كِتَابُ الطَّهَارَةِ
فَرضُ الوُضُوءِ: غَسْلُ الوَجْهِ
===
كتاب الطهارة
(كتابُ الطهارةِ) أي جِنسها، وافتَتَح بها لأنها مفتاحُ الصلاة التي هي أمُّ العبادات المقدَّمةُ على المعاملات، مع ما في الطهارة من الإِيماء إلى النزاهة الباطنيَّة، عن الاعتقادات الرديَّة، والأخلاق الدنيَّة.
والكتابُ مصدرٌ بمعنى المفعول، واصطلاحاً: طائفةٌ من المسائل إما في الفروع وإما في الأصول. والطهارةُ لغةً: مجرَّدُ النظافة، وشرعاً: النظافةُ عن الحدَث أو الخَبَث. وسبَبُ وجوبِها إرادةُ الصلاة وما يُشابهها مما لا يصِحُّ وجوبُه (١) بدونها. وشَرْطُه الحَدَثُ أو الخَبَث.
(فَرضُ الوُضوء) بضمّ الواو: الفعلُ المخصوص، مشتقٌّ من الوَضاءة وهي: النَّقاوة. وبفتحها: الماءُ المُعَدُّ له. وقدَّمَه على الغُسْل لأنَّ الحاجة إليه أكثر، ولأنَّ محلَّه جزءٌ من محلّ الغُسل، ولأنه تعالى قَدَّمَهُ عليه.
والفرضُ عندنا: ما لَزِمَ فعلُه بدليلٍ قطعي، وحُكمهُ، أن يَستحِقَّ فاعلُه الثوابَ، وتاركُه العقابَ.
وأما الواجبُ فما ثَبَتَ لُزومُه بدليلٍ ظنّي. وثوابُ فاعلِهِ دون ثواب فاعلِ الفرض، وعقابُ تارِكِه أقلُّ من عقابِ تارك الفرض. الفرضُ ما يفوت العملُ بفوته، بخلاف الواجب. والعجَبُ من الإِمام الشافعي في عدمِ الفرقِ بينه وبين الظني، وتسميتِهِ الكلَّ واجباً، مع أنه اضطرَّ إليه في باب الحجّ.
وقال السُّهَيلي: «وكانت فريضةُ الوضوء بمكة، ونزلَتْ آيتُهُ بالمدينة، وأخرَجَ عن أسامة بن زيد بن حارثة أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ في أوَّل ما أُوحِيَ إليه أتاه جبرائيلُ ﵇ فعلَّمه الوضوءَ، فلما فَرَغ من الوضوء أخذ غَرْفَةً من ماءٍ فنَضَحَ بها فَرْجَه».
وَزَعَم ابنُ الجَهْم المالكي أنه كان مندوباً قبل الهجرة، وابنُ حَزْمٍ أنه لم يُشرَع إلا في المدينة.
فَفَرْضُ الوضوء مبتدأ، أي فرائضهُ أربعة: (غَسلُ الوجه) بفتح الغين مصدرُ غَسَلَ،
стр. 37
من الشَّعَرِ إِلى الأُذُن وأسفلِ الذَّقَن، ويديه ورِجليه مع مِرْفَقَيه وكعبيه، ومسحُ رُبْع رأسه،
===
بمعنى إسالةِ الماءِ وإمرارِه على العضو بحيث يتقاطر، وعن أبي يوسف أنه مجرَّدُ الإِسالة، وعنه أنه يكفي بَلُّ العضو. وبالضمّ: الاسمُ للفعل المخصوص. وبالكسر: ما يُغسَلُ به.
وحَدُّ الوجه: (من) مبدأ (الشَّعَر) بفتحهما، ويُسكَّن الثاني، أي شَعرِ الرأس غالباً، والأوجَهُ أن يقال: من مبدأ الجبهةِ الذي يلي الشعر (إِلى الأذن) بضمتين، وبضمّ فسكون، فهذا بيانُ عرْضه الشامل لليُمنَى واليُسرَى، فيكون ما بين العِذَارِ (١) والأذُنِ واجب الغَسْلِ كما هو مذهبُ أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف (و) إلى (أسفل الذَّقَن) بفتحتين وهو: مَجْمعُ اللَّحْيَيْن، وهذا بيانُ طوله. وفي الابتداءِ من الجبهةِ الحدِّ الأعلى: إيماءٌ إلى أن السُّنَّة في غَسلِ الوجه أن يَمُرَّ من الجبهة إلى الذَّقَن.
(ويديه ورجليه) أي وغَسلُ يديه ورجليه. والضميرُ لصاحبِ الوجه، لدلالة الوجه عليه، أو إلى المتوضّاء، لأنَّ سياق الكلام يُشير إليه.
وقالت الشيعةُ: الواجبُ في الرجلين المسحُ، وقال ابنُ جرِير: هو مخيَّر، وقال بعضُ الظاهرية: يجبُ الغَسلُ والمسحُ، ويأتي تحقيقُ الكلام على هذا المرام (٢) .
(مع مرفقيه وكعبيه) أي مع غَسْل كلّ منهما. والمِرفَقُ بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسِهِ: مُجتَمعُ العَضُدِ والساعِد. والكعْبُ ها هنا: العظمُ الناتاء عند أسفلِ الساق، وقال زُفَر وداودُ: لا يَدْخُل المرفَقان ولا الكعبان في غَسْل الوضوء.
ويُستَحبُّ ابتداؤه مِنْ رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين، لأنه سبحانه جعَلَ المرافقَ والكعبين غايةَ الغَسْل، فينبغي أن تكون نهايةَ الفِعل.
(ومسحُ رُبْع رأسه) عطفٌ على غَسْل الوجه. والمسحُ إصابَة اليدِ المبتلَّةِ العضوَ، إما بَللاً يأخذه من الإِناء، أو بَللاً باقياً في اليدِ بعد غَسْلِ العضو من المغسولات، لا بللاً باقياً في يدِهِ بعدَ مَسْحِ العضوِ الممسوح، أو مأخوذاً من العُضوِ المغسولِ أو الممسوح.
وقال الشافعي: الفرضُ في المسح ما يقع عليه اسمُه، وهو روايَةٌ عن أحمد. وقال مالك وأحمد: جميعُ الرأس.
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودليلُ جملةِ ما ذكرنا قولُه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنوا إذا قمتُم إلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامْسَحُوا برءُوسِكم وأرجلَكمِ إلى الكعبين﴾ (١) . ومعنى قمتم إلى الصلاة: أردتم القيام إليها، فأُقِيمَ السبب مقامَ سببِهِ الخاصّ للملابسة بينهما في تمام النظام ولإِيجاز الكلام. وظاهرُ الآية وجوبُ الوضوء على كلّ قائم إلى الصلاة وإن لم يكن مُحدِثاً، وهو خلافُ الإِجماع، ولأنه ﵊ «صلَّى بوضوءٍ واحدٍ خمسَ صلواتٍ عام الفتح، فقال عُمَرُ ﵁: صَنَعَت ما لم تكن تصنعه؟ فقال: عَمْداً صَنَعتُه يا عُمَر» (٢) . فلا بُدَّ من تأويلٍ في الآيةِ، فقيل: مطلَقٌ أُرِيدَ به التقييد، والمعنى وأنتم مُحدِثون. وقيل: الأمرُ فيها للندب، ولهذا كان ﵊ يُجدّدُ الوضوءَ لكلّ صلاة في غالب الأيام.
ومعنى «إلى» عند المحققين الغايةُ مطلقاً، وأمَّا دخولُ ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجُهُ عنه، فأمرٌ يدورُ مع الدليل. فممَّا قام الدليلُ فيه على خروجِ ما بعدها قولُه تعالى: ﴿فنَظِرةٌ إلى مَيسرة﴾ (٣) ، إذ لو دَخَل لكان الإِنظار واجباً حالةَ اليسر أيضاً، وهو ممنوع اتفاقاً. وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصيامَ إلى اللَّيل﴾ (٤) ، إذ لو دخل لوجَبَ الوصال، وهو من المُحال. ومَّما قام الدليلُ فيه على دخولِ ما بعدها قولُه تعالى: ﴿سبحانَ الذي أسْرَى بعبدِه ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى﴾ (٥) ، للعِلم بأنه لا يُسرِي به إلى البيتِ المُقدَّسِ من غير أن يُدْخلِه. وقد وَرَد أحاديثُ ممَّا يدلُّ على دخوله.
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إلى المرافقِ﴾ وقولُه: ﴿إلى الكعبين﴾ (٦) فأخَذَ زُفَر وداودُ فيهما بالمتيقَّنِ فلم يُدخلاها في الغَسل، وأَخَذ الجمهورُ بالاحتياط وأدخلوها فيه لكونه ﵊ أدارَ الماءَ على مَرافِقه.
ومعنى الباءِ في ﴿برءوسِكم﴾ للإِلصاق، وماسِحُ بعضِ رأسه ومستوعِبُه كلاهما مُلصقٌ المسحَ برأسه. فأخَذَ الشافعي بالمتيقَّن، وأخَذَ مالكٌ بالاحتياط، وأخَذَ أبو حنيفة
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رحمه الله تعالى ببيَانِ رسول الله ﷺ وهو ما روى مسلم والطبراني عن عُروة بن المُغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة: «أنَّ النبي ﷺ توضَّأ ومسَحَ بناصيته وعلى الخُفَّين». وروى أبو داود والحاكم وسَكَتا عنه، من حديث أبي مَعْقِل، عن أنس بن مالك (١) قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضَّأ وعليه عمامةُ قِطْريَّة ـ وهي بكسر القاف نوعٌ من البُرود ـ فأدْخل يدَه مِنْ تحتِ العِمامة فمَسَحَ مقدَّمَ رأسه ولم يَنْقُض العِمامة». وروى البَيهِقيُّ عن عطاءٍ: «أنه ﵊ توضَّأ في (٢) العِمامة ومسَحَ مقدَّمَ رأسهِ ـ أو قال ـ ناصيتِهِ». وهو وإن كان مُرسَلاً إلا أنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، كيف وقد اعتَضَد بالمتَّصل.
أما قولُ صاحب «الهداية»: «والمفروضُ في مسحِ الرأس مقدارُ الناصية، وهو رُبعُ الرأس، لما روى المُغيرةُ بن شُعبة: «أنَّ النبي ﷺ أَتَى سُباطَةَ (٣) قومٍ فبال، وتوضَّأ ومسَحَ على ناصِيَتِهِ وخُفَّيه» فمركَّبٌ من حديث المغيرة وحديث حذيفة، أَما حديث المغيرة فرواه مسلم عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ فمسَحَ بناصيته وعلى العِمامة وعلى خُفَّيه». وأمَّا حديث حذيفة فرواه الشيخان عنه قال: «أَتَى النبيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قومٍ فبال قائماً، ثم دعا بماءٍ فجئتُه بماء فتوضَّأ»، وفي روايةٍ لمسلم: «فتوضَّأ، فمسَحَ على خُفَّيه». وقد رواه ابنُ ماجه عن المغيرة (٤) بأَسنادٍ مختلفة مختلَفٍ فيه (٥) كما ساقه صاحبُ «الهداية». ومعلومٌ أنَّ الناصيةَ ومقدَّمَ الرأس أحَدُ جوانبه الأربعة، إذ ظاهرهُ استيعابُ تمام المقدَّم، وتمامُه هو الرُّبع المسمَّى بالناصية، فلو كان مسحُ ربع الرأس ليس بمُجزاءٍ لم يَقتَصر في ذلك الوقت عليه، ولو كان مسحُ ما دونه مُجزِئاً لَفعَلَه ﷺ ولو مرَّةً في عُمُرِه تعليماً للجواز، إذ يجب عليه مثلُ ذلك.
بقي الكلامُ على أنَّ مسحَ الرُّبع فرضٌ عملي لا اعتقادي، لأنَّ خبرَ الآحادِ ظنّي في نفسِه مع قطعِ النظر عن صحة دلالته. وقد يُطلقُ الفرضُ على ما يفوت الجوازُ بفوته، كغَسْل الفم والأنف في الغُسل، ويُسمَّى ذلك فرضاً ظنيّاً.
стр. 40
وكلِّ ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ مِن لِحْيَتِهِ.
===
والواجبُ: هو الذي لا يَلزَمُ اعتقادُ حقِّيَتِه، لثبوتِه بدليلٍ ظنيّ. ويَلزَمُ العمَلُ بمُوجَبِهِ للدلائل الدالَّةِ على وجوب اتِّباع الظنّ في أخبار الآحاد. وقد يُستعملُ الواجبُ بمعنى الفَرْض وبالعكس، كقولهم: الحجُّ واجب، والوِتْرُ فَرْض.
ثم قوله تعالى: ﴿وأرجُلَكم﴾ بالنصب على قراءةِ نافعٍ وابن عامر وحفصٍ والكِسائيِّ عطفاً على ﴿وجوهَكم﴾. والباقون بالجرّ. فقيل: على الجِوَار (١) ، كقولهم: ماءُ بئرٍ (٢) باردٍ، وجُحْرُ ضَبَ خَرِبٍ. وحكمةُ العُدُولِ إفادةُ الترتيب سُنِّيَّةٍ (٣) أو وجوباً. وقيل: عُطِفَتْ على الممسوحِ لا لتُمْسَح بل ليُنبَّه على وجوبِ الاقتصاد في صَبّ الماءِ عليها، لكون غَسْل الرِّجْل مظِنَّةً للإسرافِ الموهوم (٤) . ونبَّه بقوله: ﴿إلى الكعبين﴾ على أنها غيرُ ممسوحة، لأن المسح لم يُضرَبُ له غاية في الشريعة.
والأظهَرُ أنّ القراءتين مُبْهَمتان محمولتان على الحالتين، كما نبّه عليه (٥) ﵊ بفعلهِ حيث غَسَلهما وقت عُرْيهِما، ومسَح عليهما حالَ لبسِهما، وقد قال الله تعالى: ﴿لتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم﴾ (٦) . ومما يدلُّ عليه ما تواتَرَ عنه أنه ﵊ كان يَغْسلِ رجْلَهِ. ولم يُرْوَ أنه مسَحَ على رِجْلهِ قطُّ مكشوفة، بل ولمَّا رأى لُمْعة على رِجْلَيْ بعض الصحابة حيث غَسَلهُمَا عَجَلَةً قال: «ويلٌ للأعقاب من النار» رواه مسلم.
(وكلِّ ما يستر) بالجرّ، عَطْفٌ على رُبْع رأسِه، أي ومَسْحِ كلِّ ما يُغَطّي (البشرة من لحيتهِ) بيانٌ لـ «مَا»، والبَشَرةُ ظاهِرُ البَشَر. واحتَرَز بما يَسترها عن الشَّعر المسترسِل، فإنه لا يجب غَسْلُه عندنا، وأوجَبَه مالكٌ والشافعيُّ بقوله ﵊ لرجُلٍ غطَّى لحيتَه بثوبٍ: «اكشِفْها فإنها مِنْ الوجه». والجوابُ أنه غيرُ صحيح، ولا على المدَّعَى صريح. ثم هذه روايةٌ عن أبي حنيفة، ووجهُهَا أنَّ غَسْلَ البَشَرَة لمَّا سقَطَ لعدَمِ المواجهةِ بها أو لعُسْرِه، وجَبَ مَسْحُ شيء هو ساتِرُها كالجَبيرة.
أو عطفٌ على رأسهِ، أي ومَسْحِ رُبع كلّ ما يسترها. فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: يجِبُ مَسْحُ رُبع ساتِرِ البَشَرة، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحته صار
стр. 41
[سُنَنُ الوُضُوءِ ومُسْتَحبَّاتُه]
===
كالرأس يُفترَضُ مَسْحُ ربعه (١) .
والأصَحُّ ما رُوِي عن أبي حنيفة ومحمد أنه يجبُ إمرارُ الماءِ على ظاهرِ اللحية، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحت الشَّعر انتقَلَ الواجب إليه من غيرِ تغييرٍ، كالحاجبينِ وأهدابِ العينين. وفي «البدائع» عن أبي شُجَاع: أنهم رَجَعُوا عما سوى هذا القول. وفي «الفتاوى الظهيرية»: وعليه الفتوى.
