٣- دلالة الواقع، فواقع الحياة بدل على أن الأرض لا تخلو من كفر أو إسلام، فالدار التي يتسلط عليها المسلمون وتغلب فيها أحكامهم هي دار الإسلام.
والدار التي يتسلط عليها الكفار وتغلب فيها أحكامهم هي دار الكفر، فكيف يقال إن الأرض دار واحدة، إذا لم يرد الأصل الذي يجب أن تكون عليه جميع الأرض وهو الإسلام.
стр. 282
المبحث الثاني: أثر التقسيم في تباين الأحكام
بعد أن استقرأنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع والمأثور على انقسام الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر.
نبين أثر هذا التقسيم في تباين أحكام الشريعة الإسلامية من عدمه.
فنقول: إن ذلك لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أثره في الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام
فمثلاً المستأمن الذي يقيم في دار الإسلام إقامة مؤقتة، وهو من أهل دار الكفر، ولا تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية في داره ولا يلتزم بها، هل لانتقاله من داره إلى دار الإسلام، أثر في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه أم لا أثره له؟
فقد اتفق الفقهاء على أن اختلاف الدارين له أثر في تباين الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام فيما يتعلق بالمعاملات، فالمستأمن إذا دخل دار الإسلام، أثر دخوله هذا في تطبيق الأحكام الإسلامية عليه، فمثلاً يحرم عليه التعامل بالربا مع المسلمين وغيرهم كالذميين، بل يمنع من التعامل بجميع العقود الفاسدة التي لا تحل في الشريعة الإسلامية بينما كان
стр. 283
في داره بتعامل بها كيف شاء ومع من شاء.١
أما ما يتعلق بالحدود والجنايات فقد اختلفوا فيه هل له أثر أم لا؟
فمثلاً إذا ارتكب المستأمن الجرائم في دار الإسلام، طبقت عليه أحكام الشريعة الإسلامية في قول أكثر أهل العلم.
فلو قتل المستأمن مسلماً أو ذمياً في دار الإسلام، فإنه يقتص منه، وإذا قتله مسلم أو ذمي في دار الإسلام فدمه لا يذهب هدر كما في داره، بل تضمن ديته.
وكذلك الحدود تقام عليه إذا ارتكب موجبها، إلى غير ذلك من الأحكام التي تخلف باختلاف دار الإسلام وسيأتي تفصيل هذه الأحكام وبسط الخلاف فيها في الباب الثاني.٢
الأمر الثاني: أثره في الأحكام التي تختلف باختلاف دار الكفر
فمثلاً المسلم الذي هو من أهل دار الإسلام، إذا سافر إلى دار الكفر، هل لسفره هذا أثر في عدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه
стр. 284
علماً بأنه في داره ملتزم لجميع الأحكام الإسلامية. اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: أن اختلاف الدارين يوجب تباين الأحكام الشرعية، فمثلاً المسلم الذي دخل دار الكفر بأمان أو بغير أمان له أن يتعامل بالربا فيها مع الكفار ومع المسلمين الذي لم يهاجروا، بل له أن يتعامل بجميع العقود الفاسدة مع الكفار إذا دخل دارهم بدون أمان أو بأمان، بينما في داره يحرم عليه التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة.١
وكذلك إذا ارتكب ما يوجب القصاص في دار الكفر، فقتل مسلماً آخر، لا يقتص منه بينما في داره يجب عليه القصاص.
وكذلك الحدود لا تقام عليه في دار الكفر، فلو سرق أو زنا أو شرب الخمر لا يقام عليه الحد ما دام في دار الكفر، بينما في داره تقام عليه الحدود إذا ارتكب موجبها، وإلى غير ذلك من الأحكام الأخرى التي ستأتي بالتفصيل في الباب الثالث.
وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية وبه قال الحنابلة في رواية إلا أنهم قالوا بالنسبة لإقامة الحدود تؤخر حتى يرجع المسلم إلى دار الإسلام. ٢
стр. 285
واحتجوا بما يلي:
أولاً: قالوا إن الإمام يقدر على إقامة الحدود في دار الإسلام، ولا يقدر على إقامتها في دار الكفر، لعدم الولاية ن فلو سرق المسلم أو قتل في دار الكفر ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد، لأنه لا ولاية لدار الإسلام على دار الكفر.١
ثانياً: قالوا إن تباين الدارين قاطع للأملاك لأنه نازل منزلة الموت، والموت قاطع للأملاك، لأن الملك في الأصل إنما يثبت بالاستيلاء على المملوك، والاستيلاء ينقطع بتباين الدار حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة فبالخروج عن يد المالك، وأما الحكم فبانقطاع يده من الولايات والتصرفات.٢
القول الثاني: أن اختلاف الدارين لا أثر له في تباين الأحكام الشرعية التي تختلف باختلاف دار الكفر.
