فَصْل [في التصُّرف بالرَّهن والجناية عليه]
وَقَفَ بَيْعُ الرَّاهن رَهْنَهُ، فإِنْ أَجَازَ مُرْتَهِنُهُ أَوْ قَضَى دَيْنَهُ نَفَذَ، وصَارَ ثَمَنُهُ رَهْنًا. وإِنْ لَمْ يُجِزْ وفَسَخَ -لا يَنْفَسِخُ في الأَصَحِّ-، وصَبَرَ المُشْتَرِي إِلى فَكِّ الرَّهْنِ، أَوْ رَفَعَ إِلى القَاضِي لِيَفْسَخَ.
وصَحَّ عَتَاقُهُ
===
مكانه، لأَنه لو صار مُستوفياً كُلَّ الدَّيْن باعتبارِ الوزن لبطل حق المرتَهِن في الجودة فيتضرر به، ولو صار مستوفياً من دَيْنِهِ ثمانية اعتباراً للقيمة (لصار) (١) مستوفياً ثمانيةً بعشرةٍ من حيث الوزنُ فيكون رِباً. فلهذه الضرورة صرفا إِلى التضمين من خلاف جنسه، وقالا: ينقض الاستيفاء وجعل كأَنه لم يهلك، ولأَنه كما يجب مراعاة حَقِّه في الوزن، يجب مراعاة حَقِّه في الجودة مهما أَمكن.
فصل (في التصرف بالرهن والجناية عليه)
(وَقَفَ بَيْعُ الرَّاهن) أَي لزوم بيعه (رَهْنَهُ) بغير إِذن المرتَهِن على إِجازته، إِذْ المرتَهِن على إِجازَتِه، إِذْ لا يَجُوز بيعُ أَحَد العاقدين بلا إِذن صاحبه: أَما المرتَهِنُ فلعِدم مِلْكِه، وأَما الراهن فَلِتَعَلُّقِ حَقِّ المرتَهِن بماليته (فإِنْ أَجَازَ مُرْتَهِنُهُ) البيع (أَوْ قَضَى) الراهن (دَيْنَهُ نَفَذَ) البيع، لأَن المُقْتَضِي لنفاذه موجودٌ وهو التصرف الصادر عن الأَهْل في المحل، وعدم نفاذه إِنما هو لتعلقِّ حق المرتَهِن بالرهن لاستيفاء دَيْنِه، وقد زال ذلك بإِجازته أَوْ أَخْذِه دَيْنَه.
(و) إِذا نَفَذَ البيع بإِجازة المرتَهِن (صَارَ ثَمَنُهُ رَهْنَاً) وإِن لم يشترط ذلك على الصحيح (وإِنْ لَمْ يُجِز) المرتهن بيع الرهن (وفَسَخَ، لا يَنْفَسِخُ) البيع (في (الأَصَحِّ)) (٢) بل يبقى موقوفاً حتى لو افْتَكَّهُ الراهنُ كان للمشتري سبيل عليه، فإِذا لم يَنْفَسِخ (و) بقي موقوفاً (صَبَرَ المُشْتَرِي إِلى فَكِّ الرَّهْنِ) لِيُسَلَّم له المبيع، لأَن المنافع على شرف (٣) الزوال (أَوْ رَفَعَ) الأَمر (إِلى القَاضِي لِيَفْسَخَ) البيع بِحُكْمِ العجز عن التسليم، لأَن ولاية الفسخ إِلى القاضي.
(وصَحَّ) أَي نَفَذَ (عَتَاقُهُ) أَي إِعتاق الراهن موسِراً كان أَوْ مُعْسِراً، (وتدبيره) (٤)
стр. 1222
واسْتِيلادُهُ رَهْنَهُ. فإِنْ فَعَلَهَا غَنِيًّا، فَفِي دَيْنِهِ حَالًّا، أَخَذَ الدَّيْنَ، وفي المُؤَجَّلِ قِيْمَتَهُ رَهْنًا إِلى مَحِلِّ أَجَلِهِ. وإِنْ فَعَلَهَا مُعْسِرًا، ففي العِتْق، سعى العَبْدُ في أَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ ومِنَ الدَّيْنِ، ورَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ. وفي أُخْتَيْه سَعَى في كُلِّ الدَّيْنِ
===
رهنه (واسْتِيلادُهُ (١) رَهْنَهُ) وهو قول الشافعي. وعنه لا ينفذ العِتْق مطلقاً، لأَنه تَصَرُّفٌ لا في حَقِّ المُرْتَهِن بالإِبطال، فكان مردوداً كالبيع. وأَما تدبير الراهن العبدَ المرهون فيصح بالاتفاق. وإِذا صح التَّدْبير والاستيلاد خرج المُدَبَّر وأُم الولد عن الرهنية لبطلان المَحلِّية، لأَن استيفاء الدين لا يصح منهما (فإِنْ فَعَلَهَا) أَي الراهن العتق، والتدبير، والاستيلاد حال كونه (غَنِيَّاً، فَفِي دَيْنِهِ) أَي دَيْن المرتَهِن حال كونه (حَالاًّ، أَخَذَ) المُرْتَهِن (الدَّيْنَ) لا قيمة الرهن، إِذْ لا فائدة في أَخْذِهِ القيمةَ مع حلول الدَّيْنِ، لأَنها من جنس الدين استيفاءً له.
