وَيُقَادُ عَبْدٌ أَقَرَّ بِقَوَدٍ. وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًاً، فَنَفَذَ، فَمَاتَا يُقْتَصُّ للأَوَّلِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ لِلثَّانِي.
وَمَنْ قُطِعَ فَعَفَا عَنْ قَطْعِهِ، فَمَاتَ مِنْهُ ضَمِنَ قَاطِعُهُ دِيَتَهُ
===
التقى السِّكينان لا يجب القصاص اتفاقاً.
(وَيُقَادُ عَبْدٌ) أي ويُقتصّ من عبدٍ (أَقَرَّ بِقَوَدٍ) أي بقتلٍ عمدٍ، سواء كان مأذوناً له أو محجوراً عليه، وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد. وقال زُفَر: لا يقاد منه، لأن إقراره يؤدي إلى إبطال حقّ مولاه، فلا يصحّ كما لو أقرّ بالخطأ أو بالمال.
ولنا: أنه غير متّهم في إقراره، لأنه مضرّ به فيصحّ، فإنّ العبد مُبْقىً على أصل الحرية في حقّ الدَّم، بخلاف إقراره بالقتل خطأ، لأن موجبه على السيد، وهو دفع العبد أو فداؤه، وبخلاف إقراره بالمال، لأنه إقرار على المولى بإبطال حقّه قصداً، لأن موجبه بيع العبد أو اسْتِسْعَاؤُه (١) .
(وَمَنْ رَمَى رَجُلاً عَمْداً فَنَفَذَ) السَّهم منه إلى آخر (فَمَاتَا يُقْتَصُّ) منه (للأَوَّلِ) لأنه عمد (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ (٢) الدِّيَةُ لِلثَّانِي) لأنه أحد نوعي الخطأ، وهو الخطأ في الفعل، والفعل الواحد يتعدَّد بتعدد أثره.
(وَمَنْ قُطِعَ) يده أو رجله أو غيرهما (فَعَفَا عَنْ قَطْعِهِ فَمَاتَ مِنْهُ) أي من القطع (ضَمِنَ قَاطِعُهُ دِيَتَهُ) في ماله كاملةً، لأنها صارت في النفس وسقط القود للشبهة، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. وعن مالك: يجب القَوَد، لأن الجناية صارت في النفس، ولم يَعْفُ عنها. وقال أبو يوسف ومحمد: هو عَفْوٌ عن النفس أيضاً حتّى إذا مات بعد العفو بالسِّراية لا يضمن، وعلى هذا الخلاف إذا عفا عن الشَّجَّة ثم سَرَتْ إلى النفس فمات، وهذا نقل الشُّمُنِّي.
وقال الطرابلسي: سِرَاية الطرف المستوفَى قصاصاً إلى النفس يوجب الدِّية على عاقلة المستوفي عند أبي حنيفة، وهما أَهْدَرَا الدِّية، كمالك والشافعيّ، كسِرَاية قطع الإمام يد السارق حداً إذا سَرَى إلى النفس ومات، وكالبَزَّاغ (٣) والحَجَّام والفَصَّاد (٤) والخَتَّان، وكما لو قال لآخر: اقطع يدي، فقطعها وسَرَى إلى النفس ومات، وهو
стр. 1647
وَلَوْ عَفَى عِنِ الجِنَايَةِ، فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ، فَالخَطَأُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَالعَمْدُ مِنْ كُلِّهِ.
وَالقَوَدُ يَثْبُتُ بَدْأً لِلوَرَثَةِ لَا إرْثًا، فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنِ البَقِيَّةِ. فَلَوْ أَقَامَ حُجَّةً بِقَتْلِ أَبِيهِ غَائِبًا أَخُوهُ، فَحَضَرَ، فَفِي العَمْدِ يُعِيدُهَا، وفي الخَطَأِ والدَّيْنِ لَا.
===
الأظهر، لأن السِّرَاية تبعٌ للجناية، فلم يَجُز أن يكون ابتداؤها مباحاً، وسرايتها مضمونة.
ولأبي حنيفة: أن حقّه في القطع، والموجود قتل، حتّى لو وقع ظلماً كان قتلاً، فلم يكن مستوفياً حقّه فيضمن، إلاّ أنه سقط القصاص للشبهة، فوجب الدِّية، بخلاف ما ذكروا من المسائل، لأنه يجب الفعل على الإمام وعلى غيره بالفعل. وإقامة الواجب لا يتقيّد بشرط السلامة كالرميّ إلى الحربيّ، لئلا يكون تكليف ما ليس في الوسع. وفي مسأَلتنا هو مخيّر بين الاستيفاء والعفو، بل العفو مندوبٌ إليه، فيتقيّد بشرط السلامة كالرمي إلى الصيد.
(وَلَوْ عَفَى عِنِ الجِنَايَةِ) أو عفى عن القطع وما يحدث منه (فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ) بلا خلافٍ (فَالخَطَأُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) أي إن كان القطع خطأ يعتبر من ثلث مال المقطوع لتعلق حقّ الوارث به (١) ، فإن كان في الدِّية فاضل من الثلث (٢) أخذه الوارث من القاطع. (وَالعَمْدُ) يعتبر (مِنْ كُلِّهِ) أي من كلّ ماله، فلا يضمن القاطع شيئاً، كذا في «الهداية» وغيرها، ولا يخفى أن الموجب هنا هو القود، وهو ليس بمالٍ، فلا وجه للقول بأنه من كلّ المال.
(وَالقَوَدُ يَثْبُتُ بَدْأً) أي ابتداءً (لِلوَرَثَةِ) عند أبي حنيفة (لَا إرْثاً) أي لا يثبت القود للورثة بطريق الإرث بأن يثبت للمُوَرِّث ابتداءً ثم يثبت للوارث، كما هو مذهب أبي يوسف ومحمد (فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمْ) أي أحد الورثة عند أبي حنيفة (خَصْماً عَنِ البَقِيَّةِ) بغير وكالة.
اعلم أن كلّ ما يملكه الورثة بطريق الإرث، فأحدهم خصم عن الباقين، حتّى لو ادّعى أحد الورثة شيئاً من التركة على أحدٍ وأقام البيِّنة عليه ثبت حقّ الجميع، ولا يحتاج الباقون إلى تجديد الدَّعوى. وكل ما يملكه الورثة لا بطريق الوراثة، لا يصير أحدهم خصماً عن الباقين، ففرَّع على هذا قوله: (فَلَوْ أَقَامَ) شخصٌ (حُجَّةً) أي بيِّنة (بِقَتْلِ أَبِيهِ) حال كونه (غَائِباً أَخُوهُ فَحَضَرَ) الغائب (فَفِي العَمْدِ يُعِيدُهَا) أي يعيد الغائب الحُجَّة عن أبي حنيفة (وفي الخَطَأِ والدَّيْنِ لَا) يعيدها
стр. 1648
وَالعِبْرَةُ بِحَالِ الرَّمْي لا الوُصُولِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ فَوَصَلَ.
===
باتفاقٍ، لأن الخطأ والدَّيْن موجبهما المال، وطريق ثبوت الميراث.
ثمّ اعلم أنّ العلماء أجمعوا على قبول بيّنة الحاضر، وعلى أنه لا يُقْضى بالقَوَد ما لم يحضر الغائب، لأن المقصود بالقضاء الاستيفاء، والحاضر لا يتمكّن منه إجماعاً، وعلى أن القاتل يُحْبَسُ لأنه صار متَّهماً بالقتل، والمتَّهم يُحْبَسُ. واختلفوا في إعادة البيّنة إذا حضر الغائب، فعند أبي حنيفة يكلّف الغائب بالإعادة، وعندهما لا يكلّف، وهو قياس قول مالك والشافعي وأحمد.
(وَالعِبْرَةُ بِحَالِ الرَّمي) أي بحال المَرْمِي في العصمة وعدمها، والحلّ وعدمه وقت الرمي عند أبي حنيفة (لا) بحال (الوُصُولِ) كما هو قولهما. (فَتَجِبُ الدِّيَةُ) عند أبي حنيفة (عَلَى مَنْ رَمَى مُسْلِماً فَارْتَدَّ) المَرْمِي إليه والعياذ بالله (فَوَصَلَ) إليه السهم فقتله. وقالا: لا شيء عليه، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد، لأن التلف حصل في محلَ لا عصمة فيه فيكون هَدْراً.
ويردّ شهادة اثنين اختلفا في مكان القتل أو زمانه أو فيما حصل به القتل من الآلة، أو قال أحدهما: قتله بِعَصاً، وقال الآخر: لم أدرِ بما إذا قتل، أو قال أحدهما: قتله بسلاحٍ، وقال الآخر: بعصاً. وإن شهدا بِقَتْله، وقالا: لم ندرِ بما إذا قُتِل من الآلة، تجب الدية استحساناً في ماله.
يصحّ الصلح عن القتل العمد على أكثر من الدِّية، لأنه افتداء لنفسه، ويكون المال حالاًّ (١) لالتزامه إيّاه بعقد الصلح، إلاّ أن يؤجله الوليّ إلى أجلٍ معلومٍ، لأن الحقّ له، فله تأجيله كسائر الديون المؤجَّلة.
стр. 1649
كِتَابُ الدِّيَاتِ
الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الفِضَّةِ: عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الإِبِلِ: مِئَةٌ.
===
كتاب الدِّيَاتِ
(الدِّيَةُ) لغةً: مصدر وَدَى القاتلُ المقتولَ، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال تسميةً بالمصدر، والتاء في آخره عوض عن الواو في أوله كالعِدَة. وهي ثابتة بالكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ (١) . وبالسنة: وهي أحاديث كثيرة، وبإجماع أهل العلم على وجوبها في الجملة. (مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَمِنَ الفِضَّةِ عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ وَمِنَ الإِبِلِ مِئَةٌ) وقال الشّافعي: من الوَرِق اثنا عشر ألفاً، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق لِمَا أخرج أصحاب السنن الأربعة عن محمدبن مسلم، عن عمرو بن دِينَار، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أنّ رجلاً من بني عَدِيّ قُتِلَ فجعل النبيّ ﷺ ديته اثنا عشر ألفاً. قال الترمذي: لا نعلم أحداً يذكر في هذا الإسناد ابن عباس غير محمد بن مسلم. وصحَّح النَّسائي وغيره إرساله على إسناده.
ولنا: وهو قول الثوري وأبي ثور من أصحاب الشّافعيّ، ما روى البَيْهَقِي من طريق الشافعيّ قال: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن عمر ﵁ أنه فرض على أهل الذهب في الدِّية ألف دينارٍ، ومن الوَرِق عشرة آلاف درهمٍ: حدّثنا بذلك أبو حنيفة، عن الهيثم، عن الشّعبيّ عن عمر قال: وقال أهل المدينة: فرض عمر على أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهمٍ. قال محمد بن الحسن: صدقوا، ولكنّه فرضها اثني عشر ألفاً وزن ستة، فذلك عشرة آلاف. وقال محمد بن الحسن: وأخبرني الثَّوْرِيّ، عن مُغِيرة الضبّيّ، عن إبراهيم قال: كانت الدِّية الإبل، فجعلت الإبل كلّ بعيرٍ بمئةٍ وعشرين درهماً وزن ستة، فذلك عشرة آلاف درهم.
وقيل لشَرِيك: إن رجلاً من المسلمين عاين رجلاً من العدو فضربه، فأصاب رجلاً منّا فسَلَتَ وجهه حتى وقع ذلك على حاجبيه وأنفه ولحيته وصدره، فقضى فيه عثمان بالدِّية اثني عشر ألفاً، وكانت الدَّراهم يومئذٍ وزن ستة. وفي «التجريد» للقُدُورِي: لا خلاف أنّ الدِّية ألف دينارٍ، وكل دينارٍ عشرة دراهم، ولهذا جُعِلَ نصاب الذهب عشرين ديناراً، ونصاب الوَرِق مئتي درهمٍ.
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعلم أن العلماء اختلفوا في الأصل في الدِّية، فقال الشّافعيّ، وأحمد في روايةٍ، وابن المُنْذِر: الإبل فقط، فتجب قيمتها بالغة ما بلغت لِمَا أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن القطَّان في كتابه، وابن حِبّان في «صحيحه» من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها. ورواه النَّسائي وابن ماجه من حديث عبد الله ابن عمر، ولأنه ﷺ فرّق بين دية شبه العمد ودية الخطأ، فغلّظ بعضها وخفّف بعضها، ولا يتحقق ذلك في غير الإبل. ولأن الإبل مُجْمَعٌ عليه، وما عداه مُخْتَلَفٌ فيه، فيؤخذ بالمتيقَّن.
وقال أبو حنيفة: الإبل والذهب والفضة، وهو قول أحمد، والشافعي في القديم. ومقتضى قول المالكية إن كان القاتل من أهل البوادي والعَمود (١) فمئةٌ من الإبل، وإن كان من أهل الذهب كأهل الشام ومصر والمغرب فألف دينارٍ، وإن كان من أهل الوَرِق، كأهل خُرَاسَان، والعراق، وفارس فاثني عشر ألف درهمٍ. وقال أبو يوسف ومحمد، وأحمد في روايةٍ، وهو رواية عن أبي حنيفة: الإبل والذهب والفضة والبقر مئتا بقرة، قيمة كل بقرة خمسون درهماً، والغنم ألفا شاة، (كلّ شاةٍ خمسة دراهم) (٢) ، والحُلَل مئتا حُلَّة (قيمة كلّ حُلَّةٍ خمسون درهماً)، وهي ثوبان: إزارٌ ورداءٌ، لما روى أبو داود عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه قال: كانت قيمة الدِّية على عهد رسول الله ﷺ ثمان مئة دينارٍ، أو ثمانية آلاف درهمٍ، ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصف من دية المسلمين.
وقال: فكان ذلك حتى اسْتُخْلِفَ عمر فقام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينارٍ، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة. قال: وترك دية أهل الذِّمة لم يرفعها.
ولما في «آثار محمد بن الحسن» قال: أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم (٣) ، عن الشّعبيّ، عن عُبَيْدَة السلماني (٤) : قال وضع عمر الدِّيَات على أهل الذهب ألف دينارٍ،
стр. 1651
وَهَذِهِ في شِبْهِ العَمْدِ أَرْبَاعٌ: مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، ولَبُون، ومِنْ حِقَّةٍ، ومِنْ جَذَعَةٍ،
===
وعلى أهل الوَرِق عشرة آلاف درهمٍ، وعلى أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة مُسِنَّة (١) ، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة. ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: حدّثنا وكيع: حدثنا ابن أبي ليلى، عن الشَّعْبِي، عن أبي عُبَيْدَة: به. وفي «سنن أبي داود» عن محمد بن إسحاق قال: ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: فرض رسول الله ﷺ في الدِّية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة، وعلى أهل الطعام شيئاً لم يحفظه ابن إسحاق. فإن قيل: الإبل مجهولةٌ ماليَّتُها، والدِّية مقدّرةٌ بها. أُجِيبَ: بأن التقدير بها ثبت بالآثار المشهورة، ثم فائدة الخلاف تظهر في اختيار القاتل، فعند أبي حنيفة له الخيار من الأنواع الثلاثة فقط، وعندهما من الستة.
