الإهداء
إلى مَن روانا من فيض حنانه، ورعانا بجميل صبره وإحسانه، إلى من آثر التعب على الراحة، والخمول على الشهرة، إلى من بذل صحته ووقته في سبيل تعليمنا.
إلى صاحب القلب الصافي الكبير، والصدر الواسع، والعلم الغزير.
هذه ثمرة من غرسكم الذي سهرتم عليه، وقطرة من عذب مائكم الذي نهلنا من معينكم.
إلى الملَّا عبد العليم الزنكي - رحمه الله تعالى -.
عربون محبة ووفاء وعرفان.
وإلى من أفنى عمره في خدمة السنة والعلم، إلى المحدث البارع، والمدقق اللامع، إلى صاحب الخلق الرفيع.
إلى العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله تعالى -
محمد وهيثم
стр. 2
مقدمة سماحة المفتي الشيخ خليل المَيْس مدير "أزهر لبنان"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده، محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإن كُتب الفقه - وعند جميع المَذَاهب - جرى التصنيف فيها على مناهج تعرف بالمتون والشروح والحواشي.
والمتون ألَّفها حُذَّاق الأئمة وكِبار الفُقهاء المعروفين بالعِلم والزُّهد والفقه والتَّفقه في الرِّواية .. وقد اشتهر أنها موضوعة لنقل أصل المذهب ومَسائل ظاهر الرِّواية غَالبًا عند فُقَهاء الحنفيَّة، وكثيرًا ما يذكر أربابُ المتون مَسْألة هي من تخريجات المشايخ المُتقدمين .. ويذكرون فيها أيضًا مَذْهب الصاحِبَين: أبي يوسف ومحمد بن الحَسَن إذا كَان رَاجِحًا ..
هذا، وكتاب "النُّقَاية" للإِمَام صَدْر الشَّرِيعة عُبَيد الله بن مَسْعُود المَحْبُوبي (٧٤٧ هـ) هُو مُخْتصر كتاب "الوِقَاية" المُنتقى مِنْ كِتاب "الهِدَاية" أحد المُتون الأربعة المُعتمدة في ضَبط مَذْهب الإِمَام أبي حنيفة ﵀، مُضافًا إليها "كَنْز الدَّقائق" للنَّسفي (٧١٠ هـ)، و"المُخْتَار" لأبي الفضل مَجْد الدِّين عبد الله بن محمود المَوْصِلي (٦٨٣ هـ)، و "مَجْمع البحْرين" لمُظَفَّر الدين أحمد بن عَليّ البغْدَادِي المَعروف بـ: (ابن الساعاتي)، (٦٩٤ هـ)، و"مُخْتَصر القُدُورِيّ" ذَائع الصيت لأبي الحسين أحمد بن مُحمَّد القُدُوري (٤٢٨ هـ).
وأشهر هذه المُتون ذِكْرًا وأقوَاهَا للاعتماد: "والوقاية" و"الكَنْز" و"مُخْتَصر القُدُوريّ"، فهي المُراد بقولهم: المتون الثلاثة …
وإِذَا أطلقُوا (المُتُون الأربعة) أرادوا هذه الثلاثة و"المُخْتَار" أو "المجمع" …
هذا، وإن كتاب "فَتْح باب العِنَاية بشرح النُّقاية" للإِمَام الفقيه الحُجَّة الحافظ عليّ بن مُحمَّد سلطان القَارِي الحنفيّ المكيّ، المتوفَّى (١٠١٤ هـ)، قد استقاه من أُمهات شُروح
стр. 3
كُتب المَذْهَب، ولَقِيَ كلٌّ مِنْ المَتن والشرح رَوَاجًا كبيرًا ولِعدة قرون لدَى عُلماءِ البِلاد التي تُعْرف سابقًا ببلاد ما وَرَاء النَّهْر …
الكتاب متنًا وشرحًا
وإنما شقَّ طريقَهُ إلى بلادنا العلَّامةُ الشيخُ عَبدُ الفَتَّاح أبو غُدَّة رَحِمَهُ الله تَعَالى، حيثُ نَشَر جزءًا من الكتاب محققًا منذ ثلاثين عامًا .. وتوقَّف عند هذا الحد … ومُنذُ ذلك التارِيخ تَشَوَّفت نفُوس العُلماء وطَلَبة العِلم الشريف لِصُدُور بقية الكِتاب، نظرًا لأسلوبه المُمَيَّز وقُرب تناول مادته.
وأخيرًا قيَّض اللهُ تَعَالى لَهُ كُلًا من الشَّابَّين الفاضلين: محمد وهيثم تميم، حيث بذلا جهدًا مُباركًا في تَحْقيقه وطبَاعتهِ، وأخرجوهُ مشكورين بهذه الحُلَّة الرائعة الرائقة.
ولَا شَكَّ أن فرحة أهل العلم قَاطبةً ستكون عظيمة عندما تَقعُ أبْصَارهم على هَذا السِّفْر النَّفِيس الذي يُعتبر بحقٍّ نموذجًا للفِقه الإِسْلامِي المُقَارن، وبخاصة بين مذْهَبَي أبي حنيفة والشافعيّ رَحِمهُما الله، مدعَّمًا بالأدلة من الكتاب والسُّنة للمَذْهبين، مع بيان وجه الاسْتِدْلَال لكل مِنْهما .. وهذا الأسلُوب الذي بَات اليوم مُفضلًا في تدريس مادة الفِقْه لدى كُلٍّ من الجَامِعات والمَعاهد الإِسْلَامِية وحِلَق العلم الشرعي الشريف.
ونرجُوه تَعَالى أن ينفعَ بهذا الكتاب أهلَ العِلم ويُجْزِلَ المثوبة للأخوين الكَريمَين: محمد وهيثم على حُسن صنيعهمَا .. في إصدَارِ هَذا الكِتاب الذي طالَ انتظارُهُ ..
والله من وراء القصد.
في بيروت
٤ جمادى الآخرة سنة ١٤١٨ هـ
الموافق له: ٧ من تشرين الأول سنة ١٩٩٧ م
وكتبه
خادم العلم الشرعي
مفتي زحلة والبقاع الغربي
مدير "أزهر لبنان"
الشيخ خليل المَيْس
стр. 4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وأفاض علينا سابغ النِّعَم، في الظاهر والباطن والسِّرِّ والعلن، ما عَلِمنا منها وما لم نعلم، حَمْدَه القديمَ الذي حَمِدَ بهِ نفسَه، أفضلَ الحمد وأكملَه، حمدًا يعجز العقلُ عن حصره، واللسانُ عن وصفه، وتَقْصُرُ عنه الهِمَم.
وأفضل الصلاة وأتمُّ السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للأُمم، من قيل له: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ورضي الله عن أصحابه مصابيح الظُّلَم أبد الآبدين ما خطَّ قلم.
أما بعد:
فإن أولى ما صُرِفَتْ إليه نفائسُ الأيام، وأعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام: الاشتغالُ بالعلوم الشرعية، ولا سيما الفقه منها، لقول النَّبي ﷺ : "مَن يُردِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّههُ في الدِّين" (١).
فَحَرِصَ العلماءُ على تعلُّم الفقهِ وتعليمه إلى أن لَقِيَ رَواجًا واسعًا، ونشأت عنه مدارسُ متعدِّدة.
وقد مرَّ فقهنا الإسلامي الشامخ بمراحل متعددة من التدوين، وحاز قَصَبَ السَّبْق في هذا المَيدان، مذهبُ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، على يد محمد بن الحسن الشيباني مُدَوَّن المذهب وناشره رحمهما الله تعالى.
وصُنِّف بعد كُتِب الإمام محمد تآليف عديدة: بين مختصَر ومطوَّل، ومُخِلٍّ ومُفْرِط، ومدقَّق ومُحَرَّر، وكان من أدق كتب الحنفية في نقل المذهب تخريجًا وتلخيصًا وتحقيقًا وتمحيصًا كتاب "الهداية" للإمام برهان الدين المَرْغِيناني، واختصر هذا الكتاب الإمامُ تاج الشريعة محمود المَحْبُوبي بكتاب سماه "وقاية الرواية في مسائل الهداية"، وهو أحد المتون الأربعة المعتمدة عند الحنفية، ثم جاء الإمام مُلَّا علي القاري فشرحه واستوفي مقاصده وأظهر فرائده من عيون كتب الحنفية، بكتاب سماه "فتح باب العناية"، فكان شرحه حقًّا فتحًا لباب العناية رحمه الله تعالى.
_________
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١/ ١٦٤، كتاب العلم (٣)، باب من يُرِد الله به خيرًا (١٣)، رقم (٧١).
стр. 5
قصتنا مع الكتاب:
هذا، وقد تعرفنا على كتاب "فتح باب العناية" من الجزء المحقَّق الذي اعتنى به شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى. وكنا حريصين على اقتناء ما يحققه أو يعتني به أو يشير إليه من كتب، لكثرة اطلاعه، وسَدَاد نُصْحه، وطول باعه، وَوَفْرَة فوائده، وغَزَارة علمه.
فقرأنا مقدمة الكتاب، وعرفنا مدى شغف شيخنا به، ومدى حرصه على إخراجه لطلبة العلم، فشُغفنا بالكتاب لشغفه، وحَرِصنا على إخراجه لحرصه، وكان هذا منذ سنة ١٩٩٠ تقريبًا، وما زلنا ننتظر الكتاب سنة بعد سنة، ولكن مشاغل شيخنا رحمه الله تعالى أحالت دون إصدار بقية الكتاب محققًا كما كان يرجو.
وفي سنة ١٩٩٢ تقريبًا عندما قمنا بخدمة كتاب "شرح شرح نُخبة الفِكَر" لمُلّا علي القاري، وترجمنا له، وقفنا على أرقام مخطوطات لـ: "فتح باب العناية" في المكتبة السليمانية، ومن حسن تقدير الله تعالى، أن يَسَّر لنا زميلًا من تركيا من زملاء الدراسة (١)، فطلبنا إليه أن يساعدنا للحصول على مصوَّرة لهذا الكتاب النفيس، وزوَّدناه بأرقامها، فسعى جاهدًا للحصول على طَلِبَتَنَا، جزاه الله عنا كلَّ خير.