وبه قال فقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب.٣
стр. 286
فمثلاً المسلم المقيم في دار الكفر يحرم عليه التعامل بالربا وبجميع العقود الفاسدة في دار الكفر، ولا أثر لاختلاف الدار في ذلك، لأن النصوص الواردة من الكتاب والسنة في تحريم الربا وردت عامة لم تفرق بين التعامل به في دار الإسلام أو في دار الكفر.
وكذلك الحدود تقام على المسلم إذا ارتكب موجبها في أي مكان ولا فرق بين دار الإسلام دار الكفر، وذلك لأن النصوص أيضاً الموجبة لإقامة الحدود وردت عامة لم تفرق بين إقامتها في دار الإسلام أو في دار الكفر.
وخلاصة الأمر أن المسلم يجب عليه أن يلتزم بالأحكام الشرعية الإسلامية في كل زمان وأني كان في دار الإسلام أو في دار الكفر.
وقد ذكر الزنجاني١ الشافعي الاختلاف بين أصحابه والأحناف فقال: اختلاف الدارين أعني دار الإسلام ودار الحرب لا يوجب تباين الأحكام عند الشافعي، وقال أبو حنيفة اختلاف الدارين يوجب تباين الأحكام.
واحتج لأصحابه بقوله: "بأن الدور والأماكن والرباع لا حكم لها لدار البغي ودار العدل، وإنما الحكم لله تعالى، ودعوة الإسلام عامة على
стр. 287
الكفار، سواء كانوا في أماكنهم أو في غيرها".١
قلت: ومعنى كلامه هذا، أن اختلاف الدور والأماكن لا أثر له في أحكام الشريعة الإسلامية، فأحكام الله نافذة قائمة في جميع بقاع الأرض، لا فرق بين دار إسلام أو دار كفر.
فالسارق سارق سواء سرق في دار الإسلام أو في دار الكفر، ويجب إقامة الحد عليه في أي زمان ومكان، وكذلك القاتل أينما ارتكب جريمته في دار الإسلام، أو في دار الكفر يجب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه كالقصاص، أو دفع الدية، ولا فرق في ذلك بين دار الإسلام ودار الكفر، وإلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي لا تختلف باختلاف الدارين.
ثم قال بعد ذلك ويتفرع عن هذا الأصل مسائل:
١- منها ما إذا هاجر أحد الزوجين إلينا مسلماً أو ذمياً وتخلف الآخر في دار الحرب لا ينقطع النكاح عندنا بنفس الخروج، وينقطع عندهم لتباين الدار.
٢- ومنها إذا أسلم الحربي وخرج إلينا وترك ما له في دار الحرب، ثم ظهر المسلمون على دارهم فإن ماله لا يملك عندنا. وعندهم يملك ويكون من جملة الغنائم.
٣- ومنها من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام فهو
стр. 288
معصوم يجب على قاتله الدية والقصاص وعلى من أتلف ماله الضمان كما في دار الإسلام.
وقال أبو حنيفة: "يحرم قتله وأخذ ماله، ولكن لا يجب الضمان والقصاص".١
والراجح من القولين ما ذهب إليه الجمهور من أن الأحكام الشرعية لا تختلف باختلاف دار الكفر، فالمسلم يلتزم وتطبق عليه جميع الأحكام الشرعية في أي زمان ومكان لعموم النصوص الواردة في هذا الشأن وسيأتي مزيد بيان من هذا في الباب الثاني.
стр. 289
الفصل الثالث: في الأمكنة التي يمنع المستأمنون أو غيرهم من دخولها واستيطانها
المبحث الأول: في النصوص الواردة في المنع
وردت نصوص من القرآن، والسنة، والمأثور، في منع الكفار الذميين أو المستأمنين أو غيرهم من دخول بعض الأماكن في دار الإسلام أو استيطانهم بها.
أولاً: النصوص الوارد من الكتاب:
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .١
فهذه الآية نص صريح في تحريم دخول المشركين المسجد الحرام لأن لا ناهية والنهي يفيد التحريم.
