← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقيل: أربعة أميال. قال به بعض المالكية.١ وقيل: خمسة أميال. قاله الباجي المالكي.٢ قال الفاسي: وفي هذا القول نظر أي قول الباجي وكذا القول الذي قال إن حده أربعة أميال.٣ أما حده من الجهة الجنوبية من طريق اليمن ففيه قولان: قيل: ما يقارب سبعة أميال عند أضاة لبن٤، وبه قال أكثر العلماء.٥ وقيل: ستة أميال قال به بعض علماء الشافعية.٦ أما حده من جهة طريق الطائف على طريق عرفة من بطن عرنة٧-

стр. 317

أي من الجهة الشرقية - ففيه أربعة أقوال: قيل: ما يقارب أحد عشر ميلاً١، وقيل ثمانية عشر ميلاً قاله الباجي المالكي.٢ وقيل: سبعة أميال قاله بعض الشافعية والحنابلة.٣ وقيل: تسعة أميال. قاله بعض المالكية.٤ أما حده من جهة جدة أي من الجهة الغربية ففيه قولان: قيل عشرة أميال. قاله أكثر العلماء.٥ وقيل: ثمانية عشر ميلاً. قاله الباجي.٦

стр. 318

وقد حدده العلامة الفاسي المالكي بالأذرع فقال في كتابه: "شفاء الغرام": "حده من جهة عرفة - أي الجهة الشرقية - سبعة وثلاثون ألف ذراع وعشرة أذرع وسبعا ذراع بذراع اليد. وحده من جهة التنعيم - أي من الجهة الشمالية - وهي طريق المدينة من باب العمرة اثنا عشر ألف ذراع وأربعمائة ذراع وعشرون ذراعاً بذراع اليد. وحده من جهة اليمين - أي من الجهة الجنوبية - من باب المسجد الحرام المعروف بباب إبراهيم ﵇ أربعة وعشرون ألف وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع. وحده من جهة العراق سبعة وعشرون ألف ذراع ومائة واثنان وخمسون ذراعاً باليد. وحده من جهة باب الشبيكة عشرة آلاف ذراع وثمانمائة ذراع واثنا عشر ذراعاً. وهذا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع وهو الذي ينبغي في حدود الحرم.١

стр. 319

الخلاصة: يتلخص لنا مما سبق بيانه في حدود الحرم أن الفقهاء اتفقوا على تحديد الحرم من جهات ثلاث، واختلفوا فيما عداه. فاتفقوا على تحديده من جهة جدة أي من الجهة الغربية على أنه آخر الحديبية على بعد عشرة أميال. ومن جهة اليمن عند أضاة لبن أي من الجهة الجنوبية على أنه على بعد سبعة أميال. ومن جهة الجعرانة١ على أنه تسعة أميال.٢ واختلفوا فيما عدا ذلك. فقال الجمهور، الحنفية، والشافعية، والحنابلة: حده من جهة المدينة أي من الجهة الشمالية على طريق النتعيم ثلاثة أميال عن بيوت نفار. وحده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن عرنة أي من الجهة الشرقية سبعة أميال. وحده من جهة العراق أي طريق الطائف المسمى بالسيل من الجهة الشرقية الشمالية على سبعة أميال.٣

стр. 320

وخالفهم فقهاء المالكية فقالوا: حده من جهة المدينة على طريق التنعيم المسمى الآن بمساجد عائشة أربعة أميال أو خمسة. ومن جهة الطائف على طريق عرفة إلى حد عرفة تسعة أميال. ومن جهة العراق - طريق السيل - ثمانية أميال.١ وقد حدده بعض العلماء المعاصرين بالكيلو متر فقال: حده من جهة الشمال التنعيم وبينه وبين مكة ستة كيلو مترات. وحده من جهة الجنوب أضاة لبن إثنا عشر كيلو متراً. وحده من جهة الشرق الجعرانة ستة عشر كيلوا متراً. ومن جهة الغرب الشميسي خمسة عشر كيلو متراً.٢