(وفي) دَيْنه (المُؤَجَّلِ) أَخَذَ المرتَهِن (قِيْمَتَهُ) أَي قيمة الرهن (رَهْنَاً) مكانه (إِلى مَحِل أَجَلِهِ) أَي الدَّيْن، لأَن تَصَرُّفَ الراهن وإِنْ صادف مِلْكه إِلاَّ أَنه تَعَدَّى إِلى حقِّ المرتَهِن، فيجب ضمانُهُ ويكون رَهْنَاً مكانَه دفعاً للضرر عن المرتَهِن، فإِذا حَلَّ الدَّيْن اقتضى المرتَهِن بِحَقِّهِ إِنْ كان من جنس دَيْنِه، لأَن الغريم له أَنْ يستوفي دَيْنَه من مال غريمه إِنْ ظَفَر به وهو من جنس حقه، وَرَدَّ الفضل لانتهاء حُكْم الرَّهْن بالاستيفاء.
(وإِنْ فَعَلَهَا) حال كونه (مُعْسِراً، ففي العِتْق، سعى العَبْد في أَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ ومِنَ الدَّيْنِ) وقضى به الدَّيْن إِنْ كان حالاًّ، ووضعه رهناً عنده إِنْ كان مؤجلاً، فإِذا حَل الدَّيْن قضى به (ورَجَعَ) العبد بِما أَدَّى (عَلَى سَيِّدِهِ) حال كونه غَنِيًّا، لأَنه سَعَى في دَينٍ على سيده بإِلزام الشَّرْع له فكان مُضْطَرّا في قضائه. ومَنْ قَضِى دين غيرِه وهو مضطرٌ في قضائه يرجع عليه بما قضى عنه.
(وفي أُخْتَيْه) أَي أُختي العِتق، وهما مسأَلتا التدبير والاستيلاد عليه (سَعَى) المُدَبَّر والمستولدة إِذا كان المَوْلَى مُعْسِراً (في كُلِّ الدَّيْنِ) لأَن كسبهما مملوكٌ للمَوْلى فكان قادراً على أَداء الدَّيْن به، وهو لو كان قادراً على أَداء الدين بمالٍ آخَر أُمِر بقضائه منه، فكذا إِذا كان قادراً عليه بكسبهما. بخلاف المُعْتَقِ حيث يَسْعَى في الأَقل من الدَّين ومن القيمة، لأَن كسبه خَالِصُ حَقِّه فلا يُجبر على أَنْ يَقْضِي به دَيْن سيده، ولكن لما سُلِّمت له مالية رقبته، وهي مشغولةٌ بْحَقِّ المرتَهِن، لَزِمه السِّعَاية (٢) في
стр. 1223
ولا رُجُوْعَ.
وإِتْلَافُهُ رَهْنَهُ كإِعْتَاقِهِ غَنِيًّا. وأَجنبيٌّ أَتْلَفَهُ ضَمَّنَهُ مُرْتَهِنُهُ، وَكَانَ رَهْنًا مَعَهُ.
وَرَهَنٌ أَعَارَهُ مُرْتَهِنُهُ رَاهِنَه، أَو أَحَدُهُمَا بإِذْنِ صَاحِبِه آخَرَ، سَقَطَ ضَمَانُهُ، ولِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنًا.
وإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْل رَدِّهِ فالمُرْتَهِنُ أَحَقُّ مِنْ غُرَمَائِهِ.
ومُرْتَهِنٌ أُذِنَ باسْتِعْمَالِ رَهْنِهِ: إِنْ هَلَكَ
===
قَدْرها (ولا رُجُوْعَ) من المدبَّر والمستولدة بما يؤديان قبل العِتْق على المولى بعد يَساره، لأَنَّهما يؤديان من كسبهما وهو ملك المولى، بخلاف (المُعْتق) (١) حيث يرجع لأَنه يؤدِّي من مِلْك نَفْسه.