وفي هذا يقول ابن كثير: "أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس ديناً عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه".٢
стр. 290
وقال أبي السعود: "نهي الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام، أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام، وعلل هذا بأنهم نجس إما لخبث باطنهم، أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات".١
ثانياً: النصوص الواردة من السنة:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد، إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم، فقام رسول الله ﷺ فناداهم، فقال: يا معشر يهود أسلموا، تسلموا، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك أريد، أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك أريد، فقال لهم الثالثة، فقال: "اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".٢
فهذا الحديث نص صحيح صريح في إجلاء اليهود من المدينة وهذا دليل على جواز استيطانهم للحجاز.
стр. 291
ومما يدل على ذلك أن الإمام مسلم ﵀ أورده في باب إجلاء اليهود من الحجاز.
٢- وعن ابن عمر ﵄ "أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم، بني قينقاع-وهم قوم عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة".١
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ أجلى اليهود من الحجاز لأن إجلاؤهم من المدينة إجلاء لهم من الحجاز فالمدينة من أهم مدن الحجاز.
٣- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أوصى بثلاثة فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو
стр. 292
ما كنت أجيزهم١ قال: وسكت عن الثالثة٢، أو قال: فأنسيتها".٣
٤- وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً".٤
٥- وعن سمرة بن جندب عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: آخر ما تكلم به نبي الله ﷺ "أن اخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد"، وفي رواية أخرى: "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب"٥
стр. 293
٦- وعن عائشة ﵂ قالت: "آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان".١
٧- وعن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان".٢
٨- وعن عمر بن عبد العزيز قال: "بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنه قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد لا يبقين دينان بأرض العرب". ٣
وهذه النصوص الصريحة الواضحة تدل دلالة واضحة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب وعدم إقامتهم فيها، لأن قوله ﷺ "أخرجوا" أمر والأمر يفيد الوجوب.
وأيضاً تدل على مدى حرص الإسلام على حماية أمته الإسلامية من معاشرة الكفار، ومخالطتهم، لما في ذلك من جلب لمودتهم وموالاتهم التي نهى الله عنها.
стр. 294
ثالثاً: من المأثور:
١- عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وذكر يهود خيبر إلى أن قال: أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء.١
٢- وعن علي ﵁ أنه قال: أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب.٢
٣- وقال الإمام مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب ﵁ يهود نجران، وفدك. ٣
فهذه النصوص وغيرها من الكتاب والسنة والمأثور تدل بجلاء على أن هناك أماكن في دار الإسلام يمنع الكفار من دخولها، وأماكن أخرى يمنعون من استيطانها والإقامة فيها، وسنبينها بالتفصيل في المباحث الآتية إن شاء الله.
стр. 295
المبحث الثاني: في حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب
تمهيد:
قبل أن نبدأ بذكر الخلاف بين الفقهاء في حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب ينبغي أن نمهد بتمهيد نعرف فيه بجزيرة العرب.
فجزيرة العرب هي اللفظة التي استعملها النبي ﷺ لتدل على بلاد العرب ووطنهم وأرضهم.
وسميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض، وقيل لانحسار الماء عنها، وقيل لإحاطة البحار والنهار بأغلب جهاتها وأقطارها، وأطرفاها وصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر.١
وسميت بلاد العرب جزيرة لأن البحار بحر فارس، وبحر الحبشة والأنهار كنهر دجلة والفرات قد أحاطت بها.٢
وأضيفت الجزيرة إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم.٣
стр. 296
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها".١
وقال ابن الهمام: "سميت جزيرة لانجزار المياه التي حواليها عنها كبحر البصرة وعمان، وعدن، والفرات، وقيل لأن حواليها بحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة والفرات".٢
أما تحديدها فقد اختلف العلماء في حدودها اختلافاً كثيراً.
ونبدأ بتحديدها عند الفقهاء:
اتفقت كلمة الفقهاء على أن جزيرة العرب من أقصى عدن وما ولاها من أرض اليمن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما ولاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.٣
إلا ما روى عن الإمام مالك أنه قال: جزيرة العرب هي مكة والمدينة واليمن٤، وبالتأكيد أنه يقصد بها الجزيرة التي أمر الرسول ﷺ
стр. 297
بإخراج الكفار منها في الأحاديث السابقة وهي الحجاز لأنها هي المنهي عن استيطانها في الأحاديث عنده.
