وفي هذا يقول الشوكاني: "فعل عمر ليس بحجة على فرض عدم معارضته لما ثبت عنه ﷺ فكيف وهو هاهنا معارض قولاً وفعلاً".١
وأيضاً ليس في فعل عمر ﵁ ما يدل على أن دية المعاهد ثلث دية المسلم، لأن عمر ﵁ فعل ذلك عندما كانت الدية ثمانية آلاف درهم فأوجب نصفها وهو أربعة آلاف درهم، وأيضاً روي عن عمر وغيره من الصحابة آثار تدل على خلاف ذلك.٢
ج - مناقشة أدلتهم من المعقول:
قولهم بأن دية المستأمن ثلث دية المسلم أقل ما قيل، هذا دليل ضعيف لأنه مبني على علة غير صحيحة، لأن كل قائل يحتاج إلى دليل على صحة قوله والأخذ بأقل ما قيل ليس بدليل إذ ليس له أصل في الكتاب والسنة.٣
أما قولهم بأن الأنوثة أثرت في نقصان الدية فالكفر أولى في تنقيصها.
فهذا مسلم ويقال لهم بأن الكفر أثر في نقصان الدية إلى النصف كما دل على ذلك الحديث الصحيح وليس إلى الثلث كما قلتم.
стр. 422
وكذلك قولهم بأنه لا مساواة بين المسلم والكافر فلا مساواة بينهما في الدية، فهذا أيضاً دليل لنا ومع انعدام المساواة تكون دية المعاهد نصف دية المسلم وليس ثلثها كما قلتم.
هـ - مناقشة أدلة الظاهرية:
قولهم في الآية بأنها في المؤمن وليس فيها ما يدل على دية المعاهد فقد سبق الرد عليها عند مناقشة أدلة الحنفية.
أما قولهم بأن المسلم لا يساوي الكافر فلا قود ولا دية للكافر من المسلم، فنقول لهم: نحن معكم في أن المساواة لها تأثير في امتناع القصاص، وكذلك لها تأثير في عدم مساواة دية المسلم بدية الكافر، فعدم المساواة أثر في إيجاب نصف الدية للكافر المعاهد كما دل عليه الحديث الصحيح.
وقولهم: بأنه لم يرد دليل قط من كتاب ولا سنة نص على دية المعاهد.
يقال لهم: لقد دل ظاهر الآية على رأي بعض العلماء على وجوب دية المعاهد، لكن الدية في الآية مطلقة وبينت الأحاديث والآثار مقدار هذه الدية.
وكذلك وردت في ذلك نصوص من أحاديث الرسول ﷺ والآثار المروية عن أصحابه ﵃ وإن كان في بعضها ضعف لكنها تقوى بعضها البعض وأصحها حديث عمرو بن شعيب فكيف غفلتم عن هذه الأحاديث؟.
الرأي المختار:
وبعد أن عرضنا آراء الفقهاء وأدلتها ومدى قوتها وضعفها، يتضح لنا أنه لم يسلم لفقهاء الشافعية دليل لا من سنة ولا من مأثور ولا من معقول.
стр. 423
وكذلك فقهاء الحنفية لم يسلم لهم دليل واحد من السنة، ولم يبق لهم سالماً من الرد إلا إطلاق الآية وبعض الآثار المحمولة على تغليظ الدية فيما إذا تعمد المسلم قتل المعاهد.
وكذلك الظاهرية ليس لديهم دليل من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ على أن المعاهد لا تجب له الدية أبداً.
وكذلك فقهاء المالكية والحنابلة ليس جميع أدلتهم صحيحة وسالمة من الرد بل فيها ضعف ورد عليها لكن سلم منها أهم دليل وهو قول الرسول ﷺ : "دية المعاهد على النصف من دية المسلم" ١، وهذا أبين دليل في دية المعاهد كما قاله أكثر العلماء.
وهذا مما يجعلنا نختار رأيهم بأن دية المعاهد الكتابي الذمي أو المستأمن نصف دية المسلم.
وذلك للأسباب الآتية:
لأن الأدلة التي استدل بها الحنفية من السنة على وجوب الدية كاملة كدية المسلم أفعال، وأحاديث إيجاب نصف الدية أقوال والأقوال مقدمة على الأفعال كما يقول الشوكاني.٢
وهو أيضاً ما اختاره بعض العلماء كالشوكاني والصنعاني.
فيقول الشوكاني في السيل الجرار: "الحق ما ذهب إليه المالكية والحنابلة لأن المروي عن بعض الصحابة لا تقوم به حجة، والمرفوع لم
стр. 424
يصح، والمطلق من الآية مقيد بالسنة، وحديث عمرو بن شعيب إسناده حسن".١
وقال في نيل الأوطار: "الراجح العمل بالحديث الصحيح وطرح ما يقابله مما لا أصل له في الصحة".٢
وقال الصنعاني في سبل السلام: "لا يخفى أن دليل القول الأول أقوى" - قول المالكية والحنابلة - لا سيما وقد صحح الحديث إمامان من أئمة السنة.٣
ويمكن أيضاً الجمع بين الأحاديث والآثار على فرض الصحة بأن تحمل الأحاديث والآثار التي أوجبت الدية كاملة، على التغليظ فيما إذا كان القتل عمداً، زجراً للقاتل، وردعاً أمثاله، ومحافظة على أمن المجتمع ورعايا الدولة الإسلامية، وتحمل الأحاديث والآثار التي أوجبت نصف الدية على القتل إذا كان خطاً وهذا ما قاله الإمام أحمد ﵀.٤ والله أعلم.
