← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وَجِنَايَةُ المُرْتَهِنِ تُسْقِطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهَا، وجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا وعَلَى مَالِهِمَا هَدْرٌ. وَنمَاءُ الرَّهْنِ رَهْنٌ، لَكِنْ يَهْلِك بِلا شيءٍ. وإِنْ هَلَكَ الأَصْلُ وبَقِي هو، فُكَّ بِقِسْطِهِ: === المريض يمنع نفوذ تَصَرُّفِهِ فيما زاد على الثُلث. ثُم المُرْتَهِن إِنْ كان دَيْنُهُ حالاً يأخذ الضمان بِدَيْنه إِنْ كان مِنْ جِنْس حَقِّه، وإِنْ كان دَيْنُهُ مؤجلاً يحبسه بالدَّيْن، فإِذا حَلَّ أَخَذَهُ بِدَيْنه إِنْ كان من جِنْس حَقِّه، وإِلاَّ حبسه حتى يَسْتَوفيَ دَيْنَه. (وَجِنَايَةُ المُرْتَهِنِ) على الرهن (تُسْقِطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهَا) لأَن جناية المرتَهِن على الرهن مضمونةٌ، لأَن الرَّهن مِلْك مالكه، وقد تَعَدَّى عليه المرتَهِنُ فيضمنه مالكه، فيسقط من دَيْنه قَدْرُ قيمة الجناية بحكم عقد الرهن، وما زاد عليه يضمن بالإِتلاف، كالمودَع إِذا أَتلف الوديعة. (وجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا) أَي على الراهن والمرتَهِن، إِذا كانت موجِبة للمال: بأَن كانت خطأً في النَّفْس، أَوْ فيما دونها، (و) جنايته (عَلَى مَالِهِمَا هَدْرٌ). وقالا: جنايةُ الرهن على المرتَهِن معتبرة، وهو مذهب مالك والشافعي وأَحمد. قيدنا «الجناية» بكونها موجِبة للمال، لأَن الجناية الموجبة للقِصَاص يُستحقّ بها دَمُهُ، والمولى من دم مملوكه كأَجنبي، إِذْ لم يدخل في ملكه إِلا من حيثُ الماليةُ. وأَما جناية الراهن على مال المرتَهِن فلا تعتبر بالاتفاق إِنْ كانت قيمته والدين سواء، إِذْ لا فائدة في اعتبارها، لأَنه لا يتملك بها العبد لاستيفائها بالدَّين، وتَمَلُّكه بها هو الفائدة، وإِن كانت قيمته أَكثر من الدَّين فعن أَبي حنيفة أَنها تُعتبرُ بقدر الأمانةِ، لأَن ذلك الفضل ليس في ضمانه، وعنه أَنها لا تعتبر، لأَن الفضل وإِنْ لم يكن مضموناً فحكم الرهن فيه ثابِتٌ وهو الحبس بالدَّيْن فصار بمنزلةِ المضمون. وأَما جِناية الرهن على ابن الراهِن أَوْ ابن المرتَهِن فمعتبرة على الصحيح، حتى يدفع بها أَوْ يفدي. (ونَمَاءُ الرَّهْنِ) كولده، ولَبَنِهِ، وصوفه، وثمرته للرَّاهن، لأَنه متولِّدٌ من مِلْكه، وهو (رَهْنٌ) مع أَصله، لأَنه تَبَعٌ له، بخلاف الغلة والكسب لأَنه لا يكون رهناً معه، وعند أَحمد يكون رهناً معه وعند مالك الولد فقط، وعند الشافعي لا في الكل (لَكِنْ) إِنْ هَلَكَ النماء في يَدِ المرتَهِن (يَهْلِكُ بِلا شيءٍ) فلا يسقط به شيءٌ من الدَّيْنِ، لأَنه تَبَعٌ لأَصله، والأَتباع لا قسط لها مِمَّا يقابل أَصْلَهَا، لأَنها لا تدخل تحت العقد على سبيل القصد، لأَن اللفظ لا يتناولها. (وإِنْ هَلَكَ الأَصْلُ وبَقِي هو) أَي النَّماء (فك بِقِسْطِهِ) من الدَّيْن، لأَنَّ النَّمَاء يصير

стр. 1227

يُقْسَمُ الدين عَلَى قِيْمَتِهِ يَوْمَ الفَكِّ، وعَلَى قِيْمَةِ الأَصْلِ يَوْمَ القَبْضِ، وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأَصْل من الدين. وتَبْدِيْلُ الرَّهْنِ والزِّيَادَةُ فِيه يَصِحُّ، وفي الدَّين لا. ولو هلك الرَّهْنُ بعد الإبراء هَلَكَ بلا شيءٍ، === مقصوداً بالانفكاك، والتبع (يُقَابِلُهُ) (١) قسطٌ مما يقابل أَصْلَه مقصوداً (يُقْسَمُ الدَّيْن عَلَى قِيْمَتِهِ) أَي قيمة النماء (يَوْمَ الفَكِّ) لأَنه بالفَكِّ صَارَ مقصوداً (عَلَى قِيْمَةِ الأَصْلِ يَوْمَ القَبْضِ) لأَن الرَّهْن إِنَّما يصير مضموناً بالقبض، فيعتبر قيمته وقت اعتباره، كما يعتبر قيمة النماء وقت اعتباره (وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأَصْل من الدَّيْن) لأَنها تقابل الأَصل. ولو أَذِن الراهن (للمُرْتَهِنْ) (٢) في أَكل زوائد الرهن بأَن قال: (مهما) (٣) زاد فَكُلْهُ، فَأَكله فلا ضمان عليه، ولا يسقط شيءٌ من الدَّيْن، لأَنه أَتلفه بإِذن الراهن وإِباحته، والإِباحة يجوز تعليقها بالشَّرْط بخلاف التمليك. (وتَبْدِيْلُ الرَّهْنِ) بأَنْ رَهَن عبداً يساوي أَلفاً بأَلِفٍ، ثُم أَعْطَى عبداً آخَر ـ قيمتُهُ أَلفٌ ـ مكان الأَول (والزِّيَادَةُ فِيه) أَي في الرهن: بأَن رَهَن ثوباً بعشرةٍ قيمتُهُ عَشرةٌ، ثم زاد الراهن ثوباً آخَر ليكونَ رَهْنَاً مع الأول بتلك العشرة (يَصِحُّ، و) الزيادة (في الدَّيْن) بأَن رَهَن عبداً بأَلفٍ، ثُم حَدَث للمرتَهِن على الراهن دَيْنٌ آخَر بشراءٍ، أَوْ استقراض فجعلا الرهن بالدَّيْن القديم رهناً به، وبالحادث (لا) أَي لا يصح، بل يكون كل الرهن بالدين السابق فقط. أَما التبديل فجائِزٌ اتفاقاً. وأَمَّا الزيادة فتجوز في الرهن عند أَبي حنيفة وصاحِبَيْه، ولا تجوز في الدَّيْن عند أَبي حنيفة ومحمد وهو القياس، ويجوز عند أَبي يوسف في الدَّيْن أَيضاً. ثُم إِذا صحَّتِ الزيادة في الرهن ـ وتسمى هذه الزيادة قصدية ـ بقسم الدين على قيمة الأوَّل يوم قَبْضِه، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضها، لأَن كلَّ واحدٍ منهما له دخل في ضمان المرتَهِن يوم قَبْضِه فكان هو المعتبر. (ولو هلك االرَّهْن) في يد المرتهن (بَعْدَ الإِبْرَاءِ) أَي إِبراء المرتَهِن الراهن من الدَّيْن، أَوْ بعدما وهب المرتَهِن للراهن الدَّيْن مِنْ غير مَنْع المُرْتَهِن الرهن بعد الإِبراء (أَوْ الهِبَة) (٤) (هَلَكَ بِلا شَيءٍ) على المرتَهِن استحساناً. وقال زُفَر: يضمن المرتَهِنُ قيمتَهُ

стр. 1228

لا بعد القبض، أو الصُّلْحِ، أو بَعْدَ الحَوَالَةِ، فَيَرُدُّ مَا قَبَضَ ويُبْطِلُ الحَوَالَةَ، وكذلك لو تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لا دَيْنَ لهُ ثُم هَلَكَ الرَّهْنُ، هَلَكَ بالدَّيْنِ. === للراهن، وهو القياس. وأَما لو منعه المرتَهِن بعد الإبراء والهبة ثُم تَلِفَ في يده، فيضمن قيمته اتفاقاً، لأَنه بالمَنْع صار غَاصِبَاً. (لَا بَعْدَ القَبْضِ) أَي لا يَهْلِك الرهن بلا شيءٍ لو هلك في يد المرتهن بعد استيفاء الدين من الراهن، أَوْ من المتبرع عنه، بل يَهْلِك بالدَّيْن، ويجب على المرتَهِن رَدُّ ما قبض من الدَّيْن إِلى مَنْ قبض منه وهو الراهن أَوْ المتبرع، (أَوْ) هلك بعد (الصُّلْحِ) أَي صُلْح المرتَهْنِ الراهنِ بالدَّيْن على عَيْنٍ، أَوْ هلك بعد اشترائه منه عَيْنَاً، لأَن هذا استيفاء، (أَوْ) هلك (بَعْدَ الحَوَالَةِ) بعد أَنْ أَحَال الراهِنُ المرتَهِنَ على غيره، بل يهلِك بالدَّيْن، لأَن الحَوَالَة لا تُسْقِط الدَّيْن. (فَيَرُدُّ) المرتَهِنُ (مَا قَبَضَ) في ذلك كُلِّه ويهلك الرهن بالدَّيْن (ويُبْطِلُ الحَوَالَةَ، وكذلك لو تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لا دَيْنَ لَهُ ثُم هَلَكَ الرَّهْنُ هَلَكَ بالدَّيْنِ) وقيل: الصواب أَنه لا يَهْلِك مضموناً، والله سبحانه أَعلم.

стр. 1229

كِتَابُ الكفَالَة هي: ضَمُّ ذِمَّة إِلى ذِمَّةِ في المُطَالَبَةِ، لا في الدَّيْنِ، وهُوَ الأَصَحُّ. === كتاب الكَفَالَة (هِي) لُغةً: مطلق الضَّمِّ، قال الله تعالى: ﴿وكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (١) أَي ضمها إِلى نفسه لِيُرَبِّيَهَا، وقال ﵊: «أَنا وكَافِلُ اليتيمِ كَهَاتَيْن». وفي روايةٍ: «أَنا وكَافِلُ اليتيم في الجَنَّةِ هكذا»، وأَشار بأُصْبَعَيْهِ. رواه مسلم، والنَّسائي، والترمذي عن سَهُل بن سعد السَّاعدي. وشَرعَاً: (ضَمُّ ذِمَّة) الكفيل (إِلى ذِمَّةِ) المكفول (في المُطَالَبَةِ، لا) كما قال بعض المشايخ ـ وهو مذهب الشافعي ـ: إِنَّها ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلى ذمة (في الدَّيْنِ) بأَن يثبت الدين في ذِمَّةِ الكفيل ولا يسقط عن ذِمَّةِ المَكْفُول، لأَن التزام المُطالبة يَبتني على التزام أَصْل الدَّيْن، فيثبت الدَّيْن في ذِمَّةِ الكَفِيْل مع بقائه في ذِمَّةِ المكفول، ولا يُستوفَى إِلاَّ مِنْ أَحدهما، كالغاصب، وغاصب الغاصب، فإِنَّ كُلَّ واحدٍ منهما ضامن القيمة، وحق المالك في قيمةٍ واحدةٍ، واختياره تضمينَ أَحدهما يوجِبُ براءة الآخَر. وقال مالك: الأَصيل يبرأُ عن الدَّيْن بالكَفَالَة كما في الحَوَالَةِ. (وهُوَ) أَي كون الكَفَالة ليست ضَمَّ ذِمَّةٍ إِلى ذِمَّة في الدَّيْن (الأَصَحُّ) لأَن جَعْلَ الدَّيْن الواحِدِ في حُكْم دَيْنَيْنِ قلب للحقيقة، فلا يُصار إِليه إِلاَّ عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، لأَن التوثيق يحصل بتعدد المُطَالِب. ثُم رُكْنُ الكَفَالة: الإِيجاب والقَبول عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أَبو يوسف ـ آخِراً ـ ومالك وأَحمد، وهو قولُ الشافعي: يَتِمُّ بالكفيل، وُجِدَ القَبولُ أَمْ لا. واختلف على قول أَبي يوسف، فقيل: تصح من الكفيل موقوفةً على إِجازة الطالِب، وقيل: نافذة، وللمطالِب حَقّ الرد. وحُكْمُهَا ثبوت المطالبة على الكفيل مع الأَصيل عند عامة الفقهاء. وعن مالك

стр. 1230

وهِي: إِمَّا بالنَّفْسِ. وَتنْعَقِدُ بـ: كَفَلْتُ بنفسه، وِبمَا صحَّ إِضافة الطَّلاقِ إِليه، وَكَذَا بـ: ضمِنْتُه، أَوْ: هُوَ عَلَيّ، أَو: إِليَّ، === وأَبي ثَوْر لا يُطَالَب الضامن إِلاَّ إِذا تَعَذَّرَ مطالَبَةُ المضمون. وقال ابن أَبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمَة، وداود، وأَبو ثور: ينتقل الحَقُّ إِلى ذِمَّةِ الكفيل فلا يُطَالَبُ الأَصيل أَصلاً، كما في الحَوَالة. وشَرْعِيَّةُ الكَفَالة ثابتةٌ بالكتاب، قال الله تعالى ـ حكايةً عَمَّن قبلنا لا في مَعْرِض الإِنْكار ـ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ جِمْلُ بَعِيْرٍ وأَنا بِهِ زَعِيْمٌ﴾ (١) أَي كفيل، وهي لُغَةُ أَهل المدينة. وبالسنة: وهي ما روى أَبو داود والترمذي من حديث ابن عباس: أَنَّ النبي ﷺ قال: «العاريَّةُ مؤادة، والمنحة مردودةٌ، والدَّيْن مقضيٌّ، والزعيم غارم». وبالإِجماع فإِنَّ الإِمة اتفقت على جواز الضمان، وإِنما اختلفوا في فُرُوع فيه. (وهِي: إِمَّا) كَفالة (بالنَّفْسِ) وإِن تعددت الكفلاء بها، وهي جائزة لإطلاق قوله ﷺ : «الزعيم غارم»، فإِنه يفيد مشروعية الكَفالة بنوعيها. (وَتَنْعَقِدُ) الكفالة بالنفس (بـ: كَفَلْتُ) أَوْ تكفَّلت (بنفسه،) أَوْ بدنه أَوْ جسده (وبِمَا صَحَّ إِضافةُ الطَّلَاقِ) والعَتاق (إِليه) وهو ما عبر به عن البدن حقيقةً لغويةً، كالنفس، والجسد، أَوْ عُرْفِيةً، كالروح والرأَس والوجه والرقبة على ما مَر في الطلاق. وتنعقد بجزءٍ شائعٍ، كنصفه، أَوْ ثُلُثه، وجزئه، وجزء منه، لأَن النفس الواحدة في حق الكفالة بها لا تتجزأْ، إِذْ المستحق بكفالتها إِحضارها، وإِحضار جزئها الشائع دون كُلِّهَا لا يمكن، فصار ذكره كَذِكْر كلها، بخلاف اليد والرِّجْل، لأَنه لا يعبر بهما عن البدن، ولهذا لا يقع الطلاق والعَتاق بهما. وقال الشافعي: تَنْعَقِدُ الكفالة أَيضاً بجزءٍ لا يمكن فَصْلُه، كالقلب والكَبدِ، وبه قال أَحمد في روايةٍ. وقال مالك: بِكُلِّ عُضْوٍ من البدن، فلو قال: كفلت بعينه، كانت كَفالةً بالنَّفْس عنده، وهو وَجْهٌ في مَذْهب الشافعي وأَحمد. (وَكَذَا) تنعقد كَفَالَةُ النفس (بـ: ضَمِنْتُه)، لأَنه موجَب عقد الكَفالة، إِذْ بها يصير الكفيل ضَامِنَاً للتسليم، والعقد ينعقد بموجبه، كالبيع ينعقد بلفظِ التمليك (أَوْ: هُوَ عَلَيّ)، لأَن كلمة «علي» للالتزام، فكأَنه قال: أَنا مُلْتَزِمٌ تَسْلِيمَه (أَوْ:) هو (إِليَّ،)