(وإِتْلَافُهُ) أَي الراهن (رَهْنَهُ) بأَن استهلكه (كإِعْتَاقِهِ) أَي الراهن العبدَ المرهون حال كونه (غَنِيًّا) فإِن كان الدَّين حالاًّ أَخذ منه، وإِن كان مؤجلاً أَخذ قيمة الرهن، وجُعِلت رهناً مكانه إِلى حلول أَجَلِه، لأَن الراهن أَبْطَلَ حَقَّ المرتَهِن من الوثيقة، ولا يمكن استدراك حَقّه إِلا بِجَعْل قيمة الرَّهن رهناً مكانه.
(وأَجنبيٌّ) مبتدأ صفته (أَتْلَفَهُ) أَي الرهن، والخبر (ضَمَّنَهُ) أَي الأَجنبي (مُرْتَهِنُهُ) قَدْرَ قيمته يوم الإِتلاف (وَكَانَ رَهْنَاً مَعَهُ) أَي عند المُرْتَهِن، لأَنه أَحق بعين الرَّهْن حال قيامه، فكذا بما قام مقامه حال هلاكِه.
(وَرَهَنٌ) مبتدأ، صفته (أَعَارَهُ مُرْتَهِنُهُ رَاهِنَه) وقبضه الراهن (أَوْ) أَعارَهُ (أَحَدُهُمَا) أَي الراهن أَوْ المرتَهِن (بإِذْنِ صَاحِبِه) إِنساناً (آخَرَ) وقبضه ذلك الآخر (سَقَطَ ضَمَانُهُ) خبر المبتدأ، (و) كذا (لِكُلَ مِنْهُمَا) أَي الراهن والمرتَهِن إِذا أَعَار أَحَدُهُمَا الرهن إِنساناً آخَرَ (أَنْ يَرُدَّهُ رَهْنَاً) كما كان، لأَن لكلَ منهما فيه حَقًّا محترماً.
(وإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْل رَدِّهِ) أَي الرهن إِلى المرتَهِن (فالمُرْتَهِنُ أَحَقُّ) بالرهن (مِنْ) باقي (غُرَمَائِهِ) لأَن عقد الرهن باقٍ في غير حكم الضمان حال الإعارة، وكونه غير مضمون على المرتَهِن حال الإِعارة لا يدل على أَنه غير مرهون في تلك الحالة، فإِنَّ وَلَد الرهن مرهونٌ وهو غيرُ مضمون.
(ومُرْتَهِنٌ) مبتدأ، صِفَتُهُ جَمْلَةُ (أُذِنَ) له (٢) (باسْتِعْمَالِ رَهْنِهِ)، وجملة (إِنْ هَلَكَ)
стр. 1224
قَبْلَ عَمَلِهِ أَوْ بَعْدَهُ، ضَمِنَ، وحَالَ عَمَلِهِ لا.
وصَحَّ استعارَةُ شيءٍ لِيُرْهَنَ، فإِنْ أَطْلَقَ أَوْ قَيَّدَ يَجْرِي عَلَيْهِ، فإِنْ خَالَفَ وهَلَكَ ضَمِن القِيمَةَ،
===
أَي الرهن (قَبْلَ عَمَلِهِ أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ) خبر المبتدأ. أَما قَبْلَ العمل فَلِبقاء يد المرتَهِن قيبقى ضمانُه. وأَما بَعْدَ العمل فلارتفاع يد العاريَّة فيعود ضمانُهُ، وصار كالمرتَهن الخالص عن الإِذْن بالاستعمال. (و) إِنْ هلك (حَالَ عَمَلِهِ لا) يضمن، لثبوت يد العاريَّة بالاستعمال، وهي مخالفةٌ ليد الضمان.
(وصَحَّ استعارَةُ شيءٍ لِيُرْهَنَ) لأَن المالك رَضِي بِتعلق دين المستعير بماله، وهو يملك ذلك، كما يملك تعلُّقَه بذمته بالكَفَالة (١) ، ولأَن الرهن للاستيفاء، وللمالك أَنْ يأْذن للمستعير في إِيفاء دَيْنه. (فإِنْ أَطْلَقَ) المُعِيْرُ (أَوْ قَيَّدَ) بِقَدْرٍ، أَوْ جِنْسٍ، أَوْ مُرْتَهِن، أَوْ بَلَدٍ (يَجْرِي) الرَّهْن (عَلَيْهِ) أَي على الإِطلاق في المطلق، وعلى التقييد في المقيد، ففي الإِطلاق للمستعير أَنْ يرهن بالقليل والكثير بأَيِّ جِنْسٍ كان، لأَن الإِطلاق واجبُ الاعتبار خُصوصاً في الإِعارة، لأَنْ الجهالة فيها لا تُفضي إِلى المنازعة.