(وَهَذِهِ) أي المئة من الإبل (في شِبْهِ العَمْدِ أَرْبَاعٌ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف: رُبْعٌ (مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ (٢) و) ربعٌ من بنت (لَبُون (٣) و) ربعٌ (مِنْ حِقَّةٍ (٤) و) ربعٌ (مِنْ جَذَعَةٍ (٥) ) وقد سبق تفسيرها في باب الزكاة، وبهذا قال مالك، وأحمد في روايةٍ، والزُّهْرِيّ وربيعة وسليمان بن يَسَار. وقال محمد والشّافعيّ وأحمد في روايةٍ أخرى: أثلاثاً: ثلاثون جَذَعة، وثلاثون حِقَّة، وأربعون ثنيَّة كلها خَلِفات، أي جميع الثَّنيَّات حوامل. الثنية: هي الطاعنة في السادسة لما تقدّم. ولما أخرجه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قَتَل متعمداً دُفِعَ إلى أولياء المقتول، فإن شاؤا قتلوا، وإن شاؤا أخذوا الدِّية: وهي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة، وما صالحوا عليه فهو لهم».
وروى مالك في «الموطّأ» عن عمرو بن شُعَيْب: أنّ رجلاً حَذَف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ عمر منه الدّية ثلاثين حِقَّة، وثلاثين جَذَعة، وأربعين خَلِفة. وروى أبو داود عن مُجَاهد: أن عمر ﵁ قضى في شبه العمد: بثلاثين حِقَّة، وثلاثين
стр. 1652
وَهِي المُغَلَّظَةُ.
===
جَذَعة، وأربعين (خَلِفة) (١) ما بين ثنيَّة (٢) إلى بَازِل (٣) عامها، كلّها خَلِفات. ورواه عن عليّ (أنه قال: في شبه العمد) (٤) أثلاث: ثلاث وثلاثون حِقّة، وثلاث وثلاثون جَذَعة، وأربع وثلاثون ثَنِيّة إلى بازل عامها، كلها خَلِفات. ولنا ما أخرجه أبو داود وسكت عنه، ثم المُنْذِري بعده، عن عَلْقَمة والأسود قالا: قال عبد الله: في شبه العمد: خمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون جَذَعة، وخمس وعشرون بنات لَبُون، وخمس وعشرون بنات مَخَاض. وهذا وإن كان موقوفاً، إلاّ أنه في حكم المرفوع، لأن المقادير لا تُعْرَف بالرأي.
وما أخرجه ابن حِبّان في «صحيحه» في كتابه ﷺ إلى عمرو بن حَزْم: «أن في نفس المؤمن مئة من الإبل». والمراد أدنى ما يكون منه، وما قلناه أولى. ولأن دِيَة شبه العمد أغلظ من دِيَة الخطأ المحض، وذلك فيما قلنا، لأنها في الخطأ المحض تجب أخماساً، ولأن الجنين كالمُنْفَصِل من وجهٍ، فيكون في معنى الزيادة على المئة، وهي لا تجوز. ولأن الدِّيات تعتبر بالصدقات، لأنها تجب على العاقلة بطريق الصلة للقاتل كالصدقات، والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات، لأنها كرائم أموال الناس، فكذا في الدِّيات.
(وَهِي) أي دية الإبل (المُغَلَّظَةُ) لا غيرها بالإجماع، حتّى لو قضى القاضي بتغليظ الدّية من غير الإبل لم تتغلّظ ولم ينفذ قضاؤه، لأن التقديرات لا تُعْرَف إلاّ بالسمع، ولم يرد التغليظ من الشارع إلاّ في الإبل. ثم دية شبه العمد على العاقلة عندنا، وعند الشَّافعيّ وأحمد والثوري وإسحاق والنَّخَعِي والحكم وحمّاد والشعبي. وقال ابن سِيرِين وابن شُبْرُمة وأبو ثور وقتادة والزُّهْرِي والحارث العِكْلي وأحمد في رواية: في مال القاتل، وهو قول مالك، لأنّ شبه العمد عنده من باب العمد. لهم أنها
стр. 1653
وفي الخَطَأِ أَخْمَاسٌ: مِنْهَا وَمِنِ ابْنِ مَخَاضٍ، وَكَفَّارَتُهُمَا عِتْقُ مُؤْمِنٍ. فإنْ عَجَزَ صَامَ شَهْرَيْنِ وِلَاءً.
===
موجب فعل قصده، فلم تتحمله العاقلة كالعمد المحض، ولأنها دية مغلَّظة فأشبهت دية العمد. ولنا ما روى أبو هُرَيرة قال: اقتتلت امرأتان من هُذَيْل فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدِيَة المرأة على عاقلتها. وهو حديثٌ متفقٌ عليه. ولأنه قتلٌ لا يوجب القصاص، فوجب ديته على العاقلة كالخطأ.
(وفي الخَطَأِ) أي ودية الإبل في الخطأ (أَخْمَاسٌ مِنْهَا) أي من الأنواع الأربعة المتقدّمة (وَمِنْ ابْنِ مَخَاضٍ) بأن يكون عشرين ابن مَخَاض، وعشرين بنت لَبُون، وعشرين حِقَّة، وعشرين جَذَعة. وقال مالك والشافعي واللَّيث وربيعة: مكان عشرين ابن مخاض: عشرين ابن لَبُون، لما في الكتب الستة من حديث سَهْل بن أبي خَيْثَمَة في الذي وَدَاه النبيّ ﷺ بمئة من إبل الصدقات، وبنو المخاض لا مدخل لها في الصدقات.
ولنا: ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «في دية الخطأ: عشرون حِقّة، وعشرون جَذَعَة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكور». قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من هذا الوجه، وقد رُوِيَ عن عبد الله موقوفاً. وأجاب أصحابنا عن الذي وداه النبيّ ﷺ من إبل الصدقة: بأَنه ﷺ تبرّع بذلك، ولم يجعله حكماً. وقال النووي في «شرح مسلم»: المختار ما قاله جمهور أصحابنا وغيرهم من أن معناه: أنه ﷺ اشتراها من أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرّعاً منه إلى القتيل. انتهى. وقيل: لا حجّة فيه، لأنهم لم يدَّعوا على أهل خيبر إلاّ قَتْلَه عمداً فيكون ديته دية العمد وهي من أسنان الصدقة، وإنما الخلاف في الخطأ.
(وَكَفَّارَتُهُمَا) أي شبه العمد والخطأ (عِتْقُ مُؤْمِنٍ، فإنْ عَجَزَ صَامَ شَهْرَيْنِ وِلَاءً) أي متتابعين لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١) الآية. وإن كانت في الخطأ، إلاّ أنَّ شبه العمد خطأ في حقّ القتل، وإن كان عمداً في حقّ الضرب فتتناولهما الآية. ولا يجزاء في كفّارة القتل الإطعام، وقال الشافعي في قولٍ وأحمد في روايةٍ: إن لم يقدر على الصيام يجب إطعام ستين مسكيناً، لأنها
стр. 1654
"وَصَحَّ رَضِيعٌ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ لا الجَنِينُ.
وَلِلْمَرْأَةِ نِصْفُ مَا لِلْرَّجُلِ في النَّفْسِ وَمَا دُونِهَا
===
كفارةٌ فيها عتقٌ وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها إطعام ستين مسكيناً عند عدمها، ككفارة الظهار والفطر في رمضان. ولنا: أن المقادير لا تُعْرَف إلاّ بالنصّ، ولم يرد في الإطعام شيءٌ. (وَصَحَّ) في عِتْق الكفارة (رَضِيعٌ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ) لأنه مسلمٌ تبعاً، والظاهر سلامة أطرافه (لا الجَنِينُ) أي لا يصحّ في عتق الكفّارة الحمل، لأنه لم تُعْلَم حياته ولا سلامة أطرافه.
(وَ) الدِّية (لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ مَا لِلْرَّجُلِ في النَّفْسِ وَمَا دُونهَا) وهو ظاهر مذهب الشافعي، ومختار ابن المُنْذِر، وبه قال الثَّوْرِي واللَّيْث وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة وابن سِيرِين، لِمَا أخرجه البيهقي عن مُعَاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «دِيَة المرأة على النّصف من دِيَة الرجل». وما أخرجه إبراهيم، عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: عَقْل المرأة على النّصف من عَقْل الرَّجل في النَّفس، وفيما دونها. وروى الشافعي في «مسنده» عن ابن شِهَاب، عن مَكْحُولٍ وعطاء قالوا: أدركنا النّاس على أن دِيَة الحرّ المسلم على عهد النبيّ ﷺ مئة من الإبل، فقوّم عمر تلك الدِّية على أهل القرى ألف دينارٍ أو اثني عشر ألف درهمٍ، ودية الحرّة المسلمة (١) إذا كانت من أهل القرى خمس مئة دينارٍ، أو ستة آلاف درهمٍ، وإن كان الذي أصابها من الأعراب، فديتها خمسون من الإبل.
وقال الشافعي في القديم: ما دون الثلث لا يتنصَّف، وكذا الثلث، وبه قال مالك وأحمد، وهو قول الفقهاء السبعة وابن المُسَيَّب وعمر بن عبد العزيز وعُرْوة بن الزُّبَيْر والزُّهْرِيِ وقتادة والأعرج وربيعة، وروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت، لِمَا روى النَّسائي في «سننه» عن عيسى بن يونس الرَّمْلي، عن ضَمْرة، عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن ابن جُرَيْج، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله ﷺ قال: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ العقل الثُّلُث من ديتها». وأخرج البَيْهَقِي عن الشَّعْبِيّ، عن زيد بن ثابت قال: جراحات الرِّجال والنِّساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف.
وأخرج أيضاً عن ربيعة أنه سأل ابن المُسَيَّب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة. قال: كم في اثنين؟ قال: عشرون قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: كم
стр. 1655
وَالذِّمِيُّ كَالمُسْلِمِ
===
في أربع؟ قال: عشرون. فقال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ قال: أعراقيٌّ أنت؟ قال ربيعة: عالمٌ متثبتٌ أو جاهلٌ متعلّمٌ. قال: يا ابن أخي. إنها السُّنَّة. وأُجِيبَ عن الأَوَّل: بأن إسماعيل بن عيّاش عن الحجازيين ضعيفٌ، وابن جُرَيْج حجازي. وعن الثانيّ: بأنه منقطعٌ. وعن الثالث: بأن الشّافعيّ قال في آخره: كنّا نقول به، ثم رجعت عنه. فأنا أسأل الله الخِيَرة، لأنا نجد من يقول السنة، ثم لا نجد نفاذاً بها عن النبي ﷺ ، والقياس أَوْلَى بنا فيها.
(وَالذِّمِيُّ كَالْمُسْلِمِ) أي ودية الذِّميّ كدية المسلم. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وهو قول أحمد: وقال مالك: دِيَة اليهودي والنصراني نصف دِيَة المسلم، لِمَا أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه. واللفظ لأبي داود أن النبي ﷺ قال: «دية المُعَاهد نصف دية الحرّ». ولفظ الترمذي: «دية عقل الكافر نصف عقل المسلم». وقال: حديثٌ حسنٌ. ولفظ النَّسائي: «عَقْل أهل الذِّمة نصف عَقْل المسلمين، وهم اليهود والنصارى». ولفظ ابن ماجه: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ عَقْل أهل الكتابين نصف عَقْل المسلمين، وهم اليهود والنصارى». وما أَخرجه الطَّبَرَانِيّ في «معجمه الأوسط» عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن دِيَة المُعَاهد نصف دِيَة المسلم».
وللشافعيّ: ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» في كتاب العقول عن ابن جُرَيْج عن عمرو بن شُعَيْب: أنّ رسول الله ﷺ فرض على كلّ مسلمٍ قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهمٍ. ورواية أبي داود عن عمرو بن شُعَيْب توفّق بين رواية عبد الرَّزَّاق، ورواية السنن عنه: وهي قوله: كانت قيمة الدِّيَة على عهد رسول الله ﷺ ثمان مئة دينارٍ، أو ثمانية (١) آلاف درهمٍ، ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصف من دية المسلمين. قال: وكان ذلك حتّى اسْتُخْلِفَ عمر فقام خطيباً فقال: ألا إنّ الإبل قد غَلَتْ. قال: فَفَرَضَها عمر ﵁ على أهل الذهب ألف دينارٍ، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مئتيّ بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاةٍ، وعلى أهل الحُلَل مئتيْ حُلَّة. قال: وترك دية أهل الذِّمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
وروى الشافعيّ في «مسنده» عن فُضَيْل بن عِيَاض، عن منصور، عن ثابت، عن
стр. 1656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سعيد بن المُسَيَّب، عن عمر بن الخطاب: أنه قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وفي المجوسي ثمان مئة درهمٍ. وروى أيضاً في «مسنده» عن ابن عُيَيْنَةَ، عن صدقة بن يَسَار، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قضى عثمان في دِيَة اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، ولأنّ نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تتنصَّف الدِيَة بالإجماع، فينبغي أن تكون بالكفر أنقص من النّصف، فتكون ثلث دية المسلم، وهي عند الشافعي اثني عشر أَلف درهم، ولأن الدية تنقص باعتبار الرِّقّ، وهو أثرٌ من آثار الكفر، فلأنْ ينقص باعتبار الكفر أوْلَى، ولأن عقد الذِّمة أدون من الإسلام، فينبغي أن لا يؤثر في حقن الدم مثل (١) الإسلام.
ولنا: ما أخرجه أبو داود في «مراسيله» عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قال رسول الله ﷺ : «دية كل ذي عهدٍ في عهده ألف دينارٍ». ووقفه الشَّافعي في «مسنده» على سعيد. فقال: أخبرنا محمد بن الحسن: أنبأنا محمد بن يزيد: أنبأنا سفيان بن حسين (عن الزُّهْرِيّ) (٢) ، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: دية كلّ معاهدٍ في عهده ألف دينارٍ. وما أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، عن أبي سَعْدٍ (٣) البَقَّال، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس أن النبيّ ﷺ وَدَى العَامرِيَّيْن بدِيَة المسلم، وكان لهما عهدٌ من رسول الله ﷺ . وأبو سَعْدٍ البَقَّال: اسمه سعيد بن المَرْزُبَانِ. قال الترمذي في «علله الكبير»: قال البخاري: هو مقارب الحديث.
وما أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ (في «سننه») (٤) عن أبي كُرْز قال: سمعت نافعاً، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ : أنه وَدَى ذمياً دية مسلم، إلاّ أنه قال: وأبو كُرْز هذا متروك الحديث، ولم يروه عن نافع غيره. وما رواه أيضاً عن عثمان بن عبد الرحمن الوَقَّاصي، عن الزُّهْرِيّ، عن عليّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسَامة بن زيد: أنّ رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم. وقال: عثمان الوَقَّاصي متروك. وما رواه محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا الهَيْثَم بن أبي الهَيْثَم:
стр. 1657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أن رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمر وعثمان قالوا: دِيَة المُعَاهَد دِيَة الحرّ المسلم.
