ـ[اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية]ـ
الكتاب: اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية
المؤلف: عبد العزيز بن مبروك الأحمدي
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل الكتاب رسالة دكتوراة)
الطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً.
أحمده سبحانه أن أظهر دين الإسلام على كل الأديان، وجعله الدين الحق للناس جميعاً في كل عصر وزمان، وأشكره على فضله وامتنانه بأن جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى لقوا رب العالمين.
وبعد:
فإن الله سبحانه تعالى بعث محمداً ﷺ رسولاً إلى جميع البشر فقال تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١، وقال
стр. 3
تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١، ورحمة لهم لإنقاذهم من الكفر والضلال فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ فرسالته ﷺ عامة لجميع البشر مهما اختلفت أوطانهم وتناءت ديارهم، وخاتمة الرسالات كما قال تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣ فمن استجاب لدعوته ﷺ وآمن برسالته فهو المسلم، ومن لم يستجب لدعوته، ولم يؤمن برسالته فهو غير المسلم، وهكذا ينقسم البشر إلى مسلمين، وغير مسلمين، بناءً على قبولهم للإسلام أو رفضه، بغض النظر عن اختلاف الجنس أو اللون، أو اللغة، وتقسيم البشر على أساس العقيدة الإسلامية، في نظر الشريعة ليس بالأمر الهين، بل هو تقسيم بالغ الأهمية، تترتب عليه نتائج وأحكام في الدنيا والآخرة.
وكما أن الشريعة الإسلامية قسمت البشر إلى مسلمين وغير مسلمين، فكذلك قسمت ديارهم إلى قسمين:
١- ديار إسلامية: السلطةُ وغلبةُ الأحكام فيها للمسلمين ويسكنها
стр. 4
المسلمون وغير المسلمين من الذميين الذين يقيمون فيها إقامة مؤبدة، والمستأمنين الذين يقيمون فيها إقامة مؤقتة.
٢- ديار غير إسلامية: الهيمنةُ والسلطةُ وغلبةُ الأحكام فيها لغير المسلمين ويسكنها الكفار وهم الأصل فيها، وكذلك المسلمون الذين يدخلونها بأمان، وبناء على هذا التقسيم توجد أحكام تختلف باختلاف الدارين، وهي موضوع هذه الرسالة
стр. 5
سبب اختيار البحث
بعد أن منَّ الله عليَّ بالحصول على الماجستير وأكرمني بالقبول في قسم الدراسات العليا للحصول على العالمية العالية (الدكتوراه) كان لزاماً عليَّ أن أختار موضوعاً في الفقه المقارن لتسجيله في هذه المرحلة.
وبعد أن نقبت، وبحثت في كنوز الفقه الإسلامي، وأخذت انتقل من موضوع إلى آخر، انتهى بي المطاف إلى موضوع من أهم الموضوعات التي تشتد الحاجة إليها وبخاصة في هذا الزمان، وهو (اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية) ، والسبب الذي جعلني أختار هذا الموضوع إضافة إلى أهميته البالغة ومنفعته الكبيرة هو:
أولاً: أن هذا الموضوع من الموضوعات المفرقة في جميع أبواب الفقه فإن الفقهاء ﵏ لم يخصوه بباب مستقل كغيره من الأبواب، بل فرقوه وبعثروه على جميع أبواب الفقه، فبهذا استحق بذل الجهد المستطاع لتجليته لطلاب العلم.