стр. 425
المطلب الثاني: أثره في دية المعاهد المجوسي وغيره من الكفار
اختلف الفقهاء في دية المعاهد المجوسي وغيره من الكفار إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: دية غير الكتابي كالمجوسي وغيره من المعاهدين في دار الإسلام، كدية المسلم، ونساؤهم على النصف من ديات رجالهم كنساء المسلمين.
وهو مروي عن الشعبي والنخعي والثوري والحكم وحماد بن أبي سليمان١.
وهو قول فقهاء الحنفية.٢
القول الثاني: دية المجوسي المعاهد وغيره من الكفار ثلثا عشر دية المسلم أي ثمانمائة درهم، وديات النساء على النصف من ديات الرجال في العهد والخطأ أي أربعمائة درهم.
وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃
стр. 426
وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعكرمة والحسن البصري وعطاء وإسحاق.١
وهو قول فقهاء المالكية والشافعية الحنابلة.٢
إلا أنه روى عن الإمام أحمد أنه غلظ الدية على المسلم إذا كان القتل عمداً فتكون ديته مضاعفة أي ١٦٠٠ درهم.٣
وكذلك روي عن الحنابلة أنهم قالوا دية النساء على النصف من دية الرجال إذا كان القتل خطأ أما إذا كان القتل عمداً فهن كالرجال في تضعيف الدية أي ٨٠٠ درهم.٤
القول الثالث: دية المجوسي المعاهد وغيره من الكفار على النصف من دية المسلم وبه قال عمر بن عبد العزيز.٥
стр. 427
الأدلة:
أ - أدلة أصحاب القول الأول:
استدل الحنفية بنفس الأدلة السابقة التي في دية الكتابي وقالوا بأنها عامة في الكتابي وغيره من غير فرق.
وكذلك قالوا: بأن المجوسي آدمي معصوم الدم كالمسلم فتكون ديته مثله، لأنهما في العصمة سواء، وإذا كان المجوسي يستوي مع المسلم في الملكية والإحراز وجب أن يستوي معه في الدية.١
رد عليهم بأن الأدلة التي استدلوا بها على أن دية الكافر الذمي أو المستأمن كدية المسلم من الأحاديث والآثار كلها ضعيفة ولم يسلم لهم إطلاق الدية في الآية لأنها مقيدة بالنصوص الصحيحة التي فرقت بين دية المسلم وغيره.
أما قولهم بأن المجوسي كالمسلم في العصمة، فهذا غير صحيح، لأنه لا مساواة بين المسلم والكافر حتى في العصمة، لأن المسلم معصوم الدم بالإيمان، بينما الكافر معصوم الدم بالأمان، فاختلف سبب العصمة، وأيضاً لا يستوي معه في الملكية والإحراز ومع انتفاء المساواة ينتفي وجوب الدية كاملة.
ب - أدلة الجمهور الذين قالوا بأن الدية ثمانمائة درهم:
استدلوا بالسنة، والمأثور، والمعقول:
стр. 428
أ - دليلهم من السنة:
ما روى عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله: "دية المجوسي ثمانمائة درهم".١
نوقش هذا الحديث بأنه ضعيف لأن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف وبهذا يبطل الاستدلال به.٢
ثانياً: أدلتهم من المأثور:
١- بما رواه سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة كما روي عن عثمان بن عفان مثل ذلك.٣
٢- وبما روى عن علي وابن مسعود ﵄ أنها يقولان دية المجوسي ثمانمائة درهم.٤
٣- وبما روى عن عكرمة والحسن وعطاء أنهم قالوا: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة.٥
وقد انتشر هذا بين الصحابة والتابعين ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.٦
стр. 429
ونوقش هذا بأن هذه الآثار المروية عن بعض الصحابة والتابعين ليست بحجة ولا تقوى على معارضة الثابت عن رسول الله ﷺ وهو قوله "دية المعاهد نصف دية المسلم" ولفظ المعاهد عام يطلق على المعاهد الكتابي والمجوسي وغيرهما. ١
ثالثاً: دليلهم من المعقول:
قالوا لما كانت ذبائحهم ونساؤهم محرمة على المسلمين، بخلاف ذبائح أهل الكتاب ونسائهم، كان من الأولى أن تنقص ديتهم عن دية أهل الكتاب.٢
نوقش هذا المعقول: بأن تحريم نساء وذبائح المجوس، لا يمنع من مساواتهم بالكتابي في الدية، لأن الأمان يعقد مع الكتابي والمجوسي وغيرهم، فإذا دخلوا دار الإسلام بهذا الأمان لا فرق بينهم لا في العصمة ولا في الدين وتجري عليهم الأحكام الإسلامية وتكون دياتهم متساوية على النصف من ديات المسلمين لا فرق بين كتابي أو مجوسي أو غيره.