وما روى أبو داود في «مراسيله» بسندٍ صحيح عن ربيعة بن (أبي) (١) عبد الرحمن قال: كان عَقْل الذُّمِّي مثل عَقْل المسلم في زمن النبيّ ﷺ ، وزمن أبي بكر وعمر وعثمان حتّى كان صدراً من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كانوا (٢) أُصيبُوا به، فقد أُصِيبَ به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت المال النصف، ولأَهْلِهِ النصف خمس مئة دينارٍ، ثم قُتِلَ آخر من أهل الذِّمة، فقال معاوية: لو أنَّا نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت مال المسلمين، فجعلناه موضوعاً عن المسلمين وعَوْناً لهم. قال: فمن هنالك وضع عليهم خمس مئة.
وروى عبد الرَّزَّاق أيضاً: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، قال: كان دِيَة اليهودي والنصراني في زمن النبيّ ﷺ مثل دِيَة المسلم، وكذا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فلمّا كان زمن معاوية أعطى أهل القتيل النصف، وألقى النصف في بيت المال، ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف، وألغى (٣) ما كان جعل معاوية.
قال الزُّهْرِيّ: ولم يُقْضَ (لي) أن أُذَاكِرَ (٤) عمر، فأُخبره أنّ الدِّيَة كانت تامّة لأهل الذمة. قُلْتُ: للزُّهْرِيّ: بلغني عن ابن المُسَيَّب قال: ديته أربعة آلاف. فقال: خير الأمور ما عُرض على كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٥) .
وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن ابن جُرَيْج، عن مُجَاهِد، عن ابن مسعود قال: دِيَة المُعَاهَد مثل دِيَة المسلم. وروى أيضاً عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن أبيه: أن رجلاً قتل رجلاً من أهل الذِّمة، فَرُفِعَ إلى عثمان، فلم يقتله، وجعل عليه ألف دينارٍ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن الحسين بن صَفْوان، عن عبد الله (٦) بن أحمد عن رُحمويه، عن إبراهيم بن سعد (٧) ، عن ابن شهاب، أن أبا بكرٍ
стр. 1658
ففي الأَنْفِ، وَالحَشَفَة، وَالعَقْلِ، وَإِحْدَى الحَوَاسِّ، وَاللِّسَانِ، إنْ مُنِعَ أَدَاء أَكْثَرِ الحُرُوفِ، وَاللِّحْيَةِ، وَشَعْرِ الرَّأْسِ، إِذَا لَمْ يَنْبُتْ: كُلُّ الدِّيَةِ.
===
وعمر كانا يجعلان دِيَة اليهوديّ والنصرانيّ المعاهديْن دِيَة الحرّ المسلم. وأخرج ابن أبي شَيْبَة نحوه عن عَلْقَمة ومُجَاهِد، وعطاء والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ والزُّهْرِيّ، وروى عبد الرَّزَّاق عن أبي حنيفة، عن الحَكَم بن عُتَيْبَة (١) ، عن عليّ أنه قال: دِيَة كلّ ذميّ مثل دِيَة المسلم. قال أبو حنيفة: وهو قولي.
وتقدّم ما رواه عبد الرَّزَّاق عن محمد بن الحسن بسنده إلى عليّ أنه قال: ما كان له ذمتنا فدمه كدمنا، ودِيَته كدِيَتنا، ولأنه حرّ معصومُ الدم، فتكمَّل ديته كالمسلم. ودِيَة المجوسيّ كالكتابي عندنا، لا ثمان مئة درهمٍ فقط، كما قال مالك والشافعيّ، واستدلا بما تقدّم من رواية الشّافعيّ عن عمر نحوه أنه قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلافٍ، وفي المجوسيّ ثمان مئة. ورواه عبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما» عن عمر نحوه. ولنا: ما سبق من رواية أبي داود في «مراسيله» عن سعيد بن المُسَيَّب مرفوعاً: «دِيَة كلّ ذي عهد في عهده ألف دينارٍ».
(ففي الأَنْفِ) أي في إتلافه كلاًّ أو بعضاً (وَ) في (الحَشَفَة) سواء كانت وحدها، أو مع الذَّكر (وَ) في (العَقْلِ وَ) في (إِحْدَى الحَوَاس) وهي: السمع والبصر والشم والذوق و (اللمس) (٢) (وَ) في (اللِّسَانِ) كُلِّه أو بعضه (إنْ مُنِعَ أَدَاءَ أَكْثَرِ الحُرُوفِ وَ) في (اللِّحْيَةِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يَنْبُتْ) أي إذا حُلِقَ ولم ينبت الشعر سنةً، وكذا في الحَاجِبَيْنِ (كُلُّ الدِّيَةِ). والحاصل: أن الجناية إذا فوّتت منفعةً على الكمال، أو أزالت جَمَالاً مقصوداً في الآدمي على الكمال، تجب الدِّيَةُ، لأن ذلك إتلافٌ للنفس من وجهٍ، وأتلاف النَّفس من وجهٍ مُلْحَقٌ بإتلافها من كلّ وجهٍ.
أمّا الأنف فلِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن ابن جُرَيْج عن ابن طاوُس أنه قال في الكتاب الذي عندهم عن النبيّ ﷺ : «في الأنف إذا قُطِعَ مَارِنُهُ الدِّية». ومارنُ الأنف: طرفه أو مَا لَانَ منه، كما في «القاموس». وفي «سنن النَّسائي»، و «مراسيل أبي داود» عن سليمان بن أرْقَم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي بكر بن محمد بن حَزْم، عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والدِّيَاتِ، وبعث به مع عمرو بن حَزْم، فَقُرِئَتْ على أهل اليمن هذه نُسْخَتُهَا: من
стр. 1659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محمد النبيّ إلى شُرَحْبِيل بن عبد كُلَال ونُعَيْم بن عبد كُلَال (والحارث بن عبد كُلَالٍ) (١) قيل: ذي رُعَين ومُعَافر وهَمْدَان أمّا بعد: وكان في كتابه ـ «أنّ من اعْتَبَط (٢) مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنه قَوَدٌ، إلاّ أن يرضى أولياء المقتول، وأنّ في النفس: الدِّيَة مئة من الأبل، وفي الأنف إذا أُوعِبَ جَدْعُهُ (٣) : الدِّيَة».
وفي رواية: «وفي الأنف إذا استوعب مارنه: الدِّيَة، وفي اللِّسان: الدِّيَة، وفي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَة، وفي البَيْضَتَيْنِ: الدِّيَة، وفي الذَّكر: الدِّيَة، وفي الصُّلْب: الدِّيَة، وفي العينين: الدِّيَة، وفي العين الواحدة: نصف الدِّيَة، وفي اليد الواحدة: نصف الدِّيَة، وفي الرّجل الواحدة: نصف الدِّيَة، وفي المَأْمُومة (٤) : ثلث الدِّيَة، وفي الجائِفَة (٥) : ثلث الدِّيَة، وفي المُنَقِّلَة (٦) : خمسة عشر من الأبل (وفي كل أُصْبَع من أصابع اليد والرجل: عشرٌ من الإبل، وفي السن: خمسٌ من الإبل) (٧) وفي المُوضِحَة (٨) : خمس من الإبل، وإنّ الرَّجُل يُقْتَل بالمرأة، وعلى أهل الذهب: ألف دينارٍ».
ورواه ابن حِبّان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وقال: إسناده صحيحٌ، وهو قاعدة من قواعد الإسلام. وما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عِكْرِمة بن خالد، عن رجلٍ من آل عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «في الأنف إذا استوصل مارِنُهُ الدِّيَة». ولأنه أزال بقطع الأرنبة ـ وهي طرف الأنف ـ جَمَالاً على الكمال مقصوداً، وبقطع المارن منفعةً مقصودةً، لأنّ منفعة الأنف أن يجتمع الروائح في قصبته لتعلو إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع المارن ولو قطع المارن مع قصبة الأنف ـ وهي عظْمةٌ واحدةٌ ـ لا يزاد على دِيَةٍ واحدةٍ، وهو
стр. 1660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول مالك وأحمد، وقال الشّافعيّ: في المارن الدية، وفي القصبة: حكومة عدل، لأن المارِن وحده موجب للدِّية، فتجب الحكومة في الزائد، كما لو قطع القصبة وحدها وقطع لسانه.
ولنا: ما أخرجه البزَّار في «مسنده» عن أبي بكر بن عُبَيْد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «في الأنف إذا استوعب جَدْعُهُ الدِّيَة». ولأنه عضوٌ واحدٌ فلا يجب فيه أكثر من دية. ولو قطع أنفه فذهب شمّه، فعليه دِيَتان، لأن الشَّمَّ في غير الأنف، فلا تدخل دِيَة أحدهما في الآخر، كالسمع مع الأذن.
وأمّا الحَشَفَة، فَلِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن الزُّهْرِيّ: أنّ النَّبيّ ﷺ قضى في الذَّكَر: الدية، مئة من الإبل إذا استوصل أو قُطِعَت حَشَفَتُهُ. وأخرج البَيْهَقِيّ عن ابن المُسَيَّب قال: مضت السُّنَّة أن في الذَّكر: الدِّيَة، وفي الأُنْثَيَيْنِ: الدِّية. ولأنّ قطع الذَّكر يفوت به منفعة الوطاء والإيلاد، والرمي بالبول، ودفق الماء، والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادةً. والحَشَفَة أصلٌ في منفعة الإيلاج والدفق، والقصبة كالتابع له.
وأمّا العقل إذا ذهب بضربة، فلفوات منفعة الإدراك، لأن الإنسان به يتميّز عن غيره من جنس الحيوان، وبه ينتفع بنفسه في أمر معاشه وزاد معاده.
وأمّا إحدى الحواس، فلأن كلّ واحدةٍ منها منفعةٌ مقصودةٌ، وقد روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن أبي خالد، عن عوف الأعرابي، قال: سمعت شيخاً في زمان الجماجم (١) ، فنعت نعته فقيل: ذلك أبو المهلَّبِ عمّ أبي قِلَابة قال: ضرب (٢) رجلٌ رجلاً بحجرٍ في رأسه في زمان عمر بن الخطاب، فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره، فلم يقرب النساء. فقضى عمر فيها بأربع دِيَات، وهو حيّ. رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْريّ عن عوف: به.
وفي «المبسوط»: ويُعْرَفُ فوات هذه المعاني بتصديق الجاني أو نكوله إذا استُحلف، ويُعْرَف فوات البصر بقول عَدْلَيْنِ من الأطباء. وفي «الذَّخيرَة»: طريق معرفة ذهاب السَّمْع: أن يُتَغَافل ويُنَادى، فإن أجاب لذلك عُلِمَ أن سمعه لم يذهب. وحكى النَّاطِفِيّ عن القاضي أبي حازم، والقُدُوري عن إسماعيل بن حمّاد: أن
стр. 1661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رجلاً ضرب رأس امرأته، فزعمت أن سمعها ذهب، فاشتغل إسماعيل بالقضاء، ثم التفت إليها وهي عاقلةٌ، وقال: استري عورتك فَجَعَلت تجمع ثيابها، فَعَلِمَ أنها سامعة. وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: لا يُعْرَفُ ذهاب السمع، والقول فيه للجاني. وأمّا طريق معرفة ذهاب البصر: فقال محمد بن مُقَاتِل الرَّازي: يَسْتَقْبِل الشمس مفتوح العين، فإن دَمَعَتْ عينه عُلِمَ أنّ الضوء باقٍ، وإن لم تدمع عُلِمَ أن الضوء ذاهبٌ. وذكر الطَّحَاويّ أنه يُلْقى بين يديه حيةٌ، فإن هرب منها عُلِمَ أنّ بصره لم يذهب. وفي «الأصل»: قال محمد: إن لم يُعْلَم بما ذكرنا، ويُعْتَبَرُ فيه الدَّعْوَى والأنكار، والقول للجاني مع يمينه على البَتَات، لأن هذا يمينٌ على فعل نفسه، وهو إذهاب بصر غيره منه.
وأمّا اللِّسان فَلِمَا روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن وَكِيع، عن ابن أبي ليلى، عن عِكْرِمة بن خالد، عن رجل من آل عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «في اللِّسان الدِّيَةُ كاملةً». وما أخرج ابن عَدِيّ في «كامله» عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «في اللسان الدِّية إذا مُنِعَ من الكلام». ولأنّ في قطعه فوات منفعةٍ مقصودةٍ به، وهي النطق، وكذا في قطع بعضه إذا مُنِعَ الكلام، لأن الدِّيَةَ تجب لتفويت المنفعة، لا لتفويت صورة الآلة، وقد حصل تفويت المنفعة بالامتناع عن الكلام.
ولو قدر على التكلّم ببعض الحروف دون بعض تقسَّم الدِّيَة على عدد الحروف الثمانية والعشرين من حروف المعجم، وهو قول مالك والشّافعي وأحمد، وقيل: على الحروف التي تتعلّق باللِّسان، فبقدر ما لا يقدر تجب، وهو قول بعض أصحاب الشّافعيّ، ووجهٌ عن أحمد. والحروف التي تتعلّق باللِّسان: هي ما عدى الشَّفَوِيّة والحَلْقِيَّة. والشَّفَوِيَّةُ أربعةٌ: الباء، والميم، والواو، والفاء، والحَلْقِيَّة ستةٌ: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، ولو بدّل حرفاً مكان حرفٍ مثل أن يقول في دِرْهَم: دِلْهَم، فعليه ضمان الحرف لتلفه، وما صار بدله لا تقوم مقامه.
وأمّا شعر اللِّحْيَة وشعر الرأس، فإنّ اللِّحية في أوانها جَمَالٌ على الكمال، وكذا شعر الرأس جَمَالٌ على الكمال، وبه قال أحمد والثَّوْريّ. وقال مالك والشّافعيّ: تجب فيهما حكومة عدل، لأنه شعرٌ ينمو من البدن بعد كمال الخِلْقَة، ولا يتعلّق بحلقه كمال الدِّيَة كشعر الصَّدر. ولنا: أنّ شعر الصَّدر والسَّاق لا يتعلّق بهما جَمَالٌ ولا
стр. 1662
كَمَا في اثْنَيِنْ مِمَّا في البَدَنِ اثنَانِ، وفي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا،
===
منفعةٌ، فلا يجب بإذهابه شيءٌ بخلافهما (١) . قيّد بعدم النبت، لأنهما لو نبتا كما كانا، لا يجب شيء، لأن فعل الجاني لا يبقى بلا أثرٍ، فكان كالضربة التي ذهب أثرها، ولا فرق في هذا بين الخطأ والعمد، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين الصغير والكبير. ويؤخَّر سنةً، فإن نبت الشعر لم تجب الدِّيَة وإن مات قبل مُضِيِّهَا لا شيء فيه. وفي الشارب حكومة عدل على الصحيح، لأنه تابع للحية، فصار كبعض أطرافها. وفي لحية الكَوْسَج: الأصحّ إن كان على ذقنه شعراتٍ معدوداتٍ لا يجب شيء، لأن وجودها يشينه ولا يزيِّنه، وإن كان أكثر من ذلك، وهو على الخدّ والذقن جميعاً، ولكنه غير متَّصلٍ ففيه حكومة عدل، لأن فيه نقص الجمال، وإن كان متَّصلاً ففيه كمال الدِّية، لأنه ليس بِكَوْسَج، وفي لحيته كمال جَمَال.