وكذلك روى عن الإمام أحمد أنه قال: جزيرة العرب المدينة وما ولاها وهي مكة واليمامة١ وخيبر وينبع وفدك وقراها٢ وبالتأكيد أيضاً أنه يقصد بهذا التحديد الحجاز، لأن الجزيرة المنهي عن استيطانها في الأحاديث عنده هي الحجاز، وفي هذا يقول البهوتي بعد أن ذكر قول الإمام أحمد "يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به هو المدينة وماولاها".٣
أما ما قاله علماء اللغة والبلدان وغيرهم عن حدودها:
فقال الزبيدي: "اختلفوا في حدودها اختلافاً كثيراً كادت الأقوال تضطرب ويصادم بعضها بعضاً، فجزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات".٤
وقال أبو عبيدة: "جزيرة العرب هي ما بين حفر أبي موسى٥، إلى
стр. 298
أقصى تهامة١ في الطول، وأما العرض، فما بين رمل يبرين٢ إلى منقطع السماوة".٣
وقال الشعبي: "جزيرة العرب ما بين قادسية الكوفة٤ إلى حضر موت".٥
إلى غير ذلك من أقوال العلماء الكثيرة في تحديد جزيرة العرب منها ما هو موافق لما قاله الفقهاء ومنها ما هو مخالف.
ويتضح لي أن أحسن ما قيل في تحديد جزيرة العرب هو ما قاله الفقهاء ومن وافقهم من علماء اللغة والبلدان وغيرهم أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض.
стр. 299
أما المراد بها في الأحاديث السابقة فهو على خلاف بين الفقهاء سنبينه بالتفصيل في المبحث الثاني.
أما تحديدها بالأميال:
فقيل أن طولها ألف وخمسمائة ميل، خمسون مرحلة بسير الإبل، وقيل: ألف ومئتا ميل.
أما العرض فقيل عرضها ٩٠٠ ميل ثلاثون مرحلة بسير الإبل وقيل ٧٠٠ميل.١
أما حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب:
فقد اتفق الفقهاء أولاً على أن الكفار المستأمنون أو غيرهم يجوز لهم استيطان أي بلد من بلدان الإسلام ما عدا جزيرة العرب.٢
كما اتفقوا أيضاً على جواز دخول الكفار الذميين أو المستأمنين أو غيرهم الحجاز وغيرها من جزيرة العرب، والإقامة فيها أياماً معدودة، منهم من حددها بثلاثة أيام مستدلاً: بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة ثلاثة أيام يتسوقون فيها ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث.٣
стр. 300
ومن الفقهاء من لم يحدد مدة الدخول والإقامة وإنما يقيم الكفار بقدر الحاجة ومصلحة المسلمين بشرط ألا تطول المدة بحيث يستوطنونها أو يسكنونها.١
واختلف الفقهاء في حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز للكافر الذمي، أو المستأمن، استيطان وسكنى جزيرة العرب وهو قول فقهاء الحنفية، والمالكية٢
قال الكاساني: "ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكناً ووطناً، تفضيلاً لأرض العرب على غيرها، وتطهيراً لها عن الدين الباطل".٣
وقال ابن الهمام: "يمنعون أن يتخذوا أرض العرب مسكناً ووطناً، بخلاف أمصار المسلمين التي ليست في جزيرة العرب يمكنون من سكناها، ولا خلاف في ذلك".٤
стр. 301
القول الثاني: يجوز للكافر استيطان جزيرة العرب ما عدا الحجاز خاصة.
فالحجاز لا يجوز للكفار الذميين أو المستأمنين استيطانه وسكناه، ويجوز لهم دخوله والإقامة فيه ثلاثة أيام للحاجة أما ما عداه من الجزيرة العربية فيجوز للكفار سكناه واستيطانه.
وهو قول الشافعية والحنابلة.١
قال الإمام الشافعي: "ولم أعلم أحداً أجلى أهل الذمة من اليمن، وقد كانت بها ذمة، وليست اليمن بحجاز فلا يجليهم أحداً من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن".٢
سبب الخلاف بين الفقهاء:
هو اختلافهم في مفهوم ومراد النبي ﷺ في الأحاديث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٣، وقوله: "لا يجتمع دينان في جزيرة
стр. 302
العرب".١ فمن قال إنه أراد في الأحاديث جزيرة العرب عامة، منع من استيطانها وسكناها وهم فقهاء الحنفية والمالكية.