ثانياً: أن الإسلام وأهله منذ نشأته مني بالاختلاط بطوائف تخالفه في العقيدة، وظل هذا شأنه إلى وقتنا الحاضر، فالديار الإسلامية لا تخلو من غير المسلمين الذين يدخلونها بعقد الأمان مع المسلمين لغرض ما كتجارة، وحرفة، وعمل في المصانع والمرافق الإسلامية، وكان حتماً أن تتصل تلك
стр. 6
الطوائف بالمسلمين، فتنشأ بينهم علاقات ومعاملات، تشتد الحاجة إلى معرفة حكمها، والوقوف على رأي الشريعة فيها، ومدى تطبيق أحكامها عليهم، التي لا يلتزمون بها ولا تطبق عليهم في ديارهم، كما أن بعض المسلمين الذي يعيشون في ديار الكفار بصفة دائمة أو مؤقتة، في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية التي تختلف باختلاف الدارين كالأحكام المتعلقة بالمعاملات المحرمة كالربا، والسرقة، والغصب، والاحتيال، مع الكفار في ديارهم وغير ذلك.
ثالثاً: أنه قد ضعف الإيمان لدى كثير من المسلمين اليوم الذين يسافرون إلى ديار الكفار ويتحينون الفرص ويتتبعون الرخص ويتذرعون بآراء بعض العلماء في أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تطبق عليهم ما داموا في ديار الكفار، فأردت أن أبين لهؤلاء أن الأحكام الإسلامية يجب على المسلم الالتزام بها في أي مكان وأنَّى كان في دار الإسلام أو في دار الكفر.
رابعاً: أن في هذا الموضوع إبرازاً للأهداف السامية للشريعة الإسلامية، ومن عقدها المعاهدات والاتفاقات الدولية مع غير المسلمين، وأنها الشريعة الصالحة لكل زمان، ومكان، والتي يجب على جميع البشر الدخول فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 7
فلهذه الأسباب المهمة استعنت بالله، واعتمدت عليه وشددت عزمي، وأشغلت فكري، للكتابة في هذا الموضوع رغم صعوبته وكونه وعر المسالك، مفرقاً في غالب أبواب الفقه، فحمداً لله أن وفقني للكتابة فيه، وشكراً له على أن من علي بإتمامه وإكماله.
стр. 8
خطة البحث
وتشمل على مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة:
المقدمة: وتشتمل على ما يلي:
الافتتاحية.
أسباب الاختيار.
خطة البحث.
منهج البحث.
شكر وتقدير.
أما التمهيد: فقد جعلته في الجهاد وتحدثت فيه عن تعريفه لغة وشرعاً، ودليل مشروعيته، وحكمه، وأنواعه، وفضله، وحكمته.
أما الباب الأول: ففي تحديد معنى الدارين مع بيان سكانهما، والدليل على التقسيم والأماكن التي يمنع الكفار من دخولها.
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في تحديد معنى الدارين مع بيان سكانهما:
ويحتوي على أربعة مباحث:
المبحث الأول: في تحديد معنى الدار مجردة ومضافة إلى الإسلام.
стр. 9
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في تحديد معنى الدار مجردة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: في تحديد معنى الدار مضافة إلى الإسلام.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في معنى دار الإسلام.
الفرع الثاني: الدور التي تشملها دار الإسلام والدور التي لا تشملها.
المبحث الثاني: في سكان دار الإسلام من غير المسلمين.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الصنف الأول: الذميون.
وفيه ثمانية فروع:
الفرع الأول: في تعريف الذمة والمراد بأهلها.
الفرع الثاني: في مشروعية عقد الذمة.
الفرع الثالث: في بيان معنى الجزية وكيفية أخذها.
الفرع الرابع: حالة الكافر عند إعطاء الجزية.
الفرع الخامس: فيمن يتولى عقد الذمة.
الفرع السادس: في شروط عقد الذمة.
الفرع السابع: فيمن تعقد لهم الذمة.
الفرع الثامن: في حقوقهم وواجباتهم.
стр. 10
المطلب الثاني: الصنف الثاني المستأمنون.
وفيه ستة فروع:
الفرع الأول: تعريف الأمان مع بيان أدلة جوازه وأقسامه.
الفرع الثاني: أركان الأمان وشروطه.
الفرع الثالث: في شروط المُؤَمَّنْ.
الفرع الرابع: في لفظ الأمان ومدته.
الفرع الخامس: ما ينتقض به الأمان مع بيان تأمين الرسل والتجار.