стр. 1231

أَوْ: أَنا بِهِ زَعِيمٌ، أَو: قَبِيل. ولا جَبْرَ عَلَيهَا في حَدٍّ، وقِصَاصٍ === لأَن «إِليَّ» ههنا بمعنى عليَّ، قال ﷺ : «مَنْ تَرَك مالاً فَلِوَرَثَتِهِ، ومَنْ تَرَكَ كَلا (١) فإِلينا». رواه الشيخان في الفرائض من حديث أَبي هريرة. ولا يبعد أَنْ يكون تقدير الحديث: فإِلينا مَرْجِعُه (أَوْ: أَنا بِهِ زَعِيم) لما تقدم (أَوْ: قَبِيل) لأَنُه بِمَعْنَى الكَفِيل، وسُمِّي الصَكُّ قَبَالَةً (٢) لأَنه يحفظ الحَقَّ كالكفيل. ولا تنعقد الكفالة بـ: أَنا ضامنٌ لمعرفته، لأَن موجَب الكفالة التزامُ التسليم وهو ضمن المعرفة لا التسليم، فصار كالتزامه دلالته عليه. (ولا جَبْرَ عَلَيهَا) أَي لا إِلْزَام للحاكم على الكَفالة بالنَّفْس (في حَدَ، و) لا في (قِصَاصٍ) بأَن يكون المَكْفُول به نفس مَنْ عليه حَدٌّ أَوْ قِصَاص، وهذا عند أَبي حنيفة، وأَحمد، والشافعيّ في قول. وقال أَبو يوسف ومحمد: يُجْبر عليها في حَدِّ القَذْف، وفي حَدِّ القِصَاص، وهو قول مالك والشافعي في المشهور. لأَن الكفالة بالنفس مشروعةٌ، وتسليم النفس واجِبٌ على الأَصِيْل في دَعْوى الحَدِّ والقِصَاص، فصحت الكفالة بها فيهما، كما في دعوى المال، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى، لأن الكفالة شُرعت وثيقةً لنا، كيلا يفوت حَقُّنَا والله تعالى غَنِيٌّ عن ذلك، وبخلاف نفس الحَدِّ أَوْ القِصَاص، لأَنه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل. ولأَبي حنيفة أَنْ الكفالة للاستيثاق، ومَبْنَى الحَدِّ والقِصَاص على الدَّرْء، فلا يجبر المطلوب على الكفيل فيهما بخلاف سائر الحقوق، فإِنها لا تسقط بالشُّبُهَات فيليق الاستيثاق بها. قيَّد «بالجَبْر» لأَن المطلوب بِحَدَ أَوْ قِصَاص لو سمح بالكفيل للطالب من غير جبرٍ عليه صَحَّ. وقيد «بالحَدِّ والقصاص» لأَن التعزير (٣) يصح فيه الجبر على إِعطاء الكفيل بالنفس، لأَنه مَحْضُ حَقِّ العبد، ولهذا يثبت بالشُّبْهة، وبالشهادة على الشهادة، ويُحلف فيه كالأَموال. وعن المَرْغِينَاني: ليس الجَبْر هنا الحبس، ولكن أَمْرُهُ بالملازمة، وليست الملازمة المنعَ من الذهاب، ولكن أَنْ يذهب الطالب مع المطلوب فيدور معه أَيْنَما دار كيلا يتغيب، فإِذا انتهى إِلى باب الدار وأَراد الدخول يستأْذنه الطالب في الدخول، فإِن أَذِنَ له يدخل معه ويسكن معه حيث يسكن. وإِنْ لم يأْذن له يحبسه الطالب في

стр. 1232

ويَلْزَمُهُ إِحْضَارُ المَكْفُولِ بِهِ مُطْلَقًا، أَو في وَقْتٍ عُيِّن إِنْ طَلَبَ المَكْفُولُ لَهُ، فإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ الحاكِمُ. وبَرِئَ بِمَوْتِ مَنْ كَفَل به، === باب داره، ويمنعه من الدخول كيلا يتغيب بالخروج من مَوْضِعٍ آخر. (ويَلْزَمُهُ) أَي الكفيل بالنفس (إِحْضَارُ المَكْفُوْلِ بِهِ مُطْلَقاً)، وهو الذي لم يتعين (١) وقتُ إِحضاره إِذا طلب المكفول له إِحضاره، رعاية لما التزمه (أَوْ) إحضار المكفول به (في وَقْتٍ عُيِّن) إِحضاره (إِنْ طَلَبَ المَكْفُولُ لَهُ) إِحضاره فيه. هذا قيد في المسأَلتين. والحاصل أَنْ المكفولَ به الذي لم يعين وقت إِحضاره يلزم الكفيلَ إِحضارهُ في أَي وقت طلب المكفولُ (له) (٢) إِحضاره، (كالدَّين الذي لم يَؤَجَّل) (٣) . وإِن المكفول به الذي بَيَّنَ وقت إِحضاره، يلزم إِحضاره إِنْ طلب المكفول له في ذلك الوقت أَوْ بعده، كالدين المؤجل إِذا طلب صاحبُهُ عند حُلول الأَجَل، أَوْ بعده. ولا يلزم الكفيلَ إِحضارُه إِنْ طلبه المكفول له قَبْل الوقت الذي عَيَّنَهُ لأَنه لم يلتزم ذلك، لكن لو سَلَّمَه له بطلبه أَوْ بدونه قبل الوقت الذي عَيَّنَهُ بَرِاء، لأَن الأَجل حَقُّ الكفيل فيملك إِسقاطه. (فإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ) أَي الكفيل، المكفول به في مسأَلتي الإطلاق والتعيين (حَبَسَهُ الحاكِمُ) لأَنه امتنع عن إِيفاء ما وجب عليه بالتزامه فصار ظالِمَاً. لكن لا يحبسه أَوَّل مرةٍ، لأَن الحبس عقوبة ظلم ولم يظهر ظلمه، إِذْ لَعَلَّه ما درى بِمَاذا يُدَّعى عليه، فَيُمْهَل حتى يظهرَ مُطْلُه. ولو غاب المكفول به ولم يعلم الكفيلُ مكانه لا يطالب به إِنْ صدقه المطالِب، لأَنه عاجزٌ فصار كالمديون إِذا ثبت إِعْسَارُه. وفي «الإيضاح»: هذا يعني حبس الحاكم الكفيل إِنْ لم يحضر المكفول به، إِذا لم يظهر عجزه، أَما إِذا ظهر فلا معنى للحبس، إِلاَّ أَنه لا يحال بينه وبين الكفيل فيلازمه ويطالبه، ولا يحول بينه وبين أَشغاله، كالمُفْلِس إِذا أَخرجه القاضي من الحبس. (وبَرِاءَ) الكفيل من الكفالة بالنَّفْس (بِمَوْتِ مَنْ كَفَل به) لأَن الكفيل تَبَعٌ للمكفول في سقوط ما عليه، والذي على المكفول (هنا) (٤) حضوره، وقد سقط عنه

стр. 1233

وَبِتَسْلِيْمه، حَيْثُ يُمْكِنُهُ مَخَاصَمَتُهُ، === بموته فيسقط إِحضاره عن كفيله، وبهذا قال أَحمد، وهو وَجْهٌ في مذهب الشافعي، والوجه الآخَر ـ وهو الأَصح في مذهبه ـ: أَنَّ الكفيل يطالَبُ بإِحضاره ما لم يدفن إِذا أَراد المكفولُ له إِقامةَ الشهادة على صورته. وهل يطالبَ بما عليه؟ فيه وجهان: أَصحهما لا يطالب، وبه قال أَصحابنا، وأَحمد والشعبي، وشُرَيْح، وحَمَّاد. وقال مالك، والليث: يلزمه ما عليه، وبه قال ابن شُرَيْح من أَصحاب الشافعي. (وَ) براء الكفيل أَيضاً (١) من الكَفالة (بِتَسْلِيْمه) أَي تسليم الكفيل مَنْ كَفَل به إِلى المَفْكول له، وتسليم مَنْ يَقوم مقام الكفيل ـ وهو وكيله ـ، ومَنْ هو سفيرٌ عنه ـ وهو رسوله ـ كتسليم الكفيل، لأَن فعلهما كَفِعْلِهِ (حَيْثُ يُمْكِنُهُ) أَي في مكانٍ يمكن المكفول له (مَخَاصَمَتُهُ) أَي مخاصمة المكفول به، لأَنه أَتى بما التزمه، وهو تسليم المكفول به في مكانٍ يحصل فيه المقصود، ولا حاجة إِلى إِبقاء الكفالة، لأَنه لا يلزم تسليمه أَلاَّ مرةً واحدةً. أَما لو سَلَّمه في بَرِّيةٍ أَوْ سَوَاد (٢) لم يبرأَ، لأَنه لا يقدر على المخاصمة فيها لعدم الحاكم. ولو سَلَّمه في السِّجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأُ الكفيل. وقال مالك: (يبرأُ. وقال) (٣) أَحمد: إِنْ كان في سجن القاضي الذي يرفع الحكم إِليه يبرأ وإِلا فلا. ولو سَلَّمه في مصرٍ آخر غير الذي عينه في الكفالة بَرِاءَ عند أَبي حنيفة وبعض أَصحاب أَحمد، ولم يبرأ عند أَبي يوسف ومحمد، وبه قال مالك والشافعي وأَحمد. ثم التسليم يكون بالتخلية بينه وبين الطالب وذلك برفع الموانع. وبقوله له: سَلَّمْتُ إِليك بِحُكْم الكَفالة، حتى لو لم يقل ذلك لم يبرأ، لأَن التسليم قد يكون بغير حكم الكفالة، فلا بد مِنْ أَنْ يقول ذلك إِلاَّ إِذا سَلَّمه بعد الطلب، لدلالة الطلب على أَنْ التسليم بِحُكْم الكَفَالة. ولو سلم الكفيلُ المكفول به إِلى الطالب فأَبى أَنْ يقبله، يجبر على القبول، ويترك (٤) قابضاً بالتخلية، كالغاصب إِذا رَدَّ المغصوب أَوْ قيمته، والمديون إِذا قضى الدَّيْن.

стр. 1234

وبِتَسْلِيمه نَفْسَه هُنَا، وإن شَرَطَ تَسْلِيمَهُ عِنْدَ القَاضِي. وإِنْ ماتَ المَكْفُول لَهُ فَلِوَصِيِّه أَو وارِثِهِ مُطَالَبَتُهُ بهِ، وإِنْ كَفَل بِنَفْسِه عَلَى أَنَّه إِنْ لم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيهِ المَالُ، صَحَّ. فإِن لَمْ يُسَلِّم غَدًا، ضَمِنَ المَالَ ولَمْ يَبْرَأَ من كَفَالَتِهِ بالنَّفْسِ. وإِنْ مَاتَ المَكْفُولُ عَنْهُ ضَمِنَ المَالَ. === (و) بَراءَ أَيضاً من الكفالة (بِتَسْلِيمه) أَي المكفول به (نَفْسَه) إِلى المكفول له (هُنَا) أَي حيث يُمَكَّن المكفول له مخاصمة المكفولِ به لحصول المقصود. ولا بد أَنْ يقول عند تسليم نفسه: سَلَّمت إِليك بِحُكْم الكفالة، لما قدمنا (وإِن شَرَطَ تَسْلِيْمَهُ عِنْدَ القَاضِي) «إِنْ» للوَصْل بالمسأَلتين السابقتين. وإِنما بَرِاء بالتسليم عند غير القاضي مع شرط التسليم عنده، لأَن المقصود هو التسليم على وجه يتمكن المكفول له من إِحضاره إِلى مجلس الحكم وقد وجد. وقيل: لا يبرأ في زماننا إِذا شَرَط تسليمَه في مجلس القاضي فسلم في غيره مما يمكن مخاصمته فيه، كالسوق، وهو قول زُفَر، وبه يُفْتَى، لأَن أَكثر النَّاس في زماننا يُعِينُون المطلوب على الامتناع من الحضور إِلى مجلس القاضي للعناد وغلبة الفساد، فكان التقييد بمجلس القاضي مفيداً. (وإِنْ ماتَ المَكْفُول لَهُ) لم تَبْطُل الكَفالة (فَلِوَصِيِّه أَوْ وَارِثِهِ مُطَالَبَتُهُ بهِ) أَي مطالبة الكفيل بالمَكْفُول به، لأَن وَصِيَّهُ قائِمٌ مقامه في استيفاء حقوقه، ووارِثُه خليفتُه فيها، بخلاف الكفيل بالنفس حيثُ تَبْطُل الكفالة بموته، لأَن التسليم منه لا يمكن، ووارثه ووصيه لا يقومان مقامه إِلاَّ فيما له، والكفالة عليه. (وإِنْ كَفَل بِنَفْسِه عَلَى أَنَّه) أَي الكفيل (إِنْ لم يُوَافِ بِهِ) أَي بالمكفول بنفسه إِلى الطالب (غَدًا فَعَلَيْهِ المَالُ) الذي على المكفول (صَحَّ) هذا العقد بما اشتمل عليه مِنْ كفالتي النفس والمال. وقال مالك والشافعي: لا يصح (فإِن لَمْ يُسَلِّم) الكفيل المكفول بنفسه إِلى الطالب (غَداً) مع قدرته (ضَمِنَ) الكفيل (المَالَ) لوجود الشرط، (ولَمْ يَبْرَأْ من كَفَالَتِهِ بالنَّفْسِ) إِذْ لا منافاة بين الكفالتين، ولهذا لو كفل بهما جميعاً صحت، وقد صحت الكفالة بالنفس فلا يبرأ منها إِلاَّ بالموافاة بها ولم توجد. (وإِنْ مَاتَ) أَوْ جُنَّ (المَكْفُولُ عَنْهُ) اللام للعهد، والمعهود هو المكفول بنفسه الذي شرط كفيله أَنه إِنْ لم يواف به غداً فعليه ما عليه من المال، (ضَمِنَ) الكفيل (المَالَ) لتحقق الشَّرْط، وبرِاء من الكَفَالة بالنفس لموت المكفول بنفسه.

стр. 1235

وإما بالمال، فَتَصِحُّ وإِنْ جُهِلَ المَكْفوْلُ بِهِ إِذَا صَحَّ دَيْنُهُ، نَحْو: كَفَلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيهِ، أَو بِمَا يدْرَكُ في هذا البَيْعِ، أَوْ عَلَّقَ الكَفَالَةَ بِشَرْط مَلاِئم نحو: ما بايعت فُلانًا، أَو مَا ذَابَ لَكَ عَلَيهِ، أَو مَا غَصَبَكَ. وإِنْ عَلَّقَ بِمجَرَّدِ الشَرْطِ فَلا، كـ: إن هَبَّتِ الرِّيْحُ. === (وإِمَّا بِالمَالِ،) عَطْفٌ (١) على «إِمَّا بالنفس» (فَتَصِحُّ) الكفالة (وإِنْ جُهِلَ المَكْفُوْلُ بِهِ إِذَا صَحَّ دَيْنُهُ) قيد به احترازاً عن بدل الكِتابة (٢) ، لأَنه ليس بِدَيْنٍ صحيحٍ، لأَن الدَّيْن الصحيح لا يسقط إِلاَّ بالأَخْذِ أَوْ الإِبْرَاء، وبدل الكتابة يسقط بغيرهما: وهو عَجْزُ المكاتَب، أَوْ لِثُبُوْتِهِ في ذِمَّةِ المكاتَب مع المُنَافي، لأَنه عندما بَقِي عليه دِرْهَمٌ والمولى لا يستوجب على عبده دَيْنَاً إِلاَّ أَنه لحاجته إِلى العِتْق يثبت الدَّيْن، فكان ثَابِتَاً في حَقِّه لا في حق صِحَّة الكفالة. وقال الشافعي ـ في الجديد ـ والثوري، والليث، وابن أَبي لَيْلَى، وابن المُنْذِر: لا يصح ضمانُ المجهول، لأَن الضمان التزام مال فلا يصح إِذا كان المال مجهولاً، كالثمن في البيع. ولنا قوله تعالى: ﴿ولِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيْمٌ﴾ (٣) ، وحِمْلُ البعير يختلف باختلاف البعير (نَحْو: كفلت بِمَا لَكَ عَلَيْهِ) وهُوَ لا يعلم كم له عليه (أَوْ بِمَا يُدْرَكُ في هذا البَيْعِ) وهو لا يعلم ما يدركه فيه، وهذه كفالة الدَّرَك وهي جائزةٌ بالإِجماع. والدَّرَك: التبعة، يُسَكَّنُ ويُحَرَّك. (أَوْ عَلَّقَ الكَفَالَةَ) عطف على «جهل المكفول به»، أَي وتصح الكفالة بالمال إِنْ عَلَّقها الكَفِيْل (بِشَرْطٍ مَلائِم نحو: ما بايعت فُلَانَاً) فَعَلَيَّ ثمنه (أَوْ مَا ذَابَ) أَي وجب وثبت، مُسْتَعَارٌ من ذَاب الشَّحْم (لَكَ عَلَيْهِ) أَي على فلان فَعَلَيّ (أَوْ مَا غَصَبَكَ) فُلانٌ فعليّ. قيد «بفلان» إِشارة إِلى أَنْ المكفولَ عنه يجب أَنْ يكون معلوماً، لأَن جهالته تمنع صحة الكفالة نحو: ما غَصَبَكَ أَحدٌ فَعَلِيّ. وقيد الشرط «بالملائم» لأَن غيرَه لا يصح تعليق الكفالة به، وفسروا الشرط الملائم بما يكون شرطاً لوجوب الحق: كإِن استُحِق المبيع، أَوْ شرطاً لإمكان الاستيفاء: كإِنْ قدِم زيدٌ، وهو مكفول عنه، أَوْ شَرْطَاً لِتَعَذُّرِ الاستيفاء: كإِنْ غاب عنِ البلد. (وإِنْ عَلَّقَ) الكفيل الكفالة (بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ) أَي بِشَرْطٍ غير ملائم (فَلَا) أَي فلا تصح الكفالة ولا يجب المال، ذكره قاضيخان وغيره (كـ: إِنْ هَبَّتِ الرِّيْحُ) أَوْ: إِنْ جاء