(كَمَا في اثْنَيْنِ) أي كما تجب الدِّيَة كاملة في اثنين (مِمَّا في البَدَنِ) منه (اثنَانِ) كالعَيْنَيْنِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والشَّفَتَيْنِ والأُذُنَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ (وفي أَحَدِهِمَا) أي أحد اثنين ممّا في البدن منه اثنان (نِصْفُهَا) أي نصف الدِّيَة لِمَا أخرجه النَّسائي في «سننه» وأبو داود في «مراسيله» عن أبي بكر بن محمد بن حزم (٢) عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والدِّيَات، وبعث به مع عمرو بن حَزْم فكان فيه: وفي الشَّفَتَيْنِ: الدِّيَة، وفي البَيْضَتَيْنِ: الدِّيَة، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَة، وفي العين الواحدة: نصف الدية، وفي اليد الواحدة: نصف الدِّية، وفي الرِّجل الواحدة: نصف الدِّية، ولأنّ في تفويت الأثنيين من هذه الأشياء تفويتاً لجنس منفعتها، أو لكمال الجمال فيجب كمال الدِّيَة. وفي (تفويت) (٣) أحدهما تفويتاً لنصف المنفعة، فيجب نصف الدِّيَة.
وفي ثَدْيَي المرأة: الدِّيَة، وفي أحدهما: نصف دية المرأة، وفي ثَدْيَيّ الرجل: حكومة عدل، وهو قول (مالك) (٤) ، وابن المُنْذِر، وظاهر مذهب الشّافعيّ. وقال أحمد
стр. 1663
وفى أشْفَار العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِما رُبُعُهَا، وَفِي كُلِّ أُصْبَعٍ عُشْرُهَا، وفي مَفْصِلٍ غَيْرِ الإِبْهَامِ ثُلُثُهُ، وَفِي مَفْصِلِهِ نِصْفُهُ، كَمَا في كُلِّ سنٍّ.
===
وإسحاق، والشّافعيّ في قول: تجب الدِّيَة لأن ما وجب فيه الدِّيَة من عضوٍ يستوي فيه المرأة والرجل كسائر الأعضاء، ولأنّهما عضوان بهما الجمال، فتجب الدِّيَة بذهابهما كالأذنين الشاخصتين. ولنا: أنّ ذهاب ثَدْيَي المرأة فيه تفويت منفعةٍ كاملةٍ وجمالٍ كاملٍ، بخلاف ثَدْيَي الرجل: فإنه ليس في إذهابهما تفويتٌ لمنفعةٍ ولا لجمالٍ. وفي حَلَمَتَي ثَدْيَي المرأة: الدِّيَة، وفي إحداهما: نصفها، وقال مالك والثوريّ: إن ذهب اللبن وجبت الدية، وإلاّ وجبت حكومة عدل. والحَلَمَة مُحَرَّكة: رأس الثدي، وهو الثُّؤْلُول (١) الذي في وسطه.
(وفي أشْفَار العَيْنَيْنِ) وكذا في أجفانهما (الدِّيَةُ) والأشْفَار جمع الشُّفر بالضم وبفتح: وهو منبت الأهداب جمع الهُدْب: وهو بضم وضمتين: الشعر الذي على العين. والجَفْن: بالفتح: غطاء العين من أعلى وأسفل، وجمعه: أجفان وجُفُون وجُفُن بضمتين، وبضم فسكون. (وَفِي أَحَدِهِما رُبْعُهَا) وهكذا عند أكثر أهل العلم. وحُكِيَ عن مالك: أن في جَفْن العينين: الاجتهاد، ولو قلع العين بأجفانها تجب ديتان: دية العين، ودية أجفانها، لأنهما جنسان كاليدين والرجلين.
(وَفِي كُلِّ أُصْبَعٍ) من أصابع اليدين أو الرجلين (عُشْرُهَا) أي عشر الدِّيَة لِمَا أخرجه الترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن حِبَّان في «صحيحه»، وقال ابن القطَّان في كتابه: رجال إسناده كلّهم ثقاتٌ، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «دِيَة أصابع اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ سواءٌ: عشرةٌ من الأبل لكلّ إِصْبَع».
ورواه أحمد في «مسنده» ولفظه: أن النبيّ ﷺ سوّى بين الأصابع والأسنان في الدِّيَة. وما أخرجه الجماعة إلاّ مسلماً عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه وهذه سواءٌ» يعني الإبهام والخنصر ـ ولأن في قطع الكلّ تفويت جنس منفعة البطش، وفيه دِيَةٌ كاملةٌ، وهي عشر فتنقسم الدِّيَة عليها.
(وفي مَفْصِلٍ) إصْبَع (غَيْرِ الإِبْهَامِ ثُلثُهُ) أي ثلث عُشر الدية (وَفِي مَفْصِلِهِ) أي مَفْصِل الإبهام (نِصْفُهُ) أي نصف عُشر الدِّيَة اعتباراً لانقسام دِيَة الإصْبَع على مفاصله بانقسام دِيَة اليد على الأصابع. (كَمَا في كُلِّ سنَ) أي كما وجب نصف عشر الدِّيَة:
стр. 1664
وَكُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَ نَفْعُهُ بِضَرْبٍ فَفِيهِ دِيَةٌ.
[فَصْلٌ في الشِّجَاجِ]
وَلَا قَوَدَ في الشِّجَاجِ إِلاّ في المُوضِحَة عَمْداً،
===
وهو خمسٌ من الإبل، في قلع كلّ سنَ إذا كان خطأً، سواء كان ضِرْساً أو ثَنِيَّة (١) لِمَا أخرجه أبو داود عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قضى رسول الله ﷺ في الأسنان خمسٌ من الأبل في كلّ سنَ. وَلِمَا في كتاب عمرو بن حَزْم: «وفي السنِّ خمسٌ من الإبل» (٢) .
ولما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن قتادة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «الأصابع والأسنان سواء»، وفي رواية البزَّار عنه موقوفاً: أن الأسنان كَلّها سواءٌ: الثَّنِيَّة والضِّرْس سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ. ولأنّ الكلَّ في أصل المنفعة ـ وهو المضغ ـ سواءٌ، وبعضها وإن كان فيه زيادة منفعةٍ، لكن في البعض الآخر جَمَالٌ، وهو كالمنفعة في الآدميّ. وإنما قيّدنا بالخطأ، لأن العمد فيه القصاص. ولو قلع جميع أسنانه تجب ستة عشر ألفاً، وليس في البدن عضوٌ ديته أكثر من دية النَّفس سوى الأسنان، وفيه إيماءٌ إلى أن موت الإنسان أهون من فوت الأسنان.
وفي الكَوْسَج تجب أربعة عشر ألفاً، لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين. حُكِيَ أنّ امرأة قالت لزوجها: يا كَوْسَج. فقال: إن كنت كَوْسجاً، فأنتِ طالقٌ. فَسُئِلَ أبو حنيفة فقال: تعدّ أسنانه إن كانت ثمانية وعشرين، فهو كَوْسَجٌ.
(وَكُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَ نَفْعُهُ بِضَرْبٍ فَفِيهِ دِيَةٌ) كما لو ضرب يده فشُلَّت، أو عينه فذهب ضوؤها.
(فَصْلٌ في الشِّجَاجِ)
(وَلَا قَوَدَ في الشِّجَاجِ) وهي في اللُّغة: ما يكون في الرأس والوجه، وأمّا ما يكون في غيرهما فيسمّى جِرَاحة (إِلاّ في المُوضِحَة عَمْداً) وهي التي توضح العظم أي تُبَيِّنهُ وتظهره، لما أخرجه البيهقي مرسلاً عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا طلاق قبل ملك، ولا قصاص فيما دون المُوضِحَة من الجراحات». وأخرج عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن الحسن وعمر بن عبد العزيز: أن النبيّ ﷺ لم يقضِ فيما دون
стр. 1665
وَفِيهَا خَطَأً نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وفي الهَاشِمَةِ عُشْرُهَا، وَفِي المُنَقِّلَةِ عُشْرُهَا وَنِصْفُهُ، والآمَّةِ والجَائِفَةِ ثُلُثُهَا.
وفي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ ثُلُثَاهَا.
===
المُوضِحَة بشيءٍ. وقال محمد في «الأصل»: وهو ظاهر الرواية، وقول مالك: يجب القصاص فيما دون المُوضِحَة. وفي «شرح الوافي»: وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا قصاص فيما دون المُوضِحَة، وهو قول الشافعي وأحمد.
(وَفِيهَا) أي في المُوضِحَة (خَطَأً نصف عُشْرِ الدِّيَةِ، وفي الهَاشِمَةِ) وهي التي تكسر العظام (عُشْرُهَا) أي عشر الدِّية (وَفِي المُنَقِّلَةِ) وهي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تُحَوِّله (عُشْرُهَا) أي عشر الدِّية (وَنِصْفُهُ و) في (الآمَّةِ) وهي التي تصل إلى أمّ الرأس، وهو الغِشاء الرقيق الذي فيه الدماغ (و) في (الجَائِفَةِ) وهي الجراحة التي وصلت إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجبين، والاسم دليل عليه (ثُلُثُهَا) أي ثلث الدِّيَة لقوله ﵊ في كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النَّسائي وأبو داود: «في المَأْمُومَة: ثلث الدِّيَة، وفي الجائفة: ثلث الدِّيَة، وفي المُنَقِّلَة: خمسَ (عشرةَ) (٢) من الإبل، (وفي المُوضِحَة خمس من الإبل) (٣) » وليس فيه ذكر الهَاشِمَة.
لكن أخرج عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن زيد بن ثابت قال: «في المُوضِحَة: خمسٌ، وفي الهَاشِمَة: عشرٌ، وفي المُنَقِّلَة: خمسَ عشرة، وفي المَأْمُومَة: ثلث الدية». وأمّا ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشراب كان مُفْطراً، وما فوق ذلك لا يكون جائفة. وذكر ابن عبد البَرّ: أن مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأصحابهم اتَّفقوا على أنّ الجائفة لا تكون إلاّ في الجوف، وبه قال أحمد (وفي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ) إلى الجانب الآخر (ثُلُثَاهَا) قال ابن عبد البَرِّ: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وروى عن أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: أنها جائفة واحدة، لأن الجائفة تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، والثانية هنا تنفذ من الباطن إلى الظاهر.
وللجمهور: ما رَوَى عبد الرَّزاق في «مصنفه» عن الثَّوْرِيّ، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن ابن المُسَيَّب قال: قضى أبو بكر في الجائفة تكون نافذة بثلثي الدِّية، وقال هما جائفتان. قال سفيان: ولا تكون الجائفة إلاّ
стр. 1666
وَالخَارِصَةِ، وَالدَّامِعَةِ، والدَّامِيَةِ، وَالبَاضِعَةِ، والمُتَلَاحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ: حُكُومَةُ عَدْلٍ.
فَيُقَوَّمُ عَبْدًا بِلَا هَذَا الأَثَرِ. ثُمَّ مَعَهُ، فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ القِيمَتَيِنْ مِنْ الدِّيَةِ هُوَ هِيَ، وَبِهِ يُفْتَى.
===
في الجوف. ورواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عبد الرحمن بن سليمان، عن حجَّاج، عن عمرو بن شُعَيْب، عن سعيد بن المُسَيَّب: أن قوماً كانوا يرمون، فرمى رجلٌ منهم بسهمٍ خطأ، فأصاب بطن رجلٍ فأنفذه إلى ظهره، فدُووِي فبرأ.
فَرُفِعَ إلى أبي بكرٍ فقضى فيه بجَائِفَتَيْن.
(وَ) في (الخَارِصَةِ) وهي بمهملتين: التي تخرص الجلد، أي تخدشه، ولا تُخْرِجُ الدَّم (وَ) في (الدَّامِعَةِ) بالعين المهملة: وهي التي تُظْهر الدَّم ولا تُسِيله (و) في (الدَّامِيَةِ) وهي التي تُسِيل الدَّم. وقال المَرْغِيْنَاني في الدَّامية: هي التي تُدْمي من غير أن يسيل منها دَمٌ، هو الصحيح، مرويٌ عن أبي عُبَيْد. والدَّامعة: هي التي يسيل منها الدَّم كدمع العين.
(وَ) في (البَاضِعَةِ) بالضاد المعجمة والعين المهملة وهي: التي تَبْضَع الجلد أي تقطعه (و) في (المُتَلَاحِمَةِ) وهي التي تأخذ في اللَّحم وتقطعه كله، ثم يتلاحم بعد ذلك، أي يلتئم ويتلاصق (وَ) في (السِّمْحَاقِ) وهو التي تصل إلى السِّمْحَاق وهي: الجلدة الرقيقة التي بين اللّحم وعظم الرأس (حُكُومَةُ عَدْلٍ) مبتدأ مقدّم الخبر، وإنما تجب حكومة عدلٍ لما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة، عن حمّاد بن إبراهيم، عن شُرَيْح قال: في الجَائِفة: ثلث الدِّيَة، وفي الآمَّةِ: ثلث الدِّيَة، فإذا ذهب العقل: فالدِّية كاملةٌ، وفي المُنَقِّلَة عشر (ونصف عشر الدِّيَة) (١) ، وفي المُوضِحَة: نصف عشر الدِّيَة، وفي غير ذلك من الجِرَاحات: حكومة عدل.
(فَيُقَوَّمُ) المجنيُّ عليه (عَبْداً بِلَا هَذَا الأَثَرِ ثُمَّ) يقوّم عبداً (مَعَهُ) أي مع هذا الأثر (فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ القِيمَتَيْنِ مِنْ الدِّيَةِ هُوَ) ذلك القدر (هِيَ) أي حكومة العدل (وَبِهِ يُفْتَى) كما قال قَاضِيخَان. وهذا تفسير الحكومة عند الطَّحَاوِي، وبه أخذ الحَلْوَاني، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد وكل من يُحْفَظُ عنه العلم، كما قاله ابن المُنْذر. وقال الكَرْخِي في تفسيرها: أن يُنْظَر كم مقدار هذا الشَّجَّة من المُوضِحَة، فيجب بقدر ذلك من دية المُوضِحَة، لأنّ ما لا نصّ فيه يُردُّ إلى ما فيه نصّ. قال شيخ الإسلام: وهو الأصحّ.
стр. 1667
وَفِي أَصَابعِ يَدٍ مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ نِصْفُ دِيَةٍ وَحُكُومَةُ عَدْلٍ، وَالكَفُّ تَابعٌ، وَالعِبْرَةُ لِلأَصَابعِ.
وَفي إصْبَع زَائِدَةٍ حُكُومَةُ عَدْلٍ. وعَيْنِ صَبِيٍّ، وَذَكَرِهِ، وَلِسَانِهِ: حُكُومَةُ عَدْلٍ، لَوْ لَمْ تُعْلَمْ الصِّحَّةُ بِمَا دَلَّ عَلَى: نَظَرِهِ، وَكَلَامِهِ، وَعَلَى حَرَكَةِ ذَكَرِهِ.