والخلافُ إنما هو في اللحيةِ الكثيفة، إذ يجبُ اتفاقاً غَسلُ شعر اللحية الخفيفة، وهو ما يشاهد منه البشَرةُ اللطيفة. ولا يجبُ غَسْلُ ما انكتم من الشفتين عند الانضمام المعتاد، فإنه تبَعٌ للفم على الأصح، وما ظَهَر فللوجه. ولا باطِنِ العينين ولو في الغُسل لخوفِ الضرر. وقد تكلَّفه بعضُ السَّلَف كابنِ عُمَر وابنِ عباس فكُفَّ بصَرُهما في آخِر عُمرهما.
فروع
ومن الفروعِ الكثيرة الوقوعِ: لو انضمَّت الأصابعُ، أو طال الظُّفُر فغطَّى الأُنملَةَ بحيث لا يُتيقَّنُ وصولُ الماء إلى أثنائها في الصورتين، أو كان فيه ما يَمنعُ وصولَ الماء كعجينٍ يابس وشمعِ: يجبُ غَسْلُ ما تحته، ولا يكفي إجراءُ الماء على البَدَن لعروض الحائل. واختُلِفَ في التراب، ولا يَمْنعُ الوسخُ ولا خُرءُ البراغيث ووَنِيمُ الذباب (٢) . ونحوُ ذلك.
ويجب تحريكِ الخاتم الضيِّق في المختار من الرواية، لأن النبي ﷺ «كان إذا توضَّأ وضوءَ الصلاة حرَّك خاتمه في إصبعه» رواه ابنُ ماجه.
ولو ضَرَّه غَسْلُ شُقوقِ رِجْليه أَجرى الماءَ على ظاهر الدواء.
ولا يجوزُ المسحُ على ما جاوز الأُذنينِ من الشعر، لعدَمِ كونه من الرأس حقيقةً ولا حكماً. ولا يُعاد الغَسْلُ والمسحُ على موضعِ الحلْق وقطعِ الظفر ونحوِ ذلك لعدم الحدَث.
(سُنَنُ الوُضُوءِ)
(وسُننه): أي سُنن الوضوء. وفي نسخة: سُنَّتُه، وهي الطريقةُ المسلوكةُ في الدين من غير افتراضِ ولا وجوب، ويَستحِقُّ فاعِلُها الثواب، وتاركُها الملامةَ والعتاب. قال ابنُ الهُمَام: «والسُّنَّةُ ما واظَبَ عليها ﵊ مع تركها أحياناً». وفيه: أنَّ بعضَ سُنَن الوضوء مما لم يَثْبت أنه ﵊ تركَهُ أصلاً كالترتيب،
стр. 42
البِدَاءةُ بالتسمية،
===
والوِلاءِ (١) ، والتيامُنِ، وكذا النيَّة.
(البداءةُ) بالكسر، ويُضَمّ. وكذا البِداية بالياء. وفي «المُغْرِب» (٢) أنها عاميَّة، وهو الابتداءُ (بالتسمية) وأقلُّها باسم الله، وأعلاها تكميلُها بالنَّعْتَين. وقال ابنُ الهمام: لفظُها المنقولُ عن السَّلَفِ الكرام وقيل عن النبي ﷺ باسم الله العظيم والحمدُ لله على دين الإِسلام. انتهى. وقد روى معمرٌ عن ثابت، وقتادة عن أنس قال: «نظَرَ أصحابُ رسول الله ﷺ وَضُوءاً فلم يجدوا، قال: فقال رسولُ الله ﷺ ها ها ماءٌ، فرأيتُ النبيَّ ﷺ وضَعَ يدَه في الإِناء الذي فيه الماء ثم قال: توضَّؤا بِبِاسم الله، قال: فرأيتُ الماءَ يفورُ مِنْ بين أصابِعه، والقومُ يَتوضَّؤن حتى توضَّؤا مِنْ آخِرِهِم. قال ثابتٌ: فقلت (٣) لأنس: تُراهم كم كانوا؟ قال: نحواً مِنْ سبعين». رواه البيهقيُّ وقال: هذا أصحُّ ما في التسمية، وأخرجه النسائي، وابنُ مَنْدَه، وأبو بكر بنُ خُزَيمة، والدَّارَقُطْني، قاله في «الإِمام»، وقال النووي: إسنادُهُ جيِّد.
وذهب أحمدُ إلى أنَّ التسميةَ شرطٌ في الوضوء، لما روى الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا صلاةَ لمن لا وضُوءَ له، ولَا وُضوءَ لمن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عليه»، وضُعِّفَ حديثُ أبي داود بالانقطاع، وهو عندنا ـ كالإِرسال بعد عدالة الرواةِ وثقتِهم ـ لا يَضرُّ، وروى ابنُ ماجه عن أبي سعيد أنه ﵊ قال: «لا وُضوءَ لمن لم يَذكُرِ اسم الله عليه»، وكذا رواه البيهقي.
وأُجيبَ: بأنَّ المرادَ نفيُ الفضيلة والكمال، لا نفيُ الجواز والصحة، كحديث: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ»، ولِما رَوَى أصحابُ «السُّنَن الأربعة» من حديث علي بن يحيى بن خلاَّد أنَّ النبي ﷺ قال للمُسيءِ صلاتَه: «إذا قُمتَ فتوضَّأ كما أمَرَك اللهُ». وليس في الوضوءِ الذي أَمرَ الله به التسميةُ. ولِمَا رواه الدارقطني مرفوعاً: «من توضَّأ وذكَرَ اسم الله فإنه يَطْهُر جسَدُه كلُّه، ومن توضَّأ ولم يَذكُر اسمَ الله لم يَطهُرْ إلا موضعُ الوضوء» (٤) .
وفي «الهداية»: الأصحُّ أنها مستحبة. قال ابنُ الهمام: يجوزُ كَوْنُ مستَندِهِ فيه ضعفَ الأحاديث، ويجوزُ كونُهُ حديثَ المهاجِرِ بن قُنْفُذ، قال: «أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو
стр. 43
وبغسلِ يديه إِلى رُسْغَيه ثلاثًا،
===
يتوضأ فسلَّمت عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلما فَرَغ قال: إنه لم يَمنعني أن أردَّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء». رواه أبو داود، وابنُ ماجه، وابنُ حِبَّان في «صحيحه». وروى أبو داود عن نافع قال: انطلقتُ مع عبدِ الله بن عُمَر في حاجة إلى ابنِ عباس، فلما قَضَى حاجتَه كان من حديثه أن قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ في سِكَّة من سِكَك المدينةِ وقد خَرَج من غائطٍ أو بولٍ إذْ سلَّمَ عليه رجلٌ، فلم يرُدَّ ﵇، ثم إنَّه ضرَبَ بيده الحائطَ فمسَحَ وجهَهُ مسحاً، ثم ضَربَ ضربةً فمسَحَ ذراعيه إلى المرفقين، ثم كَفَّه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرُدَّ عليك إلا أني لم أكن على طهارة»، وما في «الصحيحين»: أنه ﵊ أقبَل مِنْ نحو بئرِ جَمَل (١) ، فلقيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتى أَقبل علَى الجِدار فمَسَحَ وجهه ويديه، ثم رَدَّ ﵇. فهذه الأحاديثُ متظافِرةٌ على عدم ذكرِه ﷺ على غير طهارَة، ومقتضاه انتفاؤهُ في أوَّل الوضوء الكائن عن حَدَث.
والجوابُ أنَّ المُعارضَةَ غيرُ متحقِّقة، لأن كراهة (٢) ذكرٍ لا يكونُ من متمّمات الوضوء لا يَستلزم كراهة ما جُعِلَ شرعاً مِنْ ذكرِ الله تعالى تكميلاً له، فذلك الذِّكرُ ضروري للوضوء الكامل شرعاً، فلا تعارُضَ للاختلاف قطعاً.
(وبغسلِ يديه إِلى رُسْغيه ثلاثاً) جرَّ الغَسْلَ بالباء وعَطَفه على بالتسمية، للتصريح بأنَّ هذا الغَسْلَ سُنَّة باعتبار البداءة به، كما أنَّ التسمية كذلك، ولذا لا يكون الإِتيان بواحدٍ منهما في أثناء الوضوء إتياناً بالسُّنَّة. وأما تقديمُ التسمية على غَسل اليد فجائز بل متعيِّن. والرُّسْغ بضّم الراء وسكونِ السين المهملة، فغين معجمة: المَفْصِلُ الذي بين الساعدِ والكفّ.
ولم يُقيِّد الغَسلَ بالاستيقاظِ من النوم في بعض النسخ، لأنَّ هذا الغَسلَ سُنَّة في غير المستيقظ أيضاً، لأن عِلَّة الغَسل وهي احتمالُ أنَّه مَسَّ بيده أعراقَ (٣) بدنه موجودةٌ في المتنبِّه أيضاً، ولأنَّ مَنْ حَكى وضوءَه ﵊ قدَّمه، وإنما كان يُحكَى ما كان دأبَه وعادتَه في سائر الأيامِ، لا خصوصَ وضوئِه الذي بعد المنام. بل الظاهرُ أنَّ اطَّلاعهم على وضوئه من غير النوم كان أكثر.
стр. 44
والسِّواكِ،
===
وأمَّا التقيدُ به في حديث «الشيخين» عن أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِسْ يدَه في الإِناء حتى يَغسِلَها، فإنَّه لا يدري أين باتَتْ يدُه»، ولفظُ مسلم: «حتى يغسلها ثلاثاً»، ولفظُ البزَّار من حديث هشام بن حسان: «فلا يغمسَنَّ يدَه في طَهوره حتى يُفرِغَ عليها ثلاثاً»، مؤكَّداً بالنون الثقيلة، وهو هكذا في «الهدايةِ» ومُعظَمِ كتبِ أصحابنا؛ فلأنَّ توهُّمَ نجاسةِ اليدِ يكونُ من المستيقظ غالباً.
وعن عروةَ بن الزبير وأحمد بن حنبل وداودَ الظاهري: أنه يجبُ على المستيقظ من نومِ الليل غَسْلُ اليدين لظاهر الحديث. قيل: وهو مذهبُ أبي هريرة وابن عمر والحسن.
وفي «الكفاية»: ينوبُ هذا الغَسلُ المسنونُ عن الغَسلِ المفروض، كالفاتحةِ واجبةٌ في الصلاة، وتنوبُ عن القراءة المفروضة فيما لو صلَّى ولم يَقرأ غيرَها.
(والسِّواكِ) قيل: عطفٌ على البدايةِ، والأظهَرُ أنه مجرورٌ عطفاً على التسمية، ليدلَّ على أن السُّنَّة استعماله في أوَّله. وقد صرَّحوا بأنَّ محلَّه قبل المضمضة. ولعلَّ مرادَهم أنه آخِرُ وقته، إذ يجوزُ تقديمُه على غَسل يده، كما صَرَّح به بعضُهم. ثم هو بكسر السين، اسمٌ للاستياك، وهو المرادُ هنا، وقد يُطلَق على العُود الذي يُستاكُ به، فيقدَّرُ مضافٌ، أي استعمالُه.
وإنما كان سُنَّةً لقوله ﵊: «لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواكِ عند كلّ صلاة» أو: «مع كلّ صلاة» رواه الستة، وعند النسائي في رواية: «عندَ كلّ وضوء»، ورواها ابنُ خُزيمة في «صحيحه» وصحَّحها الحاكم، وذكرها البخاريّ تعليقاً.
والمعنى: لأمرتُهم وجوباً، وإلاَّ فقد أمرَهم سُنَّة. وروى أبو داود عن عائشة أنه ﵊: «كان لا يَرْقُدُ مِنْ ليلٍ أو نهار فيستيقظ إلا تسوَّكَ قبل أن يتوضَّأ». وورد في «مسند أحمد» أنه ﵊ قال: «صلاةٌ بسواكٍ أفضلُ مِنْ سبعين صلاةً بغير سِواك». واختار ابنُ الهمام أنه من مستحبات الوضوء.
وينبغي أنْ يكون ليِّناً في غِلَظ الإِصبع وطولِ الشِّبر، مستوياً قليلَ العُقَد، من الأشجار المُرَّة، ليكون أقطعَ للبلغم، وأنقى للصدر، وأهنأ للطعام. وأنْ يَستاكَ به عَرْضاً وطُولاً أي عَرْضَ الأسنانِ، وهو طولُ الفم، ولو اقتصر على أحدهما فطُولاً، وقيل: يَستاك عَرضاً لا طولاً. ويَستاكُ بأصابعِه عند عدمهِ أو عدم أسنانه لقوله ﵊: «يُجزِي مِنْ السِّواكِ الأصابعُ»، رواه البيهقي عن أنس بألفاظ مختلِفة، وروى الطبراني عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله، الرجلُ يَذهبُ فُوهُ يَستاكُ؟ قال: «نعم»، قلتُ: كيف يَصنعُ؟ قال: «يُدخِلُ إصبعَهُ في فيه».
стр. 45
وغسل فمه بمياهٍ كأنفه،
===
(وغسلُ فمه) برفعه (بمياهٍ) متعلِّق به (كأنفه) أي بثلاثِ غَرَفات لكلّ منهما، لا بثلاثٍ لها كما قال الشافعي ومالك علَى الصحيح، لِما رُوِيَ «أنه ﵊ مضمض واستنشق (١) ثلاثَ مرات من غَرفة واحدة».
ولنا صَريحُ ما رواه الطبراني بسنده إلى كعب بن عَمْرو الياميّ: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكلّ واحدةٍ ماءً جديداً، وغسلَ وجهَهُ، فلما مَسح رأسه قال هكذا وأومأ بيديه من مُقدَّم رأسِه حتى بَلغ بهما إلى أسفل عنقه مِنْ قِبَل قفاه. وروى الطبراني وأبو داود عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدّه: أنَّ رسول الله ﷺ توضَّأ فمضمض واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكلَّ مرةٍ ماءً جديداً.
وتحقيقُ التوفيقِ بعد صحة الروايات كلّها: أنَّ كُلاًّ رَوَى ما رأى، ولا منافاة بينهما في حصولِ أصل السُّنَّة، وإنما الخلافُ في زيادة الفضيلة.
والحاصِلُ: أنه ﵊ واظَبَ على المضمضة والاستنشاق في غالب الأيام، إذْ أكثَرُ حُكاةِ وضوئه ﵊ قولاً وفعلاً ـ وهم اثنان وعشرون نفراً من الصحابة ـ نَصُّوا عليهما، إلا أنَّ بعضَهم سكت عن ذكر العَدَد فيهما، وذكَرَ بعضُهم أنه مضمض واستنشق مرة، وبعضُهم وهو عبدُ الله بن زيد بن عاصم حكاه فعلاً، وفيه: «مضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاثِ غَرَفاتٍ» وفيه: «فمسَحَ رأسه فأقبلَ بهما وأدبر مرةً واحدة». روى الأخيرَ الستةُ عنه. وقد بسطنا الكلامَ على هذا المرام في «المِرقاة شرح المِشكاة» (٢).
وأمَّا المبالغةُ للمفطر فيهما فمستحبةٌ، لقوله ﵊ للَقِيط بن صَبِرَة: «أسبِغ الوضوءَ، وخَلَّلْ بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» رواه أصحابُ «السنن الأربعة». وروى ابنُ القطّان بسندٍ صحيح: «وبالِغْ في المضمضة والاستنشاق».
وحَدُّ المضمضة استيعابُ جميع الفم. والمبالغةُ فيه أن يصل الماءُ إلى رأس الحلق.