стр. 1236

وإِنْ كَفَل بما لك عليه ضَمِنَ ما قَامَتْ بِهِ بِيِّنَةٌ، وإِنْ لَمْ تَقُمْ، فالقَوْلُ للكفيلِ. وَلَوْ أَقَرَّ صُدِّقَ الأَصِيْلُ في الزِّيادة عَلَى نَفْسِهِ فَقَط. فإِذَا طَالَبَ الدَّائِنُ أَحَدَهُمَا فَلَهُ مُطَالبَةُ الآخَرِ. وتَصحُّ بِأَمْرِ الأَصِيلِ وبِلا أَمْرِهِ === المطر، أَوْ: إِنْ دخل زيدٌ الدار. ولو جعل الأجل في الكفالة إِلى هبوب الريح ونحوه، ولا يصح التأْجيل، وتصح الكفالة ويجب المال حالاً. وعند الشافعي وأَحمد لا تصح الكفالة. ثُم مذهب الشافعي: أَنْ تعليق الكفالة بالشرط لا يصح مطلقاً، لأَنه تعليقُ المال بالخطر. ولنا الإِجماع على صحة الكفالة بالدَّرَك، وهي مضافة إِلى سبب الوجوب بالاستحقاق، وقوله تعالى: ﴿ولِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْرٍ وأَنا بِهِ زَعِيْمٌ﴾ (١) حيث علق الكفالة بِشَرْط مجيء الصُّواع (٢) ، وشريعة مَنْ قبلنا ـ إِذا قَصَّ الله علينا بلا إِنكار ـ شَرِيعةٌ لنا. ثُم الكفالة بالنفس كالكفالة بالمال في جواز تعليقها بِشَرْطٍ ملائمٍ، وعدم جوازه بِشَرْطٍ غير ملائِمٍ، وجواز تأْجليها إِلى أَجلٍ معلومٍ وبمجهولٍ جهالةً يسيرةً، كالتأَجيل إِلى العطاء، وإِلى قدوم الحاج، لا إِلى هبوب الريح ونحوه، فإِن أَجَّل إِليه بطل الأجل دون الكفالة، ولزِم تسليم النفس في (الحال) (٣) . (وإِنْ كَفَل بما لك عليه ضَمِنَ ما قَامَتْ بِهِ بِيِّنَةٌ) لأَن الثابت بالبينة كالثابتِ بالعِيان (وإِنْ لَمْ تَقُمْ) بيّنةٌ (فالقَوْلُ للكفيلِ) في قَدْر مَا أَقَرَّ به، لأَنه مُنْكِرٌ للزيادة، والقول قول المُنْكِر مع يمينه (وَلَوْ أَقَرَّ) الأَصيل بأَكثر مِمَّا أَقَرَّ الكفيل (صُدِّقَ الأَصِيْل في الزِّيادة عَلَى نَفْسِهِ) لأَن له ولايةً عليها (فَقَط) أَي لا يُصَدَّق على الكفيل، إِذْ لا ولاية له عليه. (فإِذَا طَالَبَ الدَّائِنُ أَحَدَهُمَا) أَي الأَصيل أَوْ الكفيل (فَلَهُ) أَي للدائن (مُطَالبَةُ الآخَرِ) لأَن الكفالة ـ كما مَرَّ ـ ضَمُّ ذِمةٍ إِلى ذِمةٍ في المطالبة، وذلك يقتضي قيام المطالبة الأُولى لا البراءة عنها، إِلاَّ إِذا شرط البراءة عنها، فإِن الكفالة حينئذٍ تكون حوالةً اعتباراً للمعنى، كما أَنَّ الحَوَالة بِشَرْطِ أَنْ لا يبرأَ بها المُحِيل تكون كفالةً. (وتَصِحُّ) الكفالة (بِأَمْرِ الأَصِيْلِ وبِلَا أَمْرِهِ) لأَنَّها تَصَرُّفٌ من الكفيل في نفسه بالتزام أَنْ يطالبه الدائن، ولا ضرر على الأَصِيل في ذلك، فإِن أَمَرَ الأَصِيْل الكفيل

стр. 1237

وإِنْ لُوْزِمَ لازَمَ أَصِيْلَهُ، وإن حُبِسَ حَبَسَهُ. وإبْرَاؤهُ وتَأْجيلُهُ يَسْرِي لا عَكْسُهُ. فإن صَالَحَ الكَفِيلُ عَنْ أَلِفِ عَلَى مِئةٍ، بَرِئَ وَرَجَعَ بِهَا، وعَلَى جِنْسٍ آخَرَ بالأَلْفِ، وعَنْ مُوْجَبِ الكَفَالَةِ لا يَبْرأُ الأَصَيْل. ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُ البَرَاءَةِ عَنْهَا بِشَرْط كَسَائِرِ البَرَاآتِ، ولا الكَفَالَةُ بالحُدُودِ === بالكفالة، رجع الكفيل بالكفالة عليه بعد أَدائه بِمَا ضَمِنَهُ، سواءٌ أَدى بما ضَمِنه أَوْ أَدَّى خِلَافَهُ، حتى لو كفل بأَلفٍ جيادٍ وأَدَّى أَلفاً زُيوفاً (١) برضاءِ الطالب رجع بالجياد، ولو كفل بأَلْفٍ زُيوفاً وأَدَّى جِيَاداً يرجع بالزيوف. أَما رُجُوعه على الآمِر فلأَنه أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِه فيرجع به عليه، وأَما بِمَا ضَمِنه فلأَن رجوعَه بِحُكْم الكفالة، فكان بِمَا دَخَل تحتها. (وإِنْ لُوزِمَ) الكفيل بالمال من جهة الدائن (لَازَمَ) الكفيل (أَصِيْلَهُ،) حتى يخلِّصه (وإِن حُبِسَ) الكفيل (حَبَسَهُ) أَي حبس الكفيلُ أَصيلَه، لأَن ما لَحِقَه إِنَّما هو من جهته فيعامله بمثله. (وإِبْرَاؤهُ) أَي إِبراء الدائن الأَصيل (وتَأْجيلُهُ) أَي تأَخير الدَّين عن الأَصيل (يَسْرِي) أَي إلى الكفيل، لأَن الكفيل ليس عليه إِلاَّ المطالبة، وهي تَبَعٌ للدَّيْن فتسقط بسقوطه وتتأَخَّر بِتأَخُّرِه (لا عَكْسُهُ) أَي ليس إِبراء الكفيل أَوْ تأَجيله عنه يَسْرِي إِلى الاَّصِيل، لأَن ما على الكفيل فَرْعٌ لِمَا على الأَصيل، وسقوط الفَرْع وتَأَجِيله لا يوجِب سقوطَ الأَصْل أَوْ تأَجيله. (فإِن صَالَحَ الكَفِيْلُ) الدائن (عَنْ أَلِفٍ عَلَى مِئةٍ بَرِاءَ) الأَصِيْل، لأَن الكَفِيْل أَضَاف الصُّلْح إِلى الأَلف التي على الأَصِيل، فَبَرِاءَ الأَصِيل وبَرِاءَ الكفيل أَيضاً، لأَن براءة الأَصِيل تُوْجِب براءة الكفيل (وَرَجَعَ) الكفيل على الأَصِيل (بِهَا) أَي بالمئة إِنْ كفل بِأَمْرِهِ، لأَنها القَدْر الذي أَوفاه. (و) إِنْ صالح الكفيل عن أَلْفٍ (عَلَى جِنْسٍ آخَرَ) رجع على الأَصِيل (بالأَلْفِ) لأَن الصلح بِجِنْسٍ آخَرَ مبادلةٌ بالدَّيْن، فيملك الكَفِيلُ الدَّيْن فيرجع بكُلِّه على الأَصِيل. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يَرْجع بالأَقل من الدَّيْن ومن قيمة ما دَفَعَ، (و) إِنْ صالح الكفيل الدائن (عَنْ مُوْجَبِ الكَفَالَةِ لا يَبْرَأُ الأَصَيل) لأَن هذا إِبراء الكفيل وحْدَه، لأَن موجَب الكفالة ليس إِلا مطالبة الكفيل. (ولا يَصِحُّ تَعْلِيْقُ البَرَاءَةِ عَنْهَا) أَي عن الكفالة (بِشَرْطٍ) لأَن في الإبراء عنها معنَى التَّمْلِيك، فلا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ (كَسَائِرِ البَرَاآتِ، ولا) تصح (الكَفَالَةُ بالحُدُودِ

стр. 1238

والقِصَاص وبِالمَبِيع، بِخِلافِ الثَّمَنِ. وبالمَرْهُوْنِ، والأَمَانَاتِ كالوَدِيعَةِ، والعَارِيَّةِ، والمُسْتَأَجَرِ، ومَالِ المُضَارَبَة، والشرِكَةِ، وبالحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ مُسْتأَجَرَةٍ لِلْحَمْلِ لا عَبْدٍ كذا. وعَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ، === والقِصَاصِ) لأَن الكفالة إِنَّما تصح بما تَجْرِي النيابة في إِيفائه، والنيابة لا تَجْرِي في العقوبات، لأَن الغرض مِنْ شَرْعها زَجْرُ المفسدين عن الفساد، وهو لا يتحقق إِذا أُقيم على غير الجاني. (و) لا تصح الكفالة (بِالمَبِيع) عن البائع، لأَنه قبل القَبْض مضمونٌ بغيره، وهو الثَّمَن، أَلا ترى أَنه لو هلك لا يجب على البائع شيءٌ بل يُفسخ البيع، والمضمون بغيرِه مضمونٌ بِوَجْهٍ دون وجه، فلا تَصِحُّ الكفالة به للشَكِّ (بِخِلَافِ الثَّمَنِ) فإِنه تصح الكفالة به عن المُشْتَرِي، لأَنه دَيْنٌ كسائر الدُّيون. (و) لا تصح الكفالة (بالمَرْهُوْنِ) لأَنه مضمونٌ بغيره، وهو الدَّيْن، يَسْقُط به إِذا هلك (والأَمَانَاتِ) لأنها غيرُ مضمونةٍ أَصْلاً (كالوَدِيْعَةِ، والعَارِيَّةِ، والمُسْتَأْجَرِ، ومَالِ المُضَارَبَة، والشَّرِكَةِ) وعند أَبي يوسف ومحمد العَيْنُ في يَدِ الأَجِيْر المُشْتَرَك مضمونةٌ، فتصح الكفالة بها عندهما (و) لا (بالحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ مُسْتأْجَرَةٍ لِلْحَمْلِ) معينةٍ، و (لا) بخدمة (عَبْدٍ كذا) أَي مُسْتَأْجَرٍ للخدمة مُعَيَّنٍ، لأَن الكفيل عاجِزٌ عن تسليم العبد والدَّابة، لكونهما مِلْك غيره. قيدهما «بالتَّعيين» إِذْ لو كانا غَيْرَ مُعَيَّنين صحت الكفالة فيهما، لأَن المستحق حينئذٍ الحَمْلُ على دابةٍ، وخدمةُ عَبْدٍ، ويقدر الكفيل على إِيفاء ذلك: بأَن يحمل على دابة نفسه، ويخدُم بِعَبْد نَفْسِه. (و) لا تصح الكفالة (عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ) أَي لم يترك مالاً ولا كفيلاً عنه وعليه دَيْنٌ، سواء كان الكفيل أَجْنبياً أَوْ وارِثاً، وهذا عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي وأَحمد: تصح، لأَنه ﵊ أُتي بِجَنَازَةِ أَنْصَارِي، فقال: «هَلْ على صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟» فقالوا: نَعْم، دِرْهَمَان، أَوْ دِيْنَارَان. فقال: «صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُم». فقال أَبو قَتَادة: هو عليَّ ـ وفي روايةٍ: «هما عليَّ يا رسول الله، ـ فَصَلَّى عَلَيْه» (١) . ولو لم تصح الكفالة لَمَا صَلَّى عليه بعدها. ولأَنها كفالةٌ بِدَيْنٍ واجبٍ فتصح كما لو كانت في حياته، ولأَن الدَّيْن لا يسقط إِلاَّ بالإيفاء أَوْ الإِبراء، أَوْ انفساخ سبب الوجوب، وبالموت لم يتحقق شيءٌ من ذلك، ولهذا يؤاخذ به في الآخِرة، ولا يبرأُ كفيله في حياته بموته. ولو تبرع إِنسانٌ بقضائه صح. ولأبي حنيفة أَنْ الكفالة عن الميت المُفْلِس كَفَالَةٌ بِدَيْنٍ سَاقِط، والكفالة بِدَيْنٍ

стр. 1239

ولا بِلا قَبُولِ الطَّالِبِ في المَجْلِسِ، إِلَّا إِذَا كفل عَنْ مُوَرِّثِهِ في مَرَضِهِ مَعَ غَيبَةِ غُرَمَائهِ، وبِمَالِ الكِتَابَةِ والعُهْدةِ === ساقط باطلة، لأَن صحة الكفالة تقتضي قيام الدَّيْن في حق أَحكام الدنيا ليتحقق معنى الكفالة، التي هي ضَمُّ الذِّمة إِلى الذِّمة في المطالبة، وإِنما لم يبرأْ بِمَوْتِهِ كفيله في حياته، لأَنه كان خَلَفه في الاستيفاء منه، فَجُعِلَ الدَّيْن باقياً في حَقّه، كما لو كان للميت مالٌ. وصح التبرع بقضائه، لأَن صحة تمليك المال لا يتعلق بوجود الدَّيْن، والحديثُ يحتمل أَنْ يكون إِقراراً بكفالةٍ سابقةٍ، فإِنَّ لفظ الإِقْرار والإِنشاء في الكفالة سواءٌ، ولا عموم لحكاية الفعل، ويحتمل أَنْ يكون وَعْداً لا كفالةً، وكان امتناعه ﵊ من الصلاة عليه ليُظْهِر طريق قضاء ما عليه، فلما ظهر بالوعد، صَلَّى عليه. (ولا) تصح الكفالة سواءٌ كانت بالنفس أَوْ بالمال (بِلَا قَبُولِ الطَّالِبِ في المَجْلِسِ) أَي مجلس العَقْد، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أَبو يوسف: تصح. واختلف المشايخ على قوله، فقيل: عنده تصح بِوَصْف التوقف، حتى إِنْ رَضِي به الطالب بعد القيام من المَجْلس نفذ، وإِنْ لم يرض به بطل. وقيل: بِوَصْف النفاذ، ورِضَى الطالب ليس بشرطٍ عنده، وهو الأصح. إِلاَّ أَنْ للطالب حَقَّ الرَّد (إِلاَّ) في مسأَلة واحدةٍ، وهي (إِذَا كفل) وَارِثٌ (عَنْ مُوَرِّثِهِ في مَرَضِهِ) بأَن قال مريض لِوَارِثِه: تَكَفَّل عني بما عَلَيّ مِنْ الدَّيْن لِغُرَمَائِي، فتكَفَّل عنه (مَعَ غَيْبَةِ غُرَمَائِهِ) وكان القياس على قولهما أَنْ لا تصح الكفالة في هذه المسأَلة أَيضاً، لأَن الطالب غير حاضر، ولأَن الصحيح لو قال هذا لِوَارِثِهِ فَضَمِنَه، لم يصح، فكذا المريض. ووجه الاستحسان أَنَّ هذا إِنَّما يصح بطريق الوصية من المريض لِوَارِثِه أَنْ يَقْضِي دَيْنَه، لا بطريق الكفالة عنه، ولهذا صح وإِن لم يُسم المَريض الدَّيْن ولا رَبّ الدَّيْن، لأَن الجهالة لا تمنع صحة الوصية. وقالوا: إِنما تَصِحُّ إِذا كان له مَالٌ. ولو قال المريض لأَجنبي: تَكَفَّل عني بِمَا عَلَيّ مِنْ الدَّيْن،. فَتَكفَّل عنه، اختلف المشايخ: فقيل: لا تصح، وقيل: تصح. (و) لا تصح الكفالة (بِمَالِ الكِتَابَةِ) وهو قول أَكثر أَهْل العِلمْ، وعن أَحمد في روايةٍ تصح (والعُهْدةِ) ـ بالجر ـ أَي ولا تصح الكفالة بالعهدة. وصورتُهَا: أَنْ يشتري عبداً فيضمن له آخِرَ عُهْدَتِه. وإِنما لم يصح ذلك لأَن العُهْدة اسمٌ يقع على الصَّكِّ القديم، وهو مِلْك البائع ولا يلزمه تسليمُه، فإِنْ ضَمِن الكفيل بتسليمه إِلى المُشْتَرِي فقد ضَمِن ما لا يَقْدِرُ عليه، ويقع على العَقْد، وعلى حقوقه، وعلى