ج - أدلة من قال بأن ديته نصف دية المسلم:
استدل بالسنة، والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
حديث عمرو بن شعيب المتقدم والذي فيه "دية المعاهد نصف دية
стр. 430
المسلم" وفي رواية أخرى: "دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن".١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في أن دية المجوسي كدية الكتابي على النصف من دية المسلم لأن لفظ "المعاهد" و "الكافر" عام يطلق على أي معاهد وأي كافر كتابي أو مجوسي، فالمجوسي داخل تحت هذا العموم وكذلك كل من له ذمة من الكفار.٢
ويمكن أن يقال بأن الحديث ورد بلفظ "عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى".٣
يجاب عن ذلك بأن هذه اللفظة لم يخرجها إلا ابن ماجة بينما الألفاظ العامة أخرجها أكثر أهل السنن وهي الأشهر فيؤخذ بها.
٢- وبقوله ﷺ "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فالحديث عام في الجزية وغيرها كالدية.٤
فقد أمر الرسول ﷺ أن يعامل المجوسي معاملة أهل الكتاب، ومن المعاملة أن تكون ديتهم كديتهم، وحيث إن دية أهل الكتاب نصف دية المسلم فكذلك دية المجوسي على النصف من دية المسلم.
стр. 431
ب - دليلهم من المعقول:
أن المجوسي والكتابي يجمعهم لفظ واحد في دار الإسلام هو لفظ الذمة والأمان من المسلمين، فلا فرق بينهم في ذلك فكذلك أيضاً لا فرق بينهم في الدية - فالجميع دياتهم نصف ديات المسلمين.١
الرأي المختار:
وبعد أن ذكرت آراء الفقهاء في دية المجوسي وغيره من الكفار وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح لي بأن رأي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز هو الرأي المختار والذي يقول: "أن دية المجوسي وغيره من الكفار كدية أهل الكتاب أي نصف دية المسلمين".
وذلك للأسباب الآتية:
١- لأن حديث عمرو بن شعيب أصح حديث ورد في دية المعاهد وهو عام يشمل الكتابي وغيره من الكفار كالمجوسي ولم يرد ما يقوى على تخصيصه.
٢- ولأن الأدلة من الأحاديث والآثار التي استدل بها من قال بأن ديته كدية المسلم كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة ما عدا الآية فهي مطلقة مقيدة بالحديث السابق.
٣- وكذلك أيضاً أدلة من قال إنها ثمانمائة درهم ليست قوية ولا تقاوم عموم هذا الحديث.
стр. 432
٤- ولأنه لا فرق بين المعاهدين الذين يدخلون دار الإسلام بعهد وأمان من المسلمين فكلهم كفار يعاملون بمعاملة واحدة فيما لم يرد النهي عند بدليل خاص كالذبائح والزواج ويجب لهم دية واحدة وهي نصف دية المسلم للمساواة بينهم في العصمة والدين- والله أعلم.
стр. 433
المبحث الثالث: اختلاف الدار وأثره في وجوب الكفارة١ للمستأمن، أو وجوبها عليه
الكفارة من العقوبات التي تجب بجريمة القتل وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها على المسلم في القتل الخطأ٢ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .٣
كما اتفق الفقهاء على أن الكافر الحربي لا كفارة في قتله لأنه مباح
стр. 434
الدم وإذا كان القصاص لا يجب على قاتله وكذلك الدية فعدم وجوب الكفارة من باب أولى.١
أما المستأمن وغيره من المعاهدين في دار الإسلام.
فإما أن تكون الكفارة واجبة له، أو واجبة عليه:
الحالة الأولى: وجوب الكفارة للمستأمن:
اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة للمستأمن أو غيره من الكفار إلى قولين:
القول الأول: المسلم إذا قتل مستأمناً في دار الإسلام وجبت عليه الكفارة.
وهو قول جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة.٢
القول الثاني: الكفارة لا تجب على المسلم بقتل المستأمن أو غيره من الكفار.
وهو قول فقهاء المالكية والظاهرية.٣
стр. 435
الأدلة:
أولاً: أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بالكتاب، والمعقول:
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ . ١
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية على وجوب الكفارة بقتل المستأمن لأنه من الذميين لهم ميثاق أي عهد وأمان مع المسلمين. ٢
ب - دليلهم من العقول:
أن المعاهد المستأمن أو غيره معصوم الدم، ومقتول ظلماً بغير حق، فتجب في قتله الدية والكفارة كالمسلم.