الفرع السادس: في حقوق المستأمن وواجباته.
المبحث الثالث: في تحديد معنى دار الكفر وأقسامها وسكانها.
وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في معنى دار الكفر.
المطلب الثاني: في أقسام دار الكفر.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في القسم الأول: دار الحرب.
الفرع الثاني: في القسم الثاني: دار العهد.
المطلب الثالث: في سكان دار الكفر.
стр. 11
المبحث الرابع: في تغير وصف الدار.
وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في انقلاب صفة الدار.
المطلب الثاني: الاستيلاء المجرد على الدار هل يغير صفتها؟
المطلب الثالث: في إمكانية انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر.
الفصل الثاني: في الدليل على تقسيم الأرض إلى دارين وأثر هذا التقسيم في تباين الأحكام.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في الدليل على التقسيم والرد على من قال إن الأرض دار واحدة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في الدليل على التقسيم.
المطلب الثاني: في الرد على من قال: إن الأرض دار واحدة.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في الرد على ما نسبه أبو زيد الدبوسي إلى الإمام الشافعي أن الأرض دار واحدة.
الفرع الثاني: في الدر على ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن الأرض دار واحدة.
المبحث الثاني: أثر التقسيم في تباين الأحكام.
стр. 12
الفصل الثالث: في الأمكنة التي يمنع الكفار المستأمنون أو غيرهم من دخولها واستيطانها.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في النصوص الواردة في المنع.
المبحث الثاني: في حكم استيطانهم جزيرة العرب.
المبحث الثالث: في حكم دخولهم الحرم المكي.
المبحث الرابع: في حكم دخولهم الحرم المدني وسائر المساجد.
أما الباب الثاني: فقد تحدثت فيه عن أثر اختلاف الدارين في الأحكام الشرعية. وضمنته ستة فصول:
الفصل الأول: أثره في وجوب القصاص والدية والكفارة على المستأمن في دار الإسلام.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أثره في وجوب القصاص له وعليه.
المبحث الثاني: أثره في وجوب الدية.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أثره في دية المعاهد الكتابي.
المطلب الثاني: أثره في دية المعاهد المجوسي أو غيره من الكفار.
стр. 13
المبحث الثالث: أثره في وجوب الكفارة.
الفصل الثاني: اختلاف الدار وأثره في جرائم الحدود في دار الإسلام.
وضمنته ستة مباحث:
المبحث الأول: أثره في حد الزنى.
المبحث الثاني: أثره في حد القذف.
المبحث الثالث: أثره في حد السرقة.
المبحث الرابع: أثره في حد الحرابة.
المبحث الخامس: أثره في حد البغي.
المبحث السادس: أثره في التجسس.
الفصل الثالث: اختلاف الدار وأثره في الجهاد.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أثره في الهجرة من دار الكفر.
المبحث الثاني: أثره في قسمة الغنيمة في دار الكفر.
الفصل الرابع: اختلاف الدار وأثره في أحكام المعاملات والنكاح.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أثره في التعامل بالربا في دار الحرب.
стр. 14
المبحث الثاني: أثره في نكاح الكتابية في دار الحرب.
المبحث الثالث: أثره في الفرقة بين الزوجين.
الفصل الخامس: اختلاف الدار وأثره في الجرائم في دار الكفر.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أثره في جرائم القصاص.
المبحث الثاني: أثره في جرائم الحدود.
الفصل السادس: اختلاف الدار وأثره في الميراث والوصية.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أثره في الميراث.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أثره في الميراث بين غير المسلمين.
المطلب الثاني: أثره في ميراث المرتد.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: ميراثه في دار الإسلام.
الفرع الثاني: ميراثه إذا لحق بدار الحرب.
стр. 15
المبحث الثاني: أثره في الوصية للحربي.
الخاتمة:وقد ضمنتها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.
стр. 16
منهج البحث
أما المنهج الذي سلكته في إعداد هذه الرسالة فهو على النحو التالي:
أولاً: تتبعت المادة العلمية المختصة بهذا الموضوع وجمعتها من كتبها المعتمدة.