стр. 1240

والخَلاصِ. ولا ضَمَانُ المُضَارِبِ الثَّمَنَ، والوَكِيلِ بِالبَيعِ لِمُوَكِّلِهِ، وأَحَدِ البَائِعَيْنِ حِصَةَ صَاحِبِهِ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ بَاعَاهُ بِصَفْقَةٍ. وَصَحَّ كَفَالَةُ الخَرَاج === الدَّرَك (١) ، وعلى خِيار الشَّرْط (٢) ، فبطلت كَفالته للجهالة، بخلاف الدَّرَك، فإِنَّ كفالته صحيحةٌ بالإِجماع، لأَنه عبارةٌ عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وهو أَمْرٌ، معلومٌ مَقْدُور التسليم (والخَلَاصِ) أَي ولا تصح الكفالة بالخلاص، وهذا عند أَبي حنيفة. وعندهما تصح. وهذا الخلاف مبنيٌ على تفسيره: فعندهما: هو تَخْلِيص البائع إِنْ قَدَرَ عليه، ورَدُّ ثمنه إِنْ لَمْ يَقْدِر، وهذا ضمان الدَّرَك في المعنى. وعنده: تخليصُ المبيع عن المستحق، وتسليمُه إِلى المشتري، والكفيل لا يَقْدِرُ على ذلك، لأَن المستحِقّ لا يُمَكِّنه منه. ولو كفل بتخليص المبيع أَوْ رَدِّ الثمن صح، لأَنه كفل بما يمكنه الوفاء، وهو تسليم المبيع إِنْ أَجاز المستحِق، ورَدُّ الثمن إِنْ لم يُجِز. (ولَا) يصح (ضَمَانُ المُضَارِبِ الثَّمَنَ) أَي ثمن سلعة المضاربة لربِّ المال، (و) لا ضمان (الوَكِيْلِ بِالبَيْعِ) الثمن (لِمُوَكِّلِهِ) لأَن الضمان التزامُ المطالبة، وهي للوكيل والمضارب، لأَنها من حقوق البيع، وهما عاقدان له، وحقوق البيع لا ترجع إِلاَّ على العاقد، فلو صَحَّ ضمان الثمن منهما، لكان كُلٌّ منهما ضامناً لنفسه، وأَنه لا يجوز. (و) لا يصح ضمان (أَحَدِ البَائِعَيْنِ حِصَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ) مثلاً (بَاعَاهُ بِصَفْقَةٍ) لأَنه بضمانها شَائِعَاً يصيرُ ضَامِنَاً لِنَفْسِه، إِذْ ما مِنْ جزءٍ يؤدِّيه المشتري إِلاَّ وهو مُشْتَرَكٌ بينهما، وضمان الإِنسان لنفسه بَاطِلٌ، وبضمانها مُعَيّنَاً يصيرُ قَاسِمَاً للدَّيْن قبل قبضه، حيثُ مَيَّزَ نصيبَ صاحبه عن نصيبه. وقسمةُ الدَّيْن قبل قبضه باطلةٌ، لأَن القِسْمة إِقرارٌ وحيازةٌ: بأَن يصير حَقُّ كل واحدٍ منهما في حَيِّز على حِدَة، ولا يُتَصوَّرُ هذا إِلاَّ في حِسِّي، والدَّيْن ليس بِحِسِّي. قيد بصَفْقة، لأَنهما لو بَاعَاهُ بِصَفْقتين: بأَن سَمَّى كُلُّ واحِدٍ منهما لنفسه ثمناً، ثُم ضَمِن أَحَدُهما للأَخَر، صَحَّ ضمانُهُ، إِذْ لا شَرِكة بينهما، لأَن نصيب كُلِّ واحدٍ منهما ممتازٌ عن نصيب الآخر. (وَصَحَّ كَفَالَةُ الخَرَاجِ) أَي ضمانه كما في نسخة. والمراد به الخَراج الموظف، كما في بعض شروح «الهداية»، لأَنه دَيْنٌ لازِمٌ يُحْبس به، ويُلازم لأَجْله، ويَمْنَعُ وجوب

стр. 1241

والنَّوَائِبِ والقِسْمَةِ، وإِنْ كَانَتْ بِغَيرِ حَقٍّ. ومَالٌ لا يَجِبُ عَلَى عَبْدٍ حَتَّى يُعْتَقَ حَالٌّ عَلَى مَنْ كَفَلَ بِهِ مُطْلَقًا === الزكاة، ويطالب به أَشد المطالبة، فكان كسائر الديون، بخلاف الزكاة حيث لا يصح ضمانُهَا وإِنْ كانت دَيناً مطالباً به، لأَن الواجب فيها فِعْلٌ هو عبادةٌ، والمال محلٌ لإقامتها، ولهذا لا تُسْتَوْفَى مِنْ تركة مَنْ هي عليه بلا وصيةٍ، كما تُسْتَوْفى سائر الديون. (و) صح كفالة (النَوَائِبِ) جَمْعُ نائبة، وهي ما ينوب الإِنسان ويُطالب به: إِما بحقَ: كأُجْرَةِ الحارس المشتَرَك، وكَرْي (١) النهر المشترك، وما وظفه الإمام عند الحاجة إِلى تجهيزِ جيشٍ لقتال المشركين، أَوْ إِلى فِدَاءِ أُسارى المسلمين في وقت خلوِّ بيت المال، وهذا النوع تصح الكفالة به بالاتفاق، لأَنه مالٌ مضمونٌ. وإِما بغير حق: كالجِبَايَات التي تؤخذ على غير ما ذكرنا، وهذه لا تصح الكفالة بها عند صدر الإِسلام البَزْدَوِي، وفي مذهب مالك والشافعي وأَحمد، لأَنَّ الكفالة التزامُ المطالبة بما على الأَصيل شرعاً، ولا شيء من هذه على الأَصيل كذلك. وتصح عند فخر الإسلام عليّ البَزْدَويّ، وشمس الأَئمة وقاضيخان، لأَنها في حق المطالبة فوق سائر الديون، والعبرة في باب الكفالة للمطالبة، لأَنها شرعت لالتزامها، ولهذا قالوا: مَنْ قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقِسْط يُؤجر وإِن كان الأَخْذُ ظُلْمَاً. وقالوا: إِنْ مَنْ قضى نائبة غيره بأَمره رجع عليه وإِن لم يشترط الرجوع، كَمَنْ قضى دين غيره بأَمره. وقال المصنف: والفتوى على الصحة كما في الديون الصحيحة. وقال الطرابلسي: المذهب عدم صحتها. (و) صَحَّ كفالة (القِسْمَةِ) وهي حصة الواحد من النوائب (وإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ حَقَ) قَيْدٌ للمسأَلتين، وإِنما صح ضمانها لأَن كل واحدٍ مطالب بنفسه محبوس به. وقيل: المراد بها النائبة الموظفة في كلِّ شهر، أَوْ نحوه، وبالنوائب ما ينوب من غير توظيف بل يلحق أَحياناً، ويحتمل أَنْ يقع ويحتمل أَنْ لا يقع. (ومَالٌ) مبتدأ (لَا يَجِبُ عَلَى عَبْدٍ حَتَّى يُعْتَقَ) صفته، والخبر (حَالٌّ عَلَى مَنْ كَفَلَ بِهِ مُطْلَقَاً) أَي من غير تسميةِ حلول ولا تأجيل. أَما لو كَفَلَ بذلك المال مؤجلاً تَأَجَّلَ في حَقِّه، لأَنه التزم المطالبة به مؤجلاً فيلزمه كذلك. وقَيَّد «بعدم الوجوب على العبد حتى يعتِق» لأَنه محل الاشتباه، بخلاف المال الذي يجب على العبد في

стр. 1242

وبَطَلَ دَعْوَى ضَامِنِ الدَّرَكِ وشَاهِدِ كَتَبَ: شهِدَ بذلك على صَكٍّ كُتِبَ فيه: بَاعَ مِلْكَهُ، بِخِلافِ شَاهِدٍ كَتَبَ: شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِ العَاقدَينِ. === الحال، كدين الاستهلاك عيانا، ودين لزم بالتجارة بإِذن المولى، فإِن كفَالة الكفيل به مطلقاً تصح، ويكون على الكفيل به مطلقاً في الحال بلا شبهة (وبَطَلَ دَعْوَى ضَامِنِ الدَّرَكِ) أَنَّ الدار المبيعة مِلْكُهُ، لأَن كفالته بالدَّرَكِ ـ وهو رَدُّ الثَّمن عند استحقاق المبيع ـ تَسْلِيْمٌ للمبيع وتصديق بأَنه ملك البائع، فدعواه بعد ذلك أَنْ المبيع مِلْكُهُ سَعْيٌ في نَقْض ما تَمَّ من جهته فلا تسمع، ولهذا لو كان شَفِيْعَاً تبطل بضمان الدَّرَك في البيع شُفْعَتُهُ. (و) بطل دعوى (شَاهِدٍ) على البيع أَنْ المبيع مِلْكه، وقد كان ذلك الشاهد (كَتَبَ: شَهِدَ بذلك على صَكَ كتب فيه: بَاعَ مِلْكَهُ) أَوْ كُتِب فيه: باعه وهو يَمْلِكُه، أَوْ باعه بَيعَاً باتّاً نَافِدَاً، لأَن في شهادته بذلك اعترافاً بأَنَّ الملك للبائع، ودعواه المبيعَ بعد ذلك نَقْضٌ له (بِخِلَافِ) دعوى (شَاهِدٍ) أَنْ المبيع ملكه، وقد كان (كَتَبَ) على صك كُتِبَ فيه: باع فلانٌ ملكه (شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِ العَاقدَيْنِ) فإِنَّ دعواه: أَنَّ المبيع مِلْكه لا تَبْطُل، لأَن هذه الشهادة ليس فيها اعترافٌ من الشاهد بالملك للبائع، إِذْ البيع قد يوجد من غير المالك. ولو أَمر المكفول عنه كفيله أَنْ يعيَّن عليه ثوباً ففعل، يكون الثوب للكفيل والربح عليه. وتفسير المسأَلة: أَنْ المكفول عنه أَمر الكفيل ببيع العِينَة، وهو مكروهٌ لما فيه الإِعراض عن مبرة الإِقراض، وقد قيل: إِيَّاك والعينةَ فإِنها لعينةٌ. وهو مخترِعُ أَكلة الربا، وقد قال ﷺ : «إِذا تبايعتم بالعِينة، واتَّبعتم أَذناب البقر ذللتم، وظهر عليكم عدوكم» (١) . والمراد باتباع أَذناب البقر: الاشتغال بالزراعة والإِقبال عليها. وبالعِينَة: أَنْ يأَتي المحتاج إِلى رَجُلٍ يستقرض منه عشرة دراهم مثلاً، فلا يرغب الرجل في الإِقراض طمعاً في إِصابة الفضل الذي لا ينالُهُ بالقَرْض، فيقول له: أَبِيْعُك هذا الثوب وقيمته عشرةٌ باثني عشر إِلى أَجَلٍ لتبيعه في السوق بعشرة، فيحصل ربحٌ لي درهمين. سُمِّي عينةً لأَن المُقْرِض أَعرض عن القرض إِلى بيع العين. فإِذا ثبت هذا فنقول الشراء يقع للكفيل، لأَنه لم يصر وكيلاً عنه بالشراء، لأَنه لم يقل: تعين لي ثوباً وإِنَّما قال: تعين عليَّ، وهي كلمة ضمان لا كلمة توكيل. ومعنى

стр. 1243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الضمان هنا أَنْ يقول المديون للضامن: اشتر لي ثوباً لتبيعه في السوق فتقضي بثمنه الدين، فإِن أَمكنك أَنْ تبيعه بمثل (ما ابتعته) (١) فبها ونعمت، وإِن لم يكن كذلك إِلاَّ بخسران فذاك عليَّ، غَيْرَ أَنَّ هذا الضمان باطل، لأَنه إِنَّما يصح بما هو مضمونٌ على غيره، وخسرانُ درهمين غير مضمون على أَحد فبطل ضمانه، كمن يقول لآخَرَ؛ بايع في هذا السوق، على أَنْ كل خسران يصيبك فأَنا ضامِنٌ له، والله تعالى أَعلم بالصواب.

стр. 1244

كِتاب الحَوَالة هِي إِثْبَاتُ دَيْنٍ عَلَى آخَرَ، مَعَ عَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى المُحِيلِ بَعْدَهُ. فَهِي بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ كَفَالَةٌ، وهَذِهِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ حَوَالَةٌ. وتَصِحُّ بِلا دَينٍ للمُحْتَالِ على المُحِيلِ، وبِهِ، === كتاب الحَوَالة (هِي) لغةً: اسم من الإِحالة، وأَصل تركيبها يدل على الزوال والنقل، ومنه التحويل: وهو نَقْل الشيءِ من محل إِلى محل. قال الله تعالى: ﴿لا يَبْغُوْنَ عَنْهَا حِوَلَا﴾ (١) . وشرعاً: (إِثْبَاتُ دَيْنٍ عَلَى آخَرَ مَعَ عَدَمِ) ذلك (الدَّيْنِ) أَي مع نفي بقائه (عَلَى المُحِيْلِ بَعْدَهُ) أَي بعد ذلك الإثْبَاتِ. وقيل: الحَوَالَةُ نَقْلُ الدَّيْن مِنْ ذِمةٍ إِلى ذِمَةٍ، وهو الأَظهر الأَخصر. والأَصْلُ فيها الإِجْماع (٢) ، وقوله ﷺ : «مَطْلُ الغني ظُلْم، ومَنْ أُحِيْلَ على مليء ـ أَي ثِقة غني ـ فَلْيَحِلْ ـ أَي فليقبل الحَوالة» ـ. رواه أَحمد، وابن أَبي شيبة من حديث أَبي هريرة. ورواه الشيخان بِلَفْظِ: وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكْم على مليء فليتبع». ورواه أَحمد عن ابن عمر أَيضاً، ولفظه: «مَطْلُ الغني ظلم، وإِذا أُحِلْتَ على مليء فاتْبَعْهُ». وهذا الأَمر للنَّدْبِ عند أَكثر أَهْل العلم، وعند أَحمد للوجوب. (فَهِي) أَي الحَوَالة (بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ) أَي براءة المُحِيل (كَفَالَةٌ،) لأَن ذلك معنى الكفالة. والعبرة للمعاني دون المباني، فله أَنْ يطالِب المُحِيل (وهَذِهِ) أَي الكفالة (بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيْلِ حَوَالَةٌ) لأَن ذلك معنى الحَوَالة، فليس له أَنْ يطالب الأَصِيل. (وتَصِحُّ) الحَوَالة (بِلَا دَينٍ للمُحْتَالِ على المُحِيْلِ) فإِن قيل: كيف يصح هذا والحَوَالة لا بُدَّ فيها مِنْ الدَّيْن، لأَنه مأخوذٌ في تعريفها، ولا يكون دَيْن المُحِيْل على المُحَال عليه، لأَنَّ الحَوالة توجد بدونه، كالحَوالة بدراهم وديعة للمحيل عند المحال عليه فيكون دين المُحَال على المُحِيل؟ أُجيب بأَنه يصح أَنْ يكون المُحْتَال وكيلَ رَبِّ الدَّيْن أَوْ رسوله، ويجوز أَنْ يكون في كلام المصنف مضافٌ مُقَدَّر، أَي «بِلا ذِكْر دَيْن». (و) تصح (بِهِ) أَي بِدَيْنٍ للمُحْتَال على المُحِيل (بأَنْ يكون المحتال ربّ

стр. 1245

وبرِضَاهُمَا وَرِضى المُحْتَالِ عَلَيهِ. فَيَبْرَأُ المُحِيلُ مِن الدَّيْنِ، إِلَّا أَنْ يَتْوَى بِمَوْتِ المُحْتَالِ عَلَيه مُفْلِسًا، أَو حَلِفِهِ مُنْكِرَ الحَوَالَةِ لا بَينَةَ عَلَيهَا === الدَّين، أَوْ بِذِكْر دَيْن للمحتال على المُحِيْل) (١) . وفي «الينابيع»: ويشترط في المُحال به أَنْ يكون ديناً، (وأَن يكون) (٢) لازماً، فلا تصح بَبَدلِ الكِتَابة وما يجري مجراه، لأَنه دينٌ تسميةً لا حقيقةً. وأَما وجوب الدَّيْن على المُحِيل قبل الحَوَالة فليس بِشَرْطٍ لصحة الحَوَالة. (و) تصح الحَوَالة (بِرِضَاهُمَا) أَي المُحْتَال والمُحِيْل (وَرِضَى المُحْتَالِ عَلَيْهِ) سواء كان عليه دَيْن للمُحِيل أَمْ لا. أَما المُحْتَال فلأَن الدَّيْن حَقُّه، والذمم مُتفاوتةٌ، فلا بُدَّ من رضاه. وأَما المُحْتال عليه فَلأَنَّ الدَّيْن يلزمه، فلا بد مِنْ التزامه. والأَصح في مذهب الشافعي أَنْ لا حاجة إِلى رِضَاه إِذا كان المُحَال به دَيْن المُحِيل، وهو قول مالك وأَحمد، لأَن الحق للمُحِيل فله أَنْ يَسْتَوفيه بنفسه وبغيره. وأَما المُحِيل ـ وهو المديون ـ فيشترط رِضاه لصحَّةِ الحَوالة على ما ذكره القُدُوري، ولا يشترط لصحتها على ما في «الزيادات»، وإِنما يشترط للرجوع عليه، أَوْ لسقوط دَيْنه على المحتال عليه، لأَن الحوالة فيها نَفْعُه وهو سقوط ما عليه من الدَّين، فصار كالمكفول عنه، حيث تصح الكَفالة بلا رضاه. ووجه الأَوَّل ـ وهو قول مالك والشافعي ـ أَنَّ للمحيل إِيفاءَ الحقِّ من حيث شاء، ولا يتعين عليه شيءٌ من الجهات، وفي صحة الحَوالة بدون رضاه يتعين ذلك عليه قَهْراً. (فَيَبْرَأُ المُحِيْلُ مِنْ الدَّيْنِ) إِذا تَمَّ عَقْدُ الحَوَالة عند عامة العلماء. وقال زُفر: لا يبرأُ اعتباراً بالكفالة، إِذْ كل واحدٍ منهما عقد تَوَثُّقٍ بحق المطالبة. ولنا أَنَّ الأَحكام الشرعية ثبتت على وَفْق المعاني اللغوية، ومعنى الحوالة في اللغة: النقل. وهو يستدعي زوال المنقول عن المحل المنقول منه، فيكون معناها الشرعي زوالَ الدَّين عن ذمة المحيل. وقيل: يبرأُ المُحيل من المطالبة دون الدين. (إِلاَّ أَنْ يَتْوَى) ـ على زنة يَسْعَى ـ أَي يَهْلِك دَيْن المحتال، فلا يبرأ المُحيل بتمام عقد الحَوالة، وذلك (بِمَوْتِ المُحْتَالِ عَلَيه مُفْلِسَاً) بأَنْ لم يترك مالاً، ولا دَيناً على أَحد، ولا كفيلاً (أَوْ حَلِفِهِ) أَي بيمين المحتال عليه حال كونه (مُنْكِرَ الحَوَالَةِ) حال كونه (لا بَيِّنَةَ عَلَيْهَا) وفي نسخة: ولا بينة عليها للمحتال، ولا للمحيل، لأَن هلاك دينِ المحتال يتحقق بكلِّ واحدٍ من الموت والحَلِف المذكورَيْن.