===
ثم من مشايخنا من سوّى بين الرجل والمرأة في الحكومة، ومنهم من قال: بل تكون في المرأة على النصف ممّا يجب في الرجل، وهو الذي ذكره القُدُورِي في تفسير الحكومة. وقال بعض المشايخ في تفسيرها: يُنْظَرُ إلى قدر ما يحتاج إليه من النَّفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فتجب على الجاني، فإن عرف القاضي مقداره، وإلاّ سأل من له علمٌ بذلك من الأطباء. قالوا: وهذا لا يقوى، لأن النّاس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ بُرْأً، ومنهم من يكون أسرع بُرْأً. ثم هذا إذا بقي للجراحة أثرٌ وأمّا إذا لم يبقَ: فقال أبو يوسف: لا شيء على الجاني، وقال محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبَرِأَ، وقال أكثر أهل العلم بقول أبي يوسف.
(وَفِي أَصَابِعِ يَدٍ مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ نِصْفُ دِيةٍ) في اليد (وَحُكُومَةُ عَدْلٍ) في نصف السَّاعد (وَالكَفُّ تَابِعٌ) للأصابع فلا شيء فيه. (وَالعِبْرَةُ) في اليد (لِلأَصَابِعِ) فنصف الدِّيَة فيها، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو ظاهر مذهب الشَّافعي. وعن أبي يوسف أيضاً: أنّ ما زاد على الأصابع من اليد إلى المَنْكِب تابعٌ لها، ومن الرِّجْل إلى أصل الفَخِذْ تابعٌ لها، وبه قال بعض أصحاب الشَّافعيّ وأحمد ومالك وابن أبي ليلى والنَّخَعِيّ وقتادة وعطاء، لأنّ اسم اليد إلى المَنْكِب، والرِّجْل إلى الفخذ لغةً وعرفاً، فلا يلزم أكثر من ديتها، ولأنه ﵊ قضى على قاطع اليد بنصف الدِّيَة.
(وَفي إصْبَعٍ زَائِدَةٍ) على الأصابع (حُكُومَةُ عَدْلٍ) وكذا في سنّ زائدةٍ على الأسنان، لأنه لا منفعة فيها ولا زينة لها، فلا يجب أرْشٌ (١) مقدّرٌ فيها، لكنها جزءٌ من الآدمي، فلم يمكن إهدارها. وفي «الذخِيرة»: سواء كان ذلك عمداً أو خطأً، وسواء كان للقاطع (إِصْبَعٌ (٢) ) زائدةٌ أم لا.
(و) في (عَيْنِ صَبِيَ وَ) في (ذَكَرِهِ وَ) في (لِسَانِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) مبتدأ خبره مقدّم (لَوْ لَمْ تُعْلَمْ الصِّحَّةُ بِمَا دَلَّ عَلَى نَظَرِهِ وَ) بما دلّ على (كَلَامِهِ وَ) بما دلّ (عَلَى حَرَكَةِ ذَكَرِهِ) وقال الشّافعيّ وأحمد والثّوْرِيّ: تجب دِيَةٌ كاملةٌ، لأن الأصل هو الصحة،
стр. 1668
وَلَا يُقَادُ إلاّ بَعْدَ بُرْءٍ.
وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ خَطَأٌ، وَعَلَى العَاقِلَةِ الدِّيَةُ بِلَا كَفَّارَةٍ وحِرْمَانِ إرْثٍ.
وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، تَجِبُ غُرَّةٌ: خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إِنْ أَلْقَتْ مَيْتًا،
===
فأشبه قطع المارن والأذن من الصبيّ.
ولنا: أن المقصود من هذه الأعضاء المنفعة، فإذا لم تُعْلَم صحتها لم يجب الأرْش كاملاً، لأنه لا يجب بالشك. والظاهر لا يصلح حُجَّة للإلزام، بخلاف المارن والأذن الشاخصة من الصبي، لأن المقصود منها الجمال، وقد فوّته على الكمال.
(وَلَا يُقَادُ) بجرحٍ (إلاّ بَعْدَ بُرْءٍ) وهو قول مالك وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال الشَّافعيّ: يجوز أن يُقَاد قبل البرء، ويستحبّ الانتظار اعتباراً بالقصاص في النفس. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن ابن جُرَيْج، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه: أن رجلاً طعن رجلاً بقرنٍ في ركبته فقال: يا رسول الله أَقِدْنِي. فقال له رسول الله ﷺ : «لا تعجل حتّى يبرأ جرحك». قال: فأَبى الرجل إلاّ أن يَسْتَقِيدَ، فأقاده ﵊. قال: فَعَرَج الرجل المُسْتَقِيد وبراء المُسْتَقاد. فأتى المستقيد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله عرجت منه، وبراء صاحبي. فقال ﵊: «ألم آمرك أن لا تستقيد حتّى يبرأ جرحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك». ثم أمر رسول الله ﷺ بعد: من كان به جرحٌ أنْ لا يستقيد حتّى تبرأ جراحته، فإذا براء استقاد.
ولأن الجراحات يُعْتَبَرُ فيها مآلها، (لا حالها) (١) ، لأن حكمها في الحالّ غير معلوم لتوقّفه على المآل، ولعلها تسري إلى النَّفْس فيظهر أنه قَتْلٌ.
(وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ خَطَأٌ) وكذا عمد المعتوه (وَعَلَى العَاقِلَةِ) في عمدهم (الدِّيَةُ) وبه قال مالك وأحمد والشَّافعيّ في قول لِمَا أخرج البيهقيّ عن عليّ: أنّ عمد الصبيّ والمجنون خطأٌ. لكن قال في «المعرفة»: إسناده ضعيفٌ. (بِلَا كَفَّارَةٍ) عليهم (و) بلا (حِرْمَانِ إرْثٍ) وقال الشّافعيّ: تجب الكفارة عليهم وحرمان الميراث، لأنهما متعلقان عنده بالقتل، وقد وُجِدَ. ولنا: أن الكفَّارة تستر الذنب، ولا ذنب لهؤلاء، وحرمان الإرث عقوبة، وهم ليسوا من أهلها.
(وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ تَجِبُ غُرَّةٌ خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِنْ أَلْقَتْ مَيْتاً) سُمِّي بدل الجنين غُرَّة، لأن الواجب عبد، وهو يسمَّى غُرَّة، وأصلها بياض الجبهة.
стр. 1669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والقياس أن لا يجب في الجنين الساقط شيء، لأنه لم يتيقّن بحياته. فإن (قيل) (١) : الظاهر أنه حيّ، أُجِيبَ: بأن الظاهر لا يصلح حُجَّة للاستحقاق.
ووجه الاستحسان: ما في الصحيحين عن أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لِحْيَان بغُرَّة: عبدٍ أو أمةٍ. وإنّما فسَّرنا الغُرَّة بخمس مئةٍ لما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن إسماعيل بن عيّاش، عن زيد بن أسلم: أنّ عمر بن الخطّاب قوّم الغُرَّة خمسين ديناراً، وكل دينارٍ بعشرة دراهم. وأخرج البزَّار في «مسنده» عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه: أنّ امرأةً حَذَفت امرأةً، فقضى رسول الله ﷺ في ولدها بخمس مئةٍ، ونهى عن الحذف. وأخرج أبو داود «في سننه» عن إبراهيم النَّخَعِي قال: الغُرَّة خمس مئة ـ يعني ـ درهماً. قال: وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: هي خمسون ديناراً. وروى إبراهيم الحَزْمي في كتابه «غريب الحديث» عن أحمد بن حنبل، عن وَكِيع، عن سُفْيَان، عن طارق، عن الشَّعْبِيّ: خمس مئة. وروى أيضاً عن أحمد بن حنبل عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: الغُرَّة خمسون ديناراً.
وهي عندنا وعند الشَّافعيّ على عاقلة الضارب. وقال مالك: في ماله، لأنها بدل الجزء، وبه قال أحمد إذا كان ضَرْب الأم عمداً، ومات الجنين وحده. وأمّا إذا كان خطأً أو شبه عمدٍ، فقال: إنه على العاقلة. ولنا ما روى أبو داود في «سننه» عن المُغِيرَة ابن شُعْبَة: أن امرأتين كانتا تحت رجلٍ من هُذَيْل، فضربت إحداهما الأخرى بعمودٍ فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحد الرجلين: كيف تَدِي من لا صَاحَ ولا أكل ولا شرب ولا اسْتَهَلّ (٢) ؟ فقال له: «أسَجْعٌ كَسَجْعِ الأعراب؟ فقضى فيه غُرَّةً وجعله على عاقلة المرأة». وأخرجه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورواه الطَّبَرانيّ معلولاً في «معجمه» عن أبي المَلِيح الهُذَلي عن أبيه قال: كان فينا رجلٌ يقال (له) (٣) حَمَلُ بن مالك له إمرأتان: إحداهما هُذليَّة، والأخرى عَامِرِيّة. فضربت الهُذَليّة بطن العَامِرِيّة بعمود خِبَاءٍ أو فُسطَاط (٤) ، فألقت جنيناً ميتاً فانطلقوا بالضاربة إلى رسول الله ﷺ معها أخٌ يقال له: عِمْران بن عُوَيْمر، فلمّا قصُّوا عليه القصة، قال لهم رسول الله ﷺ : «دُوهُ». قال له عِمْران: يا رسول الله أنَدِي
стр. 1670
وَدِيَةٌ إنْ حَيًّا فَمَاتَ، وغُرَّةٌ وَدِيَةٌ إنْ أَلْقَتْ مَيْتًا فَمَاتَتْ. ودِيَهُ الأمِّ فَقَطْ إِنْ مَاتَتْ الأُمُّ فَأَلْقَتْ مَيْتًا،
===
من لا شَرِب ولا أَكَل ولا صَاح ولا استهلّ؟ ومثل هذا يُطَلُّ (١) . فقال ﵊: «دَعْنِي عن رجز الأعراب، فيه غُرّةٌ: عبدٌ، أو أمةٌ، أو خمس مئةٍ، أو فرسٌ، أو عشرون ومئة شاة». فقال: يا رسول الله ﷺ إن لها ابنين هما سادة الحيّ، وهم أحقّ أن يعقلوا عن أمّهم. قال: «أنت أحقُّ أن تعقل عن أختك من وُلْدِها». قال: ما لي شيءٌ أعقل. قال: «يا حَمَل بن مالك ـ وكان يومئذٍ على صدقات هُذَيل، وهو زوج المرأتين، وأبو الجنين المقتول ـ: «اقبض من تحت يدك من صدقات هُذَيل عشرين ومئة شاة». فعقل.
وتجب في سَنة عندنا، وفي ثلاث سنين عند الشَّافعي، (لأنها بدل النفس، ولهذا تورَّث) (٢) ولنا: ما روى محمد بن الحسن أنه قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ جعل الغُرَّة على العاقلة في سنة. ويستوي في وجوب الخمس مئة في الجنين الذكر والأنثى عند عامة أهل العلم لإطلاق الحديث.
(وَ) تجب (دِيَةٌ) كاملةٌ (إنْ) ألقت (المرأة) (٣) (حَيّاً فَمَاتَ) لأن الضارب أتلف آدمياً، فتجب فيه الدِّيَةُ كاملةٌ. قال ابن المُنْذِر: ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وإنّما الخلاف في أن حياته تثبت بكل ما يدلّ على الحياة من الاستهلال، والرَّضاع، والنَّفَس، والعُطَاس وغير ذلك، وهو مذهبنا وقول الشافعيّ وأحمد، أو لا تثبت إلاّ بالاستهلال، وهو قول مالك وأحمد في روايةٍ، والزُّهْرِيّ وقتادة وإسحاق وابن عبّاس والحسن بن عليّ وجابر وروايةٌ عن عمر، لأن النبيّ ﷺ جعل إرثه من غيره، وإرث غيره منه، مرتَّباً على الاستهلال. وأمَّا لو تحرَّك عضوٌ منه، فإنه لا يدلّ على حياته اتفاقاً، لأن ذلك قد يكون من اختلاج، أو خروج من ضيق.
(و) تجب (غُرَّةٌ وَدِيَةٌ إنْ أَلْقَتْ) المرأة (مَيْتاً فَمَاتَتْ) الأم، لأن الفعل يتعدّد بتعدّد أثره (و) تجب (دِيَةُ الأمِّ فَقَطْ) أي لا يجب في الجنين شيءٌ (إِنْ مَاتَتْ الأُمُّ فَأَلْقَتْ مَيْتاً) وبه قال مالك. وقال الشَّافعيّ: تجب غُرَّةٌ في الجنين مع دِيَة الأمّ، وبه قال أحمد لِمَا في «معجم الطَّبَرَانِي» عن عُوَيْم (٤) بن ساعدة قال: كانت أختي مُلَيْكَة وامرأة معها يُقَال لها أمّ عفيفة بنت شروح (٥) تحت
стр. 1671
وَدِيَتَانِ إنْ مَاتَتْ فأَلْقَتْ حَيًّا وَمَاتَ.
وَمَا يَجِبُ في الجَنِيِن لِوَرَثَتِهِ سِوَى ضَارِبهِ. وفي جَنِيِن الأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ في الذَّكَرِ، وعُشْرُ قِيمَتِهِ في الأُنْثَى.
===
حَمَل بن مالك بن النابغة، فضربت أم عفيفة مُلَكية بمِسْطح (١) بيتها ـ وهي حامل ـ فقتلتهما وذا بطنها. فقضى رسول الله فيها بالدِّيَة، وفي جنينها بغُرّةٍ: عبدٍ أو وليدةٍ. فقال أخوها علاء بن شروح (٢) : يا رسول الله أنُغرَّمُ من لا أكل ولا شَرِب ولا نطق ولا استهلّ؟ ومثل هذا يُطَلُّ (٣) . فقال ﵊: «أسَجْعٌ كسجْع الجاهلية»؟ (وَ) تجب (دِيَتَانِ إنْ مَاتَتْ) الأمّ (فأَلْقَتْ) جنيناً (حَيّاً وَمَاتَ) لأنّ الضَّارب قتلهما بضربه، فصار كما إذا ألقته حيّاً وماتا.
(وَمَا يَجِبُ في الجَنِينِ) فهو (لِوَرَثَتِهِ) لأنه بدل نفسه فترثه ورثته (سِوَى ضَارِبِهِ) فإنه لا شيء له منه، حتّى لو ضرب رجلٌ بطن امرأةٍ فألقت ابنه ميتاً، فَعَلَى عاقلة الأب غُرّة، ولا يرث منها، لأنه قتل نفساً مباشرة ظلماً، ولا ميراث للقاتل بهذه الصفة.
(و) يجب (في جَنِينِ الأَمَةِ) إن كانت حاملاً من زوجها (نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ في الذَّكَرِ وعُشْرُ قِيمَتِهِ في الأُنْثَى) بأن يُقَوَّم الجنين بعد انفصاله ميتاً على لونه وهيئته لو كان حيّاً، فَيُنْظَرُ كم قيمته بهذا المكان؟ فإذا ظهرت قيمته. فإن كان ذكراً يجب نصف عُشر قيمته: وإن كان أنثى يجب عشر قيمته، وأمّا إذا كانت حاملاً من مولاها أو من المغرور، تجب الغُرَّة المذكورة في جنين الحرّة ذكراً كان أو أنثى، لأنه حرٌّ.