وحتى يكون هناك فرق بينه وبين الكافر الحربي الذي لا أمان له ولا دية ولا كفارة تجب بقتله.٣
ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني:
стр. 436
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ . ١
وجه الدلالة من الآية:
الآية الكريمة دلت على وجوب الكفارة بقتل المؤمن، ومفهومها أن لا كفارة في غير المؤمن، فالآية كلها في المؤمن، ولا تجب الكفارة بقتل المعاهد المستأمن أو غيره، والضمير يرجع إلى المؤمن المذكور في الآية ولا ذكر للمستأمن في هذه الآية أصلاً.٢
ويرد عليهم بأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ .
ظاهر الدلالة في وجوب الكفارة بقتل المعاهد المستأمن لأنه من الذين بيننا وبينهم عهد وميثاق، فالآية دلت بالمنطوق على أن من له ميثاق من الكفار بعهد وقتله مؤمن، لزمته الدية والكفارة، لأنه مقتول ظلماً فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.
الرأي المختار:
ورأى الجمهور في وجوي الكفارة على المسلم إذا قتل معاهداً
стр. 437
مستأمناً أو غيره هو المختار، لصريح الآية، ولأن المعاهد المستأمن معصوم الدم ويحرم قتله بغير وجه الحق، ومن قتله بغير حق فقد ارتكب ذنباً عظيماً، والكفارة شرعت لمحو الذنب وتكفيره، فلذلك تجب على المسلم بقتل المعاهد المستأمن تكفيراً لذنبه ومحواً له.
وبهذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار أثر في وجوب الكفارة للمستأمن لأن المستأمن عندما كان في داره دار الكفر كان دمه هدر ولا عصمة له، ولا يجب بقتله لا دية ولا كفارة، ولكن عندما اختلفت الدار وأصبح في دار الإسلام بعهد وأمان وجبت الدية والكفارة بقتله لأنه معصوم الدم.
الحالة الثاني: في وجوب الكفارة على المستأمن:
اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على المعاهد- ذمياً كان أو مستأمناً - إذا قتل مسلماً أو معاهداً آخر خطأ إلى قولين:
القول الأول: لا تجب الكفارة على الذمي والمستأمن.
وهو قول فقهاء الحنفية والمالكية.١
القول الثاني:
стр. 438
تجب الكفارة على الذمي والمستأمن وتكون في مالهما بعتق رقبة مؤمنة، وأما كفارة الصيام فلا يرون وجوبها لأن الصيام عبادة لا تصح من الكافر.
وهو قول فقهاء الشافعية والحنابلة.١
ووافقهم الظاهرية في وجوبها على الذمي إلا أنهم أجلوا ذلك إلى حين الإسلام لعدم قدرة الذمي على العتق وكذلك الصيام، والظاهر أن المستأمن عندهم كالذمي، بجامع العصمة والدين فكل منهما كافر.
وفي هذا يقول ابن حزم: "وذلك واجب أي الكفارة على الذمي إلا أنه لا يقدر في حالته تلك على عتق رقبة مؤمنة ولا على صيام حتى يسلم، فإن أسلم يوماً ما لزمه العتق والصيام فإن لم يسلم حتى مات لقي الله عزوجل وذلك زائد في إثمه وعذابه".٢
الأدلة:
استدل الحنفية والمالكية على عدم وجوب الكفارة على المعاهد بما يلي:
أن الكفارة فيها معنى العبادة لأن فيها صياماً، والصيام عبادة، وغير
стр. 439
المسلمين من الذميين والمستأمنين غير مخاطبين بشرائع العبادات، ولهذا اشترطوا في وجوبها أن يكون القاتل مسلماً.١
واستدل الشافعية والحنابلة الذين قالوا بوجوب الكفارة على المعاهد بالكتاب، والسنة، والمعقول.
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٢
قالوا في وجه الدلالة:
بأن الآية عامة في وجوب الكفارة على القاتل مسلماً كان أو كافراً، ولم يرد ما يخصص هذا العموم في عدم وجوبها على القاتل الكافر، فتبقى الآية على عمومها حتى يدل دليل على التخصيص.٣
ب - دليلهم من السنة:
بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : "أعتق بكل موؤدة رقبة".٤
فالحديث يدل دلالة واضحة على وجوب الكفارة على الكافر.٥
стр. 440
ج - دليلهم من المعقول:
١- أن الكفارة تجب على الكافر عقوبة له، وليس لتكفير ذنبه كالمسلم، لأنه لا ذنب أعظم من الكفر، كالحدود تجب على المسلم كفارات، وعلى الكافر عقوبة.١
٢- أن الكفارة في هذه الحالة حق مالي يتعلق بالقتل، فتجب على المعاهد الذمي أو المستأمن كما تجب عليه الدية.٢
٣- أن الكفارة ليست عبادة بدنية، وإنما هي عبادة مالية، كالزكاة ونفقات الأقارب، بخلاف الصلاة والصوم.٣
الرأي المختار:
والذي يظهر لي من أقوال الفقهاء أن الكفارة لا تجب على غير المسلم مستأمناً كان أو غيره.