стр. 1246

وقالا: وبِأنْ فَلَّسَهُ القَاضِي. وتَصِحُّ بِلا شيءٍ عَلَى المُحْتَالِ عَلَيهِ، وبِدَراهِمِ الوَدِيْعَةِ - وَيْبَرأُ بِهَلاكِهَا - والمَغْضُوبَةِ، وَلَمْ يَبْرَأَ بِهَلاكِهَا === (وقالا:) أَي أَبو يوسف ومحمد: يتحقق التَّوَى بِموتِ المحتال عليه، وبِحَلِفِهِ، المذكورين كما قال أَبو حنيفة ﵀ (وبِأنْ فَلَّسَهُ القَاضِي) أَي حكم بإِفلاسه قبل موتِه بَعْدَ ماحبسه، لأَنه عجز عن الأَخذ منه بتفليس الحاكم، وقطعه عن ملازمته عندهما، فصار كعجزه عن الاستيفاء بالجحود، أَوْ موته مُفْلِساً. ولأَبي حنيفة أَنْ الدين ثابتٌ في نفسه، وتَعَذُّر الاستيفاء لا يوجِب الرجوع، أَلا ترى أَنه لو تعذَّرَ بِغَيْبة المحتال عليه لا يرجع على المحيل ولأَن المال غادٍ ورائحٌ، فقد يصبح المرء فقيراً ويُمْسِي غنياً وبالعكس. وقال الشافعي: لا يرجع المحتال على المحيل وإِن تَوِي دين المحتالِ بِمَوتٍ أَوْ غيره، وهو قول أَحمد، والليث، وأَبي ثور، وابن المُنْذِر. وعنِ أَحمد إِذا كان المحال عليه مُفْلِساً ولم يعلم الطالب ذلك، فله الرجوع إِلاَّ أَنْ يرضى بعد العِلم، وبه قال مالك، لأَن الإفلاس في المُحَال عليه عَيْبٌ فكان له الرُّجوع، كما لو اشترى سلعةً فوجدها مَعِيبةً. (وتَصِحُّ) الحَوالة (بِلَا شيءٍ) للمُحِيل (عَلَى المُحْتَالِ عَلَيْهِ) وهو إِحدى صورتي الحَوالة المطلقة، والصورة الأُخرى أَنْ يكون للمُحيل على المحتال عليه دَيْنٌ أَوْ له في يده عين، ولا يقيد الحَوالة بشيءٍ منهما (وبِدَراهِمِ الوَدِيْعَةِ) عطف على بلا شيءٍ (وَيْبَرأُ) المحتال عليه (بِهَلَاكِهَا) أَي هلاك دراهم الوديعة، أَوْ استحقاقها، لأَن الحَوالة مقيدة بها، وهو لم يلتزم التسليم إِلاَّ منها، فلا يلزم التسليم من غيرها (والمَغْصُوبَةِ) أَي وبالدراهم التي غصبها المُحال عليه من المُحيل. (وَلَمْ يَبْرَأ) المحتال عليه (بِهَلَاكِهَا) أَي المغصوبة، بل تَبْقَى الحَوالة متعلقةً بمثلها حقيقةً أَوْ مَعْنىً، لأَن الحَوالة إِذا هلك (المحال) (١) به المغصوب تتعلق بِمْثِله في المِثْلي (٢) ، وبقيمته في القِيْمي (٣) ، لأَن المغصوب إِذا هلك يهلِك إِلى خَلَف، وهو الضمان، فكان قائماً معنىً فلا تَبْطُل الحَوالة بهلاكها، فلا يبرأُ المُحال عليه، بخلاف الوديعة، فإِنها تهلك لا إِلى خَلَف، لأَنها أَمانةٌ، وبالحَوالة لم تخرج عن ذلك، وهلاكُ الأَمانة لا يوجِب الضَّمان. قيد عدم البراءة من المغصوبة «بهلاكها» لأَن

стр. 1247

وبِدَينٍ عَلَيهِ، فَلا يُطَالِبُهُ إِلَّا المُختَالُ. وفي المُطْلَقَة، للمُحِيلِ الطَّلَبُ أَيضًا. ولا تَبْطُلُ بأَخْذِ مَا عَلَيهِ. وتُكَرْهُ السُّفْتَجةُ، وهِي: إِقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطريق. === المحال عليه يبرأُ باستحقاقها، لأَنها به وصلت إِلى مالكها، ووصول المغصوب إِلى مالكه يوجِب براءة غاصبه. (وبِدَيْنٍ عَلَيْهِ) عطف على بدراهم (فَلَا يُطَالِبُهُ) أَي المحتال عليه في هذه الحوالات المقيدة (إِلاَّ المُحْتَالُ) لا المحيل، لأَن حق المحتال تعلق بتلك الأُمور، كالرهن، فلو ملك المحيل المطالبة لبطل حقُّ المحتال، وهو لا يجوز (وفي المُطْلَقَة للمُحِيلِ الطَّلَبُ أَيْضَاً) أَي كما أَنه للمحتال، والظاهر في العبارة تقديم كلمة «أَيضاً» ليكون بجنب ما يتعلق به (عين) (١) المُحيل. وإِنما يكون له الطلب لأَن حقَّ المحال لم يتعلق بدين ولا بعين، بل بذمَّة المُحال عليه. (ولا تَبْطُلُ) الحوالة (بأَخْذِ) المُحيل (مَا عَلَيْهِ) أَي على المحتال عليه من الدين، أَوْ ما عنده من العين المودَعة، أَوْ المغصوبة، كما لا تَبْطُل بهلاكه. (حكم السُّفتَجة) (وتكره السُّفْتَجةُ) ـ بضم مهملة، وسكون فاء، وفتح فوقانية، فجيم ـ تعريب سُفْته: أَي شيءٍ مُحْكَم. وفي الشرع: (وهِي إِقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطريق) وسُمِّي بها هذا القرض لإحكام أَمره. وصورته: أَنْ يدفع شَخْصٌ دراهمَ أَوْ دنانيرَ قَرْضاً ليدفعها إِليه في بلد آخَر، ليستفيد المُقْرِض بذلك الإِقراض سقوطَ خطر الطريق. وإِنما كُرِهت لما روى الحارث بن أَبي أُسامة في «مسنده»: عن حَفْص بن حمزة، عن سَوَّار بن مصعب، عن عُمارة الهَمْداني قال: سمعت عَلِيّاً يقول: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً فهو ربا». وروى ابن أَبي شيبةَ عن أَبي خالد الأَحمر عن حجاج عن عطاء قال: كانوا يكرهون كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً. وفي «المبسوط»: وإِن لم تكن المنفعةُ مشروطةً ولم يكن عُرْفٌ على ذلك فلا بأس به، حتى لو قضاه أَجودَ مِمَّا قبضه ولم يكن ذلك مشروطاً ولا عُرْفاً فلا بأس به، والله أَعلم.

стр. 1248

كِتَابُ الوَكَالَةِ هي تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلى غَيرِهِ. === كتاب الوَكَالَة (هي) لغةً ـ بفتح الواو وكسرها ـ: الحفظ، ومنه الوكيل في أَسماء الله الحسنى بمعنى الحافظ، كما قال الله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيْل﴾ (١) ، ولذا قالوا: إِذا قال: وكلتك بمالي، أَنه يملك به الحفظ فقط. وبمعنى الموكول إِليه الأَمر فمعناها التفويض والاعتماد، ومنه التوكل، قال الله تعالى: ﴿عليه تَوَكَّلْنَا وعَلَى افَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُوْنَ﴾ (٢) . وشَرعَاً: (تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ) في البيع والشراء ونحوهما مِنْ إِنسانٍ (إِلى غَيْرِهِ) وإِقامته فيه مُقام نفسه. (مشروعية الوَكالة) ومشروعيتها بالكتاب، وهو قوله تعالى حكايةً: ﴿فابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرقِكُمْ هَذِهِ إِلى المَدِينَةِ﴾ (٣) ، فإِنَّ ما قَصَّ الله تعالى علينا عن الأُمم الماضية من الأَحكام بلا إِنكار يكون حُكْمَاً لنا. وبالسنَّة، وهي ما رَوى الترمذي أَنه ﷺ بعث مع حَكيم بن حِزَام بدينارٍ ليشتريَ له به أُضحية، فاشتراها بدينارٍ وباعها بدينارين، فرجع واشترى أُضحية بدينارٍ وجاء بدينارٍ إِلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فتصدَّقَ به النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، ودعا له أَنْ يُباركَ له في تجارته. وروى أَبو داود والترمذي وابن ماجه وأَحمد مثل هذا، وبعث أَيضاً مع عُرْوَةَ البَارِقِي بدينارٍ ليشتري له أُضحيةً أَوْ شاةً فاشترى شاتين، فباع إِحداهما بدينار فأَتاه بشاةٍ ودينارٍ، فدعا له في بيعه، فكان لو اشترى تُراباً لربح فيه. وقد وَكَّلَ ﷺ بالتزويج عمرو ابن أَبي سَلَمة، كما رواه أَحمد، والنَّسائي عن أُم سَلَمة: أَنَّ النبيَّ ﷺ لما بَعَث إِليها وخَطَبها قالت: ليس أَحدٌ من أَوليائي شاهدٌ، فقال ﷺ : «ليس أَحدٌ من أَوليائك شاهدٌ ولا غائبٌ يَكْرَهُ ذلك. فقالت لابنها: يا عمرُ قُم فزوِّج النبيَّ ﷺ ، فزوجه.

стр. 1249

وشَرْطُهُ أَنْ يَمْلِكَهُ المُوَكِّلُ ويَعْقِلَهُ الوَكِيلُ ويَقْصِدَهُ. وصَحَّ تَوْكِيِلُ الحُرِّ البَالِغِ، أَو المَأَذُوْنِ مِثْلِهِمَا، وَصَبِيًّا عَاقِلًا وَعَبْدًا مَحْجُوْرَيْنِ. وتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلى مُوَكِّلِهِمَا === قال الحافظ: كان لعمرَ من العمر ثلاث سنين يوم تزوجها رسولُ الله ﷺ ، ومات ﷺ وله في العمر سبع سنين. وقد صح أَنَّ علياً وَكَّل عقيلاً (بن أَبي طالب) (١) وبعدما أَسَنَّ، عبدَ الله بنَ جعفر. فقد روى البيهقي عن عبد الله بن جعفر قال: كان عليٌ يكره الخصومة، فكان إِذا كانت له خصومةٌ وَكَّل فيها عقيل بن أَبي طالب، فلما كبر عقيلٌ وَكَّلَنيه. وبالإِجماع. (وشَرْطُهُ) أَي عقد الوكالة أَوْ التفويض المذكور (أَنْ يَمْلِكَهُ) أَي التصرف (المُوَكِّلُ) بأَن يكون حراً بالغاً أَوْ مأذوناً، (و) أَنْ (يَعْقِلَهُ) أَي التصرف (الوَكِيْلُ) بأَن يعرف أَنْ الشراء جَالِبٌ للمبيع وسَالِبٌ للثمن، ويعرف الغبن اليسير من الفاحش الكثير، (و) أَنْ (يَقْصِدَهُ) أَي الوكيل: بأَن يقصد بمباشرة السبب ثبوتَ حُكْمِهُ، أَوْ الربح، حتى لو تصرَّف فيما وُكِّل به من غير قَصْد أَوْ بقصد الهزل لا يقع ذلك التصرف للمُوَكِّل. (وصَحَّ تَوْكِيْلُ الحُرِّ البَالِغِ أَوْ المَأْذُوْنِ مِثْلهمَا) لأَن الموكِّل مالك والوكيل أَهْل له. والمراد بالمأْذون: الصبي العاقل الذي أَذِن له الولي، والعبد العاقل الذي أَذِن له المَوْلى، (وَصَبِيًّا) عطف على مثلهما (عَاقِلاً) لِمَا يَمْلِكُهُ (وَعَبْداً مَحْجُوْرَيْنِ) لأَن الصبي العاقل ينفُذُ تصرُّفه بإِذْن وليه في مِلْك نفسه، فينفُذُ تصرفه في ملك غيرهِ بتوكيله. والعبد العاقل يملك التصرُّف على نفسه حتى صَحَّ طَلاقُهُ وإِقرارُهُ بالحدود، فيصح تصرّفُه في حق غيره بتوكيله. وقال الشافعي: لا يصح توكيل الصبيّ، وله في العبدِ المَحْجور قولان. (وتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلى مُوَكِّلِهِمَا) لأَنها لَمَّا تَعَذَّر رجوعها إِليهما لإضرار الصبي المبعد من المضار وإِضرار سيد العبد رجعت إِلى أَقرب الناس إِلى هذا التصرف وهو المُوَكِّل، إِلا أَنْ الحقوق تلزم العبد المحجور بعد العِتْق، لأَن المانع حق المولى وقد زال بالعتق ولا يلزم الصبي بعد البلوغ، لأَن المانع حَقُّه، وحق الصبي لا يَبْطُل بالبلوغ

стр. 1250

بِكُلِّ مَا يَعْقِدُهُ بِنَفْسِهِ، وبِالخُصُوْمَةِ في كلِّ حَقٍّ، وبإِيفائِهِ واسْتِيفَائِهِ، إِلَّا في حَدٍّ وَقِصَاصٍ بِغَيبَةِ مُوَكِّلِهِ. وتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلى الوَكِيلِ === (بِكُلِّ مَا يَعْقِدُهُ بِنَفْسِهِ) الباء الأُولى متعلقة «بتوكيل»، والثانية «بيعقد» عطف على الأُولى (وبِالخُصُوْمَةِ في كلِّ حَقَ) حَدّاً كان أَوْ قِصَاصاً، أَوْ غيرهما، لأَن المُوكِّل يملك مباشرةَ ذلك بنفسه، فيملك تفويضه إِلى غيره (وبإِيفائِهِ) أَي بإِعطائه كل حق (واسْتِيْفَائِهِ) أَي أَخْذ كل حق (إِلاَّ في حَدَ) لِقَذْفٍ أَوْ سرقة (وَقِصَاصٍ بِغَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ) عن المجلس. قيد بها لأَن التوكيل باستيفائهما في حضرة المُوكِّل جائزٌ اتفاقاً. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يجوز التوكيل باستيفاء القصاص وحدّ القذف في غَيبة الموكِّل، لأَنه حق العبد، ويجوز استيفاؤه في حضوره، وكذا في غيبته. ولنا أَنهما يسقطان بالشبهة، وشبهة عَفو الموكِّل الغائب ممكنةٌ، إِذْ العفو مندوبٌ إِليه، قال الله تعالى: ﴿وأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ (١) ، والعبرة بعموم اللفظ، وقال : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٢) وحال الغائب غير معلومٍ فلعله عفا والوكيل لا يشعر، بخلاف الحاضر فإِنَّ حاله بِعَدم العَفُو معلومٌ، وقد يحتاج إِلى التوكيل لعدم هدايته إِلى الاستيفاء، أَوْ لأَن قلبه لا يحتمل ذلك، بخلاف الاستيفاء في غَيبة الشهود، لأَن رجوعهم نادر، والأَصل فيهم الصدق فلا يكون احتمال رجوعهم في الغَيبة شبهة. ويصح التوكيلُ بإِثبات الحَدِّ والقصاص عند أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف: لا يصح التوكيل بإِثبات حدِّ الزِّنا، وحدِّ شُرْبِ الخمر اتفاقاً. ويُشْتَرط في التوكيل بالخصومة عند أَبي حنيفة رِضَى الخصم، إِلاَّ أَنْ يكون الموكِّل مريضاً، أَوْ غائباً مُدة السفر، أَوْ امرأَة مُخَدَّرَة (٣) . وقالا: لا يشترط رِضَى الخصم. قيل: الخلاف في الصحة، والصحيح أَنه في اللزوم. وفي «شرح الوافي»: أَنْ المتأَخرين اختاروا الفتوى: أَنَّ القاضي إِذا عَلِم من الخصم التعنت في إِباء الوكيل لا يُمكِّنه من ذلك، ويقبل التوكيل من المُوكِّل. وإِنْ عَلِم من الموكِّل القصد إِلى إِضْرار الخصم بالتوكيل لا يقبل منه التوكيل إِلا برضاء الخصم، وهو اختيار شمس الأَئمة السَّرَخْسِي. (وتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلى الوَكِيْلِ) في عقد لا يحتاج الوكيل فيه إِلى ذِكْر المُوكِّل،