ومن قال إن مراده من الأحاديث الحجاز خاصة منع من استيطانها وسكناها وأجاز الإقامة والاستيطان فيما عداها من جزيرة العرب، وهم فقهاء الشافعية والحنابلة.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول المانعون من الاستيطان بما يلي:
بالنصوص الواردة في المنع، وقد تقدمت، والتي منها:
قوله ﷺ : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٢ وقوله: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" ٣. قوله: "اخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب".٤
فأمر النبي ﷺ بإجلاء اليهود من نجران وهي من جزيرة العرب. وقوله: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان".٥
стр. 303
وحديث أبي عبيدة صريح في أن أرض نجران من جزيرة العرب وكذا قوله لعلي ﵁ أخرج أهل نجران من جزيرة العرب.١
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
الأحاديث ظاهرة الدلالة في وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب لأن قوله ﷺ : "أخرجوا" أمر والأمر يفيد الوجوب، وقوله ﷺ : "لا يجتمع" وهذا نفي بمعنى النهي والنهي يفيد التحريم وأنه لا يجوز لهم استيطان جزيرة العرب وسكناها.
وفي هذا يقول الشوكاني: "ظاهر الأحاديث يدل على أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل جزيرة العرب".٢
وقال الصنعاني: "الحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب، إلى أن قال: تضمنت الأحاديث وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة الهرب".٣
وقال الباجي في المنتقى: "ويريد لا يبقى فيهادين غير دين الإسلام وأن يخرج منها كل من يتدين بغير دين الإسلام"٤
стр. 304
وبهذا يتضح أن الأحاديث وردت عامة في جزيرة العرب وليس فيها ما يخص الحجاز فقط.
واستدلوا أيضاً بدليل من المعقول فقالوا: لا يجوز للكافر استيطان جزيرة العرب تفضيلاً لأرض العرب على غيرها من الأراضي، وتطهيراً لها عن الأديان الباطلة والفاسدة، وكرامة لرسول الله ﷺ فإنها موضع ولادته ونشأته.١
ثانياً: أدلة الشافعية والحنابلة:
استدلوا بنفس الأحاديث المتقدمة وقالوا إن جزيرة العرب المراد بها في الأحاديث الحجاز خاصة.٢
قال الرملي في نهاية المحتاج: "ليس المراد جميعها بل الحجاز منها لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها".٣
وقال ابن مفلح: "المراد الحجاز بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحداً من اليمن وتيماء ".٤
٢- وبقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ عندما ما بعثه إلى اليمن:
стр. 305
"خذ من كل حالم ديناراً". ١
فاليمن من جزيرة العرب وقد أقرهم ﷺ بها.
٣- وبما روى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر".٢
وهجر مدينة من مدن البحرين، وهي من جزيرة العرب.
٤- وقد بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها.٣
والبحرين من جزيرة العرب وقد أقر رسول الله ﷺ أهل الذمة فيها.
٥- ولأن الرسول ﷺ أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضة الله وهي من جزيرة العرب.٤
٦- ولأن أبا بكر ﵁ أجلى قوماً من اليهود من الحجاز فلحقوا
стр. 306
بخيبر وأقروا فيها وهي من جزيرة العرب.١
٧- ولأن عمر ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وأجلاهم إلى تيماء وأريحاء.٢
وأجلاهم أيضاً إلى الشام والكوفة وهما من جزيرة العرب.٣
٨- وقالوا أيضاً لم ينقل عن أحد من الخلفاء أنهم أجلوا من كان باليمن من أهل الذمة وهي من جزيرة العرب.٤
المناقشة:
أولاً: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:
بالنسبة لاستدلالهم بالأحاديث التي أمر فيها النبي ﷺ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، يقال لهم إن المراد بجزيرة العرب في هذه الأحاديث هي الحجاز خاصة.
بدليل ما رواه أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أن آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز".٥
стр. 307
قال صاحب مغني المحتاج: "المراد من الجزيرة في الأحاديث الحجاز ولم يرد جميع الجزيرة لأن عمر ﵁ أجلاهم من الحجاز وأقرهم في اليمن مع أنه من جزيرة العرب".١
وقالوا: "إنما قلنا بجواز تقريرهم في غير الحجاز لأن النبي ﷺ لما قال: "أخرجوهم من جزيرة العرب" ثم قال: "أخرجوهم من الحجاز" عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط، ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا برعاية أن المصلحة في إخراجهم منه أقوى فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم.٢
أما بالنسبة لأمر النبي ﷺ لأهل نجران فلأنه ﷺ صالحهم على شروط منها: ألا يأكلوا الربا، فأكلوه، ونقضوا العهد، فلذلك أمر بإجلائهم، فأجلاهم عمر ﵁ وغيره.٣
أما استدلالهم بالمعقول فيرد عليه، بأننا لا نشك أن أرض العرب لها فضائل وخصائص عن غيرها من الأراضي الإسلامية، ولكن الحجاز أفضل الأراضي في جزيرة العرب، لوجود الأماكن المقدسة فيه، فكان الأمر بإخراجهم منه هو مراد الرسول ﷺ في الأحاديث السابقة، ولأنه هو الذي
стр. 308
ولد نشأ فيه الرسول ﷺ ومنه انتشرت الدعوة الإسلامية سراً وعلانية حتى عمت جميع أنحاء الجزيرة.