ومضت الأيام والشهور، وبعد حوالي ثمانية أشهر، بعد أن كدنا نَفْقِدُ الأمل، جاءتنا البشرى بمصوَّرة الكتاب على "ميكروفيلم"، فسُرِرنا بها أيَّما سرور وَطِرْنا بها فرحًا، ثم في سنة ١٩٩٣ يَسَّر الله لنا الحصولَ على مطبوعة باكستان من المدينة المنورة أثناء رحلة الحج.
فرأينا أن الأمور تتيسر بين أيدينا لأمر يعلمه الله سبحانه، وكتابُ شيخنا لم يخرج بعد، واشتدت الحاجة إلى إخراجه أكثر، لما له من مزيد أهمية ومزيَّة، من حيث التدليلُ على المسائل الفقهية وربطها بأصولها من الكتاب والسنة.
فكنا نودّ أن يخرج الكتاب قريبًا، تعميمًا للنفع والفائدة، فعزمنا على إخراجه، إلا أننا كنا نقدِّم رِجلًا ونؤخر أخرى، لأننا لسنا من فرسان هذا المَيدان، ولا من حمائم تلك الأفنان.
فوقعنا في حَيصَ بيصَ، بين أمرين اثنين: أن تَطُولَ مُدَّةُ إخراج الكتاب حتى يتفرع له شيخنا ﵀ ويخرج محققًا التحقيق الأمثل، أو أن يخرج الكتاب في مدة وجيزة بخُطة أقلَّ وتحقيق موجز!
_________
(١) وهو الأخ الفاضل حكمت التركي.
стр. 6
وبقي الأمر هكذا لم يُحسم حتى كنا مرة في زيارة لأزهر بيروت عند شيخنا الفاضل سماحة مفتي البقاع الشيخ خليل المَيْس، فسَأَلَنا عن آخر ما أصدرناه من أعمال علمية، فذكرنا له أنه "شرح شرح نُخْبَة الفكر" لمُلَّا علي القاري، وما كدنا أن ننتهي من عرض الاسم عليه حتى قال الشيخ لنا: لمُلا علي كتاب في الفقه ماتع ومفيد، لِمَ لا تعملون على إخراجه؟! فأخبرناه ما نحن به من حيرة، فشجعنا على ما كنا بصدده من إخراج الكتاب بخطة صغيرة وتحقيق موجز، وقال: فليكن مقسمًا أربعة أجزاء نقرره لطلاب "الأزهر" في كل سنة جزء. فكأنها كانت الإشارة.
فأبرقنا لشيخنا الفاضل عبد الفتاح أبو غُدَّة رسالتين نستشيره بما نحن بصدده، ونستأذنه فيما نحن عازمون عليه، إلا أن الشيخ ﵀ كان مشغولًا جدًّا، بين سفر ومرض، فلم يتسنَّ له أن يردَّ علينا. فاستخرنا الله تعالى، وشرعنا فيما يَسَّرَ لنا أسبابَه، ولم نزل حريصين على معرفة رأي شيخنا رحمه الله تعالى، فأرسلنا إليه مرة ثالثة برسالة شفهية مع بعض الإخوة الذين زاروه، فكان جوابه أن بارك العمل ودعي لنا بخير، فجزاه الله عنا كل خير.
عملنا في الكتاب:
١) مقابلة مطبوعة باكستان على المخطوط، وإثبات الفوارق المُغَيِّرة للمعنى، وإسقاط الكثير مما ليس مهمًا، ويثقل الحواشي بما لا طائل تحته.
وقد عانينا في ضبط النص وترجيح الصواب عند الاختلاف كثيرًا، وكان من المرجِّحات عندنا التي تَحْسِم الخلاف بين المطبوع والمخطوط أو تصحح الخطأ في كليهما: "نصب الراية"، و "فتح القدير" - لأنه ينقل عنهما كثيرًا دون الإشارة إليهما غالبًا - وغيرهما من كتب السُّنَّة واللغة …
٢) إضافة متن "النُّقاية" في أعلى الصفحة كما مشى عليه شيخنا الفاضل عبد الفتاح ﵀.
٣) تخريج الآيات القرآنية، والقراءات أحيانًا.
٤) تخريج الأحاديث النبوية: تعهدنا ضمن خطتنا الصغيرة، أن نُخَرِّج. فقط الأحاديث التي لم يعزها مُلَّا علي لمُخَرِّج، فإذا قال مثلًا: أخرجه البخاري، لا نَرُدُّه إلى مصدره بالجزء والصفحة، أما إذا أهمله فإننا نبحث عنه ونُخَرِّجه. وقد خرَّجنا معظم الأحاديث إلا أننا لم نجد بعضها مع كثرة التفتيش وضيق الوقت (وستأتي أمثلة ذلك في: مؤاخذات على الكتاب - ص ١٣).
стр. 7
لم نُخَرِّج الآثار الواردة في الكتاب، لما في تخريجها من كبير مشقة وعَنَاء وكثير وقت، مما يؤدي إلى تأخير صدور الكتاب، وكنا قد التزمنا إخراجه ليكون مقررًا أزهريًا لسنة ١٩٩٧ - ١٩٩٨ م / ١٤١٨ - ١٤١٩ هـ.
٥) شرح غريب الألفاظ: سيجد القارئ أننا شرحنا أحيانًا بعض الألفاظ والعبارات التي لا تخفى على طلبة العلم المتمرسين، علاوة على العلماء، إلا أنها تخفى على المبتدئين. ولمَّا كان هذا الكتاب سيقرر لطلاب الثانوي الشرعيين، كانت هذه الفكرة مسيطرة على معظم عملنا.
٦) ضبط الأعلام وبعض الألفاظ: ضبطنا النَّصَّ جهدَ استطاعتنا بحيث يسَّرنا على الطالب قراءة الأعلام وبعض الألفاظ المُشكِلة بشكل صحيح خالٍ عن التحريف والغلط.
٧) تصحيح الأخطاء المطبعية والواقعة من الناسخ، وتصحيح معظم التحريف الواقع في الكتاب.
وفاتنا بعض الأشياء التي لا يمكن تصحيحها إلا بنسخة مخطوطة دقيقة موثَّقة، بخطِّ المؤلِّف أو مقابلة على نسخة المؤلف أو مقروءة عليه.
٨) التعليق على بعض العبارات، بما يحل مشكلها ويوضح غامضها.
٩) شرحنا الموازين والمعايير القديمة بالمصطلحات الحديثة: المِتْرِيَّة أو الكيلوغرامية، وذلك تيسيرًا للفهم وارتباطًا بمعطيات الواقع أكثر.
١٠) فصَّلنا فقرات الكتاب وجعلنا له علامات ترقيم.
١١) عَنْوَنَّا في بعض المواطن حيث يلزم، وجعلنا كل ما أضفناه بين حاصرتين: [].
١٢) مقدمة تعريفية بالكتاب والماتن.
منهج مُلَّا عليّ في الكتاب:
١ - اختصر مُلَّا علي "نصب الراية" عند تخريج الأحاديث وسَرْدِ الروايات، دون أن يشير إلى هذا إلا أحيانًا قليلة.
وزاد على "نصب الراية" أشياء قليلة ليست فيه، من روايات في الباب تقوِّي الاستدلال وترجح الاختيار.
стр. 8
٢ - اختصر أشياء كثيرة من "فتح القدير" و "الكفاية"، دون أن يشير إليهما، حتى إنه ينقل العبارة أحيانًا بحروفها دون زيادة أو نقصان.
٣ - أضاف تعليلات قليلة ليست في شروح "الهداية" المطبوعة بين أيدينا.
٤ - تتبع أحاديث "الهداية" في كل باب بقوله: أما قول صاحب "الهداية" كذا فكذا.
٥ - يعرض المسألة ويأتي برأي المخالف ودليله، ثم يعرض دليل الحنفية في المسألة ويناقش أدلة الآخرين، ويُرَجِّح أخيرًا ما يتبدَّى له، ويُبَيِّن وجهة نظره في هذا الاختيار.
فالحق أنه كتاب في الفقه المقارن في بعض المسائل والأبواب.
ومن المعلوم أنه لا ينقل كلام المذاهب الأخرى من كتاب في الفقه الحنفي أو الشافعي .... ، ولكن تنقل أقوال المذاهب المحررة من كتب المذهب، وكذلك الأمر هنا بالنسبة لأقوال المذاهب الأخرى فهي بحاجة إلى تحرير وتأكد.
وأثناء عملنا في الكتاب تبين لنا أنه ينقل آراء الشافعية المعتمدة غالبًا، ولكن لم يتسنَّ لنا أن نتابعه في كل ما ينقل عن الشافعية حتى نتأكد من الأقوال كلها، فليُتَنَبَّه.
٦ - يناقش أقوال المذهب الحنفي ويحرر النقول بما يراه أوفق لقواعد المذهب، فتراه لا يقتنع بسهولة إلا بعد كثرة تمحيص وتفتيش ومحاورة وتدقيق.
٧ - تحقيقه للروايات الشائعة وتمحيصه لها كقصة: أن عثمان ﵁ أُرْتِجَ عليه في أول خُطبة بعد ولايته، فحقق الكلام فيها وقال بأنها غير صحيحة. انظر صفحة ٤٠٦ من الجزء الأول.
مؤاخذات على الكتاب:
١ - ومع هذا التحقيق والتدقيق من مُلَّا علي ﵀ إلا أن الله تعالى أَبَى العصمة إلا لكتابه، فإن المؤلف فاته أشياء من التحقيق كحديث: "إذا نام العبد في السجود يباهي الله ملائكته … " انظر صفحة ٦٦ من الجزء الأول فهو حديث ضعيف جدًّا.
و"كقصة الحمامة" أنها وَكَرَتْ على باب الغار عند هجرة النبي ﷺ ، انظر صفحة ٩٨ - ٩٩ من الجزء الأول، فهو أشبه بأن يكون موضوعًا.
٢ - التساهل في تحرير بعض الأقوال في المذهب الحنفي والمذاهب الأخرى،
стр. 9
كمسألة العورة عند الإمام مالك …
٣ - وكعادته مُلَّا علي غالبًا ما ينقل الحديث والعبارات بالمعنى لا باللفظ.
٤ - روي أحاديث كثيرة في الكتاب فعزا معظمها إلى مُخَرِّجيها، إلا أنه ترك بعض الأحاديث بلا عزو، وهو بهذا يكون قد خالف منهجه، الذي مشى عليه. فحاولنا ما استطعنا أن نُخَرِّج ما فاته، فوُفِّقنا في كثير منها وبقي أشياء لم نعثر عليها مع شدة الحرص وكثرة البحث وضيق الوقت، مثل حديث: إجابة المؤذن عند قوله في أذان الفجر: "الصلاة خير من النوم" بـ: "صدقت وبَرِرْتَ … " فقال مُلَا علي: لورود الخبر هكذا! ولم يُصَرِّح بمن أورده. انظر صفحة ٢٠٦ من الجزء الأول.
