← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ ففي هذه الآية قد توعد الله الذين يرمون المحصنات بالطرد والإبعاد من رحمته، والعذاب العظيم، وهذا أيضاً لا يكون إلا على فعل محرم. أما دليل تحريمه من السنة: فبما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".٢ فقد أمر النبي ﷺ بالابتعاد عن السبع المهلكة لصاحبها والتي منها قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ولأنها من الكبائر والمحرمات التي يجب اجتنابها. أما الإجماع: فقد اجتمعت الأمة الإسلامية على تحريم القذف وأنه من الموبقات التي يجب اجتنابها.٣

стр. 457

وعقوبة جريمة القذف هي جلد القاذف ثمانين جلدة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١ ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا توفرت فيه الشروط٢، وكذلك اتفقت المذاهب الأربعة على عدم وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً، لأنهم يشترطون أن يكون المقذوف محصناُ ومن شروط الإحصان الإسلام.٣ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .٤ وجه الدلالة من الآية: أن المحصنات معناها الحرائر، والغافلات معناه العفائف عن الزنا، والمؤمنات المسلمات.

стр. 458

فبينت الآية أن الإيمان والعفة عن الزنا شرط لوجوب الحد على القاذف، وحيث أن الكافر غير متوفر فيه هذا الشرط فلا يحد قاذفه.١ وقد جاء الإحصان في القرآن بمعاني متعددة منها الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ أي أسلمن هكذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ وبهاذ يجب اعتبار الإسلام شرطاً في إحصان المقذوف. ولقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ "من أشرك بالله فليس بمحصن".٢ فالحديث ظاهر الدلالة في أن الإسلام شرط للإحصان، فقد نفى الرسول ﷺ الإحصان عن الكافر فلا إحصان إلا بالإسلام لأنه لو لم يشترط الإسلام لوجب الحد على قاذف الكافر وفي ذلك إكرام له، وكفره يقتضي إهانته وإذلاله لا إكرامه وعزته.٣ ولأن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف وما في الكافر من عار الكفر أعظم.٤ وخالف الظاهرية جمهور الفقهاء فقالوا يقام الحد على المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً.٥

стр. 459

لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١ قال ابن حزم: "وهذا عموم تدخل فيه الكافرة والمؤمنة فوجب أن قاذفها فاسق إلا أن يتوب".٢ ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، قول الزور".٣ قالوا في وجه الدلالة من الحديث: إن قذف الكافرة البريئة من قول الزور بلا خلاف من أحد، وقول الزور من الكبائر كما بين رسول الله ﷺ . ٤ ولكن يمكن أي يرد عليهم بأن العموم في الآية مخصص بالآيات الأخرى التي بينت أن الإحصان من معانيه الإسلام وأنه شرط له. كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ ٥ أي أسلمن.٦

стр. 460

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .١ وكذلك مخصص بقوله ﷺ : "من أشرك فليس بمحصن".٢ وأما حديث الكبائر فليس لهم فيه دلاله بل غابة ما يدل عليه الحديث أن شهادة الزور وقول الزور أي التكلم بغير الحق من الكبائر، فالحديث وارد لهذا الشأن ولم يرد في بيان قذف المسلم الكافر، وليس قذف الكافر من قول الزور كما قالوا، وليس باتفاق كما قالوا، بل جميع العلماء على خلاف قولهم. وبهذا يترجح رأي جمهور الفقهاء من أن المسلم إذا قذف ذمياً أو مستأمناً لا يقام عليه الحد، لأن الإحصان من شروطه الإسلام، والكافر ليس بمحصن لأنه غير مسلم، ولأن عرض الكافر أي كافر كان لا حرمة له، ولأنه ليس هناك عار أعظم من عار الكفر، فلا يحد قاذف الكافر لأنه لا يستحق هذه المكرمة، ولكن للمحافظة على أعراض المعصومين في دار الإسلام من الذميين والمستأمنين يعزر القاذف لهم من قبل الإمام كما صرح بذلك بعض الفقهاء.٣ وفي هذا يقول ابن قدامة: "ولكن يجب تأديبه ردعاً له عن أعراض

стр. 461

المعصومين وكفا له عن أذاهم.١ أما المستأمن الذي دخل دار الإسلام بأمان إذا قذف مسلماً أو مسلمة. فقال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في وجه، والحنابلة والظاهرية يقام عليه حد القذف. وعللوا ذلك بأن الغالب في حد القذف أنه حق للعباد، والمستأمن قد التزم بعقد أمانه حقوق العباد. ٢ ولأن الأئمة الأربعة يشترطون في المقذوف أن يكون محصناً ومن شروط الإحصان الإسلام، وهذا المقذوف مسلم فوجب إقامة الحد على قاذفه مسلماً كان أو كافرا مستأمناً أو ذمياً متى توفرت شروط إقامة الحد، ولأن المستأمن كالذمي، والذمي يقام عليه الحد بالاتفاق، فكذلك المستأمن. وذهب فقهاء الشافعية في وجه إلى عدم إقامة حد القذف على المستأمن إذا قذف مسلماً أو مسلمة، لأن حد القذف حق لله تعالى