وحَدُّ الاستنشاق أن يصل الماءُ إلى المارِن. والمبالغةُ فيه أن يُجاوِزَ المارِنَ (٣)، وهو بكسر الراء: ما اشتدَّ من الأنف. وفي «المحيط»: يَفعلُ كلاً مِنَ المضمضةِ
стр. 46
وتخليلُ اللحيةِ
===
والاستنشاقِ بيمينه، وقيل: يَستنشق بِيساره، والصحيحُ أنه يَستنشق بيمينه، ويَستنثر بيساره.
وقال أحمدُ في أقوى الروايتين عنه بوجوبِ المضمضة والاستنشاق (في الوضوء لما روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ﷺ بالمضمضمة والاستنشاق) (١) . هذا، وقال المصنّفُ (٢) : إنما قلتُ: بمياهٍ ليدلَّ على أنَّ المسنون التثليث بمياهٍ جديدة، انتهى. وذلك لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، لكن لا خفاءَ في خفاءِ الدلالة على التجديد، فلو قال: بغَرَفاتٍ بدلَ قوله: بمياهٍ لكان مشعراً بما ذَكَر.
وقدَّمَ غَسلَ الفم لأن تقديمه سُنَّة. ومِن الدليلِ على الفصل بين المضمضة والاستنشاق ما رواه أبو داود عن طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جدّه: «أنه رأى رسولَ الله ﷺ يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاق». وسكت عنه المنذري، فهو حديثٌ حسن، لكن روى أبو داود في «سننه» ضدَّ ذلك عن عليّ: «أنه وصَفَ وضوءَ رسول الله ﷺ فتمضمض مع الاستنشاق بماءٍ واحد» فمحمولٌ على بيانِ الجواز، فإنَّ الأوَّل أولى كما لا يخفى.
(وتخليلُ اللحيةِ) بالرفع أيضاً، لما روى الترمذي وابنُ ماجه عن عثمان: «أن رسول الله ﷺ كان يُخَلِّلُ لحيتَه». ولفظُ الترمذي: «توضَّأ وخلَّل لحيتَه»، وقال: حسَنٌ صحيح، وصحَّحه ابنُ حِبَّان والحاكم، وقال الترمذي في «عِلله الكبير»: قال محمدُ بن إسماعيل ـ يعني البخاري ـ: أصحُّ شيء عندي حديثُ عثمان، وهو حديثٌ حَسن انتهى. فكيف وله شواهِدُ من حديث عمَّارٍ وأنس؟ كما رواها (٣) الحاكم والترمذي وابن ماجه: «رأيتُه ﵊ يُخلِّلُ لحيتَه». وحديثُ أنس قال: «كان ﵊ إذا توضَّأ خلَّل لحيته» رواه البزار وابن ماجه، وحديثُ أبي أيوب نحوُه، رواه ابنُ ماجه.
وكيفيةُ تخليلها أنْ يُدخِل أصابَعه من أسفل لحيته إلى ما فوقها لما رَوَى أبو داود عن أنس قال: «كان النبيّ ﷺ إذا توضَّأ أَخَذَ كفّاً من ماءٍ فأدخلَهُ (٤) تحت حَنَكِهِ فخلَّل به لحيته وقال: بهذا أمَرني ربي» وسكَتَ عنه، وكذا المنذري. ويؤيده حديثُ ابن عباس: دخلتُ على رسول الله ﷺ وهو يتوضَّأ، وقال فيه: فخلَّلَ لحيتَه، فقلتْ: يا
стр. 47
والأصابعِ،
===
رسول الله هكذا الطُّهور؟ قال: «هكذا أمَرني ربِّي». رواه الطبراني في «الأوسط». ورَوَى أيضاً حديثَ أبي أُمامة وحديثَ عبد الله بن أبي أوْفى. وفي حديثِ أبي الدرداءِ وحديثِ أم سَلَمة: كان إذا توضَّأ رسولُ الله ﷺ خلَّل لحيتَه. وروى البزَّارُ عن أبي بَكْرة: أنه ﵊ توضَّأ وخلَّل لحيتَه. وروى ابنُ عَدِيّ عن جابر: أنه توضَّأ رسول الله ﷺ غيرَ مرةٍ ولا مرَّتينِ ولا ثلاثَ مرَّاتٍ، فرأيتُه يخلِّلُ لحيتَه بأصابعه كأنها أسنان المُشْطِ.
فهذه الأحاديثُ تؤيِّدُ قولَ أبي يوسف: إنَّ تخليل اللحية سُنَّة، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لم يَثْبُت منها المواظبةُ، بل مجرَّدُ الفعلِ إلا في شذوذٍ من الطُّرق، فكان مُستحبّاً لا سُنَّة.
(والأصابعِ) أي وتخليلُ أصابعِ اليدين والرجلين، لِمَا تقدَّم من حديث لَقِيط، ولِمَا روى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضَّأْتَ فخلِّلْ أصابعَ يديك ورجليك». وتخليلُ الأصابع يكون بالتشبيك، والأَولَى أن يَجْعَل باطنَ كفِّه اليُمنى على ظهر اليُسرى، وبَطْنَ كفِّه اليُسرى على ظهر اليُمنى. وروى أحمدُ في «مسنده» عن المُسْتورِد بن شدَّاد صاحبِ النبي ﷺ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا توضَّأ يخلَّل أصابعَ رجليه بِخِنْصَرِه.
وكيفيةُ تخليلِها: أن يضع يدَه اليُسرى في أسفلِ رجله اليُمنى ويُدخِلَ خِنْصَرَها بين الأصابع، مُبتدِءاً مِنْ خِنصرِهِ اليُمنى منتهياً إلى خِنصَرِه اليسرى. وهذا إذا وصَلَ الماءُ داخلَ الأصابع، وأمَّا إذا لم يصل بأنْ كانت مُنضمَّةً، فإنَّ تخليلها واجب، فقد ورد في الدارقطني مرفوعاً: «خَلِّلوا (بين) (١) أصابِعِكم، لا يُخلِّلها الله بالنار يوم القيامة». وفي الطبراني: «مَنْ لم يُخلّل أصابعَه بالماء خلَّلها الله بالنَّار يومَ القِيامة» (٢) .
وقال ابنُ الهُمام: أمثَلُ أحاديث التخليل ما في «السنن الأربعة» من حديث لَقِيط بن صَبِرَة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضَّأتَ فأسْبِغ الوضوء، وخلِّلْ بين الأصابع»، قال الترمذي: حسَنٌ صحيح. ورَوَى هو وابنُ ماجه عن ابن عباس قال ﵊: «إذا توضَّأْتَ فخلَّل أصابعَ يديك ورجليك»، وقال: حسَنٌ غريب (٣) .
стр. 48
وتثليثُ الغَسل، ومسحُ كلِّ الرأس مرَّةً،
===
(وتثليثُ الغَسْل) أي غَسْلِ الوجه، واليدين، والرجلين، عطفٌ على تخليل اللحية. وإنما كان سُنَّةً لِمَا روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً أتَى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطُّهورُ؟ فدَعا بماءٍ في إناءٍ فغَسَل كفَّيه ثلاثاً، فذكَرَ صفةَ الوضوء ثلاثاً ثلاثاً إلاَّ الرأسَ، ثم قال: «هكذا الوضوءُ فمَنْ زادَ على هذا أو نَقَص فقد أساء وظَلَم» أو: «ظَلَم وأساء». وفي روايةِ ابن ماجه: «فقد تَعَدَّى وظَلَم»، وللنسائي: «فقد أساء وتعدَّى وظَلَم». وهذا إذا زاد على الثلاث أو نَقَص عنه معتقداً أنَّ السُّنَّة هذا، أمَّا لو زاد لطمأنينةِ القلب عند الشكّ، أو نقَصَ لحاجةٍ فلا بأسَ به، إذ توضَّأ ﵊ ثلاثاً ثلاثاً، ومرَّتين مرَّتين، ومرَّةً مرَّةً.
وظاهرُ العبارة تُوهِمُ أنَّ كُلاً من المرَّات الثلاث سُنَّة، لكن المراد منه أن الأُولَى ركنٌ، والثانيةَ والثالثةَ سُنَّة. وهذا هو الصحيح. وقيل: الثانيةُ سنةٌ، والثالثةُ نَفْل، وقيل: بعكسه، وقيل: إذا توضَّأ ثلاثاً ثلاثاً فالثلاث فرض، وهذا بعيدٌ جداً.
(ومسحُ كلِّ الرأس) أي استيعابُه (مرَّة) لِمَا تقدَّم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، ولِمَا حكَت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ أنها رأت النبيَّ ﷺ يتوضَّأ، قالتْ: فمسَحَ رأسَه ما أقبَلَ منه وما أدبرَ، وصُدْغَيهِ، وأُذُنيه مرَّةً واحدة، ولِمَا رُوِي أنَّ رسول الله ﷺ مسَحَ رأسَه بيديه، فأقبلَ بهما وأدبر، بدأَ بمُقدَّم رأسه، ثُم ذهَبَ بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما حتى رجع إلى المكانِ الذي بدأ منه، ثم غَسَل رجليه. رواه الترمذي.
والأظهرُ في كيفية المسح: أن يَضعَ كفَّيهِ وأصابعَه على مقدَّمِ رأسه ويمُدَّها إلى قفاه على وجهٍ يستوعبُ الرأسَ، ثم يمسَح بإصبعيه أذنيه. ولا يكونُ الماءُ مستعملاً بهذا، لأن الاستيعابَ بماءٍ واحد لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأن مسحَ الأذنين بماء الرأس، ولا يكونُ ذلك إلا بماءٍ مَسَحَ به (١) الرأس، ولأنه لا يَحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأُذن أولى لكونه تبعاً له، كذا ذكره في «شرح الكنز» (٢) ، واختاره ابنُ الهمام لأنه أوفق بما رُوِي عنه ﵊.
وقال صاحبُ «المحيط»: يُستحبُّ في الاستيعاب أن يضعَ مِنْ كلِّ واحدةٍ من اليدين ثلاثَ أصابع على مقدَّم رأسه ـ ولا يضعُ الإِبهام والسبَّابة ـ ويُجافيَ كفَّيه،
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويَمُدَّهما إلى القَفَا، ثم يَضَع كفَّيه على مؤخَّر رأسِه ويَمُدَّهما إلى مقدَّمه، ثم يَمْسَح ظاهرَ كلّ أُذنٍ بإبهام، ويَمسِحَ باطنَهما (١) بمُسَبِّحة (٢) .
وفي «الأسرار»: إنْ كرَّر إقبالاً وإدباراً مرَّةً بعد أُخرى بغيرِ ماءٍ جديد لم يكن فيه بأس. هذا، وقد توافَر وتكاثر، كادَ أَنْ يتواتر الطُّرقُ الصحيحةُ على المسحِ مرَّةً واحدة.
وقال الشافعي: السُّنَّةُ في مسح الرأس التثليثُ، لِمَا روى مسلم: أنَّ عثمان بن عفَّان ﵁ توضَّأ بالمَقَاعد ـ وهو مَوضِع ـ وقال: ألا أُرِيكم وُضوء رسولِ الله ﷺ ثم توضَّأ ثلاثاً ثلاثاً. قال البيهقي: على هذا الحديثِ اعتمَدَ الشافعيُّ في تكرير المسح. والرواياتُ الثابتةُ عنه المفسَّرةُ، تدلُّ على أنَّ التكرارَ وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنَّه مسَحَ برأسه مرةً واحدة.
وأمَّا ما رواه الدارقطني عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن عليّ كرَّم الله وجهه: أنه توضَّأ فغسَلَ يديه ثلاثاً، وفيه: مسَحَ رأسَهُ ثلاثاً، وغسَلَ، رجليه ثلاثاً، ثم قال: من أحبَّ أن يَنظر إلى وضوءِ رسول الله ﷺ كاملاً فلينظر إلى هذا، فهكذا (٣) رواه أبو حنيفة عن خالد بن علقمة، عن عبدِ خَيْر، عن علي، لكن خالفه جماعةٌ من الثقات: كسفيان الثوري، وشَريك، والشعبي وغيرهم، وقالوا: مسَحَ برأسه مرةً.
نعم، روى البزَّارُ في «مسنده» من طريق أبي داود الطَّيالِسي: أنَّ عليّاً توضَّأ في الرَّحْبة (٤) فغسَلَ كفَّيه ثلاثاً، ثم مضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسَلَ وجهه ثلاثاً، وذِراعيهِ ثلاثاً، ومسَحَ رأسَه ثلاثاً، وغسَلَ رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: إني أحببت أن أُريَكم كيف كان طُهورُ رسول الله ﷺ فهذا دليلُ الشافعيِّ وكذا دليلُ روايةِ الحسَنِ في تثليثِ المسحِ عن أبي حنيفة، ولكن بماءٍ واحدٍ كما رواه الطبراني عن علي في كتاب «مسند الشاميين». والجوابُ رُجحانُ روايةِ الإِفرادِ على التثليث، أو
стр. 50
والأُذُنَينِ بِمَائِهِ، والنِّيَّةُ،
===
حمْلُهُ على تحقيق الاستيعاب، أوحملُ تعدَّدَ المياه على قلَّةِ البِلَّة أو نَفادِها، لا لتكون سُنَّةً مستمرة. وقال البيهقي (١) : وقد رُوِيَ من أوجُهٍ (غريبةٍ) (٢) عن عثمان تكرارُ المسح، إلا أنه مع خلافِ الحُفّاظ ليس بحُجَّة عند أهل العلم.
(والأذنينِ) أي ومَسْحُهما (بِمَائِهِ) أي بماء مسحِ الرأس.
وقال مالك والشافعي وأحمد: بماءٍ جديد، لِمَا روى الحاكمُ من حديثِ حَبَّان ابن واسع، أنَّ أباه حدَّثه، أنه سمع عبدَ الله بن زيد يذكر: أنه رأى رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ فأخَذَ لأُذنيه ماءً خلافَ الماءِ الذي أخَذَ لرأسه.
ولنا صريحاً: ما رواه ابنُ حِبَّان، وابنُ خُزيمة، والحاكم عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بوُضوء رسول الله ﷺ وفيه: ثم غَرَف غَرفةً: فمسَحَ بها رأسَه وأذُنيه. ودلالةً: ما رواه ابنُ ماجه بإِسنادٍ صحيح عن عبد الله بن زيد، والدارقطنيُّ بإسنادٍ صحيح عن ابنِ عباس: أنَّ النبي ﷺ قال: «الأذنانِ مِنْ الرأس»، أي حُكمُهما، فإنه ﵊ ما بُعثَ لبيان الخِلْقة، فيُحمَل ما تقدَّم على نَفادِ البِلَّة توفيقاً بين الأدلَّة. وروى ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس: أنه ﵊ مسَحَ أذنيه فأدخلهما السبَّابتين وخالفَ إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسَحَ ظاهرَهما وباطنَهما. وقد صرَّح الشيخ في «الإِلمام» عن أبي أُمامة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الأُذنانِ من الرأس وكان يمْسَحُ المأْقَيْنِ» (٣) وقال أخرجه ابنُ ماجه، وهو حديثٌ حسن.
(والنيَّةُ) وهي: أن يُقصَدَ بالقلب الوضوءُ، أو رفعُ الحدَث، أو عبادةٌ لا تصحُّ إلا بالطهارة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: النيَّةُ فَرْضٌ في الوضوء، لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات».
ولنا أنه ﵊ لم يُعلِّم الرجلَ الذي سأله عن الوضوء النيَّةَ، ولأنَّ الوضوء شرطٌ للصلاة فلا يَفتقر إلى النيَّة كسائر شروطها، فالمرادُ بالأعمالِ العباداتُ،
стр. 51
والترتيبُ، والوِلاءُ.
===
فإنَّ المباحاتِ تُعتبر شرعاً بلا نيَّة، كالطلاق، والنكاح، وسائرِ المعاملات، بل المرادُ بها الطاعاتُ المستقلةُ، دون ما يتعلَّق بها من الشرائط التي هي كالوسيلة من طهارةِ الثوب، وسَتْرِ العورة، ومعرفةِ القِبلة، فالنيَّةُ فيها تُوجبُ المثوبة، وتُصيِّرُ العملَ عبادة، فمن ادَّعى أنَّ الشرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ، فعليه البيانُ.