٥ - روى كثيرة من الآثار ولم يعزها إلى مُخَرِّجيها.
ولما كانت الآثار كثيرة والعمل على عزوها مجهدًا مما يؤخرنا عن تسليم الكتاب في الموعد المطلوب ليكون مقررًا درسيًا لطلبة "أزهر لبنان"، عزفنا عن تخريجها لطبعة لاحقة إن شاء الله تعالى.
أصل الكتاب
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى:
ألَّفَ أصلَ نصوصه: "المتنَ" المسمَّى "النُّقَاية" الإمام صدرُ الشريعة عُبَيْد الله بن مسعود المحبوبيُّ المتوفَّى سنة ٧٤٧ هـ. وقد اختصرَ فيه أحدَ المتون الأربعة المعتبرة عند الحنفية: "وقاية الرواية في مسائل الهداية" (١)، الذي ألَّفَه له جَدُّه الإمامُ تاج الشريعة محمود المَحبوبي ليحفظه في أول نشأته. وقد استخلصه من مسائل كتاب "الهداية" للإمام برهان الدين المَرْغِيناني، الذي هو أجلُّ كتب الحنفية التي وصلت إلينا تحقيقًا وتمحيصًا، وأدقُّها في نقل مذاهب أئمتنا الحنفية تخريجًا وتلخيصًا.
ولما كان كتابُ "النُّقاية" ثبات كتاب "الوقاية" الذي هو لُبابُ كتاب "الهداية":
_________
(١) قال العلامة الإمام عبد الحي اللكنوي في "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" في ترجمة (عبد الله بن محمود المَوصلي) صاحب الاختيار شرح المختار" ص ١٠٦: "قد كثر اعتماد المتأخرين على الكتب الأربعة: المختار، والكنز، والوقاية، ومجمع البحرين. وسمَّوها المتون الأربعة المعتبرة، ومنهم من يعتمد على الثلاثة: الوقاية، والكنز، ومختصر القدوري".
وذكر اللكنوي نحو هذا في كتابه العظيم "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ٩ - ١٠، - و "الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - مع فوائد نفيسة لا يستغني عنها العالم الفقيه فضلًا عن المتفقه، فانظره. (انتهى تعليق الشيخ عبد الفتاح ﵀.
стр. 10
كان بحقٍّ لُبَابَ اللُّباب. ومن أَجْلِ هذا تبارى جهابذة فقهاء الحنفية في خدمته وشرحه، واستيفاءِ مقاصده وإظهار فرائده.
وكان أعلاهم في هذا المضمار كعبًا، وأبلغَهم في نيل مقصدِهِ أرَبًا: الإمامُ الفقيه المحدِّثُ الشيخ علي القاري، فقد نظَمَ في شرحه: "فتح باب العناية" المزايا المنثورةَ في كتب من تقدَّمه من الأئمة، مثل كتاب "المبسوط" للسَّرَخْسِي، و"البدائع" للكَاساني، و"الهداية" للمَرْغيناني، و"الاختيار" للمَوْصِليّ، و"تبيين الحقائق" للزيلعي، و"شرح الوقاية" لصدر الشريعة، و"العناية" للبَابِرتي، و"البناية" للعيني، و "غُنية المُتَمَلِّي" لإبراهيم الحلبي، و"حَلْبَة المُجَلِّي في شرح مُنية المصلي" لابن أمير الحاج الحلبي، و"فتح القدير" للكمال بن الهُمَام، وغيرها.
بل يمكن أن يقال: إنه لخَّص فيه كتابَ "فتح القدير" من معارك المناقشات والخلافات، ويسَّر أسلوبه، وفتَحَ عبارته، وجاء به سهلًا سائغًا عذبًا نَمِيرًا. كما أنه استخلَصَ زُبدةَ شروح و"النُّقاية" التي سبقَتْ شرحَه هذا، فكان شرحُه حقًّا: "فتح باب العناية" وأفضلَ الشروح جميعًا، كما أنه أنقاها لغة، وأسلسُهَا عبارة، وأوفاها استدلالًا، وأحسنُهَا تعليلًا، مع امتيازه - إلى هذه المزايا - بعزو الأحاديث إلى مخرِّجِيها، والأقوال إلى قائليها (١).
لهذا كان قارئهُ لا يجد نفسَه مَحُولًا بينه وبين فهمه، كما هي الحال في جُلِّ كتب الفقه، بل إنه ليرَى هذا الكتاب وكأنه ليس فيه للغة العلمية والمصطلحات الفقهية الخاصة أيُّ نصيب. ومن أجل هذا اخترتُ خدمته وطبعه ونشره، ليكون في يد كل مسلم وشابٍّ متفقّه في دينه، حريصٍ على صحةِ عبادته وفهمِ شريعته (٢).
هذا، وقد يظن ظانٌّ أن "النُّقاية" مختصر "الوقاية"، مشى فيه على ترتيب "الهداية"، إلا أنه يتبين عند المقابلة لمَسْرَدِ كتب كلٍّ من الكتابين أن بينهما تقديمًا وتأخيرًا في كثير من المواطن، وقد قمنا بمقابلة لمسرد كتب كلا الكتابين وإليك التفصيل في الجدول الآتي:
_________
(١) وهذا الحكم غالبًا وليس دائمًا.
(٢) انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح ﵀ من مقدمته لـ "فتح باب العناية" ص ٤ - ٥.
стр. 11
جدول يُبيّنُ اختلاف ترتيب كتب "النُّقاية" و "الهداية"
فهرس كتب "النُّقاية (١) … فهرس كتب "الهداية"
١ - كتاب الطهارة … ١ - كتاب الطهارات
٢ - كتاب الصلاة … ٢ - كتاب الصلاة
٣ - كتاب الزكاة … ٣ - كتاب الزكاة
٤ - كتاب الصوم … ٤ - كتاب الصوم
٥ - كتاب الحج … ٥ - كتاب الحج
٦ - كتاب النكاح … ٦ - كتاب النكاح
٧ - كتاب الرضاع … ٧ - كتاب الرضاع
٨ - كتاب الطلاق … ٨ - كتاب الطلاق
٩ - كتاب العتاق … ٩ - كتاب العتاق
١٠ - كتاب المكاتب … ١٠ - كتاب الأيمان
١١ - كتاب الأيمان … ١١ - كتاب الحدود
١٢ - كتاب البيوع … ١٢ - كتاب السرقة
١٣ - كتاب الشفعة … ١٣ - كتاب السِّير
١٤ - كتاب القسمة … ١٤ - كتاب اللقيط
١٥ - كتاب الهبة … ١٥ - كتاب اللقطة
١٦ - كتاب الإجارة … ١٦ - كتاب الإباق
١٧ - كتاب العارية … ١٧ - كتاب المفقود
١٨ - كتاب الوديعة … ١٨ - كتاب الشركة
١٩ - كتاب الغصب … ١٩ - كتاب الوقف
_________
(١) الكتب الزائدة في "الهداية" هي غالبًا إما فصول أو أبواب في "النُّقاية".
стр. 12
٢٠ - كتاب الرهن … ٢٠ - كتاب البيوع
٢١ - كتاب الكفالة … ٢١ - كتاب الصرف
٢٢ - كتاب الحوالة … ٢٢ - كتاب الكفالة
٢٣ - كتاب الوكالة … ٢٣ - كتاب الحوالة
٢٤ - كتاب الشركة … ٢٤ - كتاب أدب القاضي
٢٥ - كتاب المضاربة … ٢٥ - كتاب الشهادات
٢٦ - كتاب المزارعة … ٢٦ - كتاب الرجوع عن الشهادة
٢٧ - كتاب المساقاة … ٢٧ - كتاب الوكالة
٢٨ - كتاب إحياء الموات … ٢٨ - كتاب الدعوى
٢٩ - كتاب الوقف … ٢٩ - كتاب الإقرار
٣٠ - كتاب الكراهية … ٣٠ - كتاب الصلح
٣١ - كتاب الأشربة … ٣١ - كتاب المضاربة
٣٢ - كتاب الذبائح … ٣٢ - كتاب الوديعة
٣٣ - كتاب الأضحية … ٣٣ - كتاب العارية
٣٤ - كتاب الصيد … ٣٤ - كتاب الهبة
٣٥ - كتاب اللقطة واللقيط والآبق … ٣٥ - كتاب الإجارات
٣٦ - كتاب المفقود … ٣٦ - كتاب المكاتب
٣٧ - كتاب القضاء … ٣٧ - كتاب الولاء
٣٨ - كتاب الشهادة … ٣٨ - كتاب الإكراه
٣٩ - كتاب الإقرار … ٣٩ - كتاب الحجر
٤٠ - كتاب الدعوى … ٤٠ - كتاب المأذون
٤١ - كتاب الصلح … ٤١ - كتاب الغصب
٤٢ - كتاب الحدود … ٤٢ - كتاب الشفعة
стр. 13
٤٣ - كتاب السرقة … ٤٣ - كتاب القسمة
٤٤ - كتاب الجهاد … ٤٤ - كتاب المزارعة
٤٥ - كتاب الجنايات … ٤٥ - كتاب المساقاة
٤٦ - كتاب الديات … ٤٦ - كتاب الذبائح
٤٧ - كتاب الإكراه … ٤٧ - كتاب الأضحية
٤٨ - كتاب الحجر … ٤٨ - كتاب الكراهية
٤٩ - كتاب المأذون … ٤٩ - كتاب إحياء الموات
٥٠ - كتاب الوصايا … ٥٠ - كتاب الأشربة
٥١ - كتاب الخنثى … ٥١ - كتاب الصيد
. . . . . . . . . . . … ٥٢ - كتاب الرهن
. . . . . . . . . . . … ٥٣ - كتاب الجنايات
. . . . . . . . . . . … ٥٤ - كتاب الديات
. . . . . . . . . . . … ٥٥ - كتاب المعاقل
. . . . . . . . . . . … ٥٦ - كتاب الوصايا
. . . . . . . . . . . … ٥٧ - كتاب الخنثى
стр. 14
وصف الأصول المعتمدة
١ - مطبوعة كراتشي /الباكستان، بمجلدين ضخمين من القَطْع الكبير، عدد صفحات الأول: ٧٦٧ صفحة، والثاني: ٥٦٧ صفحة.