١- لأن الكفارة فيها معنى العبادة لأن فيها صياماً، وغير المسلم ليس من أهل العبادة.
стр. 441
٢- ولأن الكفارة شرعت لمحو الذنب وتكفيره، والكافر لا عمل له مع الكفر، وهل هناك ذنب أعظم منه.
٣- ولأن الآية ليست عامة في وجوب الكفارة، وإنما هي خاصة بالمؤمن لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً﴾ .
٤- ولأن الحديث الذين استدل به من أوجب الكفارة لا وجود له وعلى فرض أنه موجود لا دلالة فيه على وجوب الكفارة على المستأمن.
وبهذا الاختيار يتضح لي أنه لا أثر لاختلاف الدار في وجوب الكفارة على المستأمن فالكفارة لا تجب عليه لا في دار الإسلام، ولا في دار الكفر، فإذاً لا أثر لاختلاف الدارين في وجوب الكفارة على المستأمن.
стр. 442
الفصل الثاني: اختلاف الدار في جرائم الحدود في دار الإسلام
المبحث الأول: أثره في إقامة حد الزنا على المستأمن في دار الإسلام
مما لاشك فيه أن الزنا جريمة بشعة، ومرض خطير يستحكم في النفوس ويقوى تأثيره فيها، وآثار هذا الجرم الخبيث، ونتائجه السيئة أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تشرح وهو من الجرائم المحرمة، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع.
فدليل تحريمه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ .١
فدلت الآية الكريمة على تحريم الزنا وأنه جريمة خبيثة يجب على المؤمنين اجتنابها لأنها تدنسهم، وتهلكهم، وتفسد أرضهم وأهلهم.
أما دليل تحريمه من السنة فقوله صلى الله عليه وسلبم في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي: قال: أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".٢
стр. 443
وغيره من الأحاديث التي تدل دلالة واضحة على تحريم هذه الجريمة الخبيثة وأن ارتكابها يعد من أعظم الذنوب.
أما الإجماع: فقد أجمع علماء المسلمين على تحريمه وأنه من الفواحش القبيحة، لما فيه من ضياع الأنساب وتفكك الأسر، وانحلال المجتمعات وانتشار الفساد في الأرض.١
وهذا الفعل القبيح له عقوبة عظيمة، يعاقب بها من تسول له نفسه فعل هذه الجريمة الفاحشة، وعقوبة حد الزنا إما الجلد والتغريب أو الرجم.
فالزاني البكر عقوبته الجلد لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ .٢
وجاءت السنة النبوية مقررة لعقوبة الجلد مع زيادة التغريب لمدة عام.
فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلبم يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام.٣
وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة.٤
стр. 444
وقد أجمع العلماء على وجوب الجلد على الزاني إذا كان بكراً١ أما التعريب فقد خالف فيه الحنفية فقالوا: الزاني البكر عقوبته الجلد فقط.٢
لكن الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تغريب الزاني البكر ترد قولهم وتضعفه.
أما الزاني غير البكر - المحصن - أي المتزوج فعقوبته الرجم وقد ثبت الرجم في حقه بقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثيب بالثيب جلد مائة والرجم.٣
وبحديث جابر ﵁ أن رجلاً من أسلم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلبم فحدثه أنه قد زنى فشهد على نفسه أربع شهادات فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلبم فرجم وكان قد أحصن.٤
وقد وقع الإجماع على رجم الزنا المحصن ولم يشذ في ذلك إلا بعض فرق الخوارج.٥
стр. 445
وقد اتفق الفقهاء على وجوب إقامة حد الزنا على المسلم إذا زنى في دار الإسلام، بمسلمة، أو بذمية، أو بمستأمنة١
أما المستأمن إذا زنى في دار الإسلام، فلا يخلوا من حالتين:
الحالة الأولى: أن يزني المستأمن بكافرة، ذمية كانت أو مستأمنة.
فقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد عليه في هذه الحالة إلى قولين:
القول الأول: لا يقام حد الزنا على المستأمن إذا زنى بكافرة.
وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف، والمالكية، والشافعية في أصح الأوجه والحنابلة.٢
القول الثاني: يقام حد الزنا على المستأمن إذا زنى بكافرة.
стр. 446
وهو قول الأوزاعي، وأبي يوسف من الحنفية، والشافعية في وجه إذا شرط عليه ذلك في عقد الأمان.١
الأدلة:
أولاً: أدلة الجمهور:
استدلوا بالكتاب، والمعقول، والقياس:
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ٢
وجه الدلالة من الآية:
أن الشارع أوجب علينا إبلاغ المستأمن مأمنه، بهذا النص الصريح وفي إقامة الحد عليه تفويت للتبليغ الواجب.٣
ويمكن أن يرد عليهم بأن الآية ليس فيها ما يدل على عدم إقامة حد الزنا على المستأمن بل غاية ما تدل عليه الآية جواز عقد الأمان مع الكفار في دخول دار الإسلام لسماع كلام الله والإطلاع علي محاسن الإسلام،
стр. 447
ثم إن أسلم فهذا هو الغاية من الأمان، وإن لم يسلم فنبلغه مأمنه حتى يرجع إلى داره التي يأمن فيها.