وصورةُ الخلاف إنما يَتحقَّقُ في نحوِ مَنْ دَخَل الماء مدفوعاً أو مختاراً لقصدِ التبرُّد، أو مجرَّدِ قصدِ إزالةِ الوسَخ، أو مجرَّدِ تعليم الضوء.
ثم محلُّ النية إمَّا في مبدأ سُنَن الوضوء، أو في أوَّل فرائضه، والأوَّل أكملُ وأفضل، لكن الأولَى أن يَستديمها إلى غَسْل الوجه، فتأمَّل.
(والترتيبُ) أي بين أعضاء الوضوء المفروضة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: فَرْضٌ لقوله تعالى: ﴿إذا قُمْتُم إلى الصلاة فاغسِلُوا وجوهَكم﴾ (١) ، فإنَّ غَسْلَ الوجه فيها مرتَّب على القيام بِالصلاة، فيجبُ الترتيبُ في الباقي، إذْ لا قائل بالفَصْل.
وأُجيبَ بأنه لا يتِمُّ هذا الاستدلالُ إلا إذا كانت الفاءُ الجزائيةُ تدُلُّ على تعقيب مضمون الجزاءِ مضمونَ الشرط من غير تراخٍ، وتدُلُّ على وجوبِ تقديمِ ما بعدَها على ما عُطِفَ عليه بالواو، وكلاهما ممنوع، لأنَّنا نقطع بأنْ لا دلالةَ في قوله تعالى: ﴿إذا نُودِي للصلاوة من يوم الجمعة فاسعَوْا إلى ذكر اوذَرُوا البَيْع﴾ (٢) ، على وجوبِ السعي عقيبَ النداء بلا تراخٍ، وعلى وجوبِ تقديم السعي على ترك البيع. فمعنى آيةِ الوضوء: فاغسِلُوا هذه الأعضاء، ولا دلالةَ فيه على ترتِيبها في الأداء، فهو على نظير قولك: إذا دخلتَ السوقَ فاشترِ لنا خُبزاً ولحماً، حيث كان المُفادُ إعقابَ الدخولِ بشراء ما ذُكِرَ كيف وَقَع. نعَمْ، لو استُدِلَّ بمواظَبِتِه ﵊ ومداومتِهِ على مُراعاة الترتيب لكان أولَى كما لا يخفى.
(والوِلاءُ) بكسر الواو: المتابعةُ، وهو: أن يَغسِلَ العضوَ الثاني قبل جفافِ الأوَّل في زمَانِ اعتدالِ الهواء. وقيل: أنْ لا يَشتغل بينهما بعملٍ غيرِ ما يتعلَّقُ بالوضوء. وشَرَطه مالكٌ، والدَّلْكُ كذلك لمواظبةِ النبي ﷺ
والجوابُ أنها تدلُّ على السُّنيَّة دون الفَرْضية، لأن الله تعالى أمَرَ بالغَسْل مطلقاً
стр. 52
ومُستحَبُّه: التيامُنُ، ومَسْحُ الرَّقَبَةِ.
===
عن قيدِ الوِلاءِ والدَّلْكِ قد روى ابنُ دَقيقِ العِيد في كتابه «الإِمام» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ أهلي تَغارُ عليَّ إذا أنا وطِئتُ جَوارِيَّ، قال: «ومِمَّ يَعلَمْنَ ذلك»؟ قلتُ: مِنْ قِبَلِ الغُسل، قال: «فإذا كان ذلك منك فاغْسِل رأسَك عند أهلك، فإِذا حَضَرَت الصلاةُ فاغْسِل سائرَ جسدِك». فهذا يُفيد عدَم اشتراط الوِلاء في الغُسل، ففي الوضوء كذلك.
(مستحبات الوضوءِ)
(ومُستحَبُّه) أي الوضوءِ: (التيامُنُ) أي الابتداءُ باليمين في غَسل اليدين والرجلين.
والمستحبُّ: ما فعله ﵊ أحياناً وتركه أحياناً، فالأصحُّ أنه سُنَّة كما صَرَّح به في «التحفة» لمواظبته ﵊، ولقوله ﷺ «إذا توضَّأتم فابدؤا بميامنكم» رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن خُزيمة، وابن حِبَّان في «صحيحيهما». قال في «الإِمام»: وهو جدير بأن يُصحَّح. وغيرُ واحدٍ ممن حَكَى وضوءه ﵊ صَرَّحوا بتقديم اليُمنى على اليُسرى من اليدين والرجلين، وذلك يُفيد المواظبة، لأنهم إنما يَحكون وضوءه الذي هو دأبُه وعادتُه، فيكون سُنَّة، ولِمَا روى البخاري ومسلم والأربعةُ عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يُحبُّ التيامُنَ في كل شيء، حتى في طُهُوره، وتَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِهِ، وشأنِهِ كلِّه». والطُّهورُ: بضم الطاء عند الجمهور، والتَّنَعُّل: لُبسُ النعلين، والترجُّلُ: تسريحُ الشعر.
(ومَسْحُ الرقبة) وقيل: إنه سُنَّة، وهو اختيارُ بعضِ الشافعية وأكثرِ العلماءِ كما في «الخلاصة» من كتب الحنفية، لِمَا روى أبو عُبَيد القاسمُ، عن القاسمِ بن عبد الرحمن، عن موسى بن طلحة قال: «من مَسَح قفاه مع رأسِهِ وُقيَ من الغُلّ» (١) . والحديثُ موقوف لكنه حكماً مرفوع، لأنَّ مثله لا يقال بالرأي، ويُقوِّيه ما رُوِيَ مرفوعاً في «مُسنَد الفِردَوْس» من حديث ابن عُمَر (٢) ، لكن سنده ضعيف، إلا أنَّ الاتفاق على أن الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، على أنَّا رَوَيْنا عن كعب بن عَمْرو الياميّ: «أنه ﷺ توضَّأ وأومأ بيديه من مقدَّم رأسه حتى بلغ بهما إلى أسفلِ عنقهِ من قِبَل قفاه» (٣) . ومسْحُ الحُلقُوم بدعةٌ كما في «الظهيرية».
стр. 53
[نَوَاقِضُ الوُضُوءِ]
وناقِضُهُ: ما خَرَج
===
(آداب الوضوءِ)
ومن آداب الوضوء: أنْ لا يَتكلَّم فيه بكلام الناس، ويَستقبلَ القبلة، ولا يَستعينَ بغيره عند القدرة.
وعن الوَبَري: لا بأس بصبِّ الخادم، لأنه ﵊ كان يُصَبُّ الماءُ عليه. ويَقرأُ الأدعيةَ المأثورةَ عن الصحابة والتابعين. وقد ورد عنه ﷺ «ما منكم مِنْ أحدٍ يَتوضَّأ فيُسبِغُ الوضوءَ ثم يقولُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ يَدْخلها من أيّ بابٍ شاء» رواه مسلم وزاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين». ويُستحَبُّ أن يُصلّي ركعتين بعده لقوله ﵊: «ما مِنْ مسلمٍ يَتوضَّأ فيُحسن وضوءه ثم يقومُ فيُصلّي ركعتين يُقبِلُ علَيْهِما بقلبِهِ ووجهِهِ إلا وجبَتْ له الجنَّةُ» رواه مسلم.
(مكروهات الوضوءِ)
ويُكرَه: الإِسرافُ في الماء لقوله ﵊ لسعدٍ لمَّا مَرَّ به وهو يتوضأ: «ما هذا السَّرَفُ يا سعد؟» فقال: أفي الوضوءِ سَرَفٌ؟ قال: «نعم، وإنْ كنتَ على نهرٍ جار» رواه أحمد وابن ماجه.
(فروع)
ومن الفروع: شَكَّ في بعض أعضاء وضوئه قَبْلَ الفراغ، فعَلَ ما شكَّ فيه إنْ كان أوَّل شَكّ، وإلاَّ فلا عليه، وإنْ شَكَّ بعده فلا مطلقاً. ولو شَكَّ في الوضوءِ أو الحدَثِ، وتَيقَّنَ سبْقَ أحدِهما: بَنَى على السابق، إلاَّ أنْ يتأيَّدَ اللاحق.
(نواقض الوضوءِ)
(وناقِضُهُ) أي مُبطِلُ الوضوءِ ومُخْرِجُه عما هو مطلوب فيه من استباحةِ الصلاة ونحوِها، سواء كان وضوؤه كاملاً أو ناقصاً: (ما خَرَج) أي ظَهَر حقيقةً أو حكماً، فلا يَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى قَصَبة الذكر، لعدم ظهوره أصلاً، ويَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى القُلْفة لظهوره حكماً. وإنما لم يجب إيصالُ الماء إلى ما تحت القُلْفة في الغُسْل عند بعض المشايخ للحرج في ذلك. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس عنه ﵊ قال: «الوضوءُ مما خَرَج وليس مما دَخَل». وقيل: هذا موقوف، وقيل: مِنْ قولِ علي ﵁ فلو أَدْخَلتْ إصبعها فيه نَقَض، لا لِمَا دَخَل، بل لأنها لا
стр. 54
من السَّبِيلَينِ
===
تَخْرُج إلا بِبِلَّةٍ معها، وكذا العُودُ في الدُّبُر كالمِحْقَنةِ وغيرها.
(من السبيلين) أي من أحدهما، معتاداً كان أو غيرَ معتاد، كالدُّودِ والحَصَى، لقوله تعالى في التيمم الذي هو بدَلٌ عن الوضوء: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ (١) ، وهو المكان المطمئنُّ والمنخفِضُ من الأرض. واستُعمِلَ في الحدَث مجازاً، لأنه في مثلِهِ يُقْضَى مُستَتِراً (٢) .
وقال مالك: لا يَنْقُضُ الدُّودُ، والحصاةُ، والاستحاضة، ونحوُها من سَلَسِ بولٍ، وانطلاقِ بطنٍ، أو انفلاتِ ريح، لأنَّ الله تعالى كنَّى بالغائط عن الحاجة، وهي المعتادة.
ولنا ما صحَّ مِنْ قولِه ﵊: «المُستحاضَةُ تتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاة» (٣) .
فإنْ قيل: الريحُ الخارجةُ مِنْ قُبُلِ المرأة وذَكَرِ الرجل خارجةٌ من أحدِ السبيلين، وليسَتْ بناقضة؟ أُجِيبَ بأنَّ ذلك اختلاجٌ أي انجذابٌ وتحرُّك، وليسَتْ بريحٍ خارجة، ولو سُلِّمَ، فليستْ بمنبعثة عن محلِّ النجاسة، ولهذا لا تَخْرجُ مُنتِنة، فصارت كالجُشَاء، إلاّ أنَّ المرأة إذا كانت مُفْضاةً (٤) يُستحبُّ لها الوضوءُ، لاحتمال خروجها منِ دُبُرِها، على أنه رُوِي عن محمد: أنَّ الريح الخارجة مِنْ قُبُلِ المرأَة حدَثٌ، قياساً على دُبُرها.
وأمَّا ما ذكره صاحبُ «الهداية»: أنه قيل لرسول الله ﷺ ما الحدَثُ؟ قال: ما يَخْرُج من السبيلين. فلا أعرِفُ له أصلاً. نعَمْ، روى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: «الوضوءُ مما خرج وليس مما دخل»، إلا أنَّ في شعبة ـ مولى ابنِ عباس الراوي ـ اختلافاً في توثيقه وتضعيفه (٥) ، والأصحُّ أنه موقوف على ابن عباس كما ذكره سعيد بن منصور. وقال البيهقي: ورُوِي أيضاً عن عليَ مِنْ قولِه.
فإن قيل: الحدَثُ شَرْط الوضوء، فلا يكون ناقضاً له. أُجِيبَ بأنه ناقِضٌ لِمَا كان، وشَرْطٌ لِمَا يكون.
стр. 55
أَو غيرِه إِن كان نَجَسًا
===
ثم الأصحُّ مِنْ مذهبِ الشافعي أنَّ المنيَّ لا يَنْقُض الوضوء، وإنْ أوجَبَ الغُسلَ لقول ابن عباسٍ: المنيُّ كالمُخاط، فأمِطْه عنك ولو بإذْخِرة (١) . ولأنه أصلُ خِلقةِ الآدمِي، فكان طاهراً كالتُراب، لاستحالة أن يقال: خُلِقَ الأنبياءُ من شيءٍ نَجِس.
ولنا قوله ﵊ لعمَّار بن ياسر: «إنما يُغْسَل الثوبُ من خمسةٍ: البولِ، والغائطِ، والخمرِ، والمنيِّ، والدَّمِ». وكونُه أصلَ الخِلقة لا يُنافي النجاسة كالمُضْغَة والعَلَقة. وابنُ عباس شبَّهه بالمُخاط في النظرِ لا في الحُكم، وأمْرُهُ بالإِماطةِ للتمكُّن من غَسله، إذْ قبلَها يَشِيع إذا أصابه الماء.
فروع
ومن الفروع: أنَّ المرأة إذا خَرَج الأقلُّ مِنْ وَلَدِها لم تصر نُفَساء، ويجبُ عليها الصلاةُ حينئذٍ، وإن لم تُصَلِّ صارَتْ عاصية، كذا في «الخلاصة». وفيه إشكال حيث يَدلُّ على أنَّ خروجَ بعض الولد ليس بناقض للوضوء، ودُفِعَ بأنَّ خروجَ بعض الولد في حقِّها كخروج البول في حقّ مَنْ به سَلَسُ البول، فكما أن خروجَ البول في حقِّه اعتُبِرَ عَدَماً في الوقت للضرورة، كذا خروجُ بعض الولد في حقِّها. انتهى. وفي تنظيرِهِ نظر لا يخفى، والظاهرُ نقضُ وضوئها، فتتوضَّأ وتُصلِّي في آخِرِ الوقت.
(أو غيرِه) أي من غيرِ أحدِ السبيلين، أو مِنْ غيرِ المذكور. والمرادُ من الخروج أعمُّ من أن يكون بنفسه أو بالإِخراج، ليُلائم الخروجَ المذكورَ في المعطوف عليه، فإنه كذلك. فعلى هذا: لو عُصِر جُرحٌ وخَرَج منه شيء، وهو بحيث لو لم يُعْصَر لا يَخْرج، يَنْقُض (٢) الوضوءَ، لأنه مُخْرَج لا خارج بنفسه.
(إِنْ كان نَجَساً) بفتح الجيم، أي عينَ نجاسة، كدمٍ، وقيحٍ، وصديد، فلا يَنْقُض نحوُ المُخاطِ، والدمعِ، والبُزاقِ، واللُّعابِ، والعَرَقِ. وكذا العِرْقُ المَدَني (٣) الذي يقال له بالفارسية: رِشْتَهْ، فهو بمنزلة الدُّودِ الخارجِ حيث لا يَنْقُض الوضوءَ، لأنهما طاهِرانِ. وإن كان العِرْقُ المَدَني يَسِيلُ منه الماءُ يَنْقُض كذا في «الظهيرية». ولو دَخَل الماءُ في أُذُنه وخَرَج، ففي «الخلاصة»: أنه لا يَنْقض. وفي «المحيط»: خروجُ القيح من الأذُن مع
стр. 56
سال إِلى ما يُطَهَّر،
===
الوجَع ناقض، وبدونه لا. ثُمَّ الماءُ الخارجُ من النَّفِطَة (١) بمنزلة الدَّم على الأصحّ، وكذا الصَّديدُ (٢) . وقيل: الماءُ بمنزلة الدَّمْع، كذا في «المضمرات».