стр. 321

أما حكم دخولهم الحرم المكي: فقد اتفق الفقهاء على أن ما كان خارج الحدود السابقة يجوز للكافر دخوله بإذن من الإمام أومن يقوم مقامه، لكن لا يجوز له سكناه واستيطانه وقد سبق ذكره. واختلفوا في دخولهم الحرم المكي إلى قولين: القول الأول: لا يجوز للكافر الذمي أوالمستأمن أو غيرهما دخول الحرم المكي لا مقيماً ولا ماراً به، ولو لمصلحة المسلمين، فإن دخله مشرك عزر إن دخله بغير إذن، وإن دخله بإذن لم يعزر وأنكر عل الآذن له، وإذا أراد الكافر دخول الحرم ليسلم فيه، منع من الدخول حتى يسلم قبل دخوله. حتى لو جاء الكافر لأداء رسالة يحرم عليه الدخول، ويخرج عليه الإمام أو من يقوم مقامه ليتسلم الرسالة خارج حدود الحرم. وإذا دخل الكافر الحرم ومات فيه حرم دفنه فيه، ودفن في الحل، فإن دفن في الحرم نقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلى فيترك فيه كما تركت أموات الجاهلية. وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس ﵃ ومجاهد

стр. 322

وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير- ﵏.١ وهو قول الجمهور من فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.٢ القول الثاني: أن الكافر بجوز له دخول المسجد الحرام ولا يمنع من دخوله كسائر المساجد، وللكافر أن يقيم فيه لكن لا يستوطنه وأيضاً يجوز له دخول الكعبة. وهذا هو قول فقهاء الحنفية.٣ قال الإمام السرخسي: "لا يمنعون من دخول المسجد الحرام، كما

стр. 323

لا يمنعون من دخول سائر المساجد، ويستوي في ذلك الحربي والذمي".١ سبب الخلاف بين الفقهاء: هو اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .٢ فمن فهم من القرب المنع قال يمنعون من دخول المسجد الحرام وهم الجمهور، ومن قال: المراد بالقرب من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد الحرام قال: يجوز لهم دخول المسجد وهم فقهاء الحنفية. الأدلة: أولاً: أدلة الجمهور القائلين بمنع الكافر من دخول المسجد الحرام: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول. أ - دليلهم من الكتاب: ١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا

стр. 324

الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .١ فالآية نص صريح في منع الكفار من دخول المسجد الحرام، لأن لا ناهية، والنهي يفيد التحريم. وقد ذكر أكثر المفسرين أن الآية نص في تحريم الدخول. ففي هذا يقول ابن كثير: "أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتاً، ينفي المشركين هم نجس ديناً عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية وكان نزولها في سنة سبع".٢ وقال أبو السعود: "نهى الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام، وعلل هذا بأنهم نجس إما لخبث باطنهم أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملامسة لهم".٣ وقال الشوكاني: "الفاء للتفريع فعدم قربانهم المسجد الحرام متفرع

стр. 325

على نجاستهم والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم".١ وقد ذكرت كتب الفقهاء الذين قالوا بالمنع الاستدلال بهذه الآية ويرجع إليها في الصفحات السابقة. والمراد بالمسجد الحرام في الآية هو الحرام كله، لأن المسجد الحرام يذكر ويراد به عموم الحرم، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ ٢، ومن المعلوم أنه أسرى بالرسول ﷺ من بيت أم هانئ وهو خارج عن المسجد. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي إن خفتم فقراً بمنعهم من الحرم وانقطاع التجارة عنكم فاعتصموا بفضل الله، وسوف يغنيكم من فضله، ومعلوم أن ما يخاف من هو في البلد لا في المسجد نفسه، وأن الجلب إنما يجلب إلى البلد لا إلى المسجد نفسه. وذلك لأن موضع التجارات والمكاسب ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة.٣

стр. 326

٢- وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ ١ أي بمكة وهو ما قبل الفتح فدل على تحريمها على الكافر بعد الفتح.٢ ب - دليلهم من السنة: ١- بما روى الإمام الشافعي أنه سمع عدداً من أهل العلم يرون أن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم".٣ ٢- وبما روى عن عطاء أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل مشرك المسجد الحرام".٤ ٣- وقال الإمام الشافعي بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل الحرم".٥ فهذه النصوص صريحة في منع المشركين من دخول المسجد الحرام.