ثانياً: بنيت دراستي في إعداد هذا البحث على المذاهب الفقهية الأربعة، يقيناً مني أن ما أتيح لهذه المذاهب من العناية الفائقة على مدى الزمن من قبل العلماء لم يتح لغيرها من جهة التبويب، والتفريع، والتأصيل، والتنقيح، والاستدلال، مما يقف بالباحث على قدم راسخة وملكة فقهية رصينة.
وبالإضافة إلى المذاهب الأربعة فإنني أذكر آراء بعض الصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء المشهورين إلى جانب مذهب الظاهرية إن وجدت لهم رأياً في المسألة.
ثالثاً: ذكرت المذاهب الأربعة على حسب ترتيبها التاريخي، وإذا كان قول المذهب المتأخر زمناً موافقاً لقول الأسبق فإنني أذكره معه، فمثلاً قول الشافعية أو الحنابلة إذا كان موافقاً لمذهب الحنفية في مسألة من المسائل، فإنني أقدمه وأذكره مع قول الحنفية مقدماً على قول المالكية.
стр. 17
رابعاً: عند البدء في كتابة المسألة الفقهية فإني أنظر فيها بعد دراستها وفهمها، فإن كانت محل اتفاق بين الفقهاء ذكرت ذلك مشيراً إلى أدلتها وعمدة مصادرها.
أما إذا كانت المسألة محل خلاف بين الفقهاء، فإنني أذكرها مرتبة على النهج الذي سبق، ثم أذكر سبب الاختلاف بين الفقهاء في المسألة إن وجدت ذلك، ثم أتبعه بذكر الأدلة، مع بيان وجه الدلالة لكل دليل إن كان من الكتاب أو السنة، ثم أذكر المناقشة والإجابة عنها في غالب المسائل التي تتطلب ذلك.
ثم أختتم المسألة بذكر الرأي المختار، مبيناً الأسباب التي جعلتني أختار هذا الرأي.
خامساً: اعتمدت في نسبة كل قول لأصحابه من الكتب الأصيلة المعتمدة في المذهب، ولم أنقل قولاً في أي مذهب من كتب مذهب آخر.
أما قول الصحابة ﵁ والتابعين ﵏ فإني أُوَثِّقها من كتب الآثار والخلاف.
سادساً: رقمت الآيات القرآنية، فذكرت في الحاشية رقم الآية، ثم اسم السورة التي وردت فيها.
стр. 18
سابعاً: خرَّجت الأحاديث النبوية الشريفة، معتمداً في ذلك على كتب السنن المشهورة، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بتخريجه منهما، وكذلك إذا كان في أحدهما، أما إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، فإنني أخرجه من كتب السنن الأخرى، مبيناً درجته من حيث القوة والضعف، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، معتمداً في ذلك على الكتب التي تعنى بهذا الشأن.
كما قمت بتخريج الآثار المروية عن الصحابة ﵃ والتي ذكرتها في صلب الرسالة - من الكتب التي تعنى بها، كمصنفي عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهما.
ثامناً: شرحت الألفاظ الغريبة - التي رأيتها غامضة -، معتمداً في ذلك على الكتب المتخصصة في هذا الفن.
تاسعاً: عَرَّفْتُ بالمدن والأماكن من الكتب التي تعنى بهذا الشأن.
عاشراً: قمت بالترجمة الموجزة لبعض الأعلام غير المشهورين، معتمداً في ذلك على كتب التراجم.
حادي عشر: خَتَّمْتُ الرِّسالة بأهم النتائج التي توصلت إليها من خلال دراستي لهذا الموضوع.
стр. 19
ثاني عشر: ذَيَّلْتُ الخاتمة بفهارس للرسالة مرتبة على النحو التالي:
١- فهرس الآيات القرآن الكريمة، مرتبة على حسب السور، فأذكر مثلاً الآيات الواردة في سورة البقرة بحسب ترتيبها في المصحف الشريف، مع ذكر كل صفحة وردت فيها الآية.