أما دليلهم من المعقول: فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
١- أن حد الزنا من الحقوق الخالصة لله تعالى، والأصل عندهم عدم إقامة الحد فيما هو حق لله تعالى، كالسرقة، وقطع الطريق، ولا تقام عليه الحدود إلا فيما يرجع إلى حقوق العباد كالقصاص والقذف، وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه، لأنه لم يلتزمها، ولهذا لا تضرب عليه الجزية ولا يمنع من الرجوع إلى دار الحرب.١
٢- أن إقامة الحدود أساسها الولاية، ولا ولاية للمسلم على المستأمن لأن إقامته لمدة معلومة.٢
٣- أن المستأمن لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن، بل على سبيل العادية، يعاملنا ونعامله في التجارة وغيرها، حتى يقضي حاجته ثم يعود إلى داره دار الكفر.
ولهذا لم يكن في دخوله دار الإسلام دلالة على التزامه بأحكام الإسلام التي هي حق الله تعالى بل التزم بالأحكام التي هي حق للعباد كالقصاص وغيره.٣
стр. 448
ولكن يمكن أن يرد على أدلتهم هذه بما يلي:
١- أن المقصود من إقامة الحد على المستأمن هو الزجر له، والردع لغيره، ومنع الفساد في الأرض وزلزلة أمن المجتمع، ولا فرق بين حق الله وحق العبد في هذه الناحية فالحد شرع للزجر سواء كان الحد حقاً لله أو حقاً لعباده.
٢- أما قولهم بأنه لا ولاية للمسلم على المستأمن، فهذا شيء غريب فالمستأمن بمجرد عقد الأمان دخل تحت ولاية الدولة الإسلامية والتزم بأحكامها، فهو مادام في دار الإسلام ومن رعايا الدولة الإسلامية فهو تحت ولايتها لأنها مسؤولة عنه وعن المحافظة على دمه وعرضه وماله وعدم الاعتداء عليه من قبل سكانها المسلمين أو الذميين.
٣- وقولهم بأنه دخل للتجارة ولم يلتزم أحكام الإسلام يقال لهم إنه بمجرد عقد الأمان معه فهو ملتزم بأحكام الإسلام مدة إقامته فيها كالذمي ولهذا يقام عليه حد القذف كما يقام على الذمي، فالمستأمن في إقامة الحدود عليه كالذمي بجامع الكفر والعصمة.١
ج - أما دليلهم من القياس:
فقد قاسوا المستأمن، على الحربي غير المستأمن، بجامع عدم الالتزام بأحكام الإسلام٢ ويقال لهم هذا قياس مع الفارق لأن هناك فرقاً بينه
стр. 449
وبين الحربي غير المستأمن، فهذا تحت ولاية دولته الكافرة فكيف يلتزم لأحكام الإسلام، وكذلك مباح الدم ويمنع من دخول دار الإسلام، وذاك تحت ولاية الدولة الإسلامية مدة إقامته فيها ومعصوم الدم والمال ما دام في دار الإسلام ملتزماً لأحكامه، مستمسكاً بشروط الأمان.
ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بوجوب إقامة الحد على الزاني المستأمن في دار الإسلام.
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس.
أ - دليلهم من الكتاب:
عموم النصوص الواردة في وجوب إقامة حد الزاني كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ .١
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية بعمومها على وجوب إقامة حد الزاني على المستأمن لأنها لم تفرق بين أن يكون الزاني مسلماً أو غيره، فتكون شاملة للمستأمن.
ب - دليلهم من السنة:
١- بحديث ابن عمر ﵄ أن الرسول صلى الله عليه وسلبم رجم اليهوديين.٢
стр. 450
أسلم ورجلاً من اليهود وامرأته".١
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
دلت الأحاديث على وجوب إقامة الحد على المستأمن إذا زنى في دار الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلبم أقام حد الزنا على اليهود وهم وإن كانوا من أهل الذمة فالمستأمن كالذمي في إقامة الحدود عليه بجامع الكفر والعصمة.
قال الشوكاني: "وأحاديث الباب تدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم".٢
وقال الصنعاني: "وفي الحديث دليل على إقامة الحد على الكافر إذا زنى".٣
ج - دليلهم من المعقول:
أن المستأمن لما دخل دار الإسلام فقد التزم بأحكامه بمجرد عقد الأمان مدة إقامته بها، فصار كالذمي التزمها طول حياته، والمستأمن ملتزم لها إلى أجل.