وبهامشه "شرح النقاية" لمحمود بن إلياس بن يحيى الرومي، استفدنا منه في بعض المواطن.
طُبِعَ الأول سنة ١٣٢٦ هـ = ١٩٠٨ م، والثاني سنة ١٩٢٨ هـ = ١٩١٠ م.
جعلنا المطبوع أصلًا وقابلنا المخطوط عليه، وفي بعض الأحيان كانا يتفقان على الخطأ في موضع واحد ولفظ واحد، مما يضطرنا إلى الرجوع لمرجِّح خارجي لضبط العبارة.
٢ - مخطوطة السليمانية، وهي عبارة عن جزءين رقمها: (٥١٢)، (٥١٣).
مسطرتها: ١٥ × ٢١ سم
عدد الأسطر: ٢٥ - ٢٦
عدد الأوراق:
الجزء الأول: ٣٣٢ ق من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الحج.
الجزء الثاني: ٣٧٦ ق من كتاب البيوع إلى آخر الكتاب.
سنة النسخ: ١١٦٠ هـ.
وبشكل عام النسخة جيدة مع ما فيها من أخطاء وأسقاط وتحريفات، وقد عانينا الكثير لضبط النص، وبذلنا جهدنا ليكون في أقرب صورة لنص المؤلف ﵀، ومع هذا بقي في الكتاب أشياء من التصحيف والتحريف لم نهتد إلى تصويبها، وقد علقنا عليها بلفظ: كذا في الأصل! مع علامة تعجب. وهي ليست كثيرة بالنسبة لحجم الكتاب، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لاستدراكها في طبعة مقبلة إن شاء الله تعالى.
٣ - مخطوطة للمتن: "النقاية"، قابلنا معظم المتن عليها وساعدتنا في تصويب بعض الأخطاء.
وهي نسخة خاصة من مكتبة شيخنا الفاضل زهير الشاويش.
مسطرتها: ٨ × ١٤ سم.
عدد الأسطر: ١١.
стр. 15
عدد الأوراق: ١٤٢ ق.
سنة النسخ: ٩٨٨ هـ.
بلد النسخ: مَرْوَ الشاهِجَان.
خطها واضح مقروء، فيها بعض التصحيفات والأغلاط، إلا أننا استفدنا منها في بعض المواضع.
٤ - "فتح القدير" لابن الهمام. كثيرا ما كنا نصوب بعض العبارات من "فتح القدير"، وذلك لأن مُلَّا علي لخص هذا الكتاب تقريبًا أثناء نقله عنه.
٥ - "نصب الراية" للزيلعي، وكذلك استفدنا منه استفادتنا من "فتح القدير".
تنبيه:
لم نترجم للعلّامة مُلَّا علي القاري - رحمه الله تعالى - هنا اكتفاءً بترجمته الواسعة التي كتبناها في مقدّمة "شرح شرح نُخْبَة الفِكَر". فانظره إذا شئت.
خبرٌ مفجع:
جاءنا خبر وفاة شيخنا الفاضل عبد الفتاح أبو غُدّة رحمه الله تعالى الأحد ٩ من شوال سنة ١٤١٧ هـ، الموافق له: ١٦ من شباط سنة ١٩٩٧ م، قبل دفع الكتاب للطباعة، فعدّلنا بعض التعليقات المنقولة عنه بالترحم عليه، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا وعن طلبة العلم والعلماء كلَّ خير، وجعله الله تعالى في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسْنَ أولئك رفيقًا.
فكم كنا نتمنى أن نبعث إليه بهذه الطبعة المتواضعة التي قمنا بخدمتها، لتكون أصلًا لعمله، وتيسيرًا لتحقيق الكتاب كما يرتضيه، ولكنه قَدَرُ الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
وكذلك كان الأمر بالنسبة لصحيح الإمام البخاري، كنا نتمنى أن نبعث إليه بنسخة اعتنينا بها وأثبتنا على صفحة الغلاف اسم الكتاب العلمي، الذي طالما تمني الشيخ أن يراه مثبت على نسخ "صحيح البخاري"، فصدرت النسخة بعد وفاة الشيخ أيضًا، ولم تكتحل عينه برؤيتهما، فإنا لله وإنَّا إليه راجعون.
كلمة شكر:
هذا، ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر من كل مَنْ أسهم معنا في إخراج هذا الكتاب، ونخصُّ بالذكر منهم: الحاج الفاضل: أحمد أكرم الطَّبَّاع صاحب "دار الأرقم" على ما
стр. 16
يُسديه من خدمة للتراث الإسلامي فجزاه الله خيرًا، وكذلك نشكر الإخوة - في مكتبنا - الذين بذلوا الجهد في مساعدتنا على إخراج هذا الكتاب، فكانوا كالجنود المجهولين يعملون من وراء ستار ولهم كبير الأثر والفضل، وهم:
فادي مرشود، وعثمان دياب، وأحمد اليوسف. فجزاهم الله كل خير.
وأخيرُا لا ندّعي الكمال في عملنا، ونطلب من أهل الفضل والعلم أن يزودنا بملحوظاتهم واستدراكاتهم مشكورين مأجورين، حتى نُلْحِقَهَا بالكتاب أو نضعها في أماكنها.
ونرجو ممن استفاد من عملنا المتواضع أن يخُصَّنا وشيوخَنا بدعوة صالحة في ظهر الغيب، وأن يَغُضَّ الطَّرْف عن زلاتنا وينصحَ لنا.
"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصالحات.
وكتبه
في بيروت
الجمعة: ١ من جمادى الثانية سنة ١٤١٨ هـ
الموافق له: ٣ من تشرين الأول سنة ١٩٩٧ م
محمد بن نزار تميم وهيثم بن نزار تميم
_________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٧٤، كتاب الذكر والدعاء (١١)، رقم (٣٨ - ٢٦٩٩).
стр. 17
ترجمة صاحب "النُّقاية" (١) (٠٠٠ - ٧٤٧ هـ)
عُبَيد الله صدر الشريعة الأصغر ابن مسعود بن تاج الشريعة، محمود بن صدر الشريعة أحمد بن جمال الدين عُبَيد الله المَحْبُوبي، صاحب "شرح الوقاية"، المعروف بين الطلبة بصدر الشريعة.
هو الإمام المُتَّفَق عليه، والعَلَّامة المختلف إليه، حافظ قوانين الشريعة، مُلَخِّص مشكلات الأصل والفرع، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيهٌ خلافي جَدلِيّ، محدِّثٌ نَحْويّ لُغَويّ، أديب نَظَّارٌ متكَلِّمٌ منطقي، عظيم القدر جليل المَحَلِّ، غُذِّي بالعلم والأدب، وورِثَ المجد عن أبٍ فأبٍ.
أخذ العلم عن جدِّه الإمام تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة، عن أبيه صدر الشريعة، عن أبيه جمال الدين المحبوبي، عن الشيخ الإمام المفتي إمام زاده، عن عماد الدين، عن أبيه شمس الأئمة الزَّرَنْجَرِيّ، عن السَّرَخْسِيّ، عن الحلواني، عن أبي عليٍّ النَّسفي، عن محمد بن الفضل، عن السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير، عن أبيه، عن محمد.
وكان ذا عناية بتقييد نفائس جَدِّه وجمع فوائده. شَرَح كتاب "الوقاية" من تصانيف جده تاج الشريعة، وهو أحسن شروحه، ثم اختصر "الوقاية" وسماه "النُّقاية"، وألَّف في الأصول متنًا لطيفًا سماه "التنقيح"، ثم صنَّف شرحًا نفيسًا سماه "التوضيح"، وله "المقدمات الأربعة"، و"تعديل العلوم"، و"الشروط والمحاضر".
مات سنة سبع وأربعين وسبع مئة (٧٤٧ هـ)، ومرقده ومرقد والديه وأولاده وأجدادِ والديه كلها في شرع آباد ببخاري، وأما جَدُّه أبو أبيه تاج الشريعة وأبو والدته برهان الدين فإنهما ماتا في كَرمان ودُفِنَا فيها. كذا ذكره عبد الباقي الخطيب بالمدينة المنورة الذي يرفع نسبه إلى قاضيخان (٢).
_________
(١) انظر ترجمته في: الجواهر المضية ٤/ ٣٦٩، والطبقات السنية ٤/ ٤٢٩،، وتاج التراجم ص ٢٠٣، وكتائب أعلام الأخيار رقم (٥١٧)، وكشف الظنون: ص ٤١٩، ٤٩٦، ١٠٤٧، ١٢٧٠، ١٩٧١،٢٠١١، ٢٠٢١، والفوائد البهية ص ١٠٩ - ١١٢، وفيه بحث نفيس حرَّر فيه العلَّامة اللَّكْنَوِيّ الاضطراب الواقع في ترجمته. والأعلام ٤/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) انتهى بحروفه من الفوائد البهية ص ١٠٩ - ١١٠.
стр. 18
نماذج من المخطوطات
صفحة وقْفِيَّة الجزء الأول من "فتح باب العناية"
стр. 19
الصفحة الأولى من الجزء الأول من "فتح باب العناية"
стр. 20
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من "فتح باب العناية"
стр. 21
صفحة وَقْفِيَّة الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
стр. 22
الصفحة الأولى من الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
стр. 23
الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
стр. 24
صورة الصفحة الأولى من "النُّقَاية"
стр. 25
صورة الصفحة الأخيرة من "النُّقَاية"
стр. 26
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وبه أَستعين، ربِّ تَمِّم بالخير] (١)
الحمدُ لله الذي جعل العلماءَ ورثة الأنبياء، وخلاصةَ الأولياء، الذين يدعو لهم ملائكةُ السماء، والسَّمَكُ في الماء، والطيرُ في الهواء. والصلاةُ والسلامُ الأتمَّان الأعمَّان على زُبدةِ خُلاصة الموجودات، وعُمدة سُلالة المشهودات، في الأصفياءِ الأزكياء، وعلى آله الطيبينَ الأطهارِ الأتقياء، وأصحابه الأبرار نجومِ الاقتداءِ والاهتداء.