وقال الشافعي: يجب في جنين الأمة عشر قيمة الأمّ، وبه قال مالك وأحمد وابن المُنْذِر، وهو قول الحسن والنَّخَعِيّ والزُّهْرِيّ وقَتَادة وإسحاق، لأنه جنينٌ مات بالجناية في بطن الأمّ، فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة كجنين الحرّة لإطلاق النصوص.
ولا كفَّارة في الجنين عندنا. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد وأكثر أهل العلم: تجب فيه الكفَّارة مع الغُرَّة لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٤) . ولنا: أنّ النبيّ ﷺ لم يذكر الكفارة في حديث الغُرَّة، والموضع موضع البيان. وفي «الذَّخِيرَة»: القياس يقتضي عدم
стр. 1672
وَمَا اسْتَبانَ بَعْضُ خَلْقِهِ كَالْجَنِيِن التَّامِّ. وَضَمِنَ الغُرَّةَ عَاقِلَةُ امْرَأَةٍ حَامِلٍ أَسْقَطَتْ مَيْتًا عَمْدًا بِدَوَاءٍ أَوْ فِعْلٍ بِلا إذْنِ زَوْجِهَا.
فَصْلٌ [فيما يُحْدَثُ في الطَّرِيقِ]
مَنْ أَحْدَثَ في طَرِيقِ العَامَّةِ كَنِيفًا، أَوْ مِيزَابًا، أَوْ جُرْصُنًا، أَوْ دُكَّانًا، وَسِعَةُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَلِكُلٍّ نَقْضُهُ.
===
وجوب الضمان وعدم وجوب الكفارة، لأنه بمنزلة العضو، لكن تركنا القياس في الضمان للأثر، ولا أثر في الكفارة، فيبقى على الأصل (وَمَا اسْتَبانَ) أي والجنين الذي تبيّن (بَعْضُ خَلْقِهِ كَالْجَنِينِ التَّامِّ) في جميع هذه الأحكام. (وَضَمِنَ الغُرَّةَ) في سنةٍ (عَاقِلَةُ امْرَأَةٍ حَامِلٍ أَسْقَطَتْ مَيْتاً عَمْداً بِدَوَاءٍ) شربته (أَوْ فِعْلٍ) فعلته بأن حملت حِملاً ثقيلاً أو وضعت شيئاً في قُبُلها (بِلا إذْنِ زَوْجِهَا) ولو فعلت بإذنه لم تضمن ولا ترث من الغُرَّة، لأنها قاتلةٌ بغير (حَقَ) (١) .
فصلٌ (فيما يُحدَثُ في الطريق)
(مَنْ أَحْدَثَ في طَرِيقِ العَامَّةِ) لنفسه (كَنِيفاً) أي مُسْترَاحاً (أَوْ مِيزَاباً) أي مجرى الماء (أَوْ جُرْصُناً) أي بُرْجاً (أَوْ دُكَّاناً وَسِعَهُ ذَلِكَ) أي جاز له (إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ) بأن كانت واسعةً لا يضرّ ذلك بالعمارات والحامل. وفي «شرح الكنز»: يعني لم يضرّ بالعامة لم يمنعه أحد. قيّد بعدم الضَّرر، لأنه مع الضَّرر لا يجوز بلا خلافٍ، أذِن الإمام أو لم يأذن لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضِرَار في الإسلام»، رواه الطَّبَرَاني في «معجمه الأوسط»، وكذا القعود في الطريق للبيع والشِّراء يجوز إن لم يضرّ بأحدٍ، وإن أضرّ لا يجوز وإن أذِنَ الإمام.
(وَلِكُلَ) أي من أهل الخصومة وهم: المسلم البالغ العاقل، الحرّ والذميّ الذي هو كذلك (نَقْضُهُ) إذا وُضِعَ بغير إذن الإمام، كما له منعه من إحداثه ابتداءً، لأن لكلّ واحدٍ منهم حقّ المرور بنفسه وبدوابه، فكان له ذلك، كما في الملك المشترك.
وقيّدنا الإحداث بكونه لنفسه، لأنه لو بنى للعامة مسجداً ونحوه وهو لا يضرّ بأحدٍ لا يُنْقَض، كذا رُوِيَ عن محمد. وقيّدنا النَّقض بما إذا أُحْدِث بغير إذن الإمام، لأن التدبير فيما يكون للعامة للإمام، وله ولاية المنع قبل الوضع، وهذا كلّه على قول أبي حنيفة. وعلى قول
стр. 1673
وَفي طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ لا يَسَعُهُ بِلَا إذْنِ الشُّرَكَاءِ. وَضَمِنَ عَاقِلَتُهُ دِيَةَ مَنْ مَاتَ بِسُقُوطِهَا، كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا في طَرِيقٍ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَتَلِفَ به إنْسَانٌ،
===
أبي يوسف: لكلّ أحدٍ أن يمنعه قبل الإحداث. وعلى قول محمدٍ: ليس لأحدٍ منعه قبل الإحداث ولا نقضه إذا لم يكن فيه ضررٌ بالناس، وبه قال مالك والشافعيّ (وأحمد) (١) والنَّخَعِيّ وإسحاق والأوْزَاعِيّ، لأنَّ الشرع أَذِنَ له في ذلك، فصار كما لو أذن له الإمام بل أولى، لأن إذن الشارع أحرى وولايته أقوى، وصار كالمرور حيث لا يجوز (لأحدٍ) (٢) أن يمنعه منه.
وأُجِيبَ بأنّ هذا انتفاعٌ بما لم يوضع له الطريق، فكان لهم منعه، وإن كان جائزاً في نفسه، بخلاف المرور فيه، لأنه انتفاعٌ بما وُضِع الطريق له، فلا يكون لأحدٍ منعه. (وَ) مَنْ أحدث ذلك (في طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ لا يَسَعُهُ) أي لا يجوز له (بِلَا إذْنِ الشُّرَكَاءِ) سواء أضرّ بهم أو لم يضرّ بخلاف النافذة، فإنّ الحقّ فيها لكلّ أحدٍ ويتعذَّر الوصول إلى إذن الكلّ، فجُعِلَ كل واحدٍ كأنه هو المالك وحده حكماً، كيلا يتعطَّل عليه طريق الانتفاع، ولا كذلك غير النافذة، لأن الوصول إلى إرضائهم ممكنٌ فبقي على الشركة حقيقةً.
(وَضَمِنَ عَاقِلَتُهُ) أي عاقلة من أحدث ذلك فتلف به نفسٌ (دِيَةَ مَنْ مَاتَ بِسُقُوطِهَا كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَراً في طَرِيقٍ أَوْ حَفَرَ بِئْراً) فيها (فَتَلفَ به إنْسَانٌ) لأنه متسبّبٌ بالتلف به، متعدَ بشغل الطريق، وبه قال مالك وأحمد. وقال الشَّافعي: إن سقطت خشبة ليست بمركّبة على حائطٍ يجب الضمان، وإن كانت مركّبةً يجب نصف الضمان، لأنه أتلف بما وضعه على ملكه وملك غيره فانقسم الضمان، ولو سقط المِيزَاب (فأصاب طرفه الداخل رجلاً فقتله، فلا ضمان على أحدٍ، لأن ذلك في ملكه فلا يكون متعدّياً فيه، وإن أصاب) (١) طرفه الخارج، فعليه الضمان، لأنه متعدَ فيه بشغل هواء الطريق. ولا كفَّارة عليه ولا حرمان ميراث، لأنه قتل بسببٍ، فلا يوجب الكفَّارة ولا الحرمان عندنا. ولو انتصف المِيزَاب، فسقط منه ما خرج عن الحائط ضمن جميع الدية، لأن كلّ ما خرج منه فهو، في ملك غيره.
وقال (أحمد) (٣) : يضمن جميع الدِّية في جميع الصور. وقال مالك والشَّافعيّ في القديم: لا ضمان عليه في جميع الصور، لأنه غير متعدَ في إخراجه، فلا يضمن ما تلف به، كما لو أخرجه في ملكه. وأمّا من رأى أعمى يقع في البئر، فلم يمنعه من
стр. 1674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الوقوع حتّى مات، أو رأى إنساناً يموت من الجوع ومعه طعامٌ، فلم يدفعه إليه حتّى مات، أو مرّ في الطريق وفيه حجرٌ، فلم يرفعه حتّى عثر فيه إنسانٌ ومات، فلا ضمان، وإن حَرُم عليه في الأُولَيَيْن وكُرِه له في الآخر.
ولو وَضَع إنسانٌ في الطريق جمراً، فاحترق به شيءٌ يضمن، لأنه متعدَ، ولو حرَّكت الريح الجمر إلى موضعٍ فأحرق شيئاً لا يضمن، لفسخ الريح فعله بتحويل الجمر، وإن حرّكت الريح الشَّرار يضمن عند بعضهم. وفي «الذَّخِيرَة»: هذا اختيار شمس الأئمة السَّرَخْسِي.
وكان الحَلْواني لا يقول بالضمان من غير تفصيلٍ، وهو قياس قول مالك والشافعيّ وأحمد.
ولو استأجر ربُّ الدَّار عَمَلَةً (١) لإخراج جَناحٍ (٢) أو ظُلَّة فوقع قبل أن يفرغوا منه (على إنسانِ فقتله فالضمان عليهم، لأن التَلَف بفعلهم. فإن العمل ما لم يفرغوا منه) (٣) لم يكن مسلّماً إلى ربّ الدَّار، وانقلب فعلهم قتلاً بالمباشرة حتّى وجب عليهم الكفارة وحُرِمُوا الميراث. ولو وَقَع بعد فراغهم فالضمان على ربّ الدَّار استحساناً، لأنه صحّ الإيجار حتّى استحقّوا الأجرة، ووقع فعلهم عِمارةً وإصلاحاً، فانتقل إلى المستأجر وصار كأنه فعله بنفسه.
ولو صَبَّ الماء في الطريق فعَطِبَ إنسانٌ أو دابةٌ يضمن، وكذا لو رشّ الماء أو توضَّأ به، لأنه متعدَ بإلحاق الضَّرر بالمارَّة. وأمّا إذا علم المارّ بالرّشّ ومضى على موضعه، فإن الرَّاشَّ لا يضمن. وقيل: هذا إذا رشّ بعض الطريق، لأنه يجد موضعاً للمرور ولا أثر للماء فيه. فإذا تعمَّد على موضع صب الماء مع علمه به، لم يضمن الرَّاشّ شيئاً. وإن رشّ جميع الطريق يضمن، لأن المارّ مضطرٌ حينئذٍ، وكذا الحكم في الخشبة والحجر الموضوعَيْن في الطريق في أخذهما جميعه أو بعضه. وإن رشّ فِناء حانوتٍ بإذن صاحبه فضمان ما عَطِب على الآمِر استحساناً.
ولو حمل المارّ شيئاً فسقط منه على إنسانٍ أو مالٍ فتلف به يكون مضموناً، لا ما تلف بسقوط رداءٍ ونحوه عن لابسه في حال مروره أو بالتعثر به. وكذا لا يضمن ما
стр. 1675
لا إنْ مَاتَ جُوعًا أَو غمًّا.
وإنْ تَلِفَ بِهِ بَهِيمَةٌ ضَمِنَ هُوَ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الإِمَامُ.
===
تلف بوقوع في بالوعة حفرها بإذن الإمام، وإن كان بغير إذنه يضمن، لأنه متعدَ وكذا الجواب على هذا التفصيل في جميع ما يُفْعل في طريق العامة (١) . ولو حفر في ملكه بالوعة، أو وضع شيئاً فتلف به شيءٌ لم يضمنه، لعدم اتصافه بالتعدّي. ولو وضع حجراً فَنَحَّاه غيره عن موضعه فَعَطِبَ به إنسانٌ ضمن الذي نحَّاه، لأن حكم الفعل الأول قد انفسخ بفراغ موضعه واشتغل بالفعل الثاني بموضعٍ آخر. وذكر التُّمُرْتَاشي أنّ أفنية الأبواب التي في طريق الشارع ليست بمملوكة لأصحاب الدور، ولو أرادوا أن يُحْدِثُوا في أفنيتهم، فهو وما أحدثوا في غير أفنيتهم سواءٌ.
(لا إنْ مَاتَ جُوعاً) أي لا يضمن عاقله من أحدث شيئاً من ذلك فوقع فيه إنسانٌ ومات جوعاً أو عطشاً (أَوْ غمّاً) أي أخذاً على النفس من شدة الحزن، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه مات لمعنىً في نفسه لا للوقوع، فصار كأنه مات حتف أنفه. وقال أبو يوسف: لا يضمن إن مات جوعاً، ويضمن إن مات غمّاً، لأنه لا سبب للغمّ سوى الوقوع، والغمّ أثر جعل الأرض عميقاً، وهو من آثار حفره فَيُضَاف إليه، والجوع من آثار الطبيعة حيث لم يبق في المعدة شيءٌ من الطعام، وليس ذلك من أثر حفره. وقال محمد: هو ضامنٌ في الوجوه كلها، وهو قياس قول مالك والشافعي وأحمد، لأن ذلك إنما حدث بسبب الوقوع، إذ لولاه لكان الطعام قريباً منه، وأوجبوا الدية.
((وإنْ تَلِفَ بِهِ) أي بحفر البئر في الطريق (بَهِيمَةٌ ضَمِنَ هُوَ) أي الحافر من ماله) (٢) (إِنْ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ) أي بالحفر (الإِمَامُ) لأنه متعدَ في الحفر فيضمن ما تلف به، غير أنّ العاقلة تتحمل الأنفس دون الأموال، والبهيمة مالٌ فكان ضمانها في ماله. وإلقاء التراب والطين في الطريق، كإلقاء الحجر والخشبة فيما ذكرنا.
ولو كان مسجدٌ لعشيرةٍ، فعلّق رجلٌ منهم قِنْديلاً، أو جعل فيه بَوَاري (٣) أو حصى فعَطِب به رجلٌ لا يضمن، سواء فعل بإذن الإمام أو بغير إذنه، وبه قال أحمد والشافعي في وجهٍ، وقال في وجهٍ آخر: يضمن إذا فعل بغير إذن الإمام. ولو كان الذي فعل ذلك من غير العشيرة، وفعل بغير إذن الإمام، وغير إذن العشيرة، ضمن عند أبي
стр. 1676
وَرَبُّ حَائِطٍ مَائِلٍ إلى طَرِيقِ العَامَّةِ، وَطَلَب نَقْضَهُ، مُسْلِمٌ أَوْ ذَمِّيٌّ مِمَّنْ يَمْلِكُ نَقْضَهُ كَالرَّاهِنِ بِفَكِّ رَهْنِهِ، والوَليِّ والوصَي وَالمُكَاتَبِ، وَالعَبْدِ التَّاجِرِ، فَلَمْ يُنْقَضْ في مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْضُهُ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ، وَعَاقِلَتُهُ النَّفْسَ.