٢- فهرس الأحاديث النبوية الشريفة مرتبة على حسب الحروف الهجائية مع ذكر كل صفحة ورد فيها الحديث.
٣- فهرس الآثار مرتبة ترتيباً هجائياً مع ذكر كل صفحة ورد فيها الأثر.
٤- فهرس الأعلام المذكورين في صلب الرسالة ممن ترجمت لهم في الحاشية مرتباً على حسب الحروف الهجائية مع ذكر كل صفحة ورد فيها العلم.
٥- فهرس الأماكن والمدن المعرف بها في الرسالة مرتبة على الحروف الهجائية أيضاً مع ذكر كل صفحة وردت فيها المدينة أو المكان.
٦- فهرس المصادر والمراجع مرتبة على الفنون العلمية، مبيناً اسم المؤلف كاملاً، وتاريخ وفاته بحسب الاستطاعة، ثم أذكر الطبعة وتاريخها، والناشر ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
стр. 20
٧- ختمت هذه الفهارس بفهرس تفصيلي للموضوعات مبيناً فيه كل باب، وما يشتمل عليه من فصول، ومباحث، ومطالب، وفروع، إلى جانب ذكر أقوال الفقهاء في المسألة والأدلة، والمناقشة، والرأي المختار، ليسهل الإطلاع عليه والانتفاع به.
стр. 21
شكر وتقدير
وفي ختام هذه المقدمة فإني أشكر الله بأن وفقني لإتمام هذا البحث، وجعلني من طلاب العلم، وأسأله المزيد من فضله والعون على شكره، لأنه سبحانه وعد من شكره بالزيادة فقال ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ١.
ثم بعد ذلك أتقدم بالشكر الجزيل، والاعتراف بالجميل لفضيلة شيخي الدكتور/ عبد الله بن أحمد قادري الأستاذ بقسم الدراسات العليا، ورئيس شعبة الفقه، الذي تفضل مشكوراً بالإشراف على هذه الرسالة، رغم مشاغله العلمية، وكثرة الطلبة الذي يشرف عليهم والذي لم يدخر جهداً ولا وقتاً إلا بذله من أجلي، فقبل أن يفتح لي قلبه فتح لي بابه برحابة صدر وطيب نفس، فكان لا يقتصر على ساعات الإشراف المحددة، بل يرحب بي في أي وقت، وهذا يدل على إخلاصه للعلم، وحبه له ولطلابه، وبالجملة فقد كان لتوجيهات فضيلته وملاحظاته المفيدة أكبر الأثر في خروج هذه الرسالة بعد الله إلى حيز الوجود، وأخيراً فإنه كان نعم الموجه، ونعم المشرف، تعلمت منه وغيري من طلابه، حب العلم، وأدب العلماء، وتواضع الفقهاء.
стр. 22
فأسأل الله تعالى أن يمده في عمره وأن يجزيه عني خير الجزاء، وجميل الثناء، وأن يجعل خير عمره آخره، وخير عمله خاتمته، وخير أيامه يوم أن يلقاه.
كما لا يفوتني أن أشكر القائمين على هذه الجامعة الإسلامية الذين لا يألون جهداً في مد يد العون والمساعدة لطلاب العلم، فجزى الله الجميع خير الجزاء وسدد خطاهم ووفقهم لما فيه الخير والفلاح في الدنيا والآخرة.
كما أشكر كل من قدم لي مساعدة أو أسدى إليّ عوناً من أساتذتي الكرام، وشيوخي الأفاضل، وزملائي الأعزاء، فأسأل المولى عزوجل أن يجزي كل محسن، ويكافئ كل صاحب معروف.