(سال إِلى ما يُطَهَّر) أي ما يجبُ تطهيرُه في الجملة، ولو في الجنابة كالفم والأنف، فلا يَنْقضُ ما ظَهَر في موضعه ولم يَرتقِ كنَفِطَةِ الجُدَرِيّ والبَثْرَةِ (٣) إذا قُشِرَتْ، ولا ما ارتقَى عن موضعه ولم يَسِلْ، والدمُ المرتقي مِنْ مَغْرِز الإِبَرِ، والحاصِلُ في الخلال من الأسنان، وفي الخُبزِ من العضّ، وفي الإِصبَعِ من إدخالِ الأنف (٤) ، ولا ما يَسِيلُ بعَصْرٍ وكان بحيث لو لم يُعْصَر لم يَسِل.
فالمرادُ بالسَّيَلانِ أعمُّ من أن يكون بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبة منه. ولا يَنْقُض نحوُ الدَّم يَخْرُج من العينِ أو الجِراحةِ ويَسيل فيهما بحيث لا يتجاوزهما. وقال زُفَر: لا يُشترط السَّيَلانُ اعتباراً بالمَخْرَجينِ. ولنا قولُه ﵊: «ليس في القَطْرَة والقطرتين من الدم وضوءٌ إلا أن يكون سائلاً» رواه الدارقطني في «سننه»، لكنّ في إسناده ضعفاً.
وقال أحمد: يَنْقُضُ الدَّمُ الفاحشُ والدود الفاحش (٥) الخارجُ من الفرج. وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض الخارجُ من غير السبيلين لِمَا أسنده أبو داود والحاكم وعلّقه البخاري فقال: «ويُذكَرُ عن جابر بنِ عبد الله أنَّ النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرِّقاع ـ بكسر الراء ـ فرُمِيَ رجلٌ بسهم فَنَزَفه الدمُ، أي خرج منه حتى ضَعُف، فرَكَعِ وسَجَد ومَضَى في صلاته». وسمَّاه البيهقي وقال: فنام عمَّارُ بنُ ياسر، وقام عَبَّادُ بنُ بِشْر يُصَلِّي وقال: كنتُ أصلِّي بسورة الكهف فلم أُحبَّ أن أقطعها. والاستدلالُ به مُشكِل، ولذا قال الخَطَّابي: ولستُ أدري كيف يصحُّ الاستدلال به، والدمُ إذا سال يُصِيبُ بدنَه، وربما أصاب ثوبَه، ومع إصابة شيء من ذلك لا تصحُّ صلاته، إلا أن يقال: إن الدم كان
стр. 57
والقيءُ دَمًا رقيقًا إِن احمرَّ به البُزاقُ لا إِن اصفرَّ به، وغيرَهُ
===
يجري من الجُرح على سبيل الدَّفق حتى لا يُصيبُ شيئاً مِنْ ظاهر بدنه، وإن كان كذلك فهو أمرٌ عَجِيب. انتهى. ومع هذا لا يَنْهضُ حجةً إلا إذا ثَبَتَ اطِّلاعُ النبي ﷺ على صلاة الرجل وتقريُرُه له عليها.
ولنا ما روى الدارقطنيُّ فى «سننه» عن تمِيمٍ الداريِّ، وابنُ عَدِيَ في «كامله» عن زيدِ بن ثابت: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الوضوءُ مِنْ كلِّ دمٍ سائل». وروى البخاري عن عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش جاءت إلى النبي ﵊ فقالت: إني أُستحاضُ فلا أَطْهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلكِ عِرْقٌ، وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلَت الحَيْضةُ فدَعِي الصلاة، وإذا أدْبَرَتْ فاغْسلِي عنكِ الدَّم، وتوضَّئي لكل صلاة». فنبَّه ﵊ على العِلَّة المُوجِبةِ للوضوء، وهو كونُ ما يَخْرجُ منها دَمَ عِرْقٍ، وهو أعمُّ من أن يكون خارجاً من السبيلينِ أو غيرِهِما، ثم أمَرَها بالوضوء لكلّ صلاة.
وقد قالوا: مَنْ رَمِدَتْ عَيْنُه وسال الدمُ منها وجَبَ عليه الوضوءُ، فإذا استمرَّ فلِوَقْتِ كلِّ صلاة. وأمَّا ما رواه الدارقطني من أنه ﵊ «احتَجَم وصلَّى ولم يَتوضَّأ، ولم يَزِدْ على غَسْل مَحاجِمِه» فضعيف.
(والقيءُ) بالرفع عَطفٌ على ما خَرَجَ، والواوُ بمعنى أو. وقولُه: (دَماً) مفعول، لأنه مَصدَرُ قَاءَ يقِيءُ (رقيقاً) فإنَّه حينئذٍ يكون مِنْ قَرْحةٍ في الجوف وقد وَصَل إلى ما يُطَهَّر (إِنْ احمَرَّ بهِ البُزاقُ) لأنَّ الدم حينئذٍ غالبٌ أو مُساوٍ، فيكون سائلاً بقوَّةِ نَفْسِه فيُعتَبَر (لا إِنْ اصفَرَّ به) لأنه حينئذٍ مغلوبٌ فيكون سائلاً بقوَّةِ غيره فلا يُعتَبر (١) .
(وغيرَهُ) بالنصب عَطفٌ على دَماً والضميرُ له، أي والقيءُ غيرَ دم، وهو شاملٌ للطعامِ والماءِ والمِرَّةِ والدَّمِ الغليظة.
وقال أحمدُ: يَنْقُضُ القيءُ الفاحش، وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض القيءُ مطلقاً لِمَا صحَّحه الترمذي من حديث صفوانَ بن عسَّال (٢) قال، «كان رسول الله ﷺ يأمُرنا إذا كنا سَفْراً أن لا نَنْزِعَ خِفافنَا ثلاثة أيام وليالِيَها إلا مِنْ جنابة، ولكن مِنْ غائطٍ وبولٍ ونوم»، فلم يَذْكُر القيءَ، فلو كان حدَثاً لذكره.
ولنا ما روى أبو داود والنسائي والترمذيُّ وقالَ: أصحُّ شيءٍ في الباب، والحاكمُ
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شَرْط الشيخين ولم يخرجاه، من حديث مَعْدانَ بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أنَّ النبيّ ﵊ قاءَ فتوضَّأ فلقيتُ ثَوبانَ في مسجد دمشق فذكرتُ ذلك له، فقال: صَدَقَ، وأنا صببتُ له وَضوءَه.
وأُجيبَ عن حديث صفوان بإنه إنما لم يُذْكَر القيءُ فيه لقلَّة وقوعِه، ولذا لم يُذْكر فيه الإِغماءُ والجنونُ. وقد روى ابنُ ماجه عن عائشة مرفوعاً: «من أصابه قَيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، أو مَذْيٌ فليَنصَرفْ وليتوضَّأ ثم ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يَتكلَّم» وفي روايةِ الدارقطني: «ثم ليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلَّم»، والحديثُ هذا وإن كان مرسَلاً، لكنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، لا سيما ويَعضُده حديثُ مَعْدان، والله المستعان. وروى الدارقطني: أنه ﵊ قال: «القَلَسُ حَدَثٌ». والقَلَسُ ـ محرَّكة ويُسكَّن ـ الخارج مع الغَثَيان، والقيءُ مع سكونِ النَّفْس أو الأعمُّ، والله تعالى أعلم.
وأمَّا قولُ صاحب «الهداية» في دليل الشافعي: على أنَّ الخارج من غير السبيلين لا يَنْقُض الوضوءَ لِمَا رُوي أنه ﵊ «قاءَ ولم يتوضأ» فليس له أصل. وأمَّا حديثُ ابن جُرَيج عن أبيه كما رواه الدارقطني فقد ذكَرَ البيهقي عن الشافعي: أنَّ هذه الرواية ليست بثابتة عن النبي ﵊.
ومن الغريبِ ما ذكره القاضي أبو العباس من أنَّ إمامَ الحرمين في «النهاية» والغزالي في «البسيط» ذكَرَا أنَّ هذا الحديث مَرويٌّ في كتب الصحاح، قال: وهو وَهَمٌ منهما، ولا معرفةَ لهما بالحديث لأنهما ليسا مِنْ أهل هذا الشأن. وأمَّا ما رواه الدارقطني عن ثوبان: أنَّ رسول الله ﵊ قاءَ فَدَعَا بِوَضوئِهِ، فقلتُ: يا رسول الله أفريضةٌ الوضوءُ مِنْ القيء؟ قال: «لو كان فريضةً لوجدتَه في القرآن». فقال (١) : لم يَروه عن الأوزاعي غيرُ عُتبة بن السَّكَن، وهو متروك.
ومِن أدلَّتِنا ما في «موطَّأ مالك» عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا رَعَف رجَعَ فتوضَّأ ولم يتكلَّمْ، ثم رَجَع وبَنَى على ما قد صلَّى، وما في «مصنَّف عبد الرزَّاق» عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: إذا وَجَدَ أحدُكم رِزّاً أو رُعَافاً أو قَيْئاً فلينصرِفْ وليتوضَّأ، فإن تكلَّم استقبل وإلاَّ اعتدَّ لِمَا مضى. وفيه عن سلمان مثلُه، وفي «مسند الشافعي» عن ابن عُمَر نَحوُه. والرِّزُّ بكسر الراء وتشديد الزاي: القَرَقَرَةُ، وقيل: هو غَمْزُ الحدَثِ وحَرَكتُهُ للخروج، كذا في «النهاية»، وقال
стр. 59
إِن مَلأ الفمَ
===
السيوطي: هو صوتٌ خَفيّ، وفي «القاموس»: صوتٌ تَسمعه من بعيدٍ أو أعمُّ.
وقولُ من نَفَى صِحَّة حديثٍ في نقضِ الوضوءِ بالدمِ والقيءِ والضحكِ إن سُلِّمَ لم يقدح في صحة الاحتجاج، لعدمِ توقُّفه على صِحَّةَ الحديثِ إذ الحُسْنُ كافٍ، على أنها قد تحْصُل من العَدَدِ المجتمِع، كما في المتواترِ المعنوي، مع أنه رأيٌ من النافي لها، وهو لا يَمنعُ رأيَ مثلِهِ من الصحيح بالنسبة إليه عند غلبةِ ظنِّه.
(إِنْ مَلأ) أي القيءُ (الفمَ) بأن لم يُمكِنْ ضبطُه إلا بكُلفة. وقيل: بأنْ لم يُمكِن معه الكلام. وقال زُفَر: قليلُ القيء ككثيره اعتباراً بالخارج من السبيلين. ولنا: ما رويناه مقيَّداً بالسَّيَلان (١)، وما رواه البيهقي في «الخلافيات» من قوله ﵊: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْعٍ: من إقطارِ البولِ، والدَّمِ السائل، والقيحِ، ومن دسْعةٍ تَملاء الفم، ونومِ المضطجِعِ، وقهقهةِ الرجل في الصلاة، وخروجِ الدم»، ولا يَضرُّ ضعفُ سهلِ بن عفَّانَ والجارودِ بن يزيد لوجود أصل الحديث عند غيرهما. والدَّسْعةُ: الدَّفعةُ الواحدة من القيء على ما في «النهاية».
وأمَّا ما ذكره صاحب «الهدايةَ» من قول علي ﵁ حين عَدَّ الأحداث: «أو دَسْعَةٍ تَملأ الفم» فهذا اللفظُ عن علي ﵁ ليس له أصل.
ويَنتقِضُ بمصّ قُرَادٍ (٢) وشُربِ الذُّبابِ دمَ جُرْح بحيث لو شُرِطَ القُرَاد (٣) أو تُرِكَ دمُ الجرح لسالَ، لا بسُقوطِ لحمٍ ودُودٍ منه لعدمِ نجاسة الدُّود في ذاته واللحمِ في أصله.
وأمَّا قيءُ الدم المائع فناقضٌ عند أبي حنيفة ﵀ وإن لم يَملأ الفم، وشَرَط محمد مِلْئه، وعن أبي يوسف أنه إن كان من قَرْحة نَقَض مطلقاً، وإن كان من الجوف لا يَنْقُض حتى يملأ الفم. وفي «النوادر». لو قاء مراراً كلَّ مرَّة دون ملء الفم والمجموعُ قد ملأه قال أبو يوسف: يَنقُضُ إذا اتحد المجلس، لأن اتحاده يَجمع المتفرقات كما في سجدة التلاوة. وقال محمد: إن اتحد السببُ وهو الغَثَيان، لأن الأصل إضافة الفعل إلى سببه، وهو الأصحُّ كما في «الكافي».
ولو أرخينا العِنَان، وجعلنا الأدلة تتعارض في مَيدان البيان، فإنْ جَمَعنا بينها فهو
стр. 60
لا بَلْغمًا أصلًا. وما ليس بحَدَثٍ، ليس بنَجَس. ونومُ مُتَّكىء إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط،
===
أولى عند الإِمكان، حَمَلْنا ما رواه الشافعي على القليل في القيء وما لم يَسِل، وما رواه زُفَر على الكثير توفيقاً بين الأدلة.
ثم القليلُ في القيء غيرُ ناقض، وعلى هذا يَظهر ما في «المجتبى» عن الحَسَن: لو تَناول طعاماً أو ماءً ثم قاء مِنْ ساعته لا يَنتقضُ لأنه طاهرٌ حيث لم يَستحِل، وإنما اتَّصل به قليلُ القيء فلا يكون نَجِساً، وكذا الصبيُّ إذا ارتضع وقاءَ من ساعتِه، قيل: هو المختار.
(لا بَلْغماً) عطفٌ على «دَماً»، أو منصوبٌ بمحذوف، أي لا يَنْقض القيءُ إذا كان بَلْغماً (أصلاً) أي سواءٌ كان من الرأسِ أو من الجوف، لم يكن مِلء الفم أو كان مِلئه، ولم يكن مخلوطاً بطعام أو كان مخلوطاً به، والحالُ أنَّ الطعام دون مِلء الفم، وأمَّا لو كان الطعامُ مِلء الفم فإنه يَنْقُض بالاتفاق. وقال أبو يوسف: البلغمُ النازلُ من الرأس لا يَنْقُض، والصاعِدُ من الجوف إن كان مِلء الفم يَنْقُض كغيره من أنواع القيء.
(وما ليس بحَدَثٍ) كالدَّم الذي ليس بسائل والقيءِ دون مِلء الفم (ليس بنَجَس) بفتح الجيم، ليس بنجاسةٍ عند أبي يوسف وهو الصحيحُ عند صاحبِ «الهداية» وغيرهِ، وقال محمد: وهو نَجَسٌ احتياطاً، واختاره أبو جعفر الهِنْدُوَانيُّ وغيرُه. فإن قيل: دمُ الاستحاضةِ والجُرح الذي لا يَرقأ ليس بحَدَثٍ وهو نَجَسٌ؟ أُجِيبَ بأنَّا لا نُسلِّم أنه ليس بحَدَث، غايتُهُ أنه حدَثٌ، لا يَظهر أثرُه إلا بخروج الوقت.
(ونومُ مُتّكاء) أي مستندٍ (إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط). واعلم أنْ النوم إِنْ كان اضطجاعاً أو اتكاءً على أحدِ الوَرِكينِ نَقَضَ، وإِن كان استناداً إلى شيء يَسْقطُ المُتَّكيءُ عند إزالتِهِ، فإن زالت المَقْعَدةُ عن الأرض نَقَض اتفاقاً، وإن لم تَزُل ذكَرَ الطَّحاويُّ والقُدُوريُّ أنه يَنْقض لحصولِ غايةِ الاسترخاء، والمرويُّ عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يَنْقض، لأنَّ استقرارَ المَقْعَدةِ على الأرض يَمنع من الخروج. وإِن كان في قيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ، فإن كان في الصلاة لا يَنْقض، وكذلك إن كان خارجَها وهو على هيئتها مِنْ رفع البطن في السجود عن الفخذين وتجافي العَضُدينِ عن الجنبين. وذَكَر ابنُ شُجَاع أنه يَنْقُض خارجَ الصلاة.
وقال الشافعي: يَنْقُضُ مطلقاً، لأنه لا يُؤمَنُ الحدَثُ في هذه الهيئات، ففارقَتْ هيئةَ القعود متمكناً.