أمّا بعد (٢)، فيقول الملتجي إلى حَرَمِ ربّه الباري، عليُّ بن سلطانٍ محمدٍ القاري الحنيفي (٣) الحنفي، عاملهما الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي:
إنَّ من المعلوم عند أرباب الفهوم أنَّ علم الفقه من العلوم أهمُّها، ولنفع الخاصَّة والعامَّة أعمُّها وأتمُّها، فينبغي الاعتناء به، لتحصيل درجة الاعتلاء بسببه، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لِيَنْفِروا كافَّةً فلولا نَفَرَ من كلّ فِرقةٍ منهم طائفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِروا قومَهم إذا رَجَعُوا إليهم لعلَّهم يَحْذَرُون﴾ (٤)، وقال : ﴿قد فصَّلنا الآياتِ لقومٍ يفقهون﴾ (٥).
وقد ورد في «مسند أحمد» و «صحيحي الشيخين» وغيرهما، عن جَمْعٍ من الصحابة أنه ﷺ قال: «من يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّههُ في الدِّين». وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: «فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان مِنْ ألفِ عابد» (٦). وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا (٧): «إنَّ أُناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤن القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء، ونُصيب من دُنياهم، ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يُجتنَى من القَتَاد (٨) إلا الشَّوكُ، كذلك لا يُجتنَى مِنْ قُرْبِهم إلا الخطايا».
стр. 27
وروى الترمذي عن أبي أُمامة: «فَضْلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وما ذلك إلا لكون العلم نفعُهُ متعدَ والعبادةُ نفعُها قاصر، ولأنَّ العلم إما فرضُ عين وإما فرضُ كفاية، والعبادةُ الزائدةُ على الفرائض لا تكون إلا نافلة، والعابدُ قد يكون مُقلِّداً، والعالم يكون مُحقِّقاً مجتهداً، فلا يكونانِ متساويَيْنِ أبداً. ومِن ها هنا
وَرَد: «يُوزَنُ مِدادُ العلماء بدماء الشهداء، ويرجُحُ مِدَادُ العلماء» (١)، مع أَنْ مدادهم أَدنى مراتب أفعالِهم، ودِماءَ الشهداء أعلى مناقب أحوالِهم.
(قَبُولُ الحديثِ المْرسَلِ)
والحاصل: أنَّ علم الفقه هو الباحثُ عن الحلال والحرام، والباعثُ على التمييز بين الجائز والفاسد من وجوه الأحكام، المحتاجُ إليه الخواصُّ والعوامّ، في جميع الساعات والأيام، لكن روى الدَّيْلَمِيّ عن علي مرفوعاً: «من ازداد علماً ولم يَزدد في الدنيا زُهداً، لم يَزدد من الله إلا بُعداً» (٢).
اعلم: أن علماءنا رحمهم الله تعالى أكثَرُ اتّباعاً للسُّنَّة من غيرهم، وذلك أنهم اتَّبعوا السلفَ في قبول المُرسَل، معتقدين أنه كالمُسنَد في المعتمد، مع الإِجماع على قبول مَرَاسِيل الصحابة من غيرِ النزاع.
قال الطبري: أجمَعَ العلماءُ على قَبول المُرْسَل، ولم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكارُه إلى رأس المئتين. قال الراوي: كأنه يعني (٣) الشافعي، وأشار إلى ذلك الحافظ أبو عُمرَ بنُ عبد البَرّ في «التمهيد». فمَنْ نَسَبَ أصحابَنا إلى مخالفةِ السُّنَّةِ واعتبارِ الرأي والمقايسةِ، فقد أخطأ خطأً عظيماً، لأنَّ الحديث الموقوف على الصحابة مقدَّم على القياس عندنا، وكذا الحديثُ الضعيف، فمَنْ خَالَفنَا فيما ذكرنا فهو مِنْ رأيهِ الفاسد وقياسِه الكاسِد.
والحاصل: أنَّ المُرْسَل حُجَّةٌ عند الجمهور، ومنهم الإِمامُ مالك، وقد نَقَل الحافظُ أبو الفرج بنُ الجوزي في «التحقيق» عن أحمد، ورَوَى الخطيبُ في كتاب
стр. 28
«الجامع»، أنه قال: رُبَّما كان المُرسَلُ أقوى من المُسنَد. وجَزَم بذلك عيسى بنُ أبانٍ من أصحابنا، وطائفةٌ من أصحاب مالك: أنَّ المُرسَلاتِ أولى من المسنَدَات. ووَجْهُهُ أن مَنْ أسنَدَ لك فقد أحالَكَ على (١) البحث عن أحوالِ مَنْ سَمَّاه لك، ومَنْ أرسَلَ من الأئمَّة حديثاً مع علمهِ ودينِهِ وثقتِهِ، فقد قَطَعَ لك على صحته وكَفَاكَ بالنَّظَر. وقالتْ طائفة من أصحابنا ومن أصحاب مالك: لسنا نقولُ: إنَّ المُرسَلَ أقوى من المُسنَد، ولكنهما سواءٌ في وجوب الحُجَّة. واستدلُّوا بأنَّ السلفَ أرسَلوا ووَصَلوا وأسندوا، فلم يَعِبْ واحدٌ منهم على صاحبِه شيئًا مِنْ ذلك.
ورَدَّ الشافعيُّ المُرسَل إلا أن يجيء من وجهٍ آخَرَ مُسنَداً، أو مُرسَلاً أرسَله عن (٢) واحد مِنْ غير رجال الأَوَّل، أو اعتَضَد بقولِ الصحابي، أو بقولِ أكثر أهل العلم، أو كان المُرسِلُ لا يُرسِلُ إلا عن عَدْل، هكذا نَصَّ عليه الإِمام فخرُ الدين والآمِدِي.
قال ابنُ الحاجِب: وقد أُخِذَ على الشافعي فقيل: إنْ أُسْنِدَ فالعمَلُ بالمُسنَدِ وهو وارِدٌ، وإنْ لم يُسنَدْ فقد انضمَّ غيرُ مقبولٍ إلى مِثْلِهِ، لكنَّ الشقَّ الثاني لم يَرِد، لأنَّ الظنَّ قد يحصل أو يقوى بالانضمام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام.
ثم اعلم: أنَّ المتأخّرِين اصطلحوا على تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف، ومُرسَل، ومُنقطِع، ومُعضَل، وغير ذلك من الأنواع المعروفة في أصول الحديث كما حققَّناه في «شرحنا» على «شرحِ النُّخبة» (٣) للحافظ ابن حَجَر العسقلاني، ثم رَدُّوا مِنْ ذلك المُرْسَلَ وما بعده.
وأمَّا المتقدّمون من السلف، فلم يَرُدُّوا شيئاً مِنْ ذلك، كما فَعَل الإِمامُ مالكٌ في «موطَّئه» كذلك، وذلك لعَدَمِ الفَرقِ عندهم بين المُرسَلِ والصحيحِ والحسَنِ، ويُطلقون المُرسَلَ على المنقطِع وعلى المُعْضَل. فإذا رأى مخالِفُنا أنَّا احتَجَجْنَا بأحاديثَ مرسلةٍ، أطلق عليها أنها ضعيفةٌ على اصطلاحهم ونَسَبنا إلى العَمَل بالحديثِ الضعيفِ المعارض للحديث الصحيح أو الحسَنِ بزعمه.
стр. 29
(السَّبَبُ الدَّاعي لِذِكْرِ الأَدِلَّةِ)
ثم لم يزل أصحابُنا المتقدّمون يَعْتَنُون في كتبهم بذكر الأدلَّة من السُّنَّة، والبحثِ عنها وتبيينِ الصحيحِ والحسن والضعيف ونحوِها، كالطَّحاوي، وأبي بكر الرازي، والقُدُوري وغيرِهم. وإنما قَصَّر في ذلك المتأخرون من أصحابنا لاعتمادهم على ما تقرَّرَ عند متقدِّميهم، فنُسِبُوا إلى هَجْر السُّنَّة والشريعة ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَنْسُبَ أصحابَنا إلى هذه الخَصْلة الشنيعة.
مع أنَّ المخالفين من الشافعية يَعِيبون على أصحابِنا ما هم واقعون فيه، فلقد أكثَرَ الإِمامُ أبو إِسحاق في «المهذَّب»، وإمامُ الحَرَمين في «النهاية» وغيرُهما مِنْ ذكر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وقد بيَّنَ ذلك البيهقيُّ من متقدميهم، ثم النوويُّ والمُنْذِريُّ مِنْ متأخِّريهم في عِدة مواضع (١)، بل صَرَّحَ إمامُ الحرمين عن حديثٍ ضعيفٍ بأنه صحيح، وغلَّطه الشيخُ تقيُّ الدين، وابنُ الصلاح، والنوويُّ وغيرُهم.
فهذا الذي أوجَبَ علينا ذِكرَ الأحاديث وتبيينَها، وتعريفَ المُخَرِّجينَ لها وتعيينَها، فإنَّ صاحب «الهداية» لمَّا ذكَرَ أحاديثَ مجملةً في تقوية الدراية بالرواية، من غير إسنادٍ إلى المخرِّجين، صار سبباً لطعنِ بعضِ أحاديثه للمتأخّرين، والله الموفق والمعين.