===
حنيفة، وقالا: لا يضمن في الوجهين، وبه قال الشافعي في وجهٍ ومالك وأحمد، لأن هذه قُرْبة يُثَاب عليها الفاعل، وكلّ أحدٍ مأذونٌ له في إقامتها شرعاً، فلا يتقيّد بشرط السلامة، وصار كأهل المسجد، وكما لو كان بإذنهم.
قال الحَلْوانيّ: أكثر مشايخنا أخذوا بقولهما في هذه المسألة، وعليه الفتوى.
ولو جلس في مسجد العشيرة رجلٌ منهم فَعطِبَ رجلٌ لم يضمن إن كان في الصلاة، سواء كانت فرضاً أو نفلاً، وإن كان في غيرها ضمن، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن على كلّ حالٍ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. ولو كان جالساً للقراءة أو للتعليم، أو نائماً فيه في الصلاة أو غيرها، أو مرّ فيه، أو قعد فيه للحديث، فهو على هذا الخلاف. وأمّا المعتكف، فقيل: لا يضمن بلا خلافٍ، وكذا المنتظر للصلاة لا يضمن على الصحيح عن أبي حنيفة، نصّ عليه شمس الأئمة السَّرَخْسِي في شرح «الجامع الصغير» لقول رسول الله ﷺ : «المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها». والمصلي لا يضمن، فكذا المنتظر.
(وَرَبُّ حَائِطٍ) مبتدأ مضاف، أي صاحب جدار (مَائِلٍ (١) إلى طَرِيقِ العَامَّةِ وَطَلَب نَقْضَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذَمِّيٌّ) والجملة عطفٌ على مَائِلٍ (مِمَّنْ يَمْلِكُ نَقْضَهُ) متعلّق بطلب (كَالرَّاهِنِ بِفَكِّ رَهْنِهِ) بخلاف المرتهن فإنه لا يملك النقض (والوَليِّ) من الأب والجدّ (والوصيّ وَالمُكَاتَبِ وَالعَبْدِ التَّاجِرِ فَلَمْ يُنْقَضْ) بصيغة المجهول عطفٌ على طَلَب بصيغة الفاعل (في مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْضُهُ) فيها (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) من المال وهذه الجملة خبر المبتدأ (وَ) ضمن (عَاقِلَتُهُ النَّفْسَ) والقياس أن لا يضمن، وهو قول الشَّافعيّ وقول أحمد المنصوص، لأنه لم يحصل منه تعدَ بمباشرةٍ ولا بفعلٍ ولا سببٍ، لأنّ أصل البناء كان في ملكه، والميلان وشغل الهواء والسقوط ليس من فعله، فلا يضمن كما قبل الإشهاد.
ووجه الاستحسان، وهو قول أصحاب أحمد ومالك والنَّخَعِي والثَّوْرِيّ والشَّعْبِيّ ومروي عن علي: أن امتناعه من تفريغ الطريق المشتغل هواؤه بملكه مع تمكّنه من
стр. 1677
لا مَنْ طُلِبَ مِنه فَبَاعَ، وَقَبَضَهُ المُشْتَرِي فَسَقَطَ، أَوْ طُلِبَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ كالمُودَعِ وَنَحْوِهِ.
===
التفريغ بعد طلبه تَعَدَ، كمن وقع في يده ثوب إنسان فإنه لا يكون متعدّياً في الإمساك، ولكن لو طُولِب بالرَّدِّ فلم يردّ صار متعدّياً، فكذا هنا بخلاف ما قبل الإشهاد، لأنه بمنزلة إهلاك الثوب قبل الطلب، ولأن الضمان لو لم يجب عليه لامتنع عن التفريغ فينقطع المارة خوفاً على أنفسهم فيتضرّرون، ودفع الضَّرر العام واجبٌ، يُتَحَمَّل في دفعه الضّرر الخاص.
قيّد بطلب النقض، لأنه الشرط دون الإشهاد، وإنما ذكر صاحب «الهداية» الإشهاد، لإنه للتمكّن من الإثبات عند الإنكار، فكان من باب الاحتياط. وقيّد المطلوب منه بأن يكون يملك نقض الحائط بقدرته، كالرَّاهن في الدّار المرهونة لقدرته على نقض الحائط بواسطة فكّ الدّار من الرهن، وكأبي الطفل أو جدّه في مال ابنه، والوصيّ في مال يتيمه، وكالمُكَاتَب، لأن الولاية له، فالتلف حال الكتابة تجب قيمته عليه لتعذّر الدفع، وبعد عتقه تجب على عاقلة مولاه، وبعد عجزه لا تجب على أحدٍ لعدم قدرة المُكَاتَب وعدم الإشهاد في المَوْلى، وكالعبد التاجر، سواء كان عليه دينٌ أو لا، لأن الولاية له، فإن كان التالف بالسقوط مالاً فهو في عنق العبد، وإن كان نفساً فهو على عاقلة المَوْلى.
وقيّد عدم النقض بكونه في مدة يمكن نقضه فيها حتّى لو طُلِبَ منه فسقط من ساعته لا يضمن ما تلف به، لأنه لا بدّ من إمكان (النقض) (١) ليصير بتركه جانياً. ويستوي في المطالبة المسلم والذميّ، لأن الناس كلهم شركاء في المرور، فيصحّ التقدّم من كل واحدٍ منهم رجلاً كان أو امرأةً إذا كان بالغاً عاقلاً حرّاً أو مُكَاتَباً، لأن هذه المطالبة حقّ العامة، فلا يختصّ بأحدٍ من أهل المطالبة.
(لا مَنْ طُلِبَ (منه) (٢) ) بصيغة المجهول، أي لا يضمن ما تَلِفَ بسقوط الحائط مالكٌ طُلِبَ بنقضه (فَبَاعَ وَقَبَضَهُ المُشْتَرِي فَسَقَطَ) لأن الضمان هنا بسبب ترك الهدم مع التمكُّن منه، وقد زال ذلك التمكّن بالبيع. ولا يضمن المشتري أيضاً، لأنه لم يُطْلَب منه، حتّى لو طُلِبَ منه بعد شرائه فسقط يضمن لتركه التفريغ مع التمكّن منه بعد الطلب (أَوْ طُلِبَ) نقضه (مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ كالمُوَدَعِ وَنَحْوِهِ) وهو المستأجِر والمستعير والمرتهِن، حتّى لو سقط الحائط بعد الطلب من أحَد هؤلاء
стр. 1678
وَإنْ مَالَ إِلَى دَارِ أَحَدٍ فَلَهُ الطَّلَبُ. وِإنْ بَنَى مَائِلًا ابْتِدَاءً ضَمِنَ بِلَا طَلَبٍ. وَإنْ طُلِبَ أَحدُ الشُّرَكَاءِ، أَوْ حَفَرَ في دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَالضَّمَانُ بِالحِصَّةِ.
فَصْلٌ [في جِنَايَةِ البَهِيمَةِ]
ضَمِنَ الرَّاكِبُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابتَّهُ،
===
فأتلف شيئاً، لا يضمن أحدٌ منهم، لأنه لا يملك نقضه. ولا يضمن المالك، لأنه لم يُطْلَب منه. (وَإِنْ مَالَ) الحائط (إِلَى دَارِ أَحَدٍ) من النَّاس (فَلَهُ الطَّلَبُ) لأن الحقّ له على الخصوص، وإن كان فيها سكّان غيره كان لهم الطلب، لأن لهم المطالبة بإزالة ما شغل الدّارِ، فكذا بإزالة ما شغل هواها.
(وإِنْ بَنَى) الحائط (مَائِلاً ابْتِدَاءً ضَمِنَ) ما تلف بسقوطه (بِلَا طَلَبٍ) لأنه تعدّي بالبناء، فصار كإشراع الجناح ووضع الحجر وحفر البئر في الطريق (وَإِنْ طُلِبَ) بضم فكسر (أَحدُ الشُّرَكَاءِ) في حائطٍ مائلٍ بنقضه، فسقط على إنسانٍ فقتله (أَوْ حَفَرَ) أحد الشركاء (في دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ) بينهم بئراً، أو بنى حائطاً فعَطِبَ به إنسانٌ (فَالضَّمَانُ بِالحِصَّةِ) حتّى لو كان الحائط المائل بين خمسة وطُلِبَ النقض من أحدهم، ضمن خُمْس الدِّية لصحة الطلب في الخُمس خاصَّة، وكان ذلك على عاقلته.
ولو كانت دارٌ مشتركةٌ بين ثلاثة حفر أحدهم فيها بئراً، أو بنى حائطاً، فعَطِبَ به إنسانٌ فعليه ثلثا الدِّية على عاقلته، وهذا عند أبي حنيفة لتعدّيه بالحفر أو البناء في نصيبَيْ شريكه، لا في نصيبه، فلا يضمن إلاّ بقدر الثلثين. و (قالا) (١) : عليه نصفُ الدِّية على عاقلته في الفصلين، لأن التلف في نصيب المالك لا يوجب الضمان (٢) ، وفي النصيب المغصوب يوجبه، فانقسم نصفين. ومجمله اعتبار التلف في نصيب من طُولِبَ، لا في نصيب غيره، فإن قيل: الواحد من الشركاء لا يقدر أنْ يهدم شيئاً من الحائط، فكيف يصحّ الطلب منه؟ أُجِيبَ: بأنه إن لم يتمكَّن من هدم نصيبه يتمكّن من إصلاحه بالمرافعة إلى الحكَّام، وبه يحصل الغرض، لأن المقصود إزالة الضرر بأي طريقٍ كان.
فصلٌ (في جنايه البهيمة)
(ضَمِنَ الرَّاكِبُ مَا أتلفته دَابَّتُهُ) في سيرها بأن داسته بيدها أو رجلها، أو أصابته
стр. 1679
لَا مَا نَفَحَتْ بِطَرَفِ رِجْلِهَا، أوْ ذَنَبِهَا،
===
برأسها أو عضّته أو خبطته أو صدمته بجسدِها، لأن الاحتراز عن هذه الأشياء ممكنٌ، فإنها ليست من ضرورات السير (لَا مَا نَفَحَتْ) بالحاء المهملة أي لا يضمن الرَّاكب ما نفحت الدابة أي ضربته (بِطَرَفِ رِجْلِهَا أوْذَنَبِهَا) حال سيرها، لأن الاحتراز عن النَّفْحَة مع السير غير ممكن، لأنها من ضروراته، ولما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة، عن إبراهيم النَّخَعِيّ عن النبي ﷺ أنه قال: «العَجْمَاء (١) جُبَار (٢) ، والقَلِيب (٣) جُبَار، والرِّجْل جُبَار، والمَعْدِن جُبَار، وفي الرِّكاز الخمس». ورواه الدَّارقُطْنِيّ عن آدم بن أبي إياس، عن شُعْبَة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة مرفوعاً: نحوه سواء. ورواه أبو داود والنَّسائي عن سفيان بن حسين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الرِّجْل جُبَار».
قيّدنا بسيرها، لأنه لو أوقفها في الطريق وهو راكبها ضمن النَّفْحة أيضاً، لأنه يمكنه التحرّز عن وقوفه إياها وإن لم يمكنه عن النَّفْحَة، فصار متعدّياً بشغل الطريق بها فيضمن. ولو وقفها في ملكه لا يضمن إلاّ الإيطاء وهو راكبها، لأنه مباشر لحصول القتل بثقله، ولهذا يَحْرُم به الميراث، وتجب به الكفارة. ولو كان في ملك غيره: فإن كان بإذن مالكه، فهو كما لو كان في ملكه، وإن كان بغير إذنه: فإن دخلت هي بنفسها لا يضمن شيئاً، وإن أدخلها ضمن جميع ما جَنَتْ، سواء كانت واقفة أو سائرة، وسواء كان معها من يسوقها أو يقودها، أو كان راكبها أو لم يكن، لوجود التعدّي بالإدخال.
وباب المسجد كالطريق في الوقوف. ولو جعل الإمام موضعاً لوقوف الدَّواب عند باب المسجد، فلا ضمان فيما حدث من الوقوف فيه، فكذا وقوف الدابة في سوق الدواب، لأنه مأذونٌ فيه من جهة السلطان.
وفي «الذَّخِيرَة»: ولو وقفها صاحبها في طريق المسلمين ضمن ما تلف بفعلها في وجوه الإتلاف كلها، لأنه بوقوف الدابة في طريق المسلمين كان متسبباً، لأن الطريق للسلوك والسير (لا) (٤) للوقوف. ولو كانت سائرة فيه ولم يكن صاحبها معها، فإن كان سيرها بإرساله ضمن ما دام سيرها في وجهها ذلك ولم تَحِدْ عنه يميناً ولا
стр. 1680
أَوْ تَلِفَ بِمَا رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ في الطَّرِيقِ: سَائِرَةً أَوْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ. أَوْ أَصَابَتْ حَصَاةً، أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا، أوْ نَحْوَهُ، فَفَقَأ عَينًا.
وَضَمِنَ بِالْحَجَرِ الكَبِيرِ.
===
شمالاً، لأن إرسالها بلا حافظ يحفظها سبب للإتلاف، وهو به متعدَ. وإن كان سيرها بنفسها، فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلّها. وإن كان صاحبها معها وهي تسير، فإن كان راكبها فما وطئت بيدها أو رجلها فصاحبها مباشر للتلف، وما عضّت فصاحبها متسبّب متعدَ، لأنه يمكنه حفظ الدابة عن (الكَدْم) (١) بإبعادها عن المكدوم (٢) ، لأنه يكون بين عينيه.
وقال التُّمُرْتَاشِيُّ: لو كانت سائرة وصاحبها معها قائداً أو سائقاً أو راكباً، يضمن جميع ما جَنَتْ إلاّ النَّفْحَة بالرِّجل أو الذنب، وبه قال أحمد في روايةٍ. وقال في رواية يضمنها، وهو مذهب الشافعي وقول ابن أبي ليلى، كما أوقف دابته فنفحت برجلها أو ذنبها، لأن وقوفها مباحٌ مقيّد بشرط السلامة، فكذا تسييرها.
ولنا: أنه متعدَ بوقوفها دون تسييرها، لأن الطريق للتسيير والسلوك دون الوقوف، فيكون (متعدّياً) (١) فيما يمكنه أن يحترز عنه، وهو لم يتحرز. والنفحة (بالرجل) (١) والذَّنب ممّا لا يمكن التحرّز عنه، لأنه من ضرورات السير.
(أَوْ تَلِفَ) أي ولا يضمن الرَّاكب ما تلف (بِمَا رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ في الطَّرِيقِ سَائِرَةً (أَوْ) (١) أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ) أي لِتَرُوثَ أو لِتَبُولَ، لأن من الدَّواب ما لا يفعل ذلك إلاّ بالوقوف. وأما لو كان أوقفها بغير ذلك، فعَطِبَ إنسانٌ بروثها أو بولها ضمن، لأنه متعدَ بوقوفها، إذ ليس هو من ضرورات السير، وهو أكثر ضرراً من السير، لكونه أدون منه فلا يلتحق به.