ولنا قولُه ﵊: «لا يجبُ الوضوءُ على من نام جالساً، أو قائماً، أو
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ساجداً، حتى يضَعَ جنبيه، فإذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصِلُه» رواه البيهقي، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: أنه رأى النبيَّ ﵊ نامَ وهو ساجدٌ حتى غَطَّ أو نَفَخ، ثم قام فصلى فقلتُ: يا رسول الله إِنك نِمْتَ؟ فقال: «إنَّ الوضوءَ لا يجبُ إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجَعَ استرخَتْ مفاصِلُه». وغَطَّ النائمُ ـ بفتح الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ـ إذا نَخَر (١) .
وأخرَجَ ابنُ عدي عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدّه قال: قال رسول الله ﵊: «ليس على من نام قائماً أو قاعداً وُضوءٌ حتى يَضْطَجِعَ جَنْبُه إلى الأرض»، وأخرَجَ أيضاً عن ابن عباسٍ عن حُذَيفة بن اليمان قال: كنتُ جالساً في مسجد المدينة أَخْفِقُ (٢) فاحتَضَنَني رجلٌ مِنْ خلفي، فإذا أنا بالنبيّ ﵊، فقلتُ: يا رسول الله وجَبَ عليّ وضوء؟ قال: «لا حتى تَضَع جَنْبَك على الأرض».
وهذه الأحاديثُ وإن كانت بانفرادِها لا تخلو عن ضعف، إلاَّ أنها إذا تعاضَدَتْ لم تُنْزِله عن درجةِ الحَسَن، ولم يُعارضه صريحٌ مثلُه، فيجوزُ العمَلُ به.
وقال أبو يوسف: يُنْقَضُ الوضوءُ بتعمُّدِ النوم في سجود الصلاة، وقالا: لا يُنْقَضُ به لعموم ما رَوَينا، ولقولهِ ﵊: «إذا نام العبدُ في السجود يُباهِي اللهُ ملائكتَه فيقول: انظروا إلى عبدي، رُوحُه عندي، وبدَنُه في طاعتي» (٣) . وإنما يكونُ في الطاعة أنْ لو بَقيَتْ طهارتُه، لأنه بدونها إمَّا كُفرٌ أو كبيرة.
وفي «الظهيرية»: لو نام قاعداً فسقَطَ إن انتَبَه قبل أن يَصِلَ جنبُه إلى الأرض لا يَنْقُض. وقيل: يَنقُض إذا ارتفَعَ مَقْعَدَتُهُ عن الأرض، والأوَّلُ أصحُّ. وفي «الخلاصة»: أن الأوَّلَ قولُ أبي حنيفة، والثانيَ قولُ محمد. ولو وضَعَ يدَه على الأرض ونام، أو نامَ محتبياً ورأسُهُ على ركبتيه لا يَنْقُض. ولو صلَّى المريضُ مضطجعاً، فنام فالصحيحُ أنه يَنْقُض. ولو نَعَسَ مضطجعاً إن كان نُعاسُهُ خفيفاً بحيث يَسْمعُ ما يُتحدَّثُ عنده لا يَنْقُض.
ثم النومُ وما ذُكِرَ بعده من الإِغماءِ والجنونِ: مَظِنَّاتٌ للأحداثِ أُقيمَتْ مُقامَها. والأصلُ فيها قولُه ﵊: «العَيْنانِ وِكاءُ السَّهِ، فإن نامَتْ العينانِ استَطْلَق
стр. 62
والإغماءُ،
===
الوِكاءُ» (١) . وأمَّا إذا نام قاعداً وتمايَلَ بحيث احتُمِلَ زوالُ المَقْعَدةِ به فلا يَنْقُض، لما في «سنن أبي داود»: كان أصحابُ رسول الله ﵊ ينتظرون العِشاءَ حتى تَخْفِقَ رؤسُهم ـ أي تَضطرب ـ (ثم يصلون) (٢) ولا يَتوضَّؤُون.
واعتبَرَ مالكٌ ثِقَلَ (٣) النوم حالَ الجلوس لأنه مظِنَّةُ استرخاء المفاصل غالباً، فأُدِيرَ الحُكمُ عليه بخفاءِ سببه.
ولنا إطلاقُ ما رَوَيْنا من حديثِ حذيفةَ وغيرِه. وأمَّا ما في «مسند البزَّار» بإسنادٍ صحيح «كان أصحابُ رسول الله ﵊ يَنتظرون الصلاةَ فيَضعون جُنوبَهم، فمنهم من ينامُ ثم يقومُ إلى الصلاة»، فيجبُ حملُه على النُّعاس.
وقال الحَلْواني: لا ذكْرَ للنُّعاس مضطجِعاً، والظاهرُ أنه ليس بحَدَث، لأنه نومٌ قليل. أقول: بل هو مقدِّمةُ النوم، وقد قال الدَّقَّاقُ: إن كان لا يَفهَمُ عامَّةَ ما قِيلَ حوله كان حَدَثاً، وإن كان يَسْهو حرفاً أو حرفينِ فلا.
وأمَّا نومُهُ ﵊ فليس بحَدَث، لأنه مِنْ خُصوصيَاتِهِ ولقوله ﵊: «تَنامُ عيناي ولا يَنَامُ قلبي» (٤) .
(والإغماءُ) وهو مرضٌ يُوجِب ضعفَ القُوَى، والمرادُ به هنا: الغَلَبةُ على العقلِ بأيّ سببٍ كان، فيَشمل السُّكْرَ وهو: خِفَّةٌ تعتري الإِنسان. والضابطُ هنا كاليَمِين (٥) ، وهو أن يكون في مَشْيهِ اختلال، وهو الأصحُّ على ما في «المجتبى». وفي «الخلاصة»: السُّكْر حدَثٌ إذا لم يَعرِف به الرجلَ من المرأة.
стр. 63
والجنونُ، وقهقهةُ بالغٍ في صلاةٍ مُطْلَقةٍ،
===
وإنما يَنتقِضُ وضوؤه بالغَلَبةِ على العقل، لأنها فوق النوم مضطجعاً، ولهذا كانت ناقضةً في جميع الأحوال، ألا تَرى أنّ المُغْمَى عليه لا يَنتبه بالتنبيه بخلاف النائم.
(والجنونُ) وهو عِلَّةٌ تُزيل العقلَ وتَسْلبه، وهو أقوى مما قبله.
(وقهقهةُ بالغٍ) عمداً كان أو سهواً، وهي ما تكون مسموعةً له ولجيرانه، سواءٌ ظهرت أسنانُهُ أوْ لا. والضحِكُ: ما يكون مسموعاً له دون غيرهِ، وتَبْطُلُ به الصلاةُ دون الوضوء. والتَّبَسُّمُ: ما لا يُسْمَعُ أصلاً، وليس بمُبِطلٍ لواحدٍ منهما. وقَيْدُ «بالغٍ» لأنَّ قهقهة الصبيّ لا تُبطِلُ وضوءه وتُبطِلُ صلاتَهُ.
(في صلاةٍ مُطْلَقةٍ) أي ذاتِ ركوعٍ وسجود أو ما يقوم مقامَهما من الإِيماء، فلا تَنْقضُ القهقهةُ في صلاة الجنازة ولا في سَجْدة تلاوة، وتَنقُضُ في نافلةٍ على الدابَّة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تَنقُضُ القهقهةُ وضوءاً، لأنها لو نَقَضتْ في الصلاةِ لنقضَتْ خارجَها، وفي صلاةِ الجنازةِ وسجدةِ التلاوةِ كباقي النواقض.
ولنا أنَّ القياس ما ذكروه ولكن تركناه ـ فيما إذا كانت القهقهةُ في ذاتِ ركوعٍ وسجود ـ بما رواه الدارقطنيُّ عن أبي هريرة وعِمرانَ بن حُصَين، والطبرانيُّ عن أبي موسى الأشْعَري واللفظُ له قال: بينما رسولُ الله ﵊ يُصلِّي بالناس إذْ دَخَل رجلٌ فتردَّى ـ أي وقَعَ ـ في حُفرةٍ كانت في المسجد، وكان فِي بَصَرِهِ ضَررٌ، فضَحِكَ كثيرٌ من القوم وهم في الصلاة، فأمَرَ رسولُ الله ﵊ مَنْ ضَحِكَ أن يُعيد الوضوءَ والصلاةَ.
ولنا أيضاً ما قدَّمنا (١) مِنْ قولِهِ ﵊: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْع»، وقولُهُ: «مَنْ ضَحِكَ في الصلاةِ قهقهةً فليُعِدِ الوضوءَ والصلاةَ»، فإنَّه رُوِيَ مُرسَلاً ومُسنَداً، وقد اعتَرَفَ أهلُ الحديث كلُّهم بصحَّتِه مُرسَلاً، والمُرسَل حجَّةٌ عندنا وعند الجمهور. وأمَّا رِوايتُهُ مُسنَداً، فعن عِدَّةٍ من الصحابة كابنِ عُمَر، ومَعْبَدٍ الخُزاعي، وأبي موسى الأشْعَري، وأبي هريرة، وأَنس، وجابر، وعِمران بن حُصَين، وقد اسْتَوفَى صاحبُ التخريج الكلامَ على الطُّرقِ كلِّها (٢) ، ونَقتصرُ منها على طريقينِ:
طريقِ ابنِ عُمَر، وهو ما رَوَى ابنُ عَدِي في «الكامل» من حديث عَطِيَّة بن بَقِيَّة:
стр. 64
والمُباشرةُ الفَاحِشَةُ، لا مَسُّ المرأةِ
===
حَدَّثنا أبي: حدثنا عَمْرُو بن قَيْس السَّكُوني، عن عطاء، عن ابنِ عمر قال: قال رسول الله ﵊: «من ضَحِك في الصلاةِ قهقهةً فَليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وأمَّا الطَّعْنُ فيه بأنَّ بَقِيَّة مُدَلِّس، فكأنه سَمِعَهُ مِنْ بعضِ الضعفاء وحَذَفَ اسمَه: فمدفوعٌ بأنه صَرَّح فيه بالتحديث، والمُدَلِّس الصَّدُوقُ إذا صرَّحَ بالتحديث تَزولُ تُهْمَةُ التدليس، وبَقِيَّةُ مِنْ هذا القَبيل.
وطريقِ مَعبَد، وهو ما رَوَى أبو حنيفة في «مسنده» عن منصور بن زَاذَان الواسطي، عن الحسن، عن مَعْبَد بن أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعي، عنه ﵊ قال: بينما هو في الصلاة إذْ أقبَلَ أعمى يُريدُ الصلاةَ، فوقع في زُبْيَةٍ ـ بضمّ الزاي وسكون الموحدة فتحتيَّة ـ، أي حُفرةٍ، فاستَضْحَكَ القومُ فقهقهوا، فلما انصرَفَ رسولُ الله ﵊ قال: «من كان منكم قَهْقَه فليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وقِيلَ: مَعْبدٌ هذا لا صُحبة له، فهو مُرسَلٌ أيضاً، ورُدَّ بأنَّ المَعْبَد الذي لا صُحبةَ له هو مَعْبَدٌ البَصْري الجُهَني، كان الحسَنُ يقول فيه: إياكم ومَعْبداً، فإنه ضالّ مُضِلّ (١) ، ومَعْبدٌ هذا هو الخُزَاعي كما هو مصرَّحٌ في «مُسنَدِ أبي حنيفة»، ولا شَكَّ في صُحبته، ذكره ابنُ مَنْدَه وأبو نُعيمٍ في الصحابة، ورَوَيا له حديثَ جابر: أنَّه لما مَرَّ النبيُّ عليه بخِبَاءِ أمِّ مَعْبَدٍ، فبَعَثَ مَعْبَداً وكان صغيراً فقال: «ادْعُ الشاةَ» … الحديث.
(والمُباشرةُ الفاحِشةُ) وهي أن يَمَسَّ (٢) فَرْجُه فَرْجَها وهو مُنتشِر الآلة، وقال محمد: إنما يَنْقُض إذا خَرَج المَذْيُ، لأنَّ الناقض خروجُ النَّجَس. ولهما أنَّ المباشَرةَ على هذه الصفة لا تخلو غالباً عن مَذي، فجُعِلَ الغالبُ كالمتحقِّق احتياطاً. وفي «القُنْيَة»: وكذا المباشَرَةُ بين الرجلِ والغلامِ، وكذا بين الرَّجلين، تُوجِبُ الوضوءَ عليهما. ثم عباراتُ أكثرِ الكتبِ متظاهِرَةٌ من أنَّ الصحيحَ والمُفَتى به قولُ محمد (٣) .
(لا مسُّ المرأةِ) أي لا يَنْقضُ الوضوءَ مَسُّ المرأة، سواءٌ تَكُونُ إضافةُ المصدر إلى فاعلِه أو مفعوله، وهو قولُ عليّ وجماعةٍ من الصحابة.
стр. 65
والذَّكَرِ.
===
وقال الشافعي وأحمد: يَنْقُضُ مَسُّ المرأةِ التي غيرُ مَحْرَمٍ وضوءَ اللامس، وهو قولُ عُمَر وبعضِ الصحابة لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائطِ أو لمَسْتُم النّساءَ﴾ (١) بقصر اللام كما قرأه حمزة والكِسائي (٢) ، وحقيقةُ اللَّمْس المَسُّ، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوه بأيديهم﴾ (٣) . وقال مالك: يُنْقَضُ بالمَسِّ إذا كان يتلذَّذُ به.
ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂: أنها قالتْ: كنتُ أنامَ بين يدَيْ رسولِ الله ﵊ ورِجْلاي في قِبْلتِه، فإذا سَجَدَ غمَزَني فقبضتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسطتُهما، وما في «السُّنَّن الأربعة»: عن عائشة: أنَّ النبي ﵊ كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه ثم يُصَلّي ولا يتوضَّأ، ورواه البَزَّار في «مسنده» بإسنادٍ حسَّنه.
وأُجِيبَ عن الآية بأنَّ اللَّمْسِ يُكْنى به عن الجماع، وحَمْلُ الآية عليه أولى ليُوافِقَ قراءةَ: ﴿لامَسْتُم﴾ فإنه مُفسَّر بالجماع عند الجمهور، وقد قال ابنُ عباس: المُرادُ باللَّمْس: الجماعُ، إلا أنَّ الله تعالى حَيِيٌّ كَنَّى بالحَسن عن القبيح، كما كَنَّى بالمَسِّ عن الجماع في قوله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٤) ، والمُرادُ الجماعُ بالإِجماع، ولأنَّ الآية تَصيرُ بياناً لكون اللَّمس رافعاً للحدث الأصغر والأكبر.
(و) لا (الذَّكَرِ) أي ولا يَنْقُضُ الوضوءَ مَسُّ ذَكَرِه أو ذَكَرِ غيرِه مطلقاً.
وقال الشافعي: يَنْقُضُه إن كان بِبَطْن الكفّ أو بطنِ الأصابع، وبه قال مالكٌ إذا كان بشهوة، وقال أحمد: مَسُّ الفَرْج يَنْقُض الوضوءَ ذَكَراً كان أو أُنثى، لما روى أحمد والطبراني عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أفضى أحدُكم بيده إلى فَرْجه ليس دونها حِجاب فقد وجَبَ عليه الوضوءُ»، وما روى أصحابُ «السُّنَن الأربعة»: عن بُسْرة بنتِ صفوان أَنه ﵊ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فليتوضَّأ».
ولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قَيْس بن طَلْق، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرهُ، في الصلاة؟ فقال: «هل هو إلا بَضْعَةٌ منك»، بفتح الموحَّدة، أي قِطعة من جسدك، قال الترمذي: هذا الحديثُ أحسَنُ شيء يُروَى في هذا الباب، ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه الطَّحاوي وقال: هذا حديثٌ مستقيمٌ غيرُ
стр. 66
وفَرْضُ الغُسْل:
غَسْلُ فمِهِ وأنفِه
===
مضطربٍ في إسنادِه ومَتْنِه، فهو حديثٌ صحيحٌ معارِضٌ لحديث بُسْرةَ. وأمَّا ما قيل من أنَّ المُرادَ به المَسُّ بحائل: فرُدَّ بأن تعليله ﵊ يأبَى ذلك.