ولما كان كتابُ «النُّقَاية» مختَصَرُ «الوقاية» التي هي مقتَصَرُ «الهداية» المقبولُ عند أرباب البداية والنهاية، من أوجزِ المتونِ الفقيهة، في مذهب السادة الحنفية، الذين هم قادة ذي المِلَّة الحنيفية، قصدتُ أن أكتب عليه شرحاً غيرَ مُخِلَ ولا مُمِلَ، يُبيِّنُ مُشكلاتِ مَبَانيه، ويُعَيِّنُ مُعْضِلاتِ مَعَانيه، مشحوناً بالأدلة من الكتابِ، والسُّنَّة، وإجماعِ الأُمَّة، واختلافِ الأئمة، وأَكتفي من الفروع بما هو كثيرُ الوقوع، رجاءَ أن أُدرجَ في سلِكْ العلماء العاملين، وأُحشَرَ في زُمرةِ الفقهاءِ الكاملين، فأقول، وبعون الله سبحانه أَحُولُ وأَجُول، وهو حَسْبي ونِعم الوكيل، في أن يَهدِيِني سَواءَ السبيل:
قال المصنِّفُ عُمدةُ العلماء، وزُبدةُ الفضلاء، الجامعُ بين معرفة الفروع والأصول، والحاوي لطريق المنقول والمعقول، صاحبُ «التنقيح» وشرحِهِ «التوضيح» مولانا وسيدُنا صدرُ الشريعة، عُبَيدُ الله بنُ مسعودِ بنِ تاج الشريعة، ـ جعل الله سَعْيَه مِنْ أعلى السعاية، والذريعة إلى مراتب الدرجات الرفيعة، مات في نَيِّفٍ وثمانين وستِّ
стр. 30
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رافعِ أعلام الشريعة الغرَّاء،
===
مئةٍ (١) ﵀ سبحانه رحمةً تامةً ـ:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
أي باسمه أشرعُ لا بغيره (الحمد لله) وهو: الثناءُ بالجميل على جهة التبجيل. وجَمَع بينهما اقتداءً بالكتاب المجيد، وعملاً بما ورد من الحديث الحميد، كما رواه الحافظ الرُّهاوي في «أربعينه»: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأُ فيه بِبِاسم (٢) الله فهو أقطع»، وفي رواية: «بذكرِ الله». قال ابنُ الصلاح: رجالُهُ رجالُ «الصحيحين»، وفي رواية: «فهو أبتر» رواه ابنُ حِبَّان. وروى أبو داود والنَّسائي في «عمل اليوم والليلة»: «كلُّ كلام ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمدُ لله فهو أجذم»، ورواه ابنُ ماجه: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمدُ لله فهو أقطع».
والحمدُ لغةً: هو الثناءُ بالجميل على جهةِ التبجيل، وعُرفاً: صَرْفُ العبدِ جميعَ نِعَمِ رَبِّه إلى ما خُلِقَ لأجلِه، كصَرْفِ النَّظَرِ إلى مَصُوغات مصنوعاتِه (٣)، والسَّمْعِ إلى ما يُنبِاء بمرضِيَّاته، والاجتنابِ عن مَنْهِيَّاتِهِ، والقلبِ إلى تَذكُّر آياته والتفكر في صفاته. وقد بَسَطنا القولَ على مفردات البَسْمَلة والحَمْدَلة وما يتعلَّقُ بهما في بعض مصنَّفاتِنا المطوَّلة (٤).
(رافعِ أَعلامِ الشريعة الغَرَّاء) بدلٌ أو بيانٌ للجلالة، ويجوز رفعُهُ وجرُّه، كما قُرِاء بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى: ﴿الحمدُ ربّ العالمين﴾، ورُويَ بها في حديث «بُنِيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله … » الحديثَ (٥).
والمرادُ بالأعلام علماءُ الأنام. والغرَّاءُ: البيضاءُ النَّوْراء. وفي رفعِهم إشارةٌ إلى
стр. 31
جاعِلِها شجرةً أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء. والصلاةُ والسلامُ على رسولِهِ محمدٍ أفضلِ الرُّسُل والأنبياء، وعلى آله
===
قوله تعالى: ﴿يَرفَعِ اللهُ الذِين آمنوا مِنْكم والذين أُوتُوا العلمَ درجاتٍ﴾ (١). وفيما بعده إيماءٌ إلى حدِيث: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَاءِ» (٢)، ولا يبعُد أن يراد بالأَعلام ما يدل على الأحكام من الكتاب، والسُّنَّةِ، وإجماعِ الأُمَّة، والقياسِ: الأدلَّة، أو ما يَدُلُّ على ترويجها كالأذان والجماعَة. ورفعُها إظهارُها.
(جاعلها) أي مُصيِّر الشريعة أو أعلامِها. والمرادُ قواعدُ أصولِ الفقه وأحكامُها (شجرةً) أي كجشرةٍ عظيمة، لها ثمرة وَسِيمة (أصلها ثابت) أي في أرضِ قلوبِ العلماء (وفرعها) أي أعلاها، أو غُصْنُها أو نتيجَتُها (في السماء) أي في سَماءِ الرِّفعةِ والعلاء، وفيه اقتباسٌ لطيف، وتضمين شريف لقوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كيف ضَرَبَ اللهُ مثلاً كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيبة﴾ (٣) الآيةَ.
وقد وَرَد عن عبد الله بن عُمر أنه ﵊ قال: «إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شجرةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإنها مِثْلُ المُسْلمِ، فحدِّثُوني ما هي»؟ قال عبدُ الله: فوقَعَ الناسُ في شجر البوادي، ووقَعَ في نفسي أنها النخلة، فاستَحْيَيْتُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا ما هي يا رسولَ الله؟ قال: «هي النخلةُ» قال عبد الله: فذكرتُ ذلك لعمر فقال: لأن تكون قلتَ: هي النخلةُ أحبُّ إليَّ مِنْ كذا وكذا». والمرادُ بأصلها الدلائلُ القطعية، وبفرعها المسائلُ الظَّنِّية.
(والصلاةُ) وهي: أفضلُ الثناء (والسلامُ) هو: أكمل الدعاء (على رسوله) أي المُجتَبَى من الأصفياء (محمدٍ أفضل الرُّسُلِ والأنبياء). والأنبياءُ أفضلُ من الملائكة عند أكثر العلماء، فهو أَفضلُ أهل الأرض والسماء. والصحيحُ أن النبيَّ إنسانٌ أُوحِيَ إليه، سواء أُمِرَ بالتبلِيغ أَوْ لا، والرسولُ من أُمِرَ بتبليغه.
(وعلى آله) أي أَهلِ بيته وأَقاربه، أَوْ جميع أُمَّته، لِمَا روى تمَّام في «فوائده» أَنه قيل: مَنْ آلُك يا رسول الله؟ قال: «آلي كلُّ تقيّ إلى يوم القيامة» (٤). والتقوى لها
стр. 32
وأصحابه نُجُومِ الاقْتِدَاء والاهْتِدَاءِ.
وبعد، فإنَّ العبدَ المتوسِّلَ إِلى الله تعالى بأقوى الذَّرِيعَة: عُبَيدَ الله بن مسعود بن تاج الشريعة - سَعِدَ جَدُّه، ............
===
مراتبُ أدناها الاجتنابُ من الشرك بالله، وأعلاها من ملاحظةِ ما سِواه.
(وأصحابِه) أي كلِّ مَنْ لقِيَه وآمَنَ به وماتَ عليه (نجوم الاقتداء والاهتداء) وفيه تلميحٌ إلى أنَّ أنوارَ عُلومِهم وأسرار فُهومِهم، مقتبسةٌ مِنْ مِشكاةِ صَدْرِ أربابِ النُّبُوَّة، الموصوف بكونه ﴿سراجاً منيراً﴾ (١) المرادِ به شمسُ سماءِ الرِّفْعَة والعَلاء، كما أنَّ أنوار الكواكب مستفادةٌ من ضياءِ شمسِ السماءِ، كما أشار إليه شارح متن «الحِكَم». وفيه أيضاً إيماءٌ إلى قوله ﵊: «أصحابي كالنُّجومِ بَأيِّهم اقتديتُم اهتديتم» (٢)، وفيه تنبيهٌ نبيهٌ على تقديم الحَسَب على النَّسَب.
(وبعدُ) مبنيّ على الضم لِقَطْعِه عن الإِضافة، أي بعدَ البسملة والحمدلةِ والتَّصْلِيَة (فإنَّ العبدَ) الفاءُ لتوهم تحرير أمَّا، أو تقريره بتقدير، أو لدفعِ تجويز إضافةِ بعدُ إلى ما بعده، وقيل: الواوُ قائمة مقام أمَّا. (المتوسِّلَ) أي طالب الوسيلة إلى مقام القُربة والوُصْلة. وفي بعض النسخ: يقول العبدُ المتوسِّل (إِلى الله تعالى) شأنُه، وتعظَّم بُرهانُه (بأقوى الذريعة) أي بأعظم أنواع الوسيلة الشريفة، إلى وصولِ الدرجات المُنِيفة، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وابتغوا إليه الوسيلة﴾ (٣).
(عبيد الله) عطفُ بيان للعبد. فعلى النسخة الأولى منصوب، وعلى الثانية مرفوع (بن مسعود بن تاج الشريعة، سَعِدَ) بفتح فكسر، أو بصيغة المفعول، وبهما قُراء قوله تعالى: ﴿وأمَّا الذين سَعِدُوا﴾ (٤). (جَدُّه) بفتح الجيم، أي حَظُّه، ومنه حديثُ: «ولا يَنفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ (٥)»، وفُسِّر بِأبي الأمّ والأبّ، وعُلوِّ النسب أيضاً. فيكون في العبارة تورية، وهي: أن يُؤتى بكلمة لها معنيانِ، أحدُهما قريبٌ متبادر إلى الذهن، والآخَرُ بعيد، ويُراد به الأخير.
стр. 33
وأُنجحَ جِدُّه - يقول: لَمّا ألَّفَ جَدِّي ومولاي العالمُ الربَّانيّ، والعاملُ الصَّمَدَاني، بُرهانُ الشريعة والحقِّ والدِّين، وارثُ الأنبياء والمرسلين، محمودُ بن صدر الشريعة، جزاه الله تعالى عني وعن سائر المسلمين خير الجَزَاء.
===
(وأُنجحَ جِدُّه) بكسر الجيم، أي سَعْيُهِ. ورُوِي به في الحديث أيضاً. وفي نسخة: قَصْدُه، أي نِيَّتُه ومَقْصِدُه. فالمعنى: ظَفِر (١) بمقصوده مِنْ باب معبوده. والجملتان دعائيتانِ معترضتان. (يقول) خبر إنَّ على النسخة الأولى، وساقطٌ من النسخة الثانية:
(لما ألَّف جدي) أي حين صَنَّف أبو والدي (ومولاي) أي مخدومي في مقام الفضل، ومُعتِقي مِنْ رِقّ الجهل (العالمُ الربانيّ) منسوبٌ إلى الربّ بزيادة الألف والنون للمبالغة كاللِّحيْاني، ومعناه: الكاملُ الجامعُ في العلم النافع، والعمل الرافع، لما رَوَى شعبة، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿ولكن كونوا رَبَّانِيِّين﴾ (٢) قال: حُكَمَاءَ وعُلمَاءَ. وفي رواية: كادوا أن يكونوا أنبياءَ. وعن ابن عباس ﵄: الربَّانيُّ: هو الذي يُربِّي الناسَ بصِغَارِ العلمِ قبلَ كباره (والعاملُ الصَّمَدانيّ) أي منسوب إلى الصَّمَد، لأنه يُصْمَدُ إليه في الحوائج ويُقْصَد، وقيل: الصَّمَدانيُّ: هو الذي يَقْصِدُ بعمله وجْهَ الله سبحانه لا غير (برهان الشريعة) وهي ظاهِرُ المِلَّة. والبرهانُ بيانُ الحُجَّة (والحقِّ) وهو الأمرُ الثابت من أطوار الطريقة وأسرار الحقيقة (والدين) وهو جامعُ المعارف اليقينية (٣) (وارثُ الأنبياء والمرسلين) أي آخِذُ علومِهِم مِنْ بعدِهم.