(أَوْ أَصَابَتْ) بيدها أو رجلها (حَصَاةً أَوْ حَجَراً صَغِيراً أوْ نَحْوَهُ) كالنواة (فَفَقَأَ عَيْناً) أو أثار غباراً فأفسد ثوباً (وَضَمِنَ بِالْحَجَرِ الكَبِيرِ) لأن التحرّز في سير الدَّابة عن الحجر الصغير والغبار متعذّر، إذ سير الدّواب لا يَعْرَى عنه، عن الحجر الكبير لا يتعذّر، لأن سيرها ينفك عنه عادةً، وإنما يكون ذلك من تعنيف الرَّاكب، فيكون من فعله.
والرَّديف فيما ذكرنا كالرَّاكب، لأن المعنى لا يختلف في ذلك، وبه قال
стр. 1681
وَالسَّائِقُ وَالقَائِدُ كالرَّاكِبِ، إِلاَّ أنّ الكَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَإنِ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ، ضَمِنَ عَاقِلَةُ كُلٍّ دِيَةَ الآخَرَ
===
مالك: وقال الشّافعيّ وإسحاق: لا يضمن الرَّديف لأنه (تبع) (١) للرَّاكب. وقال أحمد: أرجو أن لا شيء عليه إذا كان أمامه من يمسك العِنَان. ولنا: أن الدابة في أيديهما، وتيسر بتسيير كل منهما وتصريفه كيف شاء (وَالسَّائِقُ وَالقَائِدُ كالرَّاكِبِ) عند أكثر المشايخ، فكل شيءٍ يضمنه الرَّاكب يضمنانه (إِلاَّ أنّ الكَفَّارَةَ) في الإيطاء، وكذا حرمان الإرث والوصية (عَلَيْهِ) أي على الرَّاكب (فَقَطْ) أي لا عليهما.
وفي «جامع المَحْبُوبي»: لو ساق دابةً عليها وِقْرٌ (٢) من الحِنْطَة فأتلفت شيئاً، فإن قال السائق والقائد: إليك إليك، وسمع مَنْ على الطريق هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين: إمّا أن لا يبرح من مكانه باختياره، أو أن لا يجد مكاناً آخر ليذهب فمكث في مكانه. ففي الوجه الأول: لا يضمن صاحب الدابة، وفي الثاني: يضمن، لأنه مضطرٌ في المقام في هذا بخلاف الأول. وإن لم يقل الرَّاكب: إليك إليك، أو قال ولم يسمع مَنْ على الطريق يضمن الراكب والسائق، لأن التلف مضافٌ إليه. انتهى.
ومن القواعد: أن الحكم يُضَاف إلى الوصف الأخير، كَما قالوا في السفينة المملؤة إذا طرح فيها واحدٌ مَنّا (٣) فغرقت، فالضمان على الذي وضع المَنّ الزائد، لأن الغرق يُضَاف إليه. (وَإِنِ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ) أو ماشيان وهما حرّان خطأً فماتا (ضَمِنَ عَاقِلَهُّ كلَ) منهما (دِيَةَ الآخَرَ) استحساناً. وقال مالك والشافعيّ وزُفَر: ضمن كلّ واحد منهما نصف دية الآخر وهو القياس، لأن كلّ واحدٍ منهما مات بفعل نفسه وفعل صاحبه، لأنه بصدمته آلم نفسه وصاحبه، فيهدر نصفه ويضمن نصفه، وصار كما لو كان الاصطدام عمداً، أو جرح كل واحدٍ منهما نفسه وصاحبه، أو حفرا على الطريق بئراً فانهار عليهما، حيث يجب على كلَ منهما نصف دِيَة الآخر.
ولنا ـ وهو قول أحمد ـ (ما روى) (٤) عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» في القَسَامة (٥)
стр. 1682
وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَصَابَ في فَوْرِهِ ضَمِنَ إنْ سَاقَه، وفي الطَّيْرِ وَالدَّابَةِ المُنْفَلِتَةِ لَا.
===
عن أَشْعَث، عن الحكم، عن عليّ: أنّ رجلين صدم أحدهما صاحبه فضمن كلّ واحدٍ منهما لصاحبه، يعني الدِّيَة. وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة»: حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أَشْعَث، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن عليّ في فارسين اصطدما فمات أحدهما: يضمن الحيّ للميت. ولأن فعله في نفسه مباحٌ، وهو المشي في الطريق، فلا يُعْتَبر في حقّ الضمان بالنسبة إلى نفسه، بخلاف ما ذُكِرَ من المسائل، فإنّ الفعلين محظوران، والفعل المحظور موجب للضمان، ولكن لمَّا لم يظهر الضمان في حقّ فاعله لعدم الفائدة سقط واعْتُبِر في حقّ غيره، فلذلك وجب على كلّ واحدٍ منهما نصف الدِّية، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الفعل فيه مباحٌ محض، فلم ينعقد موجباً للضمان في حقّ نفسه أصلاً، وكان صاحبه قاتلاً له من غير معارض.
ولو كانا عبديْن يُهْدَر دمهما مطلقاً. وإن اصطدم حرّ وعبد فماتا تجب على عاقلة الحرّ قيمة العبد في الخطأ، ونصفها في العبد، ويأخذها ورثة الحر، ويسقط الباقي من الدِّية.
(وَإِنْ أَرْسَلَ) رجلٌ (كَلْباً فَأَصَابَ) شَيْئاً فأتلفه (في فَوْرِهِ ضَمِنَ إنْ سَاقَه) بأن كان خلفه يطرده، ولو يكن خلفه فما دام في فوره فهو سائقٌ له حكماً، فيلحق بالسائق حقيقةً، وإن تراخى انقطع السَّوق. (وفي الطَّيْرِ) إن أرسله أو ساقه وأصاب في فوره.
(وَ) في (الدَّابَةِ المُنْفَلِتَةِ) إذا أصابت مالاً أو آدمياً ليلاً أو نهاراً (لَا) أي لا يضمن. أمّا الطَّير، فلأن بدنه لا يحتمل السَّوْق، فصار وجود سوقه وعدمه سواء، فلا يضمن مطلقاً، وأمّا الدابة المُنْفَلِتَة، فَلِمَا أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : «العَجْمَاء جُبَار، (والبئر جُبَار) (١) ، والمَعْدِنُ جُبَار، وفي الرِّكَاز الخمس». أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه في الدِّيَاتِ، ومسلم في الحدود، والترمذي في الأحكام، والنَّسائي في الزكاة. قال محمد:
стр. 1683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العجماء: هي المُنْفَلِتَة، وقال ابن ماجه: الجُبَار: الهدم الذي لا يغرم. وفي «الموطأ» قال مالك: جُبَار أي لا دِيَة فيه. ولأن الفعل غير مضاف إليه لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال أو السوق أو القود والركوب.
وقال الشّافعيّ وأحمد، وهو قول مالك وأكثر أهل الحجاز: يضمن صاحب المُنْفَلِتَة ما أفسد ليلاً لا نهاراً، لِمَا روى مالك عن الزُّهْرِيّ، عن حَرَام بن سَعْد بن مُحَيِّصَة (١) : أن ناقة للبراء دخلت حائط قومٍ فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ أنّ على أهل الأموال حفظها بالنهار، (وما أفسدت الماشية بالليل فهو مضمون) (٢) . وأُجيبَ: بأن ما رويناه متَّفقٌ عليه مشهورٌ، وما رَوَوْه مرسلٌ، وهو ليس بحجّة عند الشّافعيّ، على أن الأمر بحفظها في النهار ليس صريحاً في المدّعى، وكذا كون دخول الناقة ليلاً كما لا يخفى. ولو كان لرجلٍ كلبٌ عَقُورٌ كلّمَا مرّ عليه مارّ عضّه، فلأهل القرية أن يقتلوه، ولا يضمن صاحبه ما تلف بعضّه قبل التقدّم إليه، ويضمن بعده كالحائط المائل، وكذا الحكم في السِّنَّوْر (٣) الذي يأكل الطيور.
وذكر النَّاطفي: رجلٌ أغرى كلبه على رجلٍ فعضّه أو مزّق ثيابه، لا يضمن عند أبي حنيفة، وضمن عند أبي يوسف، وهو المختار للفتوى. ويضمن الجمل الصائل عندنا بقتله، وإن لم يكن دفعه (٤) إلاّ به، ونفاه مالك والشافعي اعتباراً بقتله مكلّفاً صائلاً لا يمكن دفعه إلاّ به. قلنا: عصمة الدّابة إنما هي لحقّ مالكها لا (٥) لذاتها، فتبقى ما بقي حقُّه (٦) ، وصِيَالها لا يُسقط عصمة ملكه، بخلاف المكلّف فإن صِيَاله يُسْقِطُ عصمته التي هي حقّه. وفي «المُنْتَقَى»: لو طرح رجلٌ رجلاً قدَّام أسدٍ أو سَبُعٍ، فقتله ليس على الطارح قَوَد ولا دية، ولكن يعزّر ويُضْرَب ضرباً وجيعاً ويُحْبَس حتّى يتوب.
стр. 1684
وَإِن اجْتَمَعَ الرَّاكبُ وَالنَّاخِسُ ضَمِنَ هُوَ حتّى النَّفْحَة.
===
وقال أبو يوسف: حتّى يموت، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان الغالب القتل يجب القَوَد، وإن كان الغالب عدمه، فعن الشافعي قولان: أحدهما يجب القَوَد، والآخر لا يجب، ولكن يجب الدية، وبه قال أحمد، وقياس قول مالك: يجب القود.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ الرَّاكبُ وَالنَّاخِسُ) أي الطَّاعن بعودٍ أو نحوه (ضَمِنَ هُوَ) أي النَّاخس إذا نخس بغير إذن الرَّاكب (حتّى النَّفْحَة) أي ما حصل بنفحة الدَّابة برجلها، وكذا ما ضربته بيدها (أو ما صدمته بنفرتها) (١) . والواقف في ملكه، والذي يسير سواء في ذلك. وعن أبي يوسف: يجب الضمان على النَّاخس والرَّاكب نصفين، لأن التلف حصل بسبب ثقل الرَّاكب ووطء الدَّابة، والثاني مضافٌ إلى النَّاخس.
ولنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن عبد الرحمن المَسْعُودِي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أقبل رجلٌ بجاريةٍ من القادسيَّة فمرّ على رجلٍ واقفٍ على دابة، فنخس رجلٌ الدابة، فرفعت رجلها فلم تحط عين الجارية، فرفع إلى سليمان بن ربيعة الباهليّ، فضمَّن الرّاكب، فبلغ ذلك ابن مسعود فقال: عليّ بالرجل، إنما يضمن النَّاخس.
وأخرج ابن أبي شَيْبَة نحوه عن شُرَيْح والشَّعْبِيّ، ولأن الرّاكب والدَّابة مدفوعان بفعل النَّاخس، فأُضَيفَ فعل الدَّابة إليه كأنه فعله بيده، ولأن الناخس متعدَ بفعله حيث نخس بغير إذن الرَّاكب، والرَّاكب غير متعدَ في فعله، فيترجَّح جانب النَّاخس للتعدّي، حتّى لو كان الرَّاكب واقفاً بدابته في الطريق كان الضمان عليه وعلى الناخس نصفين، لأنه متعدَ بوقوفها. ولو نفحت الدَّابة الناخس كان دمه هَدْراً، لأنه بمنزلة الجاني على نفسه.
ولو ألقت الرَّاكبَ فقتلته كانت ديته على عاقلة النَّاخس، لأنه متعدَ في تسبّبه، وفيه الدِّية على العاقلة. ولو نخسها بإذن راكبها فلا ضمان عليه، لأن ذلك بمنزلةٍ نخس الراكب، ولو كان النَّاخس عبداً فالضمان في رقبته، ولو كان صبياً فهو كالرَّجل، لأنه يؤاخذ بأفعاله كالبالغ.
ولو نخس الدَّابة شيءٌ منصوبٌ في الطريق فنفحت إنساناً فقتلته، فالضمان على من نصب ذلك الشيء، لأنه متعدّ بشَغْل الطريق فأُضِيفَ إليه كأنّه نخسها بيده.
стр. 1685
وَيَجِبُ في فَقَاءِ عَيْنَ شَاةِ القَصَّابِ مَا نَقَصَ عَيْنَ البَقَرِ، وَالجَزُورِ، وَالحِمَار، والبَغْلِ، والفَرَسِ: رُبْعُ القِيمَةِ.
فَصْلٌ [في جنَايَةِ الرَّقيقِ والجنَايةِ عليه]
إن جنى عَبْدٌ خطأً دَفَعَهُ سَيِّدُهُ بِهَا. أوْ فَدَاه بِأَرْشِهَا حَالًا
===
(وَيَجِبُ في فَقَاءِ عَيْنِ شَاةِ القَصَّابِ مَا نَقَصَ) لأن المقصود منها اللَّحم فلا يُعْتَبر إلاّ النقصان. وفي فقاء (عَيْنِ البَقَرِ وَ) عين (الجَزُورِ) أي بقرة القصَّاب وجزوره. (وَ) فقاء عين (الحِمَار والبَغْلِ والفَرَسِ رُبْعُ القِيمَةِ) وقال الشّافعيّ، وهو قياس قول مالك وأحمد: يجب النقصان اعتباراً بالشاة. ولنا: ما رواه الطبرانيّ في «معجمه» عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قضى في عين الدَّابة بربع ثمنها. ورواه العُقَيْلِيّ في «ضعفائه»، وأعلّه بإسماعيل بن أبي أمية.
وما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثّوريّ، عن جابر الجُعَفِيّ، عن الشَّعْبِيّ، عن شُرَيْح: أن عمر ﵁ كتب إليه أنّ في عين الدابة ربع ثمنها. وفيه أيضاً: أخبرنا ابن جُرَيْج عن عبد الكريم: أن علياً قال: في عين الدَّابة الربع. وما (رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن عليّ بن مُسْهِر، عن الشَّيْبَانيّ، عن الشَّعْبِيّ قال: قضى عمر) (١) في عين الدابة ربع ثمنها، وفيه أيضاً: حدّثنا جرير، عن مُغِيرة، عن إبراهيم، عن شُرَيْح قال: أتاني عُرْوة البارِقيّ من عند عمر: أن في عين الدّابة ربع ثمنها. والفرق بينها وبين الشاة: أن فيها مقاصد سوى اللحم وهي: الركوب، والزينة، (والحمل) (٢) والجمال، والعمل.
فصلٌ (في جناية الرقيق والجناية عليه)
(إِنْ جَنَى عَبْدٌ خَطَأً دَفَعَهُ سَيِّدُهُ) إلى المجنيّ عليه (بِهَا) أي بسبب الجناية (أوْ فَدَاه بِأَرْشِهَا (٣)
حَالاً) لقول عليٌّ: ما جنى عبد في رقبته يُخَيّر مولاه: إن شاء فداه، وإن شاء دفعه. رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه».
واعلم أن عندنا يجب على المولى جناية عبده، فيجب عليه دفعه أو فداؤه. وعند الشّافعيّ يجب على العبد، فيباع فيها إلاّ إن يَفْدِيَهُ المولى. وفائدة الخلاف: أنّ