← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المناقشة: أولا: مناقشة أدلة الحنفية ومن وافقهم الذين قالوا بإباحة الربا في دار الحرب أولا: مناقشة أدلتهم من السنة: ١- بالنسبة لاستدلالهم بحديث مكحول يرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث مرسل غريب كما يقول الأحناف أنفسهم كالزيلعي وابن الهام.١ وقال الإمام الشافعي: "الحديث ليس ثابت ولا حجة فيه"٢ وقال الحافظ ابن حجر: "لم أجده"٣ وقال النووي: "الحديث مرسل ضعيف فلا حجة فيه"٤ وقال العيني: "هذا حديث غريب ليس له أصل مسند"٥ وقال الحنابلة: "الحديث مرسل ومجهول، لا نعرف صحته ولم يرد في صحيح، ولا مسند ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل"٦

стр. 562

أجاب الحنفية عن ذلك فقال السرخسي: "الحديث وإن كان مرسلا فمكحول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول"١ ونحن لا ننكر بأن مكحول فقيه ثقة لكنه ليس مرسل صحيح حتى يقبل. وبهذا لم يثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ . الوجه الثاني: على فرض أن الحديث ثابت عن الرسول ﷺ وصحيح فهو محمول على أن معناه: لا يباح الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، جمعا بين الأدلة كما يقول النووي.٢ وقال ابن قدامة: "ويحتمل أن المراد بقوله: "لا ربا النهي عن الربا"٣ كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ ٤، قال الإمام السبكي: "واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات!! فيكون المراد بلا في الحديث نفي الحل والمشروعية جمعا بين الأدلة"٥ ٢- وكذلك حديث العباس لا دلالة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن النبي ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك،

стр. 563

وكان أول ربا وضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكانت مكة آنذاك دار حرب والعباس مسلم فأبطل رباه فيها.١ وكذلك يمكن الرد على استدلالهم بحديث العباس من وجوه: الوجه الأول: أنه من المحتمل أن يكون النبي ﷺ رخص للعباس خاصة بأخذ الربا منهم في مكة وهي دار كفر، فتكون الإباحة قضية عين لا يقاس عليها غيرها. الوجه الثاني: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه، وليس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو سلم استمراره عليه، فإنه قد لا يكون عالما بتحريمه فأراد النبيصلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ.٢ الوجه الثالث: أنه لا يبعد أن يكون تعامل العباس معهم بربا الفضل دون ربا الجاهلية - ربا الدين- وربا الفضل لم يكن معلوم التحريم لجميع الصحابة ﵃ لأن تحريمه كان يوم خيبر في السنة السابعة من الهجرة وعلى هذا فربما لم يبلغ العباس ﵁ تحريم ربا البيوع فكان يتعامل به لعدم معرفته بنهي النبي ﷺ عنه حتى أعلن ﵊ حرمته في خطبته بحجة الوداع، ووضع ربا العباس وكل ربا لم يقبض.٣

стр. 564

الوجه الرابع: أن العباس ﵁ كان يأخذ الربا - مطلقا- من المشركين بمكة وهو مسلم، لا لأن أخذ الربا من الحربيين حلال جائز في دار الحرب دون دار الإسلام، ولكن الربا وقتئذ لم يكن تحريمه قد استقر، ولم يكن تشريع الإسلام فيه قد اكتمل حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ وذلك بعد إسلام ثقيف وصلحهم في رمضان سنة تسع من الهجرة أي قبل حجة الوداع، أما قبل ذلك فلم يكن تحريمه باتا قاطعا، ولهذا كان العباس ﵁ يتعامل به ويأخذه من المشركين، وهو مسلم مقيم بمكة، حتى أتم الله تشريعه، وقضى بحرمته قضاء مبرما عند نزول الآية الكريمة المشار إليها، عندها امتنعرضي الله عنه عن أخذه وتوقف عن التعامل به، وقد جاء قوله ﷺ في حجة الوداع وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، تأكيدا لحكم الآية وترسيخا للحرمة وبيانا قاطعا للأمة بنهي الإسلام عنه بعدما كمل الدين وتمت الرسالة٢ وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ وإنما هو حجة عليهم. ٢- وكذلك حديث ركانة لا دلالة لهم فيه، وغاية ما يدل عليه

стр. 565

الحديث أن الرسول ﷺ صارع ركانه فصرعه الرسول ﷺ . وأيضا اللفظ الذي استدلوا به وهو "أن النبي ﷺ صارعه على بعض غنمه وأخذها منه عندما صرعه"، لا وجود له فيما اطلعت عليه من كتب السنة والآثار المشهورة، ولم يوجد إلا في كتبهم.١ وأيضا الثابت من الحديث ليس صحيحا بل فيه مقال.٢ وعلى فرض ثبوت الحديث ووجود اللفظ الذي استدلوا به، يقال لهم هذا ليس من باب الربا. ثانياً: مناقشة دليلهم من المأثور: استدلالهم بقصة أبي بكر ﵁ غير صحيح، لأنها لم تثبت باللفظ الذي ذكروه فما في السنن والآثار يخالف هذا اللفظ.٣ وبهذا يسقط احتجاجهم بهذه القصة. ثالثا: أما أدلتهم من المعقول فيمكن الرد عليها بما يلي: قولهم بأن أحكام المسلمين لا تجري على أهل الحرب في دارهم، نقول لهم نعم أحكام الإسلام لا تجري عليهم إلا إذا كانوا مستأمنين في دار الإسلام، ولكن يقال لهم بأن أحكام الإسلام تجري على المسلم المتعامل بالربا معهم وفي دارهم، ويجب عليه أن يلتزم بهذه الأحكام في أي