والله أسأل أن يوفق جميع المسلمين لما فيه الخير والصلاح، في شؤون حياتهم الدنيوية والأخروية، وأن يجعل هذا العمل عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي خطئي وزللي فيه، وينفع به من اطلع عليه من المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد خير الشاكرين والذاكرين، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 23
ال تمهيد: في مشروعية الجهاد في سبيل الله
ويشتمل على الأمور الآتية:
تعريف الجهاد لغة وشرعاً:
أولاً: تعريفه في اللغة:
عَرَّف أهل اللغة "الجهاد" بتعاريف كثيرة:
فقالوا: إن كلمة جهاد مشتقة من الجهد، بفتح الجيم وضمها.
فالْجَهد بالفتح: المشقة والمبالغة في العمل.
والْجُهد بضم الجيم: "الوسع والطاقة".١
قال ابن الأثير: "الجهد بالفتح المشقة"، وقيل المبالغة والغاية.
وبالضم: "الوسع والطاقة".٢
وقد قرئ بضم الجيم وفتحها قوله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُم﴾ ٣.
قال الشوكاني: "وقرئ جهدهم بفتح الجيم، والجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة - وقيل هما لغتان ومعناهما واحد".٤
стр. 24
والجهاد بكسر الجيم مصدر جاهد جهاداً ومجاهدة من جهد إذا بالغ في قتل عدوه.
يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهاداً قاتله.
ويقال: "جاهد في سبيل الله مجاهدةً وجهاداً".١
والجهاد بكسر الجيم: "هو استفراغ الوسع والطاقة في محاربة العدو".٢
وقال الراغب الأصفهاني: "الجهاد: استفراغ الوسع في مدافعة العدو".٣
وقال الزبيدي "الجهاد بالكسر: القتال مع العدو وهو المبالغة في محاربة الأعداء واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل".٤
أما الجهاد بفتح الجيم فهو الأرض الصلبة، وقيل هي التي لا نبات فيها.٥
وبعد الاطلاع على تعريف الجهاد عند أهل اللغة يتضح لنا أنهم عرفوه بأنه بذل الوسع والطاقة في محاربة العدو.
стр. 25
وهذا العدو قد يكون ظاهراً كمحاربة الكفار، وقد يكون باطناً كمحاربة النفس والشيطان.
وكل هؤلاء في نظر الإسلام أعداء تجب مجاهدتهم ومحاربتهم ويشملهم قوله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ١ كما قال الراغب في مفرداته.٢
ثانياً: تعريفه في الشرع:
الجهاد شرعاً يدور حول قتال المسلمين الكفار، في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر دينه.
وقد عرفه فقهاء الشريعة الإسلامية بتعاريف عديدة نذكر أهمها:
فقد عرفه فقهاء الحنفية: "بأنه دعوة الكفار إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا بالنفس والمال".٣
أو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد. ٤
стр. 26
أما فقهاء المالكية فقالوا في تعريفه: "هو قتال مسلم كافراً غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له، أو دخول أرضه".١
وقالوا أيضاً: "هو المبالغة في إتعاب الأنفس في ذات الله، وإعلاء كلمته التي جعلها طريقاً إلى الجنة وسبيلاً إليها".٢
وعرفه فقهاء الشافعية: "بأنه قتال الكفار في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصرة دينه".٣
وعرفه فقهاء الحنابلة بأنه: "قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق".٤
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الجهاد هو بذل الوسع - وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله، ومن الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان".٥
стр. 27
الموازنة بين التعريفين اللغوي والشرعي للجهاد:
عند الموازنة بين التعريفين نجد أن بينهما عموماً وخصوصاً:
فالتعريف اللغوي عام يشمل كل جهد يبذله الشخص وخصوصاً في محاربة عدوه، فهو شامل لجميع أنواع الجهاد.
أما التعريف الشرعي فهو خاص، لأنه في الغالب عند فقهاء الشريعة الإسلامية يدور حول قتال المسلمين الكفارَ في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر دينه.
فهو خاص بجهاد الكفار ولم يتناول أنواع الجهاد الأخرى كجهاد النفس والشيطان.
فالتعريف اللغوي أعم من التعريف الشرعي.