стр. 462

والمستأمن غير ملتزم بحقوق الله، بل إنه غير ملتزم بأحكام الإسلام لأن مدة إقامته بدار الإسلام مؤقتة غير مؤبدة كالذمي.١ ولكن الراجح هو قول الجمهور أن المستأمن إذا قذف المسلم يقام عليه حد القذف زجراً له، وردعاً لغيره من المستأمنين، وحتى لا ينتشر الفساد في دار الإسلام، وحتى لا يقع الاستخفاف بالمسلمين، والتعدي على أعراضهم من قبل المستأمنين، ولأن المستأمن ما عصم دمه وماله إلا في مقابل التزامه بغالب الأحكام الإسلامية والتي من جملتها إقامة حد القذف إذا وقع منه في حق المسلم. وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في ارتكاب جريمة القذف من المستأمن في دار الإسلام. أما إذا قذف المستأمن مستأمناً آخر أو ذمياً في دار الإسلام فجمهور الفقهاء قالوا لا يقام عليه الحد لأنهم يشترطون في المقذوف أن يكون محصناً ومن شروط الإحصان الإسلام، وهنا لم يتحقق الشرط في المقذوف لأنه كافر.٢ وقال الظاهرية: الكافر المستأمن إذا قذف كافراً مستأمناً كان أو ذمياً يقام عليه حد القذف.

стр. 463

وفي هذا يقول ابن حزم: "وأما إذا قذف الكافر كافراً فليس إلاّ الحد فقط، على عموم أمر الله تعالى فيمن قذف محصنة بنص القرآن".١ ولأن الظاهرية كما سبق لا يشترطون الإسلام للإحصان، فبذلك يجب عندهم الحد على قاذف الكافر، مسلماً كان القاذف له أو كافراً آخر. وقد سبق الرد عليهم وبأن العموم الذي في الآية مخصص بالآيات الأخرى التي اشترطت الإسلام للإحصان وبالسنة التي بينت أن الإسلام شرط للإحصان. وبهذا يكون قول الجمهور هو القول المختار وأن المستأمن إذا قذف مستأمناً آخر أو ذمياً لا يقام عليه الحد، لأن الإسلام شرط للإحصان المشروط في المقذوف، والكافر ليس بمحصن لأنه غير مسلم. ولكن يعزر ويؤدب المستأمن إذا قذف غيره من الكفار في دار الإسلام، زجراً له، وردعاً لغيره، ومحافظة على أعراض المعصومين في دار الإسلام من الذميين والمستأمنين، ومحافظة على دار الإسلام من انتشار الفساد فيها.٢

стр. 464

المبحث الثالث: أثره في إقامة حد السرقة على المستأمنين في دار الإسلام إن جريمة السرقة من الجرائم المحرمة البشعة، وتنشر الفساد في الأرض. وقد ثبت النهي عنها وأنها من الجرائم المحرمة بالأدلة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسل وإجماع المسلمين. فدليل تحريمها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .١ فقد أمر الله عزوجل بقطع يد السارق، ولو لم تكن السرقة محرمة وفاعلها قد ارتكب كبيرة من الكبائر، لما أرم الله عزوجل بقطع يد السارق بتلك الجريمة. ووصف هذه العقوبة بالشدة، ووسمها بالنكال، دليل أيضاً على فظاعة هذا الجرم، وعظم ذنب فاعله، ومثل هذا العقاب لا يكون إلا فعل محرم فتكون السرقة محرمة. أما دليل تحريمها من السنة فبما رَوَى أبو هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسل قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده".٢

стр. 465

واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا يكون إلا على فعل محرم، فثبت بهذا أن السرقة من الجرائم المحرمة. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم السرقة وأن عقوبة فاعلها قطع يده.١ أما السرقة من المستأمن في دار الإسلام فلا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون المستأمن هو السارق، سواء سرق من مال مسلم، أو من مال مستأمن آخر أو ذمي، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد عليه إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: المستأمن إذا سرق من مال المسلم أو غيره من الكفار المقيمين في دار الإسلام لا يقام عليه حد السرقة. وهو قول فقهاء الحنفية وأشهب٢ من المالكية، والشافعية في أصح

стр. 466

الأوجه وابن حامد١ من الحنابلة.٢ القول الثاني: المستأمن إذا سرق من مال المسلم أو غيره، يقام عليه حد السرقة. وهو مروي عن الأوزاعي وابن أبي ليلى. وهو قول فقهاء المالكية، والحنابلة، ووجه للشافعية، ورواية لأبي يوسف من الحنفية.٣ القول الثالث: أن المستأمن يقام عليه حد السرقة إذا اشترط عليه ذلك في عقد الأمان. وهو وجه للشافعية حسنه النووي.٤

стр. 467

الأدلة: أولاً: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بما يلي: ١- أن المستأمن عندما يسرق من مال المسلم أو غيره في دار الإسلام توفرت فيه شبهة الإباحة، لأنه لم يلتزم بأحكام الإسلام كلها، فيعتقد أن ذلك مباحاً له، وهذه شبهة مسقطة للحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات.١ ورد على ذلك: بأن المستأمن بمجرد عقد الأمان فقد التزم بأحكام الإسلام. فيما يرجع إلى المعاملات والحدود، لأنه سيعصم دمه وماله في مقابل الالتزام بهذه الأحكام، ولو ترك المستأمن يدخل دار الإسلام هكذا بدون التزام لأحكام الإسلام، لما كان لعقد الأمان فائدة، وانتفت الحكمة من جوازه، لأن من أهم الحكم التي شرع الله من أجلها عقد الأمان هو الالتزام بأحكام الإسلام، للإطلاع على محاسنه وعدالته، مما يكون سبباً في اعتناقه. وبما انه مشروط عليه الالتزام بأحكام الإسلام العامة، تنتفي شبهة الإباحة التي يعتقدها، كما قال الحنفية. ٢- أن حد السرقة الغالب فيه أنه حق لله تعالى، والمستأمن لم يلتزم

стр. 468

الأحكام التي هي حقوق لله تعالى، كحد السرقة، فمن أجل ذلك لا يقام عليه الحد، بخلاف الأحكام التي هي حقوق للعباد، فإن المستأمن يؤاخذ بها عليه ويقام عليه الحد إذا ارتكب موجبها كالقذف.١ ويرد على ذلك بأن هذا الاستدلال فيه ضعف لأن حق الله تعالى هو حق المجتمع كما يقول الأحناف أنفسهم.٢ وإنما نسب إلى الله تعالى لعظم خطره وشأنه، فلا يكون الحق سبباً في إسقاط حد السرقة عن المستأمن. ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس. أ - دليلهم من الكتاب: عموم النصوص الموجبة لقطع بد السارق من غير فرق بين المسلم وغيره كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ الآية. فلفظ السارق في الآية عام يشمل المسلم وغير المسلم كالمستأمن في دار الإسلام. ب - دليلهم من السنة: هو عموم الأحاديث التي تأمر بقطع بد السارق المسلم وغيره.

стр. 469

ومنها: قوله صلى الله عليه وسل في حديث عائشة ﵂: "تقطع يد السارق في ربع دينار".١ فلفظ السارق في الحديث عام في المسلم وغيره. ج - دليلهم من المعقول: من خمسة أوجه: ١- أن المسلم إذا سرق من مال المستأمن يقام عليه الحد، فإقامة الحد على المستأمن إذا سرق المسلم أو غيره في دار الإسلام من باب أولى. ٢- أن المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام مدة إقامته بدار الإسلام فصار كالذمي، والذمي يقام عليه الحد بالاتفاق فكذلك المستأمن. ٢ وفي هذا يقول السرخسي: "المستأمن ملتزم للأحكام فيما يرجع إلى المعاملات والعقوبات، فيعاقب بارتكاب أسباب العقوبات".٣ ٣- أن السرقة من الفساد في الأرض، فلا بد من عقاب زاجر يمنع كل أحد تسول له نفسه ارتكاب هذه الجريمة البشعة في دار الإسلام. ٤- أن العصمة التي للمسلم بسبب إسلامه، وللذمي بعقد الذمة موجودة في المستأمن بعقد أمانه المؤقت، الذي أعطاه حق الإقامة المؤقتة في

стр. 470

دار الإسلام، وحد السرقة يقام على المسلم والذمي بالاتفاق، لالتزامهما أحكام الإسلام فكذلك المستأمن، يقام عليه الحد بجامع العصمة في دار الإسلام والتزام الأحكام، وإلا لما كان لعقد الأمان فائدة تعود على المسلمين إذا لم يلتزم أحكامهم. ٥- أن إفساد المال يحصل بسرقة المستأمن كما يحصل بسرقة المسلم والذمي سواء بسواء، فلذا يقام عليه الحد، لأن في ذلك درءاً لكثير من المفاسد.١ د - دليلهم من القياس: من وجهين: ١- القياس على حد القذف: قالوا: فكما يقام حد القذف على المستأمن القاذف للمسلم، صيانة للأعراض، فكذلك يقام عليه حد السرقة صيانة للأموال. ٢- القياس على القصاص: قالوا: فكما يقتص للمسلم من المستأمن إذا جنى عليه حفظاً للأرواح، فكذلك تقطع يده إذا سرق ماله حفظاً للأموال.٢ ثالثاً: أدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا بالمعقول فقالوا:

стр. 471

إن المستأمن إذا شرط عليه ذلك في العقد يقام عليه الحد، لأنه التزم أحكام الإسلام، والتي منها إقامة الحدود عليه كحد السرقة، أما إذا لم يشترط عليه ذلك في العقد فلا يقام عليه الحد، لعدم التزامه لأحكام الإسلام.١ ويرد على ذلك بأن المستأمن بمجرد عقد الأمان فهو ملتزم لأحكام الإسلام، اشترط عليه ذلك أولم يشترط، لأن من أهم شروط عقد الأمان هو الالتزام بالأحكام الإسلام العامة. الرأي المختار: وبعد ذكر آراء الفقهاء وأدلتهم، ما ورد عليها من مناقشات، يتضح لي أن الرأي الثاني القائل بإقامة الحد على المستأمن إذا سرق في دار الإسلام هو الرأي المختار والذي ينبغي المصير إليه. وذلك للأسباب الآتية: ١- لأن أدلة المخالفين ليست قوية، بينما أدلة من قال بوجوب إقامة حد السرقة على المستأمن إذا سرق في دار الإسلام، قوية. ٢- ولأن السرقة من الفساد في الأرض، وأضرار هذه الجريمة ومفاسدها لا تنتفي إذا كان مرتكبها مستأمناً، فيقام عليه الحد صيانة لدار الإسلام من هذا الفساد، وحفظاً لأموال المسلمين وغير المسلمين المقيمين في دار الإسلام، ومنعاً لانتشار الجرائم فيها. وردعاً وزجراً للمجرمين، وتحقيقاً للأمن على النفس والمال والعرض لكل فرد من الأفراد.

стр. 472

٣- ولأن الأصل في الشريعة الإسلامية العموم، فتطبق ما أمكن التطبيق، وتطبيقها على المستأمن ميسور في دار الإسلام، لثبوت ولاية الإمام على من فيها من المستأمنين، فيجب تطبيق العقوبات الشرعية على من يرتكب الجرائم في دار الإسلام مسلماً كان أو غير مسلم صيانة لها ومحافظة على من فيها. أما الحالة الثانية: فهي أن يكون المستأمن هو المسروق سواء كان السارق له مسلماً أو مستأمناً آخر: فقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد على المسلم أو غيره إذا سرق من مال المستأمن في دار الإسلام إلى قولين: القول الأول: يقام الحد على السارق من مال المستأمن مسلماً كان السارق أو ذمياً أو مستأمناً آخر. وهو قول فقهاء المالكية والحنابلة وزفر من الحنفية.١ القول الثاني: لا يقام الحد على المسلم أو غيره إذا كان المسروق هو المستأمن. وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا زفر وبه قال الشافعية.٢

стр. 473

الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١- أن مال المستأمن معصوم بالأمان، بدليل وجوب ضمانه بالإتلاف، فيقام الحد على سارقه مسلماً كان أو غيره.١ ٢- أن المسلم سرق مالاً معصوماً من حرز مثله كسارق مال الذمي، وسارق مال الذمي يقطع لأنه استفاد العصمة المؤبدة بعقد الذمة فكذلك سارق المستأمن، لأنه معصوم عصمة مؤقتة، وهي تقتضي المحافظة على ماله من الاعتداء عليه في دار الإسلام حتى يرجع إلى داره.٢ واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١- أن المستأمن لا يقام عليه الحد إذا سرق مال المسلم أو الذمي، فكذلك لا يقام الحد على المسلم أو غيره إذا سرق من ماله من باب أولى، ولأنه لم يلتزم الأحكام أشبه الحربي٣. يرد على ذلك بأنا لا نسلم بعدم قطع المستأمن إذا سرق من مال المسلم أو غيره، بل دلت الأدلة على أنه يقام عليه حد السرقة إذا سرق

стр. 474

من مال المسلم أو غيره فكذلك يقام الحد على سارق ماله لأنه معصوم بالأمان.١ ٢- أن المسلم سرق مالاً فيه شبهة الإباحة لأن الحربي المستأمن من أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي حاجته ثم يعود إلى داره، فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة الإباحة في ماله، ولهذا لا يقتل المسلم به نظراً لشبهة الإباحة في دمه، بخلاف الذمي فإنه من أهل دار الإسلام ومعصوم الدم والمال عصمة مؤبدة ليس فيها شبهة الإباحة.٢ يمكن الرد على ذلك: بأننا لا ننكر أن المستأمن من أهل دار الحرب، وهذا لا يمنع من إقامة الحد على سارق ماله لأنه بمجرد عقد الأمان فقد عصم ماله ودمه، والعصمة تقتضي المحافظة على ماله من الاعتداء عليه، والمحافظة لا تتحقق إلا إذا أقيم الحد على من يسرق ماله. ولو قلنا بعدم إقامة حد السرقة على من سرق مال المستأمن لسوينا بينه وبين الحربي غير المستأمن، وهذا يتنافى مع المبادئ والأسس التي تقوم عليها الشريعة، وهي عدم المساواة بين الحربية والمستأمن. الرأي المختار: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم يتبين لنا أن الرأي القائل أن المسلم أو غيره إذا سرق من مال المستأمن يقام عليه حد السرقة - وذلك لما يلي:

стр. 475

١- لأن مال المستأمن معصوم بمجرد عقد الأمان، والعصمة لا تكون كافية إلا إذا أقيم حد السرقة على من يسرق ماله مسلماً كان أو غيره، وإلا لما كان للأمان فائدة. ٢- ولأن الغرض من إقامة الحدود الزجر والردع لمن يفعل هذه الجرائم والأخذ بهذا الرأي يحقق ذلك الغرض. ٣- ولأن المستأمن إذا سرق يقام عليه الحد، فيقابل هذا المحافظة على ماله، وحمايته من الاعتداء عليه، والحماية لا تكون كافية إلاّ إذا أقيم حد السرقة على من يسرق ماله من المسلمين أو غيرهم. وبهذا يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في إقامة حد السرقة على المستأمنين المقيمين في دار الإسلام. وكذلك أثر اختلاف الدار في إقامة حد السرقة على المسلم السارق من مال المستأمن، فمال المستأمن في درا الإسلام يختلف عنه في دار الكفر، فما له في دار الإسلام معصوم بأمانه، ويقام الحد على من سرقه أو اعتدى عليه، أما في دار الكفر فما له مباح، ولا يقام الحد على من سرقه.

стр. 476

المبحث الرابع: أثره في إقامة حد الحرابة على المستأمن في دار الإسلام إن جريمة الحرابة من الجرائم المحرمة التي أوجب الله على مرتكبها العقوبة الرادعة في الدنيا، مع الوعيد الشديد الذي توعد الله به المحارب في الدار الآخرة، إذا لم يتب، وأطلق عليها بعض الفقهاء السرقة الكبرى، فبهذا يعظم ذنبها وتزداد عقوبتها، وهي محرمة بكتاب الله عزوجل وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين. فدليل التحريم من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ فالآية نص صريح في تحريم الحرابة، فالقتل والصلب والقطع والنفي في الدنيا، والعذاب في الآخرة، لا يكون إلا على فعل محرم وهذا يدل على أن الحرابة محرمة. أما دليل تحريم الحرابة من السنة: فبما روى أنس بن مالك ﵁

стр. 477

أن النبي ﷺ قطع العرنيين وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.١ ولو لم يكن فعلهم هذا محرماً لما قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم من خلاف وفقأ أعينهم وتركهم حتى ماتوا، قال النووي: "هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين "٢ أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم الحرابة وأنها من كبائر الذنوب ومن الفساد في الأرض.٣ ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة حد الحرابة على المسلم المحارب للمسلمين في دار الإسلام.٤ أما المستأمن في دار الإسلام فلا يخلو من حالتين: فإما أن يكون محارَباً أو محارِباً.

стр. 478

الحالة الأولى: أن يكون المستأمن هو المحارب في دار الإسلام من قبل المسلمين أو غيرهم. وقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة حد الحرابة على المحارب للمستأمن في دار الإسلام إلى قولين: القول الأول: لا يقام الحد على قاطع الطريق على المستأمن مسلماً كان أو ذمياً أو مستأمناً. وهو قول فقهاء الحنفية، والشافعية في أصح الأوجه.١ القول الثاني: يقام حد الحرابة على المسلم أو غيره إذا قطع الطريق على المستأمن. وهو قول المالكية والحنابلة ووجه للشافعية.٢ الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١- أن مال المستأمن الحربي ليس بمعصوم على الإطلاق، بل في عصمته شبهة العدم، لأنه من أهل دار الحرب، وإنما العصمة بعارض

стр. 479

الأمان مؤقتة إلى غاية العودة إلى دار الحرب، فكان في عصمته شبهة الإباحة، فلا يقام الحد على من قطع عليه الطريق كما لا يقام الحد على من سرق ماله، بخلاف الذمي، فإن عقد الذمة أفاد له العصمة المؤبدة فتعلق الحد بأخذه كما يتعلق بسرقته.١ ٢- أنه لا يقام الحد على المستأمن إذا قطع الطريق على المسلم فكذلك لا يقام الحد على المسلم إذا قطع الطريق عليه من باب أولى.٢ واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١- أن المستأمن ما التزم أحكام الإسلام إلا في مقابل حمايته، وعصمته ما له ودمه، ولو قلنا بعدم إقامة الحد على قاطع الطريق على المستأمنين لما استفاد المستأمن من عقد الأمان.٣ الرأي المختار: والمختار من أقوال الفقهاء هو إقامة حد الحرابة على قاطع الطريق على المستأمن مسلماً كان أو ذمياً أو مستأمناً آخر. ١- لأن المستأمن معصوم الدم والمال، بعقد الأمان وفي مقابل هذه العصمة يقام الحد على قاطع الطريق عليه. ٢- ولأن هذا الرأي يتفق مع عدالة الشريعة بين البشر فكما يقام

стр. 480

الحد عليه إذا حارب المسلمين أو غيرهم في دار الإسلام، فكذلك يقام الحد على المحارِب له. ٣- ولأن في إقامة الحدود على المجرمين سواء كانوا مسلمين أو غيرهم، صيانة لدار الإسلام، ومنعاً لانتشار الفساد فيها، وزلزلة أمن المجتمع، فيقام الحد على المحاربين في دار الإسلام من المسلمين أو غيرهم تحقيقاً لهذا الغرض. ٤- ولأن إقامة حد الحرابة على قاطع الطريق على المستأمن في دار الإسلام من الوفاء بالعهد الذي أوجبت الشريعة الإسلامية الالتزام به وعدم نقضه ما دام المستأمن متمسكاً به ولم يحدث منه ما يوجب النقض. الحالة الثانية: أن يكون المستأمن هو المحارِبْ: المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام على المسلمين وغير المسلمين اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد عليه إلى قولين. القول الأول: المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام لا يقام عليه حد الحرابة. وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف وبه قال فقهاء الشافعية والحنابلة إلا أنه ينتقض أمانه بارتكاب هذه الجريمة عند الشافعية والحنابلة.١ أما الحنفية فقالوا لا ينتقض أمانه، وقاسوا الأمان على الإيمان

стр. 481

فالمسلم إذا قطع الطريق لم يكن فعله ناقضاً لإيمانه. فكذلك المستأمن لا ينتقض أمانه بالحرابة. القول الثاني: يقام حد الحرابة على المستأمن إذا قطع الطريق في دار الإسلام قال به الأوزاعي والمالكية وأبو يوسف من الحنفية.١ الأدلة: أ - أدلة أصحاب القول الأول الذين قالوا بعدم إقامة حد الحرابة على المستأمن: ١- بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٢ قالوا في وجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله أمر المسلمين إبلاغ المستأمن مأمنه، وفي إقامة حد الحرابة عليه تفويت لهذا الحق فلا يقام عليه.٣ ٢- أن المستأمن لا تقام عليه الحدود التي هي حق لله تعالى، كحد الزنى، والسرقة، وقطع الطريق، - بخلاف الحدود والجنايات التي هي حق للعبد، فإنها تقام عليه كحد القذف، وجناية القصاص.٤

стр. 482

٣- أن المستأمن لم يلتزم أحكام الإسلام، وليس من أهل دار الإسلام وإنما دخل لحاجة يقضيها ثم يرجع إلى داره فلا يقام عليه حد الحرابة.١ ب- أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بوجوب إقامة حد الحرابة على المستأمن: ١- استدلوا بعموم النصوص الموجبة بإقامة حد الحرابة من غير فرق بين المسلم وغير المسلم. كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف﴾ ٢ فالآية عامة في وجوب إقامة حد الحرابة على المسلم وغيره كالمستأمن في دار الإسلام. ٢- وبحديث العرنيين السابق٣. فهو نص في وجوب إقامة حد الحرابة على مرتكبيها من المسلمين أو غيرهم كالمستأمنين. ٣- ولأن المستأمن عندما عقد الأمان وصار مقيماً في دار الإسلام صار ملتزماً لأحكامه، فيقام عليه حد الحرابة كما يقام عليه حد القصاص والقذف والسرقة.٤

стр. 483

٤- أن الغرض من إقامة الحدود هو الزجر والردع لمن يرتكب مثل هذه الجرائم، وفي إقامتها تحقيق لهذا الغرض، وكذلك تقام الحدود صيانة لدار الإسلام، فلو قلنا بعدم إقامتها على المستأمن لرجع ذلك إلى الاستخفاف بالمسلمين وما أعطي الأمان ليحصل منه ذلك.١ الرأي المختار: يتضح لنا مما سبق بيانه أن الرأي المختار هو القائل بإقامة حد الحرابة على المستأمن إذا قطع الطريق على المسلمين أو غيرهم في دار الإسلام وذلك للأسباب الآتية: ١- لأن الأصل في العقوبات الإسلامية سريانها على جميع المقيمين في دار الإسلام وتطبيقها عليهم. ٢- ولأن الجرائم كلها قائمة على الفساد في الأرض، وشرع العقاب لمنع هذه الجرائم، وانتشار الفساد في الأرض، وحتى ينزجر ويرتدع من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجرائم في دار الإسلام. ٣- ولأن اعتبار حد الحرابة من حقوق الله لا يمنع من إقامة الحد على المستأمن لأن حق الله هو حق المجتمع.٢ ٤- ولأن علة الحد وهي المحاربة عامة فتشمل المستأمن وغيره. ٥- ولأن هذا هو الذين يؤديه الدليل فالآية عامة في إقامة حد

стр. 484

الحرابة فتشمل المسلمين وغير المسلمين، والحديث السابق دل على أن الرسول ﷺ قطع أيدي العرنيين وأرجلهم ولم يفرق بين المسلم وغيره. ٦- ولأن المستأمن يجب إبلاغه مأمنه كما دلت الآية، ولكن ذلك فيما إذا دخل المستأمن دار الإسلام والتزم بمقتضى عقد الأمان، وهو الكف عن الجرائم التي تضر بالمسلمين وغيرهم، كجريمة الحرابة، أما إذا دخل دار الإسلام ولم يلتزم بعقد الأمان، وأخذ يرتكب الجرائم المؤدية إلى الفساد في الأرض وزلزلة أمن المجتمع، فعند ذلك لا حرمة له، وتقام عليه الحدود زجراً له وردعاً لأمثاله. وأيضاً الأولى لفقهاء الحنابلة أن يقولوا بإقامة حد الحرابة على المستأمن لأنهم قالوا بإقامة حد السرقة عليه وهذا أولى وضرره أعم ولأنهم قالوا بوجوب إقامة حد الحرابة على المسلم أو غيره إذا قطع الطريق على المستأمن وإقامته على المستأمن من باب أولى. وبناءً على هذا الاختيار يتضح لنا أثر اختلاف الدار في إقامة حد الحرابة على المستأمن في دار الإسلام. وكذلك في إقامته على المحارب للمستأمن من المسلمين أو غيرهم.

стр. 485

المبحث الخامس: أثره في ارتكاب جريمة البغي من المستأمن في دار الإسلام إن جريمة البغي من الجرائم المحرمة في الشريعة الإسلامية لأن فيها خروجاً عن طاعة الإمام الذي أمرنا بطاعته والولاء له، وهي من أخطر الجرائم التي تهدد أمن الدولة وسلامتها، فمن أجل ذلك شدد الشرع في عقوبة من ارتكب هذه الجريمة في دار الإسلام. وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريمها. فدليل تحريمها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١ فقد أمر الله في هذه الآية الكريمة بقتل الطائفة التي تبغي وتخرج عن طاعة الإمام، وتنفرد برأيها الخاص، والقتل لا يكون إلا على فعل محرم. أما دليل تحريمها من السنة: فبما روي عن عرفجة بن شريح ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه" ٢

стр. 486

فالحديث يدل على قتل من يريد تفريق جماعة المسلمين، والقتل لا يكون إلا على فعل محرم. أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم جريمة البغي، وأن عقوبة فاعلها إذا أصر عليها هو القتل١ أما المستأمنون إذا ارتكبوا هذه الجريمة في دار الإسلام فلا يخلوا ذلك من حالتين. الحالة الأولى: أن يرتكب المستأمنون جريمة البغي منفردين بأن يخرجوا عن طاعة إمام المسلمين ويعلنوا ذلك في دار الإسلام. فقد اتفق الفقهاء على أنهم بفعلهم هذا قد ارتكبوا جريمة محرمة نقضت عهدهم وصاروا كالحربيين الذين لا أمان لهم، ويجب قتالهم حتى يؤمن شرهم، وتكسر شوكتهم، وذلك لأنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين عندما عقد معهم الأمان على عدم الإضرار بالمسلمين. ولأنهم خرجوا على الدولة وهددوا أمنها واستقرارها وسلامتها،

стр. 487

كالبغاة المسلمين فتقام عليهم العقوبة كما تقام على المسلمين١ أما لحالة الثانية: فهي: أن يرتكب المستأمنون جريمة البغي بالاشتراك مع بعض البغاة المسلمين فقد اختلف الفقهاء في إقامة حد الحرابة عليهم إلى قولين: القول الأول: أن المستأمنين إذا ارتكبوا هذه الجريمة بالاشتراك مع البغاة المسلمين انتقض عهدهم وصاروا حربيين لا أمان لهم، وحلت دماؤهم وأموالهم كالبغاة المسلمين. وهو قول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة٢ القول الثاني: المستأمنون إذا ارتكبوا جريمة البغي مع بعض البغاة المسلمين لا ينتقض عهدهم ويعاقبون بالعقوبة المشروعة لهذه الجريمة لأنه صاروا تبعاً للمسلمين في هذه الجريمة، والمسلم لا ينتقض إيمانه إذا ارتكب هذه الجريمة، فكذلك المستأمن لا ينتقض أمانه بها. وهو قول فقهاء الحنفية٣ والمختار في هذا أن المستأمنين إذا ارتكبوا هذه الجريمة المحرمة سواء

стр. 488

كانوا منفردين أو مشتركين مع البغاة المسلمين انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم كالحربيين. لأنهم ارتكبوا جريمة هددت أمن الدولة الإسلامية وما عقد معهم الأمان للخروج على المسلمين والإضرار بهم. ولأن هذه الجريمة محرمة في دار الإسلام من المسلمين أنفسهم، ويستحقون العقوبة إذا لم يرجعوا عن فعلهم هذا، فكيف بالكافر الحربي الذي عقد معه الأمان على ألا يتعرض لأهل الإسلام، ويحافظ على دولتهم، ثم يرتكب هذا الجرم القبيح، فإنزال العقوبة الرادعة بحقه من باب أولى. وبهذا يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في ارتكاب جريمة البغي من المستأمن في دار الإسلام.

стр. 489

المبحث السادس: أثره في تجسس المستأمن في دار الإسلام إن جريمة التجسس على المسلمين من المستأمن أو من غيره من أعظم الجرائم المحرمة، لأن فيها محاولة للإطلاع على عورات المسلمين، وأسرار الدولة الإسلامية، وإخبار أعدائهم بذلك، مما يوجب إنزال العقوبة الرادعة لمرتكبي هذه الجريمة البشعة سواء كان التجسس عن طريق السماع أو الأجهزة الحديثة المتقدمة. وهي محرمة بالكتاب والسنة: فدليل تحريمها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فالآية الكريمة نص صريح في تحريم التجسس، لأن الله نهى عباده المؤمنين عنه، والنهي يفيد التحريم. أما الدليل من السنة: ١- فبما روى عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم

стр. 490

والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً".١ فهذا الحديث يدل على تحريم التجسس بين المسلمين أنفسهم، لأن النبي ﷺ نهى عنه والنهي يفيد التحريم وغيرهم من باب أولى. ٢- وبما روى عن ابن مسعود ﵁ قال: " نهانا رسول الله ﷺ عن التجسس".٢ وقد أجمع العلماء على أن عقوبة الجاسوس الحربي الذي دخل دار الإسلام بغير أمان، هي القتل.٣ لما روى عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ عين٤ من المشركين وهو في صفر - فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال النبي ﷺ : اطلبوه واقتلوه، فقتلته فنفلني سلبه".٥

стр. 491

قال الإمام النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق".١ واختلفوا في عقوبة المستأمن الحربي إذا تجسس على المسلمين في دارهم إلى قولين: القول الأول: إذا ارتكب المستأمن جريمة التجسس في دار الإسلام لا ينتقض عهده، وعقوبته الحبس ولمدة طويلة، بحسب ما يراه الإمام، وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف وهو مذهب الشافعية.٢ قال الإمام السرخسي: "وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فقتل مسلماً عمداً أو خطأ، أو قطع الطريق، أو تجسس أخبار المسلمين فبعث بها إلى المشركين أو زنى بمسلمة أو ذمية كرهاً أو سرق فليس يكون شيء منها نقضاً للعهد. وهذا كله إذا لم يشترط عليه ذلك في العقد، أما إذا شرط عليه في عقد الأمان عدم التجسس فخالف الشرط ففي هذه الحالة يجوز قتله".٣ وقال الإمام الشافعي: "وإن كان عيناً للمشركين على المسلمين يدل

стр. 492

على عوراتهم، عوقب عقوبة منكلة، ولم يقتل ولم ينقض عهده".١ القول الثاني: المستأمن الحربي إذا تجسس على المسلمين في دارهم ليخبر أهل داره بأحوالهم، وسائر أمورهم، انتقض عهده. وهذا مروي عن الأوزاعي، وهو قول المالكية والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية. ٢ أما القتل فقد صرح المالكية بقتله إذا تجسس إلا أن يسلم. فقالوا: "الجاسوس يتعين قتله إلا أن يسلم، لأن الأمان لا يتضمن كونه جاسوساً ولا يستلزمه ولا يجوز العقد عليه".٣ وهو أيضاً ما صرح به الإمام الأوزاعي وأبو يوسف من الحنفية.٤ أما الحنابلة: فقالوا: الإمام يخير بين القتل والاسترقاق والمن كأسير الحرب.٥

стр. 493

الأدلة: أولاً: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالسنة، والمعقول: أ - دليلهم من السنة: بحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: ائتوا روضة خاخ١ فإن بها ظعينة٢ معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خلينا، فإذا نحن بالمرأة فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها٣، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر الرسول ﷺ . الحديث.٤ وجه الدلالة من الحديث: الحديث دل على أن الجاسوس المستأمن لا يقتل ولا ينتقض عهده إذا تجسس على المسلمين

стр. 494

،لأن حاطب بن بلتعة تجسس على المسلمين وأخبر عدوهم بأخبارهم، ولم يكن هذا ناقضا لإيمانه، فقد سماه الله مؤمنا مع ما فعله، فكذلك المستأمن إذا تجسس على المسلمين لم يكن فعله ناقضا لأمانه.١ ويمكن أن يرد عليهم: بأنه لا دالة لهم في هذا الحديث لأن حاطباً كان مسلما ولم يقصد الإضرار بالمسلمين في تجسسه عليهم كما يفيده ظاهر الحديث، ومع هذا هَمَّ بعض الصحابة بقتله، لكن منعهم الرسول ﷺ من ذلك لمشاهدته لبدر، وقد عفا الله عنه وقبل توبته. فلا يتناول هذا الحديث المستأمن بأية حال من الأحوال، والمستأمن الحربي وغيره قصده من التجسس هو الإضرار بالمسلمين لمنفعة أهل داره، على عكس المسلم فتجسسه على المسلمين قد يكون لحاجة ومنفعة خاصة به، فقياسهم المستأمن الحربي على المسلم قياس مع الفارق لأن المسلم معصوم الدم بالإيمان، والمستأمن معصوم الدم بسبب الأمان، وهناك فرق بين الإيمان والأمان. أما دليلهم من المعقول: فقالوا إن المسلم إذا تجسس في دار الإسلام على أمور المسلمين وأخبر الأعداء بذلك، لم يكن تجسسه ناقضا لإيمانه فكذلك المستأمن إذا

стр. 495

تجسس على أمور المسلمين في دارهم لم يكن فعله هذا ناقضا لأمانه.١ ولكن يرد عليهم بأنه قياس مع الفارق، فلا مساواة بين المسلم وبين المستأمن الحربي لا في الدين ولا في العصمة. ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني: الذين قالوا بانتقاض عهد المستأمن إذا تجسس على المسلمين ويعاقب بأشد العقوبات كالقتل. استدلوا بالسنة والمعقول: أ - دليلهم من السنة: بما روي عن فرات بن حيان رضي الله عنه٢ أن رسول الله ﷺ أمر بقتله وكان عيناً لأبي سفيان وكان حليفاً لرجل من الأنصار، فمَرَّ بحلقة من لأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول إنه يقول إني مسلم فقال رسول الله ﷺ إن منكم رجالاً نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان.٣
следующие страницы →