قال بعضُ المحققين: إنَّ الحديثينِ لم يَسْلَما من الطعن فيهما، والحقُّ أنهما لا يَنزِلانِ عن دَرَجةِ الحُسْن، لكن يَترجَّح حديثُ طَلْق بأنَّ الرجال أقوى في الحال، لأنهم أحفظ وأضبطُ للأقوال.
وقد ثبَتَ عن عليّ، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وحُذَيفة ابن اليمان، وعِمران بن الحُصَين، وأبي الدَّرْداء، وسعدِ بن أبي وقاص: أنهم كانوا لا يَرون النقضَ منه، وإن رُوِيَ النَّقضُ عن غيرهم كعُمَر، وابنِه، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص، وجابر، وعائشة ﵃، ذكره ابنُ الهُمَام.
وفي «شرح الآثار» للطَّحاوي: لا نعلمُ أحداً من الصحابة أفتَى بالوضوء مِنْ مَسّ الذَّكَر إلا ابن عُمَر، وقد خالفَهُ في ذلك الأكثرُ فتأمَّل وتدبَّر، فإنه على تقدير تساويهما إذا تعارَضَا تساقَطَا، والأصلُ عدَمُ النَّقْض. وإنْ سَلَكْنا طريقَ الجمع جُعِلَ مَسُّ الذَّكَر كنايةً عما يَخْرُج منه، وهو من أسرار البلاغة، يَسكتون عن ذِكر الشيء وَيرمزون عليه بذِكرِ ما هو مِنْ رَوَادِفه، فلما كان مَسُّ الذَكر غالباً يُرادِفُ خروجَ الحدَثِ منه ويُلازِمُه، عُبِّر به عنه، كما عَبَّر الله سبحانه بالمجيء من الغائط عما يُقْصَد الغائطُ لأجله ويَحُلُّ فيه، فيَتَطابَقُ طريقا الكتابِ والسُّنَّة (١) . وكذا الخِلافُ في مَسّ الدُّبُر.
(فَرْضُ الغُسْلِ)
(وفَرْضُ الغُسْلِ) بالضمّ أي الاغتسالِ (غَسْلُ فمِهِ وأنفِهِ) بالفتح مصْدَرُ غَسَلْتُ. وبه قال أحمَدُ في أقوى الروايتين.
وقال مالك والشافعي: غَسْلُهما سُنَّة في الغُسْل كالوضوء.
فهما فَرْضَان كما قدَّمنا. ولنا في الفَرْقِ بينهما أنَّ المأمورَ به في الوضوء غَسْلُ الوجه، وهو ما تَقع به المواجهَةُ ولا مواجهة (٢) بداخلِ الفمِ والأنفِ، والمأمورَ به في الجَنَابة غَسْلُ جميعِ البدَن على وجهِ المبالغةَ لقوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُم جُنُباً
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فاطَّهَّرُوا﴾ (١) . فما في غَسلِه حَرَجٌ كداخلِ العين: يَسْقُط، وما لا حَرَجَ فيه: يَبْقى. وداخِلُ الفمِ والأنفِ ممَّا لا حَرَج فيه. وأيضاً يُغْسَلانِ عادةً وعِبادةً: نفلاً في الوضوء، وفرْضاً من النجاسة الحقيقية، فشَمِلَهُما نَصُّ الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأمَّا استدلالُهما (٢) بقوله ﵊ كما رواه أبو داود عن عمَّارٍ، ومُسْلِمٌ عن عائشِةَ: «عَشْرٌ من الفِطْرةِ» وعَدَّ منها المضمضةَ والاستنشاقَ: فمدفوعً بأنَّ كونَهما من الفِطرة لا يَنفِي وجوبَهما، لأنها الدِّينُ، وهو أعمُّ منه فلا يعارضه، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها﴾ (٣) ، ووَرَدَ «كلُّ مولودٍ يُولَد علَى الفِطرة» (٤) .
وروى الدارقطني عن أبي هريرة لكن بسند ضعيف جدّاً أنه ﵊ جَعَل المضمضةَ والاستشناقَ فريضةً للجنب، وفي رواية أنه ﵊ «جَعَل المضمضةَ والاستنشاقَ للجُنُب ثلاثاً فريضةً» (٥) . وقد انعقد الإِجماعُ على إخراج اثنتين منها عن الفَرْض فيَبْقَى مرَّةٌ واحِدة.
وأمَّا ما في «الهداية» من أنه ﵊ قال: «إنهما ـ يعني المضمضةَ والاستنشاقَ ـ فَرْضانِ في الجنابة، سُنَّتانِ في الوضوء»، فلا أصْلَ له. وروى أبو حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنتِ عَجْردَ، عن ابن عباس فيمن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ قال: لا يُعِيدُ إلاَّ أن يكون جُنُباً. وبمثلِهِ يُترَكُ القياسُ، وإن ادَّعى الشافعيُّ أنَّ عثمان وعائشة الراويين غيرُ معروفين ببلدِهما، إذ عدَمُ معرفتِهِ بحالهما لبُعْدِ عهدهِ بينهما: لا يَنْفي معرفةَ مَنْ أَخَذَ عنهما.
وفي «الظهيرية»: من اغتَسَل وبين أسنانه طعامٌ لا بأس به، لأنَّ ما بين الأسنانِ رَطْبٌ فيَصِلُ الماءُ إلى ما تحته. وقال الأستاذ الإِمام عليٌّ البَزْدَوِي: يَجِبُ عليه غَسْلُ ذلك الموضعِ، ويَنْبغِي أن يُحمَل الأوَّلُ (٦) على حالِ تخلخله، والثاني (٧) على عَدَمِهِ.
стр. 68
وكلِّ البَدَن.
[سننُ الغُسْل]
وسُنَنُهُ: أنْ يَغسِل يديه وفرْجَهُ، ويُزيلَ النجاسةَ،
===
ولو نَسِيَ المضمضمةَ ثم شَرِبَ ماءً وأتَى على جميع فمِهِ أجزأه وإلاَّ فلا. والدَّرَنُ اليابِسُ في الأنفِ كالخُبْزِ الممضوغِ والعجينِ يَمْنَع.
(وكلِّ البَدَنِ) أي وغَسْلِ جميع بَدَنه مرَّةً واحدةً مْستوعِبَةً للشَّعر والبَشَرة لقولِهِ ﵊: «تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعر، وأَنْقُوا البَشَرَ» رواه أبو داود والترمذي. وقولِهِ ﵊: «مَنْ تَرَك شَعْرةً مِنْ جسَدِهِ ولم يَغسِلها فُعِلَ به كذا وكذا مِنْ النار». قال علي كرَّم الله وجْهَهُ: فمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ شَعْري وكان يَجُزُّه. كذا رَوَى في «الإِمام».
فيَجِبُ غَسْلُ السُّرَّةِ وفَرْجِ المرأةِ الخارجِ، وداخِلِ القُلْفَة (١) عند بعض المشايخ. ولو كان في الأُذُن ثَقْبٌ فإن كان فيه قُرْطٌ وظنَّ أن الماء لا يصِلُ إلا بتحريكِه حُرِّكَ، وإنْ لم يكن فيه قُرْطٌ فإن كان لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بالتكلُّف ارتكبه، وإنْ كان بحالِ إنْ أمرَّ الماءَ عليه دَخَل وإن لم يُمِرَّ لم يَدْخُل: أمَرَّ الماءَ، وأجزأه كالسُّرَّةِ، لا سِيَّما بالنسبة إلى السِّمَان، ولا يَتكلَّفُ بإدخالِ شيءٍ، ولا يَضُرُّ ما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِه في الإِناء، بخلافِ ما إذا قَطَرَ فيه كلُّه أو أكثَرُه.
(سُنَنُ الغُسْلِ)
(وسُنَنُهُ) وفي نسخةٍ: سُنَّتُه، أي يُسَنُّ في الغُسْل (أنْ يَغْسِل يديه) أي إلى رُسْغَيْه أوَّلاً، لأنهما آلةُ التطهير (وفَرْجَهُ) لأنه مظِنَّة النجاسة، فيَشْمَل قُبُلَه ودُبُرَه، وإن اختَصَّ في اللغةِ بالقُبُل.
(ويُزيلَ النجاسَةَ) أي الحقيقيَّة عن بَدَنِه إن كانت عليه، لئلا تَشِيع بإسالةِ الماء. ولا يُغْنِي ذِكرُها عن ذِكْرِ الفَرْج كما ظَنَّه شارحُ «الكنز» (٢) ، لأنَّ تقديم غَسْلِه ها هنا سُنَّةٌ وإن لم يكن فيه نجاسة كتقديم الوضوءِ حتى مَسْحِ الرأس على الصَّحيح، وهو ظاهِرُ الرواية. لقولِ ميمونَةَ: «توضَّأ وضوءه للصلاة» … الحديث كما سيأتي (٣) ، وإن
стр. 69
ثم يَتوَضَّأَ إِلَّا رِجْلَيه، ثم يُفيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثًا، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتنْقَع. ويَكفي لذاتِ الضَّفيرةَ أن يَبْتلَّ أصلُها.
===
رَوَى الحَسَنُ عَدَمَه، لأنَّ غَسْلَه لا بُدَّ منه.
(ثمَ يتوَضَّأ، إِلاَّ رِجْلَيهِ) هذا الاستثناء ثابتٌ في بعض النسخ، فهو متَّصِل أي يَغْسِلُ أعضاءَ وضوئِه، أو يستكملُ أجزاءَه (١) إلا غَسْلَهما فإنه يُؤَخَّرُ إلى آخِر الأمر.
(ثمَّ يُفِيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثاً، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتَنْقَع) بصيغة المفعول، أي مُجْتَمَعِ الماءِ المستعْمَل، بل إنْ كان اغتسالُهُ في مكانٍ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ غَسلَ رِجْليه في مكانٍ آخَر، وإنْ كان في مكانٍ لا يَجْتَمِع فيه الماءُ كما لو اغتسل على لوْحٍ أو حجَرٍ أو قُبْقَابٍ غسَلَ رِجْليه فيه.
وثُمَّ في المواضع الثلاث للتراخي في الرتبة مع الإِيماء إلى الترتيبِ، وإلى جوازِ المُهْلة، فإنَّ الموالاة ليسَتْ بشرطٍ عندنا. وكان الأولى أن يَعطفَ بالواوِ أو الفاءِ فإنه أخصرُ وأظهرُ.
وأصْلُ ذلك ما روى أصحابُ «الكتب الستة» عن ابن عباس قال: حدَّثَتْنِي خالتي ميمونَةُ قالتْ: أدْنَيْتُ ـ أي قرَّبْتُ ـ لرسولِ الله ﷺ غِسْلَهُ من الجنابة ـ بكسر الغين أي ما يُغْتَسَلُ به ـ فغسَلَ كفَّيه مرَّتَيْنِ أو ثلاثاً، ثم أدخَلَ يدَهُ في الإِناءِ، ثم أفرَغَ على فَرْجهِ وغَسَلَه بِشمالِهِ، ثم ضَرَب بِشمالِهِ الأرضَ فدَلَكَها دَلْكاً شديداً، ثم تَوضَّأَ وُضوءَه للصلاة، ثَم أفْرَغَ على رَأسِهِ ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفنةٍ مِلءَ كَفَّيْه، ثم غَسَل سائرَ جَسَدِه، ثم تَنَحَّى عن مَقامِه ذلك فغَسَل رِجْليه، ثم أتيتُهُ بالمِنْدِيلِ فَردَّه.
ثم كيفيةُ الصَّبّ أن يُفِيضَ على مَنْكِبِهِ الأيمنِ ثلاثاً، ثم الأيسر ثلاثاً، ثم على سائرِ جَسَدِه، أو يَبْدَأَ بالرأس، وهو الأظهرُ، لحديثِ ميمونة وغيرِها من عِدَّةِ أحاديث أوردها البخاري في «جامعه».
(ويكفي لذاتِ الضَّفِيرَة) أي لصاحبةِ الشَّعر المضفور (أن يَبْتلَّ أصلُها) أَي أصلُ الضفيرة. وفيه إشعارٌ بأنه لا يجبُ عليها بَلُّ ذوائبها وعصْرُها كما قال بعض المشايخ، والصحيحُ: أنه يجبُ غَسْلُ الذوائب وإن جاوَزَت القدمين (٢) . ثم المرادُ بالابتلالِ هذا: هُوَ وصولُ الماءِ إلى أُصولِ الشعر، حتى لا يَكفي الابتلالُ الحاصِلُ بالمسح، لكن في
стр. 70
[مُوجِبات الغُسْل]
وموجِبُه: إِنزالُ مَنِيّ ذي دَفْقٍ ......................
===
«المُلتَقط»: أنه إذا لم يُصِب الغُسْلُ بعضَ البدنِ فمسَحَه بيده حتى ابتلَّ جسَدُه كلُّه أجزأه.
واحتَرَز بذاتِ الضفيرة عن ذي الضفيرة، فإنه يجبُ عليه نَقْضُها في الصحيح. وأمَّا إذا كانت الضفيرةُ منقوضةً فيجِبُ إيصالُ الماء إلى أثناءِ الشعر كما في اللِّحية لعدمِ الحرج.
وإنَّما لا يجبُ عليها نَقْصُ ضفيرتِها لما روى الجماعةُ إلا البخاري: عن أمّ سَلَمة قالت: قلتُ: يا رسول الله إني امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رأسِي أفأنقُضُه لغُسْلِ الجنابة؟ وفي روايةٍ للحَيْضةِ والجنابة؟ فقال: «لا، إنما يَكفِيكِ أن تَحْثِي على رأسِكِ ثلاثَ حَثَيَات ثم تُفيضي عليك الماءَ فتطهُرِي».
والضَّفْرُ بفتحٍ وسكون، وقيل بضَمّهما.
ولِمَا في أبي داود من أنهم استَفْتَوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك فقال: «أمَّا الرَّجُلُ فليَنْشُرْ رأسَه فليَغْسِل حتى يَبْلُغَ أصولَ الشَّعر، وأمَّا المرأةُ فلا عليها أن تَنْقُضه، لِتغْرِفْ على رأسِها ثلاثَ غَرَفاتٍ بكَفَّيْها»، وفي روايةٍ لمسلم عنها: أفأنْقُضُه للحَيْضةِ والجنابة؟ قال: «لا» .. الحديث. لكن روى الدارقطني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا اغتسلت المرأةُ مِنْ حَيْضِها نقضَتْ شعرَها نقضاً وغسلته بخِطْمِيَ وأُشْنان (١) ، فإذا اغتسَلتْ مِنْ الجنابة صبَّتْ على رأسِها الماءَ وعصرَتْه».
وأوجَبَ مالك الدَّلْكَ في الغسل كما في الوضوء. وأوجَبَه أبو يوسف في الغُسل، ووَجْهُهُ ما في آية الغُسل من المبالغة.
(مُوْجِبَات الغُسْلِ)
(ومُوجِبُهُ) بكسر الجيم، أي سبَبُ وجوبِه أي فرضيَّتِه، فإنَّ المُوجِبَ الحقيقيَّ هو الله سبحانه (إِنزالُ مَنِيّ) أي نُزولُه وخروجُه. وهو مِنْ المرأةِ: رقيقٌ أَصفَرُ. ومِن الرَّجُل: غليظٌ أبيَضُ رائحته كرائحة الطَّلْع (٢) (ذي دَفْقٍ) وفي بعض النسخ: ذي قُوَّة،
стр. 71
وشهوةٍ عند الانفصال، وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ
===
أي دَفقٍ وغَلَبة
(وشهوةٍ) أي ذي شهوة، وكأنه عطفُ تفسير (عند الانفصال) أي انفصال المَنِيِّ عن الظَّهْر، حتى لو أَنزَل مِنْ غير شهوةٍ، بأن حَمَل شيئاً ثقيلاً أو ضُرِبَ على ظهره، فسبَقَه المنيُّ، لا غُسْلَ عليه.