ومن الأحكام التي التزمها إقامة الحد عليه إذا ارتكب موجبها كالقذف والقتل، فيجب أن يقام عليه حد الزنا كذلك، والمستأمن يعتقد
стр. 451
حرمة الزنا لأنه حرام في الأديان كلها، وقد تمكن الإمام من إقامة الحد عليه لأنه في دارنا، فيجب أن يقيم هذا الحد عليه، لأن المقصود من إقامة الحدود الشرعية هو تطهير دار الإسلام وصيانتها من الفساد، فلو قلنا بعدم إقامة الحد عليه مع قدرة الإمام على ذلك لأنه تحت ولايته لكان ذلك من الاستخفاف بالمسلمين وما أعطيناه الأمان ليستخف بالمسلمين ويفسد ويدنس دارهم الطاهرة.١
د - دليلهم من القياس:
قاسوا حد الزنا على حد القذف، قالوا فكما يجب إقامة حد القذف على المستأمن إذا قذف مسلماً بالاتفاق٢، فكذلك يجب إقامة حد الزنا على المستأمن.
وكذلك قاسوه على الذمي فهو كافر ملتزم لجميع أحكام الإسلام طول حياته، وتقام عليه جميع الحدود، ومعصوم الدم، فكذلك المستأمن كافر يلتزم بأحكام الإسلام، وتقام عليه الحدود لأنه معصوم الدم مثله.٣
الحالة الثانية: أن يزني المستأمن بمسلمة في دار الإسلام:
وقد اختلف الفقهاء إقامة الحد في هذه الحالة إلى ثلاثة أقوال:
стр. 452
القول الأول: المستأمن إذا زنى بمسلمة لا يقام عليه الحد كما إذا زنى بكافرة.
وهو قول فقهاء الحنفية والشافعية في أصح الأوجه.١
القول الثاني: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقتل حداً.
وهو قول فقهاء المالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب.٢
القول الثالث: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقام عليه الحد، كما إذا زنى بكافرة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ووجه للشافعية في غير المشهور وبالأخص إذا اشترط عليه ذلك في عقد الأمان، ورواية للحنابلة.٣
الأدلة:
أولاً: استدل أصحاب القول الأول بنفس الأدلة في الحالة السابقة.
وهي أن المستأمن إذا زنى بكافرة لا يقام عليه الحد.
стр. 453
ثانياً: استدل أصحاب القول الثاني الذين قالوا بأنه يقتل حداً بالمعقول فقالوا: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقتل حداً لأنه انتهك حرمات الدولة الإسلامية، ونقض العهد فيجب قتله ولا يجب مع القتل حد سواه.١
ثالثاً: استدل أصحاب القول الثالث بنفس الأدلة التي توجب إقامة الحد على المستأمن إذا كان الْمَزْنِيُّ بها كافرة، وقد تقدمت في الحالة الأولى.
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في الحالتين وأدلتهم ومناقشتها اتضح لي أن الرأي القائل بوجوب إقامة حد الزنا على المستأمن سواء كان الْمَزْنِيُّ بها كافرة أو مسلمة هو الأرجح، وذلك للأسباب الآتية:
١- لعموم النصوص الموجبة لإقامة حد الزنا على المسلم وغيره، ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
٢- ولأن غالب الفقهاء قالوا بإقامة حد الزنا على الذمي لورود النصوص الصحيحة في هذا كحديث عبد الله بن عمر ﵄، وحديث جابر بن عبد الله ﵄ وقد مضت، والمستأمن كالذمي في غالب الأشياء كالدين فكل منهما كافر، والعصمة فكل منهما معصوم الدم والمال، إلا أن الذمي عصمته مؤبدة، أما المستأمن فعصمته مؤقتة وهذا لا تأثير له في إقامة الحدود.
стр. 454
٣- أن المصلحة تقتضي إقامة الحد على المستأمن الزاني بمسلمة أو كافرة، وذلك لتطهير الدولة الإسلامية من الجرائم الخبيثة، وصيانة حرمتها، ومنع انتشار الفساد في أرضها والأمراض الخطيرة.
٤- أن الزنا محرم في جميع الأديان والشرائع لما فيه من الضرر والمساوئ القبيحة التي تعم الجماعة كلها.
٥- أن القصد من إقامة الحد على المستأمن هو الزجر له والردع لغيره حتى أن الأحناف أنفسهم قالوا شرعت الحدود للزجر.
٦- أن تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية في دار الإسلام متيسرة لثبوت الولاية في دار الإسلام لإمام المسلمين على المسلمين وغيرهم كالمستأمنين.
٧- أن كون الزنا من حقوق الله تعالى لا يمنع من إقامة الحد على المستأمن لأن القصد من إقامة الحدود سواء كانت حقاً لله أو حقاً لعباده الزجر والردع لمن تسول له نفسه فعل هذه الأشياء الخبيثة والمذمومة، ومنع انتشار الفساد والأضرار التي تعود على المسلمين وغيرهم من وراء هذا الجرم القبيح.
وبناء على هذه الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في إقامة حد الزنا على المستأمن في دار الإسلام، لأنه عندما كان في داره دار الكفر، لا يلتزم بأحكام الإسلام فلا يقام عليه حد الزنا، ولكن عندما دخل دار الإسلام بأمان، التزم لأحكام الإسلام فيما يرجع للحدود، فيقام عليه حد الزنا، وبهذا يختلف الحكم لاختلاف الدارين.