وفي التقييد «بالقَدْر» ليس للمستعير أَنْ يرهَن بأَكثر مِمَّا سَمَّى، إِذْ ربما لا يَرْضى المُعِيْرُ إِلاَّ بأَنْ يكونَ مِلْكُهُ محبوساً بما يتيسر قضاؤه عليه، أَوْ على المستعير دون ما يتعسر عليهما، ولا بأَقل مِمَّا سَمَّى، إِذْ ربما يكون غَرَضُ المُعِير أَنْ يصير المرتَهِنُ عند الهلاك مستوفياً للأَكثر، ليرجع هو على المستعير بذلك. وفي الأَقل مِمَّا سَمَّى يفوتُ ذلك الغرض فيكون مخالفاً فيضمن، إِلاَّ إِذا عَيَّن له أَكثر من القيمة فَرَهَنَهُ بأَقل وهو مِثْل القيمة فإِنه لا يضمن، لأَنه خالف إِلى خير، لأَن أَداء الأَقل أَيسر مِنْ أَداء الأكثر، وغَرَضُهُ من الرجوع عليه بالكثير حاصلٌ، لأَنه لا يرجع إِلاَّ بِقَدْر القيمة، لأَن الاستيفاء لم يقع إِلا به.
وفي التقييد «بالجنس» ليس للمستعير أَنْ يرهَن بجنسٍ غيرهِ، إِذْ قد يتيسر على المُعير أَداء جنسٍ دون جنس، وكذا لو سَمَّى له أَنْ يرهن من رجل بعينه ليس له أَنْ يرهن مِنْ غيره، لأَن الناس متفاوتون في الحِفْظ وأَداء الأَمانة. وكذا لو قال: ارهنه بالكوفة؛ ليس له أَنْ يرهَنه بالبصرة. لأَن الإنسان قد يرضى بأَنْ يكون مالُهُ في بَلَدٍ دون بلد، لأَن الأماكن تتفاوت في الحِفْظ.
(فإِنْ خَالَفَ) المُستعيرُ (وهَلَكَ) الرَّهن (ضَمِن) المستعير (القِيْمَةَ) أَي قيمة
стр. 1225
وإِنْ وَافَقَ وهَلَكَ فَقَدْرُ دَيْنٍ أَوْفَاهُ مِنْه.
ولا يَمْتَنِعُ المُرْتَهِنُ إِذَا قَضَى المُعِيرُ دَيْنَهُ، وفَكَّ رَهْنَهُ، وَرَجَعَ عَلَى الرَّاهِن.
ولو هَلَكَ مَعَ الرَاهِنِ قَبْلَ رَهْنِهِ، أَوْ بَعْدَ فَكِّه، لا يَضْمَنُ.
وجِنَايَةُ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ مَضْمُونَةٌ،
===
الرَّهن، لأَنه تَصَرَّفَ في مِلْك غيره على وَجْهٍ لم يأْذن له فيه، فصار غَاصِبَاً. وإِذا ضَمِن المستعيرُ القيمة تَمَّ عقد الرهن بينه وبين المرتَهِن، لأَن المستعير مَلَكه بأَداء الضمان، فتبين أَنه كان رهن ملك نفسه، وإِن شاء المُعير ضمن المرتهن فلا يتم عقد الرهن بين الراهن والمرتَهِن، فيرجع المُرْتَهِن على الراهن بما ضَمِن وبالدين. أَما بالدَّيْن فظَاهِرٌ، وأَما بما ضَمِن فلأَن الرَّاهنَ وَرَّطَه في ذلك، وصار كما لو مات العبد المرهون ثُم استحق وضمن المستحق المرتَهِن.
(وإِنْ وَافَقَ) المُسْتَعِيْر المُعير، بأَنْ رَهَنَ المُسْتعارَ فيما سَمَّى المُعير (وهَلَكَ) الرهن عند المرتَهِن (فَقَدْرُ دَيْنٍ) أَي فعلى المستعير مقدارُ دَين (أَوْفَاهُ مِنْه) أَي من المستعار، فإِنْ كانت قيمةُ الرهن مِثْلَ الدَّيْن أَوْ أَكثر فقد استوفى المرتَهِنُ منه كل الدين، فيضمن المستعيرُ للمُعِير مثل الدين في الصورتين، لأَن المستعير قضى دَيْنَه من مال المُعِير. ومَنْ قَضَى دَيْنَه مِنْ مالِ غَيْرِهِ ضَمِنَ له قَدْرَ دَيْنه، ولا يضمن المُستعير القيمة، لأَنه ليس بِمُتَعَدَ. وإِنْ كانت قيمةُ الرهن أَقَلَّ من الدين ذهب من الدين بِقَدْر قيمة الرهن، وعلى الراهن للمرتَهِن بقية دينه، وعليه للمعير قيمِةُ الرَّهْن لأَنه قَضَى قَدْرها من الدَّيْن بمال المعير، وكذا إِنْ أَصاب الرهن عيبٌ نَقَص قيمته، ذهب من الدَّيْن بحسابه، ووجب على الراهن مِثْله للمعير.