стр. 327

ج - دليلهم من المأثور: ١- بقول ابن عباس ﵄: "لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) والكافر لا بمكن إحرامه فامتنع دخوله".١ ٢- وبما قاله جابر ﵁ وقتاده ﵀: "لا يقرب المسجد الحرام مشرك".٢ د- دليلهم من المعقول: ١- أن المسجد الحرام أفضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها ولأنه محل النسك فوجب أن يمتع من دخوله غير المسلمين.٣ ٢- ولأن المشركين هم الذي أخرجوا النبي ﷺ من المسجد الحرام ومن مكة بغير وجه حق منزل القرآن يعاقبهم بالمنع من دخوله بكل حال من الأحوال.٤ ثانياً: أدلة الحنفية القائلين بجواز دخول الكافر المسجد الحرام: استدلوا بقياسه على سائر المساجد.

стр. 328

قالوا: فكما أنه يجوز للكافر دخول سائر المساجد يجوز له دخول المسجد الحرام والدليل على ذلك أن وفد ثقيف لما جاءوا إلى رسول الله ﷺ أمر بأن يضرب لهم قبة في المسجد فقيل هم أنجاس فقال: "ليس على الأرض من نجاستهم شيء، وإنما أنجاس الناس أنفسهم".١ فقاسوا جواز دخولهم مكة على جواز دخولهم مسجد رسول الله ﷺ . المناقشة: أولاً: مناقشة أدلة الجمهور من قبل الحنفية: أ- قال فقهاء الحنفية الآية لا تدل على منعهم من الدخول على أية هيئة، وإنما تدل على منعهم من الدخول على الوجه الذي كانوا اعتادوا عليه في الجاهلية على ما روى أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، والمراد بالقرب ليس المنع من الدخول وإنما من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد الحرام وبه نقول أن ذلك ليس إليهم ولا يمكنون منه بحال.٢ قالوا: والمراد من النهي النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة بدليل ما يلي:

стр. 329

أولاً: قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فإن تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد هذا العام. ثانياً: وقول علي بن أبي طالب ﵁ حين أرسله رسول الله ﷺ ينادي بسورة براءة "وألا يحج بعد هذا العام مشرك"١. ثالثاً: وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فإن خشية الفقر إنما تكون بسبب انقطاع تلك المواسم ومنع المشركين من الحج والعمرة حيث كانوا يتاجرون في مواسم الحج، فإن ذلك يضر بمصالحهم المالية فأخبرهم تعالى بأنه الله يغنيهم من فضله. رابعاً: إجماع المسلمين على وجوب منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة ومزدلفة وسائر أعمال الحج وإن لم تكن هذه الأفعال في المسجد الحرام٢ وقال الجصاص: إنما معنى الآية على أحد وجهين: ١- إما أن يكون النهي خاصاً في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركوا العرب.

стр. 330

٢- أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج ولذلك أمر النبي ﷺ بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أن لا يحج بعد هذا العام مشرك.١ وقال صاحب الكشاف: "إن معنى قوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أي لا يحجوا ولا يعتمروا ويدل عليه قول علي ﵁ لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.٢ وبهذا يتبين أن المراد بالنهي في الآية وغيرها من النصوص هو منعهم عن قربان الحج والعمرة بعد عامهم هذا.٣ أقول وبالله التوفيق: يمكن الإجابة عن هذه المناقشة بما يلي: قولهم بأن المراد بالنهي هو النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة هذا غير صحيح، لأن الآية نصت بل صرحت بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام، والمسجد الحرام يطلق على الحرم كله، فيشمل أماكن الحج والعمرة التي يقولون بمنعهم منها، فإذا منعناهم من الحج والعمرة فمنعهم من دخول الحرم من باب أولى، لأن أماكن العمرة داخل المسجد الحرام وأماكن الحج داخلة في حدود الحرم.

стр. 331

ب- أما بالنسبة للأحاديث التي وردت في منعهم من دخول المسجد الحرام فهي إن صحت عن الرسول ﷺ بهذا اللفظ المراد منها منعهم من الدخول للحج. وقد روي في أخبار عن علي ﵁ أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك فثبت أن المراد دخول الحرم للحج.١ أما أثر ابن عباس ﵄ فهو وارد في شأن المسلم فلا يدخل مكة بدون إحرام أما الكافر فلا إحرام عليه لأنه ممنوع من الحج والعمرة. الرد على هذه المناقشة: قياس الحنفية بمكن مناقشته من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق لأن المسجد الحرام ورد النص في تحريم دخوله للمشركين بخلاف غيره من المساجد وأيضاً للمسجد الحرام خصائص وأحكام تخالف غيره من المساجد، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "ولا يصح هذا القياس فإن لحرم مكة أحكاماً يخالف بها المدينة على أنها ليست عنده حرماً".٢

стр. 332

الوجه الثاني: أنه قياس فاسد وباطل لأنه في مقابلة النص الصريح الوارد في تحريم دخول المشركين المسجد الحرام، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ١. وكل قياس في مقابلة النص الصحيح فهو باطل كهذا القياس. الرأي المختار: وبعد عرض آراء الفقهاء وذكر أدلتهم ومناقشتها يتضح لنا أن رأي الجمهور القائل بتحريم دخول المشركين الذميين أو المستأمنين المسجد الحرام - هو الرأي المختار وذلك للأسباب الآتية: ١- اتباعاً للنص الصريح الذي لا يحتمل التأويل وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ . ٢- ولأن تأويل الحنفية الآية عن مدلولها الصحيح تأويل باطل وغير صحيح. ٣- ولأن المسجد الحرام أفضل الأماكن المقدسة على الإطلاق وحرمته أعظم فيجب تطهيره من المشركين بمنعهم من دخوله.

стр. 333

٤- ولأن الحرم موضع تشريف وإكرام من الله لعباده المؤمنين وهو عاصمة المسلمين المقدسة فلا ينبغي أن يشغلهم شاغل في أقدس مكان لعبادتهم، بوجود مظنة المفسدة من غيرهم فيه. وقد انتقم الله للرسول ﷺ وأصحابه من المشركين الذي أخرجوهم من هذه البقعة الطاهرة بغير وجه الحق، بأن منعهم من دخولها على وجه التأبيد. ٥- ولأن تطهير المسجد الحرام منهم ومن أقذارهم واجب وهذا لا يكون إلا بنهي المسلمين عن تمكينهم من قربانه أو دخوله. ٦- ولأن الواقع التاريخي يشهد لقولهم، حيث إن المسلمين من عهد الرسول ﷺ إلى وقتنا هذا لم يسمحوا لهم بدخوله، ولم يثبت أن النبي ﷺ أدخلهم المسجد الحرام. ٧- لو فرضنا أن المراد بالآية هو منعهم من الحج والعمرة كما قال الحنفية فمنعهم من دخول الحرم من باب أولى لأن الحرم هو مكان أعمال الحج والعمرة.

стр. 334

المبحث الرابع: في حكم دخول الكفار الحرم المدني وسائر المساجد تمهيد قبل أن نبين اختلاف الفقهاء في حكم دخول الكافر الحرم المدني وغيره من المساجد ينبغي أن نذكر بعض النصوص التي وردت في تحريم المدينة وبينت حدودها، وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم المدينة وبيان حدودها: منها: ١- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حرم ما بين لابتي١ المدينة على لساني".٢ وفي رواية أخرى: "ما بين لابتيها حرام".٣ ٢- وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاضها ٤، ولا يصاد صيدها".٥

стр. 335

٣- وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "المدينة حرم ما بين عير وثور فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".١ فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على تحريم المدينة وبيان حدودها من الجهات الأربع. فقد بينت أن حدها من الشرق والغرب ما بين لابتيها أي حرتيها الشرقية حرة واقم، والغربية حرة الوبرة، وتحديها من جهة الشرق والغرب باللابتين أي الحرة الشرقية والحرة الغربية هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.٢ كما بين ﷺ حدها من الجنوب والشمال، فقال: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور". أما عير يقال عاير، وعائر، فهو جبل كبير مشهور في قبلة المدينة يقرب من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، يشبه العير وهو الحمار، يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف حتى قال بعض العلماء: "شهرة عير غير خافية

стр. 336

وإنما الغرابة في ثور". ١ قلت: ويبعد عن الحرم بنحو ثماني كيلو مترات. أما ثور فجبل صغير خلف أحد. وقد أنكره جماعة من العلماء فاستشكلوا الحديث وقالوا ليس بالمدينة ثور وإنما هو بمكة، لهذا في أكثر روايات البخاري من عاير إلى كذا ولم يبين النهاية، فكأنه يرى أن ثوراً بمكة وليس بالمدينة.٢ وقال أبو عبيد: "أهل المدينة لا يعرفون جبلاً يقال له ثور وإنما ثور بمكة".٣ وقال ابن الأثير: ثور المعروف أنه بمكة. ٤ وبعد أن أنكر الكثير من فحول العلماء وجود جبل ثور بالمدينة وتأولوا الحديث أنه ما بين عير إلى أحد، أو أن المراد تحريم المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة.

стр. 337

أثبت علماء آخرون أن ثوراً بالمدينة كما هو بمكة، وأن وجوده في مكة لا ينافي وجوده في المدينة. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "وثور جبل في ناحية أحد وهو غير جبل ثور الذي بمكة".١ وقال الفيروزبادي: "ثور جبل بالمدينة منه الحديث الصحيح المدينة حرم ما بين عير إلى ثور". وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من أكابر العلماء أن هذا تصحيف، والصواب إلى أحد لأن ثوراً إنما هو بمكة فغير جيد، ولا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلاً يسمى ثوراً".٢ وقال جمال الدين المطري٣: "إن خلف جبل أحد جبل صغير مدور يسمى ثوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف".٤

стр. 338

وقال أبو بكر المراغي١:"اعلم أن خلف أهل المدينة ينقل عن سلفهم أن خلف جبل أحد من جهة الشمال، جبل صغير مدور يميل إلى الحمرة يسمى ثوراً وقد تحققته بالمشاهدة ولله الحمد".٢ وإلى غير ذلك من أقوال العلماء المتقدمين التي أثبتت أن ثوراً بالمدينة وأنه خلف أحد وحد للحرم من جهة الشمال. وأيضاً العلماء المعاصرون الذي اهتموا بالمدينة وبأخبارها وآثارها أثبتوا أن ثوراً بالمدينة وأنه خلف جبل أحد وهو حد الحرم من جهة الشمال.٣ وبهذا يتضح لنا قديما وحديثاً خلفاً عن سلف أن جبل ثور هو حد المدينة من جهة الشمال، وأنه خلف أحد من ناحية الشمال، صغير مدور، يشبه الثور، لونه يميل إلى الحمرة. أما حكم دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد فقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:

стр. 339

القول الأول: يجوز للكافر الذمي أو المستأمن أو غيرهما دخول المسجد النبوي وغيره من المساجد. وهو قول فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية.١ إلا أن الشافعية والحنابلة قيدوا الدخول بالإذن من الإمام أو من يقوم مقامه.٢ القول الثاني: لا يجوز للكافر دخول المسجد النبوي ولا غيره من المساجد، وهو قول الفقهاء المالكية٣واستحسنه الروياني من الشافعية.٤

стр. 340

ورواية أخرى للحنابلة قال في المبدع هي المذهب.١ سبب الخلاف: هو اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ .٢ فمن فهم من الآية أنها خاصة بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد، أباح دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد وهم الجمهور. ومن قال: إن الآية عامة تشمل المسجد الحرام وغيره من المساجد حرم دخول المشركين المسجد النبوي وسائر المساجد وهم فقهاء المالكية ومن وافقهم.٣ الأدلة: أولاً: أدلة الجمهور القائلين بجواز دخول الكفار المسجد النبوي الشريف وغيره من المساجد:

стр. 341

استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول: أ- دليلهم من الكتاب: ١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١. ٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٢ الآية خاصة بالمسجد الحرام، فدلت على أنهم لا يمنعون من دخول غيره. قال القاسمي: تدل هذه الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع كلام الله.٣ ب- أما دليلهم من السنة: ١- فبما روى عن أبي هريرة ﵁ "أنه سمع أن النبي ﷺ بعث خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة ابن أثال٤ سيد أهل

стр. 342

اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ماذا عندك يا ثمامة، فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فأعاد مثل هذا الكلام فتركه حتى بعد الغد فذكر مثل هذا فقال رسول الله ﷺ أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"١. الحديث. وجه الدلالة من هذا الحديث: الحديث ظاهر الدلالة في جواز دخول الكفار المسجد النبوي لأن النبي ﷺ ربط ثمامة في مسجده وهو كافر ثم أكرمه الله بالإسلام بعد ذلك. ٢- وبما روى عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يقول: "بينما نحن جالسون مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم أيكم محمد والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل يا ابن عبد المطلب فقال له النبي ﷺ

стр. 343

قد أجبتك فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك"١. الحديث. فالحديث ظاهر الدلالة في جواز دخول الكافر المسجد لأن ضماماً كان كافراً وكان رسولاً من جهة قومه ثم أسلم بعد هذه القصة. قال الخطابي: "وفي الحديث من الفقه جواز دخول المشرك المسجد إذا كانت له في حاجة".٢ وقال السبكي: "الحديث يدل على جواز دخول الكافر المسجد إذا كانت له فيه حاجة".٣ ٣- وبما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى اليهود النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم في رجل وامرأة زنيا منهم".٤ فالحديث دل على جواز دخول الكافر المسجد لأن اليهود دخلوا على الرسول ﷺ وهو في المسجد فلم يمنعهم من الدخول ولم ينكر عليهم ذلك ولو كان غير جائز لمنعهم.

стр. 344

٤- عن عثمان بن أبي العاص ١ أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا٢ فقال رسول الله ﷺ "لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع".٣ فالحديث يدل دلالة واضحة على جواز دخول الكافر المسجد لأن النبي ﷺ أنزل وفد ثقيف في مسجده. وفي هذا يقول الخطابي: "وفي هذا الحديث من العلم أن الكافر يجوز له دخول المسجد لحاجة له فيه أو للمسلم إليه".٤ ج - دليلهم من المأثور:

стр. 345

١- ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: "قد كان أبو سفيان بن حرب يدخل مسجد النبي ﷺ وهو مشرك".١ ٢- وقد قدم عمير بن وهب٢ فدخل المسجد والنبي ﷺ فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام.٣ د - دليلهم من المعقول: أن الأصل في دخول الكافر المسجد هو الجواز ما لم يخش الأذى منه، ولم يرد في الشرع ما يخالف هذا الأصل إلا في المسجد الحرام فيبقى على وفق الأصل. ٤ ثانياً: أدلة المالكية ومن وافقهم القائلين بمنع الكافر من دخول المسجد مطلقاً: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول:

стр. 346

أ - دليلهم من الكتاب: ١- بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية. قالوا في وجه الدلالة: الآية عامة في سائر المشركين، وسائر المساجد، ودلت على المنع من دخول المسجد الحرام نصاً، والمنع من دخول سائر المساجد تعليلاً بالنجاسة. وقالوا أيضاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فسماه الله تعالى نجساً فلا يخلو أن يكون نجس العين أو نجس الذات، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيه، والحرمة موجودة في المسجد.١ قال ابن العربي: "الآية دليل على أنهم لا يقربون مسجداً سواه، فإن الله تعالى لم يقل لا يقرب هؤلاء المسجد الحرام فيكون الحكم مقصوراً عليه، ولو قال لا يقرب المشركون والأنجاس المسجد الحرام لكان تنبيهاً على التعليل بالشرك أو النجاسة أو العلتين جميعاً، بل أكد الحال ببيان العلة وكشفها فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ يريد

стр. 347

ولابد لنجاستهم، فتعدت العلة إلى كل موضع محترم بالمسجدية".١ ٢- وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه﴾ ٢ الآية. قالوا في وجه الدلالة: بأن دخول الكفار بيوت الله مناقض لترفيعها.٣ ٣- وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ٤.الآية فالمسلم السكران والجنب يمنع من قربان الصلاة، والنهي عن قربان الصلاة نهى عن قربان موضعها وهو المسجد فمنع الكافر من باب أولى.٥ ب - دليلهم من السنة: ١- بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد عندما قال له رسول الله ﷺ : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا ولا القذر وإنما

стр. 348

هي لذكر الله عزوجل والصلاة وقراءة القرآن".١ قالوا في وجه الدلال من هذا الحديث. إن الكافر نجس ولا يخلو عن هذه القاذورات التي لا تصلح أن تكون في المسجد، وأيضاً المساجد لذكر الله عزوجل، وإقامة الصلاة، وقراءة القرآن، والكافر لا يفعل شيئاً منها فيمنع من دخول المساجد.٢ ٢- وبحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقرب المسجد مشرك".٣ فالحديث واضح الدلالة في النهي عن قربان المشرك لمساجد الله. ٣- وبحديث عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب".٤ وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المساجد مع

стр. 349

أنه مسلمون فالكافر من باب أولى، وهو أيضاً لا يخلو من الجنابة.١ ج - دليلهم من المأثور: ١- بما روى أن أبا موسى الأشعري ﵁ دخل على عمر بن الخطاب ﵁ ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر: "ادع الذي كتبه ليقرأه قال: إنه لا يدخل المسجد قال ولِمَ؟ قال إنه نصراني".٢ ٢- وبما روى عن علي ﵁ "أنه بصر بمجوسي، وهو على المنبر وقد دخل المسجد فنزل وضربه وأخرجه من المسجد".٣ ٣- وبما روى عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ .٤ د - دليلهم من المعقول: أن حدث الجنابة والحيض والنفاس بمنع المقام في المسجد فحدث الشرك أولى.

стр. 350

ولأن الكافر أسوأ حالاً من الحائض والجنب فإنه نجس بنص القرآن، والحائض والجنب ليسوا بنجس بنص السنة "المؤمن لا ينجس"١ ومع هذا لا يجوز لهم دخول المسجد والكافر من باب أولى. ولأنه انضم إلى حدث جنابته حدث شركه فتغلظ المنع.٢ هـ - دليلهم من القياس: قاسوا سائر المساجد على المسجد الحرام بجامع أن كلها بيوت لله. قالوا: إن المساجد كلها بيوت الله تعالى كبيت الله الحرام ويمنعون من دخوله فكذلك غيره من المساجد.٣ المناقشة: ناقش المالكية أدلة الجمهور بما يلي: قالوا: لا ننكر أن الآية دلت على منعهم من دخول المسجد الحرام نصاً، لكنها أيضاً دلت على منعهم من دخول غيره من المساجد تعليلاً بالنجاسة ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس، فدلت الآية على أنهم لا يقربون مسجداً سواه لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم والحرمة موجودة في المسجد. ٤

стр. 351

أما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ . فغاية ما تدل عليه هو جواز أمان الكفار ودخولهم دار الإسلام لا مساجده.١ أما حديث ثمامة، فلا نشك في صحته لكن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه وهذا وإن سلمناه فلا يضرنا لأن علم النبي ﷺ بإسلامه في المآل لا يحكم له به في الحال.٢ قال القرطبي: "أجاب علماؤنا عن هذا الحديث وإن كان صحيحاً بأجوبة: أحدها: أنه كان متقدماً على نزول الآية: الثاني: أن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. الثالث: أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية. وقد يمكن أن يقال إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيستأنس بذلك ويسلم وكذلك كان، ويمكن أن يقال إنهم لم يمكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد والله أعلم".٣

стр. 352

أما بالنسبة للوفود التي أنزلها النبي ﷺ في مسجده كلها كانت قبل نزول الآية. ولأنه كان بالمسلمين حاجة إليهم، وأنهم كانوا يخاطبون الرسول ﷺ ويحملون إليه الرسائل والأجوبة، وقد يسمعون منه الدعوة ولم يكن النبي ﷺ ليخرج لكل من قصده من الكفار.١ أما قول سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل المدينة ويدخل مسجدها وهو مشرك فهو ضعيف، ولو صح فإن الجواب عنه ظاهر، وهو أن دخول أبي سفيان كان قبل نزول الآية.٢ أقول وبالله التوفيق: إنه يمكن الإجابة عن هذه المناقشة بما يلي: ١- بالنسبة للآية فهي خاصة بالمسجد الحرام، ولا تتعداه إلى غيره وليست عامة كما قال المالكية ومن وافقهم من العلماء بل خاصة بالمسجد الحرام. ٢- أما آية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ فنحن

стр. 353

لا ننكر أنها تدل على جواز أمان الكافر لدخول دار الإسلام ولا بأس أن يستنبط منها جواز دخولهم مساجد المسلمين لسماع كلام الله لأن ذلك قد يكون سبباً في إسلامهم. وبالنسبة لحديث ثمامة واضح الدلالة في جواز دخول الكافر المسجد النبوي ويقاس عليه غيره من المساجد، وقولهم إن النبي ﷺ قد علم بإسلامه قبل ربطه يحتاج إلى دليل ولا دليل، بل إن الفترة التي ربط فيها بمسجد رسول الله ﷺ لم يكن مسلماً ولا يحكم بإسلامه إلا بعد إعلان الشهادة. وأيضاً قولهم بأن الرسول ﷺ أدخل أبا سفيان مسجده وغيره من الوفود قبل نزول الآية، فهذا خطأ لأن كثيراً من الوفود أدخلها النبي ﷺ مسجده بعد نزول الآية كوفد نصارى نجران. وأيضاً الوفود سواء دخلت قبل نزول الآية أو بعدها لا فرق لأن الآية خاصة بمنعهم من دخول المسجد الحرام، فلم تتناول حرم المدينة ولا غيره من المساجد. وبهذا تظهر قوة الأدلة القائلة بجواز دخول الكفار المسجد النبوي وغيره من المساجد. مناقشة أدلة المالكية من قبل الجمهور القائلين بجواز دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد:

стр. 354

١- أولاً بالنسبة للآية فهي خاصة بالمسجد الحرام، ولا تتعداه إلى غيره. ٢- أما قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فهذه الآية لا تدل على منع الكفار من دخول المسجد النبوي أو غيره، وإنما غاية ما تدل عليه هو: رفع مساجد الله بالبناء والصيانة لها من الأذى والأقذار، وذكر الله فيها بإقامة الصلاة فيها وقراءة القرآن وغيره من أنواع الذكر. ٣- أما قوله ﷺ أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر، فنحن لا ننكر أن المساجد يجب تطهيرها عن ذلك والكافر أيضاً إذا أراد بالدخول توسيخها والعبث بها فلا يمكن من دخولها بالاتفاق، وهذا ما يدل عليه الحديث وهو وجوب تنظيف وتطهير المساجد عن الأوساخ والقاذورات. وقد ذكره الإمام مسلم في باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد. أما قوله ﷺ لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب فهو لا يخلو من مقال فقال عنه الخطابي "بأن العلماء ضعفوه" ١ وقال عنه ابن رشد "بأنه

стр. 355

حديث غير ثابت عند أهل الحديث".١ وعلى فرض صحته فهو وارد في منع الحائض والجنب من دخول المسجد وليس فيه ما يدل على منع الكافر من دخوله. وقوله ﷺ في حديث جابر ﵁: لا يقرب المسجد مشرك، المراد به قربان المسجد الحرام، لأنه قاله بعد نزول الآية مباشرة. أما الآثار المروية عن بعض الصحابة في عدم الإذن بالدخول، فهي محمولة على أنهم رأوا منهم ما يوجب خروجهم، من ابتذال المساجد والعبث بها وتوسيخها، فمن أجل ذلك أخرجوهم منها. وهي أيضاً لا تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن الرسول ﷺ في إباحة دخول الكفار مسجده وغيره من باب أولى كحديث ثمامة وضمام وغيرها من الأحاديث السابقة. وقد كانوا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ يدخلون المدينة، ويدخلون المسجد النبوي قادمين من الشام والعراق للتجارة ولما فيه مصلحة المسلمين، ولو لم يثبت هذا عن الرسول ﷺ لأنكر عمر ﵁ عليهم ذلك. وكذلك أدلتهم العقلية لا تقوى على معارضة ومقاومة النصوص الواردة في إباحة الدخول.
следующие страницы →