стр. 1251

في بَيعٍ وشِرَاءٍ، وإجارةٍ، وصُلْحٍ عَنْ إِقْرَارٍ. فيُسَلِّمُ المَبِيعَ وَيَقْبِضُهُ، وثَمَنَ مَبِيعِهِ، وعَلَيهِ ثَمَنُ مَشْرِيِّهِ، ويُخَاصِمُ في الاسْتِحْقَاقِ، والعَيبِ، وشُفْعَةِ مَا اشْتَرَى وهُوَ في يَدِهِ. ويَثْبُتُ المِلْكُ للمَوَكِّلِ ابتِدَاءً، فَلا يعَتِقُ قَرِيبُ وَكِيلٍ بِشِرَائِهِ، وإلى المُوَكِّلِ في نِكَاحٍ، وخُلْعٍ، وصُلْحٍ عن إِنكارٍ، أَو دَمِ عَمْدٍ، وعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وكِتَابَةٍ، وتَصَدُّقٍ، وهِبَةٍ، وإعارَةٍ، وإيداعٍ، ورَهْنٍ، وإقْرَاضٍ. فَلا يُطَالَبُ وَكِيلُ الزَّوْجِ بالمَهْرِ، ولا وَكِيْلُهَا بِتَسْلِيمِهَا، ولا === فيرجع إِلى الوكيل (في بَيعٍ وشِرَاءٍ، وإِجارةٍ، وصُلْحٍ عَنْ إِقْرَارٍ) إِذْ يَكْفِي أَنْ يقول الوكيل: بعت، واشتريت، وآجَرْت، وصالحت. وقال مالك والشافعي وأَحمد: تَرْجع الحقوق إِلى الموكِّل (فَيُسَلِّمُ) الوكيل (المَبِيْعَ) في الوكالة بالبيع (وَيَقْبِضُهُ) في الوكالة بالشراء. (و) كذا يقبض الوكيل (ثَمَنَ مَبِيْعِهِ) في الوكالة بالبيع (وعَلَيْهِ) أَي على الوكيل بالشراء (ثَمَنُ مَشْرِيِّهِ) بالوكالة بالشراء (ويُخَاصِمُ في الاسْتِحْقَاقِ (١) ، و) في (العَيْبِ، و) في (شُفْعَةِ مَا اشْتَرَى وهُوَ في يَدِهِ) قيد به لأَن الوكيل بالشراء بعد التسليم إِلى مُوكِّلِهِ لا يفعل شيئاً من ذلك إِلاَّ بِأَمْرٍ جديدٍ، لانتهاء حُكْم الوكالة بالتسليم. (ويَثْبُتُ المِلْكُ للمَوَكِّلِ ابتِدَاءً) خِلَافَةً وبدلاً عن الوكيل، باعتبار التوكيل السابق لا أَصالةً (فَلَا يعتِقُ قَرِيْبُ وَكِيْلٍ بِشِرَائِهِ) بطريق الوكالة، لأَن الوكيل لم يملكه، وكذا لا يفسد نكاح منكوحته إِذا اشتراها، لأَنه لم يملكها. (وإِلى المُوَكِّلِ) أَي وترجع الحقوق إِلى الموكِّل في كل عَقْدٍ يحتاج الوكيل فيه إِلى ذِكْرِ الموكِّل، وذلك (في) عقد (نِكَاحٍ، وخُلْع، وصُلْحٍ عن إِنكارٍ أَوْ دَم عَمْدٍ، وعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وكِتَابَةٍ، وتَصَدُّقٍ، وهِبَةٍ، وإِعارَةٍ، وإِيداعٍ، ورَهْنٍ، وإِقْرَاضٍ) لأَن الوكيل في هذه العقود سفيرٌ مَحْض، والسفير حَاكٍ قول غيره، ومَنْ حَكى قول غيره لا يلزمه حُكْم ذلك القول، كَمَنْ حَكَى قَذْف غيره فإِنه لا يكون قاذِفاً، ومَنْ حَكى كُفْر غيره، فإِنه لا يكون كافراً. (فَلَا يُطَالَبُ) بفتح اللام (وَكِيْلُ الزَّوْجِ بالمَهْرِ) ـ الباء فيه وفيما بعده متعلقة بـ: يُطَالب (ولَا) يطالَب (وَكِيْلُهَا) أَي وكيل المرأَة بالنكاح (بِتَسْليمِهما، ولا) وكيلها

стр. 1252

بِبَدَلِ الخُلْعِ. وللمُشْتَرِي مَنْعُ الثَّمَنِ مِنْ مُوكِّلِ بَائِعِهِ، فإِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إِلَيهِ صَحَّ، ولم يُطَالِبِ الوَكِيلَ ثانِيًا. فصلٌ [في الوَكَالَةِ بالبَيعِ والشِّراءِ] لا يَصِحُّ بَيْعُ الوَكِيلِ وشِرَاؤهُ مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ له، === بالخُلْعِ (بِبَدَلِ الخُلْعِ) لأَن ذلك من حقوق النكاح والخُلْع، والحقوق فيهما لا ترجع إِلى الوكيل. (وللمُشْتَرِي مَنْعُ الثَّمَنِ مِنْ مُوكِّلِ بَائِعِهِ) لأَنه أَجنبي من حقوق البيع. وقال مالك والشافعي وأَحمد: لا يمنعه، لأَن الحقوق ترجع في البيع عندهم إِلى الموكِّل (فإِنْ دَفَعَ) المشتري (الثَّمَنَ إِلَيْهِ) أَي موكِّل بَائِعِهِ (صَحَّ ولم يُطَالِبِ) ـ بكسر اللام ـ (الوَكِيْلَ ثَانِيَاً) لأن نفس الثمن المقبوض حَقُّ المُوكِّل وقد وصل إِليه، ولا فائدة في أَخْذِهِ منه ثُمَّ دَفْعِهِ إِلى الوكيل ليدفعه إِلَيْهِ. فصل (في الوَكَالَةِ بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) (لا يَصِحُّ بَيْعُ الوَكِيْلِ وشِرَاؤهُ مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ له) عند أَبي حنيفة، وهو قول الشافعي، وَوَجْهٌ في مذهب أَحمد. وقال أَبو يوسف ومحمد: يصح بَيْعُه بمثل القيمة، وبالغُبْنِ اليسير، لأَنه في حُكْم المِثْل إِلاَّ مِنْ عبده ومكاتَبه، لأَن التوكيل مطلقٌ ولا تهمة، إِذْ الأَمْلاك متباينة، والمنافع منقطعة، فصار البيع منهم كالبيع من أَجنبي، وصار الوكيل كالمُضَارِب، بخلاف العبد، لأَن ما في يده لمولاه، وبخلاف المكاتَب لأَن لمولاه حقاً في كَسْبه، وبخلاف الغُبْن الفاحش لأَنه ليس في حُكْم المِثْل. ولأبي حنيفة أَنَّ مواضع التهم مستثناة من الوكالة، والوكيل يتهم في العقد مع هؤُلاء، ولأَن كل واحدٍ منهم ومن الوكيل ينتفع بمال الآخَرِ عادةً، فكان مالُ كلِّ واحدٍ منهم كـ: مال الوكيل، فصار الوكيل بائعاً أَوْ شارياً من نفسه، بخلاف المُضَارِب، فإِنه كالمتصرف لنفسه. وعلى هذا الخلاف الإجارةُ والصَّرْفُ والسَّلَم ونحوها. ثم المرادُ من عدم جواز البيع لهؤلاء عند أَبي حنيفة في مطلقِ الوكالة، حتى لو قَيَّد الوكالة بتعميم المشيئة جاز بيع الوكيل منهم اتفاقاً، بخلاف البيع من نفسه، أَوْ

стр. 1253

وصَحَّ بَيعُ الوَكِيلِ بِمَا قَلَّ أَو كَثُرَ، والعَرْضِ والنَّسِيئَةِ، وبَيعُ نِصْفِ ما وُكِّلَ بِبَيعِهِ، وأَخْذُهُ رَهْنًا أَو كَفِيلًا بالثَّمَنِ إِنْ ضَاعَ في يَدِهِ، أَو تَوِيَ مَا عَلَى الكَفِيلِ. ويُقَيَّدُ شِرَاءُ الوَكِيل بِمِثْلِ القِيمةِ، وبزِيَادةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فيها وهي: ما قَوَّم به مُقَوِّم. === من ابن صغير له حيث لا يجوز وإِنْ قَيَّد بتعميم المشيئة، لأَنه يؤدي إِلى تَضَادِّ الأَحكام: بأَنْ يكون مُخَاصِمَاً في العيب ومُخَاصَمَاً (عنه) (١) . وفي «الذخيرة»: ولو باع الوكيل من هؤلاء بأَكثر من القيمة يجوز بلا خلاف. (وصَحَّ بَيْعُ الوَكِيلِ) بالبيع إِذا لم يقيد (بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، والعَرْضِ) أَي وبالعَرْض (والنَّسِيْئَةِ) أَي وبالأَجل، ولو كان آجِلاً غير متعارَف، كخمسين سنة، وهذا عند أَبي حنيفة. وقالا: يصح بالغُبْن اليسير دون الفاحش، وبالدراهم والدنانير دون العُروض، وبالأَجل المتعارَف. وقال مالك والشافعي وأَحمد: يصح بثمن المِثْل، وبنقد البلد حالاًّ، فإِنْ كانت النقود مختلفة يعتبر الأغلب. (و) صَحَّ للوكيل (بَيْعُ نِصْفِ ما وُكِّلَ بِبَيْعِهِ) مُطلقاً، أَما إِذا لم يكن في تفريقه ضَرَرٌ كالحنطة والشعير فباتفاق، وأَما إِذا كان في تفريقه ضررٌ كالعبد فعند أَبي حنيفة خلافاً لهما، وهو قول الشافعي وأَحمد. (و) صح (أَخْذُهُ) أَي أَخْذ الوكيل (رَهْنَاً)، بالثمن (أَوْ كَفِيْلاً بالثَّمَنِ) فلا يضمن (إِنْ ضَاعَ) الرهن (في يَدِهِ أَوْ تَوِيَ) أَي هلك (مَا عَلَى الكَفِيْلِ) لأَن الهالك في يده كالهالك في يد الموكِّل، أَلا ترى أَنَّ الوكيل لو استوفى الثمن حقيقةً وهلك في يده يهلِك على الموكِّل. (ويُقَيَّدُ شِرَاءُ الوَكِيْل) بالشراء (بِمِثْلِ القِيْمةِ وبِزِيَادةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فيها)، فلا يُلزم المُوَكِّل بما شَرَاه وكيله بزيادةٍ على القيمة لا يُتغابن فيها، وهي الزيادة الفاحشة (وهي) أَي الزيادة التي يتغابن فيها (ما قَوَّم به مُقَوِّم) أَي ما يدخل تحت تقويم المقومين عند اختلافهم. قال شيخ الإِسلام في «جامعه»: وهذا التحديد فيما لم يَكُنْ له قيمة معلومة في البلد، كالعبيد والدوابِّ، فأَما ما له قيمةٌ معلومةٌ، كالخبز واللحم فإِن الوكيل إِذا زاد لا ينفُذ على الموكِّل وإِن كانت الزيادة كالفَلْس (٢) ونَحْوه، لأَن ما يدخل تحت تقويم المقوِّمين هو فيما يحتاج فيه إِلى تقويمهم، وهذا لا يحتاج.

стр. 1254

وَيَتَوقّفُ شِرَاءُ نِصْفِ ما وُكِّلَ بِشِرَائِهِ عَلَى شِرَاءِ البَاقِي. ولو رُدَّ مَبِيعٌ عَلَى وَكِيلٍ بعَيبٍ رَدَّهُ عَلَى آمِرِهِ، إِلَّا وَكِيلٌ أَقَرَّ بِعَيبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَلَزِمَه ذَلِكَ. وإِنْ بَاعَ نَسَاءً وَقَال: قَدْ أَطْلَقَ الآمِرُ، فقال: أَمَرْتُكَ بِنَقْدٍ، صُدِّقَ الآمِرُ. وفي المُضَارَبَةِ المُضَارِبُ. وَلا يَصِحُّ تَصَرُّف أَحَدِ الوَكِيلَيْنِ وَحْدَهُ === (وَيَتَوقَّفُ شِرَاءُ نِصْفِ ما وُكِّلَ بِشِرَائِهِ) أَي كله (عَلَى شِرَاءِ البَاقِي) فإِن شرى الباقي لَزِم النصف، وإِن لم يشتره لم يلزم (ولو رُدَّ مَبِيعٌ عَلَى وَكِيْلٍ بِعَيْبٍ) متعلق بردّ السابق (رَدَّهُ) الوكيل (عَلَى آمِرِهِ إِلاَّ وَكِيْلٌ أَقَرَّ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ) في تلك المدة، يعني أَنْ مَنْ وَكَّل رجلاً بِبيع شيءٍ فباعه وسَلَّمَه وقبض الثمن أَوْ لم يقبض، فوجد المُشْتَرِي به عيباً: إِنْ كان لا يحدثُ مِثْلُه في تلك المدة، وردَّه بقضاءٍ ببينةٍ، أَوْ بنكولٍ، أَوْ بإِقرار من الوكيل، فإِنَّ للوكيل أَنْ يردَّه على الآمِر، وإِن كان يَحْدُث مِثْله وردَّه ببينة أَوْ بإِباءٍ عن يمين فكذلك، وإِن ردَّه بإِقرارٍ لم يردَّه على الآمِر (وَلَزِمَهُ ذَلِكَ) المبيع، لأَن الإِقرار حجة قاصرة فتظهر في حق المُقِرِّ دون غيره، وهو غير مضطر إِليه، إِذْ يمكنه السكوت والنُّكُول. (وإِنْ بَاعَ) الوكيل (نَسَاءً) أَي إِلى أَجل (وَقَال: قَدْ أَطْلَقَ الآمِرُ) أَوْ قال لم يبين (فقال:) الأَمِر (أَمَرْتُكَ بِنَقْدٍ، صُدِّقَ الآمِرُ) لأَن الأَمْر مُستفادٌ من جهته، وقد يكون مطلقاً، وقد يكون مقيداً، ولا دلالة على أَحدهما فكان القول قوله مع اليمين، كما لو أَنكر أَصل الوكالة. وعن مالك: إِنْ كانت السلعةُ قائمةً صُدِّق الآمِرُ. وقال أَحمد: القول للآمِر. (وفي المُضَارَبَةِ) إِذا قال ربُّ المال: أَمرتك بالنَّقْد، وقال المضارِب: أَطْلَقْتَ، أَوْ لم تبيّن شيئاً، صُدِّق (المُضَارِبُ) لأَن الأَصل في المُضَارَبة الإِطلاق والعموم، والقول قول المتمسك بالأَصل. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أَحَدِ الوَكِيْلَيْنِ وَحْدَهُ) لأَن المُوكِّل راضٍ برأيهما لا برأْي أَحدهما. فإِذا انفرد أَحدُهُمَا بطل غَرَضُه. وهذا إِذا وكَّلَهما بِكَلامٍ واحدٍ، حتى لو وكَّلهما على التعاقب، جاز لأَحدهما أَنْ ينفرد بالتصرف، لأَنه رضي برأْي كُلِّ واحدٍ منهما على الانفراد وقتَ توكيله، بخلاف الوصيَّين إِذا أَوْصَى كُلّ واحدٍ منهما بكلام على حِدَة، حيث لا يجوز لأَحدهما أَنْ ينفرد بالتصرف على الأَصح، لأَن حكم الوصية يثبت بالموت، فعنده صارا وَصِيَّين، وحكم الوكالة يثبت بالتوكيل، فإِذا كان كُلُّ واحدٍ منهما بِعَقْدٍ، استوى كُلٌّ منهما بالتصرف.