(ولا يَمْتَنِعُ المُرْتَهِنُ إِذَا قَضَى المُعِيْرُ دَيْنَهُ وفَكَّ رَهْنَهُ) أَي المعير، لأَن المعير محتاجٌ إِلى ذلك لتخليص مِلْكه (وَرَجَعَ) المُعِير (عَلَى الرَّاهِن) بما أَدَّى، لأَنه قضى دَيْن الراهن مضطراً فلا يكون متبرِّعَاً. قيد «بالمعير» لأَن الأجنبي إِذا قضى الدَّيْن فللمرتَهِن أَنْ يمتنع، لأَنه متبرِّعٌ لأَنه لا يسعى في تخليص مِلْكِهِ.
(ولو هَلَكَ) المُستعار (مَعَ الرَاهِنِ) أَي عنده (قَبْلَ رَهْنِهِ أَوْ بَعْدَ فَكِّه لا يَضْمَنُ) الراهن، لأَنه لم يصر به قاضِيَاً لدَيْنه ولا لشيءٍ منه بهذا الهلاك، وقضاء الدَّيْن أَوْ شيء منه بهلاك الرهن المستعار هو الموجِب لضمانه.
(وجِنَايَةُ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ مَضْمُونَةٌ) لأَن الرهن تعلق به حق المرتَهِن، وتَعَلُّقُ حَقِّ غيرِ المالك بالمالِ يَجْعَلُ المالِكَ كالأَجنبي، أَلا تَرَى أَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الوَرَثَةِ بمال
стр. 1226
وَجِنَايَةُ المُرْتَهِنِ تُسْقِطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهَا، وجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا وعَلَى مَالِهِمَا هَدْرٌ.
وَنمَاءُ الرَّهْنِ رَهْنٌ، لَكِنْ يَهْلِك بِلا شيءٍ. وإِنْ هَلَكَ الأَصْلُ وبَقِي هو، فُكَّ بِقِسْطِهِ:
===
المريض يمنع نفوذ تَصَرُّفِهِ فيما زاد على الثُلث. ثُم المُرْتَهِن إِنْ كان دَيْنُهُ حالاً يأخذ الضمان بِدَيْنه إِنْ كان مِنْ جِنْس حَقِّه، وإِنْ كان دَيْنُهُ مؤجلاً يحبسه بالدَّيْن، فإِذا حَلَّ أَخَذَهُ بِدَيْنه إِنْ كان من جِنْس حَقِّه، وإِلاَّ حبسه حتى يَسْتَوفيَ دَيْنَه.
(وَجِنَايَةُ المُرْتَهِنِ) على الرهن (تُسْقِطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهَا) لأَن جناية المرتَهِن على الرهن مضمونةٌ، لأَن الرَّهن مِلْك مالكه، وقد تَعَدَّى عليه المرتَهِنُ فيضمنه مالكه، فيسقط من دَيْنه قَدْرُ قيمة الجناية بحكم عقد الرهن، وما زاد عليه يضمن بالإِتلاف، كالمودَع إِذا أَتلف الوديعة.
(وجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا) أَي على الراهن والمرتَهِن، إِذا كانت موجِبة للمال: بأَن كانت خطأً في النَّفْس، أَوْ فيما دونها، (و) جنايته (عَلَى مَالِهِمَا هَدْرٌ). وقالا: جنايةُ الرهن على المرتَهِن معتبرة، وهو مذهب مالك والشافعي وأَحمد. قيدنا «الجناية» بكونها موجِبة للمال، لأَن الجناية الموجبة للقِصَاص يُستحقّ بها دَمُهُ، والمولى من دم مملوكه كأَجنبي، إِذْ لم يدخل في ملكه إِلا من حيثُ الماليةُ.
وأَما جناية الراهن على مال المرتَهِن فلا تعتبر بالاتفاق إِنْ كانت قيمته والدين سواء، إِذْ لا فائدة في اعتبارها، لأَنه لا يتملك بها العبد لاستيفائها بالدَّين، وتَمَلُّكه بها هو الفائدة، وإِن كانت قيمته أَكثر من الدَّين فعن أَبي حنيفة أَنها تُعتبرُ بقدر الأمانةِ، لأَن ذلك الفضل ليس في ضمانه، وعنه أَنها لا تعتبر، لأَن الفضل وإِنْ لم يكن مضموناً فحكم الرهن فيه ثابِتٌ وهو الحبس بالدَّيْن فصار بمنزلةِ المضمون. وأَما جِناية الرهن على ابن الراهِن أَوْ ابن المرتَهِن فمعتبرة على الصحيح، حتى يدفع بها أَوْ يفدي.