وقد وَرَد أنَّ: «العلماءَ ورَثَةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لا يُورِّثونَ ديناراً ولا درهماً وإنّما ورَّثوا العلمَ، فمن أخَذَه أخَذَ بحظٍ وافر» (٤)
(محمودُ بن صدر الشريعة جزاه الله تعالى عني) أي جزاه عن قِبَلي، وكافأه عِوَضي وَبَدَلي (وعن سائرِ المسلمين) فيما أفادني وإياهم مِنْ أمر الدين (خيرَ الجزاء)
стр. 34
لأجل حفظى كتابَ: "وِقاية الرِّوَاية في مسائِلِ الهداية"، وهو كتابٌ لم تَكْتَحِلْ عينُ الزمان بثانيه، في وجَازَةِ ألفاظه، مع كثرة معانيه.
لكن قَصَرَتْ هِمَّةُ أكثر أهل الزمَان عن حفظه، فاتَّخَذْتُ منه هذا "المختصر"، مشتملًا على ما لا بُدَّ منه، فمَن أَحَبَّ استحضارَ مسائل "الهِدَاية"، فعليه بحفظ "الوِقاية"، ومَن أَعْجَلَهُ الوقتُ، فليصرفْ إِلى حفظ هذا المختصر
===
وقد وَرَد: «من أتى إليكُم بمعروفٍ فكافِئُوه، فإنْ لم تجدوا فادْعُوا له» (١)
وفي حديثٍ آخر: «من صُنِعَ إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء» (٢)، أي فكافأه في الجزاء في مقام الدُّعاء (لأجل حفظي) عِلْمَ الفِقْه. متعلِّقٌ بـ: أَلَّفَ (كتاب «وقاية الرواية») مفعول ألَّفَ. والوِقاية بالكسر، وتُثَلَّث: ما وَقَيْتَ به شيئاً وحفظتَهُ بالرعاية (في مسائل الهداية) وهي «شرح البداية» للإِمام بُرهان الدين المَرْغِينَاني.
(وهو) أي: كتابُ «وِقايةِ الرواية»، أو «وقايةُ الرواية»، وتذكيرُهُ لأنه مصدر، أَوْ لتذكير خبرِهِ وهو (كتابٌ لم تَكْتَحِل عينُ الزمان بثانيه) أي لم يُوجَدْ له نظير (في وجَازة ألفاظه) بكسر الواو أي قِلَّةِ مَبَانِيه (مع كثرة معانيه) أي فكان الواجبُ على كلِّ أحدٍ أن يُقبِلَ عليه، ويَقْبَلَ ما يُنْسَبُ إليه.
(لكن قَصَرت) أي بَعُدَت أو خلت (هِمَّةُ أكثر أَهل الزمان) من جملة الإِخوان (عن حفظه) مع أنه في غاية من الإِتقان (فاتخذتُ منه هذا المختصرَ) وكان الأولى أن يقول: فاتخَذْتُ هذا المختَصَر عنه ليكونُ مُسَجَّعاً مع قوله (مشتملاً على ما لا بُدَّ منه) أي لا مَنْدُوحَة عنه، ولا استغناءَ منه، حالٌ مقدَّرة كقوله سبحانه: ﴿فادخُلُوها خالدين﴾ (٣). ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً نحو قوله تعالى: ﴿اتخَذُوا أيمانَهم جُنَّةً﴾ (٤). وفي بعض النسخ: مشتملاً على مسائِلَ لا مندوحَةَ عن حفظها.
(فمن أحب) وفي نسخة: أراد (استحضارَ مسائل الهداية) ضبطاً. وفي نسخة: أحبَّ ضَبْطَ مسائِلِ الهداية (فعليه بحفظ «الوقاية») ربطاً، (ومَنْ أعجله الوقتُ) أي لم يَسَعْهُ حِفْظُه في مقام الرعاية (فليصرف إِلى حفظ هذا المختصر) المسمى بالنُّقاية
стр. 35
عِنان العناية، إِنه وَلِيُّ الهداية.
===
(عِنان العناية) أي لجام الاهتمام في الغاية (إِنه) أي الله سبحانه (ولي الهداية) وهي: ضِدُّ الضَّلالة والغَوَاية. وقيل: الضميرُ إلى المختَصَر، والهداية إمَّا اسمُ الكتاب، والمعنى أنَّ المختَصَر متولِّي أمْر «الهِدَاية»، بمعنى أنه يَحْصُل منه ما يَحْصُل من مسائل «الهداية». وإمَّا معناه اللغوي، أي هذا المختَصَرُ يَهدِي إلى علِمِ الفِقه لأرباب البِداية. والله تعالى أعلم.
стр. 36
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
فَرضُ الوُضُوءِ: غَسْلُ الوَجْهِ
===
كتاب الطهارة
(كتابُ الطهارةِ) أي جِنسها، وافتَتَح بها لأنها مفتاحُ الصلاة التي هي أمُّ العبادات المقدَّمةُ على المعاملات، مع ما في الطهارة من الإِيماء إلى النزاهة الباطنيَّة، عن الاعتقادات الرديَّة، والأخلاق الدنيَّة.
والكتابُ مصدرٌ بمعنى المفعول، واصطلاحاً: طائفةٌ من المسائل إما في الفروع وإما في الأصول. والطهارةُ لغةً: مجرَّدُ النظافة، وشرعاً: النظافةُ عن الحدَث أو الخَبَث. وسبَبُ وجوبِها إرادةُ الصلاة وما يُشابهها مما لا يصِحُّ وجوبُه (١) بدونها. وشَرْطُه الحَدَثُ أو الخَبَث.
(فَرضُ الوُضوء) بضمّ الواو: الفعلُ المخصوص، مشتقٌّ من الوَضاءة وهي: النَّقاوة. وبفتحها: الماءُ المُعَدُّ له. وقدَّمَه على الغُسْل لأنَّ الحاجة إليه أكثر، ولأنَّ محلَّه جزءٌ من محلّ الغُسل، ولأنه تعالى قَدَّمَهُ عليه.
والفرضُ عندنا: ما لَزِمَ فعلُه بدليلٍ قطعي، وحُكمهُ، أن يَستحِقَّ فاعلُه الثوابَ، وتاركُه العقابَ.
وأما الواجبُ فما ثَبَتَ لُزومُه بدليلٍ ظنّي. وثوابُ فاعلِهِ دون ثواب فاعلِ الفرض، وعقابُ تارِكِه أقلُّ من عقابِ تارك الفرض. الفرضُ ما يفوت العملُ بفوته، بخلاف الواجب. والعجَبُ من الإِمام الشافعي في عدمِ الفرقِ بينه وبين الظني، وتسميتِهِ الكلَّ واجباً، مع أنه اضطرَّ إليه في باب الحجّ.
وقال السُّهَيلي: «وكانت فريضةُ الوضوء بمكة، ونزلَتْ آيتُهُ بالمدينة، وأخرَجَ عن أسامة بن زيد بن حارثة أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ في أوَّل ما أُوحِيَ إليه أتاه جبرائيلُ ﵇ فعلَّمه الوضوءَ، فلما فَرَغ من الوضوء أخذ غَرْفَةً من ماءٍ فنَضَحَ بها فَرْجَه».
وَزَعَم ابنُ الجَهْم المالكي أنه كان مندوباً قبل الهجرة، وابنُ حَزْمٍ أنه لم يُشرَع إلا في المدينة.
فَفَرْضُ الوضوء مبتدأ، أي فرائضهُ أربعة: (غَسلُ الوجه) بفتح الغين مصدرُ غَسَلَ،
стр. 37
من الشَّعَرِ إِلى الأُذُن وأسفلِ الذَّقَن، ويديه ورِجليه مع مِرْفَقَيه وكعبيه، ومسحُ رُبْع رأسه،
===
بمعنى إسالةِ الماءِ وإمرارِه على العضو بحيث يتقاطر، وعن أبي يوسف أنه مجرَّدُ الإِسالة، وعنه أنه يكفي بَلُّ العضو. وبالضمّ: الاسمُ للفعل المخصوص. وبالكسر: ما يُغسَلُ به.
وحَدُّ الوجه: (من) مبدأ (الشَّعَر) بفتحهما، ويُسكَّن الثاني، أي شَعرِ الرأس غالباً، والأوجَهُ أن يقال: من مبدأ الجبهةِ الذي يلي الشعر (إِلى الأذن) بضمتين، وبضمّ فسكون، فهذا بيانُ عرْضه الشامل لليُمنَى واليُسرَى، فيكون ما بين العِذَارِ (١) والأذُنِ واجب الغَسْلِ كما هو مذهبُ أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف (و) إلى (أسفل الذَّقَن) بفتحتين وهو: مَجْمعُ اللَّحْيَيْن، وهذا بيانُ طوله. وفي الابتداءِ من الجبهةِ الحدِّ الأعلى: إيماءٌ إلى أن السُّنَّة في غَسلِ الوجه أن يَمُرَّ من الجبهة إلى الذَّقَن.
(ويديه ورجليه) أي وغَسلُ يديه ورجليه. والضميرُ لصاحبِ الوجه، لدلالة الوجه عليه، أو إلى المتوضّاء، لأنَّ سياق الكلام يُشير إليه.
وقالت الشيعةُ: الواجبُ في الرجلين المسحُ، وقال ابنُ جرِير: هو مخيَّر، وقال بعضُ الظاهرية: يجبُ الغَسلُ والمسحُ، ويأتي تحقيقُ الكلام على هذا المرام (٢) .
(مع مرفقيه وكعبيه) أي مع غَسْل كلّ منهما. والمِرفَقُ بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسِهِ: مُجتَمعُ العَضُدِ والساعِد. والكعْبُ ها هنا: العظمُ الناتاء عند أسفلِ الساق، وقال زُفَر وداودُ: لا يَدْخُل المرفَقان ولا الكعبان في غَسْل الوضوء.