ثانياً: مناقشة أدلة الشافعية والحنابلة:
فيرد عليهم أن الأحاديث نص صريح في إخراج اليهود من جزيرة العرب ولا تحتمل الحجاز فالحجاز من جزيرة العرب، والتخصيص بالحجاز يحتاج إلى دليل ولا دليل.١
قال الشوكاني: "وقد أجيب عن هذا الاستدلال- أي استدلال الشافعية والحنابلة - على أن المراد بجزيرة العرب في الأحاديث الحجاز بأجوبة:
منها: أن حمل جزيرة العرب على الحجاز وإن صح مجازاً من إطلاق اسم الكل على البعض، فهو معارض بالقلب وهو أن يقال المراد بالحجاز جزيرة العرب إما لانحجازها بالأبحار كانحجازها بالحرار الخمس، وإما مجازاً من إطلاق اسم الجزء على الكل فترجيح أحد المجازين مفتقر إلى دليل ولا دليل.
ومنها: أن في خبر جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر، والزيادة كذلك مقبولة.
ومنها: أن هذا الحديث الذي فيه الأمر بالإخراج من الحجاز فيه
стр. 309
الأمر بإخراج أهل نجران، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ الحجاز مخصصاً للفظ جزيرة العرب، أو دالاّ على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط، لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض وهو باطل.
وأيضاً غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجع إليه؟ ١
أقول وبالله التوفيق:
أن الإمام الشوكاني فحل من فحول العلماء وعالم له وزنه وثقله بين العلماء وقوله هذا يمكن الرد عليه بما يلي:
١- أن الأصل ثبوت التقرير للكفار في عهد الرسول ﷺ في جزيرة العرب فقد أقر مجوس هجر بالإقامة في البحرين وهي من جزيرة العرب، وأقر أهل الذمة باليمن وهي من جزيرة العرب وإلى غير ذلك من الوقائع التي تدل على أن الأصل هو تقرير الكفار في الجزيرة العربية، وأن المراد بعدم تقريرهم في الأحاديث السابقة إنما في الحجاز فقط ولا يمكن أن يترك الأصل إلا بدليل ولا دليل.
٢- أن إطلاق الكل وإرادة الجزء يدل عليه نفي اليهود من الحجاز،
стр. 310
وعدم نفيهم من غيرها من أراضي الجزيرة العربية، ما عدا أهل نجران، فقد نفاهم لسبب خاص بهم.
٣- وقوله بأن النبي ﷺ أمر بإخراج أهل نجران وهي من جزيرة العرب يرد عليه بما سبق أنه نفاهم وأمر بإجلائهم لنقضهم العهد وأكلهم الربا وقد نهو عنه.
٤- وقوله بأن المفهوم من الأحاديث أن المراد بجزيرة العرب فيها هو الحجاز، هذا من مفاهيم اللقب وهو غير معمول به، يقال له وإن كان هذا من مفاهيم اللقب فقد أيدته وعضدته الأدلة التي أمر فيها النبي ﷺ بإخراج اليهود من الحجاز.
وقال الصنعاني: "لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب. والحجاز بعض جزيرة العرب، وورد في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب، والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم، كما قرر في الأصول أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام وهذا نظيره وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء، وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لأنه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، ثم أفرد بالأمر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ.
стр. 311
وقد كان آخر كلامه ﷺ : "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" كما قال ابن عباس ﵄ أوصى به عند موته.١
وأما القول بأنه ﷺ أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ بن جبل ﵁: "خذ من كل حالم ديناراً" فهذا كان قبل أمره ﷺ بإخراجهم، فإن الأمر بإخراجهم كان في آخر حياته، فالحق وجوب إجلائهم من اليمن وغيره من جزيرة العرب.٢
وكذلك أيضاً إقرار الرسول ﷺ لمجوس هجر كان قبل الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب.
وفعل عمر ﵁ وغيره من الصحابة في إجلاء اليهود من الحجاز إلى بعض الأماكن في جزيرة العرب، لا يقاوم النص الصريح الثابت عن رسول الله ﷺ حيث أمر بإخراجهم من جزيرة العرب.