(ونَمَاءُ الرَّهْنِ) كولده، ولَبَنِهِ، وصوفه، وثمرته للرَّاهن، لأَنه متولِّدٌ من مِلْكه، وهو (رَهْنٌ) مع أَصله، لأَنه تَبَعٌ له، بخلاف الغلة والكسب لأَنه لا يكون رهناً معه، وعند أَحمد يكون رهناً معه وعند مالك الولد فقط، وعند الشافعي لا في الكل (لَكِنْ) إِنْ هَلَكَ النماء في يَدِ المرتَهِن (يَهْلِكُ بِلا شيءٍ) فلا يسقط به شيءٌ من الدَّيْنِ، لأَنه تَبَعٌ لأَصله، والأَتباع لا قسط لها مِمَّا يقابل أَصْلَهَا، لأَنها لا تدخل تحت العقد على سبيل القصد، لأَن اللفظ لا يتناولها.
(وإِنْ هَلَكَ الأَصْلُ وبَقِي هو) أَي النَّماء (فك بِقِسْطِهِ) من الدَّيْن، لأَنَّ النَّمَاء يصير
стр. 1227
يُقْسَمُ الدين عَلَى قِيْمَتِهِ يَوْمَ الفَكِّ، وعَلَى قِيْمَةِ الأَصْلِ يَوْمَ القَبْضِ، وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأَصْل من الدين.
وتَبْدِيْلُ الرَّهْنِ والزِّيَادَةُ فِيه يَصِحُّ، وفي الدَّين لا.
ولو هلك الرَّهْنُ بعد الإبراء هَلَكَ بلا شيءٍ،
===
مقصوداً بالانفكاك، والتبع (يُقَابِلُهُ) (١) قسطٌ مما يقابل أَصْلَه مقصوداً (يُقْسَمُ الدَّيْن عَلَى قِيْمَتِهِ) أَي قيمة النماء (يَوْمَ الفَكِّ) لأَنه بالفَكِّ صَارَ مقصوداً (عَلَى قِيْمَةِ الأَصْلِ يَوْمَ القَبْضِ) لأَن الرَّهْن إِنَّما يصير مضموناً بالقبض، فيعتبر قيمته وقت اعتباره، كما يعتبر قيمة النماء وقت اعتباره (وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأَصْل من الدَّيْن) لأَنها تقابل الأَصل. ولو أَذِن الراهن (للمُرْتَهِنْ) (٢) في أَكل زوائد الرهن بأَن قال: (مهما) (٣) زاد فَكُلْهُ، فَأَكله فلا ضمان عليه، ولا يسقط شيءٌ من الدَّيْن، لأَنه أَتلفه بإِذن الراهن وإِباحته، والإِباحة يجوز تعليقها بالشَّرْط بخلاف التمليك.
(وتَبْدِيْلُ الرَّهْنِ) بأَنْ رَهَن عبداً يساوي أَلفاً بأَلِفٍ، ثُم أَعْطَى عبداً آخَر ـ قيمتُهُ أَلفٌ ـ مكان الأَول (والزِّيَادَةُ فِيه) أَي في الرهن: بأَن رَهَن ثوباً بعشرةٍ قيمتُهُ عَشرةٌ، ثم زاد الراهن ثوباً آخَر ليكونَ رَهْنَاً مع الأول بتلك العشرة (يَصِحُّ، و) الزيادة (في الدَّيْن) بأَن رَهَن عبداً بأَلفٍ، ثُم حَدَث للمرتَهِن على الراهن دَيْنٌ آخَر بشراءٍ، أَوْ استقراض فجعلا الرهن بالدَّيْن القديم رهناً به، وبالحادث (لا) أَي لا يصح، بل يكون كل الرهن بالدين السابق فقط. أَما التبديل فجائِزٌ اتفاقاً.
وأَمَّا الزيادة فتجوز في الرهن عند أَبي حنيفة وصاحِبَيْه، ولا تجوز في الدَّيْن عند أَبي حنيفة ومحمد وهو القياس، ويجوز عند أَبي يوسف في الدَّيْن أَيضاً. ثُم إِذا صحَّتِ الزيادة في الرهن ـ وتسمى هذه الزيادة قصدية ـ بقسم الدين على قيمة الأوَّل يوم قَبْضِه، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضها، لأَن كلَّ واحدٍ منهما له دخل في ضمان المرتَهِن يوم قَبْضِه فكان هو المعتبر.