стр. 455
المبحث الثاني: أثره في قذف١ المستأمن في دار الإسلام
إن حد القذف من الحدود التي أمر الله بإقامتها، لأن جريمة القذف من الجرائم الكبرى المخلة بالشرف والأخلاق، وقد حرمها الشارع ونهى عنها، والقذف من الكبائر الموبقة لصاحبها والمهلكة لفاعلها، وهو محرم باتفاق أهل العلم، وقد دل على تحريمه الكتاب، والسنة، والإجماع.
فدليل تحريمه من الكتاب:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .٢
فقد أمر الله بجلد الذين يرمون المحصنات والجلد لا يكون إلا على فعل محرم.
стр. 456
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١
ففي هذه الآية قد توعد الله الذين يرمون المحصنات بالطرد والإبعاد من رحمته، والعذاب العظيم، وهذا أيضاً لا يكون إلا على فعل محرم.
أما دليل تحريمه من السنة:
فبما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".٢
فقد أمر النبي ﷺ بالابتعاد عن السبع المهلكة لصاحبها والتي منها قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ولأنها من الكبائر والمحرمات التي يجب اجتنابها.
أما الإجماع:
فقد اجتمعت الأمة الإسلامية على تحريم القذف وأنه من الموبقات التي يجب اجتنابها.٣
стр. 457
وعقوبة جريمة القذف هي جلد القاذف ثمانين جلدة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١
ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا توفرت فيه الشروط٢، وكذلك اتفقت المذاهب الأربعة على عدم وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً، لأنهم يشترطون أن يكون المقذوف محصناُ ومن شروط الإحصان الإسلام.٣
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .٤
وجه الدلالة من الآية:
أن المحصنات معناها الحرائر، والغافلات معناه العفائف عن الزنا، والمؤمنات المسلمات.
стр. 458
فبينت الآية أن الإيمان والعفة عن الزنا شرط لوجوب الحد على القاذف، وحيث أن الكافر غير متوفر فيه هذا الشرط فلا يحد قاذفه.١
وقد جاء الإحصان في القرآن بمعاني متعددة منها الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ أي أسلمن هكذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ وبهاذ يجب اعتبار الإسلام شرطاً في إحصان المقذوف.
ولقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ "من أشرك بالله فليس بمحصن".٢
فالحديث ظاهر الدلالة في أن الإسلام شرط للإحصان، فقد نفى الرسول ﷺ الإحصان عن الكافر فلا إحصان إلا بالإسلام لأنه لو لم يشترط الإسلام لوجب الحد على قاذف الكافر وفي ذلك إكرام له، وكفره يقتضي إهانته وإذلاله لا إكرامه وعزته.٣
ولأن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف وما في الكافر من عار الكفر أعظم.٤
وخالف الظاهرية جمهور الفقهاء فقالوا يقام الحد على المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً.٥
стр. 459
لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١
قال ابن حزم: "وهذا عموم تدخل فيه الكافرة والمؤمنة فوجب أن قاذفها فاسق إلا أن يتوب".٢
ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، قول الزور".٣
قالوا في وجه الدلالة من الحديث:
إن قذف الكافرة البريئة من قول الزور بلا خلاف من أحد، وقول الزور من الكبائر كما بين رسول الله ﷺ . ٤
ولكن يمكن أي يرد عليهم بأن العموم في الآية مخصص بالآيات الأخرى التي بينت أن الإحصان من معانيه الإسلام وأنه شرط له. كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ ٥ أي أسلمن.٦
стр. 460
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .١
وكذلك مخصص بقوله ﷺ : "من أشرك فليس بمحصن".٢
وأما حديث الكبائر فليس لهم فيه دلاله بل غابة ما يدل عليه الحديث أن شهادة الزور وقول الزور أي التكلم بغير الحق من الكبائر، فالحديث وارد لهذا الشأن ولم يرد في بيان قذف المسلم الكافر، وليس قذف الكافر من قول الزور كما قالوا، وليس باتفاق كما قالوا، بل جميع العلماء على خلاف قولهم.
وبهذا يترجح رأي جمهور الفقهاء من أن المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً لا يقام عليه الحد، لأن الإحصان من شروطه الإسلام، والكافر ليس بمحصن لأنه غير مسلم، ولأن عرض الكافر أي كافر كان لا حرمة له، ولأنه ليس هناك عار أعظم من عار الكفر، فلا يحد قاذف الكافر لأنه لا يستحق هذه المكرمة، ولكن للمحافظة على أعراض المعصومين في دار الإسلام من الذميين والمستأمنين يعزر القاذف لهم من قبل الإمام كما صرح بذلك بعض الفقهاء.٣
وفي هذا يقول ابن قدامة: "ولكن يجب تأديبه ردعاً له عن أعراض