ويُستَحبُّ ابتداؤه مِنْ رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين، لأنه سبحانه جعَلَ المرافقَ والكعبين غايةَ الغَسْل، فينبغي أن تكون نهايةَ الفِعل.
(ومسحُ رُبْع رأسه) عطفٌ على غَسْل الوجه. والمسحُ إصابَة اليدِ المبتلَّةِ العضوَ، إما بَللاً يأخذه من الإِناء، أو بَللاً باقياً في اليدِ بعد غَسْلِ العضو من المغسولات، لا بللاً باقياً في يدِهِ بعدَ مَسْحِ العضوِ الممسوح، أو مأخوذاً من العُضوِ المغسولِ أو الممسوح.
وقال الشافعي: الفرضُ في المسح ما يقع عليه اسمُه، وهو روايَةٌ عن أحمد. وقال مالك وأحمد: جميعُ الرأس.
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودليلُ جملةِ ما ذكرنا قولُه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنوا إذا قمتُم إلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامْسَحُوا برءُوسِكم وأرجلَكمِ إلى الكعبين﴾ (١) . ومعنى قمتم إلى الصلاة: أردتم القيام إليها، فأُقِيمَ السبب مقامَ سببِهِ الخاصّ للملابسة بينهما في تمام النظام ولإِيجاز الكلام. وظاهرُ الآية وجوبُ الوضوء على كلّ قائم إلى الصلاة وإن لم يكن مُحدِثاً، وهو خلافُ الإِجماع، ولأنه ﵊ «صلَّى بوضوءٍ واحدٍ خمسَ صلواتٍ عام الفتح، فقال عُمَرُ ﵁: صَنَعَت ما لم تكن تصنعه؟ فقال: عَمْداً صَنَعتُه يا عُمَر» (٢) . فلا بُدَّ من تأويلٍ في الآيةِ، فقيل: مطلَقٌ أُرِيدَ به التقييد، والمعنى وأنتم مُحدِثون. وقيل: الأمرُ فيها للندب، ولهذا كان ﵊ يُجدّدُ الوضوءَ لكلّ صلاة في غالب الأيام.
ومعنى «إلى» عند المحققين الغايةُ مطلقاً، وأمَّا دخولُ ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجُهُ عنه، فأمرٌ يدورُ مع الدليل. فممَّا قام الدليلُ فيه على خروجِ ما بعدها قولُه تعالى: ﴿فنَظِرةٌ إلى مَيسرة﴾ (٣) ، إذ لو دَخَل لكان الإِنظار واجباً حالةَ اليسر أيضاً، وهو ممنوع اتفاقاً. وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصيامَ إلى اللَّيل﴾ (٤) ، إذ لو دخل لوجَبَ الوصال، وهو من المُحال. ومَّما قام الدليلُ فيه على دخولِ ما بعدها قولُه تعالى: ﴿سبحانَ الذي أسْرَى بعبدِه ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى﴾ (٥) ، للعِلم بأنه لا يُسرِي به إلى البيتِ المُقدَّسِ من غير أن يُدْخلِه. وقد وَرَد أحاديثُ ممَّا يدلُّ على دخوله.
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إلى المرافقِ﴾ وقولُه: ﴿إلى الكعبين﴾ (٦) فأخَذَ زُفَر وداودُ فيهما بالمتيقَّنِ فلم يُدخلاها في الغَسل، وأَخَذ الجمهورُ بالاحتياط وأدخلوها فيه لكونه ﵊ أدارَ الماءَ على مَرافِقه.
ومعنى الباءِ في ﴿برءوسِكم﴾ للإِلصاق، وماسِحُ بعضِ رأسه ومستوعِبُه كلاهما مُلصقٌ المسحَ برأسه. فأخَذَ الشافعي بالمتيقَّن، وأخَذَ مالكٌ بالاحتياط، وأخَذَ أبو حنيفة
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رحمه الله تعالى ببيَانِ رسول الله ﷺ وهو ما روى مسلم والطبراني عن عُروة بن المُغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة: «أنَّ النبي ﷺ توضَّأ ومسَحَ بناصيته وعلى الخُفَّين». وروى أبو داود والحاكم وسَكَتا عنه، من حديث أبي مَعْقِل، عن أنس بن مالك (١) قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضَّأ وعليه عمامةُ قِطْريَّة ـ وهي بكسر القاف نوعٌ من البُرود ـ فأدْخل يدَه مِنْ تحتِ العِمامة فمَسَحَ مقدَّمَ رأسه ولم يَنْقُض العِمامة». وروى البَيهِقيُّ عن عطاءٍ: «أنه ﵊ توضَّأ في (٢) العِمامة ومسَحَ مقدَّمَ رأسهِ ـ أو قال ـ ناصيتِهِ». وهو وإن كان مُرسَلاً إلا أنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، كيف وقد اعتَضَد بالمتَّصل.
أما قولُ صاحب «الهداية»: «والمفروضُ في مسحِ الرأس مقدارُ الناصية، وهو رُبعُ الرأس، لما روى المُغيرةُ بن شُعبة: «أنَّ النبي ﷺ أَتَى سُباطَةَ (٣) قومٍ فبال، وتوضَّأ ومسَحَ على ناصِيَتِهِ وخُفَّيه» فمركَّبٌ من حديث المغيرة وحديث حذيفة، أَما حديث المغيرة فرواه مسلم عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ فمسَحَ بناصيته وعلى العِمامة وعلى خُفَّيه». وأمَّا حديث حذيفة فرواه الشيخان عنه قال: «أَتَى النبيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قومٍ فبال قائماً، ثم دعا بماءٍ فجئتُه بماء فتوضَّأ»، وفي روايةٍ لمسلم: «فتوضَّأ، فمسَحَ على خُفَّيه». وقد رواه ابنُ ماجه عن المغيرة (٤) بأَسنادٍ مختلفة مختلَفٍ فيه (٥) كما ساقه صاحبُ «الهداية». ومعلومٌ أنَّ الناصيةَ ومقدَّمَ الرأس أحَدُ جوانبه الأربعة، إذ ظاهرهُ استيعابُ تمام المقدَّم، وتمامُه هو الرُّبع المسمَّى بالناصية، فلو كان مسحُ ربع الرأس ليس بمُجزاءٍ لم يَقتَصر في ذلك الوقت عليه، ولو كان مسحُ ما دونه مُجزِئاً لَفعَلَه ﷺ ولو مرَّةً في عُمُرِه تعليماً للجواز، إذ يجب عليه مثلُ ذلك.
بقي الكلامُ على أنَّ مسحَ الرُّبع فرضٌ عملي لا اعتقادي، لأنَّ خبرَ الآحادِ ظنّي في نفسِه مع قطعِ النظر عن صحة دلالته. وقد يُطلقُ الفرضُ على ما يفوت الجوازُ بفوته، كغَسْل الفم والأنف في الغُسل، ويُسمَّى ذلك فرضاً ظنيّاً.
стр. 40
وكلِّ ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ مِن لِحْيَتِهِ.
===
والواجبُ: هو الذي لا يَلزَمُ اعتقادُ حقِّيَتِه، لثبوتِه بدليلٍ ظنيّ. ويَلزَمُ العمَلُ بمُوجَبِهِ للدلائل الدالَّةِ على وجوب اتِّباع الظنّ في أخبار الآحاد. وقد يُستعملُ الواجبُ بمعنى الفَرْض وبالعكس، كقولهم: الحجُّ واجب، والوِتْرُ فَرْض.
ثم قوله تعالى: ﴿وأرجُلَكم﴾ بالنصب على قراءةِ نافعٍ وابن عامر وحفصٍ والكِسائيِّ عطفاً على ﴿وجوهَكم﴾. والباقون بالجرّ. فقيل: على الجِوَار (١) ، كقولهم: ماءُ بئرٍ (٢) باردٍ، وجُحْرُ ضَبَ خَرِبٍ. وحكمةُ العُدُولِ إفادةُ الترتيب سُنِّيَّةٍ (٣) أو وجوباً. وقيل: عُطِفَتْ على الممسوحِ لا لتُمْسَح بل ليُنبَّه على وجوبِ الاقتصاد في صَبّ الماءِ عليها، لكون غَسْل الرِّجْل مظِنَّةً للإسرافِ الموهوم (٤) . ونبَّه بقوله: ﴿إلى الكعبين﴾ على أنها غيرُ ممسوحة، لأن المسح لم يُضرَبُ له غاية في الشريعة.
والأظهَرُ أنّ القراءتين مُبْهَمتان محمولتان على الحالتين، كما نبّه عليه (٥) ﵊ بفعلهِ حيث غَسَلهما وقت عُرْيهِما، ومسَح عليهما حالَ لبسِهما، وقد قال الله تعالى: ﴿لتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم﴾ (٦) . ومما يدلُّ عليه ما تواتَرَ عنه أنه ﵊ كان يَغْسلِ رجْلَهِ. ولم يُرْوَ أنه مسَحَ على رِجْلهِ قطُّ مكشوفة، بل ولمَّا رأى لُمْعة على رِجْلَيْ بعض الصحابة حيث غَسَلهُمَا عَجَلَةً قال: «ويلٌ للأعقاب من النار» رواه مسلم.
(وكلِّ ما يستر) بالجرّ، عَطْفٌ على رُبْع رأسِه، أي ومَسْحِ كلِّ ما يُغَطّي (البشرة من لحيتهِ) بيانٌ لـ «مَا»، والبَشَرةُ ظاهِرُ البَشَر. واحتَرَز بما يَسترها عن الشَّعر المسترسِل، فإنه لا يجب غَسْلُه عندنا، وأوجَبَه مالكٌ والشافعيُّ بقوله ﵊ لرجُلٍ غطَّى لحيتَه بثوبٍ: «اكشِفْها فإنها مِنْ الوجه». والجوابُ أنه غيرُ صحيح، ولا على المدَّعَى صريح. ثم هذه روايةٌ عن أبي حنيفة، ووجهُهَا أنَّ غَسْلَ البَشَرَة لمَّا سقَطَ لعدَمِ المواجهةِ بها أو لعُسْرِه، وجَبَ مَسْحُ شيء هو ساتِرُها كالجَبيرة.
أو عطفٌ على رأسهِ، أي ومَسْحِ رُبع كلّ ما يسترها. فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: يجِبُ مَسْحُ رُبع ساتِرِ البَشَرة، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحته صار