المقارنة بين التعريفات الشرعية للجهاد:
عندما نلقي نظرة على تعريفات الجهاد الشرعية عند فقهاء المذاهب الإسلامية نجد أنها تختلف في اللفظ والشكل، وتتفق في المضمون والمعنى وهو قتال الكفار، سوى الزيادة التي ذكرها فقهاء الحنفية عندما قالوا هو الدعاء إلى الدين الحق، وهذا القيد لم يذكر في باقي التعريفات، لأنه معلوم من الدين بالضرورة، فقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة الإسلامية على وجوب الدعوة إلى الإسلام أولاً قبل القتال ولا يجوز إلا بعد الامتناع من الدخول في الإسلام.
стр. 28
وكل هذه التعريفات كما سبق خاصة بقتال الكفار لنشر الدين الإسلامي وإعلاء رايته، ولا تشمل كل أنواع الجهاد.
وأشمل تعريف للجهاد هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "والجهاد هو بذل الوسع - وهو القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله، ومن الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان".١
فهذا التعريف شامل لكل أنواع الجهاد، فيشمل جهاد الإنسان لنفسه وجبرها على طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وجهاد الشيطان الذي هو ألد أعداء المسلم، وجهاد الكفار في سبيل نشر الدين الإسلامي وإعلاء كلمة الله .٢
أدلَّة مشروعية الجهاد:
فرض الله الجهاد إعلاءً لكلمته ودفاعاً عن دينه، وقد شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية بنحو سنة٣ وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة، والإجماع.
стр. 29
أولاً: دليل مشروعيته من الكتاب:
لقد توافرت الأدلة من الكتاب على مشروعية الجهاد في سبيل الله - منها:
١- قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .١
فهذه أول آية نزلت في الجهاد والإذن بالقتال، كما قاله أكثر العلماء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حبان وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد.٢
وقال القرطبي: "هذه أول آية نزلت في القتال".٣
وقال ابن سعدي: "كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية فلما هاجروا إلى المدينة وأوذوا وحصل لهم منعة وقوة أذن لهم بالقتال".٤
стр. 30
قال الشيخ الشنقيطي: "وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء".١
وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ليهلكن فأنزل الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ وهي أول آية نزلت في القتال". ٢
٢- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . ٣
٣- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .٤
٤- وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .٥
стр. 31
٥- وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . ١
٦- قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ .٢
فهذه الآيات الكريمات وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على أن الجهاد في سبيل الله فرض على المسلمين في كل زمان ومكان.
ثانياً: أدلة مشروعيته من السنة، منها:
١- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ٣.
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة على مشروعية الجهاد، لأن النبي ﷺ بين لنا
стр. 32
في هذا الحديث أنه مأمور بمجاهدة الكفار حتى ينطقوا بلفظ الشهادة فتعصم دماءهم وأموالهم.
٢- حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" ١.
دل الحديث على مشروعية الجهاد في سبيل الله سواء كان بالمال أو بالنفس أو باللسان. قال الشوكاني: فيه دليل على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال والأيدي والألسن"٢.
٣- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" ٣.
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على مشروعية الجهاد لأن النبي ﷺ أخبر فيه أن من مات ولم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على صفة من الصفات الخبيثة وهي صفة النفاق.
стр. 33
ثالثاً: دليل مشروعيته من الإجماع:
أجمع العلماء في جميع الأعصار والأمصار على مشروعية الجهاد في سبيل الله.١
стр. 34
حكم الجهاد في سبيل الله
اختلف العلماء في حكم الجهاد على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن جهاد الكفار في سبيل الله فرض كفاية.