(ولو هلك االرَّهْن)
في يد المرتهن (بَعْدَ الإِبْرَاءِ) أَي إِبراء المرتَهِن الراهن من الدَّيْن، أَوْ بعدما وهب المرتَهِن للراهن الدَّيْن مِنْ غير مَنْع المُرْتَهِن الرهن بعد الإِبراء (أَوْ الهِبَة) (٤) (هَلَكَ بِلا شَيءٍ) على المرتَهِن استحساناً. وقال زُفَر: يضمن المرتَهِنُ قيمتَهُ
стр. 1228
لا بعد القبض، أو الصُّلْحِ، أو بَعْدَ الحَوَالَةِ، فَيَرُدُّ مَا قَبَضَ ويُبْطِلُ الحَوَالَةَ، وكذلك لو تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لا دَيْنَ لهُ ثُم هَلَكَ الرَّهْنُ، هَلَكَ بالدَّيْنِ.
===
للراهن، وهو القياس. وأَما لو منعه المرتَهِن بعد الإبراء والهبة ثُم تَلِفَ في يده، فيضمن قيمته اتفاقاً، لأَنه بالمَنْع صار غَاصِبَاً.
(لَا بَعْدَ القَبْضِ) أَي لا يَهْلِك الرهن بلا شيءٍ لو هلك في يد المرتهن بعد استيفاء الدين من الراهن، أَوْ من المتبرع عنه، بل يَهْلِك بالدَّيْن، ويجب على المرتَهِن رَدُّ ما قبض من الدَّيْن إِلى مَنْ قبض منه وهو الراهن أَوْ المتبرع، (أَوْ) هلك بعد (الصُّلْحِ) أَي صُلْح المرتَهْنِ الراهنِ بالدَّيْن على عَيْنٍ، أَوْ هلك بعد اشترائه منه عَيْنَاً، لأَن هذا استيفاء، (أَوْ) هلك (بَعْدَ الحَوَالَةِ) بعد أَنْ أَحَال الراهِنُ المرتَهِنَ على غيره، بل يهلِك بالدَّيْن، لأَن الحَوَالَة لا تُسْقِط الدَّيْن.
(فَيَرُدُّ) المرتَهِنُ (مَا قَبَضَ) في ذلك كُلِّه ويهلك الرهن بالدَّيْن (ويُبْطِلُ الحَوَالَةَ، وكذلك لو تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لا دَيْنَ لَهُ ثُم هَلَكَ الرَّهْنُ هَلَكَ بالدَّيْنِ) وقيل: الصواب أَنه لا يَهْلِك مضموناً، والله سبحانه أَعلم.
стр. 1229
كِتَابُ الكفَالَة
هي: ضَمُّ ذِمَّة إِلى ذِمَّةِ في المُطَالَبَةِ، لا في الدَّيْنِ، وهُوَ الأَصَحُّ.
===
كتاب الكَفَالَة
(هِي) لُغةً: مطلق الضَّمِّ، قال الله تعالى: ﴿وكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (١) أَي ضمها إِلى نفسه لِيُرَبِّيَهَا، وقال ﵊: «أَنا وكَافِلُ اليتيمِ كَهَاتَيْن». وفي روايةٍ: «أَنا وكَافِلُ اليتيم في الجَنَّةِ هكذا»، وأَشار بأُصْبَعَيْهِ.
رواه مسلم، والنَّسائي، والترمذي عن سَهُل بن سعد السَّاعدي.
وشَرعَاً: (ضَمُّ ذِمَّة) الكفيل (إِلى ذِمَّةِ) المكفول (في المُطَالَبَةِ، لا) كما قال بعض المشايخ ـ وهو مذهب الشافعي ـ: إِنَّها ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلى ذمة (في الدَّيْنِ) بأَن يثبت الدين في ذِمَّةِ الكفيل ولا يسقط عن ذِمَّةِ المَكْفُول، لأَن التزام المُطالبة يَبتني على التزام أَصْل الدَّيْن، فيثبت الدَّيْن في ذِمَّةِ الكَفِيْل مع بقائه في ذِمَّةِ المكفول، ولا يُستوفَى إِلاَّ مِنْ أَحدهما، كالغاصب، وغاصب الغاصب، فإِنَّ كُلَّ واحدٍ منهما ضامن القيمة، وحق المالك في قيمةٍ واحدةٍ، واختياره تضمينَ أَحدهما يوجِبُ براءة الآخَر. وقال مالك: الأَصيل يبرأُ عن الدَّيْن بالكَفَالَة كما في الحَوَالَةِ.