وقال مالك والشافعيُّ: عليه الغُسْلُ لِمَا روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ «إنَّما الماءُ من الماء». أي الغُسْلُ من المنيِّ واجبٌ، إذ هو خِطابٌ جارٍ مَجرى الأمر.
ولنا قولُه تعالى: ﴿وإنْ كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾ (١) والجُنُبُ من قَضَى شهوته، لأنَّ الرجل إذا قَضَى شهوتَه مِنْ المرأةٍ جانَبَها. والحديثُ محمولٌ على الخروج بشهوة، لأنَّ اللام فيه للعهد الذهني، أي الماءُ المعهودُ وهو الخارج عن شهوة، كيف وهو مُتناوِلٌ لماءٍ لا يُوجب الغُسْلَ كالمَذْي ونحوِه، ورُبَّما يأتي على أكثرِ الناس جميعُ عُمرُه ولا يرى هذا الماء مجرّداً عن شهوة، إذْ حُصولُه إنما يكون بضَربٍ على الصُّلْبِ ونحوِه. على أنَّا نَمْنَعُ وجودَ مَنِيّ بلا شهوة، ألا تَرى إلى تفسير عائشة المَنِيَّ بأنه أبيَضُ ثَخِينٌ يَنكسِرُ منه الذَّكَر؟ (٢) وانكسارُهُ لا يكون إلا مِنْ شهوة، كذا ذكره بعضُ المحقَّقين. وفيه بحثٌ لا يَخْفَى على المدقِّقين.
وقال أبو يوسف: لا بُدَّ من بقاءِ الشهوة عند خروج المنيّ مِنْ ذَكَرِه. واكتفَيَا بوجودِها عند انفصالِها من الصُّلبِ احتياطاً، مع الاتفاقِ على أنه لا يجبُ الغُسْلُ إذا انفصَلَ عن مقَرِّه من الصُّلب بشهوةٍ إلا إذا خَرَج على رأس الذَّكَر. وتَظَهر ثمرتُهُ فيمن استَمْنَى بكفّه (٣) وأمسَك ذَكَره حتى سكنَتْ شهوتُه فخرج المنيُّ بلا شهوة، وفيمن اغتَسَل قَبْلَ البولِ والنومِ والمشيِ ونحوِها، ثم خَرَج منه بقيَّةُ المنيّ حيث يَلزمُه الغُسلُ عندهما خلافاً له. وقولُهما أحوطُ كما لا يَخفى.
(وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ) وهي ما فوقَ موضعِ الخِتان من رأس الذَّكَر، أو قَدْرُها إذا كانت
стр. 72
في قُبُلِ أو دُبُر، على الفاعلِ والمفعولِ به،
===
مقطوعةً ولو مِنْ مقطوع الأُنثَيْين (١) (في قُبُلٍ أو دُبُر) وإنما لم يَقُل: والتقاءُ الخِتانَينِ كما في الحديث الآتي، لأنه لا يَتناول الدُّبُر، ولأنَّ الحاصِلَ في القُبل أيضاً ليس بالتقاءٍ حقيقةً وإنما هو محاذاةٌ، لأنَّ ختان المرأة أعلى الفرجِ فوقَ مخرجِ البول، ومحلُّ الوطء أسفَلُه. والخِتانُ سُنَّةٌ للرجل تكرِمةً لها، إذْ جِماعُ المختون ألذّ. وفي «نَظْم الفقه»: سُنَّةٌ فيهما غير أنه لو تركه يُجبَرُ عليه إلا مِنْ خشية الهلاك، ولو تركَتْه هي لا.
(على الفاعلِ) وهو ظاهرٌ، لأنَّ الحدَّ واجبٌ عليه اتفاقاً (والمفعولِ به) أمَّا عند أبي يوسف ومحمدٍ فلأنه لمَّا وجَبَ عليه الحدُّ الذي يُحتاط في تركِهِ ففي (٢) الغُسْل الذي يُحتاط في فعِله أولى. وأمَّا عند أبي حنيفة فلأنَّ الاحتياطَ في الحَدّ تَرْكُه وفي الغُسل فِعلُه.
وقالت الظاهرِيَّةُ: لا يجب الغُسْل بدون الإِنزال لِمَا في «الصحيحين» عن أُبَيّ بن كعب قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الرَّجُل يُصيبُ من المرأة ثم يُكسِلُ؟ فقال: «يَغْسلُ ما أصابه مِنْ المرأة، ثم يَتوضَّأُ ويُصلِّي». يُقال: أَكْسَلَ الرجلُ في الجماع: إذا خالَطَ أهلَه ولم يُنزل.
ولنا ما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: اختلَفَ رَهْطٌ من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريُّون: لا يجبُ الغُسل إلا من الدَّفْق أو مِنْ الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالَطَ فقد وجَبَ الغُسل، وقال أبو موسى: أنا أَشْفِيكُم مِنْ ذلك، قال: فاستأذنتُ على عائشة فأُذِنَ لي فقلتُ: يا أُمَّاهُ إِني أُريد أَنْ أسألكِ عن شيءٍ وأَنا أستحييك، قالت: لا تَسْتَحْيِي أن تسألَنِي عمَّا كنتَ سائلاً عنه أُمَّك التي ولدَتْك فإنَّما أنا أُمُّك، قلتُ: فما يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قالتْ: على الخَبِيرِ سقطتَ، قال رسول الله ﷺ «إذا جَلَسَ (٣) بين شُعَبِهَا الأربع (٤) ، ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وَجَبَ الغُسْلُ».
وفي «مُسنَد عبد الله بن وَهْب» أنه قال ﵊: «إذا التَقى الخِتَانانِ وغابَتْ الحشَفَةُ وجَبَ الغُسلُ أَنزَل أو لم يُنْزِل». ولفظُ ابنِ أبي شيبة في «مُصنَّفه»: و «توارَتْ الحشَفَةُ». وفي الترمذيِّ وابنِ ماجه عن عائشة ﵂:
стр. 73
ورُؤيةُ المستيقِظِ المَنِيَّ أو المَذْيَ،
===
«إذا جاوَزَ الخِتانُ الخِتانَ وجَبَ الغُسْلُ، فعلتُهُ أنا ورسولُ الله ﷺ فاغْتَسلْنا».
ولا يُعارِضُهُ قولُه ﷺ «إنَّما الماءُ مِنْ الماءِ» لما روى أبو داود والترمذي وصحَّحه أنَّ الفُتْيَا التي كانوا يُفتُون ـ إنما الماءُ مِنْ الماءِ ـ كانتْ رُخصةً رَخَّصها رسولُ الله ﷺ ثمَّ أمَرَ بالاغتسال، وفي روايةٍ: «ثم أمَرَنا»، فهذا مُصَرِّحُ بالنَّسْخ، ولأنَّ الماءَ موجودٌ فيه تقديراً لأنه سبَبُ الإِنزال، إذ الغالبُ في مِثلِه الإِنزال، وهو مُتَغيِّبٌ عن بَصَرِه، فأُقِيم السبَبُ الظاهرُ ـ وهو الالتقاءُ ـ مُقامَ الإِنزال احتياطاً، وما ذكرناه مأثورٌ، لأنَّ هذا الفعلَ أُقِيمَ مُقامَ الإِنزال في حقِّ وجوبِ الحَدِّ، فلأنْ يقومَ مَقامَهُ في وجوب الغُسل أولى. وبهذا احتَجَّ عليّ ﵁ على الأنصارِ فقال: تُوجِبُون الرَّجْمَ ولا تُوجِبُون صاعاً من الماء.
ثمَّ السببيَّةُ موجودةٌ على الكمالِ في الإِيلاج في الدُّبُر لكونه سبباً لخروج المنيّ غالباً كالإِيلاج في القُبُل لاشتراكهما في دواعي الإِنزال، ويجبُ على المفعولِ به وإن لم يكنْ سبباً لنزول مائه احتياطاً لوجوب الغُسل.
ثمَّ مُطلَقُ الإِيلاج في الآدمي يتناوَلُ الذَّكَرَ في القُبُلِ والدُّبُرِ وإيلاجَ الإِصبع، وفي إيلاج الإِصبعِ الدُّبُرَ خلافٌ في إِيجابِ الغُسْل (١) .
(ورُؤيةُ المستيقِظِ) أي عِلمُهُ ليَدْخل الأعمى. والرؤيةُ تُستعمل في معنى العلم باتفاقِ أهل اللغة، ومنه: رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيء. (المَنِيَّ) بالنصب على المفعولية (أو المَذْيَ) بفتح الميم فسكون معجمة، وبكسر المعجمة وتشديد الياء: ما يَخرجُ من الرجل عند الملاعبةِ مع أهله. وهو ماءٌ رقيقٌ يَضرِبُ إلى البياض. وأمَّا ما يَخرجُ من المرأةِ فيُسمَّى القَذَى بفتح القاف والذال المعجمة. يَعنِي إذا استيقَظَ النائمُ فوجَدَ بَللاً، فإن كان مَنِيّاً يجبُ عليه الغُسلُ تذكَّرَ احتلاماً أو لم يتذكَّر، وكذلك إن كان مَذْياً.
وقال أبو يوسف: لا غُسْلَ عليه إن رأى مَذْياً ولم يتذكَّر احتلاماً، لأنَّ خُروجَ المَذْي موجب (٢) للوضوءِ لا للغُسْلِ حالَ اليقَظَة، فبالحَرِيّ (٣) أن لا يُوجِبَ في المنام، وبه أخَذَ خلَفُ بن أيُّوب وأبو الليث لكونِه أقيس.
стр. 74
وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاسِ، لا وَطْءُ بهِيمةٍ بلا إنزالٍ. وسُنَّ للجُمُعَةِ، .....
===
ولهما ما روى أبو داود والترمذي: عن عائشة قالتْ: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الرَّجُل يَجدُ البَلَل ولا يَذْكُر احتلاماً؟ قال: «يَغتَسِلُ»، وعن الرَّجُل يَرى أنه قد احتَلم ولا يَجِدُ البَلَل؟ قال: «لا غُسْلَ عليه». فقالت أمُّ سَلَمة: يا رسول الله قالمرأةُ تَرى ذلك أعليها الغُسْلُ؟ قال: «نعم، إنما النِّساءُ شَقَائقُ الرجال». ولأنَّ النوم مظِنَّةُ الاحتلام فيُحمَل عليه، ثم يُحتمَلُ أنه كان مَنِيّاً فرَقَّ بواسطةِ الهواء، والاحتياطُ لازمٌ في بابِ العبادات.
وإنَّما قيَّدَ بالمستيقِظِ، لأنه لو أفاق السَّكرانُ والمُغْمَى عليه فوجَدَا مَذْياً لا غُسْلَ عليهما، لأنه وُجِدَ سببُ خروجِ المذي وهو السُّكرُ والإِغماءُ، فيُحالُ عليه. وتوضيحُهُ: أنَّ المَنِيَّ لا بُدَّ له مِنْ سببٍ، وقد ظهر في النوم وإن لم يَتذكَّر احتلاماً لكونه مظِنَّتَهُ، فإنَّ راحة النوم تهيجُ الشهوةَ مع احتمالِ حدوثِ الرِّقَّة، فاعتُبِرَ مَنِيّاً احتياطاً، ولا كذلك المُغْمَى عليه والسَّكرانُ، لأنه لم يَظهر فيهما هذا السَّبَبُ.
(وانقطاعُ الحيضِ) لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطَّهَّرْنَ﴾ (١) ، بتشديد الطَّاء، أي يَغْتَسِلن، فإنَّ مَنْعَ الزوجِ من القِربانِ الذي هو حقُّه، وجَعْلَ الغُسْلِ غايةً لذلك المنع، دليلٌ على وجوب الغُسل. (والنِّفاسِ) للإِجماعِ والقياسِ على الحَيْضِ.
(لا وَطْءُ بهيمةٍ) أي لا يوجب الغُسْلَ (٢) وطءُ دابَّةٍ، وكذا وطءُ ميتةٍ وصغيرةٍ لا تُشْتَهَى (بلا إِنزالٍ) لنقصانِ السَّببيَّة في اقتضاء الشهوة.
وقال مالك والشافعي: لا يُشتَرَطُ الإِنزالُ فيهما اعتباراً لهما بغيرهما.
(فيما يُسنَّ الغُسْلُ)
(وسُنَّ) أي الغُسْلُ (للجُمُعَة) بضمتين ويُسكَّنُ الميم، لِمَا روى أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن (٣) عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ «من توضَّأ يومَ الجمعة فبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنْ اغتَسَل فهو أفضل». وهو مذهَبُ جمهورِ العلماءِ
стр. 75
والعِيدينِ والإِحْرَامِ وعَرَفة.
===
وفقهاءِ الأمصار في الأعصار (١) ، وهو المعروفُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابهِ الأبرار.
وقيل: إنه قال بوجوبه لظاهر قولهِ ﵊: «الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلّ محتلِمٍ» أي بالغٍ، رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْري.
وأجابوا عنه بأنَّ معنى واجب: متأكِّدٌ لازمٌ ثابت، جمعاً بين الحديثين. وقيل الأوَّلُ ناسخٌ للحديث الثاني، والدليلُ على تأخُّرِهِ ما رواه أبو داود: عن عِكْرِمة أن أُناساً من أهلِ العراق جاؤا فقالوا لابن عباس: أتَرَى الغُسْلَ واجباً يوم الجمعة فقال: لا، ولكنه أطهرُ وخيرٌ لمن اغتَسَل، ومن لم يَغْتَسِل فليس عليه بواجب، وسأُخبِرُكم كيف بَدْءُ الغُسْلِ؟: كان الناسُ مجهودِين يَلْبَسُون الصُّوفَ ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدُهم ضيِّقاً مُقارِبَ السَّقْف إنما هو عَرِيش، فخرج النبي ﷺ في يوم حارّ وعَرِقَ الناسُ في ذلك الصُّوف (٢) حتى ثارَتْ منهم رِياحٌ آذَى بذلك بعضُهم بعضاً، فلمَّا وجَدَ النبي ﷺ تلك الرياحَ قال: «يا أَيُّها الناس إذا كان هذا اليومُ اغتَسِلوا، وليَمَسَّ أحدُكم أمثَلَ ما يَجِدُ مِنْ دُهنِه وطِيبه». قال ابنُ عَبَّاس: ثم جاء اللهُ بالخير، ولَبِسُوا غيرَ الصُّوف، وكُفُوا العَمَل، ووُسِّعَ مَسجِدُهم، وذهَبَ بعضُ الذي كان يُؤذي بعضُهم بعضاً من العَرَق.
ثم هذا الغُسْلُ لليوم عند الحسن بن زياد، وللصلاةِ عند أبي يوسف وهو الأصحُّ، لقوله ﵊: «إذا جاء أحدُكُم الجمعةَ فليغتَسِلْ». رواه الشيخانِ عن ابن عُمَر.
(والعِيدينِ والإِحرامِ وعَرَفة) أمَّا العِيدانِ وعرفة فلِمَا رَوَى ابنُ ماجه في «سننه» والطبرانيُّ في «معجمه» عن ابن عباس: أنه ﵊ كان يَغتسِلُ يومَ العيدين. والبزَّارُ في «مسنده» من حديث الفاكِهِ بن سَعْد ـ وهو صحابي مشهور، ولا يُعرَفُ له غيرُ هذا الحديث ـ: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتَسِلُ يومَ الفِطرِ ويومَ النَّحْر ويومَ عَرَفة».
وأمَّا الإِحرامُ فلِمَا روى الترمذي والدارقطني عن خارجة بنِ زيد بن ثابت عن أبيه: «أنه ﷺ تجرَّدَ لإِهلالِهِ واغتَسَل»، والمعنى أنه كان يَتَجرَّدُ لإِحرامِه ويَغتَسِلُ سواء كان حَجّاً أو عُمرة، فيُفيد المواظبةَ الدالةَ على كونِه سُنَّة.