стр. 566

مكان في أنحاء الأرض، وبما أن أحكام الإسلام تجري عليه في دار الحرب فيحرم عليه التعامل بالربا مع الحربيين، لأن الربا محرم في الإسلام ولا يجوز للمسلم أن يتعامل به لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام. أما قولهم بأن المسلم إذا دخل دار الحرب بغير أمان فيجوز أخذ أموالهم بغير رضاهم، فهذا مسلم إذا كانت دار حرب، أما إذا كانت دار عهد ودخلها بدون أمان فلا يجوز له التعامل بالربا مع أهلها- فهذا لا يسلم- لأن المسلم حتى لو دخل بغير أمان لا يجوز أن يستبيح دماءهم وأموالهم إلا بحقها وهو فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين. أما إذا لم يعلنوا الحرب على المسلمين فلا يجوز له استباحة أموالهم وربما كانت هناك معاهدات ومهادنات بينهم وبين المسلمين فيحرم عليه استباحة أموالهم وأخذها بالطرق غير المشروعة. وأما قولهم: بأن الأصل في أموال الكفار الإباحة فهذا احتجاج غير مسلم، لأن الأمان الذي يعطاه المسلم في دار الحرب، يعني أن أهلها قد ائتمنوا على أرواحهم وأموالهم، وذلك يقتضي عدم جواز أخذ شيء من أموالهم بغير وجه حق، أو سبب مشروع، في مقابل التزام أهلها بعدم الاعتداء على نفسه وماله، بأي وجه من أوجه الاعتداء، كما شأن المستأمن في دار الإسلام، وثمرة ذلك انتفاء الإباحة الأصلية لأموالهم فتصير أموالهم معصومة بالنسبة إليهم، بموجب ذلك الأمان، ولا يخفى أن عصمة المال شرعا كما تتحقق بالإسلام فإنها تتحقق بالعهد، والأمان الذي بينه

стр. 567

وبينهم عهد معتبر شرعا١ وفي هذا يقول النووي: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فاقترض منهم شيئا، أو سرق وعاد إلى دار الإسلام لزمه رده. لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان.٢ وقال ابن قدامة: "وما ذكروه من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام، فإن ماله مباح إلا فيما حظره الأمان، ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل، وهو محرم بالإجماع فكذا ههنا"٣ ولأن الربا لما كان في الإسلام من الأسباب المحظورة للتملك ومن صور أكل مال الغير بالباطل، لم يجز للمسلم أن يأخذ مال الحربيين في دارهم بعدما وجد الأمان بينه وبينهم فيها، كما لا يحل له بإجماع الفقهاء أن يأخذ به شيئا من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام بأمان.٤ واحتجاجهم بأن أموالهم مباحة بالاغتنام هذا فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين، وهذا لا يلزم منه استباحتها بالعقود الفاسدة، حيث أن الشارع وإن أباح أيضا نساءهم بالسبي لكن لم يجزها بالعقد الفاسد، ومن ثم لا تباح أموالهم بالعقود الفاسدة، ولأن أموالهم لا تباح بالاغتنام إذا كان بينهم وبين المسلمين أمان، وفي هذا يقول ابن العربي: "قلنا إنما يجوز أخذه بوجه جائز

стр. 568

في الشرع من غلة وسرقة، في سرية فأما إذا أعطي من نفسه الأمان ودخل دارهم فقد تعين عليه أن يفي بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لما لهم ولا لشيء من أمرهم، فإن جوز القوم الربا فالشرع لا يجوزه، فإن قال أحدهم إنهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطب بها"١ وقال النووي: "ولا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد"٢ ولأن تحريم الربا أتى عام شامل لدار الحرب وغيرها، والشارع الحكيم لن يحرم الربا في مكان، ويبيحه في مكان آخر، لأن المسلم يخاطب بأحكام الشريعة الإسلامية في أي بقعة وجد فيها. ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور الذين قالوا بتحريم الربا في دار الحرب: رد عليهم الحنفية فقالوا: بالنسبة لعموم الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا إنما هو في المال المحرم والمعصوم، أما المال المباح كأموال الكفار في دار الحرب، فيجوز أن تأخذ بأي طريق غير طريق الغدر، فالربا إذا كان برضا منهم فهو مباح معهم، ويبقى العموم في المال المحظور.٣ ويمكن أن يجاب عن ذلك:

стр. 569

بأن الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا عامة في أي مكان في دار الإسلام أو في دار الحرب لم يرد ما يخصص هذا العموم إلا حديث مكحول وهو مرسل ضعيف لا يقوى على التخصيص، وفي هذا يقول ابن قدامة ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به.١ وأيضا هذا المرسل على فرض صحته فهو محمول على تحريم الربا في دار الحرب.٢ أما بالنسبة لقولهم بأن الربا محرم في دار الحرب كما هو محرم في دار الإسلام، يقال لهم هذا بالنسبة للمسلمين فيما بينهم وبين الحربيين إذا كانوا مستأمنين في دارهم، أما الحربيين في دارهم فتباح أموالهم لعدم التزامهم بأحكام الإسلام، وأموالهم مباحة لا عصمة لها، أما في دار الإسلام فهي معصومة بسبب الأمان.٣ ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن النصوص الواردة في تحريم الربا عامة من غير فرق بين مكان وآخر، ومسلم وحربي، وأموال الحربيين لا تكون مباحة للمسلم وبخاصة إذا دخل دارهم بأمان فيجب عليه الوفاء بالعهد وعدم الغدر بهم وأكل

стр. 570

أموالهم بالباطل ولا تباح له إلا بطريق الاغتنام إذا أعلنوا الحرب على المسلمين.١ وحتى لو جاز للحربي التعامل بالربا فإنه محرم على المسلم الملتزم لأحكام الإسلام في كل مكان أن يتعامل به. أما القياس: فهو قياس مع الفارق: لأن المستأمن الحربي في دار الإسلام ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بسبب الأمان، أما الحربي غير المستأمن فلا عصمة لماله لأنه لم يلتزم لأحكام الإسلام. ويجاب عن ذلك: بأننا لا ننكر بأن الحربي المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بالأمان، وعلى العكس الحربي غير المستأمن، لكن القياس ليس من هذه الناحية بل القياس من ناحية التحريم، فالربا كما هو محرم مع الحربي في دار الإسلام، محرم معه في دار الحرب لعموم النصوص من الكتاب والسنة الواردة في التحريم ولم يرد ما يخصص هذا العموم. الرأي المختار: بعد أن عرضنا آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها، يتضح لي أن الرأي المختار هو رأي الجمهور فالربا لا أثر له في اختلاف الدار فهو محرم في دار الحرب كما هو محرم في دار الإسلام. وذلك للأسباب الآتية: ١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها كالعموم الوارد في تحريم الربا وغيره

стр. 571

من العقود الفاسدة في دار الحرب ولم يرد نص صحيح في تخصيص هذا العموم. ٢- ولأن الربا محرم في كل مكان كما دلت النصوص على ذلك فلا يصير حراما في مكان دون آخر وإباحة أموال الحربيين عن طريق الغنيمة يختلف عن أخذها بالعقود الفاسدة كعقد الربا. وفي هذا يقول ابن العربي: "إن ما يجوز أخذه بوجه جائز في الشرع من غلة وسرقة في سرية، فأما إذا أعطي من نفسه الأمان ودخل دارهم فقد تعين عليه أن يفي بأن لا يخون عهدهم ولا يتعرض لمالهم، فإن جوز القوم الربا فالشرع لا يجوزه، فإن قال أحد منهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطب بها"١ ٣- ولأن هذا الرأي هو المتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية وسمو تعاليمها وسدها كل الأبواب والطرق للتوصل إلى إباحة الربا المحرم، وحتى يتأثر الناس بأحكامها في أي بقعة من بقاع الأرض. ٤- ولأننا لو أخذنا بالرأي المخالف لأدى ذلك إلى إباحة التعامل بالربا مع البنوك والمصارف الأجنبية الكافرة، باعتبار أنها مصارف قوم حربيين وهذا ما يحرمه الشرع. على العكس منه الأخذ برأي الجمهور فإنه يسد الباب لمن تحدثه نفسه بأخذ هذه الفوائد المحرمة باعتبار أنها من قوم حربيين وأنها من

стр. 572

المحرمات، التي حرمها الله ، في كتابه وأكد ذلك الرسول ﷺ في سنته. ولأن الربا لما كان في الإسلام من الأسباب المحظورة للتملك ومن صور أكل مال الغير بالباطل، لم يجز للمسلم أن يأخذ أموال الحربيين في دارهم بعدما وجد الأمان بينه وبينهم فيها، كما أنه لا يحل له بإجماع الفقهاء أن يأخذ به شيئا من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام بأمان. واحتجاجهم بأن أموالهم مباحة بالاغتنام هذا فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين، هذا كله فيما إذا دخل المسلم دار الكفر الحربية بأمان، أما إذا دخلها بغير أمان، فكما سبق لا يجوز له أن يعطهم الربا ويجوز له أن يأخذه منهم. وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أنه لا أثر لاختلاف الدار في التعامل بالربا في دار الحرب. فالربا كما يحرم على المسلم التعامل به في دار الإسلام، فكذلك في دار الحرب إذا دخلوها بأمان. وأيضا إذا دخلوها بدون أمان، لا يجوز لهم إعطاء الكفار الربا، ويجوز لهم أخذه منهم، وكذلك في دار الإسلام الحربي إذا دخلها بدون أمان، لا يجوز إعطاءه الربا، ويجوز أخذه منه لأنه لا عصمة له، ولأنه يجوز أخذ ماله عن طريق الغنيمة والغصب ونحو ذلك، أي بدون رضاه، فجوازه عن طريق العقود الفاسدة من باب أولى لأنه برضاه.

стр. 573

المبحث الثاني: أثره في نكاح الكتابية في دار الحرب النكاح من مقاصد الإسلام الأساسية لما يترتب عليه من مصالح وفوائد وحكم كثيرة كحفظ الدين وتحقيق الأمن وإحصان الزوجين، وحفظ النسل والنسب والقيام على رعاية الأولاد والزوجة إلى جانب غرس كثير من الصفات الطيبة كحسن التعامل والصبر وتحمل المسؤولية، والترابط بين الأسر وتحقيق المودة والسكن والاستقرار بين الزوجين إلى غير ذلك من المقاصد والمصالح العظيمة التي تتحقق في النكاح، وقد رغب الإسلام في نكاح المؤمنة، ومراعاةُ الجانب الديني أهم وأول ما يجب اعتباره في اختيار الزوجة لقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك"١. وليحرص المسلم على الزواج بالمسلمة لأنها خير من الكافرة وقد حرَّم الإسلام الزواج بالمشركات فقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٣

стр. 574

وتحريم النكاح بين المسلمين والمشركين ممن لا كتاب لهم محل إجماع بين العلماء.١ وكذلك يحرم زواج الكافر بالمسلمة مطلقاً سواء كان كتابياً أم غيره٢. أما زواج المسلم بالكتابية فقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى جوازه٣، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤ ولما ورد عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم تزوجوا بالكتابيات وأباحوا الزواج بهن٥ إلا ما آثر عن ابن عمر ﵄

стр. 575

أنه حرم نكاح المسلم بالكتابية، فقد ثبت في الصحيح عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: إن الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله.١ وقوله هذا حمله بعض العلماء على الكراهة، وأنه كان متوقفاً في ذلك.٢ وعلى فرض ثبوته فهو فهم منه واجتهاد ولا يقوى على معارضة الآية التي صرحت بإزاحة نساء أهل الكتاب.٣ إن قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤ جاء عاماً في إباحة تزوج نساء أهل الكتاب، لم يفرق بين أن يتزوجها المسلم في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولكن الفرق إنما بين من يتزوجها في دار الإسلام أو في دار الحرب لأن السلطة وغلبة الأحكام والهيمنة في دار الإسلام للمسلمين، فهم الذين يحكمون بما أنزل الله، ويرفعون راية الإسلام، ويظهرون شعائره، فالكتابية في هذه الدار ذمية، تدفع الجزية عن

стр. 576

يد وهي صاغرة ذليلة، وتلتزم بأحكام الإسلام العامة، وتطلع على محاسن الإسلام، وعندئذ يكون ميلها لدين زوجها المسلم أقرب، فالكتابية في هذه الدار تختلف عن الكتابية في دار الحرب التي تكون السلطة فيها والهيمنة وغلبة الأحكام للكفار، لأنهم أهل الحل والعقد، ويحكمون بخلاف شرع الله، بقوانينهم الوضعية، المخالفة للإسلام، والراية المرفوعة والشعائر الظاهرة فيها، هي شعائر الكفر لا الإسلام، فالكتابية الحربية حرة تفعل ما تشاء، بل إن لها السيطرة والسلطة على زوجها في أكثر البلدان الكافرة، وتمسكها بدين أهلها وعقيدتهم وعاداتهم وأخلاقهم، هو الوارد، وتكون أقل ميلا وتمسكا بدين زوجها، لأن المحيط العام بها هو خلاف هذا الدين، بل ربما أثرت على زوجها الذي يعيش بين أحضانها، ليعتنق دينها، وأيضا على أولاده الذين يتربون بين يديها، ويتغذون بلبنها الملوث بالخمر والخنزير بهذا الفرق بين الدارين اختلف العلماء في حكم الزواج بالكتابية في دار الحرب إلى قولين: القول الأول: يباح للمسلمين نكاح نساء أهل الكتاب في دار الحرب مع الكراهة. وهو قول الجمهور الحنفية في الصحيح، والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب.١

стр. 577

القول الثاني: يحرم على المسلمين نكاح نساء أهل الكتاب في دار الحرب. وهو قول ابن عمر١، وابن عباس ﵃ والنخعي، ومجاهد، والثوري، والحكم.٢ وبه قال فقهاء الحنفية في رواية، قال ابن عابدين: "إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح ويجوز تزوج الكتابيات، والأولى أن لا يفعل، وتكره الكتابية الحربية إجماعاً، فقوله: الأولى أن لا يفعل يفيد أن الكراهة تنزيهية في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية تأمل" ٣، وهو وجه لفقهاء الحنابلة، قال صاحب المحرر: "لا يحل لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب غير الحربيات، وفي الحربيات وجهان"٤ وقال المرداوي: "قيل يحرم نكاح الحربية مطلقا، وقيل يجوز في دار الإسلام، لا في دار الحرب، وإن اضطر، وهو منصوص كلام أحمد"٥.

стр. 578

وقال الخرقي: "ولا يتزوج بأرض العدو إلاّ أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة، ويعزل عنها ولا يتزوج منهم" ١ الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالكتاب، والمعقول: دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢. وجه الدلالة من الآية الكريمة: الآية عامة في إباحة نساء أهل الكتاب للمسلمين، ولم تفرق بين أن يكون الزواج بها في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فاختلاف الدار لا أثر له في إباحة الزواج أو تحريمه. قال الجصاص: "وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع، الذميات والحربيات، لشمول الاسم لهن" ٣. وقال صاحب البحر المحيط: "عموم الآية يدل على جواز نكاح

стр. 579

الكتابية الحربية، لاندراجها في عموم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ١ وقال القاسمي: "استدل بعموم الآية من جوز نكاح الحربيات الكتابيات"٢ أما دليلهم على أن الزواج بالكتابية في دار الحرب أشد كراهة منه في دار الإسلام، فاستدلوا على ذلك بالمعقول. وهو: أن نكاح الكتابية المقيمة في دار الحرب، يفضي إلى أمور سيئة منها: - أن زوجها مقيم معها في دار الحرب، وهذا فيه تكثير لسواد الكفار، وقد تبرأ رسول الله ﷺ ممن أقام مع المشركين ولم يهاجر إلى ديار المسلمين. - أن الكتابية التي في دار الحرب لم تخضع لأحكام الإسلام، بخلاف التي في دار الإسلام، وهذا مما يقوي سلطتها على زوجها، وشدة تأثيرها عليه، فيميل إلى حبها ومودتها، فتفتنه عن دينه، وتخلقه بأخلاقها، وتعوده على عاداتها الفاسدة. - أن الكتابية في دار الحرب تشرب الخمر وتأكل الخنزير وغيرهما من المحرمات، عياناً بياناً، والدين المحيط بها هو الكفر، فميلها إلى دين

стр. 580

أهلها وقومها هو الأقرب، بل ربما أثرت على زوجها، فمال معها، بخلاف الكتابية في دار الإسلام، فإنها تشرب الخمر، وتأكل الخنزير، خفية ولا يسمح لها بالتظاهر به، والدين المحيط بها هو الإسلام بعزته وآدابه السامية، فميلها إلى دين زوجها هو الأقرب. - تنشئة أولاده، فَلَذَات كبده، على دينها الخبيث، وخلقها وعاداتها السيئة، لأنها هي الأقرب لهم من أبيهم، فعطفها وحنانها له تأثير كبير على سلوكهم وأخلاقهم، ولكون الدين المحيط بهم هو الكفر، والخلق والعادات المحيطة بهم هي خلق وعادات الكفار، فهذا أيضا له الأثر البالغ في ميل أبنائه إلى دين أمهم وأخلاقها. - تعريض الولد للاسترقاق، لأنها ربما تكون حاملا منه، فتنتشب الحرب بين المسلمين والكفار، وينتصر المسلمون على عدوهم، وتؤسر الأم، فلا تصدق بأن هذا الحمل من مسلم، فيترتب على ذلك أن يولد الولد رقيقا مملوكا، لمن وقعت الأم في أسره. فلهذه المفاسد وغيرها كثير، كان النكاح بالكتابية في دار الحرب أشد كراهة منه في دار الإسلام.١

стр. 581

ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: الذين قالوا بتحريم نكاح الكتابية في دار الحرب. استدلوا بالكتاب، والمأثور، والمعقول. أولا: دليلهم من الكتاب: أ- بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله أباح نكاح أهل الكتاب للمسلمين، والمراد بهن في هذه الآية، الذميات دون الحربيات، لأنهن يلتزمن بأحكام الإسلام، ويد فعن الجزية، ويتمكن المسلمون من الركون إليهن، وتطمئن النفوس إلى نكاحهن في الجملة.١ ب- وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢ وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر بقتال الكفار من أهل الكتاب الحربيين

стр. 582

الذين لايؤدون الجزية، والأمر بقتالهم يوجب عدم محبتهم ومودتهم، فعلى هذا لا يحل التزوج من نسائهم الحربيات، لأن الزواج مودة ومحبة.١ ج- وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ وجه الدلالة من الآية: أن الله نفى عن المؤمنين بالله حقا، محبة ومودة أعداء الله، الذين عصوا ربهم، ونصبوا أشد العداوة والبغضاء لعباده المسلمين، وبما أن هذه الصفات المذكورة متحققة في الكتابية الحربية، تكون مندرجة تحت ما نفاه الله عن عباده المؤمنين، من محبة ومودة أعدائه. فبهذا لا يحل التزوج بالحربية، لأن الزواج مودة ومحبة.٣ د - وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ ٤ وجه الدلالة من الآية: فقد بين في هذه الآية أن الخبيثة للخبيث، والعكس، والكتابية الحربية خبيثة، فلا تكون للمسلم الطيب، لأن الطيبين للطيبات.٥

стр. 583

ثانيا: دليلهم من المأثور: بما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن نكاح الكتابية الحربية، فقال: لا تحل وتلا قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال: فمن أعطى حل، ومن لا فلا.١ وجه الدلالة: أن ابن عباس ﵄ حرم الزواج بالكتابية في دار الحرب، مستندا في ذلك إلى كتاب الله ، فالتي تدفع الجزية هي التي تحل، وهي الذمية، أما الحربية التي لا تدفع الجزية فلا تحل. قال القاسمي: "وهذا الاستدلال دقيق جدا فليتأمل"٢ ثالثا: دليلهم من المعقول: من أربعة أوجه:

стр. 584

تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١ والرسول ﷺ يقول: "نا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم، فالتزوج بالكتابية الحربية محرم، لأنه يفضي إلى الإقامة معها في دار الحرب وفي هذا مخالفة لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ الهجرة منها، وتكثير لسواد الكفار، وتقليل لعدد المسلمين.٢ ٢- أن المسلم الذي يفعل هذا الزواج، يخشى عليه من موالاة أعداء الله ورسوله والمسلمين، وقد نهى الله عن موالاتهم، ومحبتهم، في أكثر من آية. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٣ ٣- لأن المسلم بفعله هذا يعرض نفسه وولده لمخاطر سيئة لا يستطيع الإفلات منها، فربما أثرت عليه وعلى ولده فتخلقوا بأخلاقها، وشبوا على عاداتها وعادات قومها الفاسدة، وأخطر من هذا ربما مالوا إلى دينها وارتدوا عن الإسلام، مع ما يحصل من الاسترقاق لأولاده عندما تؤسر أمهم وهي حامل منه، فلا تصدق بأن هذا الحمل من مسلم. مع ما يحصل للزوج من الانغماس في المحرمات، ومشاهدة المنكرات التي لا يقدر على إنكارها، بل قد يموت قلبه فيقرها، وقد تمارس امرأته

стр. 585

أنواعا منها، وهو لا يقدر على منعها، بل ربما مع طول الزمن صار مثلها.١ فلهذه المفاسد والمخاطر وغيرها كثير، يحرم على المسلم أن يتزوج بالكتابية في دار الحرب. المناقشة: أ- مناقشة أدلة الجمهور القائلين بإباحة نكاح الكتابية الحربية مع الكراهة: بالنسبة لاستدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ يقال لهم: بأن الآية خاصة بنكاح الكتابيات في دار الإسلام، وهن الذميات، لأنهن يدفعن الجزية، ويلتزمن بالأحكام الإسلامية العامة، فرجاء إسلامهن هو الأقرب، كما فهم ذلك ابن عباس ﵄. والله عندما أباح نكاحهن للمسلمين، ليس فقط لقضاء العشرة الزوجية معهن، بل الأهم من ذلك هو ميلهن إلى دين أزواجهن وهو الإسلام. أما الكتابية الحربية، فخرجت من عموم الآية، لأنها لم تجر عليها

стр. 586

الأحكام الإسلامية، ولم تدفع الجزية، فالهدف الذي من أجله أباح الله نكاحها للمسلمين قد لا يحصل، بل ربما حصل العكس، وهو تأثيرها على زوجها المسلم وأولاده، فمالوا إلى دينها ودين قومها، وهو الكفر. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه لا دليل على تخصيص الآية بالذميات، فالآية عامة في إباحة الزواج بالكتابيات حربيات أو ذميات، وهذا هو ما فهمه أكثر أهل العلم.١ ويرد على ذلك: بأن الآثار المروية عن بعض الصحابة في تحريم الزواج بالكتابيات في دار الحرب، وما سبق ذكره من المخاطر والمفاسد التي تعود على المسلمين بزواجهم من الكتابيات الحربيات، قد يخصص العموم، فتخرج الكتابية الحربية من هذا، وتبقى الآية خاصة بالذمية. أما الرد على ماستدلوا به من المعقول على كراهة الزواج بهن كراهة تنزيهية: فيمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمل هذه المفاسد والمخاطر، التي تعود على المسلم، بزواجه من الحربية على الكراهة التحريمية هو الأولى، لأن المسلم الذي يتزوج بالحربية، سيبقى مقيما معها في دار الحرب، والله أمر

стр. 587

المسلمين بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١ فبقاء المسلم مع زوجته الحربية في دارها فيه مخالفة لأمر الله بالهجرة، ومخالفة المسلم أمر ربه محرم، وبهذا يكون الزواج بالكتابية الحربية محرم، لأن ما أدى إلى الحرام فهو محرم، والزواج بالكتابية الحربية يؤدي إلى الإقامة في دار الحرب وتكثير سواد الكفار، وهذا محرم. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلمتبرأ من المسلم الذي يقيم بين المشركين، والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم، وهو الإقامة مع المشركين في دارهم عندما يتزوج المسلم بالكتابية الحربية ب- مناقشة أدلة القائلين بتحريم الزواج بالكتابية في دار الحرب: بالنسبة لاستدلالهم بالكتاب. فيرد عليه بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ففي هذه الآية لا دلالة على تحريم الزواج بالكتابية الحربية، لأن الآية نص صريح في الإباحة، وجاءت عامة، لم تفرق بين الحربيات والذميات، وتخصيصها بالذميات لا دليل عليه ويجاب عن ذلك:

стр. 588

بأن عموم الآية يمكن أن تخصصه الآثار المروية عن بعض الصحابة في تحريم الزواج بالحربية، والمفاسد الخطيرة التي تعود على المسلم من الزواج بها، والفرق الكبير بين الزواج بها في دار الإسلام، والزواج بها في دار الحرب، كل ذلك يمكن أن يخصص هذا العموم فتبقى الآية محمولة على الذميات دون الحربيات. وكذلك باقي الآيات التي استدلوا بها، ليس لهم فيها ما يدل على تحريم نكاح الكتابية في دار الحرب. ٢- فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أمرت بقتال من يمتنع عن دفع الجزية من المشركين، وعدم قتال من يدفعها منهم مع الصغار والذلة، فهذا ما دلت عليه، ولا علاقة لها بتحريم الزواج من الكتابية الحربية.١ يمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الآية الكريمة لها علاقة بتحريم الزواج بالكتابية الحربية، وهذا هو الذي فهمه حبر الأمة ﵁ فقال: من دفع الجزية فقد حل، ومن لم يدفع لا يحل٢، وهذا استدلال وجيه، لأن الكتابية الذمية، عندما تدفع الجزية وتلتزم لأحكام الإسلام وآدابه، فهذا من أكبر الدوافع لاعتناقها لدين الإسلام، الذي أباح الله نكاحها للمسلمين، وعلى العكس، الكتابية

стр. 589

الحربية التي لا تدفع الجزية، ولا تجري عليها الأحكام الإسلامية، فرجاء إسلامها بعيد، بل ربما أثرت على زوجها المسلم وأولاده، لاعتناق دينها، والارتداد عن الإسلام. فمن أجل ذلك حرمها حبر الأمة ﵁ للفارق الكبير بينها وبين الكتابية الذمية. وقد أيد القاسمي هذا الاستدلال، فقال هذا الاستدلال دقيق جدا فليتأمل. ٣- أما قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ فغاية ما تدل عليه هذه الآية، النهي عن مودة ومحبة أعداء الله، ولا علاقة لها بتحريم الزواج من الكتابية الحربية٢، حتى لو شمل النهي مودة ومحبة المسلم لزوجته الكتابية الحربية، إنما يكون ذلك إذا أحبها لدينها وأخلاقها وعاداتها التي تخالف الدين الإسلامي، أما إن أحبها لشخصها، المحبة الطبيعية، التي تكون بين الزوجين، فهذا لا بأس به، ولا يضره بشيء، وعلى فرض أن ذلك شامل للكتابية الحربية فهو محمول على الكراهة التنزيهية.

стр. 590

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن النهي عن مودة ومحبة أعداء الله يشمل الكتابية الحربية، لأنها إذا كانت في دارها فهي من ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، لأنها ربما تجسست على المسلمين عن طريق زوجها، وربما أثرت عليه ومال إلى دينها، وانضم إلى قومها لمحاربة المسلمين. وبهذا لا يحل نكاحها، لأنه يؤدي إلى المودة والمحبة التي نهى الله عنها في هذه الآية. ٤- وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ .. الآية ١. ٥- وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ... ﴾ الآية ٢. فهذه عمومات خصصتها آية المائدة، التي أباحت نكاح الكتابية من غير فرق بين أن يكون ذلك في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولا دلالة لهم فيها على التحريم.٣ ثانيا: مناقشة استدلالهم بالمأثور: ما روي عن ابن عباس ﵄ من أن الزواج بالكتابية الحربية لا يحل، لا يقوى على معارضة آية المائدة، التي صرحت بإباحة

стр. 591

الكتابية، من غير فرق بين الذمية والحربية، وأيضا يمكن حمل قوله هذا على الكراهة التنزيهية، لا التحريمية، وهذا ما ذهب إليه أكثر أهل العلم. ويجاب عن هذا الرد: بأن ابن عباس ﵄ لا يمكن أن يقول بخلاف ما في كتاب الله، وآية المائدة الصريحة في إباحة الكتابية فهم منها أنها خاصة بالذمية، دون الحربية، لأن - الذمية- تدفع الجزية، وتلتزم للأحكام الإسلامية. أما حمل قوله بعدم الإباحة على الكراهة التنزيهية فلا دليل على ذلك، بل حمله على التحريمية هو الأولى، لأن أكثر العلماء نقل ذلك عنه فلا يفهم من قوله - لا تحل إلا التحريم ثالثا: مناقشة أدلتهم من المعقول: هذه المفاسد والمخاطر، التي ذكرت بأن المسلم يتعرض لها عند زواجه بالكتابية الحربية، يمكن حملها على الكراهة التنزيهية، وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم. لكني أقول بأن حملها على التحريم هو الأولى، لأنها تؤدي إلى فعل الحرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام. الرأي المختار: بعد عرض آراء الفقهاء في حكم الزواج بالكتابية في دار الحرب، وأدلة كل منهم، وما ورد عليها من نقد، اتضح لي بأن الرأي القائل

стр. 592

بتحريم الزواج بالكتابية في دار الحرب، هو الرأي الأولى بالاختيار، وذلك للأسباب الآتية: ١- أنه لا يجوز للمسلم الإقامة في دار الكفر، إذا لم يستطع إظهار شعائر دينه، كما صرحت بذلك الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١، والسنة المطهرة حيث قال ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ٢. والمسلم بذهابه إلى ديار الكفار وزواجه بنسائهم الحربيات، يخاف عليه من الإقامة معهم والركون إليهم، والوقوع تحت سيطرتهم ورحمتهم، وهو بفعله هذا يكون مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ بالهجرة من ديارهم، ومخالفة أمرها محرم، ولأن المسلم لا يستطيع أن يظهر شعائر دينه في أرض أعدائه والمحاربين له، والذين يدعون دائما إلى الحرية المطلقة والقوانين الوضعية، فهم يمنعون المسلم أن يحكم زوجته حسب تعاليم الشريعة الإسلامية، والقوامة التي ذكرها الله في كتابه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ٣، فإنها لا توجد في قوانينهم الوضعية، فالمرأة عندهم حرة التصرف، تفعل ما تشاء، وتعاشر من تشاء، وتحب من تشاء، وما دام أنها كذلك، فمما لا شك فيه أنها ستؤثر على

стр. 593

زوجها بأخلاقها القبيحة وعاداتها السيئة، وربما مال إلى دينها دين الهوان والمذلة، مرتدا عن دين العزة والكرامة. ٢- إباحة نكاح الكتابية في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وإن كانت عامة، لم تفرق بين حربية وغيرها، إلا أن من الصحابة ﵃ من فهم منها أنها خاصة بالذميات، دون الحربيات، - كابن عباس ﵄ للفارق الكبير بين الكتابية الذمية، والكتابية الحربية، فالذمية تلتزم بأحكام الإسلام وآدابه، وتدفع الجزية صاغرة ذليلة، والدين المحيط بها هو دين زوجها، فإسلامها هو الأقرب، والذي من أجله أباحها الله للمسلمين، أما الكتابية الحربية فلا تجري عليها أحكام الإسلام، ولا تدفع الجزية، والدين المحيط بها هو الكفر، دين أهلها وقومها فإسلامها غير متوقع، بل ربما أثرت على زوجها وأولاده، بتعرضهم للكفر، وهذا مما يؤيد فهم ابن عباس ﵄ بأن الآية خاصة بالذمية، والصحابة ﵃ كما هو معلوم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ٣- وللخوف على ذرية المسلم من الكتابية الحربية، لأن الأم هي المدرسة التي يتربى فيها الأولاد، فهي بعطفها وحنانها وحبها لهم، وكونها أقرب لهم من أبيهم، ستؤثر عليهم، فينشئون ويتربون على خلقها الفاسد، وعاداتها وعقيدتها السيئة، لأنها تغذيهم بلبها المستخلص من المشروبات والمأكولات المحرمة، كالخمر والخنزير، فهم من الصغر يشبون على أكل

стр. 594

وشرب المحرم، وعلى العقائد والأخلاق الباطلة، التي تخالف الدين الإسلامي، فهو بهذا يكون قد غرس لأعداء الإسلام غرسا جاهزا ناضجا ما عليهم إلا أن يقطفوا ثمرة هذا الغرس، ليتقووا به ضد المسلمين، الذين هم أولى بالغرس وثماره، لتكثير سوادهم، وتقليل سواد أعدائهم، ومما لا شك فيه أن حفظ الذرية من أهم متطلبات الحياة، والمقصد الأساسي لحفظ النسل، هو تحقيق عبادة الله وحده، لأنه ما خلقهم إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ ولهذا صرح بعض العلماء بكراهية الزواج، حتى من المسلمة في دار الحرب، وإذا فعل، الأولى أن لا ينجب، ولا يطأ المسلم جاريته في فرجها، كل القصد من ذلك، هو حفظ الذرية المسلمة وعدم تعريضها لأخلاق الكفار وعاداتهم وعقائدهم الباطلة، هذا مع ما يتعرض له المسلم في أرض الكفر من المحرمات والمنكرات ومشاهدة البدع والضلالات، التي لا يستطيع الإفلات منها، لأن امرأته تمارس الكثير منها بل ربما ختمت على قلبه، فرضي بها وأقرها، حتى يرتد عن دينه. وبناءً على هذه المخاطر والمفاسد، وغيرها كثير، أختار القول: بتحريم نكاح الكتابية في دار الحرب، لأن تناول الشيء المباح إذا أدى إلى مفاسد ومخاطر تفوق مصلحته، غلب جانب تلك المفاسد والمخاطر على مصلحته، ومفاسد ومخاطر ومساوىء نكاح المسلم للكتابية في دار الحرب

стр. 595

تفوق المصالح المترتبة على هذا النكاح، بل ربما غطت عليها.١ ولا يجوز للمسلم أن يتزوج بالكتابية في دار الحرب إلا عند الضرورة أي عند الخوف من الوقوع في الزنا، وإذا اضطر المسلم إلى الزواج بها في دار الحرب، فعليه أن يعمل شتى الطرق لعدم الإنجاب. وبهذا الاختيار يتضح لنا بأن اختلاف الدار له أثر في زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب. لأن زواجه منها في دار الإسلام مباح مع الكراهة. أما في دار الحرب، فهو محرم، إلا عند الضرورة، بناءً على القول المختار. أما عند الجمهور فهو مباح، لكن مع الكراهة الشديدة، فحتى على رأي الجمهور، أثر اختلاف الدار في حكم نكاح الكتابية في دار الحرب، ففي دار الإسلام يباح مع الكراهة، وكذلك في دار الحرب لكن مع الكراهة الشديدة، التي قد تصل في بعض الأحوال إلى الكراهة التحريمية. أما زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر في هذا الزمان فالأولى تركه إلا عند الضرورة عندما يخاف المسلم على نفسه من الزنا، فلا بأس أن يتزوج بها، وعليه أن يعمل شتى الطرق لعدم الإنجاب لما يترتب على ذلك من المفاسد والمخاطر التي سبق ذكرها عند الكلام على زواج الكتابية.

стр. 596

ولأن غالب الدول الكافرة في هذا الزمان أقرب إلى دار الحرب، وإن كانت ظاهرها أنها دور عهد بينها وبين المسلمين معاهدات وعلاقات يترتب عليها تبادل السفراء والتعامل التجاري والاقتصادي إلا أنها في حقيقة الأمر تحارب المسلمين بطرق خفية غير مباشرة بمد يد العون والمساعدة بالمال والسلاح والرجال للدول المحاربة للمسلمين، وأيضاً إن المعاهدات والاتفاقات المبرمة بينها وبين المسلمين تتخذ صفة الدوام وليس على أسس وشروط إسلامية وغالب المصالح والفوائد تحظى بها الدول الكافرة، بل إن الضرر الذي يعود على المسلمين من وراء هذه المعاهدات أكثر من النفع، ولا يبالون بتلك المعاهدات والاتفاقات متى ما تهيأت لهم الفرصة في الإضرار بالمسلمين كما هو الحال والمشاهد في الوقت الحاضر.

стр. 597

المبحث الثالث: أثره في الفرقة ١ بين الزوجين أجمع العلماء على أنه إذا أسلم الزوج سواء أكان في دار الإسلام أم في دار الكفر وكانت له امرأة كتابية أن إسلامه لا يؤثر في زواجهما، ولا تحصل الفرقة بينهما، ويبقى زواجها على حاله، لأن المسلم يحل له التزوج بالكتابية ابتداء، فكذا يحل له البقاء معها، لأن البقاء معها أسهل من الابتداء بالزواج منها. وكذلك أجمعوا على أنه إذا أسلم الزوجان معا فهما على نكاحهما، سواء كان قبل الدخول، أو بعد الدخول، ولا فرق في ذلك بين دار الإسلام ودار الحرب.٢ قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حالة واحدة. أن لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع، وقد أسلم خلق في زمن النبي ﷺ ونساؤهم، وأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقينا"٣

стр. 598

وقال ابن القيم: "إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، فإن كانت المرأة كتابية لم يؤثر إسلامه في فسخ النكاح، وكان بقاؤه كابتدائه، وإن كانت غير كتابية وأسلم الزوجان معا، فهما على النكاح، سواء قبل الدخول أو بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف"١ أما إذا كان أحد الزوجين في دار الإسلام، وكان ذميا مقيما بها إقامة مؤبدة، أو مستأمنا مقيما بها إقامة مؤقتة، فأسلم دون زوجه الذي في دار الكفر، أو كان مقيما بدار الكفر، فأسلم ثم هاجر إلى دار الإسلام وزوجه الآخر في دار الكفر. فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن اختلاف الدارين- دار الإسلام، ودار الكفر- سبب من أسباب الفرقة بين الزوجين، وهو مروي عن الثوري، وبه قال فقهاء الحنفية،٢ وإليه إشارة في مذهب الإمام مالك - بل عبارة -كما قال ابن العربي.٣ والقرطبي.٤

стр. 599

ومعنى اختلاف الدارين الذي تتحقق به الفرقة عند الحنفية ومن معهم هو أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الإسلام حقيقة أو حكما، بالإسلام أو الذمة، والآخر من أهل دار الكفر - أي كافرا حربيا - كأن يسلم أحد الزوجين في دار الكفر، ثم يهاجر إلى دار الإسلام، أو يخرج أحد الزوجين من دار الكفر إلى دار الإسلام، ذميا، أو مستأمنا، ثم يسلم أو يعقد عقد الذمة، أو يخرج المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر مرتدا عن دينه، أو يخرج الذمي من دار الإسلام إلى دار الكفر ناقضا للعهد، ففي جميع هذه الأحوال تجب الفرقة بين الزوجين، لتباين الدارين بينهما. أما إذا كان الزوجان مسلمين، فخرج أحدهما إلى دار الكفر بأمان أو بغيره، فلا تقع الفرقة، لأنهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيما في دار الكفر، والآخر في دار الإسلام، فاختلاف الدار لا أثر له بالنسبة للزوجين المسلمين.١ القول الثاني: أن اختلاف الدارين ليس سببا من أسباب الفرقة بين الزوجين، سواء كان الاختلاف حقيقة أو حكما، بالإسلام أو بالذمة، ولا يفرق بينهما إلا إذا انقضت العدة بدون إسلام المتأخر منهما، فالفرقة حينئذ تقع لاختلاف الدين بينهما، وليس لاختلاف الدار. وهو مروي عن الأوزاعي والليث بن سعد.

стр. 600

وهو قول جمهور الفقهاء المالكية في الصحيح، والشافعية والحنابلة.١ الأدلة: أولا: أدلة الحنفية الذين قالوا إن اختلاف الدار يوجب الفرقة: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول والقياس: أ- دليلهم من الكتاب: ١- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢
следующие страницы →