стр. 1255

إِلَّا في خصومةٍ وَرَدِّ وديعةٍ، وقضاءِ دَيْنٍ، وطَلاقٍ، وعِتْقٍ لم يُعَوَّضَا. ولا يَصِحُّ بَيعُ عَبْدٍ أَو مُكَاتَبٍ، أَو ذِمّي، مَالَ صغيره المُسْلِم، وشِرَاؤهُ، والأَمْرُ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ عَلَى البُرِّ في دَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ، وعَلَى الخُبْزِ في قَلِيْلَةٍ، وعَلَى الدَّقِيقِ في مُتَوَسِّطَةٍ، وفي مُتَّخِذِ الوَلِيمَةِ عَلَى الخبْزِ. === وفي «الذخيرة»: لو باع أَحَدُهما والآخَرُ حاضرٌ يجوز، ولو كان الآخرُ غائِبَاً فأَجاز لم يَجُز عند أَبي حنيفة (إِلاَّ في خصومةٍ وَرَدِّ وديعةٍ، وقضاءِ دَيْنٍ، وطَلَاقٍ، وعِتْقٍ لم يُعَوَّضَا) وقال زُفَر والشافعي وأَحمد: لا يصح تَصَرُّفُ أَحد الوكيلين وَحْدَه في الخصومة. قيد الوديعة «بالردّ» لأَن الوكيلين بقبض الوديعة لو قبض أَحدُهما بغير إِذن صاحبه يضمن، لأَن الموكِّل شَرَط اجتماعهما على القبض ولم يوجد، فصار قابضاً بغير إِذن المالك. فإِن قيل: ينبغي أَنْ يضمن النصف، لأَنه مأَمورٌ بقبض النصف. أُجيب بأَنه مأمورٌ بِقَبْض النصف مع صاحبه لا بدونه. وقيد الطلاق والعتق بأَنهما «لم يعوَّضَا» لأَنهما إِذا كانا بِعِوَضٍ كالبيع. (ولا يَصِحُّ بَيْعُ عَبْدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ، أَوْ ذِمّي، مَالَ صغيره المُسْلِم، و) لا (شِرَاؤُهُ) بماله، لأَن المكاتَب عَبْدٌ ما بَقِي عليه دِرْهَمٌ، والعبد لا ولايةَ له، قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شيءٍ﴾ (١) ، والكافر لا ولايةَ له على المسلم، قال الله تعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ للكافِرِيْنَ على المُؤمِنِيْنَ سَبِيْلاً﴾ (٢) . قيد الذمي لا للاحتراز عن الحربي، لأَنه في هذا الحُكْمِ مِثْلُهُ، بل عن المرتد، لأَن ولايته على أَولاده وأَمواله موقوفةٌ، فإِنْ أَسلم جُعِل كَأَنه لم يَزَل مُسْلِمَاً فينفُذ تصرفُهُ، وإِن مات أَوْ قُتِلَ على رِدَّتِهِ تَبْطُل لِتَقرُّر جهة انقطاع الولاية. (والأَمْرُ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ) يقع على الحنطة ودقيقها بناءً على العرف والعادة. وقيل: يقع (عَلَى البُرِّ في دَرَاهِمَ كَثِيْرَةٍ)، وهي عشرة فما فوقها (وعَلَى الخُبْزِ في) دراهم (قَلِيْلَةٍ)، وهي الثلاثة (وعَلَى الدَّقِيْقِ في) دراهم (مُتَوَسِّطَةٍ)، وهي ما بين الكثيرة والقليلة (وفي مُتَّخِذِ الوَلِيْمَةِ) يقع (عَلَى الخُبْزِ) وإِنْ كثرت الدراهم. والفارق في ذلك العُرْف وقرائن الأَحوال. وقال بعض مشايخ ما وراء النهر: الطَّعام في عُرْفنا ما

стр. 1256

وصَحَّ الأَمْرُ بِشِرَاءِ حِمَارٍ، ودَارٍ إن ذَكَرَ ثَمَنَهَا ومَحَلَّتَهَما، وشَيءٍ عُلِمَ جِنسُهُ مِنْ وَجْهٍ، وذُكِرَ ثَمَنٌ، أَو عيَّن نوعًا، لا إِنْ فَحُشَ جَهَالَةُ جِنْسِهِ، كالرَّقِيقِ والثَّوْبِ والدَّابة. وصُدِّقَ الوَكِيل في: شَرَيْتُ عَبدًا لِلآمِر فمات، وقال الآمِر: لِنَفْسِكَ. إِنْ دَفَعَ الأمِرُ الثَّمَنَ، === يمكن أَكْلُهُ من غير إِدَام (١) ، كاللحم المطبوخ أَوْ المَشْوي دون الحِنْطة ودقيقها. قال الصدر الشهيد: وعليه الفتوى. (وصَحَّ الأَمْرُ بِشِرَاءِ حِمَارٍ) وفرسٍ، وبغلٍ، وشاةٍ، وثَوْبٍ هَرَوِيَ ونحوها، لأَن الجنس صار معلوماً بالتسمية، وإِنما الجهالة في الوصف، وهي يسيرةٌ، وقد ثبت أَنه ﵊ وَكَّل بشِراءِ شاةٍ للأُضحية. (و) الأَمر بشراءِ (دَارٍ إِنْ ذَكَرَ ثَمَنَهَا ومَحَلَّتَهَما) لأَن الدار تختلف اختلافاً فاحشاً بِحسب الأَغراض، والمرافق، والجيران، والمحال، والبلدان فيتعذر الامتثال، فإِن سُمِّي الثمن والمَحَلّة صارت معلومةً عادةً وبقيت الجهالة يسيرةً. (و) بشراء (شَيءٍ عُلِمَ جِنسُهُ مِنْ وَجْهٍ وذُكِرَ ثَمَنٌ، أَوْ عيَّن) ذلك الشيءَ (نوعاً) أَي من جهة النوع، فلو وَكَّلَه بشراء عبدٍ لا يصح، لأَنه يشمل أَنواعاً ففحشت الجهالة. فإِن سَمَّى الثمن أَوْ عَيَّن النوع، كَتُرْكِي وحَبَشِي، صح التوكيل، (لا إِنْ فَحُشَ) أَي لا تصح الوكالة بشراء شيءٍ فَحُشَ (جَهَالَةُ جِنْسِهِ) وإِنْ ذُكر الثمن (كالرَّقِيْقِ والثَّوْبِ والدَّابَّة) لأَن الثوب يتناول أَجناساً شتى من الأَطلس (٢) إِلى الكساء. والدَّابة في اللغة: اسمٌ لما يَدِبُّ، وفي العرف: للفرس، والحمار، والبغل. والرقيقُ يَشْمَل الذَّكَر والأُنثى، وهما من بني آدم جنسان مختلفان. وتسمية الثمن لا تُزيل هذه الجهالة، إِذْ يوجد بما سَمَّى واحدٌ من كل جنس، ولا يُعرف مراد الآمر، والأمر بما لا يَقْدِر المأمورُ على الامتثال به باطل، إِلا أَنْ يُفَوِّض الموكِّلُ الأَمْرَ إِلى رأي الوكيل: بأَن يقول له: اشتر لي بأَلفٍ ثياباً، أَوْ دَوَابَّ، أَوْ أَشياءَ، أَوْ ما شئت، أَوْ ما رأَيت، أَوْ أَدنى شيءٍ حضرك، أَوْ ما يوجد، أَوْ ما يَتَّفِق، لأَن في التعميم دلالةً على التفويض إِلى رأيه. (وصُدِّقَ الوَكِيْلُ) بشراءِ عبدٍ بغير عينه (في: شَرَيْتُ عَبْداً لِلآمِر فمات، وقال الآمِر:) شريته (لِنَفْسِكَ إِنْ) كان (دَفَعَ الآمِرُ الثَّمَنَ) إِلى الوكيل، لأَنه حينئذٍ أَمينٌ على

стр. 1257

وإلَّا فالآمِرُ. وللوَكِيلِ حَبْسُ المَبِيعِ مِنْ آمِرِهِ لِقَبْضِ، ثَمَنِهِ. وإِنْ لَمْ يدفع، فإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الحَبْسِ، سَقَطَ الثَّمَنُ. وليس للوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَيْنٍ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، فإنْ شَرَى بِخِلافِ جِنْسِ ثَمَنٍ سُمِّيَ، وَقَعَ لَهُ. === الثمن، وقد ادَّعى الخروج عن عهدة الأَمانة على الوجه الذي أَمره به، فكان القول قوله. ولا فرق بين العبد المُعَيَّن وغيرِ المعيَّن، فتنكيرُه في المتن وقع اتفاقاً (وإِلاَّ) أَي وإِن لم يدفع الآمِر الثمن إِلى الوكيل (فالآمِرُ) هو المُصَدَّق، لأَن الوكيل يَدَّعِي الثَّمن على المُوَكِّل، وهو مُنْكِر فيكون القول قوله. والتقييد بالموت احترازٌ عَمَّا إِذا كان العَبْدُ حَيّاً، فإِنه إِنْ كان غَيْرَ معيَّن وكان الثمن منقوداً فالقولُ للوكيل اتفاقاً، لأَنه أَمين، وإِن لم يكن منقوداً فكذلك عندهما، لأَنه يملك استيفاء الشراء فلا يتهم في الإخبار عنه. وعند أَبي حنيفة القول للموكِّل، وإِن كان العبد مُعَيّنَاً فالقول للوكيل إِجماعاً، سواء كان الثمن منقوداً أَوْ لا. وفي «الذخيرة»: إِنَّ قول الأَمين مُعْتبرٌ مع اليمين. (وللوَكِيْلِ حَبْسُ المَبِيْعِ) الذي أُمر بشرائه (مِنْ آمِرِهِ لِقَبْضِ ثَمَنِهِ) إِنْ دفع الوكيل الثمن إِلى بائعه (وإِنْ لَمْ يدفع) وعند زُفَر ليس له حقُّ الحبس أَصلاً، لأَن يده كيدِ الموكِّل حُكْمَاً (فإِنْ هَلَكَ) في يد الوكيل (بَعْدَ الحَبْسِ سَقَطَ الثَّمَنُ) عند أَبي حنيفة ومحمد، قَلَّتْ قيمتُهُ أَوْ كَثُرَت، وهو ضمان المبيع إِذا هلك في يد البائع. وعند زُفَر يضمن ضمان الغَصْب، لأَنه صار غاصِباً بِحَبْس ما ليس له حَبْسُه، فيضمن جميع قيمته إِنْ كان قِيْميّاً. وعند أَبي يوسف ضمان الرهن حتى إِنْ كان فيه وفاءٌ بالثمن يسقط الثمن، وإِن لم يكن فيه وفاءٌ يرجع الوكيل بالفضل على الموكِّل، لأَنه مضمونٌ بالحبس للاستيفاء، كالرهن. ولهما أَنَّ الوكيل مع الموكِّل كالبائع مع المشتري، وهلاك المبيع في يد البائع يسقط الثمن، فكذا هذا. قيد الهلاك «ببَعْد الحبس» لأَنه قبل الحبس تقرر الثمن على الموكِّل. (وليس للوَكِيْلِ بِشِرَاءِ عَيْنٍ) أَي مُعَيّن (شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ) حتى لو شَرَى لنفسه، (فهو لموكِّله، سواء نوى عند العقد الشراء أَوْ صرّح به بأَنه يشتري لنفسه) (١) . (فإِنْ شَرَى) الوكيل (بِخِلَافِ جِنْسِ ثَمَنٍ سُمِّيَ) أَوْ بِأَكْثَر مِمَّا سُمِّي (وَقَعَ) الشراء (لَهُ) أَي

стр. 1258

فصل [في أحْكَامِ التَّوكيلِ بالخُصُومة] للوَكِيْلِ بالخُصُوْمَةِ القَبْضُ، ويُفْتَى الآنَ بِخِلافِهِ، وللوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الخُصُومَةُ، لا بِقَبْضِ العَيْنِ، وتُقْصَرُ يَدُ الوَكِيْلِ بِقَبْضِ العَبْدِ وَنَقْلِ المَرْأَةِ، إِنْ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى البَيْعِ، والطَّلاقِ === للوكيل، لأَنه خالفَ أَمْر الآمِر فنفذ عليه، إِلاَّ أَنْ ينوي وقت الشراء للآمِر، أَوْ يُضِيفه إِلى مالِ الآمِر. ولو وُكِّل بشراءِ عشرة أَرطالِ (١) لحمٍ بدرهم، فاشترى به عشرين رَطلاً مما يباع منه عشرة بدرهم، فللموكِّل النصف بحصته عند أَبي حنيفة، وأَلزما الكل بالدرهم كمالك والشافعي، لما روينا أَنَّ النبيَّ ﷺ أَعطَى عُرْوة البارقي ديناراً ليشتري به أُضحيةً أَوْ شاةً، فاشترى شاتين، فباع إِحداهما، فأَتاه بِشاةٍ ودينارٍ، فدعا له بالبركةِ في بَيْعِه. فصل (في أَحكام التوكيل بالخصومة) (للوَكِيْلِ بالخُصُوْمَةِ) والتقاضي (القَبْضُ)، سواء كانت الخصومة في عينٍ أَوْ دينٍ، وهو وجهٌ في مذهب الشافعي، لأَن التوكيل بالشيء توكيلٌ بإِتمامه، وإِتمامُ الخصومة والتقاضي بالقبض. (ويُفْتَى الآنَ بِخِلَافِهِ) وهو أَنْ الوكيل بالخصومة ليس له القبض. أَفتى بذلك الصدر الشهيد وكثير من مشايخ بَلْخ، وهو قول زُفر، ومالك، والشافعي، وأَحمد، لأَن مَنْ يُؤَمَّن على الخصومة قد لا يؤمن على المال، لظهور الخيانة في هذا الزمان. (وللوَكِيْلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الخُصُومَةُ) عند أَبي حنيفة والشافعي (في قولٍ، وأَحمد) (٢) في روايةٍ. وقال أَبو يوسف ومحمد: لا يكون خصماً، وهو روايةُ الحسن عن أَبي حنيفة، والأَصح من مذهب الشافعي، وظاهر الرواية عن أَحمد. (لَا بِقَبْضِ العَيْنِ) فإِن الوكيل بقبضها ليس له الخصومة اتفاقاً (وتُقْصَرُ يَدُ الوَكِيْلِ) أَي الذي وُكِّل (بِقَبْضِ العَبْدِ) مِمَّنْ هو في يده، فالباء متعلقة بالوكيل (وَنَقْلِ المَرْأَةِ) أَي وتُقْصر يدُ الوَكِيل بنقل المرأَة (إِنْ أَقَامَ) الذي في يده العبد (الحُجَّةَ عَلَى البَيْعِ، و) أَقامت المرأَة الحُجة على (الطَّلَاقِ) بأَن أَقام الذي في يده

стр. 1259

بِلا ثُبُوْتِهما. وَصحّ إِقْرَارُ الوَكِيلِ بالخُصُومَةِ عِنْدَ القاضي لا عِنْدَ غَيْرِهِ. وللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ، وَوَقَفَ عَلَى عِلْمِهِ. === العبدُ بينَةً عَلَى أَنَّ الموكِّل باع العبد منه، وأَقامت المرأَة بينةً على أَنْ الموكِّل طَلَّقَهَا، (بِلَا ثُبُوْتِهما)، أَي: ولا يثبت البيع والطلاق. (وَصحّ إِقْرَارُ الوَكِيْلِ) أَي الذي وُكِّل (بالخُصُومَةِ) على موكِّله، سواء كان وكيلاً للمُدَّعِي أَوْ للمُدَّعَى عليه (عِنْدَ القاضي)، متعلق بإِقرار، (لا عِنْدَ غَيْرِهِ) أَي لا يصح إِقرار الوكيل بالخصومة عند غير القاضي، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أَبو يوسف: يصح إقراره عند غير القاضي أَيضاً. وقال زُفَر والشافِعيّ وأَحمد وابن أَبي لَيْلَى: لا يصح في الوجهين، وهو القياس، لأَنه أَتَى بِضِدِّ ما أَمَرَهُ به. (وللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيْلِهِ) عن الوكالة متى شاء، لأَن الوكالة حَقُّه وله أَنْ يُسقطه. ولو قال الموكِّل لوكيله: كُلما عزلتُك فأَنت وكيلي، لا يملك عزلَه، لأَنه كلما عزله تجددت الوكالة له. وقيل: ينعزل بقوله: كلّما وكلتك فأَنت معزولٌ. وقيل: يملك عَزْله بأَن يقول: عزلتك عن جميع الوَكالات، فينصرف ذلك إِلى المعلّق والمنجَّز (١) . والصحيح أَنْ يقول إِذا أَراد عَزْله، وأَن لا تَنْفُذ الوَكَالة بعد العزل: رَجَعْتُ عن المُعَلَّقة، وعَزَلْتُك عن المنجَّزة، لأَن ما لا يكون لازماً يصح الرجوع عنه، والوكالة منه، فَكُلٌّ مَنْ الرجوع عن المعلقة والعزل عن المنجزة صحيحٌ. (وَوَقَفَ) عَزْل الموكِّل وكيلَه (عَلَى عِلْمِهِ) فما دام لم يبلغه، هو على وكالته، وتصرُّفه جائزٌ. ويُشترطُ في مُبَلِّغهِ عند أَبي حنيفة إِذا لم يكن رسولَ المُوكِّل أَنْ يكون عدلاً أَوْ مستورَين، بخلافهما حيث اكتفيا بواحدٍ، وإِن لم يكن عدلاً، كالرسول إِليه، فإِنه لا يشترط فيه العدالة اتفاقاً. وقال الشافعي: ـ في الأَصح ـ ومالك في رواية، (وأَحمد في رواية) (٢) : لا يتوقف عَزْل الوكيل على عِلمه، لأَن الموكِّل بعزل الوكيل مُسْقِطٌ لحق نفسه، فصار كالطلاق والعَتاق، فإِنه يجوز بدون عِلْم المرأَة والعبد. ولنا أَنْ في عزله بدون علمه إِضراراً به، لأَنه ربما يتصرف بناءً على أَنه وكيلٌ