بمعنى أنه إذا قام به من فيه كفاية من المسلمين سقط الحرج عن الباقين وهو قول جمهور الفقهاء الحنفية - في الصحيح - والمالكية - في المشهور- والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.١
القول الثاني:
أن جهاد الكفار فرض عين على كل مسلم مستطيع في كل زمان ومكان وهو قول سعيد بن المسيب، والمقداد بن الأسود، وأبي طلحة، وأبي أيوب الأنصاري وهو وجه عند الشافعية.٢
стр. 35
روي عن الزهري أنه قال: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل إنك عليل، صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.١
القول الثالث:
أن الجهاد مندوب إليه، يعني أنه ليس بفرض عين ولا كفاية ولا يجب قتال الكفار إلا دفعاً، وهو مروي عن ابن عمر- ﵄ والثوري وعطاء ٢، وابن شبرمة٣.
وهو قول بعض الحنفية٤ وسحنون٥ من المالكية٦.
стр. 36
سبب الاختلاف بين العلماء في حكم الجهاد، هو اختلافهم في مفهوم الأمر في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ .٢
وقوله ﷺ : "جاهدوا المشركين" ٣.
فمن أخذ بإطلاق الأمر في الكتاب والسنة قال بأن الجهاد فرض عين.
ومن حمله على الندب والاستحباب قال الجهاد ليس فرض عين ولا فرض كفاية وإنما هو مندوب إليه.
ومن قال إن هذه النصوص المطلقة من القرآن والسنة الدالة على أن الجهاد فرض على المسلمين، وردت بإزائها نصوص أخرى مقيدة لهذا الإطلاق تدل على أن هذا الوجوب ليس عيناً وإنما هو فرض كفاية قال بأن الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين.
الأدلة:
أولاً: أدلة الجمهور القائلين بأن الجهاد فرض كفاية:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
стр. 37
أ - دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
وجه الدلالة من الآية:
أن الله فاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد بدون عذر، ووعد كلا الحسنى وهي الجنة والعاصي لا يوعد بها، لأن القاعدين عن الجهاد بدون عذر غير آثمين إذا قام به غيرهم ممن فيه الكفاية، ولو كان الجهاد فرض عين لاستحق القاعدون الوعيد لا الوعد٢.
قال الكاساني: "وعد الله عزوجل المجاهدين والقاعدين الحسنى، ولو كان الجهاد فرض عين لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حراماً" ٣.
стр. 38
وقال ابن قدامة ١:"وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم"٢
وقال الشنقيطي: "يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضاً لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى وهي الجنة والثواب الجزيل"٣.
٢- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤.
وجه الدلالة من الآية من وجهين:
الأول: أنها صريحة في عدم وجوب النفر على الجميع وهذا ما دل
стр. 39
عليه أول الآية، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي ما صح ذلك ولا استقهام أن يَهُبَّ جميع أفراد المؤمنين القادرين على الجهاد للغزو لما في ذلك من ضياع من ورائهم من العيال، ومن ترك السعي للرزق وحرث الأرض وعمارتها التي لا يتم الجهاد إلا بها.
الثاني: ما دل عليه آخر الآية ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ، فإنه ظاهر بأن الله تعالى كما نفى أن ينفر المسلمون كافة في أول الآية حض في آخرها على أن ينفر من كل جماعة من المسلمين طائفة لتقوم الطائفة النافرة بفرض الجهاد الذي يسقط عن الطائفة الباقية وتقوم الباقية بالمصالح التي لابد منها وإلا تعطل الجهاد١.
ثانياً: دليلهم من السنة من وجهين:
الأول: فعله ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يخرج إلى الجهاد تارة ويتأخر عنه تارة أخرى وكان يأمر الجيوش الإسلامية بالخروج، ويبقى هو صلى الله عليه وسلم٢.
الثاني: قوله ﷺ كما في الأحاديث الآتية:
١- عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثاً إلى بني
стр. 40
لحيان بن هذيل١ فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما" وفي رواية: "ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال: للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج" ٢.
والحديث ظاهر الدلالة على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين لأن النبي ﷺ صرح بأن الرجلين إذا خرج أحدهما إلى الجهاد وخلفه الآخر في المحافظة على الأهل والمال أن الأجر بينهما نصفين.
٢- حديث زيد بن خالد الجهني٣ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا" ٤.