(وهُوَ) أَي كون الكَفَالة ليست ضَمَّ ذِمَّةٍ إِلى ذِمَّة في الدَّيْن (الأَصَحُّ) لأَن جَعْلَ الدَّيْن الواحِدِ في حُكْم دَيْنَيْنِ قلب للحقيقة، فلا يُصار إِليه إِلاَّ عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، لأَن التوثيق يحصل بتعدد المُطَالِب.
ثُم رُكْنُ الكَفَالة: الإِيجاب والقَبول عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أَبو يوسف ـ آخِراً ـ ومالك وأَحمد، وهو قولُ الشافعي: يَتِمُّ بالكفيل، وُجِدَ القَبولُ أَمْ لا. واختلف على قول أَبي يوسف، فقيل: تصح من الكفيل موقوفةً على إِجازة الطالِب، وقيل: نافذة، وللمطالِب حَقّ الرد.
وحُكْمُهَا ثبوت المطالبة على الكفيل مع الأَصيل عند عامة الفقهاء. وعن مالك
стр. 1230
وهِي: إِمَّا بالنَّفْسِ. وَتنْعَقِدُ بـ: كَفَلْتُ بنفسه، وِبمَا صحَّ إِضافة الطَّلاقِ إِليه، وَكَذَا بـ: ضمِنْتُه، أَوْ: هُوَ عَلَيّ، أَو: إِليَّ،
===
وأَبي ثَوْر لا يُطَالَب الضامن إِلاَّ إِذا تَعَذَّرَ مطالَبَةُ المضمون. وقال ابن أَبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمَة، وداود، وأَبو ثور: ينتقل الحَقُّ إِلى ذِمَّةِ الكفيل فلا يُطَالَبُ الأَصيل أَصلاً، كما في الحَوَالة.
وشَرْعِيَّةُ الكَفَالة ثابتةٌ بالكتاب، قال الله تعالى ـ حكايةً عَمَّن قبلنا لا في مَعْرِض الإِنْكار ـ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ جِمْلُ بَعِيْرٍ وأَنا بِهِ زَعِيْمٌ﴾ (١)
أَي كفيل، وهي لُغَةُ أَهل المدينة. وبالسنة: وهي ما روى أَبو داود والترمذي من حديث ابن عباس: أَنَّ النبي ﷺ قال: «العاريَّةُ مؤادة، والمنحة مردودةٌ، والدَّيْن مقضيٌّ، والزعيم غارم». وبالإِجماع فإِنَّ الإِمة اتفقت على جواز الضمان، وإِنما اختلفوا في فُرُوع فيه.
(وهِي: إِمَّا) كَفالة (بالنَّفْسِ) وإِن تعددت الكفلاء بها، وهي جائزة لإطلاق قوله ﷺ : «الزعيم غارم»، فإِنه يفيد مشروعية الكَفالة بنوعيها.
(وَتَنْعَقِدُ) الكفالة بالنفس (بـ: كَفَلْتُ) أَوْ تكفَّلت (بنفسه،) أَوْ بدنه أَوْ جسده (وبِمَا صَحَّ إِضافةُ الطَّلَاقِ) والعَتاق (إِليه) وهو ما عبر به عن البدن حقيقةً لغويةً، كالنفس، والجسد، أَوْ عُرْفِيةً، كالروح والرأَس والوجه والرقبة على ما مَر في الطلاق. وتنعقد بجزءٍ شائعٍ، كنصفه، أَوْ ثُلُثه، وجزئه، وجزء منه، لأَن النفس الواحدة في حق الكفالة بها لا تتجزأْ، إِذْ المستحق بكفالتها إِحضارها، وإِحضار جزئها الشائع دون كُلِّهَا لا يمكن، فصار ذكره كَذِكْر كلها، بخلاف اليد والرِّجْل، لأَنه لا يعبر بهما عن البدن، ولهذا لا يقع الطلاق والعَتاق بهما.
وقال الشافعي: تَنْعَقِدُ الكفالة أَيضاً بجزءٍ لا يمكن فَصْلُه، كالقلب والكَبدِ، وبه قال أَحمد في روايةٍ. وقال مالك: بِكُلِّ عُضْوٍ من البدن، فلو قال: كفلت بعينه، كانت كَفالةً بالنَّفْس عنده، وهو وَجْهٌ في مَذْهب الشافعي وأَحمد.
(وَكَذَا) تنعقد كَفَالَةُ النفس (بـ: ضَمِنْتُه)، لأَنه موجَب عقد الكَفالة، إِذْ بها يصير الكفيل ضَامِنَاً للتسليم، والعقد ينعقد بموجبه، كالبيع ينعقد بلفظِ التمليك (أَوْ: هُوَ عَلَيّ)، لأَن كلمة «علي» للالتزام، فكأَنه قال: أَنا مُلْتَزِمٌ تَسْلِيمَه (أَوْ:) هو (إِليَّ،)