стр. 1260

وتَبْطُلُ الوَكَالَةُ بمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وجُنُوْنِهِ مُطْبِقًا، ولَحَاقِهِ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا، وكَذَا بِعَجْزِ مُوَكِّلِهِ مُكًاتَبًا، وحَجْرِهِ مَأَذُوْنًا، وافْتِرَاقِ الشَّرِيْكَين، وإِنْ لَمْ يَعْلَم به === ويَنْقُدُ الثمن من مال الموكِّل، أَوْ يسلم المبيع فيضمنه. ولو عزل الوكيلُ نَفْسَهُ بغير علم الموكِّل لا ينعزل، وعند الشافعي وأَحمد ومالك في روايةٍ: ينعزل. وعن مالك إِنْ كان في عزله ضررٌ على موكِّله لا ينعزل بدون علمه. (وتَبْطُلُ الوَكَالَةُ) التي ليست بلازمة (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وجُنُوْنِهِ مُطْبِقَاً) ـ بكسر الباء ـ أَي مستوعباً، من أَطبق الغيمُ السماء إِذا استوعبها، (ولَحَاقِهِ) أَي وبِلَحاق أَحدهما (بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدّاً). قيَّد الجنون «بالإطباق» ليكون كالموت، لأَن قليله كالإِغماء. وحَدُّ الجنون المُطْبِق شَهْرٌ عند أَبي يوسف، لأَنه يَسقط به الصوم، وعنه أَكثر من يوم وليلةٍ، لأَنه تسقط به الصلوات الخمس. وعند محمد حَوْلٌ كَامِلٌ وهو الصحيح، لأَن استمراره حولاً مع اختلاف فصوله آيةُ استحكامه، ولأَن ما دون الحَوْل لا يمنع وجوب الزكاة فلا يكون في معنى الموت. والمراد «بِلَحاقه مرتداً» إِذا حكم الحاكم به، لأَن لَحَاقه لا يثبت إِلاَّ بِحُكْم الحاكم، وحينئذٍ تبطُل الوَكالة باتفاقهم. وأَما قَبْل الحُكْم فموقوفةٌ عند أَبي حنيفة، لأَن تصرفاتِ المرتد عنده موقوفةٌ فكذا وَكالته. فإِن أَسلم نفذت، وإِن قُتِل أَوْ لَحِق بِدَار الحربِ بَطَلَت، ونافدةٌ عندهما، لأَن تصرفاته نافذةٌ فلا تبطُل الوكالة، إِلاَّ أَنْ يموت أَحدهما، أَوْ يُقْتَلَ على ردَّتِهِ، أَوْ يُحكم بلُحوقه. وقيَّدنا الوكالة بالتي «ليست بلازمة» لأَن اللازمة المشروطة في عقد الرهن لا تَبْطُل بهذه الأُمور. (وكَذَا) تبطل وَكَالة الوكيل (بِعَجْزِ مُوَكِّلِهِ) حال كونه (مُكَاتَبَاً) بأَن وكَّل مكاتَبٌ وكيلاً ثم عَجَزَ. (وحَجْرِهِ) أَي وكذا تَبْطُل وكالة الوكيل بالحجر على موكِّله حال كونه (مَأْذُوْنَاً) بأَن وَكَّل مأْذونٌ وكِيلاً، ثُم حَجَرَ على ذلك المأْذون وَلِيُّهُ. وهذا في الوكيل بالعقود، أَوْ الخصومات. وأَما الوكيل بقضاء الدين أَوْ اقتضائه فلا ينعزل بِعَجْزِ المكاتَبِ ولا بِحَجْر المأذون. (وافْتِرَاقِ الشَّرِيْكَيْنِ) أَي وكذا تَبْطُل وكالة الوكيل بافتِراق المتشاركين، إِذا وَكَّلا أَوْ أَحَدُهما (وكيلاً) (١) فيما هو من شركتهما. (وإِنْ لَمْ يَعْلَم به) أَي بما ذكر من

стр. 1261

وَكِيلُهُمْ. وتَصَرُّفِ المُوَكِّلِ فيما وُكِّلَ بِهِ. === العجز، والحجر، والافتراق (وَكِيْلُهُمْ)، لأَن بقاء الوكالة يعتمد قيام الآمِر، وقد بطل بِعَجْز الموكِّل والحجر عليه والافتراق، فكان عزلاً حُكْمياً بهذه الأَشياء فلا يتوقف على العلم بها. (وتَصَرُّفِ المُوَكِّلِ) ـ بالجر ـ أَي وكذا تَبْطُل الوكالة بتصرف المُوكِّل (فيما وُكِّلَ بِهِ) تَصَرُّفاً يعجز الوكيل عن الامتثال به: مثل أَنْ يُوكِّل ببيع عَبدٍ ثم يبيعه، أَوْ يُدَبِّرهُ (أَوْ يُكَاتِبهُ) (١) أَوْ يعتقه بنفسه، وكما لو وَكَّل وكيلاً بطلاق امرأَته فطلقها الموكِّل ثلاثاً أَوْ واحدةً وانقضت عِدَّتُهَا، بطلت الوكالة، لِعَجْزِ الوكيل عن الامتثال. ولو تزوجها الموكِّل بعد ذلك ليس للوكيل أَنْ يطلِّقها، وإِن كان للموكِّل ذلك، لأَن تطليقها حينئذٍ بسببٍ جديدٍ وهو حاصل للموكِّل دون الوكيل. والله أَعلم.

стр. 1262

كِتَابُ الشَّركَةِ هِي ضَرْبَانِ: شَرِكةُ مِلْكٍ: وهي أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ عَينًا. وكُلٌّ كأَجْنَبِيّ في مَال صَاحِبِهِ. وشَرِكَةُ عَقْدٍ، ورُكْنُهَا: الإِيْجَابُ والقَبُوْلَ. وشَرْطُهَا أَنْ لا يُعَيَّن لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مِنْ الرِّبْحِ === كتاب الشَّرِكَة (هِي) لُغَةً: الخَلْط، ويُطلق على عقد الشركة وإِن لم يوجد فيه اختلاط (النَّصيبين) (١) ، لأَن العقد سبب له. وشرعاً: (ضَرْبَانِ) أَي نوعان: (شَرِكَةُ مِلْكٍ: وهي أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ) أَوْ أَكثر (عَيْنَاً) بإِرْثٍ، أَوْ بشراءٍ، أَوْ باستيلاءٍ، أَوْ بِهِبَةٍ أَوْ بصدقةٍ، أَوْ بوصيةٍ، أَوْ باختلاط مالهما بلا صُنْعٍ من أَحدهما، أَوْ بِصُنْع منه، خَلْطَاً يمتنع معه التمييز، كالبُرِّ مع البُرّ، أَوْ بِعُسْرٍ (٢) كالبُرّ مع الشعير. (وكلٌّ) من الشريكين في هذه الشَّركة (كأَجْنَبِيّ في مَال صَاحِبِهِ) فلا يجوز له أَنْ يتصرف فيه إِلاَّ بإِذنه، ويجوز له أَنْ يبيع نصيب نفسه من شريكه، ومن غيره بغير إِذن شريكه، إِلا في صورة الخلط أَوْ الاختلاط: فإِنه لا يجوز إِلاَّ بإِذن شريكه. (وشَرِكَةُ عَقْدٍ، ورُكْنُهَا الإِيْجَابُ والقَبُوْلَ) بأَن يقول أَحدهما: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قَبِلْت. (وشَرْطُهَا) أَي شركة العقد (أَنْ لا يُعَيَّنَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مِنْ الرِّبْحِ) لأَن هذا التعيين قد يقطع الشركة: بأَن لا يبقى بعد تلك الدراهم رِبْحٌ يشتركان فيه. قال ابن المُنْذِر: ولا خلاف فيه لأحد. (مشروعية الشَّرِكة) ومشروعية الشركة بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ﴾ (٣) ، وقوله : ﴿وإِنَّ كَثِيْرَاً من الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤) ، والخلطاء: الشركاء. وبالسُّنَّة، وهو ما رَوى أَبو داود في «سُننه»، والحاكم في «مستدرَكِه» ـ وصححه ـ عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى:

стр. 1263

وهِي أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: [شَركَةُ المُفَاوضَة] مُفَاوَضَةٌ: وهِي شَرِكَةُ مُتَسَاوِيَيْن مَالًا وحُرِّيَّةً ودِيْنًا، === أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْن مَا لَمْ يَخُن أَحَدُهُمَا صَاحِبَه، فإِذا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا»، أَي تبرأَت عنهما وعن المعاونة معهما. وبإِجماع الأُمة على جوازها. وبالمعقول وهو: أَنها طريق الفضل المشروع بقوله تعالى: ﴿وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) ، أَي من رزقه، وبالمعاملة مع خَلْقِه. (وهِي) أَي شركة العقد (أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:) (شَركَةُ المُفَاوَضَة) الأول: (مُفَاوَضَة) مشتقة من التفويض، إِذْ كل واحدٍ منهما يُفَوِّض التصرف إِلى صاحبه على الإِطلاق. (وهِي شَرِكَةُ مُتَسَاوِيَيْن مَالاً) أَي من جهة المال، والمراد مال يصلح لرأْس مال الشركة، كالدراهم والدنانير، بخلاف العُرُوض (٢) والعَقار والدّيون، حيث لا يُشترط (فيه) التساوي، ولا يُعتبر التفاضل فيه. (وحُرِّيَةً) أَي من جهة الحرية، فلا تنعقد المفاوضة بين حُرَ وعبدٍ، ولا بين عَبْدَين، لأَن العبد لا يملك التصرف. ولو قال: «تَصَرُّفَاً» ـ كما في بعض النُّسَخ ـ بدل حرية، أَوْ زاد (حِلْمَاً) (٣) ـ أَي عَقْلاً، كما في «الوقاية» ـ لكان أَحسن، لأَن المفاوضة لا تنعقد بين صغيرٍ وبالغ، ولا بين صغيرين. وإِنما شَرَط الحرية والبلوغ، لأَن الصبيَّ والعبد لا يملكان التكفل لكونه تبرعاً ابتداءً، وهو شَرْطٌ في هذه الشرِكة. (ودِيْنَاً) أَي من جهة الدِّين، وهو المِلَّة. فلا تنعقد المفاوضة بين مسلم وكافرٍ، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأَبي يوسف. وتنعقد بين الكتابي والمجوسي، لأَن الكُفْر كله مِلَّة واحدة عندنا. وقال مالك، والشافعي، وأَحمد: لا تجوز شركة المفاوضة، وهو القياس، لأَنها تضمنت الوَكَالَة بمجهول الجنس، والكفالةَ

стр. 1264

وتَتَضَمَّنُ الوَكَالَةَ والكَفَالَةَ. ومُشْتَرَى كُلٍّ لَهُمْا، إِلَّا طَعَامَ أَهْلِهِ وكِسْوَتَهُمْ. وكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَة، كالشِّرَاءِ ونَحْوِهِ، ضَمِنَهُ الآخَرُ. وإِنْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا، أَو وُهِبَ لَهُ مَا تَصِحُّ فيه الشرِكَةُ، وَقَبَضَ، صار عِنَانًا. وفي العُرُوض والعَقَارِ بَقِي مُفَاوَضَةً. === بمجهولٍ، وكلٌّ بانفراده فاسد. ووجه الاستحسان أَنْ الناس تعاملوا بها من غير نكير، والقياسُ يُترك بالتعامل كالاستصناع، ودخول الحمام، لأَن التعامل بلا نكير كالإِجماع. (وتَتَضَمَّنُ) المفاوضةُ (الوَكَالَةَ والكَفَالَةَ) لِتُحَقَّقَ الشركة في كل ما شراه أَحدهما، وتثبت المساواة بينهما في المطالبة بثمنه. (ومُشْتَرَى كُلَ) من شريكَي المفاوضة (لَهُمَا) لأَن كل واحد منهما قائمٌ مقام صاحبه في التصرف، فكان شراؤه كشرائه (إِلاَّ طَعَامَ أَهْلِهِ) أَي أَهْل كُلَ، (وكِسْوَتَهُمْ) أَي كسوة أَهْل كُلَ، فإِنها تكون له خاصة، وكذا استئجار كلَ ما يسكنه أَوْ ما يركبه لحج أَوْ غيره، وشراؤه إِداماً (١) ليأَكله، أَوْ أَمَةً ليطأَها، لأَن كل واحدٍ منهما عَالِمٌ حين العقد بحاجة نفسه إِلى ذلك، ولا يقصد أنه شريكه، فكان مستثنى دلالة، والاستثناء الثابت بالدلالة كالاستثناء الثابت بالمقالة. وحُكْمُ طعامِ كُلَ وكسْوَتِهِم حُكْمُ طعام أَهله وكسوتهم. (وكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ، كالشِّرَاءِ ونَحْوِهِ) من البيع والاستئجار (ضَمِنَهُ الآخَرُ) لأَنه كفيله. وأَما ما لا تصح (٢) فيه الشركة، كالجِناية، والنكاح، ونفقة الزوجات والأَقارب، والصلح عن دم عَمْد، ونحوها، فلا يَضْمنه الآخَرُ، لأَن كل واحدٍ منهما لم يلتزم إِلاَّ دَين التجارة، وهذه الأَشياء ليست من التجارة. (وإِنْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا أَوْ وُهِبَ لَهُ) أَوْ تُصُدِّق عليه (مَا تَصِحُّ فيه الشَّرِكَةُ) كالدراهم والدنانير والفُلُوس (٣) النافقة، (وَقَبَضَ) ذلك، (صار) عَقْدُ المفاوضة (عِنَانَاً)، لأَن المساواة فيما يصلح لرأَس مال الشركة ابتداءً وبقاءً شَرْطٌ في المفاوضة، وقد فاتت بقاءً لعدم مشاركة الآخَر له في الإرث والهِبة، لأَنه إِنما يشاركه فيما يحصل بسبب التجارة أَوْ ما يشبهها، وليست المساواة شَرْطَاً في العِنان، فانقلب عقد المفاوضة إِليها. (وفي العُرُوضِ والعَقَارِ) أَي وفي إِرْثِ أَحدهما للعُرُوض والعَقَار أَوْ هبتهما له (بَقِي) العقد (مُفَاوَضَةً) ولم ينقلب عِناناً، لأَن عدم المساواة فيهما لا يمنع المفاوضة ابتداءً فكذا بقاءً.

стр. 1265

[شَركةُ العِنان] وعِنَانٌ: وهي شَرِكَةٌ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، أَو نَوْعٍ. وتَصِحُّ بِبعْضِ مَالِهِ مَعَ فَضْلِ مَالِ أَحَدِهِمَا، وتَسَاوِي مَالَيهِمَا مَعَ تَفَاوُتِ الرِّبْحِ، وكَوْنِ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ، والآخَرِ دَنَانِيرَ، وبِلا خَلْطٍ. وكُلٌّ مُطَالَبٌ بِثَمَنِ مَشْرِيِّهِ لا غَيرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيْكِهِ بِحِصَّتِهِ إِن أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ. === (شركة العِنان) (و) الوجه الثاني من شَرِكة العقد (عِنَانٌ) بكسر أَوّله (وهي شَرِكَةٌ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ، أَوْ) في (نَوْعٍ) من أَنواع التجارة. مأْخوذ مِنْ: عَنَّ له كذا: أَي عَرَض، لأَنه عَرَض لهما شيءٌ فاشتركا فيه، كما ذكره ابن السِّكِّيت. أَوْ من: عِنان الفرس، إِذْ كل منهما جعل عِنَان التصرف في بعض ماله إِلى صاحبه، كما قاله الكِسَائي والأَصْمَعِي. أَوْ لأَنه يجوز أَنْ يتفاوتا في المال والربح كما يتفاوت العِنان في يد الراكب حالة الميل والإِرخاء، كما في «المُغْرِب» و «المبسوط». (وتَصِحُّ) شركة العِنان (بِبَعْضِ مَالِهِ) أَي مال أَحد الشريكين (مَعَ فَضْلِ مَالِ أَحَدِهِمَا) لأَن الحاجة قد تَمَسّ إِلى ذلك مع عدم اقتضاء لفظها المساواة في مال الشركة. (و) تصح مع (تَسَاوِي مَالَيْهِمَا مَعَ تَفَاوُتِ الرِّبْحِ) بينهما، وعكسه: وهو تساوي الربح بينهما مع تفاوت مَالَيْهِمَا، وبه قال أَحمد. وقال زُفر ومالك والشافعي: لا تصح. (و) تصح مع (كَوْنِ أَحَدِهِمَا) أَي أَحد المَالَيْن (دَرَاهِمَ، والآخَرِ دَنَانِيْرَ) وقال زُفَر والشافعيّ: لا تِصح. (و) تصح (بِلَا خَلْطٍ) وبه قال مالك وأَحمد، إِلاَّ أَنَّ مالِكَاً شَرَط أَنْ تكون أَيديهما عليه: بأَن يُجْعلا في حانوت لهما، أَوْ في يد وكيل لهما. وقال زُفَر والشافعي: لا تصح، فإِن الخلط عندهما مشروط. ومعنى قوله «بِلَا خَلْط»: أَنْ الخَلْط ليس بشرطٍ. عندنا، لا أَنه لا يجوز الخلط كما يُوْهِمُ ظاهرُ العبارة. (وكُلٌّ) مِنْ شريكي العِنان (مُطَالَبٌ بِثَمَنِ مَشْرِيَّهِ) اسم مفعول من الشراء، كالمَرْمِيّ من الرمي (لَا غَيْرَ) أَي لا غير مشريه، فلا يُطالب بِمَشْرِيِّ الآخر، لأَن هذه الشركة لا تتضمن الكفالة. (ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيْكِهِ بِحِصَّتِهِ) من الثمن (إِنِ أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ) أَي من مال نفسه، لأَنه وكيل بالشراء من جهة شريكه، والوكيل بالشراء إِذا نَقَدَ
следующие страницы →