وأما قول الإمام الشافعي وغيره أنه لا يعلم أحداً أجلاهم من اليمن، فليس ترك إجلائهم بدليل، فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة، وقد ترك أبو بكر ﵁ إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم لشغله بجهاد أهل الردة، ولم يكن ذلك دليلاً على أنهم لا يجلون، بل أجلاهم عمر ﵁.٣
стр. 312
أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم ﷺ إقراراً لازماً١، بل قال: نقركم ما شئنا وفي رواية "نقركم ما أقركم الله تعالى".٢
أما أفعال الصحابة وأقوالهم في إقرار اليهود في الجزيرة العربية ما عدا الحجاز، فإنها لا تقوى على معارضة عموم الأحاديث السابقة التي أمرت بإجلائهم وعدم تقريرهم في جميع أنحاء الجزيرة العربية.
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في حكم استيطان جزيرة العرب، وذكر أدلتهم ومناقشتها يتضح لي أن ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية فيه احتياط لأرض الإسلام الأولى وهي جزيرة العرب، ولكن الذي يبدو لي من النصوص أن ما ذهب إلى الشافعية والحنابلة أقرب إلى المعنى المراد فالحجاز هبي المرادة في الأحاديث التي تأمر بإجلاء الكفار من جزيرة العرب، وذلك للأسباب الآتية:
١- لحديث أبي عبيدة ﵁ أن آخر ما تكلم به الرسول ﷺ أخرجوا يهود أهل الحجاز، فكان متأخراً عن الأحاديث التي أمر الرسول ﷺ فيها بإخراجهم من جزيرة العرب عامة على فرض أنها هي المقصودة في
стр. 313
الأحاديث، فيكون حديث أبي عبيدة ﵁ مخصصاً للعموم الوارد في الأحاديث السابقة.
٢- ولأن الرسول ﷺ أقر اليهود بخيبر وهي من جزيرة العرب.
وكذلك أقرهم باليمن وأرسل معاذاً إليهم ليأخذ منهم الجزية وهي من جزيرة العرب، وأقر مجوس هجر بالبحرين وهي من جزيرة العرب وهذا مما يدل على أن المراد بالجزيرة في الأحاديث هي الحجاز خاصة.
٣- ولأن عمر وغيره من الصحابة ﵃ أمروا بإجلائهم من المدينة وغيرها إلى تيماء والشام والكوفة وكلها من جزيرة العرب.
٤- ولأن الحجاز له خصائص وأحكام يختص بها عن باقي جزيرة العرب منها أن الرسول ﷺ ولد ونشأ فيه، وفيه تلقى الرسالة النبوية، وفيه انتشرت الدعوة الإسلامية سراً وعلانية حتى عمت جميع أنحاء الجزيرة العربية، وفيه أفضل الأماكن على وجه الأرض كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، فلهذه الخصائص، وغيرها كثير قد يكون هي المراد من الأحاديث التي يأمر فيها الرسول ﷺ بإجلاء اليهود من جزيرة العرب.
وبهذا يتضح لنا أن الكفار - ذميين - كانوا أو مستأمنين أو غيرهم لا يجوز لهم استيطان الحجاز أما دخولهم للتجارة ولمصلحة المسلمين فإنه لا بأس بذلك، ومن غير تقييد بمدة ثلاثة أيام كما قال عمر ﵁ لأن هذه المدة ربما تكون كافية في عهده لقضاء حوائجهم وبيع تجارتهم، أما في
стр. 314
وقتنا فقد لا تكفي، فتقدير المدة، إنما يخضع لولي أمر المسلمين الذي يسمح لهم بالدخول ويحدد لهم مدة البقاء بدون استيطان، بحسب الحاجة والمصلحة التي تعود على المسلمين، وله أن يوكل من يقوم مقامه بهذه المهمة من أفراد الرعية، وهذا هو ما عليه العمل في الوقت الحاضر.
أما جزيرة العرب غير الحجاز فلا بأس بإقامة غير المسلمين، فيها بدون تحديد لمدة الإقامة اتباعاً لفعل الصحابة ﵃ كأبي بكر وعمر فقد كانا أدرى بما يقصده النبي ﷺ من إخراج اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار من جزيرة العرب، وأن محل الإخراج هو الحجاز خاصة لما يتمتع به من المميزات والخصائص السابقة، وليكون القاعدة الأساسية للمسلمين ومركز الدعوة الإسلامية الذي يشع منه النور على سائر الأمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 315
المبحث الثالث: في حكم دخول الكفار الحرم المكي
تمهيد:
قبل أن نبدأ ببيان اختلاف الفقهاء في حكم دخول الكفار الحرم المكي نمهد بتمهيد نبين فيه حدود الحرم وهي مختلف فيها من جميع الجهات:
فحده من جهة التنعيم١: من الجهة الشمالية جهة المدينة - فيه ثلاثة أقوال:
قيل: ما يقارب ثلاثة أميال دون النتعيم عند بيوت نفار٢ وهو قول أكثر العلماء.٣
стр. 316
وقيل: أربعة أميال. قال به بعض المالكية.١
وقيل: خمسة أميال. قاله الباجي المالكي.٢
قال الفاسي: وفي هذا القول نظر أي قول الباجي وكذا القول الذي قال إن حده أربعة أميال.٣
أما حده من الجهة الجنوبية من طريق اليمن ففيه قولان:
قيل: ما يقارب سبعة أميال عند أضاة لبن٤، وبه قال أكثر العلماء.٥
وقيل: ستة أميال قال به بعض علماء الشافعية.٦
أما حده من جهة طريق الطائف على طريق عرفة من بطن عرنة٧-
стр. 317
أي من الجهة الشرقية - ففيه أربعة أقوال:
قيل: ما يقارب أحد عشر ميلاً١، وقيل ثمانية عشر ميلاً قاله الباجي المالكي.٢
وقيل: سبعة أميال قاله بعض الشافعية والحنابلة.٣
وقيل: تسعة أميال. قاله بعض المالكية.٤
أما حده من جهة جدة أي من الجهة الغربية ففيه قولان:
قيل عشرة أميال. قاله أكثر العلماء.٥
وقيل: ثمانية عشر ميلاً. قاله الباجي.٦
стр. 318
وقد حدده العلامة الفاسي المالكي بالأذرع فقال في كتابه: "شفاء الغرام": "حده من جهة عرفة - أي الجهة الشرقية - سبعة وثلاثون ألف ذراع وعشرة أذرع وسبعا ذراع بذراع اليد.
وحده من جهة التنعيم - أي من الجهة الشمالية - وهي طريق المدينة من باب العمرة اثنا عشر ألف ذراع وأربعمائة ذراع وعشرون ذراعاً بذراع اليد.
وحده من جهة اليمين - أي من الجهة الجنوبية - من باب المسجد الحرام المعروف بباب إبراهيم ﵇ أربعة وعشرون ألف وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع.
وحده من جهة العراق سبعة وعشرون ألف ذراع ومائة واثنان وخمسون ذراعاً باليد.
وحده من جهة باب الشبيكة عشرة آلاف ذراع وثمانمائة ذراع واثنا عشر ذراعاً.
وهذا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع وهو الذي ينبغي في حدود الحرم.١
стр. 319
الخلاصة:
يتلخص لنا مما سبق بيانه في حدود الحرم أن الفقهاء اتفقوا على تحديد الحرم من جهات ثلاث، واختلفوا فيما عداه.
فاتفقوا على تحديده من جهة جدة أي من الجهة الغربية على أنه آخر الحديبية على بعد عشرة أميال.
ومن جهة اليمن عند أضاة لبن أي من الجهة الجنوبية على أنه على بعد سبعة أميال.
ومن جهة الجعرانة١ على أنه تسعة أميال.٢
واختلفوا فيما عدا ذلك.
فقال الجمهور، الحنفية، والشافعية، والحنابلة:
حده من جهة المدينة أي من الجهة الشمالية على طريق النتعيم ثلاثة أميال عن بيوت نفار.
وحده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن عرنة أي من الجهة الشرقية سبعة أميال.
وحده من جهة العراق أي طريق الطائف المسمى بالسيل من الجهة الشرقية الشمالية على سبعة أميال.٣
стр. 320
وخالفهم فقهاء المالكية فقالوا:
حده من جهة المدينة على طريق التنعيم المسمى الآن بمساجد عائشة أربعة أميال أو خمسة.
ومن جهة الطائف على طريق عرفة إلى حد عرفة تسعة أميال.
ومن جهة العراق - طريق السيل - ثمانية أميال.١
وقد حدده بعض العلماء المعاصرين بالكيلو متر فقال:
حده من جهة الشمال التنعيم وبينه وبين مكة ستة كيلو مترات.
وحده من جهة الجنوب أضاة لبن إثنا عشر كيلو متراً.
وحده من جهة الشرق الجعرانة ستة عشر كيلوا متراً.
ومن جهة الغرب الشميسي خمسة عشر كيلو متراً.٢