سبب الاختلاف بين العلماء في حكم الجهاد، هو اختلافهم في مفهوم الأمر في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ .٢
وقوله ﷺ : "جاهدوا المشركين" ٣.
فمن أخذ بإطلاق الأمر في الكتاب والسنة قال بأن الجهاد فرض عين.
ومن حمله على الندب والاستحباب قال الجهاد ليس فرض عين ولا فرض كفاية وإنما هو مندوب إليه.
ومن قال إن هذه النصوص المطلقة من القرآن والسنة الدالة على أن الجهاد فرض على المسلمين، وردت بإزائها نصوص أخرى مقيدة لهذا الإطلاق تدل على أن هذا الوجوب ليس عيناً وإنما هو فرض كفاية قال بأن الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين.
الأدلة:
أولاً: أدلة الجمهور القائلين بأن الجهاد فرض كفاية:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
стр. 37
أ - دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
وجه الدلالة من الآية:
أن الله فاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد بدون عذر، ووعد كلا الحسنى وهي الجنة والعاصي لا يوعد بها، لأن القاعدين عن الجهاد بدون عذر غير آثمين إذا قام به غيرهم ممن فيه الكفاية، ولو كان الجهاد فرض عين لاستحق القاعدون الوعيد لا الوعد٢.
قال الكاساني: "وعد الله عزوجل المجاهدين والقاعدين الحسنى، ولو كان الجهاد فرض عين لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حراماً" ٣.
стр. 38
وقال ابن قدامة ١:"وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم"٢
وقال الشنقيطي: "يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضاً لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى وهي الجنة والثواب الجزيل"٣.
٢- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٤.
وجه الدلالة من الآية من وجهين:
الأول: أنها صريحة في عدم وجوب النفر على الجميع وهذا ما دل
стр. 39
عليه أول الآية، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي ما صح ذلك ولا استقهام أن يَهُبَّ جميع أفراد المؤمنين القادرين على الجهاد للغزو لما في ذلك من ضياع من ورائهم من العيال، ومن ترك السعي للرزق وحرث الأرض وعمارتها التي لا يتم الجهاد إلا بها.
الثاني: ما دل عليه آخر الآية ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ، فإنه ظاهر بأن الله تعالى كما نفى أن ينفر المسلمون كافة في أول الآية حض في آخرها على أن ينفر من كل جماعة من المسلمين طائفة لتقوم الطائفة النافرة بفرض الجهاد الذي يسقط عن الطائفة الباقية وتقوم الباقية بالمصالح التي لابد منها وإلا تعطل الجهاد١.
ثانياً: دليلهم من السنة من وجهين:
الأول: فعله ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يخرج إلى الجهاد تارة ويتأخر عنه تارة أخرى وكان يأمر الجيوش الإسلامية بالخروج، ويبقى هو صلى الله عليه وسلم٢.
الثاني: قوله ﷺ كما في الأحاديث الآتية:
١- عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثاً إلى بني
стр. 40
لحيان بن هذيل١ فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما" وفي رواية: "ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال: للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج" ٢.
والحديث ظاهر الدلالة على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين لأن النبي ﷺ صرح بأن الرجلين إذا خرج أحدهما إلى الجهاد وخلفه الآخر في المحافظة على الأهل والمال أن الأجر بينهما نصفين.
٢- حديث زيد بن خالد الجهني٣ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا" ٤.
стр. 41
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الجهاد فرض كفاية لأن النبي ﷺ بين في الحديث أن من الناس لا يخرج للجهاد وإنما يقوم بتهيئة غيره، ومنهم من يخلفه في أهله وماله وهذا يدل على أن الجهاد فرض كفاية لأنه لو كان فرض عين لما جاز لأحد أن يتخلف عنه ولوجب الخروج على الجميع.
٣- قوله ﷺ "والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني" ١.
ووجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الجهاد فرض كفاية لأن النبي ﷺ كان يخرج للجهاد تارة ويبقى أخرى، ويرسل غيره للجهاد وكذلك الصحابة ﵃ لم يكونوا يخرجون في كل غزوة أو سرية بل كانوا يخرجون تارة ويبقون تارة أخرى.
ثالثاً: الإجماع:
أجمع العلماء على أن الجهاد فرض كفاية، فإذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بأرض الإسلام فهو حينئذ فرض عين٢.
стр. 42
رابعاً: دليلهم من المعقول:
أن الجهاد شرع لإعلاء كلمة الله ودفع شر الكفرة وقهرهم ومنع وقوفهم أمام انتشار الدين الإسلامي الحنيف، فإذا قام بهذا الواجب بعض المسلمين فقد تحقق الهدف الذي من أجله شرع الجهاد، فلا محل لفرضه على كل أفراد الأمة، لأن كل ما فرض لغيره لا لعينه فهو فرض كفاية١.
ثانياً: أدلة القائلين بأن الجهاد فرض عين:
استدلوا بعموم الآيات والأحاديث التي تأمر بالجهاد:
كقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ٢.
قالوا: معنى الآية أي أخرجوا إلى الجهاد سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم معها الجهاد أو يثقل، وهذا أمر بالنفير والأمر يدل على الوجوب. لأن أصل النفر هو الخروج إلى مكان لأمر واجب ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ
стр. 43
قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
قالوا إن هذه الآية تدل على أن الجهاد فرض عين لأنه نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجباً لما كان هذا التثاقل منكراً، لأن الله قد توعد من لم يخرج إلى الجهاد بالعذاب الأليم وهذا التوعد بالعذاب لا يكون إلا على ترك واجب٢.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥.
стр. 44
وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ١.
فهذه الآيات قطعية الدلالة على وجوب الجهاد، لأنها واردة بصيغة الأمر، والأصل في الأمر هو الوجوب٢.
قال الشوكاني: "وظاهر الأمر في هذه الآيات هو الوجوب"٣.
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ٤.
قالوا: بأن معنى كتب عليكم القتال في الآية أي فرض عليكم القتال، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٥ أي فرض عليكم، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ ٦ أي فرض عليكم٧.
أما دليلهم من السنة:
فحديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" ٨.
стр. 45
وجه الدلالة من الحديث:
أن النبي ﷺ أمر في الحديث بالجهاد والأمر يقتضي الوجوب.
وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" ١.
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الجهاد فرض عين لأن الرسول ﷺ قد توعد من تخلف عن الجهاد باتصافه بصفة النفاق وهذه صفة خبيثة لا يتصف بها إلا من ترك واجباً.
ثالثاً: أدلة القائلين بأن الجهاد مندوب إليه:
استدلوا بعموم الآيات التي تأمر بالجهاد وقالوا إن الأمر فيها للندب والاستحباب لا للوجوب.
كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ قالوا الأمر في هذه الآية ليس للوجوب بل للندب كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرَاً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ﴾ ٢.
стр. 46
فدلت هذه الآية على أن الوصية مندوبة فكذلك الآية الأخرى تدل على أن الجهاد مندوب إليه، وقالوا لا يجب قتالهم إلا دفعاً ١ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٣.
وكذلك استدلوا بحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج بيت الله" ٤.
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الجهاد ليس بفرض لأن النبي ﷺ اقتصر على ذكر الفرائض الخمس، ولم يذكر فيها الجهاد، وهذا يدل على أنه ليس بفرض إذ لو كان فرضاً لذكره.٥
стр. 47
المناقشة:
أ - مناقشة أدلة القائلين بأن الجهاد فرض عين:
بالنسبة لاستدلالهم بالعمومات من الآيات والأحاديث التي تدل على أن الجهاد واجب.
يرد عليهم بأن هذه الآيات والأحاديث قد وردت بإزائها آيات أخرى وأحاديث تدل على أن هذه الفرضية ليست عيناً وإنما هي كفاية.
كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ٢.
وبالثابت من فعله ﷺ فقد كان يخرج للجهاد تارة ويتأخر عنه تارة أخرى٣.
وبقوله ﷺ "لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما".٤
وقوله: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا". ٥
стр. 48
فهذه الأحاديث والآيات التي قبلها دلت على أن الوجوب في آيات الجهاد الأخرى ليس متعيناً على جميع المسلمين بل على بعضهم، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
وعلى فرض أن لهم دلالة بعموم الآيات والأحاديث السابقة على أن الجهاد فرض عين.
يمكن حمل هذه الفرضية في تلك الآيات والأحاديث على من تعين عليه الجهاد من إمام المسلمين واستنفره لذلك ولم يخرج لقوله ﷺ "وإذا استنفرتم فانفروا" ١ قال ابن حجر فيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام ٢.
وقال في الشرح الكبير: "وتحمل العمومات على من استنفرهم النبي لى الله عليه وسلم ولم يخرجوا ولذلك هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا عن غزوة تبوك وكانت إجابته إلى ذلك واجبة عليهم. حتى تاب الله عليهم".٣
وقال في نهاية المحتاج: "الوعيد لمن عينه ﷺ ولم يتعين أو عند قلة المسلمين".٤
стр. 49
فبهذا يتبين أنه لا دلالة لهم بعموم الآيات والأحاديث السابقة على أن الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، بل إنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا على من استنفر من إمام المسلمين.
ب - مناقشة أدلة القائلين بأن الجهاد مندوب إليه:
قولهم بأن الأمر في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ للندب والاستحباب وكذلك باقي الآيات الأخرى التي تأمر بالجهاد بدليل أن الأمر في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرَاً الْوَصِيَّةُ﴾ للندب لا للوجوب.
يرد عليهم بأن كتب بمعنى فرض وأوجب، فلا تصرف إلى الندب والاستحباب إلا بدليل ولا يوجد دليل.
أما آية الوصية فقد كانت دالة على الوجوب قبل مشروعية المواريث ثم نسخت دلالتها على الوجوب بعد مشروعية المواريث.١
أما استدلالهم بحديث ابن عمر ﵄ فيقال لهم: "إن النبي ﷺ إنما اقتصر على ذكر الفروض الخمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم الإنسان في نفسه دون ما يكون منه فرضاً على الكفاية، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود وتعلم علوم الدين كلها فروض ولم يذكرها النبي ﷺ فيما بني عليه الإسلام، لأنه ﷺ إنما قصد إلى بيان ذكر
стр. 50
الفروض اللازمة للإنسان في خاصة نفسه في أوقات مرتبة ولا ينوب غيره عنها فيه والجهاد فرض على الكفاية فلذلك لم يذكر".١
وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضاً متعيناً على كل واحد كالصلاة والصوم وإنما هو فرض على الكفاية وبذلك يتفق مذهبهم مع الجمهور.٢
وقد روي عن سفيان الثوري أنه يقول الجهاد ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي فيه بعضهم عن بعض وهذا مما يدل على أن الجهاد عنده فرض على الكفاية فهو موافق لمذهب الجمهور.٣
الرأي المختار:
هو ما اتفقت عليه المذاهب الإسلامية الأربعة أن الجهاد بمعناه الخاص وهو جهاد الكفار، فرض كفاية، إذا قامت به طائفة من المسلمين سقط الإثم عن الباقين وإلا أثموا جميعاً إلا في المواضع التي يتعين الجهاد فيها على كل مسلم.٤
والمراد بالقيام هو القيام الكافي الذي شرع الجهاد من أجله وهو
стр. 51
إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ودفع شر الكفرة وكسر شوكتهم وإطفاء ثائرتهم. وليس المراد مجرد قيام طائفة ولو لم يكن قيامها كافياً فلا يصح إسقاط فرض الجهاد عن المسلمين كلهم بقيام طائفة منهم لا يحصل بها القيام الكافي.
قال ابن عابدين: "وإياك أن تتوهم أن فرضيته تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم مثلاً، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع إلا بكل الناس فرض عيناً كصلاة وصيام".١
وقال ابن قدامة: "ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم".٢
أما الأسباب التي أدت إلى هذا الاختيار فهي:
١- أن الإطلاق الوارد في الآيات والأحاديث التي تدل على أن الجهاد فرض قد ورد بإزائه آيات وأحاديث أخرى تدل على أن هذه الفرضية على الكفاية كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فقد ذلت هذه الآية على أن الجهاد ليس فرض عين على كل فرد من أفراد المسلمين وإنما هو فرض كفاية متى قام به البعض واندفع بهم العدو
стр. 52
وحصل بهم المقصود سقط عن الباقين لأن الله لم يكلف جميع المؤمنين النفير بل كلف البعض بالخروج للقتال والبعض الآخر يبقى للتفقه في أمور الدين ومواجهة المطالب الضرورية للحياة ولأن يخلف من خرج في أهله وماله.
وغيرها من الآيات الأخرى والأحاديث التي تدل على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين.
وفي هذا يقول بعض العلماء: "م يعلم قط من شرع النبي ﷺ أنه ألزم الأمة جميعا النفر".١
٢- أن الجهاد لو كان فرض عين لتعطل الكثير من مصالح الناس كالزراعة والتجارة والصناعة وهذا فيه تعطيل لحركة الجهاد، لأن الجهاد يحتاج إلى المال الذي هو أحد الركائز الرئيسية التي يقوم عليها، فالسلاح الذي يجاهد به يحتاج إلى مال، وكذلك المجاهدون يحتاجون للمال لتأمين حاجاتهم، فلذلك كان الجهاد فرض كفاية، فمن الناس من يقوم بالجهاد ومنهم من يقوم بدعم حركته بتشغيل الصناعات والتجارات ونحوها.٢
٣- أن القصد من شرعية الجهاد هو إعلاء كلمة الله ونشر دينه فمتى حصل هذا القصد من بعض المسلمين وارتفعت الراية الإسلامية لتكون كلمة الله هي العليا، فما الداعي إلى فرضية الجهاد على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية.
стр. 53
قال الموصلي: "المراد بالجهاد والمقصود منه دفع شر الكفرة، وكسر شوكتهم وإطفاء ثائرتهم وإعلاء كلمة الإسلام، فإذا حصل المقصود بالبعض فلا حاجة إلى غيرهم".١
وقال الكاساني: "ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام وإعلاء الدين الحق ودفع شر الكفرة وقهرهم يحصل بقيام البعض به".٢
وقال الزيلعي: "إنما شرع الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه، ودفع الفساد عن العباد، فإذا حصل من البعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ودفن الميت ورد السلام".٣
هذا هو الرأي الذي اختاره بالنسبة لحكم الجهاد بمعناه الخاص وهو جهاد الكفار.
أما الجهاد بمعناه العام فلا خلاف بين علماء المسلمين على أنه يتعين على كل فرد من أفراد المسلمين جهاد نفسه الأمارة بالسوء ولا ينوب في جهادها أحد عنه.
وكذلك يتعين على كل أحد من المسلمين جهاد شيطانه عدوه الأصيل القديم الذي يلتصق به التصاق دمه به.
وفي هذا يقول ابن القيم: "وفرض على كل مسلم جهاد نفسه في
стр. 54
ذات الله وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصود الجهاد".١
أما المواضع التي يكون فيها الجهاد الخاص وهو جهاد الكفار فرض عين على كل مسلم فقد حددها العلماء بثلاثة مواضع:
الموضع الأول: إذا هاجم العدو بلاد المسلمين ونزلوا بها تعين قتالهم ودفع ضررهم على جميع أفراد المسلمين.
وفي هذا يقول الكاساني: "فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد، فهو فرض عين يفترض على كل واحد من أحاد المسلمين ممن هو قادر عليه٢ لقوله سبحانه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٣ وقوله : ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .٤
وقد استثنى القرطبي هذا الموضع بعد أن ذكر الإجماع على أن الجهاد فرض كفاية بقوله: "إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو
стр. 55
حينئذ فرض عين".١
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة".٢
وقال الصاوي٣: "ويتعين الجهاد بهجوم العدو".٤
وقال في المبدع: "إذا نزل الكفار ببلد، تعين على أهله قتالهم ودفعهم كحاضري الصف".٥
الموضع الثاني: يتعين الجهاد على كل مسلم إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، فيحرم على من حضر القتال الانصراف وهو توليهم الأدبار، ويتعين عليه الثبات بجهادهم وعدم الفرار من أمامهم.٦
وقد دل الكتاب والسنة على أن الجهاد في هذا الموضع - وهو
стр. 56
تقابل الصفين صف المسلمين وصف الكافرين - فرض عين على كل مسلم ويحرم الفرار منه.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . ١
فقد نهى الله عباده المؤمنين عن الفرار من الجهاد عند التقاء الصفين، وتوليهم الأدبار، والنهي يقتضي التحريم.
وقد استثنت الآية حالتين لا تعتبر من التولي يوم الزحف:
الحالة الأولى: التحرف وهو أن ينتقل المجاهد من موقع إلى آخر مراوغة واحتيالاً على العدو.
الحالة الثانية: التحيز إلى طائفة من جيش المسلمين، لمناصرتهم، سواء كانت هذه الطائفة قريبة أو بعيدة، فالتحيز بهذه الصفة لا يعتبر من التولي يوم الزحف.٢
٢- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ
стр. 57
كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .١
فقد أمر الله عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند قتال الكفار كما نهاهم في الآية الأولى عن الفرار من أمامهم وتوليهم الأدبار، فالتقى الأمر والنهي سواء، وهذا تأكيد للوقوف للعدو والتجلد له٢.
ومن السنة:
١- ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها التولي يوم الزحف".٣
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الفرار يوم الزحف، لأن النبي ﷺ أمر باجتناب هذه المهلكات والتي منها التولي يوم الزحف، وأمره ﷺ باجتنابها دليل على أن فعلها محرم على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية بعينه.
٢- قوله ﷺ في حديث معاذ ﵁ "وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس".٤
الموضع الثالث: يتعين الجهاد على كل فرد من أفراد المسلمين إذا عين إمام المسلمين قوماً للجهاد واستنفرهم لذلك فرض عليهم أن يطيعون
стр. 58
في ذلك وينفروا إلا من له عذر قاطع١، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .٢
فهذا توعد من الله للذين لم يلبوا نداء الإمام بالعذاب الأليم، وهذا التوعد لا يكون إلا على ترك واجب وهو وجوب النفر على من استنفره الإمام.
قال في نهاية المحتاج: "الوعيد لمن عينه ﷺ ولم يتعين".٣ أما الدليل من السنة على وجوب النفر لمن استنفره إمام المسلمين فحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح وإذا استنفرتم فانفروا" ٤.
فهذا الحديث نص صحيح صريح في وجوب النفر لمن استنفره إمام
стр. 59
المسلمين.
قال ابن حجر: "وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام".١
وقال ابن حزم: "ومن أمره الأمير بالجهاد إلى دار الحرب ففرض عليه أن يطيعه في ذلك إلا من له عذر قاطع".٢
أنواع الجهاد
قال ابن قيم الجوزية: الجهاد أربع مراتب:
جهاد النفس
جهاد الشيطان
جهاد الكفار
جهاد المنافقين٣.
فجعل جهاد النفس في المرتبة الأولى.
لأن النفس الأمارة بالسوء من ألدّ الأعداء التي يجب على المسلم مجاهدتها، ومحاربتها، لإعلاء كلمة الله ونشر دينه، لأنها ميالة إلى الشهوات والمغريات، فجهادها متعين على جميع المسلمين، وجهادها يكون بتهذيبها، وتمرينها على طاعة الله وتخليصها من الأهواء والشهوات، فالله يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
стр. 60
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا١﴾ .٢
ومعنى ألهمها فجورها أي أرشدها إلى سبل الخير، وشين لها سبل الشر جميعاً، وتكون تزكيتها بحملها على طاعة الله تعالى، وتطهيرها من الذنوب وتنقيتها من العيوب وتعليقها بالعلم النافع والعمل الصالح. وتدسيتها بأخذها بمعصية الله تعالى.٣
قال قتادة:"أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وصالح الأعمال وخاب من دس نفسه في المعاصي"٤
وجهاد النفس يكون أيضاً، بتوجيهها إلى الحق في ذاته لا حباً في شهرة ولا رغبة في متعة، ولا طلباً لمصلحة، فالله يقول: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٥ إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله
стр. 61
وردها عن الهوى.١
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .٢
قال القرطبي: "ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر".٣.
وقد أمر الرسول ﷺ بأن يجاهد الإنسان نفسه فقال ﷺ "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب".٤
وقال ﷺ : "قدمنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله قال: جهاد النفس".٥
فجهاد الكفار الذي سماه النبي ﷺ بالجهاد الأصغر، متوقف على
стр. 62
الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس، لذلك كان جهاد النفس مقدماً على جهاد الكفار، وأصلا له لأن المسلم إذا لم يجاهد عدوه الباطن وهو نفسه- لتفعل ما تؤمر له، وتترك ما تنهى عنه- لا يستطيع أن يجاهد عدوه الظاهر، لأن عدوه الباطن الذي بين جنبيه، قاهر له متسلط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه، فالمسلم متى قدر على مجاهدة عدوه الأكبر وهو النفس، قدر على مجاهدة عدوه الأصغر وهو الكفار.١
قال ابن قيم الجوزية: "وجهاد النفس أربع مراتب:
أولاً: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق، الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.
ثانياً: أن يجاهدها على العمل بما تعلمت، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
ثالثاً: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه.
رابعاً: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق".٢
وبهذا ينبغي أن نعلم أن النفس الإنسانية الأمارة بالسوء من أخطر الأعداء التي يجب أن يستفرغ ما في الوسع والطاقة في محاربتها، ومجاهدتها، وهذا فرض متعين على كل مسلم يخاف الله، ويرجو رحمته، فلا ينوب في جهادها أحد عن أحد، والمثل الأعلى للنفس المؤمنة المجاهدة في سبيل الله،
стр. 63
وهو رسولنا الكريم ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم.
فقد جاهدوا في الله حق جهاده، فقد لا قوا في سبيل الله وإعلاء كلمته ونشر دينه أشد أنواع العذاب مما لا يعمله إلا الله، ولكنهم صبروا وجاهدوا أنفسهم أولاً على طاعة الله وترك ما حرم الله، ثم جاهدوا عدوهم ثانياً حتى نصرهم الله بنصره وأيدهم برحمته.
النوع الثاني: جهاد الشيطان:
إن من فضل الله على عباده ورحمته بهم، وتيسيره عليهم، أن عرفهم بأعدائهم، الذين ابتلاهم بهم في هذه الحياة، وعلى أساليبهم، وطرقهم في الغواية والصد عن سبيل الله.
ومن أخطر الأعداء للإنسان في هذه الحياة ذلك العدو اللدود الذي لا يقل خطراً عن العدو الأول النفس الأمارة بالسوء، بل إنه أشد عداوةً وخطراً، ألا وهو الشيطان الرجيم، الذي يجري من الإنسان مجرى الدم، والذي أعلمنا الله بأنه قد أخذ العهد على نفسه لإغواء ذلك المخلوق الضعيف، وصده عن سبيل الله.
فيقول : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ .١
ويقول سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ
стр. 64
وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ .١
وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ .٢
وقد ذكر الله هذا العدو في كتابه في آيات كثيرة ليحذرنا منه ويدلنا على خطورته، وبيان عداوته وطرق أساليبه في الصد عن سبيله.
فيقول : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ .٣
فالأمر باتخاذه عدواً معناه أن نحقق معنى جهاده وهو استقراغ ما في الوسع والطاقة في مجاهدته لأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر عن محاربة العبد.٤
ويقول : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ .٥
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يحذرنا الله سبحانه فيها من هذا العدو المبين.
ولكن رحمة الله بعباده لم تنته عند هذا الحد، عندما بين لهم أعداءهم وخصومهم، ولم يجعلهم في حيرة من أمرهم، بل زادهم فضلاً على فضل، ورحمة على رحمة، وتيسيراً على تيسير عندما بين لهم
стр. 65
الطرق القويمة التحصن من هذا العدو اللئيم، فيقول : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .١
وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .٢
فالله يأمرنا بالاستعاذة منه عندما يوسوس لنا ويزين لنا طرق الشر من اتباع الشهوات والمغريات، ويبعدنا عن طرق الخير، وطريقُ الاستعاذة من أعظم الطرق التي يجاهد بها هذا العدو اللعين.
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ .٣
قال القرطبي: "همزات الشيطان أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى، والله يأمر نبيه ﷺ والمؤمنين بالتعوذ من الشيطان في همزاته وهي سورات٤ الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه".٥.
وكما حذرنا القرآن الكريم من الشيطان وبين لنا أنه العدو الأصيل في هذه الحياة، وبين لنا أعظم الطرق للتخلص منه، فكذلك سنة نبينا ﷺ
стр. 66
لا تقل شأناً عن القرآن في التحذير من هذا العدو الخبيث، وبيان خطره وحيله في إضلال العباد عن طاعة الله ، وبيان الأدوية الشافية النافعة لعلاج هذا الداء.
فمن الأحاديث التي يحذرنا الرسول ﷺ من الشيطان ومكره، قولهصلى الله عليه وسلم في حديث صفية ﵂: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".١
وهذا من أبلغ ما ورد في التحذير من هذا العدو المبين.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ يقول ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية٢ رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدها كلها، فأصبح نشطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".٣
وفي حديث ابن عباس ﵄ يقول ﷺ : "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب
стр. 67
الشيطان على ما رزقتنا، فرزقا ولداً لم يضره الشيطان".١
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يحذرنا فيها رسولنا الكريم ﷺ من خطر هذا العدو الأصيل القديم لابن آدم وكيفية التخلص منه، ومن خطره، ومجاهدته بطاعة الله ، والإكثار من ذكره جل وعلا، والتعوذ من همزاته ونزاغاته ووساوسه.
وكما قسم ابن القيم ﵀ جهاد النفس إلى مراتب، فكذلك قسم جهاد الشيطان إلى مرتبتين:
إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات.٢
فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني: يكون بعده الصبر.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ .٣
فأخبر الله أن إمامة الدين، إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع
стр. 68
الشهوات، والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.١
وبهذا يجب أن نعلم أن جهاد الشيطان فرض متعين على كل فرد مسلم، فلا ينوب فيه أحد عن أحد.
وبخاصة في هذا الوقت الذي كثر فيه المغريات، واتباع الشهوات، وهذا هو المدخل والبوابة الرئيسية، لمرور هذا العدو المبين.
نسأل الله العلي القدير، أن يعيذنا من الشيطان وأعوانه، وأن يجعلنا من أعدائه، وأن يرزقنا اتباع كتابه، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
النوع الثالث: جهاد الكفار:
الكفار نوع من البشر الذين استحوذ الشيطان على قلوبهم وجعل منها منزلاً يقطنه، ويسكن فيه فجعلهم ينجرفون في ارتكاب المحرمات والموبقات كالإشراك بالله، وعبادة غيره من الأصنام والأوثان، وجعلهم يتخذون لأنفسهم إلها غير الله، وأحكاماً ومناهج وقيماً بعيدة عن أحكام الله وتشريعاته التي شرعها لعباده المؤمنين.
وهؤلاء الكفار لا يقفون موقف المسالم من المسلمين، ولا يتركون للمسلمين الحرية المطلقة في نشر دين الله، وإعلاء كلمته ، وإنما يقفون منهم موقف العدو المعاند المعارض لأحكام الله، ونشر دينه، والدعوة إليه.
فمن أجل ذلك أمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بمجاهدة هذا العدو الذي
стр. 69
لا يقل خطراً عن العدوين السابقين.
وبين لنا أن مجاهدتهم واجبة، محافظة على نشر الدين الإسلامي وإبلاغ دعوته في جميع أنحاء الأرض.
ومجاهدة هذا العدو والتخلص من ضرره تكون بالنفس، والمال، واللسان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . ١
ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله نبيه ﷺ بمجاهدة الكفار وأن يقسو عليهم في المجاهدة.
وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ .٢
ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله عباده المؤمنين بمجاهدة الكفار وبذل ما في الوسع والطاقة في مجاهدتهم بالمال والنفس.
ويقول الرسول ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁ "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".٣
فالرسول ﷺ في هذا الحديث يأمرنا بمجاهدة المشركين بالمال والنفس واللسان تحقيقاً لنشر الدين الإسلامي ورفع رايته في أنحاء المعمورة.
стр. 70
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁ "جاهدهم بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فقطب١ في وجوههم".٢
والقدوة الحسنة لنا في جهاد هذا العدو الخبيث هو رسولنا ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم فقد جاهدوا الكفار حق المجاهدة، رغم ما اعترض طريقهم من الشوائك والمصاعب إلا أنهم جاهدوا وصبروا، فحققوا الانتصارات الإسلامية العظيمة التي عمت جميع أنحاء الأرض من الشرق إلى الغرب، ولم يبق إلا واجبنا نحن تجاه هذا العدو الماكر، وهو أن نخطو خطاهم ونسير على الطريق التي رسمها لنا رسولنا ﷺ وصحابته من بعده في مجاهدة هذا العدو الخبيث، نسأل الله أن يجعلنا ممن يجاهدون في سبيله حق جهاده بالنفس والمال واللسان.
النوع الرابع: جهاد المنافقين:
إن من أخطر أعداء الدعوة الإسلامية وأشد المعوقات لطريقها وتقدمها، هي حركة النفاق التي تبتلى بها الفئة المسلمة.
стр. 71
وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "وقد هتك الله أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن الكريم وجلى لعباده أمورهم، ليكونوا منها على حذر".١
وذكر الله طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة، المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاثة عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم، وأصلح، وهو غاية الجهل والفساد.
رأس مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر٢ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .٣
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت المقاصد السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .٤ لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه الملحدين وله لسانان: أحدهما يقبل بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون٥ كما قال تعالى ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا
стр. 72
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .١
وقال بعض العلماء: "وهذا الصنف من الأعداء أخطر من غيرهم على دعوة الإسلام ودولة الإسلام لخبث أساليبهم وكمون عداوتهم، ووصولهم إلى مواقع بين المسلمين لا يصل إليها غيرهم من الكفار، ويكفيك في إدراك مدى خطورتهم، أن تعلم أنهم قاعدة الكفر المستترة في ديار الإسلام، ومنفذ الكفار إلى قلب الأمة الإسلامية فهم أعوان كل عدو للمسلمين وأولياؤه".٢
وقد أجمع علماء المسلمين على أن المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر أشد خطراً على الإسلام من الكفار المجاهرين بعداوتهم لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وموهوا به خداعاً واستهزاءً، لذلك جعل الله عذابهم من أشد العذاب في الآخرة٣، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .٤
لذلك كان جهاد هذا الصنف من الأعداء من ألزم الجهاد على المسلمين، وتجنب خطرهم أولى من تجنب خطر غيرهم من الأعداء، ولا أدلّ على هذا أن القرآن قد شغل الحيز الأكبر في الحديث عنهم وعن
стр. 73
أوصافهم وطرقهم، في الصد عن سبيل الله ونشر دينه، فإنه لا تكاد هناك سورة مدنية تخلو من إلقاء الأضواء الكاشفة على هذا الصنف من أعداء الإسلام، حتى بلغ ما خصص للحديث عنهم وعن أساليبهم في محاربة الإسلام والمسلمين، وصفاتهم الخبيثة، ما يقارب عشر القرآن الكريم.١
ومن أصرح الآيات في وصفهم وبيان خبثهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ .٢
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ .٣
أي هم العدو الحقيقي العدو الكامن المختبئ داخل الصف، فهم أخطر من العدو الخارجي، وهم العدو الأول للمسلمين يجب أن يحتاط
стр. 74
لهم، وأن يحذروا أكثر من غيرهم.١
وقد أمر الله نبيه ﷺ وعباده المؤمنين بجهادهم ومحاربتهم وأخذ الحذر منهم، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .٢.
وقد جاهدهم الرسول ﷺ في عهده وأصحابه رضوان الله عليهم حق المجاهدة كما أمرهم الله بذلك.
وكما حذر القرآن الكريم من المنافقين ودعا إلى جهادهم فكذلك السنة فهي مملوءة بالتحذير منهم وبيان صفاتهم الخبيثة، وبيان الأدوية النافعة الشافية لعلاج داء النفاق. فيقول ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".٣
فالرسول ﷺ يبين لنا في هذا الحديث الخصال التي إذا اجتمعت في شخص اتصف بصفة النفاق، ومع هذا البيان يحذرنا ﷺ من الاتصاف بهذه الخصال ويأمرنا بتركها.
стр. 75
٢- وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﷺ كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون".١
وقال أيضاً: "إنما كان النفاق على عهد النبي ﷺ فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان".٢
إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار، التي تحذرنا من الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة وتأمرنا بمحاربتها وتبين لنا وسائل معالجتها بطاعة الله ورسوله ﷺ باتباع الأوامر التي أمرنا الله بها ررسوله ﷺ وترك النواهي التي نهانا الله عنها ورسوله ﷺ .
وخصال النفاق الأربعة، من الخيانة، والكذب، والغدر، والفجور، قد تكون الأكثر شيوعاً وانتشاراً في زماننا هذا لأن أكثر مصالح الناس، وحاجاتهم الدنيوية لا تقضى غالباً إلا لمن اتصف بهذه الخصال، أو بواحدة منها.
لذلك يجب على المسلم أن ينبذ هذه الخصال ويمحها من نفسه أولاً، ثم ينبذها من غيره من المسلمين ممن يتصف بها ثانياً:، باليد، أو باللسان، أو بالقلب، تحقيقاً لأمره ﷺ "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".٣