← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1141

فتح باب العناية بشرح النقاية

الملا على القاري

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وَالسَّائِقُ وَالقَائِدُ كالرَّاكِبِ، إِلاَّ أنّ الكَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَإنِ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ، ضَمِنَ عَاقِلَةُ كُلٍّ دِيَةَ الآخَرَ === مالك: وقال الشّافعيّ وإسحاق: لا يضمن الرَّديف لأنه (تبع) (١) للرَّاكب. وقال أحمد: أرجو أن لا شيء عليه إذا كان أمامه من يمسك العِنَان. ولنا: أن الدابة في أيديهما، وتيسر بتسيير كل منهما وتصريفه كيف شاء (وَالسَّائِقُ وَالقَائِدُ كالرَّاكِبِ) عند أكثر المشايخ، فكل شيءٍ يضمنه الرَّاكب يضمنانه (إِلاَّ أنّ الكَفَّارَةَ) في الإيطاء، وكذا حرمان الإرث والوصية (عَلَيْهِ) أي على الرَّاكب (فَقَطْ) أي لا عليهما. وفي «جامع المَحْبُوبي»: لو ساق دابةً عليها وِقْرٌ (٢) من الحِنْطَة فأتلفت شيئاً، فإن قال السائق والقائد: إليك إليك، وسمع مَنْ على الطريق هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين: إمّا أن لا يبرح من مكانه باختياره، أو أن لا يجد مكاناً آخر ليذهب فمكث في مكانه. ففي الوجه الأول: لا يضمن صاحب الدابة، وفي الثاني: يضمن، لأنه مضطرٌ في المقام في هذا بخلاف الأول. وإن لم يقل الرَّاكب: إليك إليك، أو قال ولم يسمع مَنْ على الطريق يضمن الراكب والسائق، لأن التلف مضافٌ إليه. انتهى. ومن القواعد: أن الحكم يُضَاف إلى الوصف الأخير، كَما قالوا في السفينة المملؤة إذا طرح فيها واحدٌ مَنّا (٣) فغرقت، فالضمان على الذي وضع المَنّ الزائد، لأن الغرق يُضَاف إليه. (وَإِنِ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ) أو ماشيان وهما حرّان خطأً فماتا (ضَمِنَ عَاقِلَهُّ كلَ) منهما (دِيَةَ الآخَرَ) استحساناً. وقال مالك والشافعيّ وزُفَر: ضمن كلّ واحد منهما نصف دية الآخر وهو القياس، لأن كلّ واحدٍ منهما مات بفعل نفسه وفعل صاحبه، لأنه بصدمته آلم نفسه وصاحبه، فيهدر نصفه ويضمن نصفه، وصار كما لو كان الاصطدام عمداً، أو جرح كل واحدٍ منهما نفسه وصاحبه، أو حفرا على الطريق بئراً فانهار عليهما، حيث يجب على كلَ منهما نصف دِيَة الآخر. ولنا ـ وهو قول أحمد ـ (ما روى) (٤) عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» في القَسَامة (٥)

стр. 1682

وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَصَابَ في فَوْرِهِ ضَمِنَ إنْ سَاقَه، وفي الطَّيْرِ وَالدَّابَةِ المُنْفَلِتَةِ لَا. === عن أَشْعَث، عن الحكم، عن عليّ: أنّ رجلين صدم أحدهما صاحبه فضمن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه، يعني الدِّيَة. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة»: حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أَشْعَث، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عليّ في فارسين اصطدما فمات أحدهما: يضمن الحيّ للميت. ولأن فعله في نفسه مباحٌ، وهو المشي في الطريق، فلا يُعْتَبر في حقّ الضمان بالنسبة إلى نفسه، بخلاف ما ذُكِرَ من المسائل، فإنّ الفعلين محظوران، والفعل المحظور موجب للضمان، ولكن لمَّا لم يظهر الضمان في حقّ فاعله لعدم الفائدة سقط واعْتُبِر في حقّ غيره، فلذلك وجب على كلّ واحدٍ منهما نصف الدِّية، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الفعل فيه مباحٌ محض، فلم ينعقد موجباً للضمان في حقّ نفسه أصلاً، وكان صاحبه قاتلاً له من غير معارض. ولو كانا عبديْن يُهْدَر دمهما مطلقاً. وإن اصطدم حرّ وعبد فماتا تجب على عاقلة الحرّ قيمة العبد في الخطأ، ونصفها في العبد، ويأخذها ورثة الحر، ويسقط الباقي من الدِّية. (وَإِنْ أَرْسَلَ) رجلٌ (كَلْباً فَأَصَابَ) شَيْئاً فأتلفه (في فَوْرِهِ ضَمِنَ إنْ سَاقَه) بأن كان خلفه يطرده، ولو يكن خلفه فما دام في فوره فهو سائقٌ له حكماً، فيلحق بالسائق حقيقةً، وإن تراخى انقطع السَّوق. (وفي الطَّيْرِ) إن أرسله أو ساقه وأصاب في فوره. (وَ) في (الدَّابَةِ المُنْفَلِتَةِ) إذا أصابت مالاً أو آدمياً ليلاً أو نهاراً (لَا) أي لا يضمن. أمّا الطَّير، فلأن بدنه لا يحتمل السَّوْق، فصار وجود سوقه وعدمه سواء، فلا يضمن مطلقاً، وأمّا الدابة المُنْفَلِتَة، فَلِمَا أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : «العَجْمَاء جُبَار، (والبئر جُبَار) (١) ، والمَعْدِنُ جُبَار، وفي الرِّكَاز الخمس». أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه في الدِّيَاتِ، ومسلم في الحدود، والترمذي في الأحكام، والنَّسائي في الزكاة. قال محمد:

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العجماء: هي المُنْفَلِتَة، وقال ابن ماجه: الجُبَار: الهدم الذي لا يغرم. وفي «الموطأ» قال مالك: جُبَار أي لا دِيَة فيه. ولأن الفعل غير مضاف إليه لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال أو السوق أو القود والركوب. وقال الشّافعيّ وأحمد، وهو قول مالك وأكثر أهل الحجاز: يضمن صاحب المُنْفَلِتَة ما أفسد ليلاً لا نهاراً، لِمَا روى مالك عن الزُّهْرِيّ، عن حَرَام بن سَعْد بن مُحَيِّصَة (١) : أن ناقة للبراء دخلت حائط قومٍ فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ أنّ على أهل الأموال حفظها بالنهار، (وما أفسدت الماشية بالليل فهو مضمون) (٢) . وأُجيبَ: بأن ما رويناه متَّفقٌ عليه مشهورٌ، وما رَوَوْه مرسلٌ، وهو ليس بحجّة عند الشّافعيّ، على أن الأمر بحفظها في النهار ليس صريحاً في المدّعى، وكذا كون دخول الناقة ليلاً كما لا يخفى. ولو كان لرجلٍ كلبٌ عَقُورٌ كلّمَا مرّ عليه مارّ عضّه، فلأهل القرية أن يقتلوه، ولا يضمن صاحبه ما تلف بعضّه قبل التقدّم إليه، ويضمن بعده كالحائط المائل، وكذا الحكم في السِّنَّوْر (٣) الذي يأكل الطيور. وذكر النَّاطفي: رجلٌ أغرى كلبه على رجلٍ فعضّه أو مزّق ثيابه، لا يضمن عند أبي حنيفة، وضمن عند أبي يوسف، وهو المختار للفتوى. ويضمن الجمل الصائل عندنا بقتله، وإن لم يكن دفعه (٤) إلاّ به، ونفاه مالك والشافعي اعتباراً بقتله مكلّفاً صائلاً لا يمكن دفعه إلاّ به. قلنا: عصمة الدّابة إنما هي لحقّ مالكها لا (٥) لذاتها، فتبقى ما بقي حقُّه (٦) ، وصِيَالها لا يُسقط عصمة ملكه، بخلاف المكلّف فإن صِيَاله يُسْقِطُ عصمته التي هي حقّه. وفي «المُنْتَقَى»: لو طرح رجلٌ رجلاً قدَّام أسدٍ أو سَبُعٍ، فقتله ليس على الطارح قَوَد ولا دية، ولكن يعزّر ويُضْرَب ضرباً وجيعاً ويُحْبَس حتّى يتوب.

стр. 1684

وَإِن اجْتَمَعَ الرَّاكبُ وَالنَّاخِسُ ضَمِنَ هُوَ حتّى النَّفْحَة. === وقال أبو يوسف: حتّى يموت، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان الغالب القتل يجب القَوَد، وإن كان الغالب عدمه، فعن الشافعي قولان: أحدهما يجب القَوَد، والآخر لا يجب، ولكن يجب الدية، وبه قال أحمد، وقياس قول مالك: يجب القود. (وَإِنْ اجْتَمَعَ الرَّاكبُ وَالنَّاخِسُ) أي الطَّاعن بعودٍ أو نحوه (ضَمِنَ هُوَ) أي النَّاخس إذا نخس بغير إذن الرَّاكب (حتّى النَّفْحَة) أي ما حصل بنفحة الدَّابة برجلها، وكذا ما ضربته بيدها (أو ما صدمته بنفرتها) (١) . والواقف في ملكه، والذي يسير سواء في ذلك. وعن أبي يوسف: يجب الضمان على النَّاخس والرَّاكب نصفين، لأن التلف حصل بسبب ثقل الرَّاكب ووطء الدَّابة، والثاني مضافٌ إلى النَّاخس. ولنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن عبد الرحمن المَسْعُودِي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أقبل رجلٌ بجاريةٍ من القادسيَّة فمرّ على رجلٍ واقفٍ على دابة، فنخس رجلٌ الدابة، فرفعت رجلها فلم تحط عين الجارية، فرفع إلى سليمان بن ربيعة الباهليّ، فضمَّن الرّاكب، فبلغ ذلك ابن مسعود فقال: عليّ بالرجل، إنما يضمن النَّاخس. وأخرج ابن أبي شَيْبَة نحوه عن شُرَيْح والشَّعْبِيّ، ولأن الرّاكب والدَّابة مدفوعان بفعل النَّاخس، فأُضَيفَ فعل الدَّابة إليه كأنه فعله بيده، ولأن الناخس متعدَ بفعله حيث نخس بغير إذن الرَّاكب، والرَّاكب غير متعدَ في فعله، فيترجَّح جانب النَّاخس للتعدّي، حتّى لو كان الرَّاكب واقفاً بدابته في الطريق كان الضمان عليه وعلى الناخس نصفين، لأنه متعدَ بوقوفها. ولو نفحت الدَّابة الناخس كان دمه هَدْراً، لأنه بمنزلة الجاني على نفسه. ولو ألقت الرَّاكبَ فقتلته كانت ديته على عاقلة النَّاخس، لأنه متعدَ في تسبّبه، وفيه الدِّية على العاقلة. ولو نخسها بإذن راكبها فلا ضمان عليه، لأن ذلك بمنزلةٍ نخس الراكب، ولو كان النَّاخس عبداً فالضمان في رقبته، ولو كان صبياً فهو كالرَّجل، لأنه يؤاخذ بأفعاله كالبالغ. ولو نخس الدَّابة شيءٌ منصوبٌ في الطريق فنفحت إنساناً فقتلته، فالضمان على من نصب ذلك الشيء، لأنه متعدّ بشَغْل الطريق فأُضِيفَ إليه كأنّه نخسها بيده.

стр. 1685

وَيَجِبُ في فَقَاءِ عَيْنَ شَاةِ القَصَّابِ مَا نَقَصَ عَيْنَ البَقَرِ، وَالجَزُورِ، وَالحِمَار، والبَغْلِ، والفَرَسِ: رُبْعُ القِيمَةِ. فَصْلٌ [في جنَايَةِ الرَّقيقِ والجنَايةِ عليه] إن جنى عَبْدٌ خطأً دَفَعَهُ سَيِّدُهُ بِهَا. أوْ فَدَاه بِأَرْشِهَا حَالًا === (وَيَجِبُ في فَقَاءِ عَيْنِ شَاةِ القَصَّابِ مَا نَقَصَ) لأن المقصود منها اللَّحم فلا يُعْتَبر إلاّ النقصان. وفي فقاء (عَيْنِ البَقَرِ وَ) عين (الجَزُورِ) أي بقرة القصَّاب وجزوره. (وَ) فقاء عين (الحِمَار والبَغْلِ والفَرَسِ رُبْعُ القِيمَةِ) وقال الشّافعيّ، وهو قياس قول مالك وأحمد: يجب النقصان اعتباراً بالشاة. ولنا: ما رواه الطبرانيّ في «معجمه» عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قضى في عين الدَّابة بربع ثمنها. ورواه العُقَيْلِيّ في «ضعفائه»، وأعلّه بإسماعيل بن أبي أمية. وما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثّوريّ، عن جابر الجُعَفِيّ، عن الشَّعْبِيّ، عن شُرَيْح: أن عمر ﵁ كتب إليه أنّ في عين الدابة ربع ثمنها. وفيه أيضاً: أخبرنا ابن جُرَيْج عن عبد الكريم: أن علياً قال: في عين الدَّابة الربع. وما (رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عليّ بن مُسْهِر، عن الشَّيْبَانيّ، عن الشَّعْبِيّ قال: قضى عمر) (١) في عين الدابة ربع ثمنها، وفيه أيضاً: حدّثنا جرير، عن مُغِيرة، عن إبراهيم، عن شُرَيْح قال: أتاني عُرْوة البارِقيّ من عند عمر: أن في عين الدّابة ربع ثمنها. والفرق بينها وبين الشاة: أن فيها مقاصد سوى اللحم وهي: الركوب، والزينة، (والحمل) (٢) والجمال، والعمل. فصلٌ (في جناية الرقيق والجناية عليه) (إِنْ جَنَى عَبْدٌ خَطَأً دَفَعَهُ سَيِّدُهُ) إلى المجنيّ عليه (بِهَا) أي بسبب الجناية (أوْ فَدَاه بِأَرْشِهَا (٣) حَالاً) لقول عليٌّ: ما جنى عبد في رقبته يُخَيّر مولاه: إن شاء فداه، وإن شاء دفعه. رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه». واعلم أن عندنا يجب على المولى جناية عبده، فيجب عليه دفعه أو فداؤه. وعند الشّافعيّ يجب على العبد، فيباع فيها إلاّ إن يَفْدِيَهُ المولى. وفائدة الخلاف: أنّ

стр. 1686

فَإِنْ وَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أوِ اسْتَوْلَدَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، ضَمِنَ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِن الأَرْشِ، وَإِنْ عَلِمَ غرِمَ الأَرْشَ. وَدِيَةُ العَبْدِ قِيمَتُهُ، فَإِنْ بَلَغَتْ هِيَ === بعد العتق عنده يُتَّبَع، وعندنا لا يُتَّبَع (١) . قيّد بالخطأ، لأن العمد في النفس يجب فيه القصاص على العبد، بخلاف ما دون النفس، فإن فيه الدِّيَة خطأً كان أو عمداً، لأن القصاص لا يجزيء فيه بين العبدين، ولا بين الحر والعبد. وقيّد الدفع أو الفداء بكونه حالاً، لأن العبد عين ولا يجوز التأجيل في الأعيان، والفداء بدل عنه في الشرع، فيقوم مقامه ويأخذ حكمه، ثم أيّهما اختار المولى بالفعل أو بالقول فلا شيء لولي الجناية غيره. ولا فرق بين أن يكون المولى قادراً على الأرْش أو لا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصحّ اختيار الفِدَاء إذا كان مُفْلساً إلاّ برضاء الأولياء، لأن العبد صار حقّاً لهم، حتّى يَضْمنه المولى بالإتلاف بلا خلاف، فلا يملك إبطاله إلاّ برضاهم أو بوصول البدل إليهم، وهو الدِّية. (فَإِنْ وَهَبَهُ) المولى (أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبّرَهُ (٢) أوِ اسْتَوْلَدَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ) المولى (بِهَا) أي بالجناية (ضَمِنَ) المولى (الأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الأَرْشِ) لأن المولى فوّت حقّ المجنيّ عليه بتصرّفه في الجاني تصرّفاً يمنع عن دفعه إليه فيضمنه. وإنما ضمن الأقل، لأن حقّه فيه. ولا يصير مختاراً للفداء بهذا التصرُّف، لأنه لم يعلم بالجناية، ولا اختيار بدون العلم. (وَإِنْ) تصرّف المولى تصرُّفاً من هذه التصرّفات بعدما (عَلِمَ) بالجناية (غرِمَ الأَرْشَ) لأن هذه التصرّفات تمنعه من دفع العبد لزوال ملكه عنه في الهبة والبيع والإِعتاق، وامتناع تمليكه في التدبير والاستيلاد، فالإِقدام عليها بعد العلم بالجناية يكون اختياراً لفدائه. (وَدِيَةُ العَبْدِ قِيمَتُهُ) فلو قتل رجلٌ عبداً خطأً يجب عليه قيمته (فَإِنْ بَلَغَتْ هِيَ)

стр. 1687

دِيَةَ الحُرِّ، وَقِيمَةُ الأَمَةِ دِيَةَ الحُرَّة، نَقَصَ مِنْ كُلٍّ عَشْرَةً. وَفِي الغَصْبِ قِيمَتُهُ مَا كَانَتْ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ دِيَةِ الحُرِّ قُدِّرَ مِنْ قِيمَتِهِ. وفي فَقْأِ عَيْنَيْ عَبْدٍ، دَفَعَهُ سَيِّدُهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ سَلِيمًا. أوْ أمْسَكَهُ === أي قيمة العبد (دِيَةَ الحُرِّ) بأن بلغت عشرة آلاف درهمٍ (وَ) بلغت (قِيمَة الأَمَةِ دِيَةَ الحُرَّة) بأن بلغت خمسة آلاف درهمٍ (نَقَصَ مِنْ كُلَ) من القيمتين (عَشْرَة) من الدَّراهم إظهاراً لدنو رتبته، ولقول ابن مسعود: ولا يبلغ بقيمة العبد ديةَ الحر وينقص منه عشرة دراهم. رواه القُدُوري في «شرح مختصر الكَرْخِيّ»، وبه قال النَّخَعِيّ والشَّعْبِيّ. رواه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شَيْبَة. وهذا كالمروي عن النبيّ ﷺ ، لأن المقادير لا تُعْرَف بالقياس، وإنما طريق معرفتها السماع من صاحب الوحيّ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف أولاً، وهو قول الثوريّ، ورواية عن أحمد. وقال أبو يوسف ـ آخراً ـ: تجب قيمته بالغةً ما بلغت، لأن الضمان بدل المالية، ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك إلاّ من حيث الماليةُ. ولو كان بدل الدَّم لكان للعبد، إِذْ هو في حقّ الدم مبقى على أصل الحرية، فصار كقليل القيمة وهو مرويٌّ عن عمر وعليّ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابن سيرين وابن المُسَيَّب وعمر بن عبد العزيز والزُّهْرِيّ، وإسحاق ومكحول وإياس بن معاوية والحسن. ولنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) والعبد مؤمن فيكون الواجب بقتله الدِّية، ولا يجوز الزيادة على النص بالرأي: بأن يكون المراد مؤمناً حراً. ولأنه تعالى رتَّب على قتل الخطأ حكمين: الكفّارة والدِّية، والعبد داخلٌ في حقّ الكفارة بالإجماع، فيجب أن يكون داخلاً في حقّ الدِّية. (وَفِي الغَصْبِ) أي غَصْب أحدٍ عبداً أو أمة هلك في يده يجب عليه (قِيمَتُهُ مَا كَانَتْ) أي ما بلغت بالإجماع، وكذا في الأطراف في ظاهر الرواية وهي الصحيحة، وفي رواية عن محمد بقدر الأَطراف بما تُقَدّر من دِيَة الحرّ، فلا تُزَاد يده إذا قُطِعَت على خمسة آلاف إلاّ خمسة، لأن اليد من الآدمي نصفه، فتُعْتَبَر بكلّه، وينقص هذا المقدار لحطّ رتبته. (وَمَا قُدِّرَ مِنْ دِيَةِ الحُرِّ قُدِّرَ مِنْ قِيمَتِهِ) ففي يد العبد نصف قيمته، فإن كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر، يجب في يده خمسة آلاف إلاّ خمسة دراهم. (وفي فَقْأِ) رَجُلٍ (عَيْنَيْ عَبْدٍ دَفَعَهُ سَيِّدُهُ) إن شاء إلى الفاقيء (وَأَخَذَ قِيمَتَهُ سَلِيماً أوْ أمْسَكَهُ

стр. 1688

بِلَا أَخْذِ النُّقْصَانِ، إنْ جَنَى مُدَبَّرًا، أوْ أُمّ وَلَدٍ ضَمِنَ السَّيِّدُ الأقَلّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الأَرْشِ. فَإِنْ جَنَى أُخْرَى، شَارَكَ وَلِيُّ الثَّانِيَةِ وَلِيَّ الأوْلَى في قِيمةٍ دُفِعَتْ إِلَيهِ === بِلَا أَخْذِ النُّقْصَانِ) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إن شاء سيِّدُه أمسك العبد وأخذ ما نقصه، وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته. وقال الشَّافعيّ: يضمن سيدَه الفاقيءُ كلّ القيمة ويمسك الجثة (١) ، لأنه يجعل الضمان مقابلاً بالفائت ـ وهو العينان ـ فيبقى الباقي على ملكه، كما لو قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه، وهو قول مالك وأحمد. ولو قطع رجلٌ يد عبد فأعتقه المولى ثم مات العبد من ذلك، فإن كان له وارثٌ غير المولى لا يقتصّ المولى من القاطع باتفاق، وإن لم يكن له وارثٌ غير المولى اقتصّ منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يقتص منه عند محمد، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد، إلاّ أن عندهم تجب قيمته للمولى بالغةً ما بلغت. وعن أحمد في رواية: تجب دية الحرّ اعتباراً بحالة الموت، وعند محمد: يجب أَرْش يده وما نقصه القطع إلى أن أعتقه السيد، ويبطل باقي القيمة. (إنْ جَنَى مُدَبَّراً أوْ) جنت (أمّ وَلَدٍ ضَمِنَ السَّيِّدُ الأقَلّ مِنْ قِيمَتِهِ) أي قيمة كلّ منهما (وَمِنَ الأَرْشِ) وقال الشافعي: المدبّر كالقِنّ في الجناية، فتكون جنايته في رقبته، ويخيّر المولى بين أن يدفعه فيباع بالجناية، وبين أن يَفْدِيه. فلو أراد الفداء فعنه قولان: أحدهما يَفْديه بأرْش الجناية بالغاً ما بلغ، وهو قول مالك في القِنِّ ورواية عن أحمد، وثانيهما: يَفْدِيه بالأقلّ من قيمته ومن أرْش الجناية، وهو رواية عن أحمد. وقال مالك: لا يباع المدبّر في جنايته ويستخدمه المجنيّ عليه بقدر أرْش جنايته، فإذا استوفي من خدمته رجع إلى مولاه مدبّراً، أو يفتدي خدمته بقدر أرْش جنايته. ولنا: ما أخرجه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن مُعَاذ بن جبَلٍ (و) (٢) عن (أبي) (٣) عُبَيْدة بن الجراح أنه قال: جناية المدبّر على مولاه. وأخرج نحوه عن الشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ وعمر بن عبد العزيز والحسن. (فَإِنْ جَنَى) المدبّر أو أمّ الولد جناية (أُخْرَى شَارَكَ وَلِيُّ) الجناية (الثَّانِيَةِ وَلِيَّ) الجناية (الأوْلَى في قِيمةٍ دُفِعَتْ إِلَيْهِ) أي

стр. 1689

بِقَضَاءٍ، إذْ لَيْسَ في جِنَايَاتِهِ إلّا قِيمَةٌ وَاحِدةٌ، وَاتَّبَعَ السَّيِّدَ أوْ وَلِيَّ الأُوْلَى إن دُفِعَتْ بِلَا قَضَاءٍ. وَمَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا، فَمَاتَ مَعَهُ فَجْأَةً، أوْ بحُمَّى لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ مَاتَ بِصَاعِقَةٍ أَوْ نَهْشِ حَيَّةٍ، ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ === إلى وليّ الأولى إن كان الدفع إليه (بِقَضَاءٍ، إذْ لَيْسَ في جِنَايَاتِهِ) أي المدبّر وإن كثرت، ولا في جنايات أم الولد (أَلاّ قِيمَةٌ وَاحِدةٌ) فيضاربون بالحِصص فيها، وتُعْتَبَرُ قيمته لكلِّ واحدٍ في حال الجناية عليه، لأنه يستحقه في ذلك الوقت، وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: المدبّر كالقِنّ. وفي أمّ الولد عن الشافعيّ قولان: أحدهما كمذهبنا، والآخر يفديها كلما جَنَتْ، وهو اختيار المُزَني وقول مالك، لمنع السيد حقّ وليّ الجناية في بيعها بالاستيلاد. ولنا: أن قيمة العبد بمنزلته، والعبد إذا جنى جنايات لا يجب أكثر من دفعه بها مرةً واحدةً، فكذا قيمته. (وَاتَّبَعَ) وليّ الجناية الثانية (السَّيِّدَ أوْ وَلِيَّ) الجناية (الأوْلَى إن دُفِعَتْ) الأولى (بِلَا قَضَاءٍ) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا شيء على المولى، لأنه حين دفع لم تكن الجناية الثانية موجودة، ولا علم له بما يحدث بعدها حتى يكون متعدّياً، فصار كما إذا دفع بالقضاء. ولأنه فَعَل عَيْنَ ما يفعله القاضي، فكان القضاء وعدمه سواء، كما في الرُّجوع في الهبة، وأخذ الدَّار بالشُّفْعَة بعد وجوبها. ولو عُتِقَ المدبّر وقد جنى جنايات لا يلزمه إلاّ قيمة واحدة، لأن الضمان إنما وجب عليه بالمنع، فصار وجود الإعتاق بعد الجنايات وعدمه سواء. وأمّ الولد بمنزلة المدبّر في جميع ذلك، لأنّ الاستيلاد مانعٌ من الدفع كالتدبير. ولو أقرّ المدبّر أو أمُّ الولد بجنايات توجب المال لم يجز إقراره ولا يلزمه شيء، لأَن موجب جناياته على المولى لا على نفسه، وإقراره على المولى غير نافذٍ، بخلاف الجناية الموجبة للقَوَد بأن أقرّ بقتله عمداً حيث يصحّ إقراره ويُقْتَل به، لأنه إقرارٌ على نفسه فينفذ لعدم التُّهمة. (وَمَنْ غَصَبَ صَبِيّاً) لا يعبِّر عن نفسه (حُرّاً فَمَاتَ مَعَهُ) أي عنده (فَجْأَةً أوْ) مات (بحُمَّى لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ مَاتَ بِصَاعِقَةٍ أَوْ نَهْشِ (حَيَّةٍ) (١) ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ) أي عاقلة

стр. 1690

الدِّيَةَ، كما في صبيٍّ أَودع عبدًا فَقَتَلَهُ. فَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا بِلَا إِيدَاعٍ ضَمِنَ. وإنْ أَتْلَفَ بَعْدَهُ، لا. فَصْلٌ في القَسَامَةِ === الغاصب (الدِّيَةَ) أي دية الصبيّ. والقياس أن لا يضمن في الوجهين، وهو قول زفر ومالك والشّافعيّ وأحمد. ولنا: وهو وجه الاستحسان: أن هذا ضمان إتلاف، لا ضمان غصب، لأن نقله إلى أرض السِّبَاع، أو إلى مكان الصواعق تسبّبٌ في هلاكه، وتعدّ عليه بتفويت يدٍ حافظةٍ وهو الولي، لأن الصواعق والحيّات والسباع لا تكون بكل مكانٍ، بخلاف الموت فجأةً، أو بحمّى فإن ذلك لا يختلف باختلاف الأماكن، حتّى لو نقله إلى مكانٍ تغلب فيه الحمّى والأمراض ضَمَّن عاقلته الدّيَة، لكونه تسبّب في هلاكه، (كما في صبيِّ) أَي كما يضمن عاقلة صبي (أَودع عبداً) أَي جعل عبد وديعة عنده (فَقَتَلَهُ) أي قتل الصبيّ العبد المودَع. (فَإِنْ أَتْلَفَ) الصبيّ (مَالاً بِلَا إِيدَاعٍ) أي ليس مودَعاً عنده (ضَمِنَ) لأنه مؤاخذٌ بأفعاله، وصحة القصد لا معتبر بها في حقوق العبد (وَإِنْ أَتْلَفَ) مالاً غير عبدٍ (بَعْدَهُ) أي بعد الإِيداع (لَا) أي لا يضمن الصبيّ. وهذا الفرق قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف والشّافعيّ، وهو قول مالك وأحمد: يضمن الصبيّ في الوجهين. وفي «شرح الطَّحاوي»: أودِعَ عند صبيّ مالاً فهلك في يده لا ضمان عليه بالإجماع. فإن استهلكه الصبيّ، فإن كان مأذوناً له في التجارة ضمن بالإجماع وإن كان محجوراً عليه، فإن قَبِلَ الوديعة بإذن وليّه يضمن بالإجماع، وإن قَبِلَ بغير إذنه، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد لا في الحال ولا بعد الإدراك. وقال أبو يوسف والشافعي: يضمن في الحال، وأجمعوا على أنه لو استهلك مالاً بغير وديعةً ضمن في الحال. فصلٌ في القَسَامَةِ وهي في اللُّغة اسم مصدرٍ من أقسم. وقيل: إِنها القوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، كما يُقَال: رجلٌ عَدْلٌ. وسببها: وجود القتل (١) في المحلّة، أو (ما) (٢) في

стр. 1691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === معناها. وركنها: قولهم: بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً. وشرطها: أن يكون المُقْسِم رجلاً حرّاً عاقلاً. وقال مالك: يدخل النساء في قَسَامة الخطأ دون العمد. وحكمها: القضاء بوجوب الدِّيَة بعد الحَلفِ، سواء كانت الدَّعوى في القتل العمد أو الخطأ. أخرج أصحاب الكتب الستة عن سهل بن أبي حَثْمَة (١) ورافع بن خَدِيجٍ قالا (٢) : خرج عبد الله بن سَهْل بن زيدٍ ومُحَيِّصَة بن مسعود بن زيد حتّى إذا كانا بخَيْبَر تفرّقا في بعض ما هنالك. ـ وفي رواية: تفرّقا في النخل ـ ثم إنّ مُحَيِّصَة يجد عبد الله بن سهلٍ قتيلاً، فدفنه، فأقبل إلى رسول الله ﷺ هو وحُوَيِّصَة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل ـ وكان أصغر القوم ـ فذهب عبد الرحمن يتكلّم قبل صاحبيه، فقال له رسول الله ﷺ : «الكبيرَ الكبيرَ» ـ وفي رواية: «الكُبْرَ الكُبْرَ» ـ يريد السِّنَّ ـ وفي لفظ: «كَبّر الكُبْر» ـ فصمت، فتكلّم صاحباه، وتكلّم معهما. فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، واتّهموا اليهود، فقال لهم: «أتحلفون خمسين يميناً فتستحقّون دم صاحبكم» (٣) ؟ قالوا: كيف نحلِف ولم نشهد؟ وفي لفظٍ: «يُقْسم خمسون منكم على رجلٍ منهم فيُدْفَعُ برُمَّتِهِ» (٤) ؟ قالوا: (أمرٌ) (٥) لم نشهده، كيف نحلف؟ قال: «فتحلف لكم يهود»؟. قالوا: لَيْسُوا مسلمين. وفي لفظٍ: كيف يقبل أَيْمان قومٍ كفّار؟ فَوَدَاه رسول الله ﷺ بمئةٍ من أبل الصدقة. قال سهل: فلقد رَكَضَتْنِي (٦) منها ناقةٌ حمراء. وقد استدلّ بظاهره مالك والشافعي حيث قالا: لم يقض عليهم بالدِّية إذا حلفوا. ولنا: ما في الكتب الستة أيضاً عن ابن عباس ـ واللفظ لمسلم ـ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه». ولفظ الباقين: أن النبيّ ﷺ قضى أن اليمين على

стр. 1692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المدعى عليه. وما في «سنن الترمذي» عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيّ ﷺ قال في خُطبته: «البيّنة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه». وما في «مصنف» عبد الرَّزَّاق وابن أبي شَيْبَة، والواقدي: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: كانت القَسَامة في الجاهلية، فأقرّها النبيّ ﷺ في قتيل من الأنصار وُجِدَ في جُبَ (١) لليهود. قال: فبدأ رسول الله ﷺ باليهود وكلّفهم قَسَامة خمسين، فقالت اليهود: (لن) (٢) نحلف فقال رسول الله ﷺ للأنصار: «أفتحلفون»؟ فأبت الأنصار أن تحلف، فأغرم رسول الله ﷺ اليهود ديته، لأنه قُتِلَ بين أظهرهم. وما في «مسند البزَّار» (٣) عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: كانت القَسَامة في الدَّم يوم خَيْبَر، وذلك أنّ رجلاً من الأنصار ـ أصحاب النبيّ ﷺ فُقِدَ تحت الليل، فجاءت الأنصار فقالوا: إن صاحبنا يتشحَّط (٤) في دمه. فقال: «أتعرفون قاتله؟» قالوا: لا، إلاّ أن يكون يهود قتلته. فقال: «اختاروا منهم خمسين رجلاً، فيحلفون بالله جهد أيمانهم، ثم خُذوا الدِّية منهم». ففعلوا. وما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن الكَلْبِيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: وُجِدَ رجلٌ من الأنصار قتيلاً في دالية ناس من اليهود، فذُكِرَ ذلك للنبيّ ﷺ . فبعث إليهم، فأخذ منهم خمسين رجلاً من خيارهم، فاستحلف كلّ واحدٍ منهم بالله: ما قتلته، ولا علمت له قاتلاً، ثم جعل عليهم الدِّية. فقالوا: لقد قضى بما في ناموس (موسى) (٥) . إلاّ أنه قال: الكَلْبيّ متروك. وما أخرجه البيهقي في «المعرفة» عن الشافعيّ: أخبرنا سفيان، (عن منصور) (٤) ، عن الشَّعْبِيّ: أن عمر بن الخطاب كتب في قتيلٍ (وُجِدَ) بين خَيْوَان (٦) ووادعة: أن يُقَاس ما بين القريتين، فإلى أيّهما كان أقرب، أخرج إليه منهم خمسين رجلاً حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحِجْر فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدِّية. فقالوا: ما وَقَتْ أموالُنا أيْمانُنَا ولا أيمانَنَا أموالَنَا. فقال عمر: كذلك الأمر. وفي رواية: كذلك الحق.

стр. 1693

مَيْتٌ بِهِ جُرْحٌ أو أَثَرُ ضَرْبٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ خُرُوجُ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أو عَيْنِهِ. وُجِدَ في مَحَلَّةٍ، أَوْ أَكْثَرُه، أَوْ نِصْفُهُ، مَعَ رَأْسِهِ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، وادَّعَى وَلَيُّهُ القَتْلَ === قال الشافعي: وقال غير سفيان: عن عاصم الأحول، عن الشعبيّ: فقال عمر: حقنتم دماءكم بأيمانكم ولا يُطَلُّ (١) دم امراءٍ مسلم. إلاّ أنه قال البيهقي عن الشافعي أنه قال: سافرت إلى خَيْوَان ووادعة أربعة عشرة سفْرة، وسألتهم عن حكم عمر في القتيل، وحكيت ما رُوِيَ عنه فيه، فقالوا: هذا شيءٌ ما كان ببلدنا قطُّ. وهذا كما ترى لا يقدح في صحة الرواية، إذ المتصدّي بضبط الحوادث وأحكامها أئمةُ الدين من أهل الدِّراية. (مَيْتٌ) هذا مبتدأ (بِهِ جُرْحٌ)، صفة أولى له (أو أَثَرُ ضَرْبٍ، أوْ) أثر (خَنْقٍ، أوْ) به (خُرُوجُ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أو عَيْنِهِ) قيّد الميت بذلك، لأن الخالي منه لا قَسَامة فيه عندنا، ولا دية، وهو قول أحمد في روايةٍ وحمّاد والثوريّ. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: ليس الأثر بشرط بل الشرط اللَّوَث (٢) ، وهو: ما يُوقِع في القلب صِدْق المدَّعي من أثر دمٍ على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدلٍ، أو جماعة (غير) (٣) عدول، أن أهل المحلّة قتلوه، لأنه ﵊ لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر (أو لا) (٤) ؟ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له، كعصر الخُصْيَتَيْن وضرب الفؤاد، فأشبه من به أثر. ولنا: أن القَسَامة في الدِّية لتعظيم الدّم، وصيانته عن الهَدر، وذلك في القتل دون الموت حَتْف الأنف، والقتل يُعْرَف بالأثر. وقد تقدّم في «مسند البزَّار»: أنّ الأنصار قالوا: إن صاحبنا يتشحّط في دمه. (وُجِدَ في مَحَلَّةٍ) صفةٌ ثانيةٌ لميت (أَوْ) وُجِدَ (أَكْثَرُه أَوْ) وُجِدَ (نِصْفُهُ مَعَ رَأْسِهِ) وقوله: (لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ) صفةٌ ثالثةٌ لميت. أمّا لو وُجِدَ نصفه مشقوقاً بالطول، أو وُجِدَ أقل من النصف ومعه الرأس، أو يده، أو رأسه لا شيء عليهم، لأن هذا الحكم عرفناه بالنص، وقد ورد في البدن كلّه، إلاّ إِنّ الأكثر له حكم الكلّ بخلاف الأقلّ. ولأنا لو اعتبرنا الأقل لاجتمع دِيات وقَسَامات في شخصٍ واحدٍ أن وُجِدَ أطرافه في قرىً متفرقةٍ، وذلك غير مشروعٍ فينتفي ما يؤدي إليه. (وادَّعَى وَلَيُّهُ القَتْلَ) العمد أو

стр. 1694

عَلَى أَهْلِهَا: حُلِّفَ خَمْسُونَ رَجُلًا حُرًّا مُكَلَّفًا مِنْهُمْ، يَخْتَارُهُمَ الوَليُّ: بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، لا الوَلِيُّ، ثُمَّ قُضِيَ عَلَى أَهْلِهَا بالدِّيَةِ. === الخطأ (عَلَى أَهْلِهَا) كلّهم أو بعضهم مبهماً أو مُعيّناً. وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول ـ وهو رواية أصول ابن المبارك ـ عن أبي حنيفة: لا قَسَامة ولا دية في المعيّن. ويُقَال للوليّ: ألك بَيِّنة؟ فإن قال: لا، حُلِّفَ المدّعى عليه يميناً واحدةً، لأن دعواه على المعيّن منهم إبراء لباقيهم، وصار كما إذا ادّعى القتل على واحدٍ من غيرهم. ووجه الظاهر: أن وجوب القَسَامة على أهل المحلّة دليلٌ على أن القاتل منهم، فتعيين المدّعي واحداً منهم لا يُنَافي ذلك، بخلاف تعيينه واحداً من غيرهم، لأنه بيان أن القاتل ليس منهم، وهم إنما يَغْرَمون إذا كان القاتل منهم لكونهم قاتلين تقديراً، حيث لم يأخذوا على يد الظالم، ولأن أهل المحلّة لا يَغْرَمون بمجرد ظهور القتيل بين أظهرهم بل بدعوى الوليّ، فإذا ادَّعى القتل على غيرهم امتنعت دعواه عليهم، فسقط عنهم لفقد شرطه. (حُلِّفَ خَمْسُونَ) خبر المبتدأ (رَجُلاً حُرّاً مُكَلَّفاً) لأن المرأة والعبد والصبيّ والمجنون أتباع لأهل النُّصرة، واليمين على أهلها (مِنْهُمْ) أي من أهل المحلَّة (يَخْتَارُهُمْ الوَليُّ) لأن اليمين (١) حقّه، والظاهر أنه يختار من يتّهمه بالقتل، أو يختار صالحيهم، لأنهم يحترزون عن اليمين الكاذبة (بِاللَّهِ) متعلّق بحُلِّفَ (مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلاً) هذا حكاية قول الجميع، لأن الواحد منهم إذا حَلَف يقول: ما قتلت وما علمت له قاتلاً، لا: ما قتلنا، لجواز أنه قَتَلَهُ وحده، فإذا حلف ما قتلناه كان صادقاً في يمينه، لأنه لم يقتله مع غيره. ونظيره ما ورد في تفسير قوله تعالى حكاية عن قوم صالح: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٢) فإنْ قيل: يجوز فيما قتلت أن يكون قتله مع غيره، فيكون صادقاً في يمينه. أُجِيبَ: بأنه إِذا قتله مع غيره كان في يمينه أنه ما قتله كاذباً، لأن الجماعة متى قتلوا واحداً كان كلّ واحدٍ منهم قاتلاً، ولهذا يجب القصاص على كلّ واحدٍ منهم في العمد والكفارة في الخطأ (لا الوَلِيُّ) أي لا يحلف الوليّ، ولو مع وجود الورثة عندنا. (ثُمَّ قُضِيَ عَلَى أَهْلِهَا) أي أهل المحلّة (بالدِّيَةِ) وهذا قول عمر والشَّعبيّ والنَّخَعِي والثَّوْرِيّ.

стр. 1695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال مالك والشافعيّ وأحمد: يبدأ بالمدَّعِين (١) في الأيمان، فإن حلفوا استحقّوا، وإن نكلوا حَلَّف المدَّعَى عليهم خمسين يميناً، فإن حلفوا برئوا، وهو مذهب يحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزِّناد واللَّيث بن سعد، لقوله ﵊ لأولياء عبد اللهبن سهل ابتداءً: أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم؟» (٢) ، وقوله فيما رواه البَيْهَقِيّ: «أَفَتَبْرِئُكُم يهود بخمسين يميناً»؟ وهذا تنصيصٌ على أن اليمين على الوليّ، وأنه يستحقّ القصاص به في دعوى العمد على قول مالك وقديم الشّافعيّ. وقال في الجديد: فإذا حلف قُضِيَ له بِدِيةٍ في ماله، وإذا انعدم اللَّوَثُ (٣) أو أبى الوليّ أن يحلف، فالحكم فيه ما هو الحكم في سائر الدَّعَاوى. ولنا: ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس: «أنّ النبيّ ﷺ قال: اليمين على المدّعى عليه». وما رواه ابن أبي شَيْبَة من قضاء عمر في القتيل الذي وُجِدَ بين وَادِعَة وأَرْحَب، وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. ومن أدلتنا أيضاً: ما في «المبسوط» عن أبي أيوب مولى أبي قِلابة قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز وعنده رؤساء الناس، فخُوصِم إليه في قتيل وُجِدَ في محلّةٍ، وأبو قِلابة جالسٌ عند السرير أو خلفه. فقال الناس: قضى رسول الله ﷺ بالقَود في القَسَامة وأبو بكر وعمر والخلفاء بعدهم، فنظر إلى أبي قِلابة، وهو ساكتٌ، فقال: ما تقول؟ فقال: عندك رؤساء الناس أو أشراف العرب، أرأيتم لو شهد رجلان من أهل دمشق على رجلٍ من أَهل حِمص أنه سرق ولم يرياه أكُنْتَ تقطعه؟ فقال: لا. قال: أرأيتم لو شهد أربعة من أهل حِمص على رجلٍ من أهل دمشق أنه زنى ولم يَرَوْه أكُنْتَ ترجمه؟ فقال: لا. فقال: والله ما قتل رسول الله ﷺ نفساً بغير نفسٍ إلاّ رجلاً كفر بالله بعد إيمانه، أو زنى بعدإحصانه، أو قتل نفساً بغير نفسٍ. وقد قضى رسولُ الله ﷺ بالقَسَامة والدِّية على أهل خَيْبَر في قتيلِ وُجِدَ بين أظهرهم. فانْقَاد عمر بن عبد العزيز لذلك. وهذا لأن أمراء بني أُميّة كانوا يقضون بالقَوَد في القَسَامة على ما روى الزُّهْرِيّ أنه قال: القَوَدُ في القَسامة من أمور الجاهلية، وأول من قضى به معاوية. فلهذا بالغ أبو قِلابة في إنكار ذلك هنالك. وعن «الذَّخِيرَة» و «الخانية»: لو حلفوا غُرِّمُوا الدِّية، وإن

стр. 1696

وإنِ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ غَيْرهمْ سَقَطَت القَسَامَةُ عَنْهُمْ، فإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَمْسُونَ كَرَّرَ الحَلِفَ عَلَيْهِمْ إلى أنْ يَتِمّ. وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حتّى يَحْلِفَ. لَا إنْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ فِيهِ أوْ دُبُرِهِ أوْ ذَكَرِهِ. وفي قَتِيلٍ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا رَجُلٌ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ دِيَتَهُ، === نكلوا يحبسوا حتّى يحلفوا. وهذا في دعوى العمد، أمّا في الخطأ فيُقْضَى بالدِّية على عاقلتهم. (وإنِ ادَّعَى) الولِيّ القتل (عَلَى وَاحِدٍ غَيْرهمْ) أي غير أهل المحَلَّة (سَقَطَت القَسَامَةُ عَنْهُمْ) أي عن أهل المحلّة، وقد تقدَّم وجه الفرق بينه وبين ما إذا ادَّعى القتل على واحدٍ منهم حيث لا تسقط. (فإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا) أي في المحلّة (خَمْسُونَ) من أهل القَسَامة (كَرَّرَ الحَلِفَ عَلَيْهِمْ إلى أنّ يَتِمّ) لِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: أن عمر بن الخطاب ردّ عليهم الأيْمان حتّى وافوا، يعني على من جاء إليه من أهل وَادِعة. وروى أيضاً عن شُرَيْح قال: جاءت قَسَامَةٌ فلم يُوَافوا خمسين، فردّ عليهم القَسَامة حتَّى أوفوا. وروى عبد الرَّزاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْرِيّ، عن إبراهيم قال: إذا لم تبلغ القَسَامة كرّروا حتّى يحلفوا خمسين يميناً. وروى أيضاً فيه عن عمر: أنه استحلف امرأةً خمسين يميناً على مولى لها أُصِيبَ، ثمّ جعل عليها الدِّية. ولأن عدد الخمسين واجبٌ بنصّ الحديث، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطلب فيها الوقوف على الفائدة. ولأن فيه استعظام أمر الدّم فيكمّل، وتكرار اليمين من واحدٍ على سبيل الوجوب ممكن شرعاً كما في اللِّعان. (وَمَنْ نَكَلَ) أي أبى أن يحلف من الذين اختارهم الوليّ (حُبِسَ حتّى يَحْلِفَ) لأن اليمين فيه مستحقّ لذاته تعظيماً لأمر الدَّم، ولهذا يجمع بينه وبين الدِّية، بخلاف النكول في الأموال، لأن اليمين فيها بدلٌ عن أصل حقّه، ولهذا تسقط بدفع المال المدَّعى، وفيما نحن فيه لا يسقط بدفع الدِّية. ويوجب الدِّية أبو يوسف بالنكول اعتباراً بالنكول عن اليمين في دعوى المال. (لَا إنْ خَرَجَ الدَّمُ) أي لا قَسَامة ولا دِيَة في ميت وُجِدَ في محلّة وقد خرج الدم (مِنْ فِيهِ) أي فمه (أوْ دُبُرِهِ أوْ ذَكَرِهِ) لأن الدَّم يخرج من هذه المجاري عادةً بغير فعل أحدٍ، فلا يكون دليلاً على أنه قتل. (وفي قَتِيلٍ) وُجِدَ (عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا رَجُلٌ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ) أي السائق دون أهل محلته (دِيَتَهُ) أي القتيل، لأن الدَّابة في يد

стр. 1697

والرَّاكِبُ وَالقَائِدُ كالسَّائِقِ. وعَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيِنْ، عَلَى أهْل أقْرَبِهِمَا. وفي دَارِ رَجُلٍ عَلَيْهِ القَسَامَةُ. وَتَدِي عَاقِلَتُهُ إنْ ثَبَتَ أنّهَا لَهُ بالحُجَّةِ. وَتَدِي وَرَثَتُهُ إنْ وُجِدَ في دَارِ نَفْسِهِ. === السائق، فصار كما لو وُجِدَ في داره. (والرَّاكِبُ وَالقَائِدُ كالسَّائِقِ) في وجوب ضمان عاقلته الدِّية، لا أهل المحلة، فإن اجتمعوا فعلى عاقلتهم، لأن القتيل في أيديهم، فصار كما لو وُجِدَ في دارهم. إلاّ أن في الدَّابة لا يُشْتَرَط أن يكونوا مالكين لها، وفي الدار يشترط ذلك. ولو لم يكن مع الدَّابة أحدٌ، فالدِّية والقَسَامة على أهل المحلّة التي وُجِدَ فيها القتيل على الدابة، لأنّ وجوده على الدَّابة كوجوده في الموضع الذي فيه الدابة. (و) في قتيلٍ وُجِدَ (عَلَى دَابَّةٍ) أو غيرها (بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ) أو قبيلتين تجب القَسَامة والدِّية (عَلَى أهْل أقْرَبِهِمَا) لما روى أبو داود الطيالسي وإسحاق بن رَاهُويَه والبزّار في «مسانيدهم»، والبيهقي في «سننه»، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أن قتيلاً وُجِدَ بين حَيَّيْن فأمر النبي ﷺ أن يُقَاس إلى أيهما أقرب، فوُجِدَ أقرب إلى أحد الحيين بشبرٍ. قال الخُدْرِيّ: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ ، فألقى ديته عليهم. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع قال: وُجِدَ قتيلٌ باليمن بين وَادِعَة وأرْحَب، فكتب عامل عمر بن الخطاب إليه، فكتب إليه عمر: أنْ قِسْ ما بين الحيَّيْن، وإلى أيهما أقرب فخذهم به. قال: فقاسوه فوجدوه أقرب إلى وادعة، فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، أَتُحَلِّفنا وتُغَرِّمُنا؟ قال: نعم. فأَحْلَف خمسين رجلاً: بالله ما قتلتهُ ولا علمتَ قاتلاً له. (وفي) قتيلٍ وُجِدَ في (دَارِ رَجُلٍ عَلَيْهِ القَسَامَةُ) فتُكَرَّر الأيْمان عليه، لأن الدَّار في يده وحفظها إليه (وَتَدِي) أي يُعْطِي الدِّية (عَاقِلَتُهُ) لأن نصرته منهم وقوَّته بهم. وقال مالك: لا قَسَامة ولا غرامة في قتيلٍ وُجِدَ في دار قومٍ. وقال الشافعي: يكون مع اللَّوَث (١) . وفي «شرح الأقطع»: صاحب الدَّار مع أهل المحلّة، كأهل المحلّة مع أهل المِصْر، ولا يدخل أهل المصر مع أهل المحلّة. (إنْ ثَبَتَ أنّهَا) أي الدَّار (لَهُ) أي للرجل (بالحُجَّةِ) أي بشهادة الشهود، لأن اليد دليل ظاهر، والظاهر حجَّة للدفع لا للاستحقاق، ونحن محتاجون هنا للاستحقاف، فلا بدّ من إقامة البيّنة على الملك إذا كذّب العواقل أنها ملك ذي اليد، وقالوا: إنها وديعة عنده. (وَتَدِي) عاقلة (وَرَثَته) لورثته (إنْ وُجِدَ) قتيل (في دَارِ نَفْسِهِ) عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف (ومحمد) (٢) وزُفَر ومالك والشّافعيّ: لا شيء فيه.

стр. 1698

وَالقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الخِطَّةِ دُوْن السُّكّانِ وَالمُشْتَرِينَ. فَإِنْ بَاعَ كُلٌّ مَنْهُمْ فَعَلى المُشْتَرِينَ، وفي دَارٍ مُشْتَركَةٍ عَلَى عَدَدِ الرؤوس. وفي الفُلْكِ فَالقَسَامَةُ عَلَى مَنْ فِيهِ. وَفي سُوقٍ مَمْلُوكٍ عَلَى المَالِكِ، وَفي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا، وَفي غَيرِ مَمْلُوكٍ، وَالشّارِعِ، والجِسْرِ، والسِّجْنِ، والجَامعِ، لا قَسَامَةَ. وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وفي بَرِّيَّةٍ === (وَالقَسَامَةُ) والدِّية (عَلَى أَهْلِ الخِطَّةِ) ولو بقي واحدٌ منهم، وهم الذين خطّ لهم الإمام، وقسم الأراضي بِخَطّه حين فتحها. (دُوْن السُّكّانِ) أي وليست القَسَامة على السكان (وَالمُشْتَرِينَ) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الكل مشتركون، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وابن أبي ليلى، لأنّ النبيّ ﷺ قضى على أهل خَيْبرَ، وقد كانوا سكَّاناً فيها. (فَإِنْ بَاعَ كُلٌّ مَنْهُمْ) أي كلّ واحدٍ من أهل الخِطّة، وفي بعض النسخ: فإن باع كلّهم (فَعَلى المُشْتَرِينَ) القَسَامَة والدِّية، لأن الولاية انتقلت إليهم عند أبي حنيفة ومحمد لزوال من يتقدّمهم، وحصلت لهم عند أبي يوسف لزوال من يزاحمهم. (و) إن وُجِدَ قتيلٌ (في دَارٍ مُشْتَركَةٍ) على التفاوت بأن كان نصفها لرجلٍ، وعُشْرها لرجلٍ، وباقيها لآخر، فَالقَسَامة (عَلَى عَدَدِ الرؤوس) لأن صاحب القليل يزاحم صاحب الكثير في التدبير، فكانوا سواء في الحفظ والتقصير. (و) إن وُجِدَ قتيلٌ (في الفُلْكِ فَالقَسَامَةُ عَلَى مَنْ فِيهِ) أي في الفُلْكِ سواء كان ماشياً أو راكباً أو مَلاَّحاً. (وَ) إن وُجِدَ (في سُوقٍ مَمْلُوكٍ) فالقَسَامة (عَلَى المَالِكِ) عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: على السكان. (وَ) إن وُجِدَ (في مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ) فالقَسَامة (عَلَى أَهْلِهَا) لأن تدبيره إليهم، والقتيل فيه كالقتيل فيها. (وَ) إنْ وُجِدَ (في) سوقٍ (غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَ) في (الشّارِعِ)، العام (و) في (الجِسْرِ)، العام (و) في (السِّجْنِ، و) في (الجَامعِ لا قَسَامَةَ) على أحدٍ (وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ المَالِ) لأنه لجماعة المسلمين. وقال أبو يوسف: القسامة في السجن على أهله، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد، لأنهم سكانه وولاية تدبيره إليهم، والظاهر أنّ القتل حصل منهم. ولأبي حنيفة ومحمد: أنّ أهل السجن مقهورون، فلا يتناصرون، ولا يتعلّق بهم ما يجب لأجل النُّصْرة. (و) إن وُجِدَ (في بَرِّيَّةٍ) أي غير مملوكةٍ، إذ لو كانت مملوكةً تكون القسامة

стр. 1699

لَا عِمَارَةَ يقُرْبِهَا، أوْ مَاءٍ يَمُرُّ بِهِ هَدَرٌ. وَمُسْتَحْلَفٌ قَالَ: قَتَلَهُ زَيْدٌ، حَلَفَ باللَّهِ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَا عَرَفْتُ لَهُ قَاتِلًا غَيرَ زَيْدٍ. وَبَطَلَت شَهَادَةُ بَعْضِ أهْلِ المَحَلَّةِ بِقَتْلِ غَيرِهِمْ أَوْ وَاحِدٍ === على مالكها (لَا عِمَارَةَ بِقُرْبِهَا) أمّا لو كان بقربها عِمارةٌ تكون القسامة على أهلها. وحدُّ القُرْب سماع الصوت. (أوْ مَاءٍ) أي أو وُجِدَ في ماءٍ (يَمُرُّ بِهِ) أي بالقتيل، بأن وُجِدَ في نهرٍ عظيمٍ يجري فيه الماء (هَدَرٌ) أي لا شيء فيه، لأنه ليس في يد أحدٍ ولا في ملكه، بخلاف النهر الصغير، فإن ضمان القتيل على أصحابه لقيام يدهم عليه. ولو وُجِدَ قتيلٌ في أرضٍ موقوفةٍ، أو في دارٍ موقوفةٍ على أربابٍ معلومةٍ، فالقسامة والدية على أربابها، لأن تدبيرها إليهم. وإن كانت موقوفةً على مسجدٍ، فهو كما لو وُجِدَ في المسجد، وحكمه قد تقدّم، والله تعالى أعلم. (وَمُسْتَحْلَفٌ) بفتح اللام مبتدأ، أي من يُطْلَب منه الحَلِف (قَالَ: قَتَلَهُ زَيْدٌ) صفته، والخبر (حَلَفَ باللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلَا عَرَفْتُ لَهُ قَاتِلاً غَيْرَ زَيْدٍ) لأنه لمّا أقرّ بالقتل على زيدٍ، صار زيدٌ مستثنى عن اليمين، فبقي حكم من سِوَاه فيحلف عليه، وهذا قول محمد. وقال أبي يوسف: يحلف ما قتلت فقط، لأنه عرف القاتل واعترف به. ولمحمدٍ: أنه يحتمل أن له قاتلاً آخر معه، أو يكون في إقراره كاذباً (وَبَطَلَت شَهَادَةُ بَعْضِ أهْلِ المَحَلَّةِ بِقَتْلِ غَيْرِهِمْ) متعلّق بشهادة. وصورة المسألة: وُجِدَ قتيلٌ في محلّة، وادّعى الوليُّ قتله على غيرهم، فشهد اثنان من أهل المحلّة، لم تُقبل شهادتهما عند أبي حنيفة، وتُقبل عندهما. والكلام فيه يرجع إلى أصلٍ متَّفقٍ عليه، وهو أن كل من انتصب خصماً في حادثةٍ، ثم خرج من أن يكون خصماً، لا تُقبل شهادته. وأن كلّ من كان له عَرَضِيَّة أن يصير خصماً، ثم بطلت هذه العَرَضِيَّة، فشهد في تلك الحادثة تقبل شهادته فيها. فهما قالا: الثابت في أهل المحلّة عرضيّة أن يصيروا خصماً لو ادّعى الوليّ عليهم، وقد بطلت هذه العرضيّة بالدّعوى على غيرهم فتقبل شهادتهم، كالوكيل بالخصومة إذا عزله قبل أن يخاصم وشهد في تلك الحادثة. ولأبي حنيفة: أن أهل المحلّة صاروا خصماً في هذه الحادثة لوجود القتيل بين أظهرهم، ومن صار خصماً في حادثة لا تُقْبل شهادته فيها وإن خرج عن الخصومة، كالوكيل إذا خاصم في مجلس الحكم، ثم عُزِلَ فشهد. (أَوْ وَاحِدٍ) بالجر عطفٌ على غيرهم، أي وبطل شهادة بعض أهل المحلّة بقتل

стр. 1700

مِنْهُمْ. وَفي رَجُلَيِنْ في بَيْتٍ وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَتِيلًا ضَمِنَ الآخَرُ دِيَتَهُ. وفي قتيلِ قريةٍ امرأةً، كَرّرَ الحَلِفَ عَلَيْهَا، وَتَدِي عَاقِلَتُهَا. فصْلٌ في المَعَاقِلِ العَاقِلَةُ: أَهْلُ الدِّيوَانِ === واحدٍ (مِنْهُمْ) إذا ادَّعى الوليّ عليه بعينه، لأن الخصومة قائمة مع الكلّ، والشاهد يقطعها عن نفسه، فكان منهما فيها (وَفي رَجُلَيْنِ في بَيْتٍ) وليس معهما ثالثٌ (وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَتِيلاً ضَمِنَ الآخَرُ دِيَتَهُ) وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يضمن، لأنه يحتمل أن يكون قتل نفسه، ويحتمل أن يكون الآخر قتله، فلا يضمنه بالشَّكِّ. ولأبي يوسف: أن الظاهر أن الإنسان لا يقتل نفسه، فكان ذلك الاحتمال ساقطاً، كما لو وُجِدَ قتيلٌ في مَحَلّةٍ فإِنَّ احتمال قتل نفسه ساقطٌ هناك فكذا هنا (وفي قتيلٍ قريةٍ امرأةً) أَي وإِن وجد قتيل في قرية امرأة (كَرّرَ الحَلِفَ عَلَيْهَا) أي على المرأة، لما روينا من تكرير عمر القَسَامة على المرأة. (وَتَدِي) أي تُعْطِي الدِّية (عَاقِلَتُهَا) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: القَسَامة على العاقلة أيضاً. قال المتأخرون: إن المرأة تدخل مع العاقلة (في التحمّل في هذه المسألة، لأنَّا أنزلناها قاتلة، والقاتلة تشارك العاقلة،) (١) وهو اختيار الطَّحَاويّ، وهو الأصحّ. ولو جُرِحَ إنسانٌ في قبيلةٍ، فنُقِلَ إلى أهله فمات من تلك الجراحة، فإن كان صاحب فراشٍ من حين الجرح حتى مات، فالقَسَامَةُ والدِّية على القبيلة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا قسامة فيه ولا دية. قيل: ومحمد معه، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والشّافعيّ وأحمد، لأن الذي حصل في القبيلة والمحلّة ما دون النَّفس، ولا قَسَامة فيه، وصار كما لو لم يكن صاحب فراش. ولأبي حنيفة: أن الجرح إذا اتَّصل به الموت صار قتلاً، ولهذا وجب القصاص في العمد، والدِّية في الخطأ. ولو لم يكن المجروح صاحب فراش من حين الجرح بل كان يجيء ويذهب حين جُرِحَ، ثم نُقِلَ ومات في أهله فلا شيء فيه، كذا في «المبسوط». فصلٌ في المَعَاقِلِ وهي جمع مَعْقُلة بضم القاف، وسميت الدِّية عقلاً ومَعْقُلة، لأنها تمنع الدم من السفك، ومنه العقل، لأنه يمنع صاحبه عن غير طريق العدل. (العَاقِلَةُ: أَهْلُ الدِّيوَانِ (٢)

стр. 1701

لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ، تُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ مَتَى خَرَجَتْ، === لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ) لأن عمر فرض العقل على أهل الدِّيوان بِمَحْضَر من الصحابة ولم ينكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً منهم (تُؤْخَذُ) الدِّية (مِنْ عَطَايَاهُمْ) (١) أو الشَّاملة لأرزاقهم (مَتَى خَرَجَتْ) العطايا، سواء خرجت في ثلاث سنين أو أكثر أو أقل، وهذا إذا كانت العطايا الخارجة بعد القضاء بالدِّية للسنين المستقبلة، حتّى لو خرجت بعد القضاء عن السنين الماضية لا تؤخذ منها، ولو خرجت بعده عن ثلاث سنين مستقبلة في سنةٍ واحدةٍ، يُؤخذ منها كلُّ الدِّية، إذ لا فائدة في التأخير. روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن جابر قال: أول من فرض الفرائض، ودوّن الدواوين، وعرّف العرفاء: عمر بن الخطاب. وفي «الهداية»: وأهل الديوان: أهل الرايات، وهم الجيش الذين كُتبت أساميهم في الدِّيوان. والعطاء: ما يُفْرض للمقاتلة. والرزق: ما يُفْرض لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلة. وقال مالك والشَّافعيّ وأحمد وأكثر أهل العلم: الدِّيَة على العشيرة وهم: العَصَبَات، لأنه كان كذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ولا نسخ بعده، لأنه لا يكون إلا بوحيّ على لسان نبيّ، ولا نبيّ بعده. ولما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: حدّثنا حَفْص، عن حجّاج، عن مِقْسم، عن ابن عبّاس قال: كتب رسول الله ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يَعْقِلُوا معاقلهم، وأَن يُفْدُوا عانيهم (٢) بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين. وقال: حدّثنا وكيع: حدّثنا ابن أبي ليلى، عن الشَّعْبِيّ قال: جعل رسول الله ﷺ عقل قريش على قريشٍ، وعقل الأنصار على الأنصار. وما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»: أخبرنا مَعْمر، عن مطر الورَّاق، عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأةٍ يطلبها في أمرٍ، فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر. فبينا هي في الطريق اشتد بها الفزع، فضربها الطَّلْق فدخلت داراً وألقت ولدها. فصاح الصبيّ صَيْحَتَيْنِ ثم مات فاستشار (عمر) (٣) الصحابة، فقال بعضهم: ليس عليك شيء إنما أنت والٍ ومؤدّبٌ. قال: وصَمَتَ عليٌّ، فأقبل عليه عمر وقال له: ماذا تقول؟ فقال عليّ: إن قالوه برأيهم فقد أخطؤوا، وإن قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها فألقت ولدها بسببك. قال: فأمر عمر علياً (٤) أن يضرب ديته

стр. 1702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === على قريش، فأخذ عقله من قريش، لأنه خطأ. هذا، واخْتُلِفَ في الآباء والبنين: فقال الشّافعيّ وأحمد في روايةٍ: ليس آباء القاتل وإن عَلَوْا، ولا أبناؤه وإن سَفَلوا من العاقلة. وقال مالك وأحمد في روايةٍ: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا عند عدم أهل الديوان. ولنا: أنّ عمر لمّا دوّن الدواوين جعل العقل على أهل الدِّيوان، وكان ذلك بِمَحْضَر من الصحابة. روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الحكم قال: عمر أول من جعل الدية عشرةً عشرةً في أعطيات المقاتلة دون الناس. والأَعْطِيَة جمع العَطِيَّة. وروى أيضاً عن الشَّعْبِيّ، وعن إبراهيم أنهما قالا: أول من فرض العطايا عمر بن الخطاب، وفرض فيه الدِّية كاملة في ثلاث سنين، والنصف في سنتين، والثلث في سنة، وما دون ذلك في عامه. وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق» مثله، وفيه أيضاً: أخبرنا الثوري عن أَشْعَث، عن الشَّعْبِيّ: أنه جعل عمر الدِّية في الأَعْطِيَة في ثلاث سنين، والنصف والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو في عامه. وأخرج ابن أبي شَيْبَة عن النَّخَعِيّ والحسن أنهما قالا: العقل على أهل الديوان. وقال الترمذي في كتابه: وقد أجمع أهل العلم على أن الدِّية تُؤْخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن عمر أنه جعل الدية في الأَعْطِيَة في ثلاث سنين: وفي لفظ: أنه قضى بالدية في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث على أهل الديوان في أعطياتهم. وأمّا قولهم: ولا نسخ بعده ﵊ فمسلَّمٌ، إلاّ أن هذا ليس بنسخٍ، بل هو تقدير معنىً، لأن العقل على أهل النُّصرة، وكانت النُّصرة بأنواعٍ: بالقرابة، وبالحِلْفِ أي العهد، وبولاء العَتَاقة، وبالعدّ، وهو: أن يُعَدّ في القوم ولا يكون منهم. وفي عهد عمر صارت بالديوان، فجعله على أهله اتباعاً للمعنى. ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم يتناصرون بالحِرَف، كانت عاقلتهم أهلَ حرفتهم، ولو كان بالحِلْف فعاقلتهم حلفاؤهم. وتوضيحه: أن إجماع الصحابة لم يكن على خلاف ما قضى رسول الله ﷺ بل على وِفَاق ما قضاه، فإنهم علموا أنه إنما قضى على العشيرة باعتبار النُّصرة، وقد كانت قوة المرء ونصرته يومئذٍ بعشيرته، ثم لمَّا دوّن عمر الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان، فلذا قَضَوا بالدية على أهل الديوان، لأن المعنى متى عُقِل في حكم الشرع، يتعدّى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع.

стр. 1703

وَحَيُّهُ لِمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ في ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَسْعَ الحَيُّ ضُمَّ إِلَيْهِ أَقْرَبُ الأَحْيَاءِ نَسَبًا: الأَقْرَبُ فَالأَقْرَب، وَالبَاقِي === (وَحَيُّهُ) أي والعاقلة حيّ القاتل أي قبيلته (لِمَنْ) أي للقاتل الذي (لَيْسَ مِنْهُمْ) أي من أهل الدِّيوان، لأن نصرته بحيّه وهي المعتبرة (١) في التَّعاقل، فصار حاله كحال مَنْ كان على عهده ﵊، (يُؤْخَذُ مِنْ كُلَ) أي من كلّ واحدٍ منهم ما عدا فقراءهم (في ثَلَاثِ سِنِينَ) لما روينا عن عمر (ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٌ) فلا يُزَاد الواحد في كل سنة على درهمٍ وثلت. وقال مالك وأحمد في روايةٍ: لا تقدير في أخذها بل يحملون ما يطيقون، لأن التقدير لا يثبت إلاّ بالتوقيف منه، ولا نصّ فيه، فيفوّض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات. وقال الشافعي وأحمد ـ في روايةٍ ـ: يجب على الغني نصف دينارٍ، لأنه أقل ما قُدِّر في الزكاة، وعلى المتوسط ربع دينارٍ، لأن ما دون ذلك تافهٌ لا تُقْطَعُ اليد فيه. وقلنا: العقل صلة تجب على سبيل المواساة كالنفقة، فيستوي فيه الغني والمتوسط. ثمَّ ابتداءُ الثلاث سنين من وقت القضاء عندنا. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: من وقت القتل، لأنه سبب الوجوب. ولنا: أن الواجب الأصلي المِثْل، والتحوّل إلى القيمة بالقضاء، فيُعْتبرُ ابتداؤها من وقته، كولد المغرور تعتبر قيمته من وقت القضاء لا قبله. وإذا كان الواجب ثلث الدية أو أقل منه يجب في سنة واحدة، وإذا كان أكثر من الثلث إلى تمام الثلثين يجب في سنتين، وإذا كان أكثر من الثلثين إلى تمام الدية يجب في ثلاث سنين، لأن جميع الدية في ثلاث سنين، فيكون كل ثلث في سنة. ولا فرق عندنا في تأجيل الدية بثلاث سنين بين الواجب على العاقلة والواجب على القاتل في ماله. وقال مالك، والشافعيّ وأحمد: ما وجب في مال القاتل فهو حالٌّ، وذلك مثل الأب إذا قتل ابنه عمداً، أو انقلب القِصاص بالشبهة مالاً. (وَإِنْ لَمْ يَسْعَ الحَيُّ) لأخذ الدِّية منهم في ثلاث سنين: كل سنة درهمٍ أو درهم وثلث، (ضُمَّ إِلَيْهِ أَقْرَبُ الأَحْيَاءِ نَسَباً) تحقيقاً للتخفيف وتفادياً (٢) عن الإجحاف (الأَقْرَبُ فَالأَقْرَب) على ترتيب العَصَبَات، يقدّم الأخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم (وَالبَاقِي) من الدِّيَة التي لم يسع الحيّ لها مع ضمّ أقرب الأحياء نسباً إليهم (عَلَى

стр. 1704

عَلَى الجَانِي. وَالقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ. وَلِلْمُعْتَقِ حَيُّ سَيِّدِهِ. وَلِمَوْلَى المُوَالَاةِ مَوْلَاهُ وَحَيُّهُ. وَالْمُعْتَبَرُ في العَجَمِ أَهْلُ النُّصْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِالحِرْفَةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَمَنْ لَا عَاقِلَة لَهُ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ المَالِ، إنْ كَانَ، وَإِلاَّ فَعَلَى الجَانِي. وَتَتَحَمَّلُ العَاقِلَةُ مَا يَجِبُ بِنَفْسِ القَتْلِ، لَا مَا يَجِبُ بِصُلْحٍ وَإقْرَارٍ لَمْ تُصَدِّقْهُ العَاقِلَة، === الجَانِي) لأن أصل الوجوب عليه، وإنما تحوّل عنه إلى العاقلة للتخفيف (وَالقَاتِلُ) يدخل مع العاقلة فيكون فيما يؤَدِّي (كَأَحَدِهِمْ) لأنه الجاني، فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره. وقال مالك ـ في غير المشهور ـ والشافعي وأحمد: لا يجب على القاتل شيءٌ من الدية. (وَ) العاقلة (لِلْمُعْتَقِ حَيُّ سَيِّدِهِ) لأن نصرته بهم (وَ) العاقلة (لِمَوْلَى المُوَالَاةِ) وهو مولى الحِلْف (مَوْلَاهُ وَحَيُّهُ) أي حيّ مولاه، لأنه ولاءٌ يتناصر به، فأشبه ولاء العتاقة، وفيه خلاف الشافعي وأحمد وقد مرّ في الوَلاءِ. (وَالْمُعْتَبَرُ في العَجَمِ أَهْلُ النُّصْرَةِ) منهم (سَوَاءٌ كَانَتْ بِالحِرْفَةِ أَوْ غَيْرِهَا) أفتى أبو اللَّيث، وأبو جعفر الهِنْدُوَاني، وظهير الدين المَرْغِينَانِي: أنه لا عاقلة للعَجَم، لأنهم ضيّعوا أنسابهم ولا يتناصرون فيما بينهم. وأكثر المشايخ قالوا: لِلْعَجَم عاقلة، لأنّ لهم عادة في التناصر، وبه كان يُفْتِي محمد بن سَلَمة وشمس الأئمة الحَلْوَانِي. وقال: الإسْبِيجَابِي: أهل صناعة القاتل عاقلته وديوانه، ولكن بشرط أن يكونوا يتناصرون بها، وهو تفصيلٌ حسنٌ، واختاره كثير من المشايخ. وقد شاهدت أهل المحلّة والعَجَم يتناصرون كما في مكة المشرّفة حال المنازعة بين أهل المَعْلاة (١) وأهل الشَّبَكَة. وقد قالوا: لا يعقل أهل مصر آخر، ويعقل أهل كلّ مصر عن أهل سوادهم، لأنهم أتباع لأهل مصرهم. (وَمَنْ لَا عَاقِلَة لَهُ) من المسلمين بأن كان لقيطاً أو نحوه كالغريب (يُعْطَى) عنه (مِنْ بَيْتِ المَالِ إنْ كَانَ) للمسلمين بيت مال (وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن للمسلمين بيت مال (فَعَلَى الجَانِي) كحدّ السَّرقة والقذف والقصاص (وَتَتَحَمَّلُ العَاقِلَةُ مَا) أي المال الذي (يَجِبُ بِنَفْسِ القَتْلِ) وهو دية شِبْه العمد والخطأ (لَا مَا يَجِبُ بِصُلْحٍ) أي لا تتحمّل العاقلة المال الذي يجب بسبب صلحٍ عن قتل عمدٍ. (وَ) الذي يجب بسبب (إِقْرَارٍ) من الجاني (لَمْ تُصَدِّقْهُ العَاقِلَة) عليه، لأن

стр. 1705

أَوْ عَمْدٍ سَقَطَ قَوَدُهُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ قَتْلِهِ ابنَهِ عَمدًا، وَلَا جِنَايَةَ عَبْدٍ، أوْ عَمْدٍ، أَوْ مَا دُونَ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، بَلْ الجَانِي. === الإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور ولايتهم عنهم إلاّ أن يصدّقوه في الإِقرار، لأن تصديقهم إقرارٌ منهم، والامتناع كان لحقّهم وقد زال، أو أن تقوم البيّنة، لأنها مثبتة وتقبل هنا مع الإقرار وإن كانت لا تُعْتَبر معه، لأنها تُثْبِتُ ما ليس بثابت بإِقرار المدَّعى عليه، وهو الوجوب على العاقلة. ولو أقرّ بقتلٍ خطإٍ، ولم يرتفعوا إلى القاضي إلاّ بعد سنين قضى عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يَقْضِي. وقال مالك والشافعي وأحمد: حالاً. لنا: أن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبيّنة، ففي الثابت بالإقرار أولى، لأنه أضعف. (أَوْ) الذي يجب بسبب قتل (عَمْدٍ سَقَطَ قَوَدُهُ بِشُبْهَةٍ) وكذا إذا عفا بعض الأولياء (أَوْ) الذي يجب بسبب (قَتْلِهِ ابْنَهُ عَمداً، وَلَا) تتحمل العاقلة (جِنَايَةَ عَبْدٍ، أوْ عَمْدٍ، أَوْ مَا دُونَ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، بَلْ) يتحملها (الجَانِي). أخرج البيهقي عن الشعبيّ، عن عمر قال: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا يعقله العاقلة. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن النَّخَعِيّ أنه قال: لا تعقل العاقلة ما دون المُوضِحَة، ولا تعقل العمد ولا الصلح ولا الاعتراف. وأخرج عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن الشَّعْبي أنه قال: أربعة ليس فيهن عَقْلٌ على العاقلة، وإنما هي في ماله خاصة: العمد والاعتراف والصلح والمملوك. وروى البَيْهقي عن الشعبيّ أنه قال: لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً. ورواه أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَّم في آخر كتابه «غريب الحديث»، كذلك من قول الشَّعْبِي، ثم قال: واختلفوا في تأويل العبد: فقال محمد بن الحسن: معناه أن يقتل العبد حراً، فليس على عاقلة مولاه شيءٌ من جنايته، وإنما هي في رقبته، واحتجَّ لذلك محمد بن الحسن فقال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، عن أبيه، عن عُبَيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة: عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما جنى المملوك. ألا ترى أنه جعل الجناية للمملوك. قال: وهذا قول أبي حنيفة. وقال ابن أبي ليلى: إنما معناه أن يكون العبد يُجْنَى عليه: يقتله حرّاً ويجرحه، فليس على عاقلة الجاني شيءٌ، إنما ثمنه في ماله خاصة. قال أبو عُبَيْد: فذاكرت الأصْمَعِي فيه فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى،

стр. 1706

كِتَابُ الإكْرَاهِ هُوَ فِعْلٌ يُوقِعُهُ بِغَيْرِهِ فَيَفُوتُ رِضَاهُ، أوْ يَفْسُدُ به اخْتيَارُهُ، مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ. وَشُرِطَ قُدْرَةُ الحَامِلِ لَهُ عَلَى إِيقَاعِ مَا هَدَّدَ بِهِ، سُلْطَانًا كَانَ أوْ لِصًّا. وَخَوْفُ الفَاعِلِ إِيقَاعَه، وَكَوْنُ المُكْرَهُ بِهِ مُتْلِفًا نَفْسًا أَوْ عُضْوًا. وَهُوَ === وعليه كلام العرب. ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان لا تعقل العاقلة عن عبدٍ، ولم يكن ولا تعقل عبداً. انتهى. وقد أجبنا عنه فيما سبق بما هو أحقّ. وقال الشارح هنا على سبيل التنزل: إن كون القول عند الأصمعي ما قال ابن أبي ليلى نظراً إلى مجرد لفظ هذا الحديث، لا ينافي أن يكون القول ما قال أبو حنيفة نظراً إلى ما رواه محمد عن ابن عباس جمعاً بين الأحاديث، والله تعالى أعلم بالصواب. كتاب الإِكْرَاهِ (هُوَ) لغةً: مصدر أَكْرَهَهُ إذا حمَله على أمرٍ يكرهه (طبعاً) (١) . وشرعاً: (فِعْلٌ) من تهديدٍ وتخويفٍ بضربٍ ونحوه (يُوقِعُهُ) المرء (بِغَيْرِهِ) على إيجاد ما يكرهه طبعاً أو شرعاً (فَيَفُوتُ) به (رِضَاهُ أوْ يَفْسُدُ (به) (٢) اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ) للتكليف وعدم سقوط الخطاب عنه، لأن المكره مُبْتَلَى، والابتلاء يحقّق الخطاب، ألا ترى أنه متردّد بين فرضٍ وحظرٍ ورخصةٍ، وبين إثمٍ وأجرٍ، وذلك آية الخطاب. (وَشُرِطَ) في تحقّق الإكراه أمورٌ منها (قُدْرَةُ الحَامِلِ لَهُ عَلَى إِيقَاعِ مَا هَدَّدَ بِهِ، سُلْطَاناً كَانَ أوْ لِصّاً) وقال أبو حنيفة: إن الإكراه لا يكون إلاّ من السلطان. قالوا: هو اختلاف عصرٍ وزمانٍ، لا اختلاف حُجَّةٍ وبرهان، لأن زمان أبي حنيفة لم يكن فيه لغير السلطان من القدرة ما يتحقَّق به الإكراه، وزمانهما كان فيه ذلك. (وَ) منها (خَوْفُ الفَاعِلِ) وهو المكرَه بفتح الراء (إِيقَاعَه) أي أيقاع الحامل ما أَكْرَه به، بأن يغلب على ظنه أن يُوقِعَه به عليه في الحال. (وَ) منها (كَوْنُ المُكْرَهُ بِهِ مُتْلِفاً نَفْساً) سواء كان قتلاً أو ضرباً (أَوْ) مُتْلِفاً (عُضْواً) قطعاً كان أو غيره (وَهُوَ) أي

стр. 1707

المُلْجِئ، أو مُوجِبًا لِمَا يُعْدِمُ الرِّضا، وَالفَاعِلُ مُمْتَنِعًا مِمّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ: لِحَقِّهِ، أَوْ آخَرَ، أَوْ الشَّرْع. فَلَوْ أُكْرِهَ بِالمُلْجِئ أوْ غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ إِقْرَارٍ، إِنْ شَاءَ فَسَخَ أَوْ أَمْضَى. وَيَمْلِكُهُ المُشْتَرِي إنْ قَبَضَ، === متلف النفس أو العضو الإكراه (المُلْجِاء (١) أو مُوجِباً) عطفٌ على متلفاً أي: أو كون المُكْرَه به محصِّلاً (لِمَا يُعْدِمُ الرِّضا). وفي شرح «الوقاية»: إن هذا يختلف باختلاف الناس، فإن الأراذل (ربَّما) (٢) لا يغتمُّون بالضرب أو الحبس: فالضرب اللَّيِّن لا يكون إكراهاً في حقّهم بل الضرب المُبَرّح، وكذا الحبس إلاّ أن يكون حبساً مؤبّداً يتضجر منه. والأشراف يغتمُّون بكلامٍ فيه خشونة، فمثل هذا يكون إكراهاً لهم. (وَ) منها كون (الفَاعِلِ مُمْتَنِعاً مِمّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ) من الفعل (قَبْلَهُ) أي قبل الإكراه (لِحَقِّهِ) أي لحقّ الفاعل، كإكراهه على بيع ماله أو إتلافه، أو إعتاق عبده، (أَوْ) لحقّ شخصٍ (آخَرَ) كإكراهه على إتلاف مال غيره (أَوْ) لحقّ (الشَّرْع) كإكراهه على شرب الخمر أو الزنا. (فَلَوْ أُكْرِهَ بِالمُلْجِاء أوْ غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ) لماله (وَنَحْوِهِ) من الشراء بماله والإجارة لداره (أَوْ) على (إِقْرَارٍ) مثل أن يقرّ لرجلٍ بألفٍ ففعل ما أُكْرِه عليه، فهو بالخيار (إِنْ شَاءَ فَسَخَ أَوْ) شاء (أَمْضَى) أمّا البيع ونحوه، فلفوات شرط صحته وهو الرضا. وأمّا الإقرار، فلأنه خبرٌ يحتمل الصدق والكذب، ودليل أَنَّه كذبٌ موجودٌ هنا، وهو الإكراه. والأصل عندنا أن تصرُّفات المُكْرَه كلّها منعقدة قولاً، إلاّ أن ما يحتمل الفسخ منها كالبيع والإجارة له أن يفسخه، وما لا يحتمله كالطلاق والنِّكاح والإعتاق والتدبير والاستيلاد والنذز يلزمه. وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يلزمه. (وَ) إذا كان البيع والتسليم كُرْهاً (يَمْلِكُهُ) أي المبيع (المُشْتَرِي إنْ قَبَضَ) المشتري المبيع، لأن بيع المكرَه فاسد، وذلك أن ما هو ركن العقد لم ينعدم بالإكراه، وهو الإيجاب والقبول في محله، وإنما انعدام ما هو شرط الجواز، وهو الرضاء لقوله تعالى: ﴿إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) ، وتأثير (انعدام) (٤)

стр. 1708

فَيَصِحُّ إِعْتَاقُهُ، وَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ. فَإِنْ قَبَضَ ثَمَنَهُ أَوْ سَلَّمَ طَوْعًا نَفَذَ. وَحَلَّ بالمُلْجِئِ شُرْبُ الخَمْرِ وأَكْلُ المَيْتَةِ، حَتَّى إنْ صَبَرَ أَثِمَ. === شرط الجواز في إفساد العقد كما في الرِّبا، فإنّ المساواة في الأموال الرِّبَوِية شرط جواز العقد، فإذا انعدمت كان العقد فاسداً. وعندنا في البيع الفاسد يملك المشتري المبيع بالقبض. وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يملك. (فَيَصِحُّ) للمشتري بعد قبضه (إِعْتَاقُهُ) وتدبيره واستيلاد الأمة (وَلَزِمَهُ) أي المشتري (قِيمَتُهُ) كما في سائر البيوع الفاسدة. (فَإِنْ قَبَضَ) المُكْرَهُ على البيع (ثَمَنَهُ) طوعاً (أَوْ سَلَّمَ) المبيع للمشتري (طَوْعاً) بأَنْ أُكْرِهَ على البيع لا على التسليم (نَفَذَ) البيع في المسألتين، لأن قبض الثمن طوعاً دليلُ الإجازة، كما في البيع الموقوف إذا قبض المالك الثمن، وكذا تسليم المبيع من غير كره دليل الإجازة. قيّد بالطوع وهو للمسألتين، لأنّ البائع لو قبض الثمن كَرْهاً (١) لم يكن قبضه إجازة، وعليه ردّه إن كان قائماً في يده لفساد العقد بالإكراه، وإن كان هالكاً لا يأخذ المشتري منه شيئاً، لأنه كان أمانة عنده، لأنه أخذه بإذن المشتري، والقبض متى كان بإذن المالك لا يجب ضمانه إلاّ إذا قبضه للتملك، وهنا لم يقبضه لذلك بل للإكراه. (وَحَلَّ بالمُلْجِاءِ) وهو القتل أو القطع ـ ولو أُنملة ـ أو ضَرْبٍ يخاف منه على نفسه أو عضوٍ من أعضائه (شُرْبُ الخَمْرِ وأَكْلُ المَيْتَةِ) ونحوه، أي نحو أكل الميتة، وهو أكل لحم الخنزير وأكل الدّم، لأن الله تعالى استثنى الضرورة من التحريم بقوله: ﴿إلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢) وفي الإكراه الملجاء ضرورة، فصارت هذه الأشياء (المحرَّمة) (٣) كباقي الأطعمة المباحة. (حَتَّى إنْ) لم يفعل وَ (صَبَرَ) على القتل أو قطع العضو (أَثِمَ). وعن أبي يوسف، وهو قول للشافعيّ، وروايةٌ عن أحمد: لا يأثم، وكذا من إصابته مَخْمَصَة (٤) فلم يتناول من الميتة حتى مات أثم في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف لا يأثم. والأصل عنده: أَنَّ الإثم ينتفي بالضرورة، والحرمة لا تنتفي بها، أما

стр. 1709

وَرُخِّصَ بِهِ إِظْهَارُ الكُفْرِ مطمئنَّاً بالإِيمَانِ قَلْبُهُ. وَبِالصَّبْرِ أَجْرٌ === الأْولَى فلقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثمَ عَلَيْهِ﴾ (١) ، وقوله: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) . وأما الثانية، فلأن الحرمة متعلّقة بصفة الميتة أو الخمر، وبالضرورة لا يزول ذلك، فإذا امتنع المضطرّ كان امتناعه من تناول الحرمة فلا يأثم، لأنه متمسك بالعزيمة. ووجه الظاهر أن حالة الاضطرار مستثناة من الحرمة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣) والمستثنى من الحرام حلال، ومن امتنع عن الطعام الحلال حتَّى هلك يكون آثماً، وأمّا لو فعل ما ذكر من غير ملجاء: بأَن يكون بضربٍ أو حبسٍ أو قيدٍ، فلم يحِلّ. (وَرُخِّصَ بِهِ) أي بالملجاء (إِظْهَارُ الكُفْرِ مطمئناً بالإِيمَانِ قَلْبُهُ) أي قلب المظهر، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَر باللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإِيمَانِ﴾ (٤) … الآية. ولِمَا روى الحاكم في «المستدرك» في تفسير سورة النحل عن أبي عُبَيْدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر ـ وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين ـ أَنْ المشركين أخذوا عمَّار بن ياسر فلم يتركوه حتّى سبّ النبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه. فلمّا أتى النبيّ ﷺ قال له: «ما وراءك»؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُركْتُ حتّى نِلْتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: «فكيف تجد قلبك»؟ قال: مطمئناً بالإيمان. قال: «فإن عَادُوا فَعُدْ». ورواه أبو نُعَيْم في «الحلية»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إلاّ مَنْ أُكْرِه وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمَانِ﴾ … الآية. (وَبِالصَّبْرِ أَجْرٌ) أي وإن لم يُظْهِر الكفر وصبر على ما أُكْرِه من قتلٍ أو قطعٍ أُثِيبَ، لأن الحرمة لمّا كانت باقية، كان باذلاً نفسه لإِعزاز الدين تمسّكاً بالعزيمة، فكان شهيداً. ولِمَا رُوِيَ أن مُسَيْلَمة الكذّاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال رسول الله ﷺ . قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضاً، فخلاّه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله ﷺ . قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: «أما الأوّل فقد

стр. 1710

وَإتْلَافُ مَالِ مَسْلِمٍ، وَضَمِنَ الحَامِلُ لَا قَتْلُهُ، === أخذ برخصة (الله تعالى) (١) ، وأمّا الثَّاني فقد صدع بالحقّ فهنيئاً له». وما في «صحيح البخاري» من صَبْر حُبَيْب على القتل، وقوله حين عزموا على قتله: *ولَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ** على أيِّ شِقٍ كَانَ للَّهِ مَصْرَعي *وذَلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ** يُبَارِك عَلَى أَوْصَال (شِلوٍ) (٢) ممزّع أي أعضاء جسدٍ مقطّع، وهو خُبَيْب بن عَدِيّ الأنصاري، حضر بدراً وأُسِرَ في غزوة الرَّجِيع سنة ثلاث، فانْطُلِقَ به إلى مكة فاشتراه بنو الحارث بن عامر، وكان خُبَيْب قد قتل الحارث يوم بدرٍ كافراً، فاشتراه بنوه فأقام عندهم أسيراً، ثُمَّ صلبوه بالتَّنْعِيم، وهو أول من صُلِبَ من أهل الإسلام، ولمّا خرجوا به من الحَرَم ليقتلوه قال: دَعُوني أُصلّي ركعتين، ثم أنشأ البيتين. (وَ) رُخِّصَ بالملجاء (إتْلَافُ مَالِ مَسْلِمٍ) لأن مال الغير يُسْتَبَاح للضرورة، كما في حال المَخْمَصة، وقد تحقَّقت الضرورة هنا. ولو صبر حتّى قُتل كان شهيداً، لأنه بذل نفسه لإِعزاز الدين، لأن الحرمة باقية، فالامتناع عزيمة. (وَضَمِنَ الحَامِلُ) لصاحب المال، لأن المُكرَه آلة للحامل فيما يصلح آلة، وهو الإتلاف، فكان الحامل هو المُتْلِف لهذا المال. (لَا قَتْلُهُ) أي لا يُرَخَّص قتل المسلم بالإكراه الملجاء على قتله، لأن قتل المسلم لا يُبَاح للضرورة، فكذا للإكراه. ولأن دليل الرُّخصة خوف التلف، والمكرِه والمكرَه عليه في ذلك سواء. فسقط الكره للتعارض. ولو قال: لَتَقْطَعَنَّ يد نفسك أو لأقْطَعَنَّها أنا، لم يسعه قطعها، لأنه في الجانبين عليه ضرر قطع اليد، وإذا امتنع صارت يده مقطوعةً بفعل المكرِه، وإذا أقدم عليه صارت مقطوعةً بفعل نفسه، وهو يتيقّن بما يفعله بنفسه، ولا يتيقّن بما هدَّده به المكرِه، إذ ربّما يخوّفه بما لا يحقّقه، فلهذا لا يسعه قطعها، ولو قطعها لم يكن على الذي أكرهه شيءٌ.

стр. 1711

وَيُقَادُ هُوَ فَقَطْ. === وكذا لو قال له: لتقتلنَّ نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنّك (به، لم يكن هذا إكراهاً لما قلنا. ولو قال: لتقتلنّ نفسك بهذا السيف، أو لأقتلنَّك) (١) بالسياط، أو ذكر (له) (٢) نوعاً من القتل هو أشدّ عليه ممّا أمره أن يفعله بنفسه، فقتل نفسه قُتِلَ به الذي أكرهه، لأن الإكراه تحقّق هنا، فإنه قصد بالإقدام على ما طلب منه دفع ما هو أشدّ عليه، إذ القتل بالسياط أفحش وأشدُّ على البدن من القتل بالسيف، لأن القتل به يكون لحظة، وبالسياط يطول ويتوالى الألم. وإليه أَشار حُذَيْفَة حيث قال: فتنة السوط أشدّ من فتنة السيف. (وَيُقَادُ هُوَ) أي الحامل إن كان القتل عمداً (فَقَطْ) أي ولا يُقَاد الفاعل معه ولا وحده، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: يُقَادان، لأن الفاعل قاتل حقيقةً والحامل متسبِّبٌ، والمتسبِّب عندهم في القَوَد كالمباشر، كما في شهود القصاص إذا رجعوا. وقال زُفَر: يُقَاد الفاعل فقط، وقال أبو يوسف: لا يُقَاد واحدٌ منهما، لأن الفاعل قاتلٌ حقيقةً لا حُكْماً، والحامل بالعكس، فتمكَّنت الشبهة من الجانبين. ولو أُكْرِه على تردَ من جبلٍ عالٍ، أو على اقتحام نارٍ مضطرمةٍ (٣) لا يرجو النجاة منها، أَوْ على طرح نفسه في ماءٍ مهلكٍ يقتل، له الصَّبْر والاقتحام عند أبي حنيفة، لأن من الناس مَنْ يختار ألم النار على ألم السيف، وصبَّره محمد ومنعه عن فعل ما أُمِرَ به، واضطرب قول أبي يوسف بين الصَّبر والاقتحام، وكذا الخلاف بينهم لو وقعت نارٌ في سفينةٍ: إن صبر احترق، وإن ألقى نفسه غرق. وحكم الإكراه على التردّي المهلك، والإلقاء في الماء المُغْرِق، لزومُ الدِّية على المكرِه عند أبي حنيفة. وعند محمد: قتل الحامل على التردّي والإلقاء في الماء، كما يقتل الحامل على اقتحام النار بالقتل، ويوافق أبو يوسف محمداً في وجوب القَوَد في الصور الثَّلاث في الصحيح عنه، لأنه لمّا أُبِيحَ له الإقدام صار آلة للمكرِه. والدليل عليه: حديث زيد بن وَهْب قال: استعمل عمر بن الخطاب رجلاً على جيش فخرج نحو الجبل، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يومِ باردٍ، فقال أمير الجيش لرجل: انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها، فقال الرجل: إني إِنْ دخلت الماء أموت، فأكرهه، فدخل الماء وقال: يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك،

стр. 1712

وَصَحَّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ، وَرَجَعَ بِقِيمَةِ العَبْدِ وَنِصْفِ المُسَمَّى، إنْ لَمْ يَطَأْ. وَنَذْرُهُ، وَيَمِينُهُ، وظِهَارُهُ، === فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، فبعث إلى الأمير فنزعه وقال: لولا أن يكون سنةً لأقَدْتُه منك، ثم غرَّمه الدِّية، وقال: لا تعمل لي عملاً أبداً. فقال: إنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله، بل ليدخل الماء فينظر لهم مخاضة فضمَّنه عمر ديته، فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك. وفيه دليلٌ على أنه يجب القَوَد على المكرِه، وأنه يجب بغير سلاحٍ. ومعنى قوله: (لولا) (١) أن يكون سنةً: يعني في حقّ من لا يقصد القتل، ويكون مخطئاً في ذلك. فهو تنصيصٌ على أنه إذا كان قاصداً قتله بما لَا يَلْبِسُه (٢) ، فإنه يستوجب القَوَد. وأبو حنيفة يقول: إنما قال عمر ذلك على سبيل التهديد، وقد يهدّد الإمام بما لا يتحقّق، ويتحرّز عنِ الكذب ببعض معاريض الكلام، والله تعالى أعلم بحقائق المرام. (وَصَحَّ نِكَاحُهُ) أي نكاح من أُكْرِه على نكاح امرأةٍ (وَطَلَاقُهُ) أي طلاق من أُكْرِه على طلاق امرأةٍ (وَعِتْقُهُ) أي عتق من أُكْرِه على إعتاق عبده أو أمته، فإن هذه العقود تصحّ عندنا مع وجود الإكراه قياساً على صحتها مع وجود الهزل. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: لا تصحّ. (وَرَجَعَ) السيّد على الحامل له (بِقِيمَةِ العَبْدِ) سواء كان الحامل له مُوسِراً أو مُعْسِراً (وَنِصْفِ المُسَمَّى) أي ورجع المطلق على الحامل بنصف المسمّى (إنْ لَمْ يَطَأْ) قيّد به، لأنه لا يرجع في الموطوءة بشيء، لأن ما عليه في غير الموطوءة كان على شرف السقوط، بأن جاءت الفُرْقة من جانب المرأة، وإنما تقرّر بالطّلاق، فكان الإكراه عليه إتلافاً للمال من هذا الوجه، فانضاف إلى الحامل من حيث إِنه إتلافٌ، بخلاف ما إذا دخل بها، لأن المهر تقرّر بالدُّخول لا بالطَّلاق. (وَ) صحّ (نَذْرُهُ) أي نذر من أُكْرِه على نذرٍ (وَيَمِينُهُ) أي حَلَف من أُكْرِه على حَلِفٍ على شيءٍ، لأن النذر واليمين لا يلحقهما الفسخ، وكلّ ما لا يلحقه الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه. (و) صحَّ (ظِهَارُهُ (٣) ) أي ظهار من أُكْره على أن يُظَاهر من امرأته، حتّى لا يجوز له قربانها حتى يكفّر، لأنّ الظِّهَار من أسباب التحريم كالطَّلاق فيستوي

стр. 1713

ورَجْعَتُهُ، وإيلَاؤُهُ، وَفَيْؤُهُ فِيهِ، وإسْلَامُهُ بِلَا قَتْلٍ. لا إبْرَاؤُهُ ورِدَّتُهُ. وَإنْ زَنَى حُدَّ إلَّا إذَا أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ. === فيه الجِدُّ والهزل، فكذا الكرْه والطَّوع. (و) صحَّت (رَجْعَتُهُ) أي رجعة من راجع امرأة كُرْهاً، لأن الرَّجعة استدامة النِّكاح فكانت ملحقة به (و) صحَّ (إيلَاؤُهُ (١) ) أي إيلاء من أُكره على الإيلاء، لأن الإيلاء يمين في الحال وطلاقٌ في المآل، والإكراه لا يمنع واحداً منهما. (وَ) صحّ (فَيْؤُهُ (٢) ) أي فيء من أُكْرِهَ على الفيء (فِيهِ) أي في الإيلاء، لأن الفيء يصحّ مع الهزل، فكذا مع الكَرْه، ولأنه كالرَّجعة في الاستدامة. (و) صحّ (إسْلَامُهُ) أي إسلام من أسلم كُرْهاً (بِلَا قَتْلٍ) أي ولا يقتل لو رجع عن الإسلام بل يحبس، لأن الشبهة لمّا تمكّنت في إسلامه رجّحناه، لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى عليه، ودرأنا عنه القتل في رجوعه لاحتمال عدم ردّته، (لا إبْرَاؤُهُ) أي لا يصحّ إبراء من أُكْرِه على إبراء شخص من دينٍ أو كفالةٍ. (و) لا تصحّ (رِدَّتُهُ) أي ردّة من أُكْرِه على الرِّدة حتّى لا تَبِين زوجتُه، لأن الردّة تتعلّق بالاعتقاد، بدليل أن من نوى أن يكفر يصير كافراً وإن لم يتكلم بالكفر، والإكراه دليلٌ على عدم تغيّر الاعتقاد. (وَإنْ زَنَى) من أُكْرِه على الزِّنا (حُدَّ إلاَّ إذَا أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ) وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يُحدُّ، وقد سبق التحقيق، والله تعالى وليّ التوفيق.

стр. 1714

كِتَابُ الحَجْرِ هُوَ مَنْعُ نَفَاذِ القَولِ. وَسَبَبُهُ: الصِغَرُ والجُنُونُ وَالرِّقُّ، وَضمِنُوا بِالْفِعْلِ، === كتاب الحَجْرِ (هُوَ) ـ بالفتح ـ لغةً: المنع مطلقاً، ومنه سُمِّيَ العقل حِجْراً ـ بالكسر ـ، لقوله تعالى: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (١) ، وسُميَ به، لأنه يمنع صاحبه عن القبائح. وسُمِّي الحَطِيم حِجْراً، لأنه منع من بناء الكعبة. وشرعاً: (مَنْعُ نَفَاذِ القَوْلِ) لا الفعل، لأن الحَجْر في الأمور الحكمية دون الحسية، ونفاذ القول حكميّ، لأنه يُرَدّ ويقبل، بخلاف نفاذ الفعل فإنه حسيٌ لا يُرَدّ إذا وقع، فلا يُتَصَوَّرُ الحَجْر فيه. فلو أتلف صبيٌّ أو مجنونٌ مال الغير يجِب الضمان، وسيجيء. (وَسَبَبُهُ) أي الحَجْر (الصِغَرُ) لأن معه عدم العقل إن كان خالياً عن التمييز، ونقصانه إن كان مميّزاً إلاّ أن هذا التمييز ينجبر بإذن الوليّ ويصير الصِغَر به كالبلوغ، (والجُنُونُ) لأنه إمّا مع عدم العقل أصلاً وذلك فيمن لا يُفِيقُ صاحبه منه. وحكمه: أن لا يصحّ تصرّف المُبْتَلى به وإن أجار وليّه لفقد أهلية التصرّف منه، وإما مع نقصان العقل وذلك فيمن يُجَنُّ مرَّةً ويُفِيقُ مرَّةً أخرى. وحكمه: أنه في حال الإفاقة كالعاقل. وأمّا المعتوه، وفُسِّرَ بالقليل الفهم المختلط الكلام الفاسد التدبير، إلاّ أنه لا يضرب ولا يشتم. فحكمه: أنه كالصبيّ العاقل في تصرُّفاته ورفع التكليف عنه. (وَالرِّقُّ) لأن العبد وما في يده لمولاه، فلا ينفذ تصرُّفه القولي لأجل حقه فللمولى أن يرفعه بفسخه، ولكن إذا رضي بتصرّفه جاز لكونه رضي بفوات حقّه. والحِكمة في ذلك أن الله خلق الورى (٢) وميّز بينهم في الحَجْر فجعل بينهم ذوي النُّهَى، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدُّجَى (٣) ، وجعل بعضهم مُبْتَلى ببعض أسباب الرَّدى. (وَضَمِنُوا) أي الصغير والمجنون والعبد (بِالْفِعْلِ) أي بإتلاف مال الغير، لأن في ضمانهم إحياء لحقّ المتلف عليه في المحل المعصوم (٤) ، وهذا بالاتفاق. فإذا

стр. 1715

وَأُخِّرَ إلى العِتْقِ في الإقْرَارِ بِمَالٍ، وعُجِّلَ بَحَدٍّ وَقَود. وَلَا يُحْجَرُ بِسَفَهٍ، وَفِسْقٍ، وَدَيْنٍ. وَحُجِرَ مُفْتٍ مَاجِنٌ، وَطَبِيبٌ جَاهِلٌ، وَمُكَارٍ مُفْلِسٌ === قتل إنساناً، أو قطع يده، أو أراق شيئاً لا يمكن جعل ما ذكر كالعدم، لأنه يؤدّي إلى إبطال العصمة، وهو قولٌ باطلٌ عند جمهور الأئمة، بخلاف الأقوال فإن اعتبارها بالشرع في جميع الأحوال، فأمكن أن لا تعتبر شرعاً بالنسبة إلى بعض دون بعض لعارضٍ. (وَأُخِّرَ) العبد (إلى العِتْقِ في الإقْرَارِ بِمَالٍ) لأن إقرار العبد نافذٌ في حقّ نفسه، لقيام أهليته ـ لكونه مكلفاً ـ غير نافذٍ في حقّ سيده، لأن نفاذه في حقّه لا يخلو عن تعلّق الدين برقبته، أو كسبه، وكلاهما لسيده، فلا يستحقّ شيء منهما بإقراره، لأن إقرار الإنسان لا يُقْبَل على غيره. فإن أقرَّ العبد بمالٍ لم يلزمه في الحال لقيام المانع، ولزمه بعد الحرية لانتفائه. (وعُجِّلَ) في الإقرار (بَحَدَ وَقَودٍ) لأن العبد فيهما مبقّى على أصل الحرية، لأنهما من خواص الآدمية، وهو ليس بمملوكٍ من حيث إِنه آدميٌّ بل من حيث إِنه مالٌ، وإذا كان فيهما مُبَقَّى على أصل الحريّة نفذ إقراره بهما في الحال، لأنه أقرّ بما هو حقّه وبطل حقُّ المولى ضمناً، وفيه خلاف زُفَر. (وَلَا يُحْجَرُ) عند أبي حنيفة على الحرّ العاقل البالغ (بِسَفَهٍ) وهو الإسراف في النفقة والتبذير لا لغرضٍ أو لغرضٍ لا يعتبره العقلاء من أهل الديانة، مثل: دفع المال إلى المغنين واللّعابين، وشراء الحمام الطيّارة بالثَّمن الغالي (وَفِسْقٍ) إذا كان الفاسق مصلِحاً لماله، وحَجَر عليه الشافعي، (وَدَيْنٍ) بفتح الدّالِ، لأنه حرٌّ مخاطَبٌ، فكان مطلق التصرُّف في ماله كالرشيد، كتزوّجه وطلاقه اتفاقاً. (وَحُجِرَ) عنده (مُفْتٍ مَاجِنٌ) وفُسِّرَ بالذي يُعَلّم الناس الحِيَل (وَطَبِيبٌ جَاهِلٌ، وَمُكَارٍ مُفْلِسٌ) وهو الذي يُكَاري على دابة للسفر ويأخذ الكراء ولا دابة له. وإنما رأى أبو حنيفة الحَجْر على هؤلاء دفعاً لضررهم عن الناس. ولا يحجُر القاضي على المديون الذي خِيفَ منه إتلاف ماله بطريق الإقرار عند أبي حنيفة وإن طلب غرماؤه الحَجْر عليه، لأن فيه إهدار أقواله وإلحاقه بالبهائهم، فلا يجوز لدفع ضررٍ خاصٍ، بل يحبسه كما سيأتي. ويحْجر عند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد بالدين إذا طلب الغرماء من القاضي الحَجْر عليه، فيمنعه من البيع والتصرّف والإقرار نظراً للغرماء كيلا يضرّ بهم، ولِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن كعب

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن مالك، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ حَجَر على مُعَاذ ماله في دين كان عليه. وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان مُعَاذ شاباً سخيّاً، وكان لا يمسك شيئاً. فلم يزل يداين حتّى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبيّ ﷺ فكلَّموه، فباع ﷺ ماله حتّى قام مُعَاذ بغير شيءٍ. ولِقَوْل عمر بن الخطَّاب: «أيها الناس إياكم والدَّيْن، فإن أوله همٌّ وآخره حزنٌ. وإن أُسَيْفع جُهَيْنة قد رضي من دِينه وأمانته أن يُقَال: سَبَقَ الحاجَّ فادَّانَ مُعْرِضاً (١) فأصبح قد رِينَ به، إلاّ أني بائعٌ عليه ماله وقاسمٌ ثمنه بين غرمائه بالحصص، فمن كان له عليه دين فَلْيَغْدُ». فلم يُنْكِر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقاً منهم على أنه يُبَاع على المديون ماله. وقوله فادَّانَ مُعْرِضاً: أي استدان مُعْرِضاً: وهو الذي يعترض (٢) الناس فيستدين ما وجد، ممّن وَجَد، مهما أمكنه، ولا يبالي ممّن تبعه. وقوله: رِيْنَ: أي غلب، يُقَال: رِين بالرجل رَيناً: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) . وأبو حنيفة استدلّ بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) ، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارةٍ عن تراضٍ. وقال ﷺ : «لا يحلّ مال امراءٍ مسلمِ إلا بطيب (نفسٍ منه» (٥) . و) (٦) نفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا الظاهر. والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق. ولو جاز له بيع ماله لم يشتغل بحبسه، لِمَا فيه من الإضرار به وبالغرماء من تأخير وصول حقّهم إليهم. وتأَوَّل حديث مُعَاذ: أن النبي ﷺ باع ماله بسؤاله، لأنه لم يكن في ماله وفاء (بِدَين) (٧) ، كقصة جابر في غرمائه (٨) . وهذا لأنه عندهم يأمره القاضي أولاً ببيع ماله، فإذا امتنع منه يبيعه. ولا يظن

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أنه كان يأبى أمر رسول الله ﷺ إياه ببيع ماله حتّى يحتاج أن يبيعه عليه بغير ضاه. والمشهور في حديث أَسَيْفع أن عمر قال: إني قاسمٌ ماله بين غرمائه. فيُحْمَل على أنه كان من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه. ألا ترى أن القاضي لا يبيعه عندهم إلاّ عند طلب الغرماء، ولم يُنْقَل أنهم طالبوه بذلك، وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك وأمرهم أن يغدوا إليه، فدلّ أن ذلك كان برضاه. ويُحْجَر عندهم أيضاً بالسَّفَه، لأن النظر للسفيه واجبٌ حقّاً لإسلامه. ولو حجر عليه القاضي فرُفِعَ ذلك إلى قاضٍ آخر فرفع الحَجْر عنه جاز، لأن الحَجْر من الأول ليس بقضاءٍ بل فتوى، لأن القضاء لقطع الخصومة بين المتخاصمين بالقضاء لأحدهما على الآخر، ولم يوجد ذلك. وحَجَر محمد على السَّفِيه بمجرد حدوث سَفَهه، اعتباراً بالصِّبا بلا توقّفٍ على حجر القاضي، ووافقه أبو يوسف عليه واعتبره بالمديون، فلو باع شيئاً قبل حجر القاضي نفذ عنده. والأصل لهما، قوله تعالى: ﴿فَإنْ كَان الّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (١) فهذا تنصيصٌ على إثبات الولاية على السفيه، ولا يكون ذلك إلاّ بعد الحجر عليه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى أن قال ﴿واكْسُوهُم﴾ (٢) ، وهذا تنصيصٌ على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له. وقصة حِبَّان بن مُنْقِذ الأنصاري وغُبْنِةِ في البيّاعات، وسؤال أهله النبيّ ﷺ أن يحجر عليه، فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعاً، لَمَا سأل أهلُه النبيَّ ﷺ فيه. وقد طلب (عليّ) (٣) من عثمان الحجر على عبد الله بن جعفر لمّا اشترى دار الضيافة بمئة ألفٍ، وخوف عبد الله من ذلك والتجاؤه إلى الزُّبَيْر، وشراء الزُّبَيْر منه نصفها بخمسين ألفاً احتيالاً منه لدفع الحجر (عنه) (٤) ، واعتذار عثمان بقوله: كيف أحجر على رجلٍ شريكه الزُّبَيْر؟. وإنما قال ذلك لأن الزُّبَيْر كان معروفاً بالكيَاسة في التجارة، فاستدل برغبته (في الشركة) (٥) على أنه لا غبن في تصرّفه.

стр. 1718

وَإِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ حتى يَبْلُغ خمسًا وعِشْرِينَ سنةً، وصحَّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَهُ، وَبَعْدَهُ يُسَلَّمُ بِلَا رُشْدٍ. === فهذا اتفاقٌ منهم على جواز الحَجْر بسبب التبذير. والمعنى فيه أنه مبذّرٌ في ماله، فيكون محجوراً عليه في أفعاله كالصبيّ بل أولى، لأنه إنما حجر عليه لتوهم التبذير منه وقد تحقّق هنا، فلأن يكون محجوراً عليه أولى. وإنما جاز تزوّجه وطلاقه وإعتاقه بدون إجازة القاضي، لأن كلّ كلام لا يؤثِّر الهزل فيه لا يؤثر السَّفَه فيه، لكن يبطل ما زاد على مهر المثل. هذا. ويدفع القاضي إليه زكاة ماله، ويصرفها هو بحضرة أمينه لئلاّ يصرفها في غير مصارفها. وينفق عليه القاضي أو أمينه، لأنه لا حاجة فيها إلى نية، كذا على من يلزمه نفقته من ماله، لأن السَّفَه لا يبطل حقوق الناس، ولا يمنعه من حجة الإسلام، لأن الحجّ فرضٌ عليه إذا كان مستطيعاً، والسفيه كالمصلح في الفرائض، ولا مِنْ عمرةٍ واحدةٍ استحساناً، لأنه قيل بفرضيتها، فلا يمنع عنها احتياطاً، وتنفذ وصاياه في القُرَب من الثلث. (وَإِذَا بَلَغَ) الصبيّ (غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ) عند أبي حنيفة (حتى يَبْلُغ خمساً وعشرين سنةً، وصحَّ) عنده (تَصَرُّفُهُ) أي الذي بلغ رشيداً (قَبْلَهُ) أي قبل خمسٍ وعشرين سنةً (وَبَعْدَهُ) أي بعد الخمس والعشرين سنةً (يُسَلَّمُ) إليه ماله (بِلَا رُشْدٍ)، وعندهما وهو قول مالك والشافعي وأحمد: لا يُسَلَّم إليه ماله، ولا يجوز تصرّفه فيه حتى يُؤنس رشده، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أمْوَالَكُمُ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمُ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢) فإنه تعالى نهى عن الدفع إليه ما دام سفيهاً، وأمر بالدفع إليه إن وُجِدَ رشيداً، فلا يجوز الدفع إليه قبل الرشد. لأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوالَهُمْ﴾ (٣) والمراد بعد البلوغ، وسُمُّوا يتامى لقربهم من اليُتْم. فهو تنصيصٌ على (وجوب) (٤) دفع المال بعد البلوغ، إلاّ أنه يمنع عنه ماله قبل هذه المدّة بالإجماع، ولا إِجماع هنا فيجب دفع المال بالنّص. ولأن أول أحوالِ البلوغ قد لا يفارقه السَفَه باعتبار أثر الصبا، فقدّرناه بخمسٍ وعشرين سنةً، لأنه وقتٌ يُتَصَوَّرُ أن يصير فيه جَدَّاً: بأن يبلغ اثني عشر سنةً، ويولد له لستة أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشر سنةً ويولد له لستة أشهر. والمراد من الآية الأولى أموالنا لا أموالهم، والآية

стр. 1719

وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ لِدَيْنِهِ، وَقَضَى دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَدَنَانِيرَهُ مِنْ دَنَانِيرِهِ، وَبَاعَ لِقَضَاءِ الآخَرِ، === الثانية مشتملة على التعليق بالشرط، وهو لا يوجب العدم عند عدم الشرط عندنا، على أن الشرط ـ رشد ـ نكرة. (فإذا) (١) صار الشرط في حكم الوجود بوجهٍ يوجب جزاءه. وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السَفَه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتدّ الزمان فظهرت الخبرة والتجربة (٢) لم يبق أثرُهُ وحدث ضَرْب من الرشد لا محالة، لأنه حالَ (كمالِ) (٣) لُبّه، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: ينتهي لبّ الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً. (وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ) عند أبي حنيفة كغيره (لِدَيْنِهِ) أي ليقضي المديون ما عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإِنَّما يحبسه دفعاً لظّلمه بمطله (٤) . ولا يكون هذا الحبس إكراهاً على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي طريقٍ شاء في حقّه. (وَقَضَى) أي وَفَّى القاضي بلا أمر المديون (دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) أي دراهم المديون (وَ) قضى (دَنَانِيرَهُ) أي دنانير دين المديون (مِنْ دَنَانِيرِهِ) أي دنانير المديون، لأن الدائن لمّا كان له أن يأخذ دينه إذا ظفِر بجنس حقّه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا الفعل منه إعانةً للدائن على أخذ حقّه. (وَبَاعَ) القاضي كُلاًّ من الدَّراهم والدنانير (لِقَضَاءِ الآخَرِ) فيبيع الدَّراهم لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسانٌ، والقياس أن لا يبيع كالعُروض. ووجه الاستحسان: أنّ الدَّراهم والدنانير متَّحدان في الثمنية والمالية ـ ولذا يضمّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة ـ مختلفان في الصورة حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ وحكماً، لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية التصرُّف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملاً بالشبهين. ويُقْسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، ويُنفَق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته وأولاده الصغار وذوي الأرحام ممّا في يده، لأن حاجته الأصلية مقدّمة على حقّ الغرماء، ويُتْرَك له من ثياب بدنه دَسْت (٥) ، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد،

стр. 1720

لَا عَرْضَه وَلَا عَقَارَهُ. وَمَنْ أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرْضٌ شَرَاهُ، فَبَائِعُهُ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ. وَبُلُوغُ الغَلَام: بالاحْتِلامِ، والإِحْبَالِ، والإنْزَالِ، وَالجَارِيَةِ: بالاحْتِلام، والحَيْض، والإنْزَالِ، والحَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ، === وهو مختار الحَلْوَاني. وقيل: يُتْرَك له دَسْتان لئلا يقعد في بيته مَلُوماً مَحْسُوراً إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لَا عَرْضَه) (١) بسكون الراء (وَلَا عَقَارَهُ) أي لا يبيع القاضي عَرْض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأَن البيع لا بدّ فيه من الرِّضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك. (وَمَنْ أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرْضٌ شَرَاهُ فَبَائِعُهُ أسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) أراد من كون العَرْض معه أنه قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمّن أفلس قبل قبض عرْضٍ شراه، فإن بائعه لا يكون أسوةً للغرماء، بل له أن يحبس العرْض حتّى يقبض الثمن، وعمّن أفلس بعد قبض العرْض بغير إذن بائعه، فإن لبائعه أن يستردّه ويحبسه بالثمن. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: بائع العرض أحقّ به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحقّ به عند الشافعيّ فقط، لِمَا في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَة أنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أدرك مالَه بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره». وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السَفَه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتدّ الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثرُهُ وحدث ضَرْب من الرشد لا محالة، لأنه حالَ (كمالِ) لُبّه، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: ينتهي لبّ الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً. (وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ) عند أبي حنيفة كغيره (لِدَيْنِهِ) أي ليقضي المديون ما عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإِنَّما يحبسه دفعاً لظّلمه بمطله. ولا يكون هذا الحبس إكراهاً على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي طريقٍ شاء في حقّه. (وَقَضَى) أي وَفَّى القاضي بلا أمر المديون (دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) أي دراهم المديون (وَ) قضى (دَنَانِيرَهُ) أي دنانير دين المديون (مِنْ دَنَانِيرِهِ) أي دنانير المديون، لأن الدائن لمّا كان له أن يأخذ دينه إذا ظفِر بجنس حقّه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا الفعل منه إعانةً للدائن على أخذ حقّه. (وَبَاعَ) القاضي كُلاًّ من الدَّراهم والدنانير (لِقَضَاءِ الآخَرِ) فيبيع الدَّراهم لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسانٌ، والقياس أن لا يبيع كالعُروض. ووجه الاستحسان: أنّ الدَّراهم والدنانير متَّحدان في الثمنية والمالية ـ ولذا يضمّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة ـ مختلفان في الصورة حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ وحكماً، لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية التصرُّف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملاً بالشبهين. ويُقْسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، ويُنفَق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته وأولاده الصغار وذوي الأرحام ممّا في يده، لأن حاجته الأصلية مقدّمة على حقّ الغرماء، ويُتْرَك له من ثياب بدنه دَسْت، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد، وهو مختار الحَلْوَاني. وقيل: يُتْرَك له دَسْتان لئلا يقعد في بيته مَلُوماً مَحْسُوراً إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لَا عَرْضَه) بسكون الراء (وَلَا عَقَارَهُ) أي لا يبيع القاضي عَرْض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأَن البيع لا بدّ فيه من الرِّضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك. (وَمَنْ أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرْضٌ شَرَاهُ فَبَائِعُهُ أسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) أراد من كون العَرْض معه أنه قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمّن أفلس قبل قبض عرْضٍ شراه، فإن بائعه لا يكون أسوةً للغرماء، بل له أن يحبس العرْض حتّى يقبض الثمن، وعمّن أفلس بعد قبض العرْض بغير إذن بائعه، فإن لبائعه أن يستردّه ويحبسه بالثمن. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: بائع العرض أحقّ به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحقّ به عند الشافعيّ فقط، لِمَا في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَة أنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أدرك مالَه بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره». ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ﴾ (٢) ، وذلك إن المشتري إذا أفلس استحقّ بهذا النصِّ النَّظِرة إلى الميسرة، فليس للبائع أن يطالبه قبلها، ولا فسخ بدون المطالبة بالثمن. والحديث محمولٌ على المغصوبات، والودائع، والرَّهن، والعوارِي، والإجارات. (وَبُلُوغُ الغُلَام: بالاحْتِلامِ، والإِحْبَالِ، والإنْزَالِ، وَ) وبلوغ (الجَارِيَةِ: بالاحْتِلام، والحَيْض، والإنْزَالِ، (والحَبَلِ) (٣) ) والأصل هو الإنزال لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الحُلُمَ﴾ (٤) ولكون الحَبَل والإحْبَال لا يكونان إلاّ مع الإنزال، وكذا الحيض لا يكون عادةً إلاّ في وقت الحَبَل، والحَبَل لا يكون إلاّ من الإنزال، وهذا لأن البلوغ عبارة عن بلوغ الإنسان كمال الأحوال. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ) مِنْ ذلك فحتّى يتمّ له ثماني عشرة سنةً، وقيل: تسع عشرة سنة. ويتمّ لها سبع عشرة، وهذا عند أبي حنيفة